الرئيسية بلوق الصفحة 232

هل يدفع زكاة ماله لأخيه الذي يصرف عليه والده؟

السؤال:

أولًا: أتقدم لفضيلتكم وأهنئكم ونفسي بحلول شهر رمضان المبارك غفر الله لنا ولكم ولجميع المسلمين.

 ثانيًا: سؤالي يتعلق بالزكاة وأعتذر أن سؤالي خارج أحكام الصيام, ولكن لأهمية السؤال وخصوصًا أن زكاتي أخرجها في هذا الشهر الكريم, لذا أرجو عدم إهمال سؤالي، جعله الله في موازين حسناتكم.

السؤال:

هل يجوز أن أدفع كامل مبلغ زكاة أموالي ( 8400  ريالًا ) لأخي الذي لم يكمل دراسته الجامعية بسبب ظروفه الصحيَّة النفسيَّة ولم يجد وظيفة، وهو الآن مقيم عند والدي الذي يصرف عليه علماً أن والدي مستور الحال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز.

وتجب نفقة أخيك على والدك، ولا يجوز لك دفع الزكاة لوالدك إن احتاج للنفقة واستطعت النفقة عليه، فإن كان مستور الحال ولا يحتاج لنفقتك، وكان أخوك الذي في رعاية والدك محتاجاً للمال لفقره أو مسكنته وكان غير قادر على الكسب: فيجوز لك إعطاءه من زكاة مالك، وهي صدقة وصلة، وبخاصة أنك لا ترثه.

* فالأخ يعطي أخاه من زكاة ماله في حالات معينة:

  1. إذا كان المزكِّي لا تجب عليه نفقة أخيه لكونه غير وارث منه.
  2. إذا كان المزكِّي لا ينفق على أخيه لعدم كفاية ماله لتلك النفقة.
  3. إذا كان مال الزكاة في قضاء ديْن الأخ.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

توفي والدي – رحمه الله – وترك أسرة مكونة من سبعة أشخاص مع امرأة أخرى غير والدتي، وليس لهم معيل سواي بعد الله سبحانه، فهل يجوز اعتبار ما أنفقه عليهم من مالي الخاص زكاة شرعية لأموالي تلك – علماً بأنني متزوج وأعول أسرة أنا الآخر -؟.

ثانيا: لي أخ أكبر متزوج من زوجتين، وله من العيال الكثير، ولا يكاد يكفيهم، ويطلب مني المساعدة كثيراً، فهل يجوز اعتبار ما أرسله له من الزكاة الشرعية؟.

فأجابوا:

لا مانع من صرف الزكاة لأخوتك من الأب ذكورهم وإناثهم مستقبلا، إذا كانوا فقراء ليس لديهم من المال ما يغنيهم عن الزكاة، وهكذا يجوز لك صرف الزكاة مستقبلا لأخيك الأكبر إذا كان فقيراً ليس لديه من المال أو الكسب ما يغنيه عن الزكاة لعموم آية الصدقات في قوله تعالى: ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) [ التوبة / الآية 60 ].

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 57 ، 58 ) .

* وقالوا – في موضع آخر -:

يجوز لكم إعطاء إخوتك الأشقاء ووالد زوجتك من الزكاة ما يكفيهم إذا كان ما يدخل عليهم لا يكفيهم. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 59 ).

* وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

وسؤالكم عما إذا كان لكم أخ، أو أخت شقيقة، فهل يجوز دفع زكاتك إليه؟.

جوابه:

إن كان دفعك الزكاة إليه يتضمن إسقاط واجب له عليك، مثل أن تكون نفقته واجبة عليك فتعطيه من الزكاة، لتوفِّرَ مالك عن الإنفاق عليه: فهذا لا يجوز؛ لأن الزكاة لا تكون وقاية للمال، وإن كان لا يتضمن إسقاط واجب له، مثل أن تكون نفقته غير واجبة عليك، لكونك لا ترثه، أو لكون مالك لا يتحمل الإنفاق عليه مع عائلتك، أو تعطيه لقضاء دين عليه لا يستطيع وفاءه: فهذا جائز أن تدفع زكاتك إليه، بل هو أفضل من غيره وأولى؛ لأن إعطاءه صدقة وصلة.

” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 18 / 422 ، 423 ).

 

والله أعلم.

حملت قبل أن تبدأ في القضاء ولا تستطيع الصوم

السؤال:

كان على زوجتي أيام حيض لم تصمها من رمضان الماضي وقبل أن تنوى قضاء هذه الأيام قبل رمضان القادم حملت، والدكتورة المعالجة لها أخبرتها ألا تصوم نهائيًّا خلال فترة الحمل واحتمال فترة الرضاعة أيضا نظرا لضعفها العام وخوفًا على الجنين، لذلك فهي لن تستطع أن تصوم هذه الأيام، فماذا تفعل بالنسبة لهذه الأيام؟ وماذا تفعل إذا لم تستطع قضاء أيام رمضان القادم قبل مجيء شهر رمضان التالي له؟.

