الرئيسية بلوق الصفحة 97

كذاب يدّعي أنّ دفع الزكاة كل شهر تغفر بها الذنوب

كذاب يدّعي أنّ دفع الزكاة كل شهر تغفر بها الذنوب

السؤال:

إذا كذب عليك شخص وقال بأن جميع ذنوبك سوف تُغتفر وستعود كما ولدتك أمك إذا دفعت الزكاة كل شه ، وطلبت منه الدليل فاخترع لك دليلا، ثم بدأت أنت تفعل هذا.

إذا كان هذا غير صحيح وبحثت عن الدليل فوجدت أنه دليل غير صحيح، فهل تمت مغفرة جميع ذنوبك؟

– أسألُ عن هذا لأنّه حصل للكثير من الناس.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما هذا الذي تعمَّد الكذب على الله ورسوله: فإنه متوَّعد بنار جهنَّم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى كفره.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار “. رواه البخاري ( 110 ) ومسلم ( 2 ).

 

وبعض من يكذب على الشرع يظن أنّه يحسن صنعا إذا كان الكذب في باب الفضائل والترغيب والترهيب!

 

* قال النووي:

لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنّه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم…

وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله عز وجل: { ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }، وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي؟

وإذا نظر في قولهم وجد كذبا على الله تعالى، قال الله تعالى: { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، ومن أعجب الأشياء قولهم هذا كذب له وهذا جهل منهم بلسان العرب وخطاب الشرع؛ فإن كل ذلك عندهم كذب عليه. ” شرح مسلم ” ( 1 / 70 ، 71 ).

 

ثانيا:

وما بني على فاسد فهو فاسد، فمن عملَ بشيءٍ من العبادات والطاعات يظن أن له أجرا معيَّنا ثم علم أن الأمر ليس كذلك: فليس له ما ظنّه من الأجور؛ لأنّ مرد الأجر والثواب إلى الله تعالى لا إلى الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

 

لكن لا يعني هذا أنه يأثم؛ وذلك لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه ” رواه أبو داود ( 3657 ) وابن ماجه ( 53 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6069 ).

 

ويرجى أن يكون لهذا الدافع أجر صدقة نفل، فقد فعل هذا تقليدا ظانّا أنّه مما يحبه الله، فهو مأجور على حسن قصده، ومأجور على فعله – لأن بذل المال من الأمور المشروعة –، فلو كان الفعل مبتدعا لكان له الأجر على حسن قصده فقط .

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في الكلام على من يفعل طاعات مبتدعة -:

لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا : كان له أجرٌ على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفورا له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة والركوع والسجود وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه، وما اشتملت عليه من المكروه وانتفى موجبه بعفو الله لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يُذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة، لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 290 ).

 

والله أعلم.

هل ورد حديث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة؟

هل ورد حديث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة؟

السؤال:

قرأت في أحد الكتب أنّك إذا صليت على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة 1000 مرة فإنّك لن تموت حتى ترى مكانك في الجنة فهل هذا صحيح؟ إذا كان صحيحًا فأرجو أن تعطيني دليلا.

 

الجواب:

الحمد لله

 

الحديث غير صحيح، وهو من الأحاديث التي يُعرف كذبها من غير النظر في إسنادها؛ لما فيها من مبالغات ومجازفات؛ ولما يُعرف من عدم روايتها من الأئمة ولا العمل بها من المسلمين.

 

*قال ابن القيم:

وروى العشاري من حديث الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله: ” مَن صلَّى عليَّ في يومٍ ألف مرَّةٍ لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة “.

 

* قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتاب ” الصلاة على النبي “:

لا أعرفه إلا من حديث الحكم بن عطية قال الدارقطني: حدَّث عن ثابت أحاديث لا يتابع عليها، وقال الإمام أحمد: لا بأس به إلا أنّ أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة، وقال: وروي عن يحيى بن معين أنه قال هو ثقة. ” جلاء الأفهام ” ( ص 67 ).

 

* قال ابن الجوزي – في ترجمة الحكم بن عطية -:

يروي عن ثابت وابن سيرين، كان أبو الوليد يضعفه، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به ليس بالمتقن، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: حدَّث عن ثابت أحاديث لا يتابع عليها، وقال أحمد: لا بأس به، قد روى عنه وكيع، إلا أنّ أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة، وقال يحيى: هو ثقة. ” الضعفاء والمتروكين ” ( 1 / 228 ).

 

* ويُقدَّم تجريح الأئمة المجرِّحين للحكم بن عطية على توثيق يحيى بن معين.

 

*والحديث:

قال عنه الشيخ الألباني إنّه رواه أبو حفص بن شاهين في كتابه: ” الترغيب ” (ق 261 / 2 ) وقال: إنّه منكر، وانظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5110 )، و ” ضعيف الترغيب والترهيب ” ( 1 / 513 ).

* ويغني عن هذا ما صحَّ من الأحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم =، ومنها:

أ. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة “. رواه مسلم ( 384 ).

 

ب. عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أبي: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا تُكفى همَّك ويُغفر لك ذنبُك. رواه الترمذي ( 2457 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

 

* ومما جاء في الترغيب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة:

ج. عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإنّ صلاتكم معروضة علي، قال: قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت – يقولون: بليت -؟ فقال: إنّ الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء “. رواه أبو داود (1047) والنسائي ( 1374 ) وابن ماجه ( 1085 )، والحديث: صحَّحه ابن حبان ( 910 ) وابن خزيمة ( 3 / 18 ) والحاكم ( 4 / 604 ).

 

والله أعلم.

حكم خروج قطرات من الدم أثناء الحمل

حكم خروج قطرات من الدم أثناء الحمل

السؤال:

إذا خرجت قطرات متقطعة من المرأة أثناء الحمل فهل تواصل الصلاة أثناء الحمل أم أنها يجب أن تتوقف عن الصلاة لأنّ هذا عذر لها؟ أم أنها تتوقف عن الصلاة ثم تقضي بعد توقف القطرات؟

جزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

 

الدم الذي يخرج من الحامل قد يكون دم حيض وقد يكون دم فساد وقد يكون دم نفاس، فيكون دم نفاس إذا خرج في وقت الطلْق – وبعض العلماء يقول: ولو كان قبل يومين أو ثلاثة -، ويكون دم حيض إذا كان دما أسود وهو دم الدورة الذي تعرفه، وخروجه من الحامل نادر، وقد يكون دم فساد إذا كان غير هذا وذاك، وهو الدم الأحمر الذي يخرج في الاستحاضة، وهو الذي يسمَّى عند عامة النساء ” النزيف “.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة:

أما الدم الذي تراه الحامل: فإنّه عندنا دم فساد؛ لأنّ الله تعالى جعل دم الحيض غذاء للجنين، فإذا خرج شيء فقد خرج على غير الوجه المعتاد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله قد رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد، وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم مما تغيض الأرحام، رواهما أبو حفص بن شاهين وروى الأثرم والدارقطني عن عائشة رضي الله عنهما في الحامل ترى الدم فقالت: الحامل لا تحيض وتغتسل وتصلي، فأمرتها بالغسل لأنّها مستحاضة، والمستحاضة يستحب لها الغسل؛ ولأنّ الشرع جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء، فلو جاز اجتماعهما لما كان علامة على عدمه؛ ولأنّ طلاق الحائض محرَّم والطلاق بعد تبين الحمل جائز، فلو كان الدم الذي تراه الحامل حيضاً لما جاز الطلاق فيه لما يلزمه من تخصيص العمومات والخروج عن القياس.

 

فأما الذي تراه قبل الوضع بيومين أو ثلاثة فهو نفاس؛ لأنّه دم خارج بسبب الولادة فكان نفاسا كالخارج بعدها، وهذا لأنّ الحامل لا تكاد ترى الدم فإذا رأته قريب الوضع فالظاهر أنه بسبب الولد لا سيما إن كان قد ضربها المخاض، وهذه اليومان والثلاثة وإن جعلناها نفاسا فليست من المدة، بل أول المدة من حين الوضع؛ لأنّ في الحديث ” كانت تقعد بعد نفاسها “، وفي الآخر ” كم تجلس النفساء إذا ولدت؟ “، فأما إذا خرج بعض الولد: فالدم قبل انفصاله محسوب من المدة، وفيه وجه أنه لا يحسب حتى ينفصل جميعه. ” شرح العمدة ” ( 1 / 514 ، 515 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين:

والراجح: أن الحامل إذا رأت الدم المطرد الذي يأتيها على وقته وشهره وحاله: فإنه حيض تترك من أجله الصلاة والصوم وغير ذلك، إلا أنه يختلف عن الحيض بأنه لا عبرة به في العدَّة؛ لأنّ الحمل أقوى منه. ” الشرح الممتع ” ( 1 / 405 ).

 

والله أعلم.

هل يقرأ الجن والملائكة القرآن؟

هل يقرأ الجن والملائكة القرآن؟

السؤال:

هل يمكن للجن قراءة القرآن أم أنه حقيقة أنهم لا يستطيعون قراءة القرآن وإنما يذكرون الله فقط كالملائكة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

خلق الله الجن والإنس لعبادته فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والجن كلهم مكلفون كالإنس منهم المؤمن ومنهم الكافر والمطيع والعاصي، ومقتضى هذا التكليف أن يقوموا بما أمرهم الله تعالى به من طلب العلم، والصلاة، ولا يمكن أن تكون منهم صلاة بغير قراءة قرآن، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أن منهم مَن سمع القرآن مِن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنهم آمنوا به وذهبوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين به، قال تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنا عَجَبا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) الجن/ 1 ، 2 ، وقال تعالى ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) الأحقاف/ 29 ، 30 ، وقد صحَّ في السنَّة النبويَّة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من الجن يعلمهم الشرع ويقرأ عليهم كتاب الله، فعن عَلْقَمَة قال : سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا اسْتُطِيرَ أَوْ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَقَالَ ( أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ ) رواه مسلم ( 450 ) ، وكل ذلك يدل على أن الجن مكلفون فمن دخل منهم في الإسلام فهم مأمورون بالصلاة وقراءة القرآن.

قال القرطبي – رحمه الله – في تفسير سورة ” الرحمن ” -:

هذه السورة و ” الأحقاف ” و ” قل أوحي ” دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك.

” تفسير القرطبي ” ( 17 / 169 ).

 

 

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّداً صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس. ” طريق الهجرتين ” ( ص 616 ، 617 ).

وقال – رحمه الله – أيضا – :

الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام : أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر.

” طريق الهجرتين ” ( ص 619 ).

وقال نجم الدين الطوفي – رحمه الله -:

والدليل على تكليف الجن بالفروع: الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسل بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو ( آمِنُوا بِالله ) الحديد/ 7 ، (وأقيموا الصلاة ) البقرة/ 43 ، وقد تضمن هذا الدليل على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن؛ لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم .

” شرح مختصر الروضة ” ( 1 / 218 ، 219 ).

وبه يُعلم أن قراءة القرآن من قبَل الجن لا بدَّ منها لأداء ما أوجبه الله تعالى من تكليف بالصلاة، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على طائفة منهم تعليماً لهم، وهو أمر في استطاعتهم ليس ثمة ما يدل على عدم استطاعتهم قراءة كتاب الله تعالى .

قال ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:

قال السُّبكي: وقد ورد في آثار كثيرة عن السلف أن جمعاً من الجن كانوا يقرؤون القرآن عليهم ويتعلمون العلم، وبالجملة التكليف شرطه العلم فما علموه لزمهم وما لا فلا . انتهى كلام السبكي. ” الفتاوى الحديثية ” ( ص 167 ).

ثانيا:

ثم إن قول الأخ السائل عن الملائكة الكرام إنهم لا يقرؤون القرآن وإنما يقومون بذِكر الله تعالى ليس ثمة ما يؤيد عدم استطاعتهم قراءة القرآن، والملائكة خلْق غير مكلَّف تكليفاً يثاب عليه ويُعاقب، لا بصلاة ولا قراءة قرآن، لكنهم خُلقوا لتنفيذ أوامر الله تعالى في الكون، وليَعبدوه تعالى، وإن تلاوة كلامه تعالى القرآن من العبادة، فأي شيء يمنع تلاوتهم لكلامه تعالى، وقد وجدنا اختلافاً بين العلماء في هذا، فنفى بعضهم قراءة الملائكة للقرآن ولم يمنع منها آخرون.

 

 

قال السيوطي – رحمه الله -:

قال ابن الصلاح في ” فتاويه “: قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك وأنها حريصة لذلك على استماعه من الإنس.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 358 ).

وقد ذكر ابن حجر الهيتمي أن ثمة من اعترض على ابن الصلاح رحمه الله وردَّ عليه قوله، – وإن كان ظاهر كلامه أنه يوافق ابنَ الصلاح -، حيث قال:

لكن اعترضه غير واحد، وساقوا من القرآن والسنَّة ما يعارضه، ومِن ثَمَّ صرح غير واحد بخلافه. ” الفتاوى الحديثية ” ( ص  113 ).

والذي نراه أنه ليس ثمة ما يمنع من قراءة الملائكة للقرآن، وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى قوله تعالى ( والتَّالِيَاتِ ذِكْراً ) أنهم الملائكة، وهو قول مجاهد والسدي.

ومما يدل على ذلك: نزول جبريل عليه السلام بالقرآن تلاوة له على النبي صلى الله عليه وسلم، ومدراسته معه كل عام.

وليس قراءتهم له تكليفا، ولا لهم عليه أجر كما هو حال الإنس والجن، لكنه من جملة ما يتقربون فيه لربهم عز وجل.

  1. قال الطبري – رحمه الله -:

وقوله ( فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ) يقول: فالقارئات كتابا.

واختلف أهل التأويل في المعني بذلك، فقال بعضهم: هم الملائكة.

عن مجاهد ( فالتاليات ذكرًا ) قال: الملائكة.

عن السدي ( فالتاليات ذكرًا ) قال: هم الملائكة.

” تفسير الطبري ” ( 21 / 8 ، 9 ).

  1. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) البقرة/ 97 ، ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآنَ في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مِن غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ ) الآية الشعراء/ 193 ، 194، ولكنه بيَّن في مواضع أُخَر أن معنى ذلك: أن الملَك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) القيامة/  16 – 19 ، وقوله ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) طه/  114 . ” أضواء البيان ” ( 1 / 42 ).

 

 

  1. وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

هل الملائكة تقرأ القرآن؟ وهل لها عبادة غير التسبيح؟

فأجاب:

الملائكة خُلقوا لعبادة الله، كما قال تعالى ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء .  وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 27 ، 28  ، وقال تعالى ( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) الأنبياء/ 19 ، 20) ، وقال تعالى ( وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) الأعراف/ 206 ، فهم دائمًا في عبادة، ومِن العبادة: تلاوة كلامه تَقَرُّبًا إليه، وَذِكْرُهُ وتسبيحه وتحميده، وغير ذلك من أنواع العبادة.

http://ibnjebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=2438&parent=3877

 

والله أعلم.

حكم التلقب بـ ” روح الحرية ” في المنتديات

حكم التلقب بـ ” روح الحرية ” في المنتديات

السؤال:

يا شيخ أردت أن أستفسر عن نقطة الألقاب في المنتدى في لقب معين، هل من الصحيح كتابته أو من المفروض تبديله اللقب هو ” روح الحرية “؟ يا شيخ هذا اللقب لم يكن يقصد به الروح كنفس روح الإنسان بل القصد أن تكون روح الإنسان حرة وأبية ولكن شككت بالأمر عند قراءة أن هناك ألقابا لا تصح كتابتها ، فهل – يا شيخ – لقب ” روح الحرية ” يصح أو لا يجوز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نرى جواز استعمال لقب ” روح الحرية ” لما في لفظ ” الحرية ” من معاني فضفاضة يَدخل فيه حرية الكفر بالله تعالى والردة عن دينه، وحرية فعل المعاصي والذنوب وشواذ الأفعال، ولذا فلا ينبغي الدعوة إلى مطلق الحرية، وينبغي الحذر من دعاة الحرية فقد يقصدون به ما ذكرناه مما لا يجوز إقراره فضلًا عن الدفاع عنه وحمايته، فانظري – مثلا – ما جاء في المادة ( 18 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ففيه ما نصه : ” لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة ” انتهى، وهذا المعنى للفظ الحرية مرفوض في شرعنا المطهر بلا شك.

قال الشيخ أحمد القاضي – وفقه الله –:

إننا ابتداءً لا نسلم بهذا التعبير ” الحرية الدينية ” ولا نعده مصطلحاً شرعيًّا, بل هو تعبير وافد من بلاد الغرب له مدلولاته ومقتضياته الخاصة، والقاعدة الشرعية المقابلة ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )، ولكن هذا المصطلح العصري ” الحرية الدينية ” أوهم بعض الناس أن الإسلام يبيح سائر أنواع الممارسات الدينية التي تروق لصاحبها, وحرية التنقل بين الأديان كيفما شاء, ولم يقل بذلك أحد من علماء الإسلام, ومن ثم استشكلوا حد الردة, ورأوا فيه مصادمة للحرية الدينية وحرية الضمير كما يعبرون .

” دعوة التقريب بين الأديان ” ( 2 / 712 ).

مع التنبيه على أن المعنى اللغوي – بل والشرعي – للفظ الحرية لا يدل على ما يقصده القائلون به والداعون إليه.

قال الدكتور عبد الله الطريقي – حفظه الله -:

درج الكتاب المعاصرون على تسمية هذه الحقوق بـ ” الحريات “، وأطلقوا عليها ” الحريات العامة “، ولكن هذا الإطلاق فيما يبدو لي فيه نظر لأمرين:

أحدهما: أن المعنى اللغوي لا يساعد على هذا الاصطلاح، فإنها – أي الحرية – تعني الخلوص من الرق، ويقال ” ذهب حر ” أي : خالص.

الثاني: أن أي أمر في الإسلام لا بد أن يكون عليه قيود وضوابط، وليس ثمة أمر مطلق متروك لحرية الإنسان حتى في امور الدنيا “.

” فقه الاحتساب على غير المسلمين ” ( ص 44 ) بوساطة ” المستدرك على معجم المناهي اللفظية ” للشيخ سليمان الخراشي ( ص 305 ).

ولذا فإننا لا نرى جواز استعمال لقب ” روح الحرية ” لما فيه من المعاني الفاسدة للفظ الحرية المتداول بين الناس.

 

 

والله أعلم.

حكم تناول بروتين عشبة ” القِنَّب “

حكم تناول بروتين عشبة ” القِنَّب “

السؤال:

أريد أن أسأل عن البروتين المصنوع من عشب ” القِنَّب “، وهو موجود في محلات الأدوات الرياضية في بريطانيا، هل يجوز شرب هذا البروتين كمصدر طبيعي للطاقة؟ كما أن هذه المادة لا تحتوي على (THC).

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في ” الموسوعة العربية العالمية ” ما نصُّه:

القِنّب نبات يزرع في بعض الأحيان لأليافه القوية، ويتم الحصول على ألياف القِنَّب من ساق النبات الخشبية، ويستخدم في الأوتار والحبال المجدولة.

وتُمنع زراعة القنَّب في معظم الدول نظراً لإمكان الحصول على مواد مخدرة منه، وهي ” المارجوانا ” و ” الحشيش “. انتهى.

وعشبة القنَّب لها أثار خطيرة على الجسد، ولذا فقد نصَّ الفقهاء قديمًا وحديثاً على تحريم تناولها وتعاطيها، كما نصَّت على ذلك القوانين العالمية.

والمادة الفعَّالة في القنَّب والتي تؤثر على الدماغ والجهاز العصبي هي ما ذكرها الأخ السائل اختصاراً لها بقوله ” THC ” ، وهي ” رباعي الهيدرو كانابينول ” – ” Tetra Hydro Cannabinol ” – .

وليُعلم أن هذه المادة الفعَّالة غير موجودة في أوراق القِنَّب غير المزهرة أو غير المثمرة، كما لا توجد في بذورها.

قال اللواء الدكتور محمد فتحي عيد – وفقه الله -:

ونبات ” القِنَّب ” من النباتات المحظر زراعتها طبقاً لأحكام الاتفاقية الوحيدة للمخدرات لعام 1961 م المعدَّلة ببروتوكول سنة 1972 م، وذلك باستثناء الكميات البسيطة التي يحتاجها البلد الطرَف في الاتفاقية للأغراض العلمية وأغراض الأبحاث.

وقد أوضحت الاتفاقية في مادتها الأولى فقرة ” ح ” أن المقصود بتعبير ” نبات القِنَّب ” : كل نبات من جنس القنب ذكراً كان أو أنثى مزروع لإنتاج الألياف أو لإنتاج المخدر … ” .

وفي الاتفاقية الوحيدة للمخدرات: ” يقصد بتعبير ” القِنَّب “: الأطراف المزهرة أو المثمرة من نبات القنب التي لم يستخرج منها ” الراتنج ” – أي: السائل الصمغي المأخوذ من أعلى النبتة بعد خدشها – أيّا ما كانت تسميتها “.

وقد نصت الاتفاقية على أن هذا التعريف لا يشمل أوراق نبات القنَّب غير المصحوبة بأطراف، ولا يشمل أيضًا البذور ” انتهى.

” جريمة تعاطي المخدرات في القانون المقارن ” ( 1 / 145 ، 146).

وعليه: فإن كان البروتين المستخلص من ” القِنَّب ” مأخوذاً من أحد ذينك الشيئين – الأوراق غير المثمرة والبذور -، وكان بالفعل خالياً من مركب ” THC “: فإنه لا حرج في تناوله، على أن لا يكون له تأثير سلبي على البدن غير ما تحدثه مادة التخدير، وهذا شرط عام في كل ما يوجد في السوق من مواد طبيعية أو صناعية يُزعم أنها مفيدة للبدن من حيث زيادة طاقته ونشاطه.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

اشترط عليها عدم إتمام دراستها المختلطة وعدم خروجها للعمل فهل تقبل به زوجا؟

اشترط عليها عدم إتمام دراستها المختلطة وعدم خروجها للعمل فهل تقبل به زوجا؟

السؤال:

قبل عدة أيام خطبني شاب متدين، واشترط عليَّ ألا أتمم الدراسة، وألّا أعمل خارج البيت, ولا أعرف ماذا أفعل، مع العلم أنه في بلد المغرب لا يوجد إلا مدارس مختلطة, انصحوني؟ جزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي نراه أنك توافقين على التزوج بذاك الشخص المتقدم لكِ، وما وضعه من شروط يدل – إن شاء الله – على تدينه بالفعل، وعلى غيرته على عرضه، ومثل هذا لا ينبغي أن يُردَّ لأجل أنه وضع هذه الشروط، ولا يخفى ما في الدراسة المختلطة من مفاسد، وكذا خروج المرأة من بيتها؛ فإنه يعرضها لسفهاء الناس وسقطهم في كثير من البلدان وكثير من الأحيان، والذي يظهر لنا أن الأخ المتقدم لكِ لا يمانع من اكتسابك العلم ولا يمانع من عملك، لكنه لا يريد أن يكون ذلك مشوباً باختلاط محرَّم أو تعرض لمهانة لكِ، بل يريد أن يكون ذلك في مملكتك الخاصة وحصنك المنيع وهو بيت الزوجية، وهذا أمر حسن لا يمكننا إلا أن ننصحك بقبوله، ولا يمكننا أن ننصحك بالدراسة المختلطة والعمل المختلط فهما أمران محرَّمان، فكيف نرضى لك أن تجعليهما عقبة أمام تزوجك من شاب متدين يشترط عليك عدمهما ؟ فالزواج للمرأة لتعفَّ نفسها وتكوِّن لها أسرة مقدَّم على دراستها وعملها لو كانا شرعيين فكيف عندما لا يكونان كذلك ؟!.

 

 

والله أعلم.

 

العين والحسد والفرق بينهما وحكمهما، وهل يضمن من يتعمد الإصابة بعينه

العين والحسد والفرق بينهما وحكمهما، وهل يضمن من يتعمد الإصابة بعينه

السؤال:

ما حكم العين والحسد في الإسلام؟ وهل هو حلال أم حرام؟ وما عذاب الشخص الذي يتفاخر بعينه أو يهدد الناس بعينه؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– لا بدَّ من ذِكر معنى العيْن والحسد، وذِكر الفرق بينهما، فنقول:

العيْن: ” مأخوذة من عان يَعين إذا أصابه بعينه، وأصلها : من إعجاب العائن بالشيء، ثم تَتبعه كيفية نفْسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرها إلى المعين “، كذا في ” فتاوى اللجنة الدائمة “( 1 / 271 ).

الحسَد: ” كراهية نِعمة الله على الآخرين وإن لم يتمن زوالها “، وقد اشتهر بين العلماء تعريف الحسد بأنه ” تمني زوال نعمة الله على الغير ” ولكن المعنى الدقيق للحسد هو ” كراهية نعمة الله على غيره سواء تمنى زوالها أو لم يتمن “، كذا في ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 5 / 238 ).

وأما الفرق بينهما:

  1. الحسد أعم من العيْن، فكل عائنٍ حاسد وليس كل حاسد عائنا.
  2. العائن أضر من الحاسد.
  3. الحاسد قد يحسد ما لم يره ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، والعائن لا يَعين إلا ما يراه والموجود بالفعل.
  4. مصدر الحسد: تحرُّق القلب واستكثار النعمة على المحسود، ومصدر العين: انقداح نظرة العين، أو نفس خبيثة.
  5. الحسد لا يقع من صاحبه على ما يكره أن يصاب بأذى كمالِه وولده، والعين تقع على ما يكره العائن أن يصاب بأذى كولده وماله.

قال ابن القيم – رحمه الله -: والمقصود: أن العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد، ولهذا – والله أعلم – إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن؛ لأنه أعم، فكل عائنٍ حاسدٌ ولا بد وليس كل حاسد عائنا، فإذا استعاذ من شر الحسد: دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته، وأصل الحسد هو: بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها. ” بدائع الفوائد ” ( 2 / 458 ).

وقال الشيخ عطية سالم – رحمه الله -:

ويقال في الحسد حاسد، وفي العين عائن، ويشتركان في الأثر ويختلفان في الوسيلة والمنطلق.

فالحاسد: قد يحسد ما لم يره ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، ومصدره: تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود وبتمني زوالها عنه أو عدم حصولها له، وهو غاية في حطة النفس.

والعائن: لا يعين إلا ما يراه والموجود بالفعل، ومصدره انقداح نظرة العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله، وقد يطلق عليه – أيضا – الحسد.

وقد يطلق الحسد ويراد به الغبطة، وهو تمني ما يراه عند الآخرين من غير زواله عنهم.

وعليه الحديث ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلَّطه على هلكته في الخير ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها بين الناس ) – متفق عليه -.

” تتمة أضواء البيان ” ( 9 / 164 ).

 

ثانيا:

وأما حكمهما: فلا شك أنه التحريم.

أ. أما الحسد: فقد جاء عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا … ).

رواه مسلم ( 2559 ).

قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وكذلك قوله أيضا في هذا الحديث ( لا تحاسدوا ) يقتضي النهي عن التحاسد، وعن الحسد في كل شيء على ظاهره وعمومه إلا أنه – أيضا – عندي مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) هكذا رواه عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 6 / 118 ).

ب. وأما العيْن: فتحريمها من باب تحريم إيقاع الضرر على الناس، وإيذائهم، قال تعالى ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) الأحزاب/ 58 ، وقال صلى الله عليه وسلم ( لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارٌ ) رواه ابن ماجه (2314 )، وحسَّنه النووي وابن الصلاح وابن رجب – كما في ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 304 ) – وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

قال علماء اللجنة الدائمة – في شرح الحديث -:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه أو يضرّ غيره، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه، أو غيره.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 400 ).

 

ثالثا:

وأما من يتعمد إصابة الناس بعينه ويهددهم بذلك: فلا شك أنه آثم بذلك، وعلى ولي الأمر حبس هذا العائن ومنعه من لقاء الناس، والإنفاق عليه إن كان فقيرا حتى يتوب توبة نصوحا أو يموت فيرتاح الناس من شرِّه وضرره.

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

سمعنا أن هناك بعض الأشخاص لهم قدرة الإصابة بالعين لمن أرادوا ومتى أرادوا، فهل هذا صحيح؟.

فأجاب:

لاشك أن العين حق كما هو الواقع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( العَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ ) – رواه مسلم -، وفي حديث آخر ( إِنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ وَالجَمَلَ القِدْرَ ) – رواه أبو نعيم في ” الحلية ” وحسنه الألباني في ” الصحيحة ” ( 1249 ) -، أي: يحصل بها الموت، أما حقيقتها : فالله أعلم بذلك.

ولاشك أنها تكون في بعض الناس دون بعض، وأن العائن قد يتعمد الإصابة فيحصل الضرر، وقد لا يتعمد الإصابة فتقع منه بغير قصد ضرر، وهناك من يحاول الإصابة ولا يقدر عليها

وقد أمر الله بالاستعاذة من العائن، فهو داخل في قوله تعالى ( وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) الفلق/ 5، وبالاستعاذة من شره يحصل الحفظ والحماية، والله أعلم.

” الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية “.

http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=6&book=14&toc=536&page=511&subid=17298

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم ” فإنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته فإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس – كما تقدم واضحاً في بابه – وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة “، قال النووي: ” وهذا القول صحيح متعين لا يُعرف عن غيره تصريح بخلافه “.

” فتح الباري ” ( 10 / 205 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 123 ):

والنقول من مختلف المذاهب متضافرة على ما ذكره ابن بطال من كون الإمام يمنع العائن من مخالطة الناس إذا عرف بذلك ويجبره على لزوم بيته؛ لأن ضرره أشد من ضرر المجذوم وآكل البصل والثوم في منعه من دخول المساجد، وإن افتقر فبيت المال تكفيه الحاجة لما في ذلك من المصلحة وكف الأذى. انتهى.

وفي ( 16 / 229 ):

ينبغي للحاكم أمرُ العائن بالكف عن حسده وإيذاء الناس بعينه، فإن أبى فله منعه من مداخلة الناس ومخالطتهم، ويكون ذلك بحبسه في بيته والإنفاق عليه من بيت المال إن كان فقيرا؛ دفعا لضرره عن الناس، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.

وقال بعضهم: يُحبس في السجن حتى يكف عن حسده وتصفو نفسه بالتوبة.

انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد قال أصحابُنا وغيرُهم من الفقهاء: إنَّ مَن عُرِفَ بذلك: حبَسه الإمامُ، وأجرَى له ما يُنفِقُ عليه إلى الموت، وهذا هو الصوابُ قطعا.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 168 ).

 

رابعا:

والصحيح أن العائن المتعمد يضمن ما أوقعه من ضرر على الآخرين، حتى إنه ليُقتل إذا قتل بعينه.

قال القرطبي – رحمه الله -: 

لو أتلف العائن شيئا: ضمنه، ولو قَتل: فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا.

انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 276 ).

وقال شرف الدين الحجاوي – رحمه الله -:

والمِعيان: الذي يقتل بعينه، قال ابن نصر الله في ” حواشي الفروع “: ينبغي أن يُلحق بالساحر الذي يقتل بسحره غالبا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ويفعله باختياره: وجب به القصاص، وإن فعل ذلك بغير قصد الجناية: فيتوجه أنه خطأ يجب فيه ما يجب في القتل الخطأ، وكذا ما أتلفه بعينه يتوجه فيه القول بضمانه، إلا أن يقع بغير قصد فيتوجه عدم الضمان. انتهى.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 4 / 166 ).

 

والله أعلم.

 

هل حكم مَن قال ( بيدك الخير والشر ) عن الله تعالى كمَن سبَّ الذات الإلهية؟

هل حكم مَن قال ( بيدك الخير والشر ) عن الله تعالى كمَن سبَّ الذات الإلهية؟

السؤال:

هل مَن قال لفظا شائعا من الألفاظ مثل ( بيدك الخير والشر ) عن الله كمَن سبَّ الذات الإلهية والدِّين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يجب التفريق بين العبارة ” الخطأ ” والعبارة ” الكفر “، وبين ما كان ” اجتهاداً ” من عالِم وبين ما كان ” سبًّا وشتماً ” من سفيه، وبين العبارة ” المحتملة ” في كونها كفراً والعبارة ” القطعية ” في ذلك .

وعبارة ” بيدك الخير والشر ” قد قالها طوائف من المفسرين في قوله تعالى (بِيَدِكَ الخَيْر ) وقالوا إن فيها حذفاً وإن معناها ” بيدك الخير والشر ” ! وقد بيَّن العلماء المحققون من أهل السنَّة أن ما قالوه خطأ – وليس كفراً – وأن الصواب أنه ليس في الآية حذف .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وأخطأ من قال: المعنى ” بيدك الخير والشر ” لثلاثة أوجه:

أحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف، بل تَرك ذِكرَه قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد .

الثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان : فضل وعدل، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ الخَلْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقِسْطُ يَخْفِضُ يَرْفَعُ ) – متفق عليه -، فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.

الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) – رواه مسلم -، كالتفسير للآية، ففرَّقَ بين الخير والشر وجعلَ أحدَهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.

” شفاء العليل ” ( ص 271 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وقوله ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر: فإنه لا يضاف إلى الله تعالى، لا وصفا، ولا اسما، ولا فعلا، ولكنه يدخل في مفعولاته، ويندرج في قضائه وقدره.

فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشر لا يضاف إلى الله، فلا يقال ” بيدك الخير والشر “، بل يقال ” بيدك الخير ” كما قاله الله، وقاله رسوله، وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال: ” وكذلك الشر بيد الله “: فإنه وهم محض، ملحظهم: حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ينافي قضاءه وقدره العام، وجوابه ما فصَّلنا. ” تفسير السعدي ” ( ص 965 ).

وهذا الذي قلناه من خطأ عبارة ” الشر بيد الله ” لا يجعل منها عبارة كفر، وإنما هي خلاف الصواب، ويجب تجنبها، وليس هذا كمن جاء بعبارة مشتهرة أو غير مشتهرة فيها سبٌّ للذات الإلهية أو لدينه أو لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا يُحكم به على قائلها بالكفر المخرج من ملَّة الإسلام.

 

 

والله أعلم.

 

 

كيف نفسِّر وجود طائفة من الخلق وُلدوا مسلميِن وآخرين يبذلون الجهد ليحققوا ذلك؟

كيف نفسِّر وجود طائفة من الخلق وُلدوا مسلميِن وآخرين يبذلون الجهد ليحققوا ذلك؟

السؤال:

مرَّت بي أوقات عصيبة بخصوص إسلامي بسبب والديَّ؛ لأنهما مختلفان دينيًّا وثقافيًّا، وهما مطلَّقان، سؤالي هو: لماذا يكافح بعض الناس للحصول على معرفة بالإسلام وآخرون أتى حظهم أنهم مسلمون؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مما لا شك فيه أن أعظم نعمة ينعمها الله على عباده أن يولد لأبوين مسلمين، ويعيش مسلماً، ويموت مسلماً، وهذا من فضل الله تعالى حيث لم يحتج أن يبحث ذلك المُنعم عليه بين الأديان ليتعرف على الدين الصحيح الذي يحبه الله ويرضاه ولا يرضى غيره، وليس للعبد هذا كسب في هذا الفضل بل هي منَّة خالصة من الله تعالى ربِّه.

ولا يعني هذا أن كل من وُلد لأبوين مسلمين أنه عرف قدر هذه النعمة وعمل على شكرها، بل رأينا الكثير الكثير ممن كفر هذه النعمة ولم يستفد شيئًا من كونه فتح عينيه على الدنيا ليرى الإسلام والمسجد وفتح أذنيه على سماع كلمة التوحيد, ولذا انحرف هؤلاء إلى طرق الضلالة والغي والغواية والكفر، ولم يكونوا مسلمين إلا بأسمائهم، وقد كان بعض الباحثين عن الدين الحق أفضل منهم – ولا تصح المقارنة أصلاً – حيث عرف أن الإسلام هو دين الله تعالى الذي لا يرضى من عباده غيره، فقرأ وتأمل حتى دخل في هذا الدين باقتناع والتزم أحكامه بقوة .

لذا – أخي السائل – ليس الأمر إلا مزيد فضل من الله تعالى على من شاء من عباده أن يولَدوا مسلمين، ولم يظلم الآخرين حيث بيَّن لهم طريق الحق والضلال، ووضح لهم سبيله المستقيم وأمرهم بالسير عليه، وسبل الشيطان الأخرى وحذَّرهم من سلوكها، وها أنت ترى من وُلد لأبوين مسلمين وانحرف إلى الضلال، وترى من وُلد لأبوين كافر فاستقام على الهدى.

ومن الأمثلة الواضحة في هذا الباب ترفع عنك الإشكال ما تعلمه من حال بعض المرسلين في دعوتهم والاستجابة لها، فها هو نوح عليه السلام أي شيء استفاده ابنه وزوجته منه وهو النبي المرسل الذي دعاهما الليل والنهار فلم يستجيبا وماتا على الكفر؟! وأي شيء استفاده والد إبراهيم – عليه السلام – من ابنه الذي ما فتئ يدعوه وينصحه ويعظه وهو يأبى ذلك بل ساهم في إلقائه في النار؟! وأي شيء استفادته امرأة لوط وهي زوجة نبي مرسل يدعوها إلى الحق وتأبى إلا الكفر؟! وفي الوقت نفسه ها هو فرعون من كبار طواغيت الأرض وها هي زوجته تعلن إسلامها وتكفر بزوجها، وهكذا هي حال البشر إما أن يُنعم الله على بعضهم بنعمة الإسلام فيشكرها ويعمل بمقتضاها، وإما أن يُحرم من هذه النعمة لكنه يبحث بجد واجتهاد ليصل إلى الحق الذي أنزله الله تعالى وأمر عباده بسلوك طريقه، وعلى كلا الطرفين أن يلهج دوما بقوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) الأعراف/ 43، ويقول – كما كان يقول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -:

والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

قال الشيخ محمد عطية سالم – رحمه الله -:

وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها .

الأولى: وجوده بعد العدم .

الثانية: نعمة الإيمان.

الثالثة: دخول الجنة.

وقالوا: الإيجاد من العدم تفضلٌّ من الله تعالى كما قال ( لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) الشورى/ 49،50 ، ومن جعله الله عقيماً فلن ينجب قط  .

والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) القصص/ 56، وقد جاء في الحديث ( كل مَولود يُولد على الفِطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه ) الحديث – متفق عليه -، وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين لا كسب له في ذلك.

والثالث: الإنعام بدخول الجنَّة، كما في الحديث ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) – متفق عليه -.

” تتمة أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ” ( 9 / 3 ).

ثانيا:

وأما بخصوص ما هو واقع بين والديك من اختلاف في الثقافة والدين فهو نفسه الاختلاف الواقع بين أفراد البشر، وما حصل بينهما من طلاق هو أمر اعتيادي، والذي ننصحك به لتجمع شملهم في الدنيا على خير ولتجتمع معهم في الآخر على أحسن حال: أن تسعى لأن يكون كلاهما من المسلمين؛ فبتوحد دينهم سيسهل كل ما هو صعب مما يفرِّق بينهما، وهما والداك ولهما حق عليك عظيم، ومن أعظم حقوقهما عليك أن تجعلهما يشاركانك في السعادة التي أنت فيها وأنت مسلم توحد الله تعالى وتشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فلا تتوانى في الأمر، فهو مهمة جليلة وسترى آثارها الطيبة بإذن الله في الدنيا قبل الآخرة، واستعن على ذلك بالدعاء لهما مع بذل الأسباب الحسية لتلك المهمة، ويمكنك الاستفادة من أهل الخبرة في بلدك لتحقيق ذلك الأمر، ونسأل الله تعالى أن يسددك وأن يوفقك وأن يتقبل منك صالح عملك وأن يهدي والديك لما فيه سعادتهما دنيا وآخرة.

 

والله أعلم.