الرئيسية بلوق الصفحة 124

حكم الاستفتاح بالمصحف، أو الفأل من المصحف

حكم الاستفتاح بالمصحف، أو الفأل من المصحف

السؤال:

كنت في فترة من الفترات في مشكلة ما، وأشارت عليَّ إحدى صديقاتي بطريقة للحصول على راحة البال، ولكي ينير الله طريقي بها وهي: أن أمسك المصحف وأقول – مثلا – ” اللهم أرني من آياتك ما يريح قلبي، ويريحني، وينير بصيرتي في مشكلتي ” واذكر المشكلة، وبعدها: افتح المصحف عشوائيًّا، وسبحان الله عند فتحي للمصحف تقع عيني على آية تتكلم عن أحد في مشكلتي، أو مرة أخرى يطمئني بها الله في مشكلتي، وكانت إحدى صديقاتي مكتئبة، وحزينة، وهي – للأسف – لا تصلي بانتظام، وهي – للأسف – بعيدة عن الله – الله يهديها، ويصلح حالنا، وحالها -، وأشرت عليها بهذه الطريقة، وعندما فعلت: فتح لها المصحف على سورة ” المؤمنون ” في بدايتها، فقلت لها: إنها صفات المؤمنين، وإن الله يقول لكِ أن تلتزمي بالصلاة، وعدم سماع الأغاني التي لا تفارقها ( والذين هم عن اللغو معرضون )، وفي مرة أخرى فعلتها ليلة امتحان ” تاريخ “، وفتح لها على سورة ” الروم “، وجاء أول سؤال في الامتحان ساعتها عن ” الحضارة الرومانية “، ففرحت، وأشارت لصديقتها على هذه الطريقة لأنها كانت هي الأخرى في مشكلة، والله أعلم إذا كانت هذه بدعة أم لا، وأنا خائفة من هذا.

أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله عن المسلمين كل خير، وأرجو سرعة الرد، أو تحديد موعد الرد.

 

الجواب:

الحمد لله

يسوِّل الشيطان المسلم أشياء وأفعال، ويزينها له ليعتقد صحتها وصوابها وعدم مخالفتها لشرع الله تعالى، ويكون ذلك باستعمال وسائل يظنها الجاهل أنها موافقة لشرع الله تعالى، وأنها مخالفة لما كان عليه الجاهليون، ومن ذلك ما جاء في السؤال، وهو ما يسميه بعض أهل العلم ” الاستخارة بالمصحف ” أو ” الفأل من المصحف “، فيظن هذا المسكين أن استبداله أوراق المصحف، وآياته بأقداح الجاهلية أن ذلك جاعل فعله شرعيًّا! ولا فرق بين الاثنين في واقع الأمر، فالجاهلي كان يعزم السفر، أو التجارة، أو الزواج بحسب ما يخرج له من قدح كتب فيه ” افعل ” و ” لا تفعل ” وثالث خالٍ من الكتابة، وهذا المسلم العامي الذي سوَّل له الشيطان فعله جعل أوراق المصحف، أو آياته، بدلاً من تلك الأقداح، وجعل ما يظهر له من آيات علامة على صحة فعله، أو فساده، أو أنه يمضي في فعله، أو لا يمضي، وهو أمر محرَّم، ومبتدع، وهو داخل في الاستقسام بالأزلام، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، وما نقل عن ابن بطة من الجواز فينبغي التحقق من إسناده، وإن صح فلا عبرة فيه؛ لأنه شاذ، وفي ” مطالب أولي النهى ” للرحيباني الحنبلي ( 1 / 159 ):

( واستفتاح الفأل فيه ) – أي: المصحف – ( فَعَلَه ) أبو عبيد الله ( ابن بطه ) – بفتح الباء – ( ولم يره ) الشيخ تقي الدين – أي: ابن تيمية – ولا ( غيره ) من أئمتنا. انتهى.

  1. قال أبو بكر بن العربي – رحمه الله -:

قوله تعالى: { وأن تستقسموا بالأزلام } معناه: تطلبوا ما قسم لكم، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فسق ممن فعله فإنه تعرض لعلم الغيب، ولا يجوز لأحد من خلق الله أن يتعرض للغيب ولا يطلبه; فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلا في الرؤيا. فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف. قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ليعلم به الغيب; إنما بينت آياته، ورسمت كلماته ليمنع عن الغيب; فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 38 ).

  1. وقال القرافي – رحمه الله -:

وأما الفأل الحرام: فقد قال ” الطرطوشي ” في تعليقه: إنَّ أخْذَ الفأل من المصحف، وضرب الرمل، والقرعة، والضرب بالشعير، وجميع هذا النوع: حرام; لأنه من باب الاستقسام بالأزلام. ” أنوار البروق في أنواع الفروق ” ( 4 / 240 ).

  1. وقال شهاب الدين محمود الآلوسي – رحمه الله -:

والحق عندي: أن الاستقسام الذي كان يفعله أهل الجاهلية: حرام بلا شبهة، كما هو نص الكتاب، وأن حرمته ناشئة من سوء الاعتقاد، وأنه لا يخلو عن تشاؤم، وليس بتفاؤل محض، وإن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلا، بل هو من باب الدخول في الظن، وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول، وتركها أحب إليَّ، لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سنَّ من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح.

” تفسير الآلوسي ” ( 3 / 59 ).

  1. وقال الشيخ حافظ حكمي – رحمه الله -:

ومن البدع الذميمة، والمحدثات الوخيمة: مأخذ الفأل من المصحف؛ فإنه من اتخاذ آيات الله هزوا ولعبا ولهوا، ساء ما يعملون، وما أدري كيف حال من فتح على قوله تعالى: ( لُعِنَ الذينَ كفَروا مِنْ بَنِي إسرائيلَ ) [ المائدة / من الآية 78 ] ، وقوله ( وغضب الله عليه ولعنه ) [ النساء / من الآية 93 ] ، وأمثال هذه الآيات، ويروى أن أول من أحدث هذه البدعة: بعض المروانية، وأنه تفاءل يوماً ففتح المصحف، فاتفق لاستفتاحه قول الله عز وجل: ( وَاسْتَفْتَحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) [ إبراهيم / الآية 15 ] الآيات، فيقال: إنه أحرق المصحف غضبا من ذلك، وقال أبياتا لا نسود بها الأوراق.

والمقصود: أن هذه بدعة قبيحة، والفأل إذا قصده المتفائل فهو طيرة، كالاستقسام بالأزلام. ” معارج القبول ” ( 3 / 993 ).

  1. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومراده بالفأل: الفأل المكتسب، كأن يريد إنسان التزوج، أو السفر مثلا، فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام أو الإحجام.

ويدخل فيه: النظر في المصحف لذلك، ولا يخفى أن ذلك من نوع الاستقسام بالأزلام. ” أضواء البيان ” ( 4 / 49 ).

  1. قال الشيخ محمد الخضر حسين – رحمه الله -:

وكان العرب في جاهليتهم يستقسمون بالأزلام، ذلك أنهم كانوا يتخذون ثلاثة أقداح يكتبون على واحدٍ منها ” افعل “، وعلى الثاني ” لا تفعل “، ويتركون الثالث غفلاً، فإذا أراد أحدهم أمراً يهمه من نحو: سفرٍ، أو نكاحٍ، أو تجارة: أجال هذه الأقداح، فإن خرج له قدح الأمر: فَعَل، وإن خرج له قدح النهي: ترك، وإن خرج له القدح غفلاً: أجال الأقداح مرة ثانية.

ومن أثر هذا التخيل الفاسد: أن الرجل قد يترك العمل وفيه خيرٌ كثير، أو يقدم على عملٍ وفيه شرٌ عظيم، وكان هذا التخيل مما تناولته الدعوة المحمدية، وجاء النهي عنه في القرآن المجيد، ووضعت السنة الغراء مكانه الاستخارة الشرعية, والاستشارة.

وإبطال الشريعة للأزلام يجري حكمه في كل ما يتخذ وسيلةً للاطلاع على عواقب الأمور من غير طرقه الشرعية، أو العلمية، مثل: الاستخارة بالمصحف، أو السبحة، ونحوها، فكل هذا – ما عدا الاستخارة الشرعية -: بدعة، لا يجوز التعلق بها.

مقال ” قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة “، المنشور في ” مجلة الهداية الإسلامية ” الجزء العاشر من المجلد العاشر، الصادر في ربيع الثاني 1357 – 1938 .

بواسطة موقع ” دعوة الإسلام ” بإشراف الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.

وبه يتبين للمنصف أن هذا الفعل محرَّم، ولا يجوز اعتقاده، ولا فعله، ولعل ما يُروى عن الشافعية المتقدمين من القول بالكراهة يُحمل على الكراهة التحريمية، كما هو الحال في اصطلاح الأئمة المتقدمين، وبذلك تتفق كلمة العلماء على حرمة الفأل من المصحف، أو الاستخارة، أو الاستفتاح به، وأنه بدعة ضلالة.

 

والله أعلم.

منتدى يستضيف نساء ورجالا ويسألهم الكتَّاب أسئلة عامة، ووقفة مع آية الحجاب

منتدى يستضيف نساء ورجالا ويسألهم الكتَّاب أسئلة عامة، ووقفة مع آية الحجاب

السؤال:

أريد رأيكم في مسألة مهمة، في أحد المنتديات الإسلامية تم الإعلان عن عمل حوارات، ولقاءات مع شخصيات على المنتدى، منهم طلاب علم، اللقاءات نظامها كالآتي:

يتم تحديد اليوم على المنتدى, ثم يدخل الأعضاء في هذا اليوم ليوجهوا أسئلة مباشرة للعضو المستضاف, والأسئلة يكون أغلبها شخصيَّة، مثل كيف تقضي وقت فراغك؟ ما هي هواياتك؟ كيف نشأت؟ صفة حسنة تتصف بها؟ موقف طريف مرَّ بك؟ هذه الأسئلة توجه من قبل الأعضاء – رجالا ونساءً – إلى العضو المستضاف، والذي يكون أيضا رجلاً أو امرأةً, وتجعلهم يستشفون شخصية المستضاف، ويكوِّنون عنه صورة مثالية إلى حدٍّ كبير، وكما هو المعلوم أن رواد المنتدى منهم شباب، وفتيات، ومثل هذه الأسئلة إذا وجهها رجل لامرأة وأجابته: قد يفتن بها، ويكوِّن عنها صورة في خياله, والعكس صحيح, وأيضاً قد يتسلل الرياء إلى النفس, فلا أحد يحب أن يظهر إلا بأحسن صورة.

قمت أنا بالرد عليهم، وتوضيح هذه النقطة لهم، وقلت: إنه إذا كانت لقاءات النساء في منتدى خاص بهم, أي: النساء يوجهن الأسئلة للعضوة المستضافة في قسم خاص بهن, وبالمثل للرجال: هذا يقلل من الفتن، ويغلق باباً من أبواب الشيطان، جادلني شخص منهم وقال: إنه إذا فكرنا بهذا المنطق فلا بد أن نغلق الجامعات لأنها سبب للفتن، وأيضًا لا ننقل سير الأعلام والنبلاء، حتى لا يفتن الناس بهم، وأيضاً: يمكن أن يحدث حسد بين النساء في حوارهن مع هذه الفتاة طالبة العلم، إذن: لا نسمح لهن أيضًا بالحوار معها؛ لأن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، واستدل بجواز مثل هذه الحوارات بأن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمدح الصحابه، ولم يخف بوصول هذا المدح للنساء ليفتنوا به، قلت له: إن الوضع يختلف؛ لأن الفتنة بين الرجال والنساء إذا تم توجيه أسئلة مباشرة مثل هذه بينهم: أرجح، وأقوى في الحدوث، من الحسد بين النساء إذا تمت هذه الحوارات في منتدى خاص بهن، وأمر الشرع بسد أبواب الفتن، واستدللت بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية الكريمة: ( وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) ، وهنا ثار هذا الرجل، واتهمني بتحريف القرآن، والاستدلال بالآية في غير موضعها؛ لأن الآية تتحدث عن الحجاب، وأنا أفسرها على أنها دليل لسد الشرع لمداخل الشيطان بأن أمر خير خلق الله بعد الأنبياء، وهم الصحابة، وزوجات النبي صلي الله عليه وسلم أنهم إذا طلبوا منهم متاعاً أن يكون ذلك من وراء حجاب؛ للحرص على طهارة قلوبهم.

أعتذر عن الاطالة, والسؤال: الآن هل أنا فعلًا مخطئة بالاستدلال بالآية الكريمة في هذا الموضع؟.

السؤال الثاني: ما حكم هذه الاستضافات التي هي أساس المشكلة، وهل أنا مخطئة في رأيي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا: بحكم اتصالنا بالناس واتصال الناس بنا: وقفنا على مصائب، وقبائح، في المنتديات بما تشيب له رؤوس الولدان، ولم تفرق تلك المصائب والقبائح بين من ظاهره الالتزام، أو عكسه، فالجميع في هذه الفتنة سواء، بل إن مداخل الشيطان على الملتزمين متعددة، ومتنوعة؛ لإيقاعهم في شرَك المعصية، والفتنة.

ما جاء في السؤال لا يختلف عما نحذِّر منه، فأي حاجة للرجال لاستضافة امرأة وسؤالها عن مسائل شخصية؟ وأي حاجة للنساء لمعرفة ذلك عن رجل أجنبي عنها، مع ما يكون مع ذلك من مزاح، وتعليقات، وإبداء إعجاب، ومراسلات خاصة، ومن نفى وجود ذلك: فهو متوهم، يعيش في غير العالَم الموجود.

لذا فإننا نرى أن مثل هذه الاستضافات، والحوارات، والأسئلة، تكون لكل جنس مع جنسه، فالمرأة مع بنات جنسها، والرجل مع الرجال، على أن تكون الأسئلة بعيدة عن الأمور الشخصية التي يُفهم منها تعلق، أو مزيد إعجاب، كما تتجنب الأسئلة التي تتعلق بالطاعات الخاصة التي يفعلها المستضاف بينه وبين ربه، فيزول بذلك ما ذُكر في السؤال من احتمال التعلق، أو التسبب في الكذب، أو الرياء.

ومفاسد الاختلاط في الحديث والمشاركات سواء الكتابية، أو الصوتية – في البالتوك – لم تعُد تخفى على أحدٍ، وما ذُكر في السؤال من طريقة في الكتابة في تلك الاستضافات لا نراها جائزة.

ثانيا: وأما الاستدلال بقوله تعالى ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) [ الأحزاب / من الآية 53 ] فهو استدلال صحيح لكلا الطرفين، ولا منافاة بينهما، فيستدل بها حكما على وجوب الحجاب على عموم النساء، ويستدل بها تعليلا على المنع من كل ما يسبب مرضاً للقلب، والحث على كل ما يطهره، وهذه العلة في الآية قرينة قوية للاستدلال بالآية على وجوب الحجاب على عموم النساء، وأنه ليس خاصًّا بأمهات المؤمنين، ولا أن المخاطب بها هم الصحابة فقط، بل هم عموم المسلمين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْألُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذالِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) : قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمّنها: أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في نفس الآية قرينة تدلّ على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة، فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: ومن أمثلته: قول كثير من الناس إن آية ” الحجاب “، أعني: قوله تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) خاصة بأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ( ذالِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهنّ، وقد تقرّر في الأصول: أن العلّة قد تعمّم معلولها، وإليه أشار في ” مراقي السعود “، بقوله:

وقد تخصّص وقد تعمّم *** لأصلها لكنها لا تخرم

انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة.

وبما ذكرنا: تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علّته: دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلّة الذي دلّ على أن قوله تعالى: ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ، هو علَّة قوله تعالى: (فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ )، هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك ” الإيماء والتنبيه “، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم: لكان الكلام معيباً عند العارفين … .

فقوله تعالى: ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ )، لو لم يكن علّة لقوله تعالى: (فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) : لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف.

وإذا علمت أن قوله تعالى: ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ )، هو علّة قوله: (فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) ، وعلمت أن حكم العلّة عام: فاعلم أن العلّة قد تعمّم معلولها، وقد تخصّصه كما ذكرنا في بيت ” مراقي السعود “، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب: عام؛ لعموم علّته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًّا، بدلالة القرينة القرءانيّة: فاعلم أن الحجاب واجب، بدلالة القرآن على جميع النساء.

” أضواء البيان ” ( 6 / 242 ، 243 ).

 

والله أعلم.

يعتقد أن صديقه زنى بزوجته! فطلقها، فهل يقتل صديقه؟

يعتقد أن صديقه زنى بزوجته! فطلقها، فهل يقتل صديقه؟

السؤال:

حصلت مشكلة، حيث إنني وزميلي جاران، وصديقان، نسكن في عمارة واحدة، ولدي زوجتان، اكتشفتُ خيانة صاحبي عند بياتي عند المرأة الثانية وأم عيالي، علمتُ بالموضوع وطلقتُها، والآن فإن الشيطان يسول لي بالانتقام بقتل زميلي، خصوصاً أنه معي بالعمل، وأشاهده يوميًّا، وأرى نظراته التي تبدو لي بأنها تحكي لي بالانتصار بفعلته – يعني: عينه قوية – أرجو يا شيخ النصح، وإفادتنا بخبرة فضيلتكم، والحل بنظركم، حيث أنني أفكر بالقتل، فهل عليَّ شي من الله فقط؟ أما بالنسبة لو يقام عليَّ الحد فليست مشكلة بالنسبة لي، فالموضوع متساو لديَّ.

أرجو إفادتي بالبريد الالكتروني لو تكرمتم، وفقكم الله لما يحبه ويرضاه، وجعل ما تقولون في ميزان حسناتكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إن صحَّ ما فعله زميلك وجارك: فيكون قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وفاحشة منكرة، وليس عليه إثم الزنا المجرد وحسب: بل إن إثمه قد اشتد بسبب أنه زنى بزوجة جاره؛ فالزنا بحليلة الجار أشد إثما وأعظم جرما من الزنا بغيرها؛ لأن الأصل في الجار أن يكون حارسا لجاره، صائناً لحرماته، فإن أغواه الشيطان ليزني بزوجة جاره: استحق من الوعيد أكثر من الزنا بغيرها.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ” أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ” قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ” وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ “، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ” أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ”. رواه البخاري ( 4207 ) ومسلم ( 86 ).

قال النووي – رحمه الله –:

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” أن تزاني حليلة جارك ” هي بالحاء المهملة، وهي زوجته، سميت بذلك: لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه، ومعنى ( تزاني ): أي: تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى، وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحا، وأعظم جرماً؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أُمر بإكرامه، والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه: كان في غاية من القبح.

” شرح مسلم ” ( 2 / 81 ).

وأما من حيث الحدِّ الشرعي: فإنه إن ثبت زناهما: فإنهما يستحقان الرجم حتى الموت؛ لأنهما زانيان مُحصنان، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.

ثانيا:

وينبغي أن تعلم أخي السائل أن الزنى لا يثبت على أحدٍ إلا باعترافه من غير إكراه، أو بشهادة أربعة يشهدون الإيلاج، وليس يثبت الزنى بالوهم، والظن، فاحذر من عاقبة اتهام زوجتك – المطلقة – وزميلك، بالباطل، وإلا استحققت الإثم العظيم بسبب قذفك لغيرك، واستحققت حدَّ القذف، وهو ثمانون جلدة.

ولا يعني دخول الأجنبي على المرأة أنه يثبت به الزنى، بل ولا النوم معها، ولا يكون الزنا إلا بالإيلاج المعروف بين الذكر والأنثى، ولا نريد بهذا الكلام إلا بيان حقيقة وقوع هذه الفاحشة ابتداء، ثم إذا وقعت كيف يتم إثباتها، وإلا فإن دخول الأجنبي على الزوجة ورضاها بالجلوس معه أمر منكر، تستحق به الإثم العظيم، وله أن يعضلها ليضيق عليها لتخالع نفسها، أو لتسقط مهرها المؤخر.

ثالثا:

وإن ثبت جرم الزنا على أحدٍ: فليس لآحاد الناس أن يقيموا حدَّ الرجم – أو الجلد – على من تلوث بذلك الفعل، بل إن ذلك منوط بالحاكم الشرعي، أو من يقوم مقامه.

فالواجب عليك الحذر من إثبات وقوع تلك الفاحشة المنكرة من مطلقتك، ومن جارك، وإن ثبت لديك باعترافها وقوع تلك الجريمة: فيكفيك تطليقها، وليس لك إثبات الزنى على جارك وزميلك في العمل وفقا لاعتراف زوجتك، حتى يعترف هو بنفسه، فإن فعل: فليس لك أن تقيم عليه الحد، وليس لك أن تقتله، كما أشرنا سابقا، ودع عقوبته لخالقه عز وجل، فهو يتولى أمره، كما لك أن ترفع القضية برمتها للمحكمة الشرعية، ليتولى القضاء الشرعي أمرهما.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ – وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” قُلْ ” قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ, وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ, فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ, فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ, فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْني جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا, فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا “، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَتْ. رواه البخاري ( 6440 ) ومسلم ( 1697 ).

– العسيف: هو الأجير.

قال الصنعاني – رحمه الله -:

واعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى المرأة لأجل إثبات الحد عليها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قد أمر باستتار من أتى بفاحشة، وبالستر عليه، ونهى عن التجسس، وإنما ذلك لأنها لما قُذفت المرأة بالزنا: بعث إليها صلى الله عليه وسلم لتنكر، فتطالب بحد القذف، أو تقر بالزنا فيسقط عنه، فكان منها الإقرار، فأوجبت على نفسها الحدَّ. ” سبل السلام ” ( 4 / 4 ).

فاحذر من وسوسة الشيطان، وتحلَّم، ونحن نعلم أنه من الصعب أن يملك الإنسان نفسه في مثل هذه المواطن، لكنَّ المسلم يهذب الإسلام تصرفاته، ويلجم أفعاله، وهذا هو معنى الإسلام، وهو الاستسلام لأمر الشرع.

 

والله أعلم.

هل يجوز للزوجين ادعاء وقوع الطلاق على الورق من أجل الإقامة في بلاد غير مسلمة؟.

هل يجوز للزوجين ادعاء وقوع الطلاق على الورق من أجل الإقامة في بلاد غير مسلمة؟.

السؤال:

تعيش صديقتي وزوجها ببلد غير مسلم، وهي تريد أن تحذف اسم زوجها من جواز السفر الباكستاني، وتستبدله باسم والدها؛ لأغراض توثيقية رسمية بهذا البلد غير الإسلامي، وكلٌّ من صديقتي وزوجها هما مواطنان باكستانيان، لكن ليتم حذف اسم الزوج من جواز سفر باكستاني توجب الحكومة الباكستانية أن يتقيد ذلك بكون المرأة مطلقة، أو أرملة فقط، وباكستان دولة إسلامية لكنها لا تتبع الشريعة الإسلامية ( 100 %  )، وينص القانون الباكستاني لكي يتم وقوع الطلاق أن يتم تقديم طلب كتابي بذلك، ويتم تأكيد الطلاق قانونيًّا بعد انقضاء أشهر العدة الثلاث، بعدها يصبح من الممكن حذف اسم الزوج من جواز السفر، والآن فإن سؤالي هو: إذا قمت بتقديم طلب كتابي للطلاق بباكستان ( وأنا أعيش بباكستان ) نيابة عن صديقتي ( التي لا تعيش بباكستان ) بناء على طلبها، فهل سيقع طلاق صديقتي في الشريعة الإسلامية؟ برجاء الأخذ في الاعتبار أنه ليست هناك نية من الزوج، أو الزوجة للطلاق، لكن هناك وثائق رسمية تتطلب من صديقتي حذف اسم زوجها من جواز السفر؛ لأغراض توثيقية رسمية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الذي يظهر لنا أن تلك الأسرة تريد ” تزوير ” وثائقها الرسمية من أجل الإقامة في ذلك البلد غير المسلم، وهم بذلك يريد التوصل إلى أمرٍ لا يجوز لهم شرعا بطريق أيضا لا يجوز.

وعليه: فالسبب الذي من أجله يريدون تزوير الوثائق الرسمية لا يحل لهم ذلك العبث بالأوراق الرسمية هو أصلاً محرَّم عليهم، وإنما يجوز ذلك لو أنه لا يوجد أمامهم بلد مسلم يستطيعون المكث فيه، ولا يوجد طريقة للإقامة إلا بذلك التزوير، وهذا في الغالب بعيد، ولا يوجد مثله إلا في صور نادرة جدًّا، وغالب من يرغب بالإقامة في تلك البلاد الكافرة إنما يريد ذلك من أجل العمل، والدنيا، وسرعان ما يحمل جنسيتهم! ويذوب في مجتمعاتهم، إلا من رحم الله.

ثانيا:

ونأسف أنه يوجد كثير من المسلمين يتخذون الهزء بالأحكام الشرعية سلَّما للوصول إلى الإقامة المحرَّمة في مثل تلك الديار، فبعضهم يطلِّق زوجته؛ ليحصل على ” شهادة عزوبية ” تمكنه من الإقامة في تلك البلاد، وبعضهم يتزوج –  كذبا لا حقيقة – من امرأة تنتسب لتلك البلاد ليثبِّت بها نفسه، وبعضهم يزوِّر ديانته! حتى تمشي أموره في تلك البلاد، فانظر كيف توصل هؤلاء إلى الإقامة المحرمة في بلاد الكفر عن طريق العبث بالأحكام الشرعية، كالزواج، والطلاق، وتغيير الديانة، وهو أشد الأمور إثما وجرما.

وما تسأل عنه الأخت هنا: هو من الأفعال المحرَّمة التي لا يجوز لها فعلها، وذلك لعدة أسباب، منها:

  1. أنه سيتوصل بهذا الفعل إلى إقامة محرَّمة في بلاد غير مسلمة.
  2. أنها شهادة زور، وإخبار بخلاف الحقيقة، وهذا باعتبار الشهادة على الأمر قبل توقيع الأوراق.

قال تعالى: ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) [ الحج / من الآية 30 ].

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ “. رواه البخاري (5631) ومسلم (87).

  1. أن الطلاق سيقع بتلك الفعلة وذلك التقديم للطلب؛ لأنه سيُطلب توقيع الزوج، والزوجة على تلك وثيقة الطلاق، أو سيقوم بذلك وكيلهما، ولا يمكننا تصور أنكِ بمجرد تقديم طلب طلاق نيابة عن صديقتك أنه سيُقبل منك هذا دون توكيل، وإلا لفعلت كثيرات مثل هذا كيداً بمن يكرهنَ من نساء منافسات لهن، أو من عدوَّات، ومثل هذا يقال في الزوج، فهو إما سيوقع الوثيقة بنفسه، أو سيوقعها من يوكِّله.
  2. أن هذا الفعل هو من الاستهزاء بآيات الله وأحكامه، ولذا فلا نعجب أن نجد النهي عن اتخاذ آيات الله هزواً جاء فيما جاء في سياق آيات الطلاق وأحكامه، قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ البقرة / الآية 231 ].

وهذا الهزل بمثل هذا الفعل يجعل الطلاق واقعا.

قال القرطبي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ) معناه: لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو؛ فإنها جِدٌّ كلُّها، فمن هزل فيها: لزمته، قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنما طلقت وأنا لاعب، وكان يعتق، وينكح، ويقول: كنتُ لاعباً، فنزلت هذه الآية.  ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 156 ).

 

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ) لمَّا بيَّن تعالى حدوده غاية التبيين، وكان المقصود العلم بها، والعمل، والوقوف معها، وعدم مجاوزتها؛ لأنه تعالى لم ينزلها عبثاً، بل أنزلها بالحق، والصدق، والجِد: نهى عن اتخاذها هزواً، أي: لعباً بها، وهو التجرؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك، أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة؛ رفقاً به، وسعياً في مصلحته. ” تفسير السعدي ” ( ص 103 ).

 

والله أعلم.

وقفة مع قوله تعالى: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ).

وقفة مع قوله تعالى: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ).

السؤال:

بعض أعداء الإسلام على صفحة من الصفحات قد قالوا ما قالوه في شأن بيان شخص وإرادة الله سبحانه وتعالى جل في علاه، فحاولوا تفسير الآية من سورة الإسراء المباركة: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا ) (16), وأنا وللأسف الشديد جدًّا, ومما يحزن: أني لست على دراية كاملة بقرآني, ولكن والله إني لما سمعت هذا الكلام: انتفض الدم في عروقي، أنا – وفق نظري المحدود – أرى أنها أخطأت تلك المتحدثة في تفسير الآية الكريمة المباركة، فلقد تعمدت أن تعرضها كما كان الملحدون الأوائل من النظر المحدود للآيات، نظرة مجردة حتى يظن القارئ الغافل أنها وحدات مجردة لا معنى لها – والعياذ بالله -، فتوحي بأن الآية الكريمة تُظهر الله عز وجل وكأنه – تنزَّه الله عن ذلك – الإله الظالم المستبد, وأن إرادته للشر تفوق خيره، أنا أخبرها – كما قلت من نظري وعلمي المحدود أفادنا الله منكم – بأن هذه الآية المباركة وثيقة الصلة بما قبلها من آيات, وأنها مربوطة بحال بني إسرائيل، وظلمهم، وكفرهم البين, مع الإصرار على المعصية، وتجاهل العقاب الرباني العادل، فالله عز وجل لما رأى منهم الإصرار على المعصية مع سبق الإصرار والترصد في الذنب أراد أن يحكم عليهم غل، وطوق الذنب، والرذيلة بأن أدام المترفين في غيهم، فهم الفئة التي يلجأ إليها الناس دومًا، وهم القدوة، لتكون حجة قاطعة من عنده سبحانه وتعالى.

أفيدوني فورا، أفادكم الله تعالى.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه الآية فيها أقوال للعلماء مشهورة، وملخصها: أن الأمر فيها إما أن يكون أمراً شرعيًّا وهو موجه للمترفين، لكنه أمر بالطاعة، فأبوها، وإما أن يكون من الأمر الكوني لله تعالى، كما هو الحال في القضاء الكوني في قوله تعالى: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) [ الإسراء / الآية 4 ]، والقول الثالث: أن ” أمَرنا ” بمعنى أكثرنا، وليس ثمة عاقل يقول إن الأمر في الآية هو الأمر الشرعي للمترفين بالفسق؛ لأن الله تعالى قد تنزه عن الفحشاء والأمر بها، كما قال تعالى عن نفسه: ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) [ الأعراف / الآية 28 ] ، ومعنى كون الأمر في الآية أمراً شرعيًّا للمترفين بالفسق: يعني أن من لم يستجب منهم فيفسق: يكون آثماً! وليس عجيباً أن يأتي ملحد جاهل، أو مشرك أخرق، ليزعم أن الأمر في الآية أمرٌ شرعي، ويعمي بصره، ويصم أذنه عن الآيات التي ينهى الله تعالى فيها عن الفحشاء، ويتوعد فيها أهلها، بل يتوعد من يحب أن تشيع الفاحشة، كما قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [ النور / الآية 19 ].

والقولان الأوليان قويَّان، وقد رجَّح الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – القول الأول، ورجَّح الشيخ عبد الرحمن السعدي وتلميذه الشيخ العثيمين – رحمهما الله – القول الثاني.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ).

في معنى قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:

الأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله: ( أَمْرُنَا ) هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به ( فَفَسَقُواْ ) أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله.

( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) أي: وجب عليها الوعيد ( فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) أي: أهلكناها إهلاكا مستأصلا، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.

وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة، كقوله: ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ … ).

فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا ) أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء.

ومن الآيات الدالة على هذا: قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ).

فقوله في هذه الآية: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ … ) الآية: لفظ عام، في جميع المترفين، من جميع القرى، أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: ( إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ )، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم، والآيات بمثل ذلك كثيرة.

وبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في ” كشافه ” من أن معنى (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) أي: أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأن هذا مجاز تنزيلاً لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم، وكفرهم منزلة الأمر بذلك: كلام كله ظاهر السقوط والبطلان، وقد أوضح إبطاله أبو حيان في ” البحر “، والرازي في ” تفسيره “، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه.

وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: ” أمرتُه فعصاني “، أي: أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان، كما لا يخفى.

القول الثاني في الآية هو: أن الأمر في قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) أمر كوني قدري، أي: قدَّرنا عليهم ذلك، وسخرناهم له؛ لأن كلاًّ ميسرٌ لما خُلق له، والأمر الكوني القدري كقوله: ( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ )، وقوله: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ )، وقوله: ( أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارا )، وقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ).

القول الثالث في الآية: أن ( أَمَرْنَا ) بمعنى: أَكْثرنا، أي: أكثرنا مترفيها، ففسقوا.

وقال أبو عبيدة: ( أَمْرُنَا ) بمعنى: أكثرنا، لغة فصيحة، كآمرنا، بالمد…. .

وقد علمتَ أن التحقيق الذي دل عليه القرآن: أنَّ معنى الآية: أمَرْنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمْرَنا، فوجب عليهم الوعيد، فأهلكناهم، كما تقدم إيضاحه.

تنبيه:

في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ) مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) يعني: القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟.

والجواب من وجهين:

الأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم لأن غيرهم تبع لهم، كما قال تعالى: ( وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ ) ، وكقوله: ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) ، وقوله: ( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا ) ، وقوله تعالى: ( وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ ) ، وقوله: ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ ) إلى غير ذلك من الآيات.

الوجه الثاني: أن بعضهم إن عصى الله، وبغى، وطغى، ولم ينههم الآخرون: فإن الهلاك يعم الجميع، كما قال تعالى: ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً )، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش – رضي الله عنها-: أنها لما سمعت النَّبي  صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقتربْ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ” وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ” نعم، إذا كثر الخبث “.

” أضواء البيان ” ( 3 / 75 – 79 ) باختصار.

وبه يتبين أنه لا تعلق بالآية لتلك الجاهلة الخرقاء صاحبت المقطع الصوتي – وقد ارتأينا حذفه -، وأنها إنما أوتيت من جهلها، وقد سمعنا المقطع الصوتي، ولم نسمعها تتقن تلاوة آية على وجهها، ومن كان لا يُحسن القراءة فأنَّى يُحسن الفهم!.

وبه يتبين أن القرآن كلام الله تعالى، ( أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ) [ هود / من الآية 1 ] ، ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فصلت / الآية 42 ]، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) [ النساء / من الآية 82 ].

 

والله أعلم.

حكم العمل في مقهى يسمح بشرب الدخان ويُعرض فيها مباريات كرة قدم

حكم العمل في مقهى يسمح بشرب الدخان ويُعرض فيها مباريات كرة قدم

السؤال:

طلب مني العمل في إدارة مقهى ( كوفي شوب )، وذلك بكتابة جميع تفاصيل الوجبات والعصيرات والمشروبات ونوعية الأجهزة المستخدمة، وعمل مثل ” الدستور”، أو كتابة نظام لهذا المقهى على ورق، وذلك لنقل نفس النكهة والعمل والجودة عند فتح أي فرع لهذا المقهى، فما حكم العمل على هذه الوظيفة، مع العلم بأن المقهى يسمح بشرب الدخان داخله، وكذلك يوجد به بروجكتر لعرض مباريات كرة القدم المحلية والخارجية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

العمل في المطاعم والمقاهي لا حرج فيه من حيث الأصل؛ حيث يتم فيهما إعداد الطعام، والمشروبات، وتقديم ذلك للزبائن، وإنما يكون التحريم للعمل فيهما إذا احتوت تلك المحلات على ما لا يحل وجوده فيهما، ومن ذلك:

  1. أن يتم تقديم مطعومات، ومشروبات محرَّمة شرعا، كلحم الخنزير، والمشروبات المسكرة، أو يتم تقديم ” الأرجيلة ” فيهما.
  2. أن يُعرض فيهما ما لا يحل عرضه من الأفلام، والأغاني، والمشاهد التي يكون فيها كشف عن العورات، كالمباريات، والمصارعة.
  3. أن يُسمح للزبائن بشرب الدخان.

وبه يُعلم أن العمل في المقهى الوارد صفته في السؤال هو جائز من حيث الأصل، لكن شوش على هذا الجواز تمكين الزبائن من مشاهدة المباريات، وفيها كشف للعورات، وكذا السماح بالدخان، وبالإمكان منع ذلك من قبَل الإدارة، لكن جُعل السماح به، وتمكين مشاهدة تلك المباريات وسائل جذب للزبائن لذلك المقهى، فامتنع القول بالجواز مع وجود ذينك الأمرين المحرَّمين.

 

 

والله أعلم.

مسائل متنوعة من مشرف على مشروع حول عمله

مسائل متنوعة من مشرف على مشروع حول عمله

السؤال:

أتقدم يا شيخ حفظك الله بمجموعة أسئلة، وأرجو منك أن يتسع صدرك لها:

أنا موظف حكومي، أعمل في إحدى مكاتب الإشراف على المشاريع الموجودة في مناطق تنفيذ المشروع, وأواجه كثيرا من الصعوبات في تحري المال الحلال، وأتمنى يا شيخ أن ترشدنا كيف يمكن تجنب المال الحرام، أو المشبوه, وكيفية معالجة هذا الوضع الذي هو سائد في أغلب قسم المشاريع؟.

وآمل منكم التفصيل، والتوضيح في المسائل، بحيث أن جميع زملائنا يحتاجون إلى تبين مثل هذه الأمور, وأرجو طرح حلول لمعالجة الوضع الراهن، وكيف يمكن التكفير عما سلف, ومن خلال ممارسة العمل واجهتني عدة تساؤلات، ومنها ما يلي :

1- مكاتب الإشراف في المواقع:

كل مشروع يخصص له مكتب إشراف في الموقع حسب العقد، ويكون محملا عليه: السكرتارية، والأدوات المكتبية، والأجهزة المكتبية، والقرطاسية مثل:  مكاتب, جهاز كمبيوتر,  فاكس, شاي ,… وغيرها, ولكل مشروع مساحة معينة حسب كبر وصغر المشروع، ففي بعض الأحيان يتم الاستعاضة عن المكتب بمبلغ مالي يتم الاتفاق مع المقاول عليه، ويحرر محضر بهذا الخصوص، والقيمة تقدر ما بين (800 – 1200 ريال ) للمتر المربع, و يتم صرف هذا المبلغ لاحتياجات المكتب.

والسؤال: ما مشروعية هذا المال؟.

إذا نصَّ الاتفاق مع المقاول على تأمين مكاتب الإشراف بما يناسبها من تجهيزات: فيجب عليه الالتزام بالعقد، وتأمين تلك المكاتب بتجهيزاتها، وما لا يُحتاج إليه منها: فلا يجوز أخذ مقابل مادي منه؛ ويكون أكل مال بالباطل.

وإذا لم يكن ثمة حاجة لتلك المكاتب: فلا يحل أخذ مقابلها مالاً من المقاول؛ لأن العقد يقضي بتجهيز مكاتب، وليس بفرض رسوم مكاتب، وبينهما فرق كبير.

وعليه: فإذا استغنيَ عن إنشاء المكاتب بالكلية، أو عن بعضها، أو عن بعض تجهيزاتها: فلا يجوز أخذ مقابل ذلك أي مالٍ من المقاول، وإلا كان أخذاً بغير حق.

2- حراس الأمن:

لكل مشروع يلزم توظيف حراس أمن لحراسة المشروع المزمع تنفيذه، بحيث يتم المحافظة على المشروع، وتحديد عدد حراس الأمن يتم حسب ما يراه مهندس المشروع، وذلك كما نص العقد, ففي بعض المشاريع يتم الاستغناء عن بعض – أو كل – حراس الأمن، إما لأن المشروع داخل منطقة آمنة، أو أنها في منطقة مغلقة, فيتم مطالبة المقاول برواتبهم، سواء تم توظيف حراس الأمن أم لا؟.

والسؤال: ما مشروعية هذا التصرف؟.

الجواب هنا كسابقه، فيُلزم المقاول بتأمين حراس يقومون على حماية المشروع وأغراضه، وما يتم الاستغناء عنه منهم: فلا يحل استفياء رواتبهم من المقاول؛ لأن العقد تمَّ على تفريغ حراس للمشروع، وليس على مالٍ، فأي مطالبة للمقاول لغير حراس عاملين واقعا في المشروع: هي مطالبة جائرة، وأي مالٍ أُخذ منه: فهو مال محرَّم على الآخذ.

3- وقت العمل الإضافي:

أ) لكل موظف عدد ساعات محددة في عقد العمل, ومن شروط العمل أن يتم تنفيذ جميع الأعمال تحت إشرافنا, ففي بعض الأحيان يحتاج المقاول إلى ساعات عمل إضافية فيتم الاتفاق معه على مبلغ مقطوع شهريًّا، ويكون ذلك موثقا على محضر، ويتم صرف المبلغ على ساعات العمل الإضافية، وما فاض يكون ميزانية للمكتب, علماً أن خارج دوام المهندس: منصوص عليه في عقد المشروع إذا تطلب المشروع ذلك، ويرفع به من المشروع.

ب) نفيدك أن مجال عملنا لا يوجد خارج دوام حسب النظام، ولكن العمل يتطلب خارج دوام فهل يعتبر هذا إلزاميًّا إذا تطلب العمل ذلك، أم يحق لي المطالبة بخارج دوام إضافي مقابل هذا العمل؟.

والسؤال: هل يحق لنا ذلك؟.

لا علاقة بين المشرف على المشروع والمقاول في الحسابات المادية، وإنما علاقته مع أرباب عمله، سواء كانوا حكومة، أو شركة، وعقد المقاول مع الجهة صاحبة العمل: هو الذي ينبغي أن يُنفَّذ، وقد تمَّ العقد بينهما على ما يعرفه كل واحد منهما عن طبيعة عمله، وأسسه، ومبادئه، ومن ذلك أنه يتم الإشراف على العمل في أي وقت يُقام، ومقابل ذلك تم تجهيز مكاتب للإشراف، وسكن، وعليه: فلا يجوز للمشرف مطالبة المقاول بشيء من المال مقابل عمله الذي يزعم أنه خارج الدوام، وهو الذي يقول: ” مجال عملنا لا يوجد خارج دوام حسب النظام “، فإذا أراد المطالبة بما يزعم أنه حق له: فليطالبه من رب عمله، لا من المقاول، وما يأخذه من المقاول إنما هو سحت عليه وحرام.

4- الوفرات:

تنقسم المشاريع إلى قسمين حسب المواد: فمنها ما يُرفق معه جداول كميات لجميع الأعمال، ومنها ما يكون بالمقطوعية، وفي كلا الحالتين تكون المواد خاضعة إلى مواصفات يجب توفرها في المادة, وبعد كل إنجاز يتم رفع دفعة مالية للمقاول لمجموعة بنود، فمنها ما يتم رفعه جزئيًّا، ومنها ما يرفع كاملا، وبعد نهاية المشروع يتم عمل مقايسة للأعمال المنفذة على الواقع فما زاد عن العقد يصرف كأعمال إضافية للمقاول، وما نقص عن العقد تصرف وفرات لجهة الإشراف، ويتم تثبيتها بمحضر، وتؤخذ من المقاول، ويتم التصرف بها من قبل الجهة المشرفة، ولا ترد لجهة الصرف.

والسؤال: ما حكم هذا التصرف؟.

يجب على جهة الإشراف أن يتقوا الله تعالى في عملهم، فلا يظلموا أنفسهم بأخذ ما ليس لهم به حق، ولا يظلموا المقاول بتحميله ما ليس مطلوباً منه، ولا يظلموا رب العمل بإنقاص حقه، والواجب عليهم العدل في الأحكام، والإتقان في الإشراف، فلا يُعطى المقاول ما ليس له به حق، وجعل ذلك من ” الأعمال الإضافية “، ولا يُؤخذ من رب العمل ما هو حق له يجب على جهة الإشراف أن تحصله له، أو توفره عليه.

فما زاد على العقد من مواد: فهو من حق من بذل المال في شرائه، وهو رب العمل، وليس هو من حق المقاول، ولا من حق جهة الإشراف، فيجب على المشرفين تحصيله لأرباب عملهم، وهم أحرار بعدها في التصرف فيه.

وما نقص: فيجب أخذه من المقاول لأرباب العمل، لا لجهة الإشراف.

5- الزيارات:

لكي يتم اعتماد مادة معينة يتطلب مطابقتها للمواصفات المتفق عليها للمشروع، وذلك بتزويدنا بعينة للاعتماد الأولي، ثم تركيبها في الموقع للاعتماد النهائي لتوريد كامل الكمية المطلوبة, نطلب من المقاول تنسيق زيارة لمورد المادة لكي يتم الاطلاع على طريقة الإنتاج، وحجم الإنتاج، وآلية الإنتاج، وأحياناً اختبارات المادة المعتمدة، وتكون الزيارة شاملة المواصلات، والسكن، والإعاشة للمهندس وعائلته, مع العلم أنه في بعض الأحيان تكون الدعوة من قبل المورد.

والسؤال: ما مدى مشروعية ذلك؟.

هذا الأمر يجوز إن كان ثمة اتفاق عليه في عقد العمل بين المقاول ورب العمل، ولا يجوز تحميل نفقات زيارة مصنع المواد للمقاول، فقد لا يكون ذلك يلزمه، بل يلزم رب العمل، كما أن فحص المواد قد يكون من عملكم أنتم في موقع المشروع، لا في مكان إنتاج تلك المواد، فكيف تريدون تحميل المقاول ما لا يلزمه من تلك النفقات؟.

6- رفع قيمة الدفعة بأكثر مما هو منفذ في الواقع:

من باب دفع عجلة العمل وتحفيز المقاول يتم رفع نسبة الإنجاز بنسبة أكبر مما يستحقها فعليًّا، وتكون هذه الزيادة نسبية، ويؤخذ بعين الاعتبار الوقت المستغرق لصرف الدفعة من جهة الصرف التي قد تصل إلى شهر، أو أكثر، فتكون هذه الزيادة قد نفذت في الواقع تقريباً. والسؤال: ما حكم ذلك؟.

هذا الفعل منكم وإن كان حرصاً على المقاول: لكنه لا يجوز لكم شرعاً، فأنتم مشرفون على العمل، وشهداء على ما يُنجز منه، ولا يجوز لكم الشهادة بخلاف الواقع، ولو كانت دفعة العمل المنجَز ستتأخر، فهذا أمر معروف في عالم المقاولات والمشاريع، ثم قد يتوقف عمل المقاول لسبب قاهر، فكيف سيكون موقفكم عندما يعلم رب العمل أن ما دفعه ليس ثمة ما يقابله من عمل مُنجَز؟! ثم إنه قد تترتب غرامات على المقاول بسبب تأخره، أو توقيفه للعمل دون عذر مقبول، والأصل أن يكون عمله سابقاً على المال المستحق، لا العكس.

فشهادتكم هذه غير شرعية، ولا يحل لكم كتابة خلاف الواقع من عمل غير منجَز، ويمكن للمقاول أن يسعى هو في المطالبة بحقه من رب العمل، وكما قلنا ونكرره للأهمية: لا علاقة لجهة الإشراف بالأمور المالية بين رب العمل والمقاول، فعملكم محدد معلوم، ولعلَّ نظرة كثير من المشرفين إلى المال: هي التي جعلتهم يطمعون إما في رب العمل، وإما في المقاول، أو في الاثنين معاً، وهو ما لا يحل لهم شرعاً، وكل دينار يأكلونه بغير وجه حق سيلقون أثره إن في الدنيا، وإن في الآخرة، أو فيهما جميعاً.

7- محضر المعاينة للمشاريع:

لكل مشروع مدة ينتهي فيها، وفي هذه الحالة يكون المقاول معرضاً لتطبيق غرامة التأخير إذا لم ينته بالوقت المحدد، ويتم ذلك على حسب عدد الأيام المتأخر فيها، ففي بعض الأحيان يتطلب إنهاء المشروع مدة تقدر بشهر، أو شهرين، فيتم التساعد مع المقاول، وتوقيع المحضر بتاريخ سابق، بحيث لا تطبق عليه الغرامة, ولا يأخذ مقابلها أي شيء، مع العلم أن بعض التأخيرات تكون من قبَلنا بسبب بعض التعديلات التي تطرأ على المشروع.

والسؤال: ما حكم ذلك؟.

لا يحل لكم فعل هذا، وكما قلنا سابقا: أنتم مشرفون، وشهداء، فما تسأل عنه هنا هو ما يسمى ” شهادة الزور “، وهو الشهادة بغير الواقع، فكيف يكون المقاول متأخرا في إنجاز العمل، وقد ترتب عليه غرامات من حق رب العمل: ثم تريدون توفيرها عليه، وحرمان رب العمل منها؟! وإن وافقكم المقاول على تلك الشهادة الآثمة: فهو آثم مثلكم، وهو آكل لمال حرام، ويجب عليكم جميعاً الشهادة بالواقع، وكتابة الأيام التي تأخر فيها المقاول في العمل، وفرض الغرامات المستحقة عليه، وهذا من حق رب العمل عليكم كجهة إشراف، ومن حقه على المقاول كجهة تنفيذية.

8- السيارات:

بحكم طبيعة العمل يحتاج كل مهندس إلى سيارة ليتسنى له الإشراف على المشاريع، فيتم توفيرها من وفرات أحد المشاريع السابقة، بعد موافقة الإدارة العليا, فيتم استخدامها في العمل وغيره بعلم الجميع، وهو المتبع في الإدارة، ويتحمل العمل الصيانة، والبنزين، وخلافه, علماً أنه يتم عمل تفويض لاستخدام السيارة داخل المملكة من قبل جهة العمل.

والسؤال: ما حكم استخدام هذه السيارات؟.

إذا كان هذا الاستعمال بموافقة الإدارة: فلا ضير، ولا حرج.

9- المكافآت:

عند توفر مبالغ مالية من المشاريع: يتم صرفها للموظفين، مثل إيجار سكن، ودورات، ومصاريف للمكتب، وحوافز مالية، وغيرها، وتكون لجميع الموظفين، كلٌّ حسب احتياجه, ففي بعض الأحيان لا أدري مصدر هذه الأموال، وفي بعض الأحيان أشك في مصدرها, مع أنها تمنح لي جزاء لعمل قمتُ به, وهذه المكافآت لا تستند إلى نظام معين، بل هي تقديرية من قبل المدير، وهي سياسة يتبعها المدير مع الموظفين على حسب جهده، وتميزه في العمل.

والسؤال: هل يجب عليَّ الاستفسار عنها، أم أن الإثم على معطيها؟.

من حيث الوجوب: لا يجب عليك السؤال عن مصدر المال المبذول لك على شكل مكافآت، وإنما تأخذون ما تستحقونه بحسب نظر الإدارة، أو الشخص المخوَّل بتقدير ذلك، ولا يلزم المسلم السؤال عن مصدر المال الممنوح له، إلا أن يجزم، أو يغلب على ظنه: حرمة هذا المال، وأنه ليس من ملك باذله، فعندها يحرم عليه أخذه، وتملكه.

10- الهدايا:

تقدَّم لي هدايا، إما من موردين، أو مقاولين، مثل أقلام، وتقاويم وغيرها، وكذلك من مرؤوسيَّ، ورئيسي، وهذه الهدايا تكون رمزية، وتكون أمام الناس، وأحياناً للجميع.

والسؤال: هل يجوز لي قبولها؟.

أما تقبل الهدايا من رئيسك في العمل: فلا يظهر لنا فيه شيء، بل هو مباح، وأما من مرؤوسيك، ومن الموردين، والمقاولين: فلا يجوز؛ لأنهم لم يهدونك بسببك الشخصي، بل بسبب وظيفتك، وهو ما يجعل تلك الهدايا محرَّمة، حتى لو كانت عينات مجانية.

11- الانتداب:

أ) متى يسمى الانتداب انتداباً؟, ومن متى تحسب مدته؟, وهل له مسافة معينة؟, وإذا قمت بزيارة مشروع يبعد عن العمل مسافة ( 160 – 260 كلم ) لمدة يوم عمل، أو جزء منه بالسيارة: فهل يحسب لي انتداباً؟.

الانتداب هو: الإعفاء من المهام الوظيفية الأصلية لموظف، وإسناد مهمة أخرى إليه، مع احتفاظه بحق تقاضي راتبه من الوظيفة الأخرى، وحق التدرج والترقية في عمله الأصلي.

وتُحسب مدته: منذ بدء التكليف بالمهمة الجديدة.

ب) وإذا قال لي مديري: إذا ذهبت إلى هذه المدينة الخارجة عن مدينتك لمدة يوم أو يومين في الشهر ارفع بطلب ( 5 أيام ) انتداب, فهل يجوز ذلك؟.

بالطبع لا يجوز له ذلك، بل هو مدير غاش لنفسه، مرتكب لإثم واضح بيِّن، والواجب عليه أن يتقي الله تعالى في وظيفته، وأن يحكم بالعدل، ولا يأكل حراما، ولا يُطعم غيره مالا سحتا.

وأنت لا يحل لك أن تستجيب لطلبه، بل الواجب أن ترفع الطلب بعدد الأيام التي باشرت بها العمل منتدَبا، ولا يحل لك الزيادة عليها بشيء.

ج) كلفني مديري بإدارة مشروع يبعد ( 150 كلم ) ذهابا وإيابا عن موقع العمل، بأن يحسب لي لكل شهر( 5 أيام ) انتداب، وأن يحسب لي بداية مدة العمل وكأنني أدوام من منزلي إلى العمل الذي يبعد ( 10 دقائق ), أي: أن العمل يبدأ الساعة ( 8:00 )، فأنا أنطلق من المنزل الساعة ( 7:50 )، فكذلك بالنسبة للمشروع الجديد، فلا يتم حساب الوقت الإضافي للمشروع الذي يبعد حوالي ( 75 كلم ) عن مقر العمل.

والسؤال: هل يجوز ذلك؟.

لا يجوز للمدير أن يحتسب للموظف أيام انتداب وهو لم يداومها.

وإذا كان الدوام يبدأ في ساعة معينة فلا يجوز التأخر عنه إلا لعذر قاهر، ويجب الخروج من المنزل أبكر منه لإدراك الدوام في أوله، وفي حال الخروج من الدوام فلا يجوز الخروج منه إلا في آخره، ولو استهلك طريق الرجعة وقتا، ويمكن للموظف المطالبة باستثناء في حال بُعد بيته عن العمل، أو المطالبة بمبلغ إضافي على الراتب، دون إلزام لرب العمل.

 

والله أعلم.

 

حكم العمل في شركة تبيع أدوات الغطس وتدل على مواقعه في العالَم

حكم العمل في شركة تبيع أدوات الغطس وتدل على مواقعه في العالَم

السؤال:

أعمل مبرمجا لشركة تعمل في مجال الغطس، وأنا أجري لهم تعديلات على موقعهم الإلكتروني على الإنترنت، مثلا: أضيف لهم جزءا في الموقع يُمكِّن الزائر من ترك بياناته أو تعليقاته، والموقع باختصار يخبر الزائر عن أماكن شراء أدوات الغطس وأماكن الغطس في أنحاء العالم، ويمكن للزائر أن يكتب تجربته في الغطس في مكان معين, ويوجد بالموقع إعلانات، تظهر في الإعلانات أحيانًا صور لنساء متبرجات, ففي أول عملي كنت لا أرى هذه الإعلانات لأنها تعرض بطريقه عشوائية، وعملي ليس له علاقة بهذه الإعلانات، فعندما رأيتها دب في قلبي أن يكون عملي في موقعهم هذا حرام، وأنه تعاون على المعصية, فما حكم عملي؟.

 

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في السباحة والغطس في أعماق البحار: الجواز، ولكن لا ينبغي إغفال واقع هذين الأمرين في هذا الزمان، فملابس السباحة – في عموم الأرض وغالبها – بالكاد تستر العورة المغلظة! وملابس الغطس تجسم العورة، ويصدق هذا على كلا الجنسين الذكر والأنثى.

وبيع هذه الملابس لكلا الطرفين – السباحين والغطاسين – لا شك في حرمته، فهو إما محرم لذاته كاللباس غير الساتر، والضيِّق، أو أنه يستعان به في المعصية، وذلك بما يكون بينهم من اختلاط، وسياحة محرَّمة، وسفر لدول الكفر لمن هو خارجها في بلاد الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكلُّ لباسٍ يغلب على الظن أن يُستعان بلبسه على معصية: فلا يجوز بيعه، وخياطته، لمن يستعين به على المعصية، والظلم.

” شرح العمدة ” ( 4 / 386 ).

وأما أماكن الغطس فهي غالبا في دول الكفر، ببحارها، ومحيطاتها، وغالبا ما تكون فرَق الغطَّاسين من الجنسين، ويكون على سفنهم وقواربهم من المنكرات، والمعاصي الشيء الكثير.

والإعلانات التي تضعها الشركة فإنما هي تتحمل إثمها، ولكننا نرى أن أصل الموقع وما يدعو إليه ليس فيه ما يباح في الاستعمال الحالي من أغلب الناس وأكثرهم، والحكم إنما هو للغالب والأكثر، وليس للأصل.

فنرى أنه لا يجوز إعانة تلك الشركة في بيع أدوات الغطس، وملابسها، ولا المشاركة في دلالة الناس على أماكن الغطس في العالَم، ونرى أن هذا يقتضي منك ترك تلك الإعانة لهم ؛ خشية أن تكون شريكاً لهم في آثامهم.

 

والله أعلم.

إغلاق الجوال أثناء خطبة الجمعة هل هو من اللغو الذي يبطل أجر الجمعة؟.

إغلاق الجوال أثناء خطبة الجمعة هل هو من اللغو الذي يبطل أجر الجمعة؟.

السؤال:

خلال خطبة الجمعة يرن الهاتف النقال لبعض الإخوة والخطيب يخطب الجمعة على المنبر، ويقوم من يرن هاتفه بإغلاقه خلال الخطبة، وبعضها يرن رنة موسيقية قريبة من تلك التي في الأغاني الماجنة، ويقوم من يرن هاتفه بإغلاقه خلال الخطبة، فهل هذا يعتبر من اللغو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه؟ وهل يعني أن من لغا فلا جمعة له: أن أجر الجمعة أصبح كصلاة الظهر فقط؟ نعلمكم بأننا قد قمنا بتنبيه المصلين في مرة سابقة ندعوهم لإغلاق الهاتف، وتوجد ملصقات في المسجد تدعو المصلين لإغلاق الهاتف في المسجد، نرجو منكم توضيح هذا الأمر وأن ترسلوا لنا الإجابة باللغتين العربية والانجليزية إن أمكن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

وضع نغمات الهاتف الجوال على نغمات موسيقية: منكر، ومحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصّ على تحريم المعازف.

ثانيا:

وعلى من نسي إغلاق جواله أثناء خطبة الجمعة: أن يغلقه إذا رنَّ دون شك، ولا ريب، حتى لو كانت نغمة الاتصال مباحة؛ لأن في إبقاء الجوال مستمراً في إصدار نغمة الاتصال تشويشاً على المصلين، وإشغالاً لهم عن واجب الاستماع للخطبة.

والمرجو أنه لا يأثم بنسيانه إغلاق جواله، وأن ما يفعله من إغلاق الجوال لا يدخل في اللغو المنهي عنه أثناء خطبة الجمعة، والمشار إليه في السؤال، وهو الوارد ذِكره في حديث مسلم ( مَنْ مسَّ الحصى فَقَدْ لَغَا )، وقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 2034 ) بإسنادٍ حسَنٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” وَالذِّي يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَلاَ جُمْعَةَ لَهُ ” وأخرجه البخاري ( 934 ) ومسلم ( 851 ) بلفظ: ” إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمْعَة وَالإِمَامُ يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْتَ “.

وإنما ينطبق النهي، ويتحمل الإثم، وليس له جمعة، ويكون قد لغا: من تعمَّد فتح جواله أثناء الخطبة، وأغلقه عند انطلاق نغمته كائنة ما كانت؛ لأن الأحاديث السابقة إنما هي في حق المتعمد، لا الناسي، ولا فرق بين مس الحصى، وبين مس أزرار الجوال، والعبث بالمفتاح، والعبث بوبر السجاد.

 

 

ثالثا:

والظاهر أن معنى ( لاَ جُمْعَة لَهُ ) لمن ورد فيه الوعيد إذا لغا أثناء خطبة الجمعة: أنها تُكتب له ظهرا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا, وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرا “. رواه أبو داود ( 347 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال النضر بن شميل: معنى ( لغوت ): خبتَ من الأجر، وقيل: بطلتْ فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتُك ظهرا.

قلت: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير: ما رواه أبو داود وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ” ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً “، قال ابن وهب – أحد رواته -: معناه: أجزأتْ عنه الصلاة، وحُرم فضيلة الجمعة. ” فتح الباري ” ( 2 / 414 ).

وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله: ” كانت له ظهرا ” أي: كانت جمعته له ظهراً، بمعنى: أن الفضيلة التي كانت تحصل له من الجمعة: لم تحصل له، لفوات شروط هذه الفضيلة.

” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 169 ).

فالواجب على القادمين لصلاة الجمعة تعظيم شعائر الله تعالى، ويقتضي تعظيم الجمعة سكون جوارحه من العبث، وسكوت لسانه من التكلم، وإلا أثم، وصارت جمعته ظهرا.

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا شك أن المسلم مأمور حالة خطبة الجمعة بالاستماع، والإنصات، وقطع الحركة، فهو مأمور بشيئين:

أولا: السكون، والهدوء، وعدم الحركة، والعبث.

ثانيًا: هو مأمور بالسكوت عن الكلام، فيحرم عليه أن يتكلم، والإمام يخطب، ويحرم عليه كذلك أن يستعمل الحركة، والعبث، أو يمسح الحصى، ويخطط في الأرض، أو ما أشبه ذلك، وما ذكرته من الحديث: ” من مسَّ الحصى فقد لغا ” فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ( لغا ) : أنه ارتكب خطأ يُسبب إلغاء ثوابه، فمعنى ( لغا ) : ليس معناه أنه تبطل صلاته، وأنه يؤمر بالإعادة، وإنما معناه أنه لا ثواب له في تلك الصلاة. ” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 5 / 71 ).

ومن مقتضيات تعظيم الجمعة، ومن مقتضيات السكوت والسكون: إغلاق الجوالات أن تصدر نغمات أثناء الخطبة، وفي هذا من التشويش على الحاضرين، ومن التسبب بحركة صاحبه ما لا يخفى، فإن كان ناسياً: فالأمر هيِّن، وإن كان غير مبالٍ، أو متعمداً: أثم، وبطلت جمعته، أيًّا كانت نغمة جواله، لكن إن كانت نغمة محرمة: كان آثماً زيادة.

 

والله أعلم.

أسباب المشكلات بين الزوجة وأهل زوجها، وطرق حلها

أسباب المشكلات بين الزوجة وأهل زوجها، وطرق حلها

السؤال:

في البداية: جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه لخدمة الإسلام وأهله، وسؤالي هو: فضيلة الشيخ كيف أتعامل مع تدخلات أهل زوجي في شؤني الخاصة؟ وهل يكون من سوء الخلق عندما أرد عليهم؛ لأنهم من النوع الذي يتمادى عند السكوت، ويعلم الله وحده أني تجاهلت كثيراً من تدخلاتهم وأساليبهم المستفزة، ولكن يبدو أنهم لا يأتون بالتجاهل؛ لأن أسئلتهم تمادت، والله – يا شيخ – إن إحدى أخوات زوجي كانت تتحدث عن التعدد، وكان زوجي جالساً بجواري، وتقول: ” وماذا في لو تزوج الثانية “؟ ، وأنا جالسة ولم تراع مشاعري، وكنت وقتها في بداية زواجي في زيارة عندهم، والله ما عرفوا خيري من شري، حتى تقول هذا الكلام، وعندما يمتدح شيئاً أفعله – وهو في أندر النادر أمامهم – تقول: هذا من واجبها، وهذا كله أمامي، ووالله – يا شيخ – ما فتحت فمي بكلمة واحدة؛ لأننا تربينا على عدم الرد على من يسيء لنا، أنا وأخواتي، حتى الرد المؤدب لا أجيده إلا في النادر جدًّا، وبعدها أحس بتأنيب الضمير، ولو أطنب في طرح تدخلاتهم وأسئلتهم، حتى في رضعات طفلي، ومكان استحمامه، ونظافته الشخصية، وأنا – بشهادة زوجي – لم أهمله، أو أقصر معه، حتى أطفالهم يرددون نفس أسئلتهم، حتى كرهت الذهاب إليهم، وإنني عندما أذهب إليهم لا أبين أني منزعجة، أو تجرحني، وتحرجني، وأكون عادية، ولكن مشحونة من الداخل، وبالذات أن زوجي قال: لو تحدثتِ مع أحد عن تعامل أهلي معك: أسألك عنها أمام الله.

الأسئلة: سبق – يا شيخ – أن فضفضتُ لأختي، وزوجة أخي عن بعض تصرفاتهم، وتعاملهم معي، وهن – يعلم الله – عاقلات، ويقلن لي: ردي بأدب على الشيء الذي لا يُسكت عنه، وما تستطيعين تجاهله تجاهليه, هل آثم على ذلك؟.

هل لزوجي الحق في تحذيري من الحديث عن تعاملهم معي لأي مخلوق؟.

وأنت تعلم – يا شيخ – أن الإنسان يحتاج أن يفضفض عن مشاكله وهمومه لأحد، والله إني أشعر بالكبت لدرجة أني أصبحت لا أحب أن أراهم، أو أسمع أصواتهم؛ لأني أصبحت مشحونة جدًّا، حتى من زوجي، وأصبحت عصبية، وأنا أكره أن أعامله بجفاء، وأعذره في أنه لا يريد أن تشوَّه صورة أهله عند أحدٍ، ولكن مِن حقي أن أستشير مَن هم أكبر منِّي، وأعمق تجربة، هل يجوز لي أن أستشير، وأبث همومي لمن هو ثقة، أو أبقى في دائرة الكبت، والشحن النفسي؟.

كيف أتعامل مع زوجي وأهله بما يرضي الله، وبما لا يهدر حقوقي، أو يكسر الحدود في علاقتي معهم؟ لأن خراب كثير من البيوت عندما يتخطى أحدهم الحدود في التعامل مع الطرف الآخر ولا يوضع لها حدود.

هل يجوز لي أن أرفض السكن بجوار أهله لتجنب المشاكل؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– كثيرة هي المشكلات القائمة بين الزوجة وأهل زوجها، ولحل أي مشكلة ينبغي النظر في أسبابها قبل كل شيء:

  1. فقد تكون هذه الأسباب راجعة لطبيعة أهل الزوج، فبعض الناس صار الشر طبعا لهم، يكبِّرون الصغير، ويعظمون التافه الحقير، وهؤلاء ليس المشكلات فقط بينهم وبين زوجة ابنهم، بل هي عامة تشمل الناس جميعا، وحل هذه المعضلة يحتاج لجهود مضنية، بتعليمهم الخطأ من الصواب، والخير من الشر، وتربيتهم على الإيمان والطاعة، وفي هذه الحال يجب على الزوج الذي يعلم هذا من طبيعة أهله أن لا يلتفت لكلامهم في زوجته، ولا يقيم له وزنا، وأن يساهم في إصلاح حال أهله، ودعوتهم للخير، وأن يخفف على زوجته إذا وقع عليها ظلم من أهله.
  2. وقد يكون سبب المشكلات بين الطرفين: الغيرة التي تدب في قلوب أهل الزوج، وذلك عندما يرون تعلق ابنهم بزوجته، وتدليلها لها، وحلُّ هذه المشكلة يكون بتعويضهم بدلال زائد، ورعاية خاصة، وكثرة هدايا، مع عدم إظهار تعلق الزوج بزوجته أمامهم، ومع إعطاء الزوج اهتماما لهم، وكثرة الدعاء بأن يزيل الله الغيرة من قلوبهم.
  3. وقد يكون سبب تلك المشكلات: ما يراه أهل الزوج على الزوجة من تقصير مع ابنهم، أو مع أولادها، أو في بيتها، أو ما تبديه لهم من تصرفات شائنة، وعدم احترام لوالدتهم، وغير ذلك مما هو موجود فعلا – وليس افتراء – عند كثير من الزوجات، وهذا هو الجانب الإيجابي من تلك المشكلات! لأنه به تعرف الزوجة ما عندها من تقصير، وتفريط، فتصلح الخطأ، وتجبر الخلل، وتكمل النقص، ولا يمكن لزوجة أن تدعي الكمال في تصرفاتها، وأخلاقها، وهذا أيسر الأسباب لتلك المشكلات؛ لأن الحل سهل ويسير على الزوجة، وهو إصلاح نفسها، وإصلاح ما بينها وبين أهل زوجها، بحسن التصرف، وإعطاء كل ذي حق حقَّه من التقدير، وبذلك تصلح ما فسد من الأمور، وتكسب قلب زوجها لجانبها.

ثانيا:

والذي نراه أنه على الزوجة أن تطيع زوجها إن أمرها أن لا تخبر أحدا بما يجري بينها وبين أهله، وهذا القرار من الزوج فيه مصلحة عظيمة تفوق مصلحة تنفيس الزوجة عن نفسها، فمثل هذه الأمور إذا ظهرت وانتشرت: شارك كل واحد برأي، أو اخترع مكيدة، أو ساهم برأي منكوس لحل تلك المشكلات، وهنا يتسع الخرق على الراقع، وتكثر تلك المشكلات، وتتعدد أسبابها، وقد يشق، أو يصعب بعده حلها.

وشكوى الزوجة لأحد من العقلاء جائز، ولا يدخل في الغيبة المحرمة، وفي الوقت نفسه للزوج أن يمنعها من هذا المباح إن كان يرى مصلحة شرعية من المنع.

فالذي نراه أنكِ قد أخطأتِ بمخالفة كلامه، وبكلامك مع أختك، وزوجة أخيك، بما جرى بينك وبين أهل زوجك، ولإصلاح ذلك: عليك التوبة والاستغفار، وعدم الاستمرار في الكلام معهما في هذا الشأن، وتوصيتهما بعدم ذِكر شيء مما قلتيه لهما لأحدٍ من الناس، ولا داعي للاعتراف لزوجك بما فعلتيه؛ لعدم ترتب مصلحة على ذلك، بل إن الظاهر أنه سيترتب عليه مفاسد، منها: كراهيته لك، ولفعلك، ومنها: منعك من الحديث نهائيًّا مع أختك، وزوجة أخيك، وكل ذلك متوقع، والشيطان له حضور بالغ في مثل هذه الأوقات، وهو ينفخ فيها، ويعظم شأنها، ويوقع بينكم العداوة والبغضاء.

ثالثا:

ويحتاج التعامل مع زوجك وأهله لحكمة بالغة منكِ، وأنتِ – إن شاء الله – تستطيعين التعامل مع ذلك، وقد بان لنا ذلك من خلال قولك ” لأننا تربينا على عدم الرد على من يسيء لنا، أنا وأخواتي، حتى الرد المؤدب لا أجيده إلا في النادر جدًّا، وبعدها أحس بتأنيب الضمير “، ومن خلال قولك الآخر: ” وإنني عندما أذهب إليهم لا أبيِّن أني منزعجة، أو تجرحني، وتحرجني، وأكون عادية، ولكن مشحونة من الداخل “، وهذا الأمر لا يفعله إلا من يتحكم في نفسه، ولا يفعله إلا العقلاء من الناس.

* والمطلوب منك:

  1. تجاهل ما تسمعينه من أهل زوجك مما تعرفين أنه بقصد الاستفزاز، وأنه محض افتراء.
  2. أن تصلحي شأنك، وبيتك، وأولادك، وما تسمعينه منهم مما هو عندك فعلا: فلا بدَّ من إصلاحه، والقيام عليه حق القيام.
  3. حاولي التودد لأهله بحسن الأسلوب، ورقة الكلمات، وجميل التصرفات، وتفقديهم بين الحين والآخر بهدية تليق بهم، أو بطعام تصنعينه لهم، أو بحلويات تخصينهم بها، ومعروف أن للهدايا شأناً بالغاً في تقريب القلوب، وإشاعة المحبة والمودة بين طرفيها.
  4. أحسني لزوجك بعدم ذِكر ما يجري من أهله لأحدٍ من الناس، واجعلي ثقته فيك عالية، ولا تجعلي يسمع منك أو يرى ما يكره.
  5. ومع كل ذلك: فإن هذا لا يعني السكوت الكلِّي عن الطعونات، والافتراءات، منهم عليكِ، لكننا ننصحك برد ذلك إلى زوجك، وتحميله مسئولية إصلاح الأمور، وإعطاء كل ذي حقَّه، وأظهري له حسن تربية أهلك لك.
  6. وأخيرا: لا بأس أن تقترحي على زوجك الانتقال من السكن من قرب أهله، وليس واجباً عليه أن يستجيب، فحقك إنما هو في سكن مستقل، وأنت تتمتعين به، لكن من الحكمة والمصلحة أن يبتعد الزوج عن سكن أهله إن كان يعلم عدم توافق بينهم وبين زوجته، ولعلَّ ذلك البُعد أن يساهم في تقوية الروابط بين الأطراف جميعها، وأن يزيل من القلوب تلك الإحن، وذلك الحقد.

 

واستعيني بالله ربك بالدعاء، مع القيام بما أوجب عليك من الطاعات، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه رضاه، وأن يجمع بينكم جميعاً على خير.

 

والله أعلم.