الرئيسية بلوق الصفحة 266

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

السؤال:

أنا شاب في الـ 20 من عمري تقريباً ، من … , طالب علم ، بحمد الله وفضله , قدَّر الله أني تعرّفت منذ زمن ليس ببعيد على امرأة عن طريق الانترنت ، وكان سبب ذلك التساؤل عن ” الاسم الشخصي ” الذي كانت تضعه ، والذي بالفعل كان يلفت الأنظار ( كان عبارة عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح يثبت ما نحن عليه اليوم ) , المهم : دار الكلام بيننا لمدة 3 أسابيع تقريباً بشكل دائم ( ضمن الكلام كنا نخوض في الأمور العلمية الشرعية التي من خلالها استفاد كِلا الطرفين ، بالإضافة إلى الكلام الذي تخلله تعاطف هذه المرأة معي من كل النواحي ، ضمن الضوابط ، والقيود الشرعية ، بحيث في آخر المطاف طلبتْ مني أن أعتبرها كأم لي ! عن حسن نية ، بعد أن اعتبرتني كابن لها من أول فترة تحدثي معها ، علمتُ فيما بعد بأنها والدة أحد أصدقائي – هداه الله وإيانا – , فأمه امرأة لم يتخطَّ عمرها 38 سنة بعد , أستاذة ، تعطي التربية الإسلامية ، والقرآن الكريم , ختمت الروايات السبع ، فهي مجازة ، بحمد الله , بالإضافة أنها منتقبة ، ومواظبة على الدروس الأسبوعية عند شيخ مدينتنا الذي أدرس عنده أيضاً ، وهو شيخ فاضل من أحد تلامذة الشيخ ابن عثيمين – طيب الله ثراه – ومن الناس الذين يركزون جدّاً على طرح جهود العلماء المعاصرين ، وخاصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وطيب ثراه ، أرادت إحدى المرّات أن تقدم لي مساعدة ( مالية ) بعد أن علمت بمشاكل أتعرض لها مع والديّ من هذه الناحية , وبالفعل قدّمت لي المساعدة ، وذلك بعد أن قابلتها وتحدثت معها بحضور زوجها وابنها ، وهكذا ، كل آخر يوم من الأسبوع تطلب مني الحضور لعندها ؛ لتطمئن على حالي ، وعلى حال وضعي في منزلي ؛ وذلك لما أخبرها من مشاكل جمّة أتعرض لها على الدوام ، وأشعر بارتياح كبير حين أخبرها بذلك , فحقّاً إني أحببتها في الله ! واعتبرتها كأم لي ! وأخاف عليها كما أخاف على أمِّي ، من قلقها ، وتوترها الدائم إن قاطعتها عن الكلام لمدة طويلة ، إلا أن جلساتي الأخيرة معها كانت بمفردنا ( وطبعا بمكان في البيت يستحيل أن يستدل من خلاله أي شخص على شرط واحد يثبت فيه وقوع الخلوة بيننا ، والحمد لله ! ) ، وشعرنا نوعاً ما بأن الضرورة ( إن كانت تعد ضرورة ) قد زالت ، وأنه ينبغي أن ننتهي من هذه الجلسات ؛ لما فيها من شبهات , وفي ذات الوقت الذي أرسل فيه رسالة لها أوضح من خلالها الأمور التي نتساهل بها نوعاً ما وهي غير جائزة ( من ناحية الكلام ، ومن ناحية النظر ، ومن ناحية الجلوس بمفردنا ) : إذ بها ترسل رسالة ذات مضمون رسالتي ، إلا أن رسالتها تختلف عنّي ، بأنها قد كتبتها منذ زمن بعيد ، وتقول في آخرها بأنه لولا محبتها لي ، ومعزتها لي : لما تأخرت في إرسالها منذ البداية ؛ لأن هذا الأمر يفرحها ، بأنها تتبع ما أمرنا به الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ويحزنها في آن لفراقي ؛ ولحرمانها من شخص ( اعتبرتْه بالنسبة لها كابن ، وأن الله عوضها بعد سنوات طوال من التربية بابن صالح كما تحب وترضى ، وكما تتمنى لابنها الحقيقي أن يكون , وأكثر من ذلك : صارحتني بأمر متعلق بشان ابنتها من ناحية الزواج , فأنا الآن أرغب بالزواج المبكر ، وأتحرى عن بنت على المنهج ، أعلم من خلالها أننا سوف نكون سعيدين بإذن الله مدى العمر ، وقدّر الله أن البنت التي سألت عنها ولفتت نظري في إحدى المرات بعد خروجها من مكان النساء بعد الدرس عند الشيخ : هي بنت هذه المرأة , فقالت لي : بأنها تتمنى أن يكون المتقدم لابنتي شخص مثلك ، بل أنت ، وذلك بعد مصارحتي لها أنا أيضاً بالنسبة لموضوع الزواج ، وهكذا تعمّدنا قطع الكلام بيننا ، وكلُّ منَّا ما زال يفكّر بالآخر على الدوام حتى هذا الأسبوع , أردت أن أكلمها ، وكلّمتها ، وجعلتها تطمئن عليَّ نوعاً ما ، وأنهيت حديثي معها بشكل سريع ، ووضحت بأني لم أفعل هذا كراهية بها إنما اتباع لكلام الله ، وهدي نبيه ، وقالت لي : بأنها متفهمة ، وتعلم ما أقصده تماماً ؛ لأن ما يجول في خاطرها كالذي يجول بخاطري تماماً , ومن ثم قلت لها بأني سوف ألغي بريدها الإلكتروني ، ولم يعد هناك حاجة للكلام ، وهكذا حتى الآن أعلم من خلال ابنها – أي : صديقي – ومن مصادر أخرى بأنها قلقة على الدوام ، وحزينة جدّاً ، جدّاً ، وأن أسرتها تلاحظ في هذه الآونة الأخيرة بكاءها المفاجئ ، وعدم استطاعتها من إخفاء دموعها ؛ لأسباب لا يعلمونها , وبالطبع أنا متيقن ما هو السبب , فإن كان باستطاعتي إخفاء حزني عليها : فهي امرأة ، وعاطفية أكثر ، بل هي أم ، ولا تستطيع إخفاء مشاعرها بسهولة ، وخصوصا تجاه ابنها ، كما تعتقد .

فسؤالي لكم :

هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ وما الشيء المناسب الذي عليَّ القيام به تجاهها دون أي تعدٍّ على أطر الضوابط والقيود الشرعية ؟ فأمرها يهمني مثل ما يهمني أمر والدتي الحقيقية .

أفيدوني رجاء بجواب شافٍ وكافٍ , فمن الممكن أن أرسل لها جوابكم لو رأيت فيه مصلحة ومنفعة للطرفين , وجزاكم الله كل خير ، وسامحوني إن أطلت عليكم , فلو باستطاعتي أن أخبر شيخي لما كنت أخبرتكم , بارك الله فيكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

هذه القصة تصلح مثالاً لتلبيس إبليس على أهل الالتزام والاستقامة ؛ حيث نسج الشيطان شراكه وشباكه بخيوط الشرع ، فأوهم فريسته بذلك حتى علقوا ! .

– وانظر – أخي السائل – لتلك التلبيسات وتمعن بها ، فلعلها تكون عبرة لغيرك حتى لا يقع في مثلها :

أ. كانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منك : السؤال عن ” الاسم الشخصي ” والذي هو عبارة عن حديث نبوي ! فقد فتح لك الشيطان الباب لسؤال أجنبية عنك ، بعذر أنه قد لفت نظرك جعل الحديث النبوي اسماً لها ! ثم انظر كيف امتدت العلاقة بعدها، وتطورت .

ب. وكانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منها : إجابتك على سؤالك ، والسماح لنفسها بتكوين علاقة مع أجنبي ، بل زادت الوقاحة برؤيته ، بل والخلوة معه ، حتى وصل الأمر إلى البكاء على فراقه ! .

ج. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أنكما ملتزمان بضوابط الشرع في تلك العلاقة ، وأين هذه الضوابط والأمر فاسد ومخالف للشرع من أصله ؟! .

د. ومن تلبيس الشيطان عليكما : جعلك لك بمنزلة أمك ! وجعلها لك بمنزلة ابنها ! وهذا مخالف للشرع ، وليس ثمة ما يبيح اجتماع أجنبي بامرأة أجنبية عنه واعتبار بعضهما أشقاء ، أو أحدها أباً والأخرى ابنة ! أو أحدها ابناً والأخرى أمّاً ! وهذا لا يغيِّر من واقع أمركما شيئاً ، فأنتما أجنبيان عن بعضكما ، وإنما هو من تلبيس الشيطان ، ومكره .

هـ. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أن اللقاء والاجتماع فيه فوائد علميَّة ! ويستفيد كل منكما من الآخر ، وحقّاً إن الشيطان قد نجح في ذلك ، حتى ظننتما أنكما غير مخالفيْن للشرع في تلك العلاقة .

و. ومن تلبيس الشيطان عليكما : كتابة كل واحدٍ منكما رسالة للآخر ، وهذا معروف في عالم العلاقات المحرَّمة ، وخاصة بين المستقيمين والملتزمين ، حتى يظن كل واحدٍ منهما أنه غير راضٍ عن فعله ، وأنه يخالف شرع الله ، فيبادله الآخر الشعور نفسه ، حتى لا يكون أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً ! ، ثم سرعان ما ترجع العلاقة ؛ لأن الكتابة أصلا ليست توبة من تلك العلاقة المحرَّمة ، بل هي إحدى محطات التوقف فيها ! .

ز. ولعله من آخر تلبيس الشيطان عليك أنت : وضعك لاحتمال أن قطع العلاقة بالكلية ليس هو التصرف الشرعي المناسب ، وأنه من الممكن أن تجد سبيلاً لاستمرار تلك العلاقة معها ! ولذا ختمت سؤالك بقولك ” هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ ” ! فها هو الشيطان ما يزال يسول لك باستمرار تلك العلاقة ، وأن قطعها بالكلية قد يكون تصرفّاً خطأً ! .

ومن تأمل مثل هذه الحادثة : علم عظم أحكام الشريعة ، وعظيم حكمَتها ، حيث حرَّم العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيين ، سواء بمكالمات ، أو مراسلات ، فضلاً عن اللقاءات والمشاهدات ، وقد ذكرنا كثيراً من الفتاوى في هذا الباب لأهل العلم.

ثانياً:

لا ينبغي لك أن تشك للحظة أن قطع علاقتك بتلك المرأة هو الصواب ، بل ليس لك خيار آخر ، فلا تتردد ، واجزم به ، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً ، وبكاء تلك المرأة على قطع العلاقة خير لها – ولكَ – من فرحها باستمرارها ، فلا تأخذك الرأفة والرحمة لبكائها ، وأسفها على الفراق ؛ لأن هذا يؤكد أن العلاقة بينكما لم تكن شرعيَّة ، وكان الأولى بها أن تفرح على قطعها ، لا أن تبكي وتتحسر .

وما حصل منكما إنما هو اتباع لخطوات الشيطان التي حذرنا ربنا تعالى من السير فيها ، وبيَّن لنا الحكمة في ذلك ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) النور/ 21 .

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

– ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان : يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان ، والبدن ، ومِن حكمته تعالى : أن بيَّن الحُكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان ، والحكمة ،، وهو : بيان ما في المنهي عنه مِن الشرِّ المقتضي والداعي لتركه ، فقال : ( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي : الشيطان ( يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) أي : ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه ، ( وَالْمُنْكَرِ ) وهو ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان : لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد : نعمة منه ، عليهم أن يشكروه ، ويذكروه ؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة، ونحوها. ” تفسير السعدي ” ( ص 563 ).

واحذر أنت وإياها أن يقول أحدكما إنه بعيد من الفتنة ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وأينا الذي يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة ؟! .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الأحزاب/ 32 .

تخاطب البائع بقدر الحاجة ، ولا تزيد على هذا ؛ لأن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ، ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه : ربما إذا انصرفت : أدخل الشيطان عليها الهواجس ، حتى ترجع إلى الرجل الأول ، ويكون أول الكلام شرارة ، وآخره سعيراً ، والعياذ بالله .

– فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة …

– لهذا : لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال ؛ فإنه خطر ، خطر عظيم ، نسأل الله السلامة من الفتن . ” اللقاء الشهري ” ( 45 / 7 ) .

ثالثاً:

ولا ننصحك بالتزوج من ابنتها ؛ لما يؤدي ذلك لأن تكون قريباً منها ، ولا ندري ماذا أعدَّ لكما الشيطان من خطة بديلة في حال ظهرت التوبة منكما من تلك العلاقة ، وحصل زواج من ابنتها ، والقصص المثيلة تجعلنا ننصحك بالبُعد ، ففي البعد غنيمة ، أو على الأقل : سلامة .

 

والله أعلم.

هل ثبت الوصول للعديد من الأدوية والعلاجات عن طريق حقائق القرآن؟

السؤال:

سمعت في محاضرة بأن علماء الطب والدكاترة يدعون بأن العديد من الأدوية والعلاجات تم اكتشافها والوصول إليها عن طريق استنتاج حقائق من القرآن الكريم.

وعليه, فهذا هو سؤالي:  هل الموجود بين أيدينا هو جميع ما يتعلق بالطب الذي ورد ذكره في القرآن الكريم؟  أم أن القرآن يحتوي على المزيد الذي يمكننا الاستفادة منه؟

أسأل عن ذلك بسبب طلب جاد تقدم به أحد أصدقائي، وهو هندوسي ويدعى “فيقنيش”, حيث سأل عما إذا بقي في القرآن الكريم أمور لم تكتشف بعد تتعلق بالسيطرة على الأمراض القاتلة؟ كما نرجو أن تخبرنا عن الأمور المتعلقة “بيوم الحساب” بعذابها, والأسئلة التي ستطرح؟

وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

 

أولًا:

أرسل الله تعالى محمَّداً صلى الله عليه وسلم بدين شامل لكل نواحي الحياة كما قال أبو ذر رضي الله عنه :  ” ما ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ولا طائر يقلب جناحيه إلا وذكر لنا منه علما “. انظر” مجمع الزوائد ” ( 8 / 263 ).

