الرئيسية بلوق الصفحة 119

يرتاب في وجود علاقة محرمة بين أمه ورجل أجنبي، فكيف يتصرف؟.

يرتاب في وجود علاقة محرمة بين أمه ورجل أجنبي، فكيف يتصرف؟.

السؤال:

أريد أن أطرح لكم قصتي التي أعاني منها منذ ( 8 سنوات ) ولم أجد لها حلًّا إلى اليوم، وأنا أعاني كثيرًا كثيرًا جدًّا.

ولولا التمسك بالله، ودينه، ورسوله: لكنتُ اليوم في عداد الأموات، اتصلتُ عن طريق الإيميل بعدة مشايخ، لكن إلى حد الساعة لم يجيبوني، أرجوكم، راسلوني، وأشيروا عليَّ ماذا أفعل.

أنا شاب، عمري ( 28 سنة )، قبل ( 8 سنوات ) أعيش مع الوالد ( 70 سنة)، والأم، وأختين، وأخ، وكنت طالبا بالجامعة، وكان الوالد – رحمه الله – يستيقظ كل صباح باكراً للصلاة، ومنها إلى العمل، وكان يترك الباب مفتوحًا، وفي من الأيام استيقظنا على صراخ أخي بأنه رأى شخصًا في المنزل، وكان الظلام حالكًا، وراح يطارده خارجًا، ولم يمسك به، وكان أخي غير مرتاح، وكأنه يخفي شيئاً، والوالدة تقول إنه ربما لص، وكنا ننام وفي الصباح نجد باب غرفتي مغلقًا، مما زاد في شكي، ومنذ تلك اللحظة بقيت أراقب المنزل، وفعلًا وجدت شخصًا يومًا حول المنزل، كل صباح باكرًا، وكأنه يترقب فرصة للدخول إلى المنزل، وهنا، ومع تحليلاتي، وتوقعي أنه حدثت عملية زنا من طرف الأم – هداها الله -، وهذا الشخص، وفي يوم من الأيام حملت السكين، وانتظرت الشخص بنية القتل، وجاء يحوم حول المنزل، وخرجت إليه حاملاً السكين، لكن في لحظة أدركت ماذا سأفعل، فتراجعت، وهددته مرة أخرى إن رجع سأقتله، وقلت له: إني أعلم كل شيء، وإني سامحتك هذه المرة!، قلت هذا لأني أولًا: أخاف الله تعالى، ثانياً: لأني خفت من العار، خاصة وأننا نعيش في قرية صغيرة، نعرف بعضنا جدًّا، توالت الأيام، ولم أصرح لأي أحد بالموضوع، تعبت نفسيًّا، أتحاشى أن أرى الشخص في الطريق، ومع الأيام والسنوات توفي والدي، حاولت الرحيل إلى بلد آخر، لكني فقير، ولم أجد، وبعدها أصبحت أنا كفيل عائلتي, وألجأ كل يوم إلى الله أن يفرجها الله عليَّ، ويريحني من الدنيا، شخص أصبح يضايقني بنظراته في كل مكان، رحلت إلى مكان قريب من أقربائي، والآن أنا أعاني من هذه المشكلة، أرجوك ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربك، وأن ييسر لك أمرك، وأن يرزقك رزقًا حسنًا، ويعينك على تحمل مسئوليتك تجاه أهلك.

 

ثانيًا:

قولك: ” وتوقعي أنه حدثت عملية زنا “: خطأ، وليس اتهام الناس بالزنا يأتي بالظن، والتوقع، فكيف إذا كان المتهَّم به هي أمك؟! إن الزنا جريمة عظيمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يحل قذف الناس بها، ولا تثبت إلا ببينة شرعية، كاعتراف الزاني أو الزانية على نفسيهما بوقوع ذلك منهما، أو برؤية أربعة شهود ذكور، يرون إيلاج ذكر الزاني في فرج المزني بها، وهو من الصعوبة بمكان حتى إنه لم تثبت به حالة، إلا أن يكونا غاية في الوقاحة بحيث يظهرون زناهم أمام الناس! وما ذلك التشديد في البينة إلا من أجل الحفاظ على أعراض الناس من اتهامها بهذه الجريمة القبيحة، والتي تلوث المتهَّم، وأسرته، بل قبيلته كاملة في بعض الأحيان، عند بعض الناس، وفي الاتهام بالزنا مفاسد كثيرة، فقد يؤدي الاتهام به إلى القتل، أو الطلاق، وغير ذلك مما يسبب تقطع الأسر، وتفكك المجتمعات.

لذا فإنه لم يكن يحل لك – أو لغيرك من إخوتك – إثبات وقوع الزنا من أمك، ولا من غيرها، بمثل ذلك الدليل المتهافت أصلاً، ولو ثبت دخول الرجل في بيتكم، ولو ثبت دخوله في غرفة نوم والدتك، بل ولو ثبت نومه معها في فراش واحد: ما كان ذلك بمثبت لوقوع الزنا منها، ولا منه، نعم هي معاصٍ، وآثام، وكبائر ذنوب، يستحقون عليها التعزير، والتبكيت، لكن ليست هذه البينة الشرعية التي يثبت بها وقوع جُرم الزنى.

ثانيًا:

ونظن أن ما سبق بيانه لك قد يكون عاملًا مساعدًا لك لتخفيف وقع تلك المصيبة عليك، وهذا لا يعني التساهل في الأمر، وإطلاق الحبل على غاربه، بل نشد على يديك في ضرورة الانتباه لأسرتك، والتشدد في ما من شأنه حفظهم، ورعايتهم، ونوصيك بالعناية بتربيتهم على الإيمان، والطاعة، وقد أحسنت بانتقالك بهم إلى بيئة أخرى، فهو تصرف حكيم، ولعلك رأيت أثره الإيجابي على أسرتك.

ثالثًا:

ومما نحب تنبيهك عليه، والوصية لك به: هو أن تسعوا بتزويج والدتكم، وهو أمر مباح، ليس حرامًا، ولا عيبًا، وهو يصب في مصلحتها، ومصلحتكم، والبيوت مليئة بالأسرار، ولا ندري واقع الحال، لكن لا تخون امرأة زوجها في بيتها، وتخاطر بحياتها من أجل ذلك إلا وعندها من الأسباب ما يدفعها لذلك، وهذه الأسباب ليست مبررة شرعًا، ولا يمكن أن تكون كذلك، لكننا نتكلم عن واقع أولئك الزوجات اللاتي يفعلن ذلك، وقد يكون ذلك نتيجة إهمال زوجها لها، أو عدم إشباعه رغبتها، ولأنك ذكرتَ ما ذكرتَ عن والدتك: فإننا نرى أن تسعوا جميعاً في تزويجها برجل من أهل الدِّين والأخلاق الحسنة، واجعلوا ذلك من أولوياتكم، ولمثل هذا الفعل نتائج طيبة، من إعفاف النفس، وقطع الطمع في المعصية، وإسكات الناس من الذين قد يلِغوا في عِرضكم، وقد تكون هذه رغبة والدتكم لكنها تخجل من عرضها عليكم، كما أن الشيطان قد يسهل للمرء فعل الفاحشة، ويصعِّب عليه طلب الفضيلة والعفاف.

رابعًا:

استعن بالله ربك على أداء ما ائتمنك عليه، واسأل التوفيق، والإعانة، ولا تقصر في توجيه، أو نصح، أو موعظة، لأهلك، وترفق بهم، ووثق علاقتك بهم، ونسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

 

والله أعلم.

يخالفون الشرع ويتذرعون بوجود من يفعل ذلك من أهل الاستقامة!.

يخالفون الشرع ويتذرعون بوجود من يفعل ذلك من أهل الاستقامة!.

السؤال:

بعض أئمة المساجد وأساتذة التربية الإسلامية وغيرهم مما يعتبرون قدوة لأناس غيرهم يأخذون من لحاهم – والبعض يحلقها كلها -، ويسبلون ثيابهم، فإذا حاججت بعض ضعاف النفوس على حرمة هذه الأمور: يقول لك: فلان إمام مسجد ومسبل ثوبه، أو فلان مدرس إسلاميات ويحلق لحيته, فنريد منكم كلمة – يا شيخ – في مثل هؤلاء الأئمة، ومن في دورهم، وخطر ما يفعلونه على أنفسهم، وعلى الناس كلهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

حلق اللحية، وتقصيرها دون القبضة، وإسبال الثياب: كل ذلك من المحرمات، وليس مع من فعل شيئا منها حجة شرعية، إنما هي أهواء نفوس، أو تعلق بأقوال شاذة، أو فهم منكوس لنصوص أو أقوال.

 

ثانيًا:

وتعلق بعض المخالفين للشرع بفعل أئمة المساجد، أو مدرسي التربية الإسلامية: لا ينفعهم عند ربهم؛ لأن المسلم لا يقتدي بالمخالف للشرع، والقدوة الأولى للمسلم هو نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) [الأحزاب/الآية 21 ].

      ثم يقال لهؤلاء: إن بعض المحسوبين على الاستقامة واقع في معاصٍ لا يشك في حكمها، ولا يُختلف في تحريمها، فبعضهم عاق لوالديه، وآخر قاطع لرحمه، أفترون أن مثل هذه الأفعال منهم تبيح لأحد أن يفعل مثلهم متذرعا بفعلهم لها؟! وقل مثل ذلك في معاصٍ كثيرة، بل كبائر واضحة بينة، وليس ثمة عاقل يقول إنني أفعل هذا لأنه قد فعلها غيري ممن هو محسوب على أهل الاستقامة، وعليه: فما يقوله أولئك المشار إليهم في السؤال لا يعدو أن يكون قولًا فارغًا يُراد منه أن يَترك أهل الخير دعوتَهم، ونصحهم، ووعظهم.

وثمة أمر آخر يقال لهم أيضًا: وهو أنكم ترون غير هؤلاء من أهل العلم، والفضل، والتقوى، لم يحلقوا لحاهم، ولم يقصروها، ولم يسبلوا ثيابهم، فلمَ لم تتشبهوا بهؤلاء؟! ولم لمْ يكن هؤلاء هم القدوة لكم دون أولئك؟!.

فالذي نراه أن هؤلاء يعلمون أنه ثمة من يسير على هدي الإسلام، ويلتزم أحكامه، لكنهم لا يجعلونهم قدوات لهم، وإنما يبحثون عن المقصرين، أو المتساهلين، الذين وقعوا فيما وافق أهواءهم، فجعلوهم قدوة لهم، ولو كان هؤلاء عامَّة، جهلة، لا يرون غير هؤلاء من أهل الاستقامة لكان يمكن أن يكون هذا عذرًا لهم.

فالذي يقول: إنه يوجد من يحلق لحيته ويقصرها، ويسبل ثيابه: فيقال لهم ثمة كثيرون لا يفعلون هذا، بل يلتزمون أحكام الشرع، فاجعلوا هؤلاء قدوتكم.

      ومن يقول: إنه يخرج بعض المشايخ في فضائيات مع نساء، ويستمعون الموسيقى: فيقال لهم: ثمة كثيرون لا يفعلون هذا؛ لأنه حرام، ومنكر، فاجعلوا هؤلاء أسوتكم.

ثالثًا:

ونوصي أنفسنا وإخواننا من أهل الخير والاستقامة أن يكونوا قدوات صالحة للناس، ويجب أن يعلموا أن فئات كثيرة من عوام المسلمين تنظر إليهم بغير العين التي تنظرها لغيرهم من عامة الناس، فهي ترقب أفعالهم، وتنسبها للدين، وتتلمس صفاتهم، وتلصقها بالشرع، فليحذروا من الوقوع في مخالفة الشرع؛ فإن في ذلك عاقبتين سيئتين: الأولى لأنفسهم بتحميلها عواقب فعل المعصية، والثانية لغيرهم بالتسبب في إضلالهم، ووقوعهم في المعاصي.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا يجب على أهل العلم ما لا يجب على غيرهم، في العبادات، في الأخلاق، في المعاملات؛ لأن الناس يقتدون بهم، يقتدون بهم تمامًا، حتى إن بعض الناس يجلس إلى العالم وهو يصلي – مثلًا – ويحصي عليه حركاته، وسكناته، ولما كبر ابن عمر – رضي الله عنهما –  صار لا يجلس للصلاة مفترشًا، فقال له أحد أبنائه: ” يا أبت كيف هذا الجلوس؟ ” فقال: ” إن رجليِّ لا تقلاني “، فانظر إلى نظرة الناس إلى العالم، يحصون عليه حتى فعله، حتى تركه، لذلك يجب على طلبة العلم أن يكونوا مثالًا طيبًا حسنًا في كل شيء، حتى يكونوا قدوةً صالحة، وحتى يحترمهم الناس. ” اللقاء الشهري ” ( مقدمة اللقاء رقم: 49 ).

فعلى من رضي لنفسه أن يكون من أهل الاستقامة الحذر من الوقوع في المعصية، والحذر من التساهل في الشرع، أو تمييع مسائله، والتهوين من الالتزام بأحكامه، وليعلم أن الداعي ليس هو من دعا الناس بأقواله فحسب، بل وبأفعاله، وصفاته، وأخلاقه.

وهذه وصايا ونصائح من أهل العلم والفضل، نسأل الله أن ينفع بها:

1.*  قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

والعالِم يُعرف بصبره، وتقواه لله, وخشيته له سبحانه وتعالى, ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله, وابتعاده عما حرم الله ورسوله .

هكذا يكون العالم، سواءً كان مدرسًا، أو قاضيًا، أو داعيًا إلى الله, أو في أي عمل, فواجبه أن يكون قدوة في الخير, وأن يكون أسوة في الصالحات, يعمل بعلمه، ويتق الله أين ما كان, ويرشد الناس إلى الخير, حتى يكون قدوة صالحة لطلابه, ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه, يتأسون به: بأقواله، وأعماله الموافقة لشرع الله عز وجل.

وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله, أو الوقوع فيما حرم الله؛ فإنه يُتأسى به في ذلك, فإذا تساهل: تساهل غيره, وهكذا في السنَّة، والمكروهات, ينبغي له أن يحرص على تحري السنن, وإن كانت غير واجبة؛ ليعتادها، وليَتأسى الناس به فيها, وأن يبتعد عن المكروهات، والمشتبهات؛ حتى لا يتأسى به الناس فيها .

فطالب العلم له شأن عظيم, وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود, فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته “.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 312 ،313 ).

  1. * وقال – رحمه الله – أيضًا -:

( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضًا, ولهذا قال بعده: ( وَعَمِلَ صَالِحًا )، فالداعي إلى الله عز وجل يكون داعية باللسان, وداعية بالعمل, ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس, هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم، وأعمالهم، وسيرتهم .

وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام, دعاة إلى الله بالأقوال، والأعمال، والسيرة, وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها, فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلُق فاضل حتى يقتدى بأفعاله، وأقواله وسيرته. ….

فهذه الآية العظيمة فيها الحث، والتحريض على الدعوة إلى الله عز وجل، وبيان منزلة الدعاة، وأنهم أحسن الناس قولًا إذا صدقوا في قولهم، وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولًا، ولا أحد أحسن منهم قولًا أبدًا، وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام, ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة .” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” (3 / 110 ، 111 ).

 

 

 

  1. * وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ويجب على المسلم أن يهتمَّ بأمور دينه، ويحافظ على أداء ما أوجب الله عليه، ويترك ما حرَّمَ الله عليه، وأن يتحلَّى بالأخلاق الفاضلة مع إخوانه، وأن يصدُقَ في معاملته، ويحفظ أمانته، ويكون قدوةً صالحةً لغيره .

ويجب أن يتربَّوا على التّمسّك بالدّين، والأخلاق الفاضلة، وأن يبتعدوا عن الأخلاق الرّذيلة، وقرناء السُّوء، وأن يهتمُّوا بما ينفعهم في دينهم ودُنياهم، وأن يكونوا قوَّة للإسلام، والمسلمين .” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 408 ).

 

ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدي الدعاة وطلبة العلم لما فيه صلاحهم وصلاح الناس.

 

والله أعلم.

هل يجوز للمضارب أن يأخذ راتبًا شهريًّا من مال المضاربة؟ وذِكر بعض شروطها.

هل يجوز للمضارب أن يأخذ راتبًا شهريًّا من مال المضاربة؟ وذِكر بعض شروطها

السؤال:

في المضاربة يتم تقسيم الأرباح بين الممول والمشغل حسب النسبة المتفق عليها بينهما، والسؤال: هل يجوز شرعًا أن يتفق الطرفان على أن يتقاضى المشغل راتبًا شهريًّا ثابتًا إضافة للنسبة المتفق عليها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

المضاربة – وتسمى في كتب الفقه ” القِراض ” – عقد شراكة بين صاحب المال بماله، وبين العامل بها بعمله، ومن شروط هذه المضاربة حتى تكون صحيحة: أن لا يُضمن رأس المال لصاحبه، ولا يُعطى صاحب المال مبلغًا ثابتًا، بل له نسبة من الأرباح بحسب ما يتفقان عليه، والعامل بالمال قد أخذ مقابل عمله تلك النسبة المتفق عليها بينه وبين صاحب المال، لذا فقد أجمع العلماء على عدم جواز أخذه مبلغًا ثابتًا مقابل عمله مع نسبته في الربح؛ لأنه قد لا يُنتج المال إلا ما يأخذه هو، فيكون رابحًا دون صاحب المال، ولو كان هو شريكًا بماله: فله أن يأخذ مقابل عمله إن هو عمل بنفسه، سواء هو أو شريكه، وهذا الذي قلناه لا نعلم خلافًا فيه بين أهل العلم، وهذه طائفة من أقوال العلماء تبين شروط المضاربة، وأن ما جاء في السؤال من أخذ المضارب راتبًا شهريًّا هو مما يفسد هذا العقد:

أ. * قال الشيخ سيد سابق – رحمه الله -:

ويشترط في المضاربة الشروط الآتية:

  1. أن يكون رأس المال نقدًا، فإن كان تِبرًا، أو حُليًّا، أو عروضًا: فإنها لا تصح، قال ابن المنذر: ” أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديْنًا له على رجل مضاربة ” انتهى.
  2. أن يكون معلومًا؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه من الربح الذي يوزع بينهما حسب الاتفاق.
  3. أن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلومًا بالنسبة، كالنصف، والثلث، والربع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ” عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها “.

وقال ابن المنذر: ” أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القِراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة ” انتهى.

وعلة ذلك: أنه لو اشترط قدر معين لأحدهما: فقد لا يكون الربح إلا هذا القدر، فيأخذه من اشترط له، ولا يأخذ الآخر شيئًا، وهذا مخالف المقصود من عقد المضاربة الذي يراد به نفع كلٍّ من المتعاقدين.

  1. أن تكون المضاربة مطلقة، فلا يقيد رب المال العامل بالاتجار في بلد معين، أو في سلعة معينة، أو يتجر في وقت دون وقت، أو لا يتعامل إلا مع شخص بعينه، ونحو ذلك من الشروط؛ لأن اشتراط التقييد كثيرًا ما يفوِّت المقصود من العقد، وهو الربح.

فلابد من عدم اشتراطه، وإلا فسدت المضاربة.

وهذا مذهب مالك والشافعي.

وأما أبو حنيفة وأحمد: فلم يشترطا هذا الشرط وقالا: ” إن المضاربة كما تصح مطلقة: فإنها تجوز كذلك مقيدة “.

وليس من شروط المضاربة بيان مدتها؛ فإنها عقد جائز يمكن فسخه في أي وقت.

وليس من شروطها أن تكون بين مسلم ومسلم، بل يصح أن تكون بين مسلم وذمي.

” فقه السنة ” ( 3 / 205 – 207 ).

ب. قال الكاساني الحنفي – رحمه الله – في بيان شروط عقد المضاربة -:

ومنها: أن يكون المشروط لكل واحد منهما من المضارب ورب المال من الربح جزءًا شائعًا، نصفًا، أو ثلثًا، أو ربعًا, فإن شرطا عددًا مقدرًا بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم من الربح، أو أقل، أو أكثر، والباقي للآخر: لا يجوز, والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة نوع من الشركة، وهي الشركة في الربح, وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح؛ لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر, فلا تتحقق الشركة, فلا يكون التصرف مضاربة، وكذلك إن شَرَطا أن يكون لأحدهما النصف، أو الثلث، ومائة درهم، أو قال إلا مائة درهم: فإنه لا يجوز؛ لأن المضاربة نوع من الشركة، وهي الشركة في الربح، وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح؛ لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، فلا يكون التصرف مضاربة.

” بدائع الصنائع ” ( 6 / 85 ، 86 ).

ج. * وقال الشيرازي الشافعي – رحمه الله -:

ولا يجوز أن يختص أحدهما بدرهم معلوم ثم الباقي بينهما؛ لأنه ربما لم يحصل ذلك الدرهم، فيبطل حقه، وربما لم يحصل غير ذلك الدرهم، فيبطل حق الآخر.

انظر ” المجموع شرح المهذب ” ( 14 / 366 ).

وانظر جواب السؤال رقم: ( 114537 ).

والخلاصة: أنه لا يجوز للعامل المضارب أن يكون له راتب شهري، وأنه ليس له إلا النسبة المتفق عليها بينه وبين صاحب المال.

 

والله أعلم.

هل يجوز الذهاب لوليمة عرس سبقتها منكرات وآثام؟

هل يجوز الذهاب لوليمة عرس سبقتها منكرات وآثام؟

السؤال:

تقام في بلدنا حفلات الزفاف بحيث يكون فيها معازف، وغناء، وألعاب نارية، حتى وقت متأخر من الليل، وفي اليوم التالي تقام وليمة عرس، نحن نقاطع الحفلة التي فيها المنكرات، ولكن اختلفنا بشأن الذهاب إلى الوليمة، بعضنا يقول: إن الذهاب إلى الوليمة يكون تأييداً لهم على منكرهم، والبعض يقول: إن المنكر انتهى، والوليمة ليس فيها منكرات، لذا يجب إجابة الدعوة، هل يجوز الذهاب إلى وليمة من أقام المنكرات مع العلم أن الوليمة لا يصاحبها معازف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

رجحنا في جواب سابق وجوب إجابة الدعوة، وذكرنا الشروط التي يجب تحققها لثبوت الوجوب، ومن تلك الشروط:

” ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، وهو يستطيع إزالته: وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر، وإن كان لا يمكنه إزالته: حرم عليه الحضور “. انتهى.

وهذا الشرط المذكور في الجواب هو في حال كون المنكر موجودًا وقت الوليمة، وهذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

إذا دعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر، والزمر، والعود، ونحوه، وأمكنه الإنكار، وإزالة المنكر: لزمه الحضور، والإنكار.

وإن لم يقدر على الإنكار: لم يحضر، وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر: أزاله، فإن لم يقدر: انصرف.” المغني ” ( 7 / 279 ).

وأما الوارد في السؤال فهو فيما لو كانت المنكرات قد سبقت الوليمة بيوم أو يومين، كما هو الحال في الأعراس في بعض الدول، حيث يحتفل النساء في ليلة، ثم الرجال والنساء في الليلة التي تليها، ثم تكون الوليمة في اليوم الثالث، وغالبًا ما تكون بعد صلاة الجمعة، والذي نراه في هذه الحال أنه لا يجوز لأحدٍ أن يحضر تلمك الوليمة إن كان قد سبقتها منكرات وآثام، والعرس وحدة واحدة، والوليمة جزء منه، وينبغي النظر إليه بهذا الاعتبار، وثمة اعتبار آخر، وهو أن حضور المسلم للطعام فيه إقرار لهم بما فعلوه قبلها من منكرات، والأصل أن مثل هؤلاء يهجرون لفعلهم المنكر، فكيف لأحد أن يشاركهم طعامهم بعد أن عصوا ربهم وجاهروا بذلك على يومين أو أكثر؟!.

نعم، يوجد من يقول بأنه ليس ثمة منكر وقت الوليمة، وأنه لا يشاهِد، ولا يَسمع شيئًا من المنكرات أثناء تناول الوليمة، لكن لا ينبغي أن نغض الطرف عن فعل أصحاب العرس في لياليهم التي عصوا فيها الرب تعالى، وهو متوعدون بالعقوبة عليها، والمسلم يجب أن يكون له موقف من تلك المنكرات، وأهلها، وإن ذهابه لتناول الطعام ليزري به؛ حيث يقول أهل تلك الأعراس: ” إن من أنكر علينا معاصينا سيشاركنا في الطعام! وسيحضر في فقرة العرس الأخيرة!”، وهذا ما يُقال من قبل أولئك العصاة، مع تندر، واستهزاء بأهل الفضل والخير، وأنهم أهل طعام!.

مع تساهلهم في حضور الوليمة إن كان المنكر في المنزل، غير مشاهد، ولا مسموع، لكنهم أبوا أن يكون أهل الدِّين من الحاضرين لتلك الوليمة.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 45 / 240 ):

وأما الحنفية: فقد صرحوا بأنه لو كان المنكر في المنزل: فإنْ قدِر المدعو على المنع: فعل، وإلا صبر، مع الإنكار بقلبه، هذا إن لم يكن مقتدى به، فإن كان مقتدى به، ولم يقدر على المنع: فإنه يخرج، ولا يقعد؛ لأن فيه شينَ الدِّين. انتهى.

* سئل الشيخ محمد بن عبد العزيز المسند – حفظه الله -:

أحيانًا أدعى إلى وليمة بعدها تقام بدعة، مثل ضرب الدفوف، أو سهرة غناء أناشيد، وهذا بعد الوليمة بكثير، فهل يحوز تلبية مثل هذا؟.

فأجاب:

لا يجوز تلبية مثل هذه الولائم، إلا لمن في حضوره إزالة لهذا المنكر، أو تخفيف له، أمّا الاكتفاء بالحضور دون إنكار: فهو نوع من الإقرار، لكن ينبغي أن يكون الإنكار بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا يصل إلى درجة العراك، أو الشتائم، والسباب. ” الأسئلة الجزائرية ” ( السؤال رقم: 26، رقم الفتوى: 24563 ).

 * وسئل الشيخ الجبرين – رحمه الله -:

دُعيت لحفلة زواج لأحد أقاربي وجيراني، وكانت الحفلة يومان، اليوم الأول فيه طرب وغناء، وفيه من آلات الموسيقى ما فيه كالعود، والقانون وغيرها، أما الليلة الثانية ففيها حضور المدعوين للعشاء فقط.

فهل أحضر الحفلة لليلة الثانية بأن أقوم بالواجب؛ لما فيه من صلة الرحم، وحقوق الجار، وإذا سمعت الغناء رجعت، أم لا أذهب لهذه الحفلة كليًّا لأن فيها معصية الله ومعصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما هو الرد حفظكم الله على من يحيي حفلة زفافه بالطرب والغناء، وعلى من يذهب إليهم من المدعوين للقيام بأداء الواجب، وهل يأثم من لا يذهب لهذه الحفلة؟.

 

 

فأجاب:

إذا حضرت في اليوم الأول فعليك النصح والتغيير، والنهي عن هذا الغناء والطرب ونحوه، فإن انتهوا أو خففوا من المنكر خرج عنهم، أما في اليوم الثاني فلا حرج في حضورك، حيث لا محذور ولا محرم، ولما فيه من الصلة، وإجابة الدعوة، وأداء حق القريب والجار، فمن ذهب إليهم وأقرهم على المنكر فهو آثم، ومن ذهب وغيّر المنكر فهو مثاب، ومن عجز وهرب فهو سالم من الإثم، ومن ذهب وخفف المنكر فله أجر.

 

والله أعلم.

هربت من بيت أهلها وفعلت المنكرات وتريد إعادة العلاقة معهم وهي على حالها!.

هربت من بيت أهلها وفعلت المنكرات وتريد إعادة العلاقة معهم وهي على حالها!.

السؤال:

لي ابنة عمرها ( 22 عامًا )، تعودت الابنة خداعَ أهلها، واحترفت الكذب للوصول إلى أطماعها منذ كانت في الخامسة عشر من عمرها، صبرت الأم سنوات وسنوات على أمل أن تنصلح ولكنها كانت تزداد سوءً، وفي الآونة الأخيرة اكتشفت الأم عن ابنتها ما لا يصدقه عقل، وما يندى له الجبين، فلم تحتمل مجرد النظر إليها، ولكنها تحاملت علّه يكون هناك أمل في إصلاحها، ولكن ارتكاب المحرمات كان قد استولى على قلبها وعقلها ولا حياة لمن تنادي، لقد تركت بيت أهلها عندما طلبوا منها العدول عما هي عليه من انحلال، وانتهاج مسلك آخر يعينها على اتخاذ خطوات نحو طريق أفضل، ولكنها أعرضت واختارت أن تترك بيت أبيها بحثًا عن الدنيا والمتاع الرخيص، بين الحين والآخر تطلب الابنة أن تعود العلاقات بينها وبين أهلها وتقبلها كما هي، فقد أوضحت نيتها في الاستمرار فيما هي عليه من المعصية، إن الأم في غاية الأسى والحزن على عمر ضاع في تربية ابنتها، كيف تأمنها بعد عمر مضى وهي تكذب وتخادع؟ إنها تشعر أنها تكرهها ولا تطيق النظر إليها.

تتمنى من الله أن يهديها، ولكن لا تقوى على التعامل معها، ما حكم صلة الرحم في هذه الحالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يستطيع أحد وصف شعور الوالدين اللذين يريان ابنتهم تفعل المنكرات أمامهم ولا يملكون من أمرهم شيئًا! ولا يستطيع أحد توصيف حالهما عندما تكون ابنتهم هاربة من بيتهم، تفعل ما تشاء، وتبيت حيثما تشاء!.

إننا لنتخيل كيف أن قلب والدتها يتفطر، وكيف أن عقل والدها يكاد يطيش، ونسأل الله العفو والمعافاة، ونسأله السلامة لديننا وأعراضنا، وأن يهدي تلك الابنة الطائشة، وأن يحفظ على والديها دينهم، وعقولهم.

ثانيًا:

وقد لا يكون عند كثير من الناس مناسبًا أن نحمِّل والديها بعض المسئولية لما حدث لابنتهم، لكننا لا نعالج في أجوبتنا قضية خاصة، بل نضع يدنا على الجرح، ونحذر الناس جميعًا من أن يصابوا بمثله، وما القضية الخاصة إلا سبب للتحذير والتنبيه.

وغير خافٍ على أحدٍ أنه من يرضى لنفسه وأهله العيش في دولة متحللة من الخلق والدين: أنه سيدفع ثمن هذا الاختيار غاليًا، وهذا هو واقع هذه الأسرة التي رضيت أن تعيش في دولة غربية متحللة كافرة، تنص قوانينها على حماية حرية ابنتهم في أن تعشق من تشاء، وأن تنام مع من تشاء، وأن تتزوج من تشاء، ولا يملك والدها ولا أخوها منعها من تحقيق رغباتها الشهوانية الحيوانية، وإلا كان مصيرهم السجن، فإن تكرر منهم أذيتها فصلوها عن أهلها، ومكَّنوها من العيش بحريتها, وهو ما يسبب آلامًا لأهلها، وحرقة لقلوبهم، ولكنهم – وللأسف – رضوا بهذه البلاد أن تكون مكان إقامتهم واستقرارهم، فكان أن دفعوا الثمن باهظًا.

ثالثًا:

وثمة أسباب تكون من الأهل – عادة وغالبًا – تتسبب في هروب بناتهم من بيوتهنَّ، وهذه الأسباب تختف من أسرة لأخرى، لكنها في مجملها هي ما يدفع البنت لاختيار الشارع مسكنًا لها، ولاختيار صديقات وأصدقاء السوء أهلًا لها، ومن هذه الأسباب:

  1. تفريط الوالدين في تنشئة البنت على الحياء، والعفاف، والطاعة، وإذا كان هذا واجباً على الأهل في الدول العربية والإسلامية: فإن الوجوب يقوى في بلاد الكفر والفساد.
  2. ما تعيشه أسرة البنت من ضياع، وتفكك، وخلل في القوامة، فالخلافات بين الوالدين، والانشغال بالعمل، والغياب المتكرر من الوالد عن بيته، والطلاق: كل ذلك يجعل البنت تعيش في عالم غير مستقر، وهو ما يسبب ألمًا ترى أن التخلص منه يكون بمفارقة ذلك المكان الذي سبَّب لها ذلك الألم.
  3. ” الفراغ العاطفي “، وهو تابع لما سبق، فما أحوج البنت لحنان أمها، وعطف أبيها، وما أحوجها لجو المودة والرحمة في بيتها، وما أحوجها لملء عاطفتها بالحب الذي يشعرها بدفء الأسرة، ولذة العيش معها، فعندما تفتقد الابنة هذا في بيتها: فإنها قد تجده في معسول الكلام والأفعال من شياطين الإنس، وصديقات السوء، فترى هذه الضعيفة أن ثمة مكان يملأ قلبها حبًّا، وعاطفتها حناناً، فلا تملك إلا أن تهرب من بيت والديها.
  4. تأخير زواج البنت من أعظم الأسباب التي تؤدي بكثيرات إلى الخروج من بيت أهلها؛ لأنها تريد أن تشبع رغبتها المتأججة، فلا ترى إلا طريق الحرام، بعد أن منعها أهلها من طريق الحلال.
  5. والصحبة السيئة من أعظم ما يساهم في تلويث أفكار البنات، ويجعلهن يكرهن التقيد بأوامر الأب، وتحكم الأم وتدخلها في حياة ابنتها.
  6. وأخيرًا: ما تأتي به الأسرة من وسائل فساد الأخلاق، كالفضائيات، والإنترنت، والمدارس المختلطة، كل ذلك يساهم في إفساد أخلاق أفراد الأسرة، وبخاصة الإناث منهنَّ، ويجعلهن يقلدن تلك الممثلة، أو المطربة، التي تتبجح أنه ما كان لها لتنجح لولا أنها هربت من بيت أهلها.

فلتنظر كل أسرة في هذه الأسباب، ولتنظر مدى تقصيرها فيما يجب عليها، لتعلم كم تكون هي سببا في فساد أفراد أسرتها، وحملهم على الهروب خارج بيت الأسرة.

رابعًا:

ولكونكم تعيشون في دولة ترعى الفساد وتحمي أهله، ولا تمكنكم من العناية بابنتكم ولا الأخذ على يدها بالقوة: فإنه سيكون من الصعب وجود حلٍّ عملي فوري لمشكلة ابنتكم إذا كانت ستكون جزء من أسرتكم، تعيش بينكم، ومعكم، وأما مع بُعدها عنكم: فالأمر سهل، إذ ليس ثمة ما يجبركم على إرجاع العلاقة معها ما دامت مصرة على ما هي عليه من فساد.

وفي هذا الإطار، وبخصوص إعادة العلاقة معها، مع إصرارها ذاك: فإنه يمكنكم القبول بتلك العلاقة أن تعود، على أن يكون ذلك من أجل كفها وردعها عما هي عليه من معاصي ومنكرات، ولكن هذا ليس بالشيء السهل في الفعل، ولا بالهين على القلب ليتحمله الوالدان، فمن الصعب على النفس قبول مثل هذه الابنة زائرة لوالديها وهي على حال سيء من ارتكاب المنكرات، وفعل الفواحش، ولكن يهون الأمر إن كان من أجل هدايتها وإصلاحها.

وعليه: فإذا أردتم قبولها جزء من أسرتكم، ورغبتم بإعادة العلاقة معها من أجل هدايتها: فعليكم الاستماع لما نقوله لكم، والعمل على تحقيقه في واقعكم:

  1. إذا كان في قبول إعادة العلاقة مع ابنتكم أنها ستتسبب في إفساد أخواتها اللاتي يسكنن عندكم في البيت: فمن غير تردد: لا تقبلوا بإعادتها، مهما كانت الظروف، ولا تجعلوا الحسرة تتكرر، والخسارة تتفاقم.
  2. إذا كنتم تودون لها الهداية، وستبذلون في ذلك جهدكم، واتفقتما على ذلك -والخطاب لوالديها -: فاقبلوا بها أن ترجع، وأما عدم استعدادكم لتحملها في سبيل هدايتها، أو مع عدم اتفاقكما على ذلك: فلا تقبلوا بها، ولا تُرجعوها.
  3. نرى أن طلب ابنتكم بإعادة علاقتها معكم مما يمكن أن يُستثمر من قبَلكم، فلا تفرطوا فيه، فقد يكون سبب طلبها الرجوع إليكم حاجتها لعاطفة الأمومة، أو لملء فراغ عاطفي لا تملؤه إلا الأسرة، أو قد يكون سبب رجوعها إليكم حاجتها للمال، والمهم في ذلك: أنها هي الراغبة في إعادة العلاقة، ونرى أن تستثمروا هذا أفضل استثمار؛ لتحققوا هدفكم وغايتكم في هدايتها، وكف نفسها عن غيها.
  4. وننصحكم أن لا تواجهوها بالتأنيب، والتثريب، فقد يكون هذا مما ينفرها منكم، فما مضى ولَّى وانتهى، وأنتم الآن تريدون إيقافه، وقد يسوِّل لها الشيطان هجركم مرة أخرى، والفراق الأبدي معكم إن كنتم ستواجهونها بما فعلتْ، وليكن همكم أن تراجع هي نفسها، وتؤنبها، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
  5. وننصح الأم الفاضلة أن تتحمل رؤيتها، وأن تحتسب ذلك عند ربها، ونحن نعلم أن الأمر مؤلم، وأن القلب مجروح، لكننا نريد إصلاح ما مضى، وليس الاستمرار به، فضلاً عن زيادته، ولتكن هذه الأم أختاً وصديقةً لابنتها بالإضافة لكونها أمًّا؛ حتى تتقرب إليها أكثر، وحتى يُسمع لكلامها، ويُؤخذ بنصحها، ولسنا بحاجة لإعادة الخطاب مع الأب، وظننا أنه يتفهم ما نصحنا به زوجته.
  6. وعلى الوالدين الفاضلين تجهيز برنامج هداية لابنتهم، يبدأ في أول زياراتها لهم، وينتهي إن شاء الله في أقرب وقت عندما نسمع أنها هداها الله، واستقامت على الطريق، وليكن من فقرات هذا البرنامج:

أ. كثرة إهدائها ما يتيسر من أشياء؛ فإن الهدية تقرب القلوب المتباعدة، وتحبب القلوب المتنافرة.

ب. الجلسات الأسرية الدافئة، والسهرات العائلية الحانية، ولعلَّ هذا ما تفتقده، ويكون سبباً لرجوعها لدينها وعقلها.

ج. الرحلات إلى أماكن شرعية لا يكون فيها اختلاط، ولا سماع معازف ومحرمات، ومن شأن هذا أن يقرِّب المسافة بينها وبين أهلها.

د. تجهيز مواد سمعية ومرئية لبرامج ومحاضرات إسلامية نافعة، على أن تتناول تلك المواد مواضيع تتعلق بسوء الخاتمة، وحكم ترك الصلاة، والموت، والقبر، وليكن انتقاء تلك المواد عن طريق التعاون مع أقرب ” مركز إسلامي ” موثوق به؛ فإنهم أقدر على جلب تلك المواد التي يحسن أصحابها مخاطبة من يعيش في الغرب، ويتأثر بثقافتهم.

هـ. وأخيرا: نوصي الوالدين – والأم خاصة – أن يكون في ذلك البرنامج فقرة ” الدعاء ” لابنتهم أن يصلح الله تعالى حالها، وأن يوفقها للاستقامة، وليتذلل كل واحد منكما لربه أن يتقبل دعاءه.

 

– واللهَ تعالى نسأل أن يهدي ابنتكم، ويوفقها لما فيه رضاه.

 

والله الموفق.

معنى أنَّ مِن حقوق الزوجة على زوجها أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى

معنى أنَّ مِن حقوق الزوجة على زوجها أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى

السؤال:     

هل معنى الحديث: ” يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ” أن لو اشترى لنفسه ثوبًا بمبلغ (500 ريال ) فعليه أن يعطيها هذا المبلغ، أو يشتري لها ثوبًا بنفس المبلغ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوْ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ “. رواه أبو داود في “السنن” (2142) وقال: ” ولا تُقَبِّحْ “: أن تقول: ” قبحك الله “.

هذا الحديث يدل على أن النفقة حق واجب من حقوق الزوجة، وأن الواجب في هذه النفقة تحقيق كفاية الزوجة من الطعام والشراب والكساء، فإذا تحققت الكفاية لم يجب ما زاد عليها، ولا يجب على الزوج حينئذ أن يشتري لها ثوبًا كلما اشترى لنفسه، ولا أن يعطيها بدله مالًا.

والقيد الوارد في الحديث: ” تطعمها إذا طعمت ” المقصود به الحث على بذل النفقة على الزوجة كما ينفق الرجل على نفسه، وليس لزوم تعويض الزوجة بكل شيء يشتريه الزوج لنفسه.

* يقول الصنعاني – رحمه الله -:

” دل الحديث على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وأن النفقة بقدر سعته، لا يكلف فوق وسعه، لقوله: ” إذا أكلت “، كذا قيل ” انتهى.

“سبل السلام” (3/141).

* ويقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

” يعني: لا تخص نفسك بالكسوة دونها، ولا بالطعام دونها، بل هي شريكة لك، يجب عليك أن تنفق عليها كما تنفق على نفسك، حتى إن كثيرًا من العلماء يقول: إذا لم ينفق الرجل على زوجته وطالبت بالفسخ عند القاضي، فللقاضي أن يفسخ النكاح؛ لأنه قصَّر بحقها الواجب لها ” انتهى. ” شرح رياض الصالحين “.

 

والله أعلم.

 

معجبة برجل متدين، وبينهما مراسلات تهنئة ومواعظ! فكيف تتصرف؟.

معجبة برجل متدين، وبينهما مراسلات تهنئة ومواعظ! فكيف تتصرف؟.

السؤال:

جزاكم الله خيرًا على نصائحكم لشباب وشابات الأمة الإسلامية، أنا فتاة تخرجت من الجامعة قبل ( 4 سنوات )، والحمد لله ملتزمة بالحجاب، وحفظ القرآن، وأحب الإسلام كثيرًا، وأرغب في أن أكون على علم بكل تفاصيل ديني، أنا نشأت في عائلة محافظة، وخلال جميع مراحل حياتي لم أختلط مع الشباب، وحتى في العمل، ولم يدخل رقم ” موبايل ” شاب إلى موبايلي، ودائمًا كنت أدعو الله أن يرزقني الله زوجًا صالحًا، يساعدني على تعلم الشريعة والقرآن، ويساعدني على الالتزام، ورفضت كل من تقدم لي من الشباب لأنهم لم يكونوا بمستوى التدين الذي كنت أحلم به.

ومشكلتي تبدأ عندما فتحت مكتبًا هندسيًّا، وصرت أعمل فيه لأساعد أهلي، حيث تعرفت على شاب كان يتردد إلى مكتبي لبعض أشغاله، كما أن أحد الموظفين لدينا صاحبه من أيام الدراسة، فمدحه كثيرًا، وقال: إنه متدين، والآن يدرس الماجستير بعلم الحديث، وهو من الأوائل في تخصصه، فسألته إن كنت أستطيع الاعتماد عليه لبعض الأسئلة المتعلقة بالشرع، فقال: إنه سيخبره، وجاء إلى المكتب، وسألته، فمدحني كثيراً لاهتمامي بأدق تفاصيل ديني، وقال لي: إنه يحتاج إلى بعض المراجع حتى يأتيني بالجواب الصحيح، فالموضوع من الأمور المستجدة في هذا الزمان، وقال: إنه سوف يسأل أساتذته في الكلية، لذلك طلب مني رقم تلفوني كي يخبرني بالجواب، فأعطيته الرقم؛ لأنني واثقة من نفسي، ومنه، فهو من أهل الشريعة، ولا أخفي أنني أعجبت بشخصيته الإسلامية كثيراً، فقلما ترى شابًّا يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ويترك لحيته في مجتمعي، وبعدها خابرني، وردَّ لي الجواب، وقال: إنك تستطيعين الاتصال كلما احتجت لشيء، وبعدها أرسلت له رسالة لأشكره، وأهنئه بمناسبة شهر رمضان، فردَّ لي رسالتي، وبعدها صار يرسل لي بين كل فترة وأخرى رسائل تشمل على نصائح، ودعاء، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وصرت أرد عليه بالمثل، مع أنني كنت أفرح برسائله كثيرًا، وكانت تحسسني بأنه يتذكرني، ويفكر فيَّ، وكنت أدعو الله أن يجعله من نصيبي، وكنت أقول: إنه ربما يتخرج، ويتقدم لخطبتي.

لا أدري لماذا تعلقت به، وكلما تقدم لي شاب كنت أرفضه، وأقارن بينهما وخاصة بمسألة التدين، فكل الشباب بالكاد يصلي ويصوم، وحتى حديث واحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكاد يحفظ، ولكنني في بعض الأحيان كنت أقول: بأن تبادل الرسائل معه حرام، وكنت أتوقف عن ذلك، لكنه كان يراسلني – أي: بالأسبوع رسالة -، فكنت أرجع وأقول: إنه لو كان حراماً فهو من أهل العلم، فكيف يرضى بذلك؟ وأنا لا أعرف إن كان متزوجًا، أو لا، إلا أنني أظن أنه لو كان متزوجًا ما كان ليراسلني، فأنا أعرف المجتمع الذي أعيش فيه.

وأنا الآن لا أدري ماذا أفعل؟ وكيف لي أن أعرف إن كان متزوجًا أو لا؟ أو إن كان يريدني أو لا؟ وإن كان مراسلته لي حرام؟ وهل أبقى انتظره؟ ولا يوجد من يساعدني ممن أثق بهم، وأنا أعلم أن ظروفه المادية ليست جيدة، وكنت أقول: إن هذا هو السبب لأنني على قدر من الجمال ما يجعل الكثيرين يتقدمون لي، انصحوني، أرجوكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هي هكذا تجري الأمور في جميع صورها! ” أثق بنفسي “، ” أثق به “، ” من أجل العلم والفائدة “، ” تهنئة بقدوم رمضان ، والعيد “، ثم يكون معه التعلق القلبي، ثم كلمات الإعجاب، ثم العشق، وقد يستمر الأمر إلى ما هو أشنع من ذلك، وأشد تحريمًا.

فيا أيتها السائلة إنك قد أخطأتِ ليس مرة، بل أكثر من مرة، فلم يكن لك مزاحمة الرجال في الأعمال، ولم يكن لك محادثتهم، ولا إعطاء رقم جوالك لرجل أجنبي، ولا مراسلته للتهنئة برمضان، ولا السماح له باستمرار مراسلتك، وكل ذلك كان منكِ، وللأسف، وكل ذلك يقع به من يزعم أنه متدين، وأنه يثق بنفسه، ولا يدري المسكين أنه وقع في شباك الشيطان، وأنه قد زلَّت قدمه، ولا منقذ له إلا ربه تعالى.

وإصلاح ذلك لا يكون إلا بإصلاح سبب الوقوع في المشكلة، وهو ترك العمل المختلط مع الرجال الأجانب، وترك محادثتهم، وعدم مراسلتهم، ولو كانت رسائل تذكرة، وعلم، فها أنتِ تقولين إنك تشعرين برسائله أنه يتذكرك، ويفكِّر بك! وقد يكون هو صادقًا في رسائله التذكيرية، وليس يشعر بما تشعرين به، لكنه أخطأ بأفعاله التي فعلها معك، وكان الواجب عليه – وهو المتخصص بالشريعة – أن يقطع الاسترسال في المراسلة، وأن يكتفي بجواب ذلك السؤال، دون عرض خدمات ” الفتوى ” عليك!.

ثانيا:

وأمامك طريقان لإنهاء هذه المشكلة، والكف عن الاستمرار في المعصية، وهما:

الأولى: أن تبعثي برسالة له من جوال آخر، تسألينه فيها إن كان له رغبة بالزواج، وتذكرين فيها شيئًا من مجمل صفاتك إن أجاب بالإيجاب.

والثانية: أن تختمي رسائلك معه برسالة تسألينه فيها صراحة إن كان متزوجًا، أو له رغبة بالزواج، وأنه يوجد من ترغبين بعرض صفاتها عليه، إذا كان عنده العزم على التزوج.

ونحن وإن كنَّا نرجح الطريقة الأولى: لكننا لا نمنع الثانية، وبها يكون الأمر منتهياً، إما أن يكون متزوجاً، وليس عنده رغبة، أو قدرة على التزوج من أخرى، أو أنه ليس عنده الرغبة بالتزوج منكِ، وينبغي أن يكون هذا هو آخر العهد بينكما، مراسلة، ومحادثة، ولا يحل لكما الاستمرار بالمراسلة، حتى لو زعمتم أنها رسائل مواعظ، وعلم، ولا داعي لأن نكابر بعدم وجود أثرها السلبي، وها هي حالتك واضحة في إثبات ذلك الأثر.

 

ونرجو أن يكون منك العمل بما ذكرناه لك من أحكام، والاستجابة لما ذكرناه من تنبيهات، ونسأل الله تعالى أن يهديك، ويوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

معاناة داعية في بيت أهلها في دعوة والدها وأشقائها

معاناة داعية في بيت أهلها في دعوة والدها وأشقائها

السؤال:

كيف أتصرف مع أخي الصغير عمره ( 14 سنة )، عندما ينام عن الصلاة؟ إذا أيقظناه يرد علينا بأسلوب سيء، يعمل مثل تصرفات أخيه الكبير، ويقلده في الرد الوقح عليَّ، وعلى أمي، وعندما أوقظه يقول لي أبي: ” اتركيه ينام، وإذا استيقظ يصليها “، المشكلة: إذا كان أبي لا يأمره بالصلاة، ويقلد أخي في نومه عن الصلاة، ويسمع الأغاني، وحياته عبارة عن لعب في لعب، الألعاب الالكترونية، كيف أغرس فيه القيم الفاضلة وأبي وأخي يشكلون له القدوة؟ ومرة من المرات اكتشفت أنه يشاهد مشاهد وصور إباحية، ولم أعرف كيف أتصرف سوى أننا منعناه من دخول الانترنت، وقد سألني في بعض المرات عن ما هو الزنا؟ فكيف أشرح له الإنجاب وهو في هذه السن الصغيرة؟ وأنا لا أريد أن يبحث عن الإجابة من مصادر أخرى، والشيء الثاني: كيف أتعامل مع أبي؟ أبي شخص لا يحب المشايخ، وكان يخاصم أمي لأنها تحث أخي الصغير على حفظ القرآن، ولا يذهب للمسجد، ويشكك في صحة أحاديث ” البخاري “، ويقول: إننا يجب أن نعرض الأحاديث على العقل أولًا، والنقاش معه لا يأتي بفائدة؛ لأنه مقتنع برأيه، وهو دائماً على صح، علمًا بأنه الآن في الستين من عمره، ويتهمني بالتشدد إذا قلت له الأغاني حرام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يحسن خاتمتك، وأن يجزيك خير الجزاء على حرصك على أهلك، وشفقتك عليهم من الوقوع فيما لا يرضي ربهم، وهكذا نريد الأخوات المستقيمات على طاعة الله تعالى، أن لا تكتفي الواحدة منهن بالهداية لنفسها، بل تحرص على إيصالها إلى من استطاعت، وإن أولى الناس بدعوتها، وجهدها، هم أهلها، فاستمري بارك الله عليك في دعوتهم، ونصحهم، وتذكيرهم، فأنتِ على خير إن شاء الله.

ثانياً:

المشكلة عندكم ليس في أخيك الذي يرفض الاستيقاظ للفجر، ويتصرف كأخيه الأكبر، إنما المشكلة في رب البيت، ومسئوله الأول، وهو والدك، فلو أنه كان على هدى واستقامة لأثمر ذلك نتائج طيبة – غالبًا – على البيت وأهله، وليته كان في موقف محايد من دعوتك لإخوتك للخير، بل رأيناه من الصادِّين لك عن دعوتهم، ونصحهم، وهذا من أكبر العوائق في طريق الدعاة نت الشباب والشابات في دعوة أهل بيتهم، لكن لا ينبغي لهذه العقبة أن تقف في طريقك وتُرجعك للخلف، نعم، يمكنها أن تضيق عليك الطريق، وأن تجعل سلوكه صعبًا، لكن إياك واليأس والقنوط، واحذري من التراجع، فليس هذا من سيما من صفات الدعاة إلى الله، الحريصين على إيصال الخير للناس، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد بذل من جهده ووقته ما بذل في سبيل إصلاح الناس، وابتداء بأهله الأقربين، وقد أثمرت دعوته لهم خيرًا عظيمًا، ولم يكن ذلك إلا من صدقه، وإخلاصه، وصبره، واحتسابه، وهكذا هو عمل الأنبياء، وكذا هو عمل من يقوم بعملهم من الدعاة أمثالك، حتى وصل الأمر أن قال له ربه تعالى: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) [ فاطر / من الآية 8 ]، وقال: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) [ الكهف / الآية 6 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى مسليًّا رسوله صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبُعدهم عنه، كما قال تعالى: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) [فاطر / من الآية 8 ]، وقال: ( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) [ النحل / الآية 127 ]، وقال: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ الشعراء / الآية 3 ].

باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ) يعني: القرآن، ( أَسَفًا ) يقول: لا تهلك نفسك أسفًا.

قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا، وحزنًا عليهم، وقال مجاهد: جزعًا، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

” تفسير ابن كثير ” (5 / 137 ).

ثالثًا:

وإنا وإن قلنا بأن علاج رأس البيت ضرورة لإصلاح من بعده، إلا أن هذا لا يعني التوقف عن إصلاح الآخرين، ونصحهم، سواء استجاب الأب، أو امتنع عن الاستجابة، وعدم استجابة الأب لا يمنع أن يستجيب أحد أبنائه، أو بناته، وها هو الدليل أمامنا، وهو أنتِ! فوالدك حاله ما ذكرتِ، وأنت حالك ما هو معروف، ويمكن أن يزيد العدد، فتصبحون اثنين، وثلاثة، وأكثر، فمع دعوة والدك للخير: لا تقصري البتة في دعوة أشقائك، وشقيقاتك، والأمر ليس صعبًا فيُترك، وليس سهلًا فيُهمل، وما عليك إلا بذل الجهد، والله يتولاكِ، وييسر أمرك، واسأليه الإعانة، واحرصي على الدعاء لهم بالهداية، وكل ذلك من الدعوة، والدعاء: هو من هدي الأنبياء والمرسلين.

رابعًا:

ولدعوة إخوتك: احرصي على التلطف في الأسلوب عند النصح والتوجيه، ووثقي علاقتك بهم، وانظري ماذا يحبون من الأشياء المباحة فقدميه لهم هدية؛ فإن هذا مما يحببهم لشخصك، وانظري البرامج النافعة في القنوات الإسلامية ليشاهدها، فبعض تلك البرامج مؤثر للغاية، وها هو رمضان على الأبواب، فيه الخير، وفيه تصفيد الشيطان فاستثمري ذلك، ومن المهم تجنب القسوة والعنف في التعامل؛ فسنُّهم لا يجعل مثل هذا مجديًا، وإذا جعلوك قدوة لهم تكونين نجحتِ في دعوتك؛ لأنهم يفتقدون القدوة الصالحة، وكم سمعنا وقرأنا عن عظيم تأثير بعض الأخوات الفاضلات على بيوت أهاليهن، حتى غدين الموجهات لدفة قيادته، وصرن مرجعًا لأهل البيت، ومحط ثقة الجميع، فاحرصي على هذا، فلعلَّ الله أن يهدي أفراد الأسرة جميعها على يديك، وتنالين الأجر الوافر من رب العالمين.

وبخصوص ما ترينه على إخوتك من فعل منكرات: فلا تعنفي عليهم، وتلطفي في الإنكار عليهم، وحاولي تقوية إيمانه ودينه؛ فإن من شأن ذلك أن يتخلص هو بنفسه من أفعال السوء والمنكر.

 

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يهدي أهلك جميعاً للبر والتقوى.

 

 

والله أعلم.

مربون يسألون: هل نحث طلاب المتوسطة على أداء الرواتب والوتر؟

مربون يسألون: هل نحث طلاب المتوسطة على أداء الرواتب والوتر؟

السؤال:

نحن لجنة تعمل لإعداد أهداف تربوية لحلقات المرحلة المتوسطة، وقد وضعنا هدفاً كالتالي: أن يحافظ الطالب على السنن الرواتب، وصلاة الوتر، أو أن يُحثَّ الطالب على السنن الرواتب وصلاة الوتر.

فنرجو منك – فضيلة الشيخ – إبداء رأيك في هذا الهدف من الناحية الشرعية، وأيضا من الناحية التربوية، ومناسبتها للمرحلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يمكن لعاقل أن يعترض على مثل هذه الأهداف العالية، فالحث على الطاعة والعبادة، مما ينبغي على الآباء والمربين الاهتمام به غاية الاهتمام لأولادهم وتلامذتهم، وإذا كان ثمة تقصير من الأهل في ذلك: فإن على المربين حث تلامذتهم على ما قصَّر به أهليهم، ولسنا فقط مع حث أولئك التلامذة على الرواتب والوتر، بل نحن – كذلك – مع حثهم على صيام النفل، والصدقة، وبر الوالدين، وإعانة المحتاجين، وإماطة الأذى عن الطريق، نحن مع حثهم على كل خير، وتحذيرهم من كل شرٍّ وسوء.

عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ:” مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ, وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ “، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ, وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ, فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ. رواه البخاري ( 1960 ), ومسلم ( 1136 ).

– وهذا الصيام الوارد في الحديث هو في صوم النافلة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنُنه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارا.

” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 229 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أوجب الله الصيام أداء على كل مسلم مكلف قادر مقيم، فأما الصغير الذي لم يبلغ: فإن الصيام لا يجب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاثة “، وذكر ” الصبي حتى يبلغ “، ولكن يجب على وليِّه أن يأمره بالصيام إذا بلغ حدًّا يطيق الصيام فيه؛ لأن ذلك من تأديبه، وتمرينه على فعل أركان الإسلام، ونرى بعض الناس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة، ولا صوم، وهذا غلط، فإنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى، وهم يزعمون أنهم لا يُصَوِّمون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم، والحقيقة: أن الشفيق على أولاده، والراحم لهم هو من يمرِّنهم على خصال الخير، وفعل البر، لا من يترك تأديبهم، وتربيتهم تربية نافعة.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 19 ، 20 ).

فنحن نشجعكم على حث الشباب في المرحلة المتوسطة على أداء الرواتب، بل ونطلب المزيد من الحث على عموم الخير، وعلى التحذير من المعاصي والشر، والتربية في الصغر نافعة أشد النفع بإذن الله، والتقصير فيها والتفريط يؤدي إلى فساد عريض.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خُلُقه؛ فإنه ينشَّأ على ما عوَّده المربِّي في صغره، مِن حرْد، وغضب، ولجاج، وعجلة، وخفة مع هواه، وطيش، وحدَّة، وجشع، فيصعب عليه في كِبَره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفاتٍ، وهيئاتٍ راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولا بدَّ يوما ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم, وذلك من قبَل التربية التي نشأ عليها.

” تحفة المودود ” ( ص 240  ).

 

– ونسأل الله لكم التوفيق.

 

والله أعلم.

مترددة في لبس غطاء الوجه وتحتاج من يشجعها على فعل ذلك

مترددة في لبس غطاء الوجه وتحتاج من يشجعها على فعل ذلك

السؤال:

أنا لطالما بعثت إليك بخصوص الحجاب، ومصارعتي مع الشيطان من أجل أن أرتديه، ولكنك كنت تجيب على سؤالي بأن سبق وتم الاجابة على سؤال مشابه لسؤالك، طبعًا يا شيخنا الفاضل أنت مشكور كل الشكر، وجزاك الله على ذلك خيرًا، وأعانك، ولكنني أريد جواباً شافياً لمشكلتي، وقناعاتي.

أنا منذ سنتين أريد أن أرتدي الحجاب، ولكنني لم أستطع اتخاذ هذه الخطوة، وأنا والحمد لله من عائلة ملتزمة، ولكن المشكلة أن لبس الخمار عندنا ليس منتشرًا كما عندكم، وليس الجميع يتقبل هذا الشيء، فلا بد من معين لذلك بعد الله.

والمشكلة الثانية – وربما أنها ليست مشكلة في نظرك، ولكن أريد أن أتخلص من هذه الوساوس – والمشكلة أني قصيرة القامة، وأنا – والله شهيد على ما أقول – أريد أن أعمل ما يرضي الله، وأرتاح من هذا الصراع المؤلم الذي لا يشعر أحد به إلا الله، فأريد أن تكون معيني بعد الله، وترشدني على طريق الهداية، وهل لي أن أنال رضا الله من دون ارتداء الحجاب؟.

أرجوك يا شيخنا الفاضل أن تجيبني، وجزاك الله كل خير، وأطال في عمرك لخدمة الإسلام والمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما يميز المسلم المستقيم على طاعة الله أنه لا يتردد في تنفيذ أوامر ربه تعالى، ولا يتلكأ، بل يبادر إليه، ويُري ربَّه أنه قد حقَّق الإيمان الذي أمره به، وأنه يتشرف بكونه من المستسلمين لأمره عز وجلَّ ودينه، ولو خالف ذلك عاداتٍ اعتادها، أو هوى في نفسه يحثه على مخالفة أمر ربه، وقد ضرب الصحابة في ذلك أروع الأمثلة، ومن ذلك:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ – الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ – فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ, فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا. رواه البخاري ( 2332 ) ومسلم ( 1980 ).

ولم تكن المسارعة في الاستجابة لأمر الله تعالى خاصة بالرجال من الصحابة وحدهم، بل قد شاركهم النساء في ذلك، ومن أمثلته مما له تعلق بالسؤال:

  1. عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رواه البخاري ( 4480 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله: ” مروطهن “: جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: ” أزرهن “، وزاد: ” شققنها من قبل الحواشي “، قوله: ” فاختمرن ” أي: غطين وجوههن.

” فتح الباري ” ( 8 / 490 ).

واعلمي أيتها الأخت السائلة أن الاستجابة لأوامر الله تعالى ليست كمالًا يتحلى به المسلم، وليس فضيلة يتكسب بها الأجر، بل إنها واجبة، لا اختيار للمسلم فيها، وليس له أن يعلقها على قناعته بالأمر، ولا اقتناعه بحكمته، بل عليه المبادرة في الاستجابة، وإن تخلف عنها كان من العاصين الآثمين، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) [ الأحزاب / الآية 36 ].

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال؛ لان الندب تخيير، وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلا اختيار فيه لأحدٍ، وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، فأبطل الله عز وجل الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه صلى الله عليه وسلم، وثبت بذلك الوجوب، والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث، وهو الترك، فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ).

قال علي – وهو ابن حزم نفسه -: وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها، نعلم ذلك بضرورة الطبيعة، وببديهة العقل: إما الوجوب، وهو قولنا، وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى: ( أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )، وأما الترك – وهو المعصية -: فأخبر تعالى أن من فعل ذلك: ( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ). ” الإحكام في أصول الأحكام ” (3/275 ).

ثانيًا:

واعلمي أيتها الأخت السائلة أن للشيطان طرقًا كثيرة في الضلالة، والصد عن دين الله تعالى، وعن الالتزام بأحكامه، وشرائعه، ويجب عليك التفطن لهذه الطرق، وقطعها عليه، فقولك إن الخمار ليس منتشرًا عندكم، وإنه ليس الجميع يتقبله: ليس بأعذارٍ مقبولة، ويمكنك قطع تلك الطرق على الشيطان بأن تبادري لأن تكوني سببًا لانتشار غطاء الوجه، ولتحوزي شرف المبادرة، ولتحصلي أجور من يأتي بعدك ويفعل فعلك، فبدلًا من أن يكون ما ذكرتِ عائقًا أمامك عن تنفيذ أمر الله تعالى، فليكن سببًا لتنفيذه، والمبادرة بفعله.

واعلمي أنه قد يوجد في بيئتك ممن حولك من أخواتك من ينتظر مثل هذا الأمر من مثلك، لتبادر هي الأخرى بفعل الأمر نفسه، وقد يكون ثمة ثالثة، ورابعة، وأكثر، فلتكن منك البداية، وبفعلك يكون التشجيع لغيرك على إظهار ذلك الستر المأمور به.

ثم أيتها الأخت السائلة: لماذا تجهر النساء حولك بلبس القصير والضيق والشفاف وغيرها من الألبسة المحرمة، ولا تجد حرجًا من ذلك، مع كونه محرَّمًا، وأنتِ لا تلبسين ما يأمرك به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا تجرؤ النساء العاصيات على المجاهرة بمعاصيهن، وأنتِ وأمثالك تخجلون من إظهار شعائر دينكم، وأنتم أولى بأن يكون لكم المجاهرة بالطاعة من أولئك بمعصيتهن.

فبادري بتنفيذ الأمر، واحرصي على الخير لنفسك، واعلمي أنه لن ينفعك أحد ممن تحرصين على رضاهم الآن عندما تلقين ربك بأعمالك، ولا تتذرعي بحجج واهية لترك ما يأمرك الله تعالى به، وليس قصر قامتك بعذر لك أيضًا لتتركي غطاء الوجه، فكشفك لوجهك لن يزيد من طول قامتك، وإياك أن تجعلي ثغرة في نفسك ليلج منها الشيطان, فيقنعك بمثل هذه الأعذار الواهية، وها هنَّ النساء المستقيمات على أمر الله تعالى في العالَم كله يلتزمن النقاب، والخمار، ولا يلتفتن لأمر طولهن، أو قِصَرهن، أو بدانتهن.

واستعيني بالله تعالى ربك على تثبيتك على الحق، وإعانته لك على فعل الطاعات، وترك المنكرات، فهو نعم المولى، ونعم النصير.

ونرجو منك التأمل فيما جمعناه من أحكام الحجاب وصفاته، ومسائل، وفوائد متنوعة حوله، وذلك تحت هذا الرابط:

http://www.islamqa.com/ar/cat/2016

 

والله أعلم.