 

الجواب:

الحمد لله

وسَّع الله تعالى في قضاء رمضان لمن أفطر بعذرٍ شرعي إلى اليوم الأخير من شعبان، إلا أنه لا ينبغي لمسلم أن يغترَّ بهذا التأخير لتأجيل القضاء؛ لأنه قد تعرض له الحاجة أو التغير فيشق عليه القضاء أو يمتنع، وبخاصة النساء فإنهن معرَّضن للحمل والحيض والنفاس.

ومن تأخر في القضاء إلى أن ضاق عليه الوقت فانقضى شعبان ولم يقضِ ما عليه: فإن كان متعمدًا فهو آثم، وإن لم يتعمد فلا إثم عليه، وفي كلا الحالين يجب عليه القضاء بعد رمضان الثاني، وقد أوجب بعض أهل العلم عليه مع القضاء فدية طعام مسكين عن كل يوم، فإن تيسر له ذلك وفعله فلا بأس وإلا فالقضاء يكفيه.

* سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله –:

ما حكم من أخر القضاء حتى دخل رمضان التالي؟.

فأجاب:

تأخير قضاء رمضان إلى رمضان التالي لا يجوز على المشهور عند أهل العلم؛ لأن عائشة – رضي الله عنها – قالت: ” كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان “، وهذا يدل على أن لا رخصة بعد رمضان الثاني، فإن فعل بدون عذر فهو آثم، وعليه أن يبادر القضاء بعد رمضان الثاني، واختلف العلماء هل يلزمه مع ذلك إطعام أو لا يلزمه؟ والصحيح: أنه لا يلزمه إطعام؛ لأن الله عز وجل يقول: ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فلم يوجب الله سبحانه وتعالى سوى القضاء.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال 357 ).

* وسئل الشيخ رحمه الله :

امرأة أفطرت أيامًا من رمضان العام الماضي ثم قضتها في آخر شعبان، وجاءتها العادة واستمرت معها حتى دخل رمضان هذا العام، وقد بقي عليها يوم واحد فماذا يجب عليها؟.

فأجاب بقوله:

يجب عليها أن تقضي هذا اليوم الذي لم تتمكن من قضائه قبل دخول رمضان هذا العام، فإذا انتهى رمضان هذه السنة قضت ما فاتها من رمضان العام الماضي.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال 358 ).

* وسئل رحمه الله – أيضًا –:

امرأة أفطرت في رمضان للنفاس، ولم تستطع القضاء من أجل الرضاع حتى دخل رمضان الثاني، فماذا يجب عليها؟.

فأجاب بقوله:

الواجب على هذه المرأة أن تصوم بدل الأيام التي أفطرتها ولو بعد رمضان الثاني؛ لأنها إنما تركت القضاء بين الأول والثاني للعذر، لكن إن كان لا يشق عليها أن تقضي في زمن الشتاء ولو يومًا بعد يوم: فإنه يلزمها ذلك، وإن كانت ترضع، فلتحرص ما استطاعت على أن تقضي رمضان الذي مضى قبل أن يأتي رمضان الثاني، فإن لم يحصل لها فلا حرج عليها أن تؤخره إلى رمضان الثاني.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال 360 ).

 

والله أعلم.

عطية الأب لأحد أبنائه متى تحل ومتى تحرم؟

عطية الأب لأحد أبنائه متى تحل ومتى تحرم؟

السؤال:

فضيلة الشيخ…

جدي لوالدي – رحمه الله – كان له ولدان وثلاث بنات، زوَّج عمتي الكبرى سنة (1950 م ) وأعطاها مبلغاً كبيرا وقتها – 160 جنيه – وهو ما يوازي فدانا من الأرض الزراعية وقتها لمساعدتها في زواجها.

سنة ( 1970 م ) تزوج والدي ولم يساعده في زواجه بأي مبلغ، وفي سنة (1972 م ) تزوجت عمتي الوسطى وساعدها بمبلغ (700 جنيه ) وهو ما يوازي تقريباً ثمن فدان من الأرض الزراعية.

وفي سنة ( 1973 م ) توفي عمي في الحرب مع اليهود ( نحسبه شهيدًا عند الله سبحانه وتعالى ) , وكان عمر جدي وقتها ( 73 سنة ) ، وفي سنة ( 1975 م ) تزوجت عمتي الصغرى وساعدها بمبلغ ( 700 جنيه ) وهو ما يوازي تقريبًا ثمن فدان من الأرض الزراعية، وفي سنة ( 1975 م ) أعطت الدولة لجدي مبلغًا وقدره ( 7000 جنيه ) كمكافأة أو كدية عن وفاة عمي في الحرب، في تلك الفترة كان والدي ووالدتي يعملان بمنطقة بعيدة عن مكان إقامة جدي وكان راتبهما في تلك المنطقة يزيد عن راتبهما في مكان إقامة جدي حوالي مرة ونصف، ولما مات عمي وبناء على رغبة جدي في وجود والدي بجواره لرعايته قام والدي على الفور بنقل عمله لمكان إقامة جدي، ويعلم الله أنني أحسب والدي كان بارًّا بجدي حتى وفاته سنة ( 1992 م ) .

في سنة ( 1975 م ) أعطى جدي لوالدي مبلغ الـ (7000 جنيه) التي حصل عليها جدي كمكافأة لوفاة عمي في الحرب وذلك لعدة أسباب كما قال ذلك جدي منها: 1. أنه لم يساعده في زواجه.

  1. تعويضاً له عن انخفاض مرتبه هو ووالدتي عند نقلهما بناء على رغبة جدي.
  2. ليقوم بعمل مشروع يساعده.
  3. ليكون بجواره تخفيفاً لحزنه على وفاة عمي.
  4. ليقوم برعاية أرض جدي والإشراف عليها حيث كانت مساحتها كبيرة.

أخذ والدي المبلغ والذي كان يوازي حوالي ( 10 أفدنة ) من الأرض الزراعية وقام بشراء ( 14.5 ) فدان وسدد من إيراد الأرض باقي ثمن تلك الأفدنة (14.5 ) بالإضافة لما كان يمتلك جدي (20 فدانًا ) كانت في حيازة جدي الفعلية؛ حيث كان هو المتصرف في إيراد كل تلك الأراضي مع ضعف إيراد الأراضي الزراعية وقتها، قام والدي برعاية جدي وجدتي حتى وفاتهما.

قام والدي بالتضحية بمنصب هام سنة ( 1983 م ) ليرعى جدي، قام جدي سنة ( 1984 م ) بكتابة البيت الذي يسكن به جدي باسم والدي، توفي جدي سنة (1992 م ) عن عمر ( 92 سنة ) ، تم توزيع باقي تركة جدي ( 20 فدانًا ) حسب نصيب الميراث الشرعي لكل فرد، لم تطالب أي من عماتي بتلك الأرض إلا بعد وفاة جدي بحوالي ( 9 سنوات ).

فضيلة الشيخ أفتونا فيما يلي:

أولًا: حكم الهبة التي أعطاها جدي لوالدي ( 7000 جنيها ) ، فلقد أفتاني بعض العلماء بجواز ذلك على أساس أنها هبة مسببة، وأفتاني بعض العلماء بعدم جواز ذلك؛ لأن جدي لم يهب لعماتي مثل أو ما يقارب ما وهبه لوالدي.

ثانيًا: إذا كانت الفتوى بعدم جواز ذلك فهل:

  1. يتم توزيع أصل المبلغ ( 7000 جنيهًا ) على الورثة.
  2. يتم حساب قيمة النقود ذهبًا بسعر وقتها وتوزيع كمية الذهب على الورثة.
  3. يتم توزيع جملة الأرض ( 14.5 فدانا ) بالتساوي.
  4. يتم توزيع جملة الأرض ( 14.5 فدانا ) حسب الميراث الشرعي لكل فرد.
  5. يتم توزيع الـ ( 10 أفدنة ) وهي أصل الأرض قبل سداد ثمن الباقي من الإيراد. 6. أن يقوم والدي بحساب ما يوازي مصاريف زواجه ومصاريف شراء شقة للسكن

 وهو ما يوازي حوالي ( 2000 جنيه )؛ لأن جدي ذكر أن ذلك من أسباب الهبة ويقوم بخصمه من القيمة الأصلية للهبة.

  1. هل ذلك على سبيل الاستحباب أم الفرض؟
  2. هل يستفيد جدي من ذلك بعد وفاته؛ لأنني أعلم أنه فعل ذلك وهو يظن عدم مخالفة ذلك للشرع.
  3. وهل يستفيد في حالة افتراضية أنه كان يعلم الحكم ومات وهو مصر على ذلك؟

ثالثًا: حكم كتابة المنزل باسم والدي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في وجوب التسوية بين الأولاد في العطية، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن التسوية بينهم في العطايا مستحبة, وليست واجبة, وذهب الحنابلة, وأبو يوسف من الحنفية, وهو قول ابن المبارك, وطاووس, وهو رواية عن الإمام مالك – رحمه الله -: إلى وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة، فإن خص بعضهم بعطية, أو فاضل بينهم فيها أثم, ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض, وإما إتمام نصيب الآخر.

– والقول الثاني هو الأرجح.

ثانيًا:

واختلف العلماء في معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: فذهب جمهور الفقهاء إلى أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون تفضيل; لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق بين الذكر والأنثى.

وذهب الحنابلة, والإمام محمد بن الحسن من الحنفية, وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى أن المشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم: أي للذكر مثل حظ الأنثيين; لأن الله سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا, وهو خير الحاكمين, وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا.

وقول الجمهور هنا هو الأرجح، وإن لم يكن كذلك فهو أحوط.

– وانظر – في المسألتين – ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 359 ، 360 ) ومنها نقلنا ما سبق.

ثالثًا:

والكلام السابق في وجوب العدل بين الأبناء إنما هو في العطية لا في النفقة، والعطية هي تمليك مال أو أرضٍ لأحد الأولاد دون باقي إخوته وأخواته، وليس المراد منه النفقة التي ينفقها الوالد على أولاده؛ إذ من المعلوم أن نفقة الصغير غير نفقة الكبير، ونفقة الذكَر غير نفقة الأنثى.

وليس المراد كذلك من الوجوب النفقة لسبب، ومعنى ذلك: أن من أنفق على أحدِ أولاده لمرضٍ أو تعليم أو زواج فإنه لا يلزمه إعطاء باقي أولاده قدر ما أنفق على أصحاب الحاجات السابق ذِكرها، إلا أن المطلوب منه والواجب عليه أن يعدل مع أولاده إذا ما اشتركوا في تلك الحال كأن يمرض آخر فيمتنع عن علاجه، أو يرغب واحد منهم بالتعليم أو الزواج فلا يعينه كما أعان غيره من أولاده.

وقد تختلف النفقات التي تكون لسببٍ تبعاً لاختلاف الزمان أو المكان أو طبيعة المرض والعلم والزواج، ولا يُلزم الأب بدفع التكاليف نفسها التي دفعها للأول؛ لما ذكرناه من اختلاف النفقات تبعًا للمكان أو الزمان.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والحديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضًا، وهو في ماله ومنفعته التي ملَّكهم والذي أباحهم كالمسكن والطعام.

ثم هنا نوعان:

نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فتعديله فيه: أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.

ونوع تشترك حاجتهم إليه من عطية أو نفقة أو تزويج، فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.

وينشأ من بينهما نوع ثالث وهو: أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة مثل أن يقضي عن أحدهما ديْنًا وجب عليه من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر، وتجهيز البنات بالنِّحَل أشبه، وقد يلحق بهذا، والأشبه أن يقال في هذا: أنه يكون بالمعروف، فإن زاد على المعروف: فهو من باب النِّحَل، ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر: أنفق عليه قدر كفايته، وأما الزيادة: فمن النِّحَل. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 245 ، 346 ).

رابعًا:

ومن ظلم من الآباء أحد أولاده فإن الواجب عليه أن يتدارك ذلك قبل موته، ويصلح ما قد أفسده، إما بأن يُرجع ما أعطاه من العطية المحرَّمة أو بإعطاء الآخرين مثل ما أعطى الأول من غير زيادة ولا نقصان.

والإرجاع للعين المأخوذة ظلمًا: إن كانت باقية كما هي فإنها ترجع بعينها، وإن كانت قد بيعت أو تُصرِّف فيها: فإنه تُقدَّر قيمتها عند أخذها وتوضع في التركة.

فإن مات الوالد ولم يُرجع ما أعطاه ظلمًا: فإن الواجب على من أُعطي من أولاده تلك العطية المحرَّمة أن يجعلها في التركة ويقتسمها الورثة على حسب شرع الله تعالى، ويُرجى أن يكون ذلك تخفيفاً على الوالد وتكفيرًا لما فعله، ولا شك أنه آثم إن كان عالمًا بحرمة ما فعل، وليس بآثم إن كان جاهلًا أو أنه استفتى أحدًا من أهل العلم فأفتاه بجواز فعله.

خامسًا:

وما يفعله الابن مع أبيه من مساعدة في عمل أو سكنى بجانبه وتحمل إيجار بيتٍ، أو ترك وظيفةٍ مقابل خدمة والديه: فإنه إن كان فعل ذلك بنية التبرع المحض والبر بوالديه: فإنه لا يجوز له المطالبة بعوَضٍ عن ذلك، وأما إن كان فعل ذلك بقصد تأجير نفسه لوالديه والتكسب من تلك الأعمال: فله أن يأخذ عوَضاً عن ذلك، إلا فيما يتعلق بالبر المحض – كالإطعام والسقاية – فإن هذا من الواجبات ولا يحل له أخذ شيء مقابله.

ومثل هذا يقال للأب، فإن كان قد أعطى أحد أبنائه مالًا أو أرضًا مقابل خدمته وأعماله معه: فإنه لا حرج عليه في ذلك، على أن لا يكون في تقدير العمل محاباة، فإن أُعطي الولد أكثر مما يستحقه: فإنه يجب عليه رد الزائد لوالده في حال حياته أو جعله في التركة إن كان قد مات والده.

سادسًا:

ونرجو أن نكون أجبنا عن جميع تساؤلاتك فيما ذكرناه سابقًا، وإنما عممنا الكلام ليشمل غيرك، فقد كثرت مثل هذه المسائل في الأسَر المسلمة، فيكون مثل هذا الجواب شاملاً للجميع وليس لواحدٍ بعينه أو قضية لذاتها.

 

ويمكن إجمال الرد على قضيتك بالنقاط التالية:

  1. ما أعان به جدُّك بعض أبنائه وبناته بالزواج لا يجوز للباقين أن يأخذوا مقابله، إلا أن يكون الآخرون قد احتاجوا وكان قادراً ولم يفعل.
  2. ما أُعطي لجدِّك بعد وفاة عمِّك: يجب أن يوزَّع على حسب الشرع بين ورثة عمك؛ لأنه دية وليس مكافأة لجدِّك.
  3. إن كان انتقال والدك ليكون بالقرب من جدِّك برًّا به وتبرعًا محضًا: فلا يجوز له استيفاء شيء مقابل هذا.
  4. ما اشتغل به والدك وقام به من أعمال له أن يأخذ مقابلها أجرة المثل إن كان فعل ذلك بقصد تأجير نفسه.
  5. إن أعطى جدُّكَ والدَك مالًا أو أرضًا مقابل خدمته والعمل عنده: فإنه يجوز له أن يأخذه على أن لا يكون أكثر مما يستحق.
  6. لا يجوز لجدِّك كتابة المنزل باسم والدك؛ لأنه قد أعطاه المال مقابل عمله، فالواجب على والدك جعل المنزل في التركة وتقسيمه على حسب الشرع.
  7. نرجو لجدك المغفرة والرحمة، ولوالدك الأجر والثواب على برِّه بأبيه، ونسأل الله تعالى أن يهديكم لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

سافر من بلد صائما ووصل لبلد أهله مفطرون, فهل يفطر أم يمسك؟

السؤال:

صام أول يوم في مصر برؤية شرعية، ثم سافر إلى السعودية فوجدهم مفطرين؛ حيث إنه لم يثبت دخول رمضان في السعودية، فماذا عليه أن يفعل في هذا اليوم؟ وهل يجب عليه الفطر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هلاله، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يومًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ” رواه البخاري ( 1801 ) ومسلم (1080 ).

ولا يجوز اعتماد الحساب الفلكي لإثبات دخول الأشهر القمرية.

ثانيًا:

يجوز لهذا الأخ السائل أن يكون مفطرًا من أجل سفره، كما رخَّص الله تعالى ذلك بقوله: ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ من البقرة / من الآية 185 ].

* قال ابن كثير رحمه الله:

معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر أي: في حال السفر: فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 222 ).

فإذا أفطر بعذر السفر فليس عليه إمساك حين يصل إلى بلد يصوم فيه أهله، فضلاً أن يكونوا مفطرين.

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “.

ثالثًا:

فإن لم يفطر، بل التزم الصيام حسب البلد التي خرج منها، ثم وصل بلداً لم يُعلن فيها الصيام: فإن كان يرى أن رؤية الهلال في بلد تلزم جميع المسلمين، أو كان يرى وجوب التزام الصيام والإفطار للبلاد المتفقة في مطالعها, وكان الأمر كذلك في البلد التي سافر منها والتي وصل إليها: فله أن يبقى صائماً إن لم يكن هذا هو بلده الأصلي؛ ويلزمه الصوم إن كان هذا هو بلده الأصلي؛ لأنه يعد في الأولى مسافرًا، وفي الثانية مقيماً، ويعدُّ هذا اليوم هو الأول من رمضان؛ لوضوح الأمر في الأول – وهو التزام المسلمين جميعًا برؤية واحدة -، ولكون الصوم لازماً لكل البلاد التي اتفقت في مطالعها، وما وصل إليه من بلد هو كذلك، ويؤكد بقاءه صائمًا في الحال الثانية كون البلد التي قدم إليها ووجدهم مفطرين لا يعتمدون على الرؤية في صيامهم بل على الحساب.

وإن كان يرى أن لكل بلدٍ صومه بحسب إعلان الصوم فيه المبني على الرؤية: فليس له أن يبقى صائماً، بل يلتزم حكم البلد التي وصل إليها، فإن صام معهم وكان مجموع صومه تسعًا وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا: فقد تمَّ صوم شهره وليس عليه شيء، وإن كان مجموع صومه ثمانية وعشرين يومًا: فيلتزم صوم البلد التي هو فيها وفطرهم، وعليه أن يقضي يومًا بعد العيد؛ لأن الشهر يكون تسعًا وعشرين وثلاثين ولا يكون ثمانيةً وعشرين.

فإن كان الأخ السائل – أو غيره – ليس عنده ترجيح في مسألة رؤية الهلال: فله أن يقلِّد من يثق بدينه وعلمه من أهل العلم، وفتوى الشيخ عبد العزيز بن باز – وجماعة من أهل العلم – أنه يأخذ حكم البلد التي وصل إليها، فليلتزم صومهم وفطرهم، ويقضي إن كان مجموع صومه أقل من تسعة وعشرين يومًا.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

إذا ابتدأ الصيام في بلد ثم سافر إلى بلد صاموا قبلهم أو بعدهم: فإن حكمه حكم من سافر إليهم فلا يفطر إلا بإفطارهم ولو زاد عن ثلاثين يومًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” الصوم يوم تصومون والإفطار يوم تُفطرون “، وإن نقص صومه عن تسعة وعشرين يومًا: فعليه إكماله بعد العيد إلى تسعة وعشرين يومًا؛ لأن الشهر الهجري لا ينقص عن تسعة وعشرين يومًا. من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، فتاوى الصيام ” ( ص 15 ، 16 ) دار الوطن.

 

والله أعلم.

جامع زوجته وهي تقضي من رمضان, فماذا يترتب عليهما؟

السؤال:

جامعت زوجتي قبل رمضان وكانت تقضي بعض الأيام من شهر رمضان السابق، ولم تتمكن من قضاء جميع الأيام.

ملاحظة: استأذنتني بالصيام وأذنت لها.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز لمن شرع في صوم واجب كقضاء رمضان أو كفارة يمين أن يفطر إلا من عذر، كمرض أو سفر.

فإن أفطر – بعذر أو من غير عذر- بقي القضاء في ذمته، ووجب عليه قضاء أن يصوم يومًا مكانه، فإن كان فطره من غير عذر وجب عليه – مع القضاء – التوبة إلى الله من هذا الفعل المحرم .

وإن كان الإفطار بسبب الجماع – لا بسبب الطعام والشراب – لم تجب الكفارة؛ لأن الكفارة لا تجب إلا بالجماع في نهار رمضان، والكفارة هنا هي عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.

ولا شك أنك آثم بجماعك زوجتك في صيامها الواجب، وهي آثمة إن كانت قد طاوعتك، والواجب عليكما التوبة والاستغفار، والندم على الفعل، والعزم على عدم العود، فإن أجبرتها فلا إثم عليها.

ولا تجب عليها الكفارة – كما سبق – لأن الجماع لم يكن في نهار رمضان، ويبقى اليوم الذي أفطرت به بسبب جماعك لها في ذمتها، والواجب عليها قضاءه قبل مجيء رمضان.

 

والله أعلم.

كان ممنوعًا من الطعام بسبب المرض فهل يجب عليه الصيام؟

السؤال:

لقد ذهبت في عمل الأسبوع السابق، وبالصدفة في يوم الأحد ( 19 / 10 / 2003 ) قمت بعملية جراحية على الزائدة، ولقد منع عني الشرب لمدة ( 3 أيام )، ثم سمحوا لي بشرب الماء والعصائر فقط حتى يوم السبت الموافق ( 25 / 10 ), وبالصدفة كان اليوم المقبل أول أيام رمضان, ولا أستطيع الصيام؛ لأني أتضور جوعاً، ولقد طلب مني الطبيب أن [ أبدأ ] في الأكل من يوم الأحد, وسوف أفطر الاثنين وهو رمضان، ولقد أفطرت لأني كنت جائعًا ولا أستطيع قبله السحور؛ لأنه ممنوع عليَّ الأكل, فهل هذا جائز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر أنك معذور في إفطارك؛ لأنك لا تزال في عذر المرض، وقد أسقط الله تعالى وجوب الصيام عن المريض فقال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) [ البقرة / من الآية 184] .

فالظاهر لنا جواز فطرك اليوم الأول والثاني من رمضان لعذر المرض، والواجب عليك قضاء هذه الأيام بعد انتهاء شهر رمضان، متفرقة أو متتابعة على حسب السعة والقدرة، والأولى الإسراع في القضاء بعد انتهاء الشهر مباشرة.

 

والله أعلم.

أفطرت أيامًا كثيرة جاهلة حكمها وعددها

السؤال:

لا أعرف كم أفطرت في السنوات الماضية وأنا مع أهلي حيث كنا نعيش في القرية ولم يكن أحد يعرف عن أحكام الصوم شيء، وقد أفطرت في هذه الأيام ولا أعرف كم أفطرت، فقمت بدفع مبلغ من المال عن هذه الأيام، وبعد زمن عرفت من إحدى الأخوات أنه لازم أن أقضي هذه الأيام وأنا لا أعرف عدد هذه الأيام فماذا أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على المسلم تعلم الأحكام الشرعية الضرورية، سواء النظرية منها مثل ما يتعلق بالعقائد وأصول الدين، أو العملية كالطهارة والصلاة، فإذا كان من أصحاب المال فيجب عليه تعلم أحكام الزكاة، وإذا كان من أصحاب التجارات فيجب عليه تعلم أحكام البيوع، وهكذا، فإذا قرب شهر رمضان فإنه يجب على مسلم مكلَّف أن يتعلم أحكام الصوم حتى لو كان عاجزا عن الصوم؛ وذلك ليتعلم ما يجب عليه من بدل.

فالواجب عليكم التوبة والاستغفار من تفريطكم في السؤال وطلب العلم في هذا الباب.

ودفع المال لا يجوز حتى للعاجز عن الصيام كالكبير والمريض مرضا مزمنا؛ لأن الواجب على هؤلاء في حال فطرهم أن يُطعموا عن كل يومٍ مسكينًا واحدًا، ولا يجزئ دفع المال عن الأيام التي يفطرون فيها.

وعليه:

فما دُفع منكم من مال نرجو أن يكون صدقة لكم ترون أجرها يوم القيامة.

وأما الواجب عليكم فهو قضاء تلك الأيام التي أفطرتموها، ويمكنكم حسابها بالتروي حتى تصلوا إلى عدد يقيني فإن لم تستطيعوا فعلى غلبة الظن، فإن غلب على ظنكم أنها 30 يوما – مثلا – فالواجب عليكم صيام هذه الأيام، وهكذا لو كانت أقل أو أكثر و { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها }.

ولا يجب عليكم صومها متتابعة، بل يجوز لكم تفريقها بحسب الوسع والطاقة، لكن عليكم المبادرة لصيامها وعدم الوقوع في التأخير مرة أخرى.

وعليك البداءة بقضاء رمضان من السنة الفائتة أولا؛ حتى لا يدخل رمضان التالي قبل صيامها .

وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يجب عليكم مع الصيام إطعام مسكين عن كل يوم مقابل تأخير الصيام، لكن الراجح أن الواجب عليكم هو الصيام فقط، وخاصة إن كنتم فقراء، فإن استطعتم الإطعام مع الصيام فحسن.

وهذا كله في حال أنكم أفطرتم بعذر شرعي كالحيض، أما إن لم تكونوا معذورين في إفطاركم: فلا قضاء عليكم، بل عليكم التوبة والاستغفار وتعويض هذه الأيام بصيام النوافل وأعمال الخير.

 

والله أعلم.

لم تصم ما عليها من قضاء رمضان تسع سنوات

السؤال:

أنا فتاة كنت ضائعة، والحمد الله اهتديت، ولكن سؤالي بأني قبل كنت أصوم رمضان, ولكن الدَّيْن الذي عليَّ لم أصمه لمدة ( 9 سنوات ), أي: حوالي ( 50 يوما)، وأنا لا أستطيع أن أصومها كلها، وأستطيع النصف، والباقي سأتبرع عنه بمبلغ، هل يجوز؟ وكم يكون المبلغ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب عليكِ التوبة والاستغفار مما وقع منكِ من تأخير قضاء ما عليكِ من أيام في السنوات السابقة، ولا تبرء ذمتكِ إلا بالقضاء، ولا يجوز لمن قدر على الصيام أن يطعم، ولا يجب عليكِ إرهاق نفسكِ بتتابع صيامها، ولكِ أن تصومي على حسب الوسع والطاقة مع ضرورة الإسراع في القضاء لتبرئة الذمة، وعليكِ البداءة بأيام السنة الفائتة قبل غيرها؛ خشية أن يأتي عليكِ رمضان القادم وأنت لم تصوميها.

 

والله أعلم.

هل يستأذن الرجل زوجته في صوم التطوع كما هو الحال معها؟

السؤال:

المرأة تستأذن زوجها في أن تصوم، أعني في غير شهر رمضان؛ وذلك لأنه من حقه أن يأتيها متى يشاء، ومن الواجب عليها أن تطيعه، فهل لها هي الأخرى حق بأن يستأذنها في أن يصوم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم الزوجة أن تصوم تطوعًا وزوجها شاهد إلا بإذنه.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه “. رواه البخاري ( 4793 ) ومسلم ( 1704 ).

وهذا النهي للتحريم، وهو محمول على ما إذا رفضت من غير عذر، أما إن كانت معذورة كأن تكون مريضة فلها أن تمتنع، بل يجب عليها أن تمتنع في أعذار أخرى كأن تكون حائضًا أو نفساء.

وهذا النهي إنما هو في صوم التطوع، وسببه أن لزوجها حق الاستمتاع فلا يجوز لها منعه إلا بعذر.

* قال النووي:

هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين, وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا, وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام, وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي.

” شرح مسلم ” ( 7 / 115 ).

ثانيًا:

وأما سبب ورود النهي للمرأة دون الرجل فيمكن استنباط الحكمة من ذلك ببعض الأمور، منها:

  1. أن الزوج – غالبًا – هو الطالب للجماع، والمرأة هي المطلوبة، فالأكثر والأغلب أن تكون الرغبة منه إليها، وقليل ما تكون هي الراغبة، فناسب أن تستأذنه قبل صيام النفل، إذ قد تكون له رغبة في جماعها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” وزوجها شاهد ” يؤيد هذه الحكمة، فلو كان مسافراً فإنه لا حرج عليها أن تصوم ولا حاجة حينها للاستئذان.

  1. شهوة الرجال أكبر وأعظم من شهوة النساء، ولذا أبيح للرجل الزواج من أربع نسوة، وليس هذا الأمر في النساء ولا لهن، ولذا – أيضاً – كان صبر الرجال على ترك الجماع أضعف من صبر النساء، ولذا جاء الاستئذان لهن، وجاء الوعيد لهن في امتناعهن من الجماع في حال دعوة الزوج لهن.

ومناسبة الحديث تؤيد هذه الحكمة؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة عن صيام النفل لما اشتكى زوج امرأة عليها أنه يرغب بجماعها وهي تكثر الصوم فيتعطل حقه.

عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت, ويفطرني إذا صمت, ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ بسورتين, وقد نهيتها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، قال: وأما قولها يفطرني إذا صمت؛ فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك, لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت يا صفوان فصل. رواه أبو داود ( 2459 ). والحديث: صححه ابن حبان ( 4 / 354 ) ، والحافظ ابن حجر في ” الإصابة ” ( 3 / 441 )، والألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 65 ).

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن حقوقه عليها‏: ‏أن لا تعمل عملًا يضيع عليه كمال الاستمتاع حتى لو كان ذلك تطوعًا بعبادة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:‏ ” ‏لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه‏ “.

” حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة ” ‏( ص 12 ).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعًا وزوجها شاهد إلا بإذنه؛ لأن له عليه حق العشرة والاستمتاع، فإذا صامت فإنها تمنعه من حقوقه، فلا يجوز لها ذلك، ولا يصح صومها تنفلًا إلا بإذنه‏.‏ ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 4 / 73 ، 74 ).

  1. القيام بحقوق الزوج، ورعاية المنزل، وتربية الأبناء واجبات على الزوجة، فقد يرى الزوج تعارضًا بين تلك الواجبات وصيامها للنفل، وهذا مشاهد من قبل النساء – بل وبعض الرجال – أنه إن صامت تكاسلت وفرَّطت في واجبات بيتها، ولذلك جعل الاستئذان في صيام النفل دون الواجب.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن:

رجل له زوجة، تصوم النهار وتقوم الليل، وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه، وتقدم صلاة الليل وصيام النهار على طاعة الزوج‏: ‏فهل يجوز ذلك؟.

فأجاب:

‏         لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش، وذلك فرض واجب عليها‏،‏ وأما قيام الليل وصيام النهار فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة للنافلة على الفريضة‏؟‏‏!‏ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‏: ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‏ ” ‏لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه‏ “،‏‏ ورواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، ولفظهم‏:‏‏ ” ‏لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه‏ “.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على المرأة أن تصوم تطوعًا إذا كان زوجها شاهدًا إلا بإذنه، فتمنع بالصوم بعض ما يجب له عليها‏:‏ فكيف يكون حالها إذ طلبها فامتنعت‏؟‏‏!‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:‏‏ ” ‏إذا دعا الرجل المرأة إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح‏ “‏‏،‏ وفي لفظ‏:‏‏ ” ‏إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى تصبح‏ “‏‏. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 274 ).

  1. أن الزوج – في العادة – يخرج للعمل والتكسب، بخلاف المرأة التي عملها في بيتها، فلم يشرع استئذان الزوج لعدم الحاجة إليه، بخلاف المرأة التي تستأذن.

وعلى كل حال:

فأوامر الشرع ونواهيه كلها حكمة، ويجب على المسلم أن يقول سمعنا وأطعنا، والأصل اشتراك الرجال والنساء في الأحكام إلا ما فرَّق الله بينها لحكمة تتعلق بطبيعة خلقتها أو للابتلاء ليعلم المؤمن الصادق من غيره.

 

والله أعلم.

هل يوجد ذكر معيَّن بعد كل صلاة ركعتين من التراويح؟

السؤال:

هل من ذكر معيَّن بعد كل صلاة ركعتين من التراويح؟

 

الجواب:

الحمد لله

الأذكار من العبادات، والأصل في العبادات المنع منها إلا بدليل يوجبها أو يستحبها، ولا يجوز إحداث ذِكر مع عبادة ولا قبلها ولا بعدها، وقد صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم القيام مع أصحابه ليالي، وصلَّى الصحابة أفرادًا ومجتمعين، في زمانه صلى الله عليه وسلم، وبعد موته، ولا يُعلم أنهم ذكروا الله تعالى بذِكرٍ معيَّن بعد كل تسليمة أو تسليمتين، والأمر في هذا واسع، فللمصلي أن يدعو الله، أو يقرأ القرآن، أو يذكر ربَّه تعالى، لكن دون أن يكون ذلك بصوتٍ واحد، ولا بقيادة الإمام أو غيره، ولا يجوز تخصيص آيات معينة أو سور أو ذِكرٍ بين الركعات؛ لعدم ورود ذلك في الشرع المطهَّر، والأصل التوقيف في العبادات في كمها وكيفها وزمانها ومكانها وسببها وصفتها.

* قال الشيخ محمد العبدري المشهور بابن الحاج:

– فصل في الذِّكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح

وينبغي له – أي: الإمام – أن يتجنب ما أحدثوه من الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح، ومن رفع أصواتهم بذلك، والمشي على صوت واحد؛ فإن ذلك كله من البدع، وكذلك ينهى عن قول المؤذن بعد ذكرهم بعد التسلميتين من صلاة التراويح ” الصلاة يرحمكم الله “؛ فإنه محدث أيضًا، والحدث في الدين ممنوع، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يذكر عن أحد من السلف فعل ذلك فيسعنا ما وسعهم.

” المدخل ” ( 2 / 293 ، 294 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

الأذكار أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جماعةً عقب الصلاة – فريضة أو نافلة – أو بين ركعات التراويح: بدعة محدَثة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله الغديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 529 ).

 

والله أعلم.