– فجاء الإسلام ليسد حاجات الناس في كل شؤون حياتهم.

 

ثانيًا:

وما جاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مكمِّل لما جاء في القرآن، وهذان المصدران هما المصدران الرئيسيان عند المسلمين، وقد بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء.

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: ” ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء “.  رواه البخاري في ( 5678 ).

 

ثالثًا:

وما ذكره السائل عن بعض المسلمين من كون كثير من العلاجات اكتشفت عن طريق القرآن الكريم: فنقول إن هذا من الأمور المبالغ فيها.

فالقرآن الكريم ليس كتاب طبٍّ ولا كتاب ( جغرافيا ) ولا ( جيولوجيا ) كما يحلو لبعض المسلمين أن يقول ذلك أمام الغرب، بل هو كتاب هداية للناس ومن أعظم معجزاته: بلاغته وقوة معانيه، وهو الأصل في إعجازه، فقد أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم في زمان بلغت الفصاحة والبلاغة مبلغاً عظيماً فجاء هذا الكتاب ليعجز أولئك القوم فيما يتقنوه ليبيِّن لهم أنه من عند الله.

وهذا الأمر ليس بالمستغرب ولا بالمبتدع في هذا الدين، فقد جاءت آيات موسى عليه السلام – العصا واليد – من جنس ما انتشر في زمانه وهو السحر، وكانت آيات عيسى عليه السلام – من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص – من جنس ما أتقنه قومه وانتشر عندهم وهو الطب.

لذا نقول: إن أعظم ما في القرآن الكريم  هو فصاحته وبلاغته، ولا زال العلماء إلى هذا الوقت يتبيَّن لهم ذلك بالتدبر والتفكر في آياته.

وهذا لا يعني أنه ليس فيه غير ذلك، بل ذكر الله تعالى فيه بعض الآيات في بيان تركيب جسم الإنسان، وتدرج خلقه، وبعض مظاهر الطبيعة، وغير ذلك.

أما بالنسبة لما يتعلق بالعلاج الذي ذكره السائل، فإن القرآن الكريم ذكر الله تعالى فيه أنه شفاء للمؤمنين، وهذا يشمل شفاء القلوب والأبدان، وذكر الله تعالى فيه ( العسل ) وبيَّن أنه شفاء للناس، وذكر فيه أصل حفظ الصحة والوقاية من الأمراض، فمن قال مما ذكره السائل من هذا الباب: فقد أصاب، وأما غير ذلك: فغير صحيح، بل هو من مبالغات بعض المسلمين، فالقرآن الكريم ليس كتاب طب، وقد جاءت أمراض لم تكن في سالف الأزمان، فكيف يأتي علاجها – باعتبار ما قاله السائل – قبل مجيئها؟.

 

رابعًا:

أ. وهذه بعض الآيات الدالة على أن الله تعالى قد ذكر في القرآن الشفاء بآياته.

قال تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين } [ الإسراء / 82 ].

* قال ابن القيم – وهو من العلماء الأطباء -:

قال الله تعالى: { وننزل مِن القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين }: 

والصحيح: أن { مِن } ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: { يا أيها الناس قد جاءكم موعظة مِن ربكم وشفاء لما في الصدور }.     

          فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يؤهل ولا يوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه: لم يقاومه الداء أبدًا.   

          وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها؟، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه فهماً في كتابه. ” زاد المعاد ” ( 4 / 352 ).

ب. والقرآن الكريم فيه علاج للنفوس والأرواح، ومن صحَّ ذلك فيه: كان سببا لطرد الآفات والأمراض من بدنه، والقرآن بهذا الاعتبار شفاء وعلاج لكثير من الأمراض.

 

 

* قال ابن القيم رحمه الله:

وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء ومدبر الطبية ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسبها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من اكبر الأدوية وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأغلظهم حجابا واكثفهم نفسا وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية. ” زاد المعاد ” ( 4 / 12 ).

ج. وفي القرآن سورة الفاتحة وهي رقية للأمراض.

عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم ، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ { الحمد لله رب العالمين } فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي  صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا فضحك رسول الله  صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ).

– قلبة: داء أو ألم يتقلب منه صاحبه.

* قال ابن القيم رحمه الله:

فاتحة الكتاب: وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك.  

ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبرأ لوقته فقال له النبي  صلى الله عليه وسلم: ” وما أدراك أنها رقية؟ “.  

ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنوره البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال وإثبات الشرع والقدر والمعاد وتجريد توحيد الربوبية والإلهية وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده للخير كله وإليه يرجع الأمر كله والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحها ودفع مفاسدهما وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقيق بها: أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه ودفع بها من الشر أسبابه. ” زاد المعاد ” ( 4 / 347 ).

د. وفي القرآن ذكر أصول حفظ الصحة.

* قال ابن القيم رحمه الله:

ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة.

ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة.

فأما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في رمضان، ويقضي المسافر إذا قدم والمريض إذا برئ حفظا لقوتهما عليهما؛ فإن الصوم يزيد المريض ضعفًا، والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر، والصوم يضعفها.

وأما الحمية عن المؤذي: فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره، وأمره بالعدول إلى التيمم حمية له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه، فكيف بالمؤذي له في باطنه؟.     

          وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمُحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له، وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إليه منه.  

وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال: والله لو سافرت إلى الغرب في معرفة هذه الفائدة لكان سفرًا قليلًا أو كما قال. ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 16 ، 17 ).

* وقال ابن القيم – في موضع آخر مفصِّلًا -:

وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة.

– وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه:

فحمى المريض من استعمال الماء خشية من الضرر فقال تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا } [ النساء / 42 ] و[ المائدة / 6 ]. فأباح التيمم للمريض حمية له كما أباحه للعادم.

وقال في حفظ الصحة:{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } [ البقرة / 181].

فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظاً لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر فيضعف القوة والصحة.

وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحرم: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } [ البقرة / 196 ].

فأباح للمريض ومَن به أذى مِن رأسه وهو محرم أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل، كما حصل لكعب بن عجرة، أو تولد عليه المرض.

وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئًا وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحتهم، واستفراغ مواد أذاهم، رحمة لعباده ولطفا بهم ورأفة بهم وهو الرؤوف الرحيم. ” زاد المعاد ” ( 1 / 164 ، 165 ).

هـ . ذِكر العسل في القرآن وأنه شفاء للناس.

قال الله تعالى { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } [ النحل / 69 ].

* قال ابن القيم رحمه الله:

وأما هدية في الشراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإنَّ شُربَه ولعقَه على الريق يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها، وإنما يضر بالعَرَض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء فربما هيَّجها، ودَفْع مضرته لهم بالخلِّ فيعود حينئذ لهم نافعًا جدًّا وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها، ولا سيما لمن لم يعتد هذه الأشربة، ولا ألفها طبعه فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العادة فإنها تهدم أصولا وتبني أصولا.

           وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ. ” زاد المعاد ” ( 4 / 224، 225 ).

* وقال رحمه الله:

والعسل فيه منافع عظيمة: فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها محلل للرطوبات أكلًا وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، وهو مغذٍّ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مُذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِّر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارًّا بدهن الورد: نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجًا بماء: نفع من عضه الكلْب الكلِب، وأكل الفُطُر القتَّال، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين، وإذا لطخ به البدن المقمَّل والشَّعر: قتَل قمله وصئبانه وطوَّل الشعر وحسَّنه ونعَّمه، وإن اكتحل به: جلا ظلمة البصر، وإن استن به: بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويدرُّ الطمث، ولعقه على الريق: يُذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخيناً معتدلًا ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضررًا لسدد الكبد والطحال من كل حلو.   

 

  وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار مضر بالعَرَض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعاً له جدًّا.   

           وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية ، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومفرح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيءٌ في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه، ولم يكن معوَّل القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريبًا، وكان النبي  صلى الله عليه وسلم  يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل. ” زاد المعاد ” ( 4 / 33 ، 34 ).

 

خامسًا:

وبالنسبة لشق السؤال الثاني فنقول:

ثبت في القرآن والسنة أن الإنسان إذا مات فإنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة عملها في الدنيا من خير أو شر فالخير يجزى عليه والشر يعاقب عليه، وأول منازل الحساب القبر ففي القبر أول ما يسأل الإنسان عنه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه  كما رواه أبو داود في ” سننه ” ( 4753 ).

ثم يوم القيامة يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة وإن حوسب عليها في القبر فمنه: الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمَّها أم نقصها؟ فإن كانت تامة: كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا: قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع: قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم “. رواه أبو داود في ( 864 ).

ويسأل عن أمور منها:

ما جاء في حديث بن مسعود رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم “. رواه الترمذي ( 2422 ).

وتسأل الأمم يوم القيامة:{ ماذا أجبتم المرسلين } [ القصص / 65 ].

– هذا ما تيسر مما جاء فيه النص على ما يُسأله الناس يوم القيامة، ولعل فيه غيرها.

 

والله أعلم.

 

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

السؤال:

ما حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام؟

 

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد

أولاً:

فإنه لا يشك أحد ما للإعلام المرئي من أثر بالغ في نفوس من يشاهده ، وقد شاهدنا عظيم تأثيره في أزمات وأحوال نقلت للناس بالصوت والصورة ، فكان أن ساهمت في تغيير مجرى حياة دول وشعوب .

وقد تنبه القدماء لأثر الصورة في واقع حياتهم ، ومع أن تصويرهم لا يعدو أن يكون رسماً بدائيا إلا أنهم نطقوا ببيان عظيم أثرها ، ففي المثل الصيني : ” الصورة بألف كلمة ” ! ، ولو قالها الصينيون العصريون لقالوا ” ” بمليون كلمة ” ، ومن أقوال الفيلسوف ” أرسطو ” المنسوبة إليه : ” إن التفكير مستحيل من دون صور ” .

وذا فلا عجب إن علمنا أن الصورة تعمل في الذهن أكثر من عمل القراءة والسماع ، وقد جاء في بعض الدراسات ” أن الناس يتذكرون 10% فقط مما يسمعون ، و30% فقط لما يقرؤنه ، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى 80% ” .

ثانياً:

وبما أننا نعيش بما أطلق عليه بعضهم ” عصر الصورة ” ، ونحن نعاصر ” ثورة الإعلام والاتصالات ” : فقد توجه السؤال حول حكم عرض صور القتلى والجرحى والمنكوبين ، والذين تتعرض ديارهم لغزو غاشم ، أو جوع كاسر ، أو فتنة عظيمة ، وهل يجوز نقل صور أولئك في وسائل الإعلام ليقف الناس على حقيقة ما حلَّ بهم .

وكان الجواب :

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة ، ويمكن حصر أقوالهم في ثلاثة اتجاهات : طرفان ، ووسط ، فمن محرَّم ومانع مطلقاً ، ومن مجيزٍ مطلقاً ، وأما الوسط : فهو الذي يجيز ذلك بضوابط ، فلا يمنع مطلقاً ، ولا يجيز مطلقاً .

  1. أما الطرف المانع المحرِّم : فأبرز أوجه منعه :

أ. حرمة التصوير الفوتغرافي .

ب. حرمة المسلم ، وعدم جواز نقل صورته جريحاً ، أو قتيلاً .

ج. أن هذا النقل مما يسبب الضعف والخور والجُبن للمسلمين المشاهدين .

وأبرز من قال بهذا المنع : علماء اللجنة الدائمة ، والشيخ صالح الفوزان حفظه الله .

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

إنني أعمل في جمعية إسلامية خيرية ، وهذه الجمعية لديها مجلدات بها صور فوتوغرافية ( ألبوم ) ، وهذه الصور لأعمال خيرية تقوم بها الجمعية ، على سبيل المثال من ضمن الصور يوجد صور للأيتام في أفغانستان الذين تكفلهم الجمعية ، وصور لجماعة يفطرون في شهر رمضان ضمن مشروع ( إفطار الصائم ) وغير ذلك من الصور ؛ وهذا من أجل تعريف المحسنين من الناس بالمشاريع الموجودة في الجمعية .

فسؤالي هو : هل هذه الصور حرام أم لا ؟ .

فأجابوا : لا يجوز التصوير ، لا بالآلة الفوتوغرافية ، ولا بغيرها من غير ضرورة ؛ لعموم النهي عن التصوير ، والوعيد الشديد عليه ، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها ، وإتلافها ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه ، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة ، كالصور التي في حفائظ النفوس ، وجوازات السفر ، والبطاقات الشخصية ، ورخص القيادة .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284 ، 285 ) .

  1. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

بعض المعارض تقام لبيان جراحات المسلمين في ” فلسطين ” ، وغيرها ، يكون فيها صور الجرحى ، والقتلى ، وأحيانا تُعرض عن طريق الفيديو ، والقصد من ذلك : حث المسلمين على التبرع لإخوانهم ، فهل هذا العمل جائز ؟ .

فأجاب  :

هذا العمل غير مناسب ، لا يجوز إقامة الصور للجرحى ، لكن يُدعى المسلمون للتصدق على إخوانهم ، ويبلغون أن إخوانهم مضايقون ، وأنهم يجري عليهم ما يجري من فعل اليهود ، بدون أنهم يَعرضون صور ، ويَعرضون جرحى ؛ لأن هذا فيه استعمال للتصوير .

وأيضاً : في هذا تكلف ما أمر الله تعالى به ، وفيه أيضاً : تفتيت لعضد المسلمين ؛ لأنك لما تعرض أمام الناس صور مسلم ممثَّل به ، أو مقطَّع الأعضاء : فهذا مما يُرعب المسلمين ، ويرهب المسلمين من فعل الأعداء ، والواجب : أن المسلمين لا يُظهرون الضعف ، ولا يُظهرون الإصابات ، ولا يُظهرون هذه الأمور ، بل يَكتمونها حتى لا يفتوا في عضد المسلمين .

انظر كتاب : ” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 105 ) .

  1. وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم – حفظه الله – :

فما أبعد كثير من الناس عن الفقه حينما يصورون موتى المسلمين ، بالذات في المذابح حين تحصل ، وكأن هذا من أجل المصلحة الإعلامية المزعومة ، يستبيحون انتهاك حرمة الميت ، وتُنشر الصور في الجرائد دون أدنى استقباح لهذا الفعل الشنيع ، والإنسان لا يرضى لنفسه ولا لوالده أن تنشر صورته وقد قتل ، أو مات بهذه الصورة الشنيعة التي تحصل الآن ، بحجة مصلحة الدعوة ،  لأجل أن الناس تنفعل ، وترى كيف يُفعل بالمسلمين ، وغير ذلك من هذه الاعتبارات المهدرة ، فهذا حق الميت ، حقه أن يُستر ، لا أن تُنشر صوره عن طريق وسائل الإعلام ، وبالذات الجرائد ، بل وأحياناً تعلَّق في المساجد ! وما من إنسان ينتبه أن هذه مخالفة لهذا الحكم الشرعي ، وهو أنه يجب ستر الميت عن الأعين ، وعدم كشفه ، فما أبعد هؤلاء من آداب الشرع . ” من شرحه على بلوغ المرام ” .

http://www.islamway.com/index.php?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=35060&scholar_id=33&series_id=1935

 

ثالثاً:

  1. 2. وأما القول بجواز التصوير للجرحى والقتلى مطلقاً : فيمكن نسبة هذا القول للمشايخ الذين لهم مواقع ينقلون فيها هذه الصور ، وللمشايخ الذين يشرفون على القنوات الفضائية الإسلامية التي تنقل هذه الصور كذلك ، ومن القائلين بالجواز – بشرط عدم تعليقها في المساجد – : موقع الفتوى في ” الشبكة الإسلامية ” :

فقد سئلوا:

شيخنا الفاضل ، هل يجوز لصق بعض الصور لما يقع في العراق من جرحى الأطفال ، وغيره ، في المساجد ؛ للتألم ، والدعاء لهم بالخير ، والصبر ، والتشجيع ، ورفع الدعاء على العدوان الظالم ؟ وجزاكم الله خيراً .

فأجابوا:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :

فمن الوسائل النافعة في بعث الهمم ، وإحياء روح الأخوة الإيمانية ، وإعانة المحتاجين والمستضعفين من المسلمين : تعليق بعض الصور ، والمشاهد المعبرة عن حالهم ، وما هم فيه ، سواءً كان ذلك في أرض العراق ، أو فلسطين ، أو غيرهما ، ولذلك فتعليق تلك الصور في الأماكن العامة مطلوب ؛ لما فيه من الدلالة على الخير .

– أما المساجد فينبغي أن تصان عن تعليق هذه الصور .

رقم الفتوى ( 31678 ) ، تاريخ الفتوى : 09 ربيع الأول 1424 هـ . 

http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=31678&Option=FatwaId&x=61&y=4

والشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله – يفرِّق بين الصورة المتحركة – الفيديو – ، والصورة الثابتة في هذه المسألة ، فأجاز الأولى ، وتوقف في الثانية .

فقد سئل – حفظه الله – :

فنظرًا لما سنقوم به من إقامة معرض لجراحات العالم الإسلامي ويتخلل هذا المعرض صور لبعض المصابين ، والقتلى ؛ وذلك تبيينًا لزائري هذا المعرض ، وما يحدث للمسلمين من قِبل أعدائهم ، وكذلك عرض على أجهزة الفيديو ، فما حكم الشرع في ذلك ؟ .

فأجاب :

أرى – والله أعلم – جواز هذا العرض ، إذا كانت الصور غير ثابتة ، كالصور في الشاشات من أفلام ؛ حيث أنها لا تدخل في ” الصور الثابتة ” ، وهي المنقوشة ، أو المطبوعة .

فأما الصور المرسومة في الصحائف الحائطية : فأنا أتوقف فيها ، ولو كان فيها دوافع للزائرين إلى التبرع ، لكن إن احتيج إلى الصور المرسومة : فلا بد من طمس الوجه ، والرأس ، وإبقاء الجثة التي يتمثل بها الجرح ، ونحوه .

موقع الشيخ عبد الله الجبرين ، رقم الفتوى : ( 12187 ) .

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12187&parent=786

 

رابعاً:

  1. 3. وأما القول بجواز عرض صور القتلى والجرحى بضوابط شرعية : فهو الذي نراه قولاً وسطاً بين القولين السابقين .

ومن الضوابط التي نرى وجوب مراعاتها :

  1. عدم نشر صور النساء مطلقاً .

فالمرأة عورة كلها ، ولا حاجة لعَرض صورة امرأة جريحة ، أو قتيلة ، أو جائعة ، وصور الرجال تسد مسدها .

  1. وجوب طمس العورات .

فكثير من الصور لا يراعي ناشروها حكم الله عند تصويرها ، والواجب مراعاة ذلك عند عرضها من قبَل أهل الاستقامة ؛ لأن عورة المسلم واجب عليه سترها ، وحيث كان هو جريحاً ، أو قتيلاً ولا يستطيع ذلك : فهو معذور ، وليس ثمة عذر لمن نشر تلك الصورة .

  1. عدم نشر الانتهاكات الجنسية والاغتصاب .

سواء للرجال ، أو النساء ؛ فإن هذا من فضح ما يجب ستره ، ولا يحب أحد أن يكون مكان ذلك الرجل – أو المرأة من باب أولى – لتنشر صورته على أنه اغتصب ، وقد انتشرت في مواقع الإنترنت صور لأناس أبرياء انتُهك عرضهم من قبَل من لا يخاف الله من الطغاة والمجرمين ، بإدخال عصا في دبره ، أو غير ذلك من الطرق القذرة التي تدل على خساسة فاعلها ، ومثل هذا لا ينبغي أن يُختلف فيه ، وهو في النساء أعظم إثماً ، وأقبح فعلاً .

  1. عدم نشر الأشلاء ، والرؤوس المقطوعة .

لما في ذلك من مناقضته لحرمة المسلم .

  1. تجنيب المساجد تلك الصور .

وقد أصبحت كثير من المساجد معارض لعرض الصور ، وهذا لا يليق أن يُفعل في بيوت الله تعالى ، ولا مانع من عرضها في أماكن عامة ، أو مؤسسات خيرية، أو جمعيات دعوية .

خامساً:

مناقشة المانعين :

لا شك ولا ريب عندنا في جلالة قدر من منع عرض صور الجرحى والقتلى والجوعى في وسائل الإعلام المختلفة ، لكننا في الوقت ذاته ينبغي لنا النظر في المصالح التي يمكن تحقيقها جرَّاء استعمالنا هذا السلاح ، وكما قدمنا فإن الصورة تعدل مليون كلمة ، والإعلام الآن سلاح يُقاتَل به ، ويدافع به ، ولا جدال في هذا ، ونحن نعيش في عالم الغاب ، القوي يأكل الضعيف ، والعاجز الخانع لا قيمة له في هذا العالَم ، وها هي غزة الآن تُقصف بالطائرات جوّاً ، والمدافع برّاً ، والبارجات بحراً ، وأنَّى للمسلمين في أقطار الأرض أن يعلموا حقيقة ما يجري في تلك الأرض لولا ما يُنقل لهم من صور تعبِّر عن واقعهم ؟ وأنَّى للمسلمين أن يهبُّوا لنجدتهم وهم لا يعرفون مدى السوء الذي وصلوا إليه ؟! إنها معركة مع ذلك العدو اليهودي الخبيث يستعمل فيها سلاح الإعلام كما يستعمل السلاح الناري ، ولا عجب إن رأينا تضييق العدو اليهودي على وسائل الإعلام لعدم نقل حقيقة الأخبار حتى لا يعرف العالَم مدى سوئهم ، وحتى لا يَعرف شعبهم حال أبنائهم وما صاورا فيه من حال .

ويمكن إجمال ما نرى أنه من المصالح المتحققة في استعمال سلاح الصورة بما يلي :

– لا تحتاج لثقافة وعلم ما يحتاجه من يقرأ أو يسمع

  1. التأثير على الرأي العام للوقوف مع المسلمين المستضعفين ، وإيقاف الحرب .

ويتمثل ذلك من جهتين :

أ. نشر صور ضحايا المسلمين ، حتى يعرف العالَم مدى الدمار والسوء الذي لحِق بالبلاد المحتلة وبأهلها .

ب. نشر صور قتلى المعتدين ، حتى تضغط الشعوب على حكوماتها لإيقاف الحرب ، وقد كان صورة فتاة خرجت فزعة من أرض محترقة سبباً في إيقاف حرب أمريكا الظالمة لفيتنام ، ولذلك فلا نعجب إن علمنا أن وزارة الدفاع الأمريكية قد منعت نشر صور جثث جنودها العائدين في توابيت لبلادهم من العرق ! خشية من ضغط الشعب عليهم .

ولذا فإن نشر صور القتلى والجرحى يحقق مصالح عظيمة ، ومن أبرزها إيقاف نزيف الدم الهادر من أبناء المسلمين ، وإيقاف الدمار في بلادهم ، وهذه المصلحة في الإسلام يمكن تحقيقها بارتكاب معصية ، أو ترك واجب – فيجب قطع الصلاة والصيام إذا كان لا يتم إنقاذ نفس إلا بذلك – فكيف أن في نشر صورة مختلف في تحريمها أصلاً ؟! .

  1. تثبيت الجريمة على فاعلها .

ويستفاد من ذلك :

أ. تصحيح الصورة في العالَم .

فاليهود الأخباث الآن ، ومعهم وسائل إعلام غربية عالمية كثيرة تنقل صور مآسي اليهود جرّاء إطلاق المجاهدين عليهم صواريخ بدائية ، فيستعطفونهم ، ويبتزونهم ، ويوهمون العالَم أنهم شعب مظلوم مقهور ! ولا يمكن تصحيح هذا الخلل إلا بسلاح الإعلام الذي يبين الحقيقة من غير رتوش ، ولا دجل .

ب. ولمحاكمة ومعاقبة الفاعلين إن تيسر ذلك .

كما حصل في محاكمة طغاة ” الصرب ” بنشر صور جثث القتلى من المسلمين ، وإيقاف العالَم على الكم الهائل الذي راح ضحية مذابحهم ، وقد كان للصور أبلغ الأثر في تثبيت التهمة على أولئك الطغاة وغيرهم ممن يمكن أن يأتي دورهم .

وعلماؤنا الأجلاء يجوزون نشر صور المتهمين في قضايا سرقة واعتداء ، وما نحن فيه الآن أبلغ بكثير ، حيث يكون أولئك قتلة لألوف المسلمين .

  1. الرد على إعلام العدو النافي لوقوع ضحايا ، وكشف زيف ادعائه للحرية والإنسانية .

وقد كان في نشر صور تعذيب الأمريكان في ” أبي غريب ” – العراق – ، ونشر صور المعذَّبين من الشيشان من قبَل الروس ، ونشر صور تعذيب الرافضة لأهل السنة في العراق وإيران : أبلغ الأثر في كشف زيف تلك الأديان والمناهج والطوائف ، وقد كان تعداد أسماء الضحايا وذكر أسمائهم قاطعاً للتشكيك في أخبار المستضعفين .

فكم تحصَّل من مصالح في هذا النشر ، من مراقبة السجون ، وطرد الضباط والمسئولين عن التعذيب من وظائفهم ، وإحكام الرقابة على المعتقلات ، وتحسين أوضاع المساجين ، وغير ذلك من مصالح ، لا يشك الواقف عليها أن الشريعة تتشوف لها ، وتدعو لها ، ولو ارتكب في ذلك ما فيه مفسدة ، فكيف إذا كان ذلك في قضية مختلف فيها أصلاً ؟! .

  1. فضح المنتسبين للإسلام ، وكشف إلحادهم وزندقتهم .

وقد كان نشر ” فيلم ” إعدام ” صدام ” يعادل مئات الحلقات من مناظرة أولئك الزنادقة ، ويعادل مئات الكتب والخطب في تبيين حال الرافضة ، وخبث اعتقادهم ، فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، فتبين لكثير من أهل السنَّة أن مثل هذا الفعل – الإعدام دون محاكمة عادلة ، وليلة عيد الأضحى – أن هؤلاء الرافضة ليسوا مسلمين ، وإن زعموا ذلك للناس ، حتى رأينا مظاهرات في العالَم الإسلامي تطالب بطرد السفير ” الفارسي ” ! من بلادهم ، وسمعنا على ألسنة الكتاب والخطباء والعوام لفظ ” الصفوية ” ! وهو يستعمل لأول مرة عندهم في وصف تلك الفئة المارقة .

وهذه مصالح لا يستهان بها ، والرجل قد أعدم ومات ، فاستثمار عرض صورته وقد تعرض للطعن والإهانة بعد موته لم يكن أقل نفعاً لأهل السنَّة في بيان خبث وانحراف الرافضة عن الفطرة ، والدين ، والعقل .

  1. جمع الصدقات ، والتبرعات ، وكفالة الأيتام ، ورعاية الأرامل .

فللصورة أبلغ الأثر في حث الناس على إعانة إخوانهم المستضعفين ، فرؤية الأطفال الجوعى والذين التصق بطنهم بظهرهم يغني عن مئات المحاضرات النظرية في جلب المساعدات والإعانات له ولأهله ، وكذا تصوير الجرحى لاستقبالهم في المستشفيات وعلاجهم فيها ، وهكذا في مصالح عظيمة يمكن تحقيقها إن أحسنَّا استعمال هذا السلاح ، وكما قدَّمنا فإن تأثير الصورة يبقى في ذهن رائيها أضعاف تأثير المسموع والمقروء .

  1. التهييج على الجهاد ، والانتقام لدماء المسلمين .

ولا ينكر أحد التأثير البالغ الذي أحدثته صور أطفال غزة ضحايا بين الأنقاض ، وقتلى بنيران العدو ، ولا ينسى أحد صورة الطفل الفلسطيني ” محمد الدرة ” عندما اختراقة جسمه الصغير النحيل رصاصات العدو الصهيوني ، وهو في حضن والده .

ومن شأن مثل هذه المشاهد أن تحرِّك الدماء في عروق المجاهدين ، وتدفعهم للمشاركة مع إخوانهم المجاهدين أينما كانوا ، ولا يُنكر أحد أن الناس قد اثاقلوا عن الخروج للجهاد ، ونصرة إخوانهم ، وأن متاع الدنيا قد صار أضعاف متاع السابقين ، وهذا ما جعلهم يركنون إلى الراحة والدعة ، ويطلبون السلامة لأنفسهم ، فتأتي مثل هذه المشاهد لتزهدهم في حياتهم الدنيوية ، ولتحرك دماءهم ليقوموا غضبة لدينهم .

 

 

سادساً:

هذا ، ولا ننكر أنه ثمة مفاسد حتى من نشر ما هو جائز – بشروطه وضوابطه – من الصور ، وهو ما يستدعي من القائمين على الإعلام الإسلامي أن يتصفوا بالحكمة والعقل في التعامل معها ، ومن هذه المفاسد :

  1. تبلد الإحساس بكثرة العرض لصور القتلى والجرحى .

ولذا فلا عجب أن ترى الأسرة تأكل ، وتشرب ، وهم يرون مناظر الحرب ، وصوره المفزعة .

وعلاج ذلك : أن يحسَن في كمية وكيفية عرض الصور على الناس ، فيختار الوقت المناسب ، والقدْر المناسب لعرضه على الناس .

ولذلك أصل في الشريعة :

عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ) .

– يتخول : يتعاهد .

– السآمة : الملل ، والضجر .

  1. توقف التأثر مع عدم الصور .

وهذا ما يحصل عند طائفة من الناس ، وهو أن الكلمة لا يكون لها تأثير عليه حتى يرى الصورة المعبِّرة .

وعلاج ذلك : بأن يحسن المتكلم – بدون صورة – توصيف الحدث ، حتى يجعل السامع كأنه يرى الحدث بعينه .

ولذلك أصل في الشريعة :

عن ابنِ عُمَرَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ). رواه الترمذي ( 3333 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”.

  1. التسبب بالضرر العظيم على المسلمين وخاصة المدنيين .

وهذا مثل ما حصل في صور التمثيل بالمقاولين الأمريكيين الأربعة في الفلوجة ، مما تسبب بحصار جائر ، وعذاب شديد .

والحكمة تقتضي حسن اختيار ما يُنشر مما فيه نفع للمسلمين ، ودفع للضر والأذى عنهم ، وهذا يحتاج لأهل علم وعقل ، وهم يجتهدون في ذلك بما لا يرجع بالضرر على المسلمين .

– وقد يوجد غير ذلك ، لكنه قليل في جنب ما ذكرناه من مصالح عظيمة .

وبكل حال :

فهذه من مسائل الاجتهاد ، ويسع فيها الخلاف ، ومن نظر إلى قول المانعين ، وأنهم أجازوا الصور للهوية ، وتصوير المجرمين : علم أن ما ذكرناه هو أضعاف أضعاف هذه المصالح ، والإعلام سلاح يحتاج من يحسن استعماله .

ونوصي بالطلاع على كتاب الدكتور شاكر عبد الحميد – أستاذ علم نفس الإبداع ، ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية ” عصر الصورة السلبيات والإيجابيات ” ضمن إصدارات سلسلة ” عالم المعرفة ” في عددها 311 ، يناير 2005 م ، فهو لا يخلو من فوائد في مسألتنا هذه ليس من الناحية الشرعية ، لكن من ناحية سياسية ، وتقنية .

 

والله أعلم.

ماذا أفعل مع هذا الرجل الذي يسب العلماء؟

ماذا يفعل مع هذا الرجل الذي يسب العلماء؟

السؤال:

يوجد رجل من مصر يعيش في مكة المكرمة ، وكان يعمل في الرياض ، وترك العمل منذ فترة ويدعي – كما يقول – أنه قد تفرغ للعلم وهو واسع الاطلاع ، ولا يزيده اطلاعه إلا تمسكاً بشواذ الأقوال ، وكأنه يتحرى ذلك ، ولم يسلم من ذمه عالم من علماء مصر سواء من يسميهم علماء السلطة أو علماء الصحوة ، حتى كان عندنا علماء يشار إليهم بالبنان في مصر أمثال الشيخ أسامة عبد العظيم ، والشيخ محمد إسماعيل لم يسلموا من ذمه ، وكنت على علاقة به ، وكان يعرف أنني من تلامذة الشيخ أسامة عبد العظيم ، فكان لا يذمه عندي ، وقد التقيت بأحد الإخوة الذين التقى هذا الرجل قريباً ، فأبلغني أنه لما ذكر عنده الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال  – والعهدة على الراوي – : ( اللهم ضيِّق عليه قبره واجعل قبره حفرة من حفر النار ) ، فلما قال له الأخ : ولم ذلك ؟ قال : لأنه كان يقول طاعة ولاة الأمر واجبة ولا يوجد ولاة أمر في وقتنا الحاضر ، أو أن هؤلاء الموجودين لا يصلح أن نقول عليهم ولاة أمر وفاجأني هذا الأخ أن هذا الرجل يقول في بعض المسائل الفقهية بآراء شاذَّة جدّاً ، بل قد تكون منكرة مثل ما قال : ” إن إتيان المرأة في دبرها لا شيء فيه ، وإن الأحاديث الواردة في ذلك إما ضعيفة أو موضوعة”.

وإن الرجل ليس لديه الآن مصدر للتكسب ، ويقول : ” يجب على الإخوة أن يؤدوا إليَّ المال لأنني متفرغ لخدمة العلم ” .

والحقيقة قد غاظني ما سمعته من هذا الرجل ، وأتى في نفسي أن أبلغ عنه ، فإن كان هذا فكره الذي يقره هو ولا يقول بخلافه يعزر أو يرجع عنه .

– فماذا تنصحونني أن أفعل ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

من الكلام ما يستحق أن يناقش ويرد عليه ، ومنه ما هو أقل من أن يؤبه له ؛ لأنه لا وزن له وقيمة ؛ فصاحبه قد جمع بين الجهل والجهالة ، والظاهر أنه يعجبه أمره ، فلعلَّ غيره أن يستفيد مما سنقول ، وأما هو فليقرأ عن الإسلام من جديد ليعرف حقيقة نفسه ، وبُعده عن آدابه وفضائله فضلاً عن تعديه على أحكامه وشرائعه .

 

 

ثانياً :

رفع الله تعالى قدْر العلماء ، وأعلى منزلة العلم ، وقد تعددت فضائل العلم والعلماء ، وأُلِّفت في ذلك المؤلفات ، وسنكتفي بالنزر اليسير في هذه الكلمات .

– قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ فاطر / 28 ] .

– وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ الزمر / 9 ] .

عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من سلك طريقا يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ” . رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 70 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله : موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ، إذ كل أمَّة قبل مبعث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم ؛ فإنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، بهم قام الكتاب ، وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا .”  مجموع الفتاوى ” ( 20 / 231 ، 232 ) .

ثالثاً :

وما يصيب العلماء من أذية السفهاء وتطاول الجهلاء إنما هو من الابتلاء الذي يرفع الله تعالى بها درجاتهم ، فلا ينبغي لهم التأثر بمثل هذا الكلام ، فإن الله تعالى يرفع به درجاتهم ، وتزداد به عقوبة الظالم لهم المعتدي عليهم .

قال تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [ العنكبوت / 2 ، 3 ] .

 

 

 

رابعاً :

وإذا كانت الغيبة محرمة : فإن غيبة العلماء أشد حرمة ، وإذا كانت أذية المسلمين إثماً : فإن أذية أهل العلم أعظم إثماً ، وإن من آيات الله تعالى أنه يعجل العقوبة للظالم لهم والمعتدي عليهم في الدنيا قبل الآخرة .

 قال الإمام النووي رحمه الله تعالى :

… وقال تعالى { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } – [  الأحزاب / 58 ] – وفي الباب حديث أبي مسعود الأنصاري وحديث ابن عباس المتقدمان في الباب الثاني وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط ” رواه أبو داود  – ( 4843 ) – وهو حديث حسن …

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله عز وجل قال من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب ” رواه البخاري – ( 6137 ) – ، وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته ” – لم يروه الإمام البخاري ، وإنما رواه الإمام مسلم ( 658 ) – ، وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما قالا : إن لم يكن العلماء أولياء الله : فليس لله ولي .

 قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله : اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } …”  التبيان في آداب حملة القرآن ” ( ص 15 ، 16 ) .

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الربا اثنان وسبعون بابا ، أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه ” . رواه الطبراني في الأوسط ( 7151 ) من رواية عمر بن راشد وقد وثق ، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ( 1857 ) .

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله :

حق على العاقل أن لا يستخف بثلاثة : العلماء ، والسلاطين ، والإخوان ؛ فإنه من استخف بالعلماء : ذهبت آخرته ، ومن استخف بالسلطان : ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان : ذهبت مروءته .”  سير أعلام النبلاء ” ( 7 / 450 ) .

وقال الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

إذا كان الإنسان لا يجوز له أن يغتاب أخاه المؤمن وإن لم يكن عالماً : فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين !؟ … وليعلم الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرح العالم فسيكون سبباً في رد ما يقول هذا العالم من الحق ، وليعلم أن الذي يجرح العالم لا يجرحه  شخصيّاً بل هو تجريح لإرث محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء ، فإذا جرح العلماء وقدح فيهم : لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم ، وهو مورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جرح .”  الصحوة الإسلامية ، ضوابط وتوجيهات ” ( ص 117 – 118 ) .

وقال الشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم :

إن المسيء إلى العلماء والطاعن عليهم بغياً وعدواً : قد ركب متن الشطط ، ووقع في أقبح الغلط ؛ لأن حرمة العلماء مضاعفة ، وحقوقهم متعددة ، فلهم كل ما ثبت من حقوق المسلم على أخيه المسلم ، ولهم حقوق المسنين والأكابر ، ولهم حقوق حملة القرآن الكريم ، ولهم حقوق العالمين والأولياء الصالحين  .

”  الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام ” ( 9 – 10 ) .

خامساً :

وما يرغب به المتكلم ظلماً وزوراً في أهل العلم وهو إسقاطهم إنما يرجع عليه كيده في نحره ، فإن الله سبحانه وتعالى يُعلي شأن العالِم الحافظ لدينه والداعي إليه ، ويُسفل شأن هذا الظالم المعتدي .

قال الذهبي – في ترجمة الإمام الشافعي – :

وقال بعض الناس منه غضّاً ، فما زاده ذلك إلا رفعة وجلاله ، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى ، وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى . ” سير أعلام النبلاء ” ( 11 / 204 ) .

سادساً :

والطعن في العلماء وفحش القول فيهم مرفوض حتى لو كان من أهل العلم ، وقد تكلَّم ابن حزم في بعض أهل العلم بمثل هذا القول الفاحش ، وظن بعض الناس أن لهم فيه قدوة حسنة ، وما علموا أنه بذلك مخالف للشرع ، وأنه ليس لهم قدوة في فعله هذا .

قال الإمام الذهبي رحمه الله – في ترجمة ابن حزم – :

… وصنف في ذلك كتباً كثيرة وناظر عليه ، وبسط لسانه وقلمه ، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب ، بل فجَّج العبارة وسبَّ وجدَّع ، فكان جزاؤه من جنس فعله ، بحيث إنه أَعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة ، وهجروها ونفروا منها ، وأُحرقت في وقت ، واعتنى بها آخرون من العلماء ، وفتّشوها انتقاداً واستفادة ، وأخذاً ومؤاخذة ، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين ، فتارة يطربون ومرة يعجبون ، ومن تفرده يهزؤون ، وفي الجملة فالكمال عزيز ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” سير أعلام النبلاء ” ( 18 /  186 ، 187 ) .

سابعاً :

ولا يعني ما قلناه أن الأئمة والعلماء لا يخطئون ، بل هم يصيبون ويخطئون ، لكنهم لا يتعمدون المخالفة ، وهم إذا أخطأوا حصَّلوا أجراً واحداً ، وخطؤهم مغمور في بحر علمهم وحسناتهم ودفاعهم عن دين الله عز وجل .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

… ومَن له علم بالشرع والواقع : يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح ، وآثار حسنة ، وهو من الإسلام وأهله بمكان : قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور ، بل مأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يتبع فيها ، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين . ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 283 ) .

ثامناً :

وأقبح من السب والشتم والطعن في أهل العلم هو تكفيرهم ، وإذا كان تكفير عامة المسلمين من كبائر الذنوب فإن تكفير العلماء أعظم جرماً وإثماً ، والمسلم الذي ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه الإسلام إلا بيقين مثله ، ومثل هؤلاء ليسوا أهلاً للكلام في مسائل الطهارة فضلاً أن يكونوا أهلاً لأحكام التكفير .

– ولا شك أنه أحق بما يدعيه في غيره من أهل العلم .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” . رواه البخاري ( 5753 ) ومسلم (60).

– ودعاؤه دعاء إثم سيبوء بإثمه إلا أن يتوب ويستغفر ربه .

وانظر إلى خذلان الله له حيث يتبنى أقوالاً شاذة تتناسب مع شذوذه في الفكر والمنهج ، وانظر إلى بطالته وسفول يده ، حيث يطلب من الناس أن تنفق عليه ، وهو يكفرهم ؛ لأن من يكفر صفوة الأمة من علمائها فلن يحكم على من هم دونهم بالإسلام .

 

 

 

تاسعاً :

فما هي نصيحة أهل العلم لهؤلاء المتطاولين ، وكيف يعالج أحدهم نفسه ؟ وما هو الموقف من خطأ العلماء ؟ .

أ. قال الإمام الذهبي رحمه الله :

ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدَّعناه : لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا ، رحم الله الجميع بمنه وكرمه .

 ” سير أعلام النبلاء ” ( 14 / 396 ) .

ب. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد :

إذا ظفرت بوهَم لعالم : فلا تفرح به للحط منه ، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط ، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم .

وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص ، إلا متعالم ” يريد أن يطبَّ زكاما فيحدث به جذاما “.

نعم ، يبنه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله ، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه فيغتر به من هو مثله .

”  حلية طالب العلم ” ( ص 42 ) .

ج. سئل الشيخ ابن عثيمين :

ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقاً للقدح فيهم ورميهم بالبهتان ؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك ؟ .

فأجاب :

العلماء – بلا شك – يخطئون ويصيبون ، وليس أحد منهم معصوماً ، ولا ينبغي لنا بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلماً للقدح فيهم ، فإن هذا طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب ، ولكن علينا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به ، حتى يتبين لنا ؛ لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه ، أو خطأ في الفهم لما يقول ، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء ، وعلى كل حال فمن سمع منكم عن عالم أو عن داعية أو عن إمام مسجد ، أو أي إنسان له ولاية ، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون : فعليه أن  يتصل به وأن يسأله : هل وقع ذلك منه أم لم يقع ، ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه ، وإما أن يكون هو المصيب ، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحياناً ولا سيما بين الشباب .

وإن الواجب على الشباب وعلى غيرهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم ، وأن يسعوا بالنصح والاتصال بمن نُقل عنه ما نُقل حتى يتبين الأمر ، أما الكلام في المجالس ولا سيما في مجالس العامة أن يقال ما تقول في فلان ؟ ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين ؟ فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقاً ؛ لأنه يثير الفتنة والفوضى فيجب حفظ اللسان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه – : ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسان نفسه ، وقال : كف عليك هذا ، قلت : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال : على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم “.

  وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيف ما شاءوا ، فإنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد ، حمانا الله وإياكم عما يغضبه ، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا ، إنه جواد كريم . ” العلم ( السؤال 101 ) ” .

 

والله الهادي.

يزعم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه فتلفظ بما لا يليق بحق الله تعالى!!

يزعم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه فتلفظ بما لا يليق بحق الله تعالى!!

السؤال:

أعاني من إحباط شديد ، واضطرابات عصبية ، لن أثقل عليكم بالتفاصيل ، لكن باختصار : مشكلتي أنه لم يستجب لي أي دعاء مطلقاً من أدعيتي الكثيرة لأعيش حياة أفضل ، وقد اتخذت الأسباب المتاحة لتحقيق هذا ، فكانت النتيجة أن ساءت حياتي عشرة أضعاف ما كانت عليه من الصعوبة ، مقارنة بالرجل العادي ، في كافة جوانب حياتي ، والآن أظن أنني في طريقي إلى الجنون من التفكير في قدر الله تعالى ، أنا مسلم عادي ، لكني الآن أسير في اتجاه الضلال بسرعة أكبر من قبل ، أنظر إلى المتشردين الذين بلا مأوى فأقول في نفسي : ” هؤلاء الناس لهم أحلام وآمال لكن الله تعالى حطمها كما حطم أحلامي وآمالي ، والله تعالى قادر بسهولة على تجاهلها ! وليس بيدي شيء أفعله ! ومن السهل جدّاً أن ينتهي مصيري إلى نفس مصير هؤلاء المتشردين ” .

صدقوني إني أطرح هذه الأسئلة عليكم لأني إذا ذهبت إلى إمام الحي لدينا ، مثلا أخشى ألا أتوقف عن البكاء والصراخ ، بل قد أضربه نتيجة الغضب واليأس ، أشعر كأن الله تعالى لا ينظر إليَّ مطلقاً ، ولا يلتفت لي ، في حين أنِّي بصدقٍ لا أجد أي مثال أو واقعة تدل أني ارتكبت ما يستحق هذا التخلي الدائم منه عنِّي وعدم المبالاة بي دائماً وأبداً ، إن مستوى معرفتي بالإسلام عالية ، ولا أذكر أني كذبت يوماً أو غششتُ أحداً ، أو حرَّمتُ أحداً من شيء ؟ على العموم نفسي حاليّاً مملوءة بالأفكار المحرَّمة ، فلا أخشع في الصلاة ، وغير قادر على تجميع قواي لسؤال الله بالدعاء ، وأقول : ” ما الفائدة ؟ إنه لن يبالي وسيلقي هذا الدعاء بعيداً كما يلقي أحدنا الصرصور القذر بعيداً ” أو ” لعله مشغول جدّاً في إعطاء فلان وفلان كل ما يريدونه فليس لديه وقت كي يكترث بي ” ، ومن أفكاري ” أنه سرق الخير الذي كان في قدري أنا وأعطاه إلى فلان وفلان … رغم أني عبدته أكثر وفعلت الكثير في سبيله وبعد كل هذا هل هذا ما يفعله معي ؟ ولم أطلب منه الكثير ، أشعر أن الله تعالى ينظر إليَّ ويضحك ويسخر من تعاستي ، وأشعر أنه من الصعب على نفسي أن أظل شاكراً له ، أرى أني كلما أكلتُ فربما أنه يطعمني كي يشاهدني أتعذب أكثر ” ، والذي يتعبني أكثر أني لست طماعاً ، بل أطلب أبسط الأشياء التي تضمن عدم الضلال عن صراط الله ! فقط رغبت أن يكون الله لي كصديق ، بل إني لم أرغب في التزوج حتى أظل سعيداً بعلاقتي مع ربي ! فإذا كان هو راضياً عنِّي فإن أشعر أني ملكت كل شيء ، والآن أشعر أن كل هذا البذل ضاع وتبخر ، أعيش في خوف مستمر ، ربما كل شيء ألمسه يتحول إلى تراب ! في كل خطوة أنتظر حدوث الفشل والخطأ ، لم تعد عندي أدنى ثقة ، أشعر كأني ميت ، يمشى ، ويتكلم ، ولا أستطيع التحدث مع أمي ، ولا أبي بهذا الشأن ، فهما غير متعاطفين تماماً ، بل ربما يضحكان في وجهي فبدلاً من وقوعي في سبِّهما أفضِّل عدم نقاش هذه المشاكل معهما ، لا أشتكي إلا إلى الله تعالى ، لكنه تجاهلني ، إذن ليس عندي شيء الآن ، لقد ضعت في العقيدة ، ولا أعرف كيف سأكون مسلماً بهذا الشكل فيما بعد ، أنا ضعت ! .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

واضح أنه قد بلغ بك اليأس مبلغاً عظيماً ، حتى جعلتَ للشيطان متسعاً من المكان في قلبك وعقلك ليوسوس لك ، وليؤزك على الشر أزّاً ، ومن عظيم كيد الشيطان بك أن جعلك لا تقدِّر ربك تعالى حق قدره بما تفوهت به من عبارات غير لائقة ، ولا نجرؤ حتى على إعادة تذكيرك بها ؛ لما تحويه من ألفاظ قاسية ساقطة ، وقد استثمر الشيطان جهلك بشرع الله تعالى ، وبحكَم تشريعه سبحانه وتعالى ، فراح يوهمك بما لو كنتَ على علم بالشرع لما استطاع أن يجد له طريقاً إلى عقلك ، وإلى قلبك .

ثانياً:

ومما تجهله في شرع الله تعالى : أن الاستجابة للدعاء لها أحوال ثلاثة : إما أن يعجِّل الله لك طلبك بعينه ، أو يصرف عنك من السوء بقدر ما دعوته ، أو يؤخر ذلك لك أجوراً في الآخرة تراها أمامك عند لقائه ، وأنت ظننت أن الاستجابة هي تحقيق طلبك فقط ، فرحت تقول مثل ما جاء في سؤالك .

ثالثاً:

وأنت لم تعلم : أن استجابة الله تعالى للدعاء إنما تكون إذا حقَّق الداعي شروطاً ، وانتفى عنده موانع تمنع من استجابة الدعاء ، وأنت ظننت أنه كل من دعا : فإنه يستجاب له ! ولم تنظر لتحقق شروط ، ولا انتفاء موانع ، ويكفي أن تعلم أنه من موانع الاستجابة : الاستعجال ! ومثل هذا المستعجل يترك الدعاء ، وكأنه يمنُّ به على ربه ، أو يعتقد أن الله تعالى يعجزه ما طلبه في دعائه ، أو يظن في نفسه أنه قد حقق شروط الاستجابة ، وانتفت عنده موانعه ، وكل ذلك لا يكون ممن علم أحكام الدعاء ، وآدابه ، وشروطه ، وموانعه ، ولو كنتَ تعرف قدر عبادة ” الدعاء ” لخشيت على نفسك من أن تُحرمها ! ولما قدَّمت الاستجابة عليها .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ). رواه البخاري ( 5981 ) ومسلم ( 2735 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

يَترك الدعاء ، فيكون كالمانِّ بدعائه ، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة ، فيصير كالمبخل للرب الكريم ، الذي لا تعجزه الإجابة ، ولا ينقصه العطاء ، وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ) ومعنى قوله ( يستحسر ) – وهو بمهملات – : ينقطع .

وفي هذا الحديث : أدب من آداب الدعاء ، وهو أنه يلازم الطلب ، ولا ييأس من الإجابة ؛ لما في ذلك من الانقياد ، والاستسلام ، وإظهار الافتقار ، حتى قال بعض السلف : ” لأنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة ” .

” فتح الباري ” ( 11 / 141 ) .

وقال ابن بطال – رحمه الله – :

وقال بعضهم : إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء : نيل ما سأل ، وإذا لم ينل ما يريد : ثقل عليه الدعاء ، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو : الدعاء لله ، والسؤال منه ، والافتقار إليه أبداً ، ولا يفارق سمة العبودية ، وعلامة الرق ، والانقياد للأمر ، والنهي . ” شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 100 ) .

– وانظر في أجوبتنا الأخرى لمعرفة  شروط الدعاء المستجاب وموانع استجابته.

رابعاً:

ومن حقق شروط الدعاء ، وانتفت عنده موانعه ، والتزم آدابه ، وتحرى أوقات الإجابة ، وكان حاضر القلب ، معظِّماً للرب تعالى : فإنه قلَّ أن يُحرم مثل هذا تحقيق مطلوبه في دعائه ربه عز وجل .

قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله –  :

وإذا اجتمع مع الدعاء : حضور القلب ، وجمعيته بكليته على المطلوب ، وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة – وهي الثلث الأخير من الليل ، وعند الأذان ، وبين الأذان والإقامة ، وأدبار الصلوات المكتوبات ، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة ، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم ، وصادف خشوعاً في القلب ، وانكساراً بين يدي الرب وذلاًّ له ، وتضرعاً ، ورقَّةً ، واستقبل الداعي القبلة ، وكان على طهارة ، ورفع يديه إلى الله تعالى ، وبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة ، والاستغفار ، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة ، وتملقه ، ودعاه ، رغبة ورهبة ، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته ، وتوحيده ، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة ؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً .

ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة ، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم . ” الجواب الكافي ” ( ص 5 ) .

 

 

خامساً:

وإننا لنعلم أن المسلم لو كان على بيِّنة من أمر دينه : لعلم أن الحكمة فيما يقدِّره له ربه تعالى ، فالمسلم – مثلاً – ليس له إلا الدعاء ، وأما الإجابة فهي من الله ، وله الحكمة البالغة في تحديد وقتها ، ومكانها ، وله الحكمة في تحديد نوع الإجابة اللائق بحال السائل .

وانتبه لما يأتي من الجواب على سائل يشبه حاله حالك :

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

عندما لا يتحقق لي أي شيء أغضب ! وأقول أقوالاً في حق نفسي ، وفي حق الله ! مثلاً : أقول : لماذا يا رب لا تستجيب لي الدعاء ؟! وأقوال أخرى .

أرجو توجيهي حول هذا, وإذا شعر الإنسان أن دعاءه لم يستجب فماذا عليه؟.

فأجاب :

عليك أيها السائل , وعلى كل مسلم ومسلمة , إذا تأخرت الإجابة أن ترجع إلى نفسك , وأن تحاسبها , فإن الله حكيم عليم , قد يؤخر الإجابة لحكمةٍ بالغةٍ ؛ ليكثر دعاء العبد لخالقه , وانكساره إليه , وذلِّه لعظمته , وإلحاحه في طلب حاجته , وكثرة تضرعه إليه , وخشوعه بين يديه , ليحصل له بهذا من الخير العظيم , والفوائد الكثيرة , وصلاح القلب , والإقبال على ربه , ما هو أعظم من حاجته , وأنفع له منها

وقد يؤجلها سبحانه وتعالى لأسباب أخرى , منها ما أنت متلبس به من المعاصي كأكل الحرام وعقوق الوالدين , وغير ذلك من أنواع المعاصي .

فيجب على الداعي أن يحاسب نفسه , وأن يبادر إلى التوبة رجاء أن يتقبل الله توبته , ويجيب دعوته .

وقد يؤجلها لحكَم أخرى ، هو أعلم بها سبحانه , كما في الحديث الصحيح : ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تعجَّل له دعوته في الدنيا , وإما أن تُدخَّر له في الآخرة , وإما أن يُصرف عنه من الشر مثل ذلك ) ، قالوا : يا رسول الله إذاً نُكثر ؟ قال : ( الله أكثر ) .

فإذا تأجلتْ الحاجة : فلا تَلُم ربَّك , ولا تقل : لماذا … لماذا يا رب , بل عليك أن ترجع إلى نفسك , وتحاسبها ؛ فإن ربك حكيم عليم .

فارجع إلى نفسك ، وانظر ، فلعلَّ عندك شيئاً من الذنوب ، والمعاصي , كانت هي السبب في تأخير الإجابة , ولعلَّ هناك أمراً آخر , تأخرت الإجابة من أجله , يكون خيراً لك ، فلا يجوز أن تتهم ربك بما لا يليق به سبحانه , ولكن عليك أن تتهم نفسك , وتنظر في أعمالك ، وسيرتك , حتى تصلح من شأنك , وحتى تستقيم على أمر ربك ، فتنتهي عن نواهيه, وتقف عند حدوده .

وينبغي أن يُعلم أنه سبحانه قد يؤخر الإجابة لمدة طويلة , كما أخر إجابة يعقوب في رد ابنه يوسف إليه , وهو نبي كريم عليه الصلاة والسلام , وكما أخَّر شفاء نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام .

وقد يعطي الله السائل خيراً مما سأل , وقد يَصرف عنه من الشر أفضل مما سأل , كما جاء في الحديث السابق الذي ذكرنا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تعجل له دعوته في الدنيا , وإما أن تدخر له في الآخرة, وإما أن يصرف عنه في الشر مثل ذلك ) . قالوا : يا رسول الله , إذاً نكثر؟! قال : ( الله أكثر ) .

فبين في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه قد يؤخر الإجابة إلى الآخرة , وقد يعجلها في الدنيا لحكمة بالغة ؛ لأن ذلك أصلح لعبده , وأنفع له , وقد يصرف عنه شرّاً عظيماً , خيراً له من إجابة دعوته .

فعليك بحسن الظن بالله , وأن تستمر في الدعاء ، وتلح في ذلك ؛ فإن في الدعاء خيراً كثيراً لك , وعليك أن تتهم نفسك , وأن تنظر في حالك , وأن تستقيم على طاعة ربك , وأن تعلم أن ربك حكيم عليم , قد يؤجل الإجابة لحكمة , وقد يعجلها لحكمة , وقد يعطيك بدلاً من دعوتك خيراً منها ؛ لما ذكرنا آنفاً ؛ ولما في الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل , فيقول : دعوت ، ودعوت ، فلم أره يستجاب لي , فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ) .

فلا ينبغي لك أن تستحسر , ولا ينبغي لك أن تدع الدعاء , بل الزم الدعاء ، واستكثر من الدعاء , وألح على ربك , وحاسب نفسك , واحذر أسباب المنع من المعاصي والسيئات . ويشرع لك أن تتحرى أوقات الإجابة : كآخر الليل , وبين الأذان والإقامة , وفي آخر الصلاة قبل السلام , وفي السجود وعند جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة , وبعد صلاة العصر يوم الجمعة إلى غروب الشمس في حق من جلس متطهراً ينتظر صلاة المغرب , كل هذه من أوقات الإجابة , وعليك بإحضار قلبك عند الدعاء وإحسان الظن بالله ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه إذا دعاني ) خرجه مسلم في صحيحه ، والله ولي التوفيق . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 303 – 305 ) .

وهذا جواب علمي ، نافع لمن تدبره ، وفيه الجواب عن كل المسائل الواردة في السؤال .

فاتق الله في نفسك ، وكفَّ لسانك عن التفوه بما لا يليق في حق الله تعالى ، واحفظ قلبك وعقلك من أن يلج منهما الشيطان ليوهن قواك ، ويفسد عليك دينك ، واصطلح مع الله تعالى ربك الآن ، فتب ، واستغفر ، وأكثر من العمل الصالح ، وداوم على عبادة الدعاء ، واحذر من اليأس والقنوط ، واعلم أنك إن حُرمت الدعاء كان ذلك أشد وآلم من أن تُحرم تحقيق مقصودك ، ورؤية مطلوبك ، وما سبق ذِكره ، والإحالة عليه : كافٍ إن تأملته ، ووقفت معه وقفة تأنٍّ .

 

والله أعلم.

ما مفهوم المساواة في “الإسلام؟”

ما مفهوم المساواة في  ” الإسلام ” ؟

السؤال:

ما مفهوم المساواة في  ” الإسلام ” ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

لفظ ” المساواة ” يحوي حقّاً وباطلاً ، وهو لفظ مشترك في الخير والشر ، وأكثر من يستعمله وينادي به الآن إنما يريد الباطل والشرَّ الذي فيه ، فاستعمالهم له إنما هو لجعل الناس سواسية متساويين لا يفرَّقُ بينهم بسبب الدين ، ولا الجنس ، فنادوا بمساواة المرأة بالرجل في كافة المجالات حتى تلك التي من خصائص الرجال ، كما نادوا بالمساواة في المواطنة ، وأنه لا ينبغي أن يكون الدين مفرِّقاً بين الناس ، فجمعوا بين الموحد والمشرك ، والمسلم والوثني ، وجعلوهم في سياق واحد ، لا يفرق الدِّين بينهم .

وأما الخير والحق الذي في هذا اللفظ فهو أن المسلمين متساوون أمام الشرع في أحكامه ، وتكاليفه ، فلا يفرَّق بين شريف ووضيع في إقامة الحدود ، ولا بين الرجل والمرأة ، إذا جاء أحدهم بما يستحق به جلداً ، أو رجماً ، أو قتلاً ، وقد جاءت أمثلة عملية على ذلك ، فحين سرقت امرأة من قبائل العرب الشريفة ، واستحقت قطع يدها : جاء من يشفع لها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب ، وقال : ( إنَّمَا أَهْلَكَ الذينَ قَبْلَكُم أنَّهُم كانُوا إِذَا سَرَقَ ِفيهُم الشَّريفُ تَرَكُوه ، وَإِذَا سَرَقَ فيهُم الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ ) متفق عليه ، وعندما عيّر صحابي آخر بأمه السوداء : غضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له : ( إِنَّكَ امْرُؤ فِيكَ جَاهِليَّة ) متفق عليه .

كما أن من أوجه المساواة بين الرجل والمرأة : الوعد في الآخرة بالثواب ، والجنة ، قال الله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97 .

هذا هو المعنى الحق الذي في هذا اللفظ ، وليس هذا ما يريده من ينادي بالمساواة.

وقد اعترف الإسلام بوجود ” نفي المساواة ” بين المسلمين في أبواب منه ، فنفى أن يستوي من آمن بالله وأنفق ماله قبل الحديبية ، وبين من آمن وأنفق بعدها ، كما نفى المساواة بين المجاهدين والقاعدين بغير عذر .

فالمساواة بين المرأة والرجل لها جانبان : حق ، وباطل ، فإذا أريد أنهما سواء في التكاليف والأحكام وإقامة الحدود : فالمعنى صحيح ، إلا ما استثناه النص ، وإذا أريد به أن الذكر كالأنثى في كل الأمور : فباطل ، والله تعالى يقول ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ) فالمرأة تحتاج لولي في الزواج ، وليس الرجل كذلك ، والقوامة للرجل ، لا للمرأة ، والطلاق بيد الزوج ، لا الزوجة ، والجماعة والجهاد واجبان على الرجال دون النساء ، وثمة فروق أخرى في الدية ، والعقيقة ، والميراث ، وليس يعني هذا تمييز الرجل في كل الأمور ، فقد جاءت الوصية بالأم ثلاثة أضعاف الوصية بالأب – مثلاً – كما جاء في الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ : ( أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ) ، وقد قدَّم الله تعالى الإناث في بعض المواضع مثل قوله تعالى : ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) الشورى / 49 .

ولذا فإنه من دعا لمساواة المرأة بالرجل في كل الأمور : فهو داعية ضلال ، ودعوته : زندقة ، وإلحاد .

والعجيب أن ما يدعو إليه الغرب والشرق من المساواة بين الرجال والنساء في كل الأمور : هم أول الكافرين به ! فتاريخهم وواقعهم الحالي يشهدان على هذا ، وأنهم كانوا ولا يزالون يفرقون بين الرجل والأنثى في الوظائف ، والرواتب ، وغير ذلك من نواحي الحياة ، مما يُعلم ولا يخفى .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى ( يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى ، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله.

فبيَّن أنه خلق ذلك الذكر – الذي هو آدم – من تراب ، وقد بيَّن الأطوار التي مر بها ذلك التراب ، كصيرويته طيناً لازباً ، وحمأً مسنوناً ، وصلصالاً كالفخار .

وبيَّن أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال : ( يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) النساء/ 1 ، وقال تعالى : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الأعراف/ 189 ، وقال تعالى : ( خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمر/ 6 …. .

قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستنداً إلى وجود الرجل وفرعاً عنه ، وهذا أمر كوني ، قدري ، من الله ، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه .

وقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي ، فجعل الرجل قائماً عليها ، وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها كما قال تعالى : ( الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ) النساء/ 34  .

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة : لا يمكن أن تتحقق ؛ لأن الفوارق بين النوعين كوناً وقدراً أولاً ، وشرعاً منزلاً ثانياً : تمنع من ذلك منعاً باتّاً .

ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى : صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر .

ولا شك أن سبب هذا للعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر ، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم .

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال )

وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة ” بني إسرائيل [أي الإسراء ]” ، وبينا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله ، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها : لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله .

ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأثنى فرَّق الله جل وعلا بينهما في الطلاق ، فجعله بيد الرجل دون المرأة ، وفي الميراث ، وفي نسبة الأولاد إليه .

وفي تعدد الزوجات دون الأزواج : صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى : ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ) البقرة/ 282 .

فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما ، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة .

وقد قال تعالى : ( أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى ) النجم/ 21 ، 22 ، أي : غير عادلة ؛ لعدم استواء النصيبين ، لفضل الذكر على الأنثى .

ولذلك : وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم ، كما قال تعالى عنها : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) آل عمران / 36 ، فامرأة عمران تقول : ( وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) ، وهي صادقة في ذلك بلا شك .

والكفرة وأتباعهم يقولون : إن الذكر والأنثى سواء .

ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة ، وكذب هذه الموجبة .

وقد أوضحنا في سورة ” بني إسرائيل ” في الكلام على قوله تعالى : ( إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) الإسراء/ 9 وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل ، وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ، وتعدد الزوجات ، وكون الولد ينسب إلى الرجل ، وذكرنا طرفاً من ذلك في سورة ” البقرة ” في الكلام على قوله تعالى : ( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) البقرة/ 228 ، وبيَّنا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفاً وكمالاً وقوة طبيعية : خلقية ، وكون الأنوثة بعكس ذلك .

وبينا أن العقلاء جميعاً مطبقون على الاعتراف بذلك ، وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل ، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة كما قال الشاعر :

وما الحلي إلا زينة من نقيصة … يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وقد بيَّنا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله : ( أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ) الزخرف/ 18 ، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين ، وأضعفهما خِلقة ، وجبلَّة ، وهو الأنثى ، ولذلك نشأت في الحِلية من صغرها ؛ لتغطية النقص الذي هو الأنوثة ، وجبره بالزينة ، فهو في الخصام غير مبين .

لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة الفحول الذكور ، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي …. .

وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية ؛ لأن كمال ذكورته ، وشرفها ، وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى : لكماله بذكورته ، ونقصها بأنوثتها .

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها : فإن المرأة تتأثر بذلك تأثراً طبيعيّاً كونيّاً قدريّاً مانعاً لها من مزاولة الأعمال ، كالحمل ، والنفاس ، وما ينشأ عن ذلك من الضعف ، والمرض ، والألم ، بخلاف الرجل : فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك .

ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين : إلا مكابر في المحسوس ، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته .

” أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ” ( 7 / 473 – 475 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

دين الإسلام : دين العدل في العمل ، والجزاء ، وانتبه ” دين العدل في العمل ، والجزاء ” وليس كما يقول المحدَثون : ” إنه دين المساواة ” ، هذا غلط عظيم ، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة ، حتى يقول : المرأة والرجل ، والمؤمن والكافر : سواء ، ولا فرق ، وسبحان الله ، إنك لن تجد في القرآن كلمة ” المساواة ” بين الناس ، بل لا بدَّ من فرق ، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وآيات كثيرة ، فاحذر أن تتابع ، فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ، ونداءً ، بدلاً من أن تقول : ” الدين الإسلامي دين مساواة ” قل : ” دين العدل الذي أمر الله به ، يعطي كل ذي حق حقه ” ، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث ، وفي الدية ، وفي العقيقة ، وفك الرهان ، يختلفون ، وفي الدِّين : المرأة ناقصة ، إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم ، وفي العقل : المرأة ناقصة : شهادة الرجل بشهادة امرأتين ، وهلمَّ جرّاً ، والذين ينطقون بكلمة ” مساواة ” : إذا قررنا هذا ، وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية : ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور ، وإلا لصرنا متناقضين ، فنقول : دين الإسلام هو دين العدل ، يعطي كل إنسان ما يستحق ، حتى جاء في الحديث : ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ) يعني : إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود : فاحفظ عليه كرامته ، وأقلَّه ، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء ، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة ؛ لأنه كما قيل : الكريم إذا أكرمته : ملَكته ، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن : فهذا اشدد عليه العقوبة ، وعزره ، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب  رضي الله عنه ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين ، كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن : ( من شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه ) ؛ لأن لا فائدة في جلده ، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة ، إذن خير له ولغيره أن يقتل ، وإذا قتلناه استراح من الإثم ، كما قال الله عز وجل : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأَنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) .

والخلاصة : أن التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة : غلط ، وليس بصحيح ، بل هو دين العدل ، ولا شك ، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام : يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) فيتناقضون ، والحديث لم ينف مطلقاً ، وإنما قال : ( إلا بالتقوى ) فهم يختلفون بالتقوى ، ثم إن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه قال : ( إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة ، واصطفى من كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) ففضل ، ولا شك أن جنس العرب أفضل من جنس غير العرب ، لا شك عندنا في هذا ، والدليل على هذا : أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ، ورسالة ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فالأجناس تختلف ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ) فاحذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ، ولو على المدى البعيد ، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم ، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة ، إنه على كل شيء قدير . ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 212 /المقدمة ) .

وقال – أيضاً – :

ولا يرتاب أحد يفهم دلالات الألفاظ أن بيْن قولنا ” عدل ” وقولنا ” مساواة ” فرقاً عظيماً ؛ فإن ” المساواة ” ظاهرها التسوية بين الأمور المختلفة ، وهذا خلاف المعقول ، والمنقول ؛ لخلاف قولنا ” عدل ” ؛ فإن ” العدل ” : إعطاء كل ذي حق ما يستحقه ، وتنزيل كل ذي منزلة منزلته ، وهذا هو الموافق للمعقول والمنقول ، وعلى هذا : فليس في القرآن ، ولا في السنَّة ، الأمر بمساواة المرأة مع الرجل أبداً ، بل فيهما الأمر بالعدل كما سمعت ، والذي أحبه من كتَّابنا ، ومثقفينا أن يكون التعبير بكلمة ” العدل ” بدل كلمة ” المساواة ” ؛ لما في ” المساواة ” من الإجمال ، والاشتراك ، واللبس ، بخلاف ” العدل ” فإنها كلمة واضحة بيِّنة ، صريحة ، في أن المراد أن يعطى كل ذي حق حقه ، وإذا تدبرت القرآن لوجدت أكثر ما فيه : نفي المساواة ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) ، ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) ، وما أشبه ذلك من الآيات المتعددة التي فيها نفي المساواة ، وليس إثباتها ، ولا أعلم دليلاً في الكتاب والسنَّة يأمر بالمساواة أبداً ، وإذا كان كذلك : فإن العدل أن تعطى المرأة ما يليق بها من الأعمال والخصائص ، وأن يعطى الرجل ما يليق به من الأعمال والخصائص ، وأما اشتراك الرجل والمرأة في عمل يقتضى الاختلاط ، والكلام ، والنظر ، وما أشبه ذلك : فإنه لا شك أنه عملٌ مخالف لما تقتضيه الشريعة الإسلامية في كتاب الله ، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم … .

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 108 ، وجه أ )

 

والله أعلم.

مشكلات شاب ملتزم مع أهله العصاة

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك بطولها ، ونحن نشكرك على حسن ظنك بنا ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، بمنِّه وفضله.

ثانياً:

ما تعاني منه أخي السائل يشاركك به كثيرون ، يعيشون غربة في دينهم وهم بين أهليهم ، فقد أصبح المستقيمون على طاعة الله غرباء في بلادهم ، أو في بيوتهم ؛ لما يجدونه من إنكار لما هم عليه ، أو محاربة ، أو تثبيط همم وعزائم .

والمسلم الحق لا يلتفت لهذه المعوقات ، بل يستمر في سيره إلى ربه تعالى ، على صراطه المستقيم ، لا يعوجُّ في منهجه ، ولا في سلوكه ، بل لا تزيده هذه المعوقات إلا ثباتاً على الطريق ، وليقتدِ بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولينظر في حاله ، كيف حاربه أعمامه ، وأقرباؤه ، لمَّا جاءهم بالهدى ، ودين الحق ، وقد صبر نبينا صلى الله عليه وسلم على دعوة أولئك الأقرباء خصوصاً ، والناس عموماً ، حتى أنشأ جيلاً فريداً ، نشر الهداية في المعمورة ، وأرسى قواعد العدل في الأرض ، وما نحن إلا حسنة من حسناتهم ، بذلوا الجهود المضنية ، وضحوا بالغالي والنفيس ، من أجل الاستمرار بعمل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، في الدعوة ، والتعليم ، حتى إنك لا تجد بقعة في الأرض إلا ويُذكر فيها الإسلام ، أو يوجد فيها مسلمون .

فالذي نوصيك به ابتداءً هو الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معصيته ، وأن تظل محافظاً على استقامتك ، مع تقوية ذلك بالعلم الشرعي ، وفعل الطاعات .

ثالثاً:

والعصاة يحتاجون لطبيب ذي علم يرشدهم لمرضهم ، ويحتاجون لذي حكمة يعالجهم مع رفضهم ، وهذا ما ينبغي عليك فعله مع أهلك ، فعليك بالعلم أولاً ، فهو زاد الداعية ، ولا يحل للجاهل أن يتكلم في دين الله تعالى ، ثم عليك بالحكمة ، وأعظم طريق الحكمة : اللين ، والرفق ، وهما من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما وصيته للدعاة إلى الله ، قال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) آل عمران/ من الآية 159 ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) .

 

 

 

 

رابعًا:

ونوصيك بالمبادرة بالتزوج ، وعدم تأخير إعفاف نفسك به ، فالفتن التي تعصف بالمجتمعات أصعب من أن يستطيع مواجهتها المتزوج ، فكيف بالأعزب ؟! والزواج وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ، فاحرص على تعجيله ، وعدم تأخيره .

وإذا تأخر زواجك ، أو لم تستطعه : فاتق الله تعالى في سمعك ، وبصرك ، وفرجك ، واحذر أن تلوث ذلك بمحرمات تلقى ربك بها .

سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد باز – رحمه الله – :

ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطع الزواج وإذا لم يتزوج ؟ .

فأجاب  :

عليه أولاً أن يتقي الله ، وأن يحذر شر النفس ، من الوقوع في الفواحش المحرمة ، وأن يستعين بالله على حفظ عفته ، وحفظ فرجه ، ومن ذلك الاستعانة بالصيام ، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ) من استطاع الباءة – وهو الزواج – فليبادر بالزواج ، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته ، وهكذا غيرهم ، وإذا لم يستطع الزواج ، ولم يتيسر الزواج : فليتق الله ، وليسأل ربه العون ، وليحذر من نزغات الشيطان ، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل ، وليستعن بالصوم ، فإن الصوم يعين ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية ، من غض البصر عن النظر إلى النساء ، والعناية بأسباب حفظ الفرج ، والله يعينه ويوفقه ، إذا صدق وأخلص ، يسر الله أمره ويسر له النكاح . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 218 , 219 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا ، وبيَّن الفائدة العظيمة منه ، وهو أنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة ؛ لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان ، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء ، ويحصن فرجه ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، يصوم ؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم ، كافٍ ، غافل عما يتعلق بالنساء ، وفي ليله نائم ، ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضعفت المجاري : ضعفت مسالك الشيطان ، وصار ذلك أقرب إلى السلامة ، ولكن إذا لم يستطع الصوم ، كشاب لا يستطيع النكاح ، ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل ؟ يفعل ما أمر الله به بقوله : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33 ، يستعف ، يتصبر ، فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل ، وإذا كان الإنسان متعففاً كافّاً عما حرَّم الله : فإنه يدخل في قول الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ 4 . ” اللقاء الشهري ” ( 46 / المقدمة ) .

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص هجرتك من بلدك : فإننا نوصيك بما أوصى به أهل العلم ، من أن بقاءك بين أهلك أفضل إن كنت ترجو هدايتهم ، واستجابتهم لما تدعوهم إليه من الخير ، وأما إن كنت ترى أنك بذلت وسعك في دعوتهم ، ولم تجد منهم إلا الصدود ، وكنت تخشى على نفسك من الفتنة والضياع : فإنه يجب عليك الخروج من تلك الديار إلى ما هو أصلح منها لدينك ، واحذر من تغرير الشيطان من أن تنتقل إلى بلاد الكفر ، أو إلى بلاد أشد سوء مما أنت فيه .

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – :

هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط ، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع ، في حين أنه لا يملك التغيير ؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه ؟ أم ماذا يفعل ؟ .

فأجاب :

لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف المسلم من هذه الفتن ، وتلك المستجدات : يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح ، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغيِّر شيئاً منها ، وأن يدعوهم إلى الله ، ويرشدهم إلى الصواب : فهذا أمر مطلوب ، وهو من مقاصد الدعوة.

أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم ، بل في اختلاطه هذا خطر عليه ، وعلى ذويه : فعليه أن يهاجر ، بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك ، فالله عز وجل وسَّع المجالات ، وعَدَّد الفرص ، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3 ، فعلى الإنسان ألا يبدي العجز ، فالله قد تكفل بالأرزاق ، وجعل مع العسر يسراً ، ومع الكرب فرجاً ، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ، ويتوكل عليه ، ويخشاه ، فالله قد وعد باليسر للمسلم ، وهو لا يخلف وعده . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 2 / 263 ، 264 ، السؤل رقم 233 ) .

 

والله أعلم.

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

السؤال:  

بسم الله الرّحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيّدنا وحبيبنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد استشرت كثيراً في قضيتي هذه ، ودائما كان يصلني نفس الردّ أو مع اختلاف قليل ، وهذه المرة الأخيرة التي أطرح فيها قضيتي مفصلة كي أحصل على فتوى أخيرة ، لا أقول إنني أريد أن أحصل على فتوى تتوافق وإرادتي ولكني لا أقتنع بفحوى الفتوى دائماً .

أبي هو إنسان ظالم ، يفعل أفعالاً كفرية ، وأقوالاً ، هذا من باب عدم اتهامه بالكفر والتألّي على الله ، يشتم ربنا عزّ وجلّ ، ويشتم الرسول ، ويشتم الدين ، يميل لأحبار الشيعة ويتغنى بهم ، يرائي كثيراً فيصلي من أجل أن يقولوا صلّى وهكذا .

حدثتكم في فتوى سابقة كيف أنه طلق أمي ، وقام بالزواج من أخرى ، طردتنا من بيتنا لنعيش مع جدي وجدتي اللذين لا يحباننا ، لا ينفق علينا ، وحتى أخي الذي عمل معه سنوات لم يعطه حقّه ولم يبنِ له بيتاً أو يؤسس له شيئاً ، فقط في الآونة الأخيرة قام بشراء سيارة له ، وهذا بعدما أصبح أخي – ولا حول ولا قوة إلا بالله – من السكِّيرين ويميل للقتل والإجرام وهدد والدي ، ومن يسمع لهذا الكلام يقول يا له من عاق وهو عاص ومذنب ، ولكن ماذا عن والدي الذي أمضى حياته يبنى العمارات على كتفيه ليقول له في كل موقف – أعزكم الله – يا حمار ، يا فاشل ، ودمّر نفسيته ، ودمّر كيانه بهذه الاهانات والمعاملات .

قلتم لي في فتوى سابقة أن أدعو له بالهداية ، طيب هذه فعلناها ، ولكن لا أستطيع غير ذلك ، لا أستطيع أنه أقول له كيف الحال أو أجامله ، أكرهه كره أحدكم لإبليس لعنه الله .

بالنسبة لي أنا شخصيّاً : فإنه منذ زواجه بأمي وهو يهملنا جميعاً ، عندما كنت طفلة صغيرة رماني أرضا دون رحمة وظنوا أنني توفيت ، أخذَنا مرة بسيارة مع إخوتي وأمي في بيت أهلها تندب حظها ليرمينا في أحراش أو مقبرة ويقول لا أريدكم ، كبرت وتفاقمت المشاكل لتصل إلى الشرطة وما أدراك ما الشرطة ، ارتعد البيت وشتت أفراده وطلقت أمي بعد عامين تقريبا من خروجها من المنزل ، وبعد أن عشنا مع أمي لفترة رفض والدي هذا ورغم وجود إمكانية العيش مع أمي إلا أنه أصر على عودتنا لينفق علينا ، وعندما عدنا راحت زوجته توسط الجهات وتتصرف كالأفعى ليخلو لها المنزل ، وحدث هذا .

عندما أقول لشيخ – عبر الفتوى – أبي يهينني فإنه يقول أحسني إليه وادفعي بالحسنة السيئة ، هذه تنفع لصديقة تخاصمت معها وليس لوالد يقول لي أنت شيطانة ، أنت متخلفة ، أنت معتوهة ، ليتك تصابين بسرطان في حنجرتك فتنخرسي ، أنت مش رح يطلع منك إشي ، أنت فاشلة ، والكثير .

بعد هذا سكنت مع جداي وهو كعم لنا ، عم أعزب همه في الحياة ذاته ونفاقته ونساؤه ونزواته ، منذ القدم افتضحت له صور في كل البلدة مع امرأة أجنبية – والعياذ بالله – ، ومعروف بشربه الخمرة ، ومعروف بتعاونه – إن لم أقل عمالته – لليهود .

وكهذا من جيل 10 سنوات تقريبا وحتى اليوم أعيش بدون وجود أب وأم فعلي في حياتي ، وفي الفترة الأخيرة اشتد عداؤه لنا لأن له مشاريع هدم وبناء ولا يعرف أين سيذهب بنا ، يقول لي : أصلا أنت من سيتزوجك ؟! ويسخر من منظري ، مِن خَلق الله ، بشكل مؤلم وفظيع ، وإذا كان بالفعل سوف يتردد شاب بالتقدم لي أو لأحدى أخواتي فهذا بسبب سمعته التي تفوح نتناً عن مسيرة ألف عام ، وبالنهاية هذا نصيب .

استفتيتكم حول العمل في الدعم التقني عبر الهاتف وذكرت لكم شروطه من العمل حتى منتصف الليل والخلوة بالسائق أحيانا فقلتم : لا يجوز ، وأنا توقعت هذا ، هذا العمل هو عمل أختي وافق عليه أبي ويعمل لنا بين الحين والآخر استعراضات قلق وعدم رضا ، أخت أخرى لي اضطرت للموافقة على الزواج من رجل لتهرب من البيت .

كنت أصلي في صف الخامس والسادس ، وبعد أن بلغت انقطعت عن الصلاة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فلم أجد مشجعاً أو محذراً ، الكل هنا في غفلة ، فسرت في المنكرات من علاقات محرمة بشبان ، وأنا لا أبرر لنفسي المعصية ، لكن هذا هو الطريق المتوقع من فتاة لا أب لها ولا أم ، يريدون منها أن تكبر بمفردها دون حنان أو عناية ، دون سؤال ، دون توجيه ، ولا يعمّر قلبها الايمان ، وتبت بفضل الله وقطعت علاقتي بهؤلاء ، وبدأت أصلي وأصوم بشكل متواصل ، وتحجبت ، فلم يعجبه هذا ، وصرت في المنزل متطرفة ، إرهابية ، يخجل من مرافقتي ، يقول لي : ماذا هل تظنين أنك رابعة العدوية ؟! .

أخواتي لسن محجبات ولذلك يجدن فرص العمل مفتوحة أقصد العمل بدون شهادة ، أنا لست كذلك ولكن الرزق من الله ، لم أعد أطلب منه شيئاً ؛ لانه أصلاً لا يعطي وإن أعطى فهو يمنُّ ويذل بما أعطى ، كنت أريد المشاركة في دورة تحفيظ القرآن فرفض بسبب تافه ، ولكني أعلم أن ذلك مرجعه إلى التكلفة ، حرمني من كل شيء في الحياة ، حتى الرفقة الصالحة لا سبيل لي إليها بسبب عدم خروجي من المنزل ، وهو لا ينفق على البيت الذي أعيش به ، جداي اللذان ينفقان ويمنان بدورهما ولا ينفقان إلا القليل ، ولا أقول إلا الحمد لله ، لكن بعد كل هذا كيف يقول لي شيخ فاضل : عامليه بلطف ؟! أي لطف وأي حب ؟! هو لم يعاملني بشيء من هذا منذ ولدت ، لم يقل مرة في حياته كيف حالك ؟ أي برّ وهو دفعني إلى كل ما يغضب الله عليّ لأبحث عن رعاية الأب واهتمامه في علاقات محرمة أودت بي إلى الضياع والكآبة ؟ لماذا عندما جاء أب إلى سيّدنا عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه فقال الابن : هو لم يسمني باسم لائق – أسماه ” جُعل ” – ، ولم يختر لي الأم الصالحة ، ولم يعلمني معنى الخلافة في الأرض ، لماذا يقول سيّدنا عمر للوالد : لقد عققت ابنك قبل أن يعقك ؟ والقصة مشهورة ، وربنا سبحانه وتعالى وصف سيّدنا إبراهيم أنه لما تبيّن له أن أباه كافر لم يعد يستغفر له .

ثم لحظة ، الآية ماذا تقول ؟ ( كما ربياني صغيراً ) أنا لم يربني أحد وأنا صغيرة ، عندما كنت ثمانية أشهر ذهبت أمي لبيت أهلها حزينة ، وأبي يقضي أوقاته مع الغانيات وأنا في البيت مهملة منذ أن كنت 8 أشهر ، وهذا أرى تأثيره في شخصيتي ، ما معنى أن يُترك طفل 8 أشهر لمدة سنة ونصف لتعود أمي إليَّ وأنا ابنة عامين ؟! هذا ابتلاء من الله وأنا راضية ولا أريد من أحد شيئا لكن لا يقول لي برّي والديك ، ولا تكلفوا الناس بما لم يكلفهم به الله ، فالبر إن كان الوالدان مشركيْن هو لما أنفاقه وبذلاه وتعبوا من أجل ولدهم أي تربيته وهو لم يفعل ، وإن كان الوالدان فظيْن متحجري القلب فالبر بسبب إيمانهما ، لكن ماذا يحملني بالله عليك على أن أبر والدي ؟ .

– أتحدى أي شيخ يكون له أب كأبي ويبرّه ولو فعل من الغد سأبر والدي .

– دمّر شخصيتي ، آذاني ، أهانني ، لم يؤدبني ، دفع بي إلى كل منكر ، وأكرهه .

وختاماً : أذكر لكم أنني تأملت في عديد من قصص الصحابة لأجد كيف أن البر كان بسبب رعاية الوالدين وإن كانا مشركين .

ثم إن أمي حملتني لكن لم ترضعني لأنها ذهبت تحزن في بيت أهلها ، حملت فيَّ 9 أشهر لا أنكر هذا وهذا فقط ، وسأبرها لهذا السبب ، أما والدي فعندما يقول لي أحدهم برِّيه فهو كمن يقول : اذهبي لتزرعي شتلة ” خبيزة ” على سطح القمر ، أطلت كثيراً وأعتذر لهذه الإطالة وأتمنى منكم إجابة مع الأدلة .

أما الآيتان :

( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) .

فالحمد والشكر لله ، أما أبي فعلى ماذا أشكره ؟ وأمي حملتني وقلت إني لا أنكر هذا ، لكن فصالي في عامين ، لا فهي لم ترضعني .

( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) رب ارحمها كما ربياني صغيراً ، وليس كما أهملاني صغيراً وكبيراً ومراهقا – حاشا لله – .

فأقول : ارحمهما كما ربياني وليس كما تركني ابنة 8 شهر ليزني وأمي تندب حظها في بيت أهلها .

وأقترح أنه عندما يتم إعطاء فتوى أن لا تكون بالعموم ، لأنه شيء مفروغ منه أن بر الوالدين واجب ، لكن لكل حالة ظروف خاصة .

وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك وعشنا مع حروفها بآلامها وأحزانها ، وقد ساءنا الحال الذي وصل لها والدك ، وأهل بيتك ، وإننا لنرجو الله تعالى أن يهدي ضالَّهم ، وأن يوفقهم إلى ما يرضيه تعالى ، وهذا ابتلاء أصابك فاصبري واحتسبي لعلَّ الله أن يكشفه عنكِ أو يُعظم لكِ يوم القيامة أجراً .

ثانياً:

وساءنا وقوعك في المعاصي والآثام ، وإلقاء التبعة في ذلك على والدك ومعاملته لك غير صحيح ، وقد أفرحتنا توبتك ، فاستمري عليها ، وأكثري من الأعمال الصالحة ، ونوصيك بشدة بالدعاء فهو سلاح المستضعفين ،  وملجأ المحتاجين ، وملاذ الخائفين ، ليس بينكِ وبين الله واسطة فاستيقظي آخر الليل وارفعي يديك بالدعاء لربك الهادي للعباد والمقلِّب للقلوب ، اطلبي منه بصدق وإخلاص أن يكشف ما بك من بلاء ، وأن يهدي والدك وبقية أهلك ، وثقي بربك عز وجل أنه على كل شيء قدير ، وأنه قادر على تغيير حالك بكلمة ” كن ” ، واعلمي أنه تعالى قد هدى من هو أشد بأساً وظلماً وكفراً من والدك ، ونرجو الله تعالى أن تكون الاستجابة عاجلاً غير آجل .

ثالثاً:

جعلت الشريعة الإسلامية المطهَّرة حقّاً للوالدين على أولادهم ولو كانوا ظلمة أو كفَّاراً ، ولو كانوا دعاة يجاهدون أولادهم ليقعوا في الكفر ، وثمة واجبات أوجبها الله تعالى على الوالدين من الرحمة بأولادهم – ذكوراً وإناثاً – ومن العدل بينهم في العطية والمعاملة ، ومن حسن تربيتهم ورعايتهم ، وتقصير الوالدين في كل هذا أو في شيء منه لا يكون مسوِّغاً للأولاد في عقوق والديهم والإساءة إليهم ، فلا تقابل الإساء بإساءة ، ولا تُدفع المعصية بمعصية .

 

 

 

رابعاً:

وهذه الحقوق التي جعلها الله تعالى للوالدين ولو كانوا كفاراً لا تشمل الكافر بردة عن دينه ؛ فإن الكافر المرتد لا حقَّ له بشيء من البر والإحسان ، وليس له في الشرع حقوق يطلبها من المسلمين ، بل إما أن يعود إلى الإسلام وإما أن يُقتل ، وبما أنك تذكرين عن والدك أنه يسب الله عز وجل ويسب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ويسب الإسلام : فإنه يصير بذلك مرتداً ؛ فإن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو دينه كفرٌ مخرج عن الملَّة بإجماع أهل السنَّة ، فكيف بها مجتمعة كلها في شخص واحد ؟! لا شك أنه يصير بذلك مرتداً خبيثاً مجرماً ، وإن مات على هذا كان مخلَّداً في نار جهنم .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في حالة قريبة من حالتك لابنة تنصح والدها فيسب دينها ! – :

الواجب على من نُصح أن يتشكر ممن نصحه ؛ لأنه ما أسدى أحدٌ معروفاً إلى أحد أبلغ من نصيحةٍ تنفعه في دينه ودنياه ، كيف يقابل النصيحة والعياذ بالله بالسب والشتم ؟! بل سمعنا في السؤال أنه يسب الدِّين ! والعياذ بالله ، يسب الدِّين الذي تأمره به ابنته ، وسب دين الله كفرٌ مخرجٌ عن الملة ، وهذا الرجل لو مات على هذا السب لكان خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله ، لا ينفعه مالٌ ولا بنون ، فعليه أن يراجع نفسه وأن يتوب إلى الله وباب التوبة مفتوح والحمد لله ، يقول الله عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ) الزمر/ 53 – 59 ، آيات عظيمة ، على هذا الأب أن يتلوها بتمعن وتفكر وتدبر لعلَّ الله سبحانه وتعالى أن يدركه برحمته وفضله ، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وأن يهديه صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير .

” اللقاء الشهري ” ( 35 / جواب السؤال رقم 8 ) .

وعليه : فإننا لا نقول لك إنه يلزمك بر ذلك الوالد الأثيم ، فهو ليس له حقٌّ عليك في هذا ، ولكننا في الوقت نفسه أمام حالة ليس لها علاج عملي في الواقع ، فالشرع معطَّلٌ تطبيقه على مثل أبيك ، فليس ثمة مجال ليحكم عليه أحد بشرع الله المطهر فيستتيبه ويأمره بالإحسان لأولاده ، أما والواقع هو هذا فإنه لا بدَّ لك من مواجهة هذا الواقع الأليم الذي تعيشينه بشيء من الرشد والحكمة ، فالذي نقوله لك : لأنه ليس لأبيك عليك حق من البر والإحسان إليه في المعاملة حتى يرجع عن كفره ويعلن إسلامه ، وهذا ما يجعلك مطمئنة من هذا الباب ، ويجوز لك هجران بيته ولا يلزمك القاء معه ، لكن يجب أن يكون انتقالك إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك من كيد الأشرار ومكر الفجَّار ، فإن تيسر لك هذا فلا حرج عليك في فعله وقد سقط حق والدك عليك في البر وسقطت ولايته .

فإن لم يتيسر لك الخروج من المنزل : فليس أمامنا إلا الوصية لك بالصبر على ما تلاقينه من ضرر وأذى ، وقد صبر قبلك كثيرون عانوا من أسيادهم وأهليهم كثيراً ثم جعل الله تعالى لهم فرَجاً ومخرجاً ، ونوصيك بالدعاء لوالدك وأهلك ، وهو خير سلاح بيدك بعد الصبر ، وقد كانت أم أبي هريرة تسب النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي أبا هريرة ابنها بهذا فصبر أبو هريرة عليها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها ، فدعا لها وهداها الله ، ونوصيك بوالدتك خيراً فإن لها حقوقاً عليك ، ولا يجب معاملتها كوالدك وليس لها الحكم نفسه ، ومن الخطأ أن تربطي برَّها برضاعتها لك ، والظاهر أن ما حصل لها إنما هو بسبب ظلم والدك ، فلا تحمليها ما لا طاقة لها به ، ولا تلقي عليها آثام وخطايا ليست تستحقها .

– وقد ذكرنا حكم برِّ الأب والأم المرتديْن وطريقة التعامل معهما في أجوبة أخرى فلتنظر ففيها مزيد فائدة .

– وللفائدة فقصة عمر بن الخطاب مع الرجل الذي عقَّ ابنه لم نجد لها إسناداً .

 

والله أعلم.