الرئيسية بلوق الصفحة 126

متى يكون ذبح الموت؟ وما حال أصحاب الكبائر في البرزخ؟

متى يكون ذبح الموت؟ وما حال أصحاب الكبائر في البرزخ؟

السؤال:

عندما يؤتى بالموت على شكل كبش ويذبح أمام أهل الجنة والنار، ويقال لكل منهم: خلود فلا موت, هل هذا يكون بعد خروج أصحاب الكبائر من أمة محمد من النار, أم قبله؟.

وأيضًا نفس التساؤل: عندما يسألون أصحاب الكبائر في القبور, هل يجاوبون على أسئلة منكر ونكير, أم يقولون لا أعلم؟ وهل يرون مقعدهم من الجنة أو النار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الذي لا ينبغي أن يقال غيره هو أن الذبح للموت لا يكون إلا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في جهنم، ويقتضي هذا أنه لا يكون الذبح قبل خروج الموحدين من نار جهنم؛ لأن الخطاب يكون لأهل الجنة وأهل النار، ولا ينسب الموحدون للنار وهم سيخرجون منها.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ, فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ, فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ, فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ, فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ, فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ )، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ( وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ). رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم (2849 ).

وفي رواية ابن عمر في البخاري ( 6182 ) ومسلم ( 2850 ): ( إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ, وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ, جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, ثُمَّ يُذْبَحُ, ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ, وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ, وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ “.

وينظر كلام ابن القيم – رحمه الله – في الرد على من اعترض على هذا الحديث بعقله.

 

ثانيًا:

وبخصوص فتنة القبر لأصحاب الكبائر: فثمة مسائل ثلاثة:

الأولى: إجابة الملكين منكر ونكير على أسئلتهما في العقيدة: عن ربه عز وجل، وعن دينه، وعن نبيه صلى الله عليه وسلم.

والثانية: تعذيبه على ذنوبه.

والثالثة: هل يرى الفاسق في قبره مقعده في الجنة؟.

أما الأولى: فإن الظاهر أن الناس فيها قسمان: مسلم، ومنافق، أو كافر، فالمسلم يجيب عن أسئلة الملَكين، ولو كان فاسقاً، والكافر – أو المنافق – لا يجيب، ويعذَّب على ذلك.

* ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:

ومقتضى أحاديث سؤال الملكين: أن المؤمن ولو فاسقًا يجيبهما، كالعدل، ولكن بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله. ” الفتاوى الحديثية ” ( ص 7 ).

وأما الثانية: فإنه لا يلزم من إجابة المسلم الفاسق على أسئلة الملَكين أنه لا يعذَّب على اقترافه الذنوب والمعاصي، إن لم يتب منها، وإن شاء الله تعذيبه، بل مِن عذاب هؤلاء ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع.

* قال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله -:

فمن أغضب الله، وأسخطه، في هذه الدار، بارتكاب مناهيه، ولم يتب، ومات على ذلك: كان له عذاب البرزخ بقدر غضب الله، وسخطه عليه، فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب . ” لوامع الأنوار البهية ” ( 2 / 18 ).

وقال:

ومن الذين يعذبون في قبورهم، وأخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: الجبارون، والمتكبرون، والمراءون، والهمازون، واللمازون، والطعانون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، ونحو هؤلاء، ممن يشتغل بذنوب الناس عن ذنبه، وبعيوبهم عن عيبه، فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها، وقلتها، وصغرها، وكبرها، ولما كان أكثر الناس كذلك: كان أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، فنسأل الله تعالى العافية، والرحمة، والعفو، والغفران، وبالله الإعانة، والعون .

” لوامع الأنوار البهية ” ( 2 / 19 ).

وهذا التعذيب على بعض المعاصي لا يمنع من إجابة الملَكين على أسئلتهم الثلاثة على الصواب.

وأما المسألة الثالثة: ففيه احتمالان:

  1. الأول: أن المسلم يرى مقعده في الجنة باعتباره ليس كافرًا، وأن مصيره إليها، لكن هذا لا يعني أنه لن يعذَّب في قبره إن شاء الله تعذيبه، ويشبه هذا حال المسلم في الدنيا، فإنه يعلم أن مصيره في الآخرة في الجنة، وهذا لا يعني عدم تعرضه للعذاب قبلها، كما يشبه هذا حال أهل الكبائر عند تطاير الصحف يوم القيامة، فمذهب أهل السنَّة والجماعة أنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم، ونجاتهم من الخلود في النار لا يعني عدم دخولهم فيها لمن شاء الله أن يعذِّب منهم.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

مذهب أهل السنة والجماعة: أنه من مات على الإيمان: يتناول كتابه بيمينه، ولو كان مرتكباً للكبائر، وأنَّ من مات على الكفر – والعياذ بالله -: يتناول كتابه بشماله، من وراء ظهره، وهو بذلك يمثل هيئة الفاتر، المتألم، الكاره لما يتناوله، ولكن لا بد من تناوله، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، فإنها لم يُذكر فيها بالنسبة لتناول الكتاب إلا مؤمن – ولو مطلق الإيمان -، وكافر، وإن اختلف نوع كفره، أو تفاوتت درجته. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 726 ، 727 ).

ونحن نجزم بصحة ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم من وجود من يُعذَّب في قبره من المسلمين إلى يوم القيامة، كمثل آكل الربا الذي رآه صلى الله عليه وسلم يسبح في نهر من الدم، وكمثل الزناة  والزواني الذين رآهم صلى الله عليه وسلم في تنور يصرخون، وغير هؤلاء، ونجزم أن مصير هؤلاء إن كانوا مسلمين هو الجنة في نهاية الأمر، فيمكن أن يقال: إن عذاب هؤلاء في البرزخ على أرواحهم، وبشارتهم بالجنة في نهاية المطاف هو لأرواحهم مقترنة بأجسادهم.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ, عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه البخاري ( 1379 ) ومسلم ( 2866 ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

* قال القرطبي: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلِّط: فمحتمل في حقه أيضاً؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء، وأرواحهم تسرح في الجنة.

ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم: تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن. ” فتح الباري ” (3/243 ).

* وقال الشيخ أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري:

ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق. ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 1 / 222 ).

  1. والثاني: أنه يمكن أن يقال: إن عرض مقعد الجنة على المؤمن المخلِّط، أو المسلم الفاسق هو لإخباره بأن هذا مقعدك في قبرك لولا أنك أذنبت، واستحققت العذاب، ويُعرض عليه مقعده من النار ويقال له: هذا بسبب ذنوبك.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

فعلى هذا: يحتمل في المذنب الذي قُدِّر عليه أن يعذب قبل أن يدخل الجنة أن يقال له – مثلًا – بعد عرض مقعده من الجنة: هذا مقعدك من أول وهلة لو لم تذنب، وهذا مقعدك من أول وهلة لعصيانك، نسأل الله العفو والعافية من كل بلية، في الحياة، وبعد الموت، إنه ذو الفضل العظيم. ” فتح الباري ” ( 11 / 366 ).

وكلا الاحتمالين وارد في الحديث، فقد قال بعض العلماء: أن المقعد في القبر هو المصير في الآخرة، وقال آخرون: إنه القبر.

 

 

* قال الشيخ أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري:

( هذا ) أي: المقعد المعروض عليك.

( مقعدك حتى يبعثك الله إليه ) الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أي: المقعد المعروض مقعدك بعد، ولا تدخله الآن، ولا تصل إليه حتى يبعثك الله إليه.

وقيل: حتى غاية للعرض، أي: يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى القبر، والضمير في ( إليه ) يرجع إلى المقعد المعروض، والمعنى: القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد المعروض.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي: لقاء الله، أو: إلى يوم الحشر، أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر، فترى عند ذلك هواناً، أو كرامةً، تنسى عنده هذا المقعد.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 1 / 223 ).

 

والله أعلم.

 

1. سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أنّ مصيرهم في الجنة أو النار؟! 2. تفصيل القول في معنى قوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى ) وهل يدخل إبليس

  1. سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أنّ مصيرهم في الجنة أو النار؟!
  2. تفصيل القول في معنى قوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى ) وهل يدخل إبليس فيه؟

السؤال:

لدي سؤال أتمنى منكم الإجابة عليه، وجزاكم الله خيرًا، إذا كان الله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم ماذا سيفعل الناس، ويعلم من سيذهب إلى النار، أو إلى الجنة – حيث أن علم الله سبق كل شيء – فلماذا خلَقَنَا إذن؟ ولماذا أنزل الله إبليس إلى الأرض مع آدم و حواء مع العلم أن التوبة لن تنفعه وأنه حكم عليه بجهنم؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن معرفة الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق فيها الجواب عن كثير من الإشكالات والشبهات التي يرددها كثير من الملحدين، وقد يتأثر بها بعض المسلمين، ومن تلك الشبهات الظن بأن الله تعالى خلق الناس من أجل أن يضع بعضهم في الجنة، وآخرين في النار! وهذا ظن خاطئ، وما من أجل ذلك خلق الله الخلق، وأوجدهم.

وليعلم الأخ السائل – ومن رام معرفة الحق – أن الغاية من خلق الإنسان، وخلق السموات، والأرض: ليُعرف سبحانه وتعالى، ويوحَّد، ويطاع.

قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون ) [ الذاريات / الآية 56 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إنما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( إلا ليعبدون ) أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا، أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 239 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض ليُعرفَ، ويُعبدَ ويوحَّد ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )[ الذاريات / الآية 56 ]، وقال تعالى: ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) [ الحجر/ من الآية 85 ]، وقال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا ) [ التحريم / 12 ]، وقال تعالى: ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم ) [المائدة/الآية 97 ]، فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق، والأمر: أن يُعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض كما قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد / 25 ]، فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه: ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل، وقوامه، وأن الشرك ظلم، كما قال تعالى: ( إن الشرك لظلم عظيم )، فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. ” الجواب الكافي ” ( ص 88 ، 89 ).

وثمة خلط عند كثيرين بين الغاية المرادة من العباد، والغاية المرادة بالعباد، فالأولى هي معرفة الله وتوحيده – كما سبق ذِكره -، والثانية: هي إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الحق الذي هو غاية خلقها – أي: السموات والأرض وما بينهما -: فهو غاية تُراد من العباد، وغاية تراد بهم، فالتي تُراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى، وصفات كماله عز وجل، وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، فيكون هو وحده إلههم، ومعبودهم، ومطاعهم، ومحبوبهم، قال تعالى: ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا).

فأخبر أنه خلق العالم ليَعرف عبادُه كمالَ قدرته، وإحاطة علمه، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده.

وقال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )، فهذه الغاية هي المرادة من العباد، وهي أن يعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده.

وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل، والفضل، والثواب، والعقاب، قال تعالى: ( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) [ النجم / الآية 31 ]، قال تعالى ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) [ طه / الآية 15 ]، وقال تعالى: ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) [ النحل / الآية 39 ]، قال تعالى: ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعًا وعد الله حقًّا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) [ يونس / الآية 3 – 4 ]. ” بدائع الفوائد ” ( 4 / 971 ).

وبه يُعلم أنه ليست الغاية من خلق الخلق هو إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي، بل هذه هي الغاية المرادة بهم، ولو أن الله تعالى خلق الخلق وجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير: ما تحققت الغاية التي أرادها الله من عباده.

ثانيًا:

إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة والنار بعلمه تعالى باستحقاق كل فريق منهم، بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها في دنياهم، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره: لكان لهم الحجة على الله بأنه لم يختبرهم، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها بأن خلقهم في الدنيا، وركَّب لهم عقولاً، وأنزل كتبه، وأرسل رسله، وكل ذلك لئلّا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة.

قال تعالى: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [ النساء / الآية 165 ].

فإذا كان خلقهم مع عدم إرسال الرسل يكون لهم حجة عند الله: فكيف أن لا يوجد خلّاق لهم؟.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحدٍ بإرسال الرسل، مبشِّرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين مَن عصاهم النار.

وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعَها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين: بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى )، وأشار لها في سورة القصص بقوله: ( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )، وقوله جلَّ وعلا: ( ذلِكَ أَن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ )، وقوله: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)، وكقوله: ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ )، إلى غير ذلك من الآيات.

ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار، والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام: تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ ).

ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ ) يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في ” البحر المحيط ” في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و( كُلَّمَا ) تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين.

ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )، وقوله في هذه الآية: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) عام لجميع الكفار.

فقوله تعالى: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) إلى قوله: ( قالُوا بَلَى ): عام في جميع الكفار، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، فعصوا أمر ربهم، كما هو واضح. ” أضواء البيان ” ( 3 / 66 ، 67 ).

وفي اعتقادنا أن معرفة الغاية التي خلَق الله الخلق من أجلها، ومعرفة أن الله تعالى لا يعذِّب أحدًا وفق ما يعلم منه سبحانه، بل جزاء أعماله في الدنيا، وأن في هذا قطعاً لحجته عند الله: يكون بذلك الجواب عن الإشكال الوارد في السؤال.

ثالثًا:

وأما سؤال الأخ الثاني فلم يتبين لنا المراد منه، والذي ينبغي أن يعلمه أن الله تعالى لم يأمر إبليس بالهبوط إلى الأرض من أجل أن يتوب، بل هو عقوبة له على تركه أمر رب العالمين بالسجود لآدم، وذلك المنزل العالي لا يستحقه ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى: ( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ الأعراف / الآية 13 ].

ولعلَّ الأخ السائل أراد قوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 38 ]، وقوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) [ طه / الآية 123 ].

فهاتان الآيتان الظاهر منهما الأمر بالهبوط لآدم وإبليس، وفيهما الترغيب باتباع هدى الله، والتحذير من مخالفة أمره، فإن كان هذا مراد الأخ السائل: فالجواب عليه من وجوه ثلاثة ليس فيها إشكال: 

  1. أن المخاطب بهاتين الآيتين: آدم، وحواء، وذريتهما، وليس معهم إبليس لعنه الله.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ).

الظاهر أن ألف الاثنين في قوله: ( اهْبِطَا ): راجعة إلى آدَم، وحَوَّاء, المذكوريْن في قوله: ( فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا )، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس، وآدم، وأمْرُه إياهما بالهبوط مِن الجنة المذكور في آية ” طه ” هذه: جاء مُبيَّنًا في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ” البقرة “: ( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )، وقوله فيها أيضًا: ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )، وقوله في ” الأعراف “: ( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ).

وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يُقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) في ” البقرة ” و” الأعراف “، وبصيغة التثنية في ” طه ” في قوله: ( اهْبِطَا ) مع أنه أَتْبع صيغة التثنية في ” طه ” بصيغة الجمع في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى )؟.

وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحَوَّاء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما، خلافًا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم، وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) مراد به: آدم، وحواء، وإبليس، والحَيَّة، والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك: هو أنها لا تدخل في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) لأنها غير مكلفة. ” أضواء البيان ” ( 4 / 120 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم عليه السلام.

* قال البغوي – رحمه الله -: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم ( مِنِّي هُدًى ) أي: رشد، وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول. ” تفسير البغوي ” ( 1 / 86 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم، وذرية إبليس، دونهما.

ولا شك أن من ذرية آدم من تنكب الطريق، وكفر بالله رب العالمين، ولا شك أن من ذرية إبليس من كان من الموحدين، كما في قوله تعالى – على لسان الجن -: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) [ الجن / 14 – 15 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير آية ” البقرة ” -: يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد: الذرية: أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهُدَى: الأنبياء، والرسل، والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: الهدى: القرآن.  وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 240 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله – أيضًا – في تفسير آية ” طه ” -:

يقول تعالى لآدم، وحواء، وإبليس: ( اهبطوا منها جميعًا ) ، أي: من الجنَّة، كلكم. ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.

وقوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قال أبو العالية: الأنبياء، والرسل، والبيان.

( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 322 ).

فالإهباط عند ابن كثير للجميع – خلافاً لما رجحه الشنقيطي -، والخطاب في قوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) لذرية آدم، وإبليس، كما فهمنا ذلك من كلامه – رحمه الله -، ولو لم يكن ما فهمناه عنه صحيحاً: فهو قول صحيح موافق لواقع الحال.

ويبقى الإشكال في القول بدخول ” إبليس ” في الآية، والجواب عنه يسير إن شاء الله، وهو: أن الله تعالى وإن كان علم من إبليس أنه لا يتوب من ذنبه: فإنه لا يمنع من ترغيبه بالتوبة، فتكون هذه الآية له ولآدم وحواء خاصة، ولغيرهم من الخلق عامَّة، وفي بيان أنه قد وقعت معصية من أطراف ثلاثة، فعوقبوا، ثم رُغبوا بالتوبة، فتاب طرفان، وتنكبها الثالث، وليس في ذلك ما يُشكل، وهو نظير كثير من الآيات التي يأمر الله تعالى فيها بالتوبة، والدخول في الإسلام، وفي هؤلاء طوائف علم الله تعالى أنهم لا يستجيبون، وأنهم يموتون على الكفر، وما قلناه في الآية في وجهها الرابع هو قول الإمام الطبري – رحمه الله -، حيث قال في تفسير آية البقرة: وقول أبي العالية في ذلك – وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية -: فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبهُ بظاهر التلاوة: أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي، وهو آدمُ، وزوجته، وإبليس – كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها -: إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم: فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية، وخلافٌ لأمري وطاعتي، يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ( إنه هو التّواب الرحيم ).

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: ( اهبطوا منها جميعًا )، والذين خوطبوا به هم من سمّينا، في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم، وذلك وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط حينئذٍ من السماء إلى الأرض: فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [ البقرة / الآية 6 ]، وفي قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) [ البقرة / الآية 8 ]، وأنّ حكمه فيهم – إن تابوا إليه، وأنابوا، واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم -: أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة: كانوا من أهل النار، المخلَّدين فيها. ” تفسير الطبري ” ( 1 / 550 ، 551 ) .

 

والله أعلم.

زوجها متدين ويسبل بنطاله ويصر على صواب فعله وهي تخالفه

زوجها متدين ويسبل بنطاله ويصر على صواب فعله وهي تخالفه

السؤال:

أولا: أود أن أسجل إعجابي بموقعكم الرائع المليء بالفوائد.

ثانيا: أتمنى أن تجيبوني عن سؤالي التالي بارك الله بكم: أنا امرأة تزوجت حديثا من رجل ملتزم ولله الحمد، ولكن دائما زوجي يأخذ بالحكم الأسهل في الدِّين، أو يأخذ بالأمر الذي عليه خلاف بين العلماء, وهو يتلقى دروسه على يد شيخ، فمثلًا عندما كنت أتحدث معه عن الإسبال في البنطال أنه حرام, فأجابني قائلا بأن الإسبال غير الجائز هو في ثلاثة: العمامة، والإزار، والقميص؛ لما روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الإسبال في ثلاث في العمامة والإزار والقميص “، فحصر الرسول صلى الله عليه وسلم الإسبال بالألف واللام للثلاثة المذكورين فقط، ولم يذكر السروال، مع أن السروال كان معروفاً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قالوا: إن اليهود يتسرولون ولا يأتزرون، فهل نأتزر ولا نتسرول, فقال: تسرولوا واتزروا وخالفوا اليهود، يقول جابر أيضا: ” كنا نعفو عن الإسبال في اللحية إلا في حج وعمرة ” لكن اللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، أي: أن البنطال واللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، ولذلك هو يسبل في البنطال، هذا من بعض الخلافات الفقهية بيننا.

ومن أقوال الشيخ الذي يتعلم عنده: أن كل عالم يأخذ بالأحكام التي تتناسب مع بلده، فمثلاً علماء السعودية يتخذون الأحكام الأصعب للتناسب مع طبيعة بلدهم، فيجعلون من الواجب غطاء المرأة وجهها، ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك، وكذلك بلاد الشام يأخذون باستحباب تغطية المرأة وجهها وأنه ليس واجبا ليتماشى مع أهل بلدهم، وهكذا.

والسؤال عن الموضوع الأول هو هل الإسبال في البنطال جائز؟، وماذا يعني الإسناد الصحيح كما هو مذكور في الحديث؟، وهل أنا عليَّ أن أتكلم معه كثيرا، أم أسكت عن ذلك وعن غيره مما يوجد فيه خلاف فقهي؟، مع أن قلبي يتفطر عندما أراه مسبلاً في بنطاله، وهل قول الشيخ صحيح؟ أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، واعتذر عن الإطالة في رسالتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الموقع، وأن يكتب الأجر لكل من قام على إنشائه، واستمراره.

 

ثانيا:

الواجب على المسلم تحري الحق والصواب في مسائل الشرع، ولا ينبغي لمسلم يتقي الله تعالى أن يكون شعاره في الالتزام بالأحكام الشرعية البحث عن الأسهل، فضلا عن تمييع دينه، واتباع الفتاوى ممن لا يثق بدينه وعلمه، ومن أراد التعبد فلا ينبغي له التعبد بغير ما شرعه الله، وما شرعه الله مما وقع فيه اختلاف ليس يعني أنه يختار من الأقوال ما يشاء، بل غاية المتعبد أن يكون مقلِّدا، أو عنده حظ من العلم والنظر، فإن كان مقلِّدا فيقلِّد في مسائل الشرع من يثق بدينه وعلمه، ولو أفتاه بما هو شاق عليه، وإن كان من أهل العلم والنظر: فيبحث في مسائل الشرع بتجرد، ويرجح من الأقوال ما تقويه الأدلة الشرعية، وتؤيده، ولو كان شاقًّا على النفس.

وليُعلم أن الله تعالى ما أراد لنا في تشريعاته العسر، بل أراد اليسر، فقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة / من الآية 185 ]، ومن أجل ذلك كان تشريعاته كلها في مقدور النفس أن تأتي بها، وقد قال تعالى في ذلك: ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 233 ]، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 286 ] ، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) [ الطلاق / من الآية 7 ].

ثالثا:

وأما بخصوص الإسبال في البنطال: فليُعلم أولا أن البنطال في حد ذاته قد يكون لبسه غير شرعي، من جهة كونه ضيِّقا يفصِّل العورة، أو من جهة كونه مسبلا، وبما أن الكلام على الأمر الثاني: فنقول: إن الإسبال ليس في الإزار والقميص والعمامة، كما فهم بعضهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو عام في كل ما يُلبس من ثياب، ونحن نذكر الحديث، وكلام أهل العلم ليقف المسلم على الصواب في المسألة:

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه أبو داود ( 4094 ) والنسائي ( 5334 ) وابن ماجه ( 3576 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وهذا الحديث ليس فيه حصر هذه الأنواع من الملبوسات في الإسبال، فليس الأسلوب أسلوب حصر، ولا قصر، وقد جاءت نصوص عامَّة بلفظ ” الثوب “، وهو لفظ يشمل كل ما يلبسه المسلم على بدنه:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ “. رواه البخاري ( 3465 ) ومسلم ( 2085 ).

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ ” الإزار “: لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار، والأردية، فلما لبِس الناس القميص، والدراريع: كان حكمها حكم الإزار في النهي.

قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب؛ فإنه يشمل جميع ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 262 ).

– وقد جاء النص في الثوب، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين، السابق ذِكره.

قال بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” من جر ثوبه ” يدخل فيه الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، وغير ذلك مما يسمى ثوباً، بل ورد في الحديث دخول العمامة في ذلك، كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي قال: ” الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 21 / 295 ).

وقال ولي الدين العراقي الشافعي – رحمه الله -:

يدخل في قوله: ” ثوبه “: الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، ونحو ذلك مما يسمَّى ثوبا، وفي صحيح البخاري عن شعبة قلت لمحارب: أذكرَ ” إزاره “؟ قال: ما خصَّ إزارا، ولا قميصا. ” طرح التثريب ” ( 9 / 29 ).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

عن طول السراويل إذا تعدَّى عن الكعب، هل يجوز؟

فأجاب :

طول القميص، والسراويل، وسائر اللباس، إذا تعدى: ليس له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين، كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ” الإسبال في السراويل والإزار والقميص ” يعني: نهى عن الإسبال .

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 144 ).

فهؤلاء أئمة الإسلام من جميع المذاهب يرون أن ما ورد في الحديث ليس للحصر، وأن لفظ ” الثوب ” الممنوع من إسباله يدخل فيه كل ما يُلبس، ومنه: السراويل، وهو البنطال بلغة عصرنا.

رابعا:

وأما الحديث الوارد في السؤال حول اليهود وتسرولهم: فليس كما جاء في السؤال، ونصه:

عن أبي أُمَامَةَ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”  قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “. رواه الإمام أحمد في مسنده ( 36 / 613 ) وصححه محققو المسند.

وقول جابر لم نعرفه، وقد أُمرنا بإعفاء اللحى، كما أُمرنا بتقصير الثياب، وليس لطول اللحية حدٌّ إلا إذا فحش طولها عن المعتاد، ولا يطلق على إطالتها ” إسبال “، و” السبال ” الوارد في الحديث هو ” الشارب “، و” العثانين ” هي اللحى.

خامسا:

ولا يجوز لزوجكِ، ولا لغيره أن يعتقد السوء بعلماء المسلمين، وأنهم تحكمهم أهواؤهم، أو بيئاتهم في الفتاوى الشرعية، بل على من قال هذا أن يتوب منه توبة صادقة؛ لأنه طعنٌ في دين أولئك الفقهاء الأخيار، وثمة جملة وردت في السؤال غاية في السوء، نرجو أن لا يكون قد قالها زوجك، وأنك نقلتيها بأسلوبك، وهي قوله عن مشايخ المملكة العربية السعودية: ” ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك “! فهذا اتهام بالباطل، وقول عظيم، وقد جعلهم بذلك من الكذابين على شرع الله تعالى!.

والذي نعتقده هو أن مشايخ الشام، ومشايخ الجزيرة العربية عموما، ومشايخ الهند، وأفريقيا، من أهل السنة والجماعة: أنهم كلهم ينشدون الحق، وأنهم يبلغون عن الله تعالى ما يعلمون أنه الصواب، والراجح من الأدلة، وفقهها، وأنه لا دخل لبيئاتهم في ترجيحاتهم، فالواجب تحري العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، من زوجك، وغيره من المسلمين.

 

والله أعلم.

بيان حال المدعو محمد علوي مالكي، وشيء من اعتقاداته

بيان حال المدعو محمد علوي مالكي، وشيء من اعتقاداته

السؤال:

أردت قبل فترة التزود من العلم الشرعي، فأشار عليَّ بعضهم بمؤلفات شيخ الحرم المكي ” محمد علوي المالكي “، والشيخ ” عبد الله فدعق “، في حين أن هناك من حذرني منه، وأنه صوفي، فهل هذا صحيح؟ ومن يكون هو؟.

وأرجو أن تدلني على مؤلفات صحيحة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا ننصح أحداً من المسلمين أن يقرأ أو يسمع للمدعو ” محمد علوي مالكي “؛ لأنه من رؤوس الضلال في زماننا هذا، وكتبه تنضح بالوثنية – وسيأتي ذِكر بعضها -، وقد صدرت من علمائنا ردود وبيانات وفتاوى في حقه تدعوه للتوبة والتخلي عما يدعو إليه من تصوف غالٍ، ووثنية، وقد أبى ذلك، واستمر على ما هو عليه حتى توفاه الله في عام ( 1425 هـ ).

وهذه طائفة من أقوال بعض أهل السنَّة فيه:

  1. * قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فقد اطلعت على أمور منكرة في كتب أصدرها ” محمد علوي مالكي “، وفي مقدمتها كتابه الذميم الذي سماه ” الذخائر المحمدية “, من تلك الأمور نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفات هي من خصائص الله سبحانه وتعالى، كقوله: بأن لرسول الله مقاليد السموات والأرض، وأن له أن يقطع أرض الجنة، ويعلم الغيب، والروح، والأمور الخمسة التي اختص الله تعالى بعلمها، وأن الخلق خُلقوا لأجله، وأن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر، وأنه لا شيء إلا وهو به منوط – يعني بذلك: النبي صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك إقراره قصائد نقلها في الذخائر مشتملة على الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاستجارة به، وأن إليه الفزع عند الكروب، وأنه إذا لم يستجب فإلى أين يفزع المكروب، وأشياء أخرى ….

وقد ساءني كثيرًا وقوع هذه المنكرات الشنيعة, والتي بعضها كفر بواح من ” محمد علوي المذكور … .

وبيَّن – أي: الشيخ ابن منيع – للناس ما عليه المذكور – أي  المالكي – من سوء عقيدة، وخبث اتجاه، وبُعد عن الحق والصواب.

من مقدمة لكتاب ” حوار مع المالكي ” تأليف الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ” (ص 5 ، 6 ).

 

  1. وقال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله – في شريط ” حاطب ليل “:

محمد بن علوي مالكي، حاطب ليل، صوفي زائغ، لا ينبغي أن يُعتمد عليه، ولا ينبغي أن يُحضر درسه، أيوب بن أبي تميمة نهى إخوانه أن يحضروا حلقة عمرو بن عبيد، فذلكم الزائغ الضال لا ينبغي أن تُحضر حلقته، ولا أن يُكثر سواده.

  1. وقال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله -:

نصب نفسه – أي: محمد علوي المالكي- داعيا إلى البدعة والضلالة.

” وجاءوا يركضون مهلاً يا دعاة الضلالة ” ( ص 38 ).

  1. وهذا بيان هيئة كبار العلماء بالمدعو ” محمد علوي المالكي “، ونص قرارها رقم: ( 86 ) ، في 11 | 11 | 1401 هـ، في الدورة السادسة عشرة، المنعقدة بالطائف، في شوال عام 1400 هـ:

نظر مجلس هيئة كبار العلماء فيما عرضه سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مما بلغه من أن لمحمد علوي مالكي نشاطاً كبيراً متزايداً في نشر البدع، والخرافات، والدعوة إلى الضلال، والوثنية، وأنه يؤلِّف الكتب، ويتصل بالناس، ويقوم بالأسفار من أجل تلك الأمور، واطلع على كتابه ” الذخائر المحمدية “، وكتابه ” الصلوات المأثورة “، وكتابه ” أدعية وصلوات “.

وقد تبين للمجلس صحة ما ذكر من كون ” محمد علوي ” داعية سوء، ويعمل على نشر الضلال، والبدع، وأن كتبه مملوءة بالخرافات، والدعوة إلى الشرك، والوثنية.

ورأى أن يعمل على إصلاح حاله، وتوبته من أقواله، وأن يُبذل له النصح، ويُبين له الحق، واستحسن أن يحضر المذكور لدى سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومعالي الشيخ سليمان بن عبيد ، الرئيس العام لشئون الحرمين الشريفين، لمواجهته بما صدر منه من العبارات الإلحادية، والصوفية.

وقد حصل هذا الاجتماع المذكور في المجلس الأعلى للقضاء يوم الخميس الموافق 17 |10 | 1400 هـ.

وأعد محضر بذلك الاجتماع, تضمن إجابته بشأن تلك الكتب، وما سأله عنه المشايخ مما جاء فيها، وجاء في المحضر الذي وقع فيه أن كتاب ” الذخائر المحمدية ” وكتاب ” الصلوات المأثورة ” له ،أما كتاب ” أدعية وصلوات “: فليس له.

وقد ذكر للمشايخ أنه له وجهة نظر في بعض المسائل، أما الأمور الشركية فيقول إنه نقلها عن غيره، وأنها خطأ فاته التنبيه عليه.

ولما استمع المجلس إلى المحضر المذكور، وتأكد من كون الكتابين له، وعلم اعترافه بأنه جمع فيها تلك الأمور المنكرة: ناقش أمره، وما يتخذ بشأنه، ورأى أنه ينبغي جمع الأمور الشركية والبدعية التي في كتابه ” الذخائر المحمدية ” مما قال فيها أنه خطأ فاته التنبيه عليه، وتطبق على المحضر، ويكتب رجوعه عنها، ويطلب منه التوقيع عليه، ثم ينشر في الصحف، ويذاع بصوته في الإذاعة، والتلفزيون، فإن استجاب لذلك وإلا رفع لولاة الأمور لمنعه من جميع نشاطاته في المسجد الحرام، ومن الإذاعة، والتلفزيون، وفي الصحافة، كما يمنع من السفر إلى الخارج، حتى لا ينشر باطله في العالم الإسلامي، ويكون سبباً في فتنة الفئام من المسلمين.

وقد قامت ” اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” بقراءة كتابيه المذكورين اللذين اعترف أنها له ومن إعداده وتأليفه، وجمع الأمور الشركية والبدعية التي فيها، وإعداد ما ينبغي أن يوجه له، ويطلب منه أن يذيعه بصوته، وبعث له عن طريق معالي الرئيس العام لشئون الحرمين الشريفين بكتاب سماحة الرئيس العام رقم (2788 )، وتاريخ 12 | 11 | 1400 هـ، فامتنع عن تنفيذ ما رآه المجلس، وكتب رسالة ضمنها رأيه، ووردت إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مشفوعةً بكتاب معالي الرئيس العام لشئون الحرمين الشريفين، رقم: ( 2053 | 19 ) وتاريخ 26 | 12 | 1400 هـ.

وجاء في كتاب معاليه أنه اجتمع بالمذكور مرتين، وعرض عليه خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز، وما كتبه المشائخ، ولكنه أبدى تمنعًا عما اقترحوه، وأنه حاول إقناعه، ولم يقبل، وكتب إجابة عما طلب منه مضمونها التصريح بعدم الموافقة على إعلان توبته.

وفي الدورة السابعة عشرة المنعقدة في شهر رجب عام 1401 هـ في مدينة الرياض، نظر المجلس في الموضوع، وناقش الموقف الذي اتخذه حيال ما طلب منه، ورأى أن يحاط ولاة الأمور بحاله، والخطوات التي اتخذت لدفع ضرره، وكف أذاه عن المسلمين، وأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بياناً يشتمل على جملة من الأمور الشركية والبدعية الموجودة في كتابه الذخائر المحمدية منها:

  1. نقل في ( ص 265 ) من الأبيات التي جاء فيها:

ولما رأيت الدهر قد حارب الورى * جعلت لنفسي نعل سيده حصنًا

تحصنت منه في بديع مثالها * بسورٍ منيعٍ نلت في ظله الأمنا

  1. نقل قصيدة للبكري في الصفحتين ( 158 ، 159 ) تتضمن أنواعًا من الشرك الأكبر، وفيها إعراض عن الله عز وجل قال فيها:

ما أرسل الرحمن أو يرسل * من رحمة تصعد أو تنزلُ

في ملكوت الله أو ملكه * من كل ما يختص أو يشمل

إلا وطَه المصطفى عبده * نبيه مختاره المرسل

واسطة فيها وأصل لها * يعلم هذا كل من يعقل

فلذ به من كل ما تشتكي * فهو شفيع دائماً يقبل

ولذ به من كل ما ترتجي * فإنه المرجع والموئل

وناده إن أزمةٌ أنشبت * أظفارها واستحكم المعضل

يا أكرم الخلق على ربه * وخير من فيهم به يسأل

كم مسَّني الكرب وكم مرةً * فرجت كربًا بعضه يذهل

فبالذي خصك بين الورى * برتبةٍ عنها العلا تنزل

عجل بإذهاب الذي أشتكي * فإن توقفت فمن ذا أسأل

  1. ذكر في ( ص 25 ): أن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر.

وهذا خطأ واضح، فليلة القدر أفضل الليالي، بلا شك.

  1. ذكر في الصفحات ( الثالثة والأربعين ) و ( الرابعة والأربعين ) (الخامسة والأربعين) قصيدةً لابن حجر الهيتمي فيها إثبات حياة النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، وأنه يصلي الصلوات الخمس، ويتطهر، ويجوز أن يحج، ويصوم، ولا يستحيل ذلك عليه، وتُعرض عليه الأعمال.

ونقل عن الهيتمي استجارته بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأقره على ذلك.

والاستجارة بغير الله نوعٌ من الشرك الأكبر.

  1. أورد في ( ص 52 ) ما نصه: من استغرق في محبة الأنبياء والصالحين: حمله ذلك على الإذن في تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وتمريغ الخد عليها، ونسب أشياء من ذلك إلى بعض الصحابة، وأقر ذلك، ولم ينكره.

مع أن تلك الأمور من البدع، ووسائل الشرك الأكبر، ونسبتها إلى بعض الصحابة: باطلة.

  1. ذكر في ( ص 60 ): أن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم من كمال الحج، وأن زيارته عند الصوفية فرضٌ، وأن الهجرة إلى قبره عندهم كالهجرة إليه حيًّا، وأقر ذلك، ولم ينكره.
  2. ذكر عشر كرامات لزائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم، كلها رجم بالغيب، وقول على الله بلا علم.
  3. في ( ص 100 ): دعا إلى الاستجارة به صلى الله عليه وسلم، والاستشفاع به عند زيارته، فقال ما نصه: ” ويتأكد بتجديد التوبة في هذا الموقف الشريف، وسؤال الله تعالى أن يجعلها لديه نصوحًا، والاستشفاع به صلى الله عليه وسلم في قبولها، والإكثار من الاستغفار، والتضرع، بتلاوة الآية المذكورة، وأن يقول بعدها ” وقد ظلمت نفسي ظلما كثيرًا، وأتيت بجهلي، وغفلتي أمرًا كبيرًا، وقد وفدت عليك زائرًا، وبك مستجيرًا “.

ومعلوم أن الاستشفاع والاستجارة به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك الأكبر.

  1. ذكر في ( ص 10 ) شعرًا يقال مع الدعاء عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ومنه:

هذا نزيلك أضحى لا ملاذ له * إلا جنابك يا سؤلي ويا أملي

ومنه:

ضيف ضعيف غريب قد أناخ بكم * ويستجير بكم يا سادة العرب

يا مكرم الضيف يا عون الزمان ويا * غوث الفقير ومرمى القصد والطلب

ونقل عن بعضهم في ( ص 102 ) شعرا تحت عنوان ” فضائل نبوية قرآنية “:

أترضى مع الجاه المنيع ضياعنا * و نحن إلى أعتاب بابك ننسب

أفضها علينا نفحة نبوية * تلم شتات المسلمين وترأب

وهذه الأبيات الخمسة من الشرك الأكبر – والعياذ بالله -.

  1. نقل في ( ص 54 ): بيتًا من الهمزية هو:

ليته خصني برؤية وجه * زال عن كل من رآه العناء

وهذا كذبٌ وباطلٌ، وقد رآه في حياته عليه الصلاة والسلام أقوام كثيرون، فما زال عنهم عناؤهم، ولا كفرُهم.

  1. نقل في ( ص 157 ) غلوًّا في نعال الرسول صلى الله عليه وسلم في البيتين التاليين:

على رأس هذا الكون نعل محمد * سمت فجميع الخلق تحت ظلاله

لدى الطور موسي نودي اخلع * وأحمد إلى العرش لم يؤمر بخلع نعاله

  1. ذكر في ( ص 166 ) قصيدة شركية للشيخ عمر الباقي الخلوتي منها:

يا ملاذ الورى وخير عيان * ورجاء لكل دان قصي

لك وجهي وجهت يا أبيض * الوجه فوجه إليه وجه الولي

  1. نقل في كتابه ” الذخائر المحمدية ” ( ص 284 ) عن ابن القيم من كتابه ” جلاء الأفهام ” ما يوهم أن الطريق إلى الله، وإلى جنته محصور في اتباع أهل البيت – يعني: أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم -، وتصرف في كلام ابن القيم فلم ينقله على حقيقته، لأن ابن القيم في كتابه المذكور تكلم على إبراهيم الخليل، وآله من الأنبياء، وذكر أن الله سبحانه بعث جميع الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، وجعل الطريق إليه مسدودًا، إلا من طريقهم، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فترك الشيخ ” محمد علوي مالكي ” نقل أصل كلام ابن القيم رحمه الله، وتصرَّف فيه، فنقل ما يوهم القراء أن المراد أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أن هذا الرأي هو مذهب الرافضة الاثني عشرية، وأنهم يرون أن الأحاديث الواردة من غير طريق أهل البيت لا يحتج بها، ولا يعمل بها، ولو كان الراوي لها أبا بكر الصديق، أو عمر، أو عثمان، وتدليسٌ شنيعٌ أراد به تحقيق مقصد سيئ خطير.

ومثل ما تقدم ما ذكره في الصفحتين ( الرابعة ) و ( الخامسة ) من كتابه ” الصلوات المأثورة “، حيث يقول من جملة الدعاء الذي نقله:” وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة “، وقوله: ” ولا شيء إلا هو به منوط “، يعني بذلك: النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد رفع البيان إلى صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، مشفوعا بكتاب سماحة الرئيس العام رقم ( 1280 | 2 ) ، وتاريخ 28 | 7 | 1401 هـ.

وفي الدورة ” الثامنة عشرة ” للمجلس المنعقدة في شهر شوال عام 1401 هـ, أعيدت مناقشة موضوعه بناء على ما بلغ المجلس من أن شره في ازدياد، وأنه لا يزال ينشر بدعه وضلالاته في الداخل، والخارج، فرأى أن الفساد المترتب على نشاطه كبير، حيث يتعلق بأصل عقيدة التوحيد, التي بعث الله الرسل من أولهم إلى آخرهم لدعوة الناس إليها، وإقامة حياتهم على أساسها، وليست أعماله وآراؤه الباطلة في أمور فرعية اجتهادية يسوغ الاختلاف فيها، وأنه يسعى إلى عودة الوثنية في هذه البلاد، وعبادة القبور، والأنبياء، والتعلق على غير الله، ويطعن في دعوة التوحيد، ويعمل على نشر الشرك، والخرافات، والغلو في القبور، ويقرر هذه الأمور في كتبه، ويدعو إليها في مجالسه، ويسافر من أجل الدعوة لها في الخارج. انتهى.

” حوار مع المالكي ” للشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله ( ص 9 – 18 ) باختصار.

وبناء على ما سبق:

فلا يحل لمسلم أن يقرأ أو يستمع للمدعو محمد علوي مالكي، إلا أن يكون عالمًا يتتبع ضلالاته، ويحذر منه.

 

ثانيًا:

وننصحك – من أجل طلب العلم الشرعي – التسجيل في ” قناة المجد العلمية”، ومتابعة ما ينقل فيها من دروس صوتية، ومرئية، ففيها خير كثير، وكذا متابعة قناة ” الحكمة “، ففيه مواضيع علمية يحتاج لها طالب العلم المبتدئ، ويستفيد منها المتقدم.

كما يمكنك الاستماع لأشرطة العلماء من أهل السنَّة؛ ففيها خير عظيم.

 

– ونسأل الله تعالى أن يعلمك ما تجهل، وأن ينفعك بما تتعلم، وأن يزيدك هدى وتوفيقًا.

 

والله الموفق.

التعليق على كتابات محمد قطب والمودودي وحسن البنا

التعليق على كتابات محمد قطب والمودودي وحسن البنا

السؤال:

حتى الآن أحترم بشدة كتابات مولانا ” المودودي “, و ” محمد قطب “, والإمام ” حسن البنا “، لكن قرأت مؤخرًا بعض المقالات والفتاوى في بعض مواقع الويب, تركتني محتارًا، فما رأيكم في كتاباتهم؟ وإذا كانت لديهم أخطاء فادحة: فرجاء بيانها، مع ذكر المراجع؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– ثمة قواعد مهمة لا بدَّ من بيانها قبل الشروع في الجواب عن أعيان المسئول عنهم:

  1. أمر الله تعالى بالعدل، ونهى عن الظلم، ويشمل هذا الأمر وذاك النهي: الكلام عن الأشخاص والجماعات والكتابات.
  2. لا بدَّ من التفريق بين الناس، فليسو كلهم على درجة واحدة، فبعضهم من الأدباء، وبعضهم من الدعاة، وبعض آخر علماء، فلا ينبغي توجيه النقد للجميع على اعتبار أنهم علماء وقعوا في أخطاء، وإنما قلنا هذا لأن بعضهم لا ينقل عنه تصحيح حديث، ولا ترجيح في مسألة فقهية، فأي منزلة لمثل هذا في واقع العلم, حتى يحاسب على أنه ضلَّل الأمة، وافترى على الإسلام؟!.
  3. ومن العدل الذي أمر الله تعالى به أن ننظر فيما انتقد على هؤلاء – وغيرهم -، فقد يكون مجملًا فُسِّر في موضع آخر، وقد يكون في أول حياته وتراجع عنه في أواخرها.
  4. ومن العدل كذلك: عدم تحميل كلام هؤلاء – ولا غيرهم – ما لا يحتمل، فليس من العدل في شيء أن يأتي الناقد لجملة من كتاب لداعية، أو أديب، أو عالم، ثم ينسبه لفرقة من الفرق الضالة، بل بعضهم ينسبه لدين وثني! وهذه الجملة إن لم تكن مجملة فهي محتملة، فبأي ميزان يحاسب الكاتب على جملة هذا حالها, حتى ينسب لفرقة ضالة, أو دين وثني؟! وهذا الكاتب له عشرات الآلاف من الصفحات, فأين فيها دعوته لعقائد الفرقة الضالة؟ وأين فيها ذكره – فضلًا عن تعظيمه – لذلك الدين الوثني؟!.

نعم، لو كانت الجملة واضحة بينة، وكانت الدعوة والمدح والتعظيم لأصول تلك الفرقة: لكان الكلام مقبولًا، أما والواقع هذا فإنه من الظلم البيِّن.

  1. وليس من العدل الجرح المجمل، بل لا بدَّ أن يكون مفسَّرًا، فكم قرأ العقلاء كلامًا لناقدين لا يعقلون من علم النقد شيئًا، وأما علم الجرح والتعديل فهم أبعد الناس عنه، فقد يقرأ العاقل أن فلانًا ” صوفي “، أو ” حزبي “, أو ” مبتدع “, أو ” ضال “, الخ, ولا يستطيع إثبات ذلك بكلمة مسموعة ولا مقروءة من ذلك المنتقَد، وهذا هو الظلم بعينه.
  2. ينبغي على المسلم تجنب اتباع الهوى في النقد، فقد يأتي عالم ويزكي كاتبًا أو داعية أو عالمًا، فيأتي الناقد ويرفض كلامه، متذرعاً بأنه ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد”، وأنه قد لا يكون ذلك العالم قد اطلع على ما يجرح ذلك المنتقَد، وفي موضع آخر يُقبل قول ذلك العالم نفسه، وتفعَّل قاعدة أخرى، وهي أن هؤلاء علماؤنا، وهم حرَّاس الملة, … الخ، وهذا هو الهوى بعينه.

نعم، لا نقبل التعديل المجمل مع وجود الجرح المفسَّر، واحتمال خطأ النقد وارد على العالم وغيره، لكن تحكيم الهوى في قبول النقد هو الذي نحذر منه.

  1. ويجب على من ادعى شيئًا على غيره أن يثبته ببينة شرعية، ولا يحل لأحدٍ التقول على الآخرين، ونسبة ما لم يقولوه لهم، فإن ثبت عليه القول الخطأ: فينظر هل هو شرك أكبر, فيضيع معه كل خير فعله، أو هو دون ذلك, فيرجى أن يغلب خيرُه شرَّه، أو هو من مسائل الاجتهاد القابلة للنظر، فتُعطى كل مسألة وزنها في الشرع، وكل ذلك ليس بمانع من بيان الخطأ، وصواب القول الآخر.

* سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

ما قولكم لمن يقول: إن الاستنتاجات الدالة على فساد فكر البعض ( البنا وقطب وسرور ) مجرد تحميل ووهم، وإن ما ذُكِرَ يضيع وسط خيرهم الكثير؟.

فأجاب:

الواجب على من نَسب إلى شخص خطأ في قول، أو اعتقاد: أن يُبَيِّن المصدر الذي فيه هذا الخطأ من كتب الشخص نفسه، فإذا بيَّنَ ذلك: فقد برئ من العهدة، وانتفت عنه التهمة.

وأما أن هذا الخطأ إذا صح صدوره من الشخص يضيع وسط خيره الكثير: فهذا فيه تفصيل: إن كان هذا الخطأ في الاعتقاد، بأن يكون شركًا أكبر: فهذا يضيع معه كل خير، ولا يبقى معه عمل صالح، وإن كان الخطأ دون ذلك من مسائل الاعتقاد، ولا يصل إلى حد الكفر والشرك: فهذا نرجو أن يغفره الله لصاحبه، وأن يرجح به حسناته، وإن كان الخطأ في مسائل الاجتهاد، والشخص من أهل الاجتهاد: فهذا خطأ مغفور، ولصاحبه الأجر على اجتهاده.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 369 ، 370 ، السؤال رقم: 215 ).

  1. ليس أحدٌ فوق النقد مهما علت منزلته، وطغت شهرته، بل نرى أن من كان منهم كذلك فهو أولى بالنقد؛ لأنه يسير خلفه أمم، ويقتدي به خلق، والنقد لا يعني الغلظة والقسوة، بل ينبغي أن ينزَّل كل أحدٍ منزلته، ولا يحل للأتباع أن يغضوا الطرف عن نقد من يحبون ويعظمون، وينبغي أن يكون الحق أحب إليهم من الخلق.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وهذا كله لا يمنع من نصيحة من أخطأ من أهل العلم، أو الدعاة إلى الله في شيء, من عمله، أو دعوته، أو سيرته, بل يجب أن يوجه إلى الخير، ويرشد إلى الحق، بأسلوب حسن, لا باللمز، وسوء الظن، والأسلوب العنيف؛ فإن ذلك ينفر من الحق أكثر مما يدعو إليه, ولهذا قال عز وجل لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى أكفر الخلق في زمانه: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )، وأخبر الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما جبله عليه من الرفق، والحكمة، واللين، واللطف في الدعوة فقال سبحانه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) الآية، وأمره سبحانه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة, فقال عز وجل: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، وهذا الأمر ليس خاصّاً به صلى الله عليه وسلم، بل هو موجه إليه، وإلى جميع علماء الأمة، وإلى كل داعٍ يدعو إلى حق؛ لأن أوامر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تخصه، بل تعم الأمَّة جميعاً, إلا ما قام الدليل على أنه خاص به, ولقول الله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الآية؛ ولقوله عز وجل: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 350 ).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص أخيه الأستاذ محمد قطب: فنذكر ملخصًا من سيرته، ثم أبرز ما انتقده عليه أهل العلم.

أ. في ” الموسوعة العربية العالمية “:

محمد قطب إبراهيم ( 1338هـ – 1919م  ) عالم، ومفكر إسلامي، صاحب رؤية إسلامية بصيرة، وفقه ديني أصيل، وهو شقيق الكاتب الإسلامي الشهير ” سيد قطب “، وُلد بمصر، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانويّ بالقاهرة، التحق بجامعة ” القاهرة “، وحصل منها على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية عام(1940م)، حصل على دبلوم المعهد العالي في التربية وعلم النفس عام ( 1941م )، عمل بالتدريس لمدة أربع سنوات، وبإدارة الترجمة بوزارة المعارف لمدة خمس سنوات، ثم بالتدريس مرة أخرى لمدّة عامين، ثم مشرفًا على مشروع الألف كتاب بوزارة التعليم العالي، ثم أستاذًا بكلية الشريعة بمكة المكرمة.

ألَّف مجموعة من الكتب في مجالات التربية، وعلم النفس، والاجتماع، والأدب، والفكر الإسلامي، صدر منها حتى الآن ستة عشر كتاباً، منها: كتاب ” منهج التربية الإسلامية ” ( جزآن )؛ الأول والثاني، وألّف كتاب ” التوحيد ” المقرّر للمرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية؛ وكتاب ” جاهلية القرن العشرين “؛ وكتاب ” مذاهب فكرية معاصرة “؛ وكتاب ” رؤية إسلامية لأحوال الواقع المعاصر”؛ وكتاب ” مفاهيم ينبغي أن تصحح “؛ وكتاب ” التطور والثبات في حياة البشرية “؛ وكتاب ” معركة التقاليد “؛ وكتاب ” الإنسان بين المادية والإسلام “؛ وكتاب ” منهج الفن الإسلامي “؛ وكتاب ” دراسات قرآنية “؛ وكتاب ” قبسات من الرسول “.

ألقى عددًا من المحاضرات الثقافية، في الجامعات، والمعاهد العليا المصرية، بجانب إلقائه محاضرات ثقافية في موضوعات إسلامية مختلفة، في الجامعات العربية، والأندية الأدبية والثقافية السعودية.

حاز جائزة الملك ” فيصل العالمية للدراسات الإسلامية في عام ( 1408هـ – 1988م ). انتهى.

ب. ومن أبرز ما انتقده عليه أهل العلم:

  1. قوله في كتابه ” الصحوة الإسلامية ” ( ص 148 ): ” إن هذه المجتمعات التي نعيش فيها اليوم مجتمعات جاهلية – كما أسلفنا القول من قبل – ؛ لأنها لا تحكَّم، ولا تَحكُم بشريعة اللَّـه، إنما تحكَّم وتُحكم بمناهج جاهلية، وشرائع جاهلية, …”.

انتهى.

  1. قوله في كتابه ” واقعنا المعاصر ” ( ص 486 ): ” أما الذين يسألون إلى متى نظل نربِّي دون أن نعمل!: فلا نستطيع أن نعطيهم موعداً محدَّداً فنقول لهم: عشر سنوات من الآن، أو عشرين سنة من الآن! فهذا رجم بالغيب، لا يعتمد على دليل واضح، وإنما نستطيع أن نقول لهم: نظل نربِّي حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول… “.
  2. استعماله في كتاب ” التوحيد ” في حق الله تعالى عبارات ” السلطة المغتصبة “.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

أنا مدرس في مدرسة ثانوية ” ليلى “، ومما قرأته في ” كتاب التوحيد ” عبارة ترددت فيها واستنكرتها، فأرجو إفادتي عن مدى صحتها، ومناسبتها لمقام رب العالمين: فقد ورد في ” كتاب التوحيد ” الذي ألفه ” محمد قطب ” في الصف الثاني الثانوي ( صفحة 23 ، في السطر 17 ) العبارة: ” فإذا جاء الرسول من عند الله يقول: يا قوم، اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وهو ما قاله كل رسول لقومه، فهو في الحقيقة ينادي برد السلطان المغتصب إلى الله صاحب الحق وحده في التشريع للناس، وفي تقرير الحلال والحرام، والمباح وغير المباح “، وفي كتاب الصف الثالث لنفس المؤلف ( صفحة 82 ، في آخرها ثلاثة أسطر ) ذكر أن معنى لا إله إلا الله: ” رد السلطة المغتصبة التي يستعبد بها الناس إلى صاحبها الحقيقي إلى الله سبحانه وتعالى رب الجميع “، وقد أمسكت عنها، فلم أصفها بجواز، أو عدمه، فأرجو إفادتي.

 

فأجابوا:

لا نعلم بأسًا فيما ذكرته من حيث المعنى، ولكن الأسلوب فيه سوء أدب مع الله؛ لأنه سبحانه لا يستطيع أحد أن يقهره على أخذ حقه، بل هو القاهر فوق عباده، ولكن المشرك، والحاكم بغير ما أنزل الله قد اعتديا على حق الله، وحكمه، وخالفا شرعه .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 158 ، 159 ).

  1. اقتصاره على تفسير التوحيد بالحاكمية.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

قرأت جواباً في مجلة ” البحوث الإسلامية ” ( العدد 33 ، من الفتوى رقم: 9234 ) – وهي ذاتها الفتوى السابقة -، فأشكل عليَّ الجواب، حيث فهمت أن العبارة التي استعملها مؤلف الكتاب الذي تم الاستفتاء عنه غير لائقة مع الله، وأنها فيها سوء أدب معه سبحانه، ولكن المعنى المراد سليم، ولا بأس به، وهي الإشكال، حيث ظهر لي أنه فسر التوحيد بالحاكمية فقط، وهذا تفسير ناقص؛ لأنه ليس مراد الأنبياء والرسل من أممهم أولاً، فالرجاء توضيح هذه الفتوى، وبيان الحق فيها .

فأجابوا:

ما ذكرتَه من تفسير ” محمد قطب ” في الكتاب المذكور لكلمة لا إله إلا الله بالحاكمية تفسير غير صحيح، والتفسير الصحيح لهذه الكلمة العظيمة أن يقال: لا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ، وهذا الذي فسرها به أهل العلم قديماً، وحديثاً، وأما الحاكمية: فهي جزء من معناها، زادك الله علماً، وبصيرة .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية (2/39،40).

  1. الاهتمام بتوحيد الربوبية، وترك الاهتمام بتوحيد الألوهية.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وأما ثناؤه – وهو كاتب رمز لنفسه بـ ” ع . ع ” – على ما قام به الأستاذ محمد قطب في كتابه لمنهج التوحيد للمرحلة الثانوية وقوله: ” إنه قرَّب قضايا العقيدة بأسلوب بسيط … ” إلخ ما أثنى به عليه .

فنقول: مع احترامنا للأستاذ محمد قطب؛ إلا أن ما قام به عمل ناقص جدًّا، وهذا ما كنَّا نتخوفه من قطع صلتنا بكتب السلف واستبدالها بمؤلفات جديدة .

إن ما قام به الأستاذ محمد قطب – حفظه الله – في هذا العمل يقتصر غالبًا على إثبات توحيد الربوبية، وهي تحصيل حاصل؛ لأن توحيد الربوبية قد أقر به جمهور الأمم الكافرة؛ كما ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك في كتابه الكريم، وهو لا يكفي، وليس هو العقيدة التي جاءت به الرسل، ودعت إليها .

فالرسل كلها تعدوا إلى توحيد الألوهية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه .

وما ورد من الآيات في ذكر توحيد الربوبية إنما هو للاحتجاج به على المشركين، والاستدلال به على توحيد الألوهية، وإلزام المشركين حيث أقروا بتوحيد الربوبية أن يقروا بتوحيد الألوهية، فتوحيد الربوبية ليس هو العقيدة المطلوبة، وإلا كان أبو جهل، وأبو لهب موحدين؛ لأنهم أقروا به وأثبتوه.

وهذا يجب أن يفهم، وأن تكون العناية بتوحيد الألوهية، وبيانه للطلبة؛ لأنه هو حقيقة الإسلام، وهو معنى ” لا إله إلا الله ” ومقتضاها، الذي هو عقيدة المسلمين .

” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” ( ص 17 ، 18 ).

ومن تأمل نقد أولئك العلماء يجد الآتي:

  1. أن الأستاذ ” محمد قطب ” لا يعتقد عقيدة منحرفة، أو باطلة، فليس هو بأشعري، ولا خارجي، ولا مرجئ، بل هو منتسب لأهل السنة والجماعة.
  2. أن النقد في الأسلوب والتعبير أكثر منه في الحقيقة والمعنى والمضمون، ولن نسوغ خطأ أسلوبه، بل نقول ما قاله أئمتنا.
  3. نقد الشيخ الفوزان – حفظه الله – في كثير من الأدب والرقة، حيث دعا له، وأخبر عن احترامه للأستاذ محمد قطب، وهذا لم يجعله يسكت عما يراه خطأ، وقد تركنا كلاماً آخر للشيخ الفوزان – حفظه الله – في نقد كلمات وعبارات للأستاذ محمد قطب؛ وذلك لأن فيها تحميل للعبارة ما لم تحتمله، وفي بعضها الآخر إلزام بما لم يمكن أن يلتزمه.
  4. ومثل هذه الملاحظات والأخطاء لا تمنع الناس من الاستفادة من كتب الأستاذ محمد قطب، وهي قليلة جدًّا في جانب كتبه الأخرى، وما منَّا إلا رادٌّ ومردود عليه، وما ذكرناه له من كتب لا تزال مورداً لكثير من الكتَّاب والدعاة والعلماء.

ثالثًا:

وأما بخصوص ” أبي الأعلى المودودي “: فقد جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “:أبو الأعلى المودودي ( 1321 – 1399هـ ، 1903 – 1979م )، مفكّر، وداعية إسلامي، معروف بالهند، وأمير الجماعة الإسلامية بها في منتصف القرن العشرين، وُلد أبو الأعلى المودودي في ” أورنك آباد ” في مقاطعة ” حيدر آباد “، وتلقى تعليمه على يد والده، ثم التحق في سن الحادية عشرة بالمدرسة حيث كان محل إعجاب مدرسيه، عكف المودودي على دراسة اللغتين العربية والفارسية، واجتازها بامتياز، فقرر العمل الصحفي، وعمل مع أخيه سيد أبو الخير المودودي في تحرير جريدة ” مدينة بحتور ” ( 1918 م ) ، ولكن لم يطل عمله حيث أغلقت السلطات البريطانية الجريدة.

قام أبو الأعلى بإنشاء جبهة صحفية عام (1920م )، وانتقل إلى ” دلهي “، حيث اشترك مع مدير جمعية علماء الهند في إصدار جريدة ” المسلم ” إلى أن أغلقت سنة ( 1923م ).

شارك أبو الأعلى المودودي في بلورة فكرة إقامة دولة مستقلة لمسلمي الهند، متحديًّا بذلك جهد ” غاندي ” الذي كان يسعى إلى توحيد شبه القارة الهندية، خالف أبو الأعلى المودودي بعض أقرانه، حيث تمسك بإقامة دولة إسلامية مستقلة تطبّق الشريعة الإسلامية، مما دفعه إلى ترك حزب ” الرابطة الإسلامية “، وانتقل إلى ” لاهور “، حيث أسس ” إدارة دار الإسلام “.

وفي عام ( 1941م ) أسس أبو الأعلى المودودي تنظيمًا أطلق عليه ” الجماعة الإسلامية “، وكان المودودي أميرًا له، حيث نشطت الجماعة إلى حين إعلان دولة باكستان في ( 28 / 8 / 1947م ).

كانت مطالبات أبي الأعلى المودودي تتلخّص في: إخلاص الحاكمية لله وحده، اتخاذ الشريعة قانونًا أساسيًّا للبلاد، إبطال كل القوانين المخالفة، الالتزام بتحكيم الشريعة الإسلامية في تصرفات الحكومة.

دخل أبو الأعلى المودودي السجن عدة مرّات, إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة نشاطه الحركي أو الفكري، وكتابة الكتب والمقالات التي أثرت في مسيرة الحركة الفكرية الإسلامية على امتداد العالم الإسلامي كله.

ومن إنجازاته: إنشاؤه مركز ” دار السلام للمعرفة الإسلامية ” في ” باثانكوت ” في ولاية ” البنجاب “، ودعوته إلى قيام الجماعة الإسلامية بـ ” لاهور”، فأنشئت في عام ( 1941م )، وانتخب أول رئيس لها، وقد تجاوزت مؤلفاته ورسائله عن الحقائق الرئيسية للإسلام المائة والخمسين، فضلًا عن خطبه في هذا المجال، ومن أشهر مؤلفاته: ” الجهاد في الإسلام “، ” مبادئ الإسلام “، ” تفهيم القرآن “، ” القانون والدستور الإسلامي “، ” الملكية والخلافة “.

وفي مطلع الستينيات أصيب المودودي بمرض دفعه عام ( 1972م ) إلى طلب إعفائه من إمارة الجماعة الإسلامية، حيث تفرغ للعمل الفكري، واستمر على هذه الحال حتى وفاته. حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام (1399هـ- 1979م ).

انتهى.

 

 

 

رابعًا:

وكان لبعض العلماء بعض ملاحظات على بعض كتب الأستاذ المودودي، وقد تنوعت بين المخالفات التاريخية، والحديثية، والفقهية، والعقيدية – في غير الأصول من مسائلها -، ومن ذلك:

  1. انتقاصه من أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه -! ومن الأمويين عمومًا.

* قال الدكتور علي محمد محمد الصلابي – حفظه الله -:

إن عثمان وولاته انشغلوا بمدافعة الأعداء, وجهادهم، وردهم، ولم يمنعهم ذلك من توسيع رقعة الدولة الإسلامية، ومد نفوذها في مناطق جديدة، وقد كان للولاة تأثير مباشر في أحداث الفتنة؛ حيث كانت التهمة موجهة إليهم، وأنهم اعتدوا على الناس، ولكننا لم نلمس حوادث معينة يتضح فيها هذا الاعتداء المزعوم والمشاع، كما اتهم عثمان بتولية أقاربه, وقد دحضنا تلك الفرية، وهكذا نرى أن عثمان لم يألُ جهداً في نصح الأمة، وفي تولية من يراه أهلاً للولاية، ومع هذا: فلم يسلم عثمان، وولاته، من اتهامات وجهت إليهم من قبَل أصحاب الفتنة في حينها، كما أن عثمان – رضي الله عنه – لم يسلم من كثير من الباحثين في كتاباتهم غير المنصفة، وغير المحققة عن عهد عثمان، وخصوصًا الباحثين المحدَثين، الذين يطلقون أحكامًا لا تعتمد على التحقيق، أو على وقائع محددة، يعتمدون فيها على مصادر موثوقة؛ فقد تورط الكثير منهم في الروايات الضعيفة، والرافضية، وبنوا أحكاماً باطلة، وجائرة، في حق الخليفة الراشد عثمان بن عفان، مثل: طه حسين في كتابه ” الفتنة الكبرى “… وأبي الأعلى المودودي في كتابه ” الملك والخلافة “، وسيد قطب في كتابه ” العدالة الاجتماعية “، وغيرهم.

” سيرة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ” ( ص 269 ، 270 ).

وبعد صفحات قال الصلابي – حفظه الله – في بيان المؤلفات المعاصرة التي تناولت أحداث الفتنة بين الصحابة والتابعين -:

ب. مصنفات لبعض علماء هذه الأمة من المعاصرين، وهي مفيدة إجمالًا، ولكن طريقة عرضهم للأحداث وتفسيرهم لمواقف بعض الصحابة والتابعين: فيها كثير – أو بعض – من عدم الإنصاف، مثل ما كتبه أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتابه ” الخلافة والملك “، وما دوَّنه الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله – في كتابه ” تاريخ الأمم الإسلامية “, و ” الإمام زيد بن علي “، فالكتابان مشحونان بكثير من التحامل على مقام بعض الصحابة، والطعن على خلفاء بني أمية، وتنقصهم وتجريدهم من أية خصلة حميدة، أو عمل صالح، ويبدو أن أمثال هؤلاء العلماء لم يحققوا في الروايات التاريخية، فتورطوا في الروايات الرافضية الشيعية، وبنوا عليها تحليلاتهم، واستنتاجاتهم، غفر الله لنا ولهم. انتهى.

ب. قوله بأن دية الذمي كدية المسلم، وأن المسلم يُقتل بالكافر.

وقد رد عليه الشيخ الألباني في قوله بأن دية الذمي كدية المسلم، وأحال على الحديث رقم: ( 458 ) من ” السلسلة الضعيفة “، ورد عليه بقوله إن المسلم يُقتل بالكافر، وذلك عند الحديث رقم: ( 460 ) من ” السلسلة الضعيفة ” أيضًا.

ج. عدم قوله بخروج المهدي في آخر الزمان.

* قال الشيخ يوسف البرقاوي – حفظه الله -:

وممن استبعد ظهور المهدي المنتظر الداعية الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه ( البيانات ) قال -رحمه الله-: ” ولا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام منصبًا دينيًّا يعرف ” بالمهدوية ” يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية، والاجتماعية في الدنيا والآخرة “. انتهى.

ولا شك أن هذه الأقوال المتقدمة التي نفت ظهور المهدي هي أقوال مردودة؛ للأدلة الصحيحة الصريحة الثابتة في كتب الحديث في باب أشراط الساعة وعلاماتها، والتي تفيد خروج المهدي في نهاية الدنيا، فلا مجال لردها، ولا مبرر لرفضها، ولا معنى لتأويلها عن ظاهرها، وصرفها عن حقيقتها، فهي نصوص واضحة في هذا الباب.

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 49 / 315 ، 316 ) من مقال له بعنوان ” عقيدة الأمة في المهدي المنتظر “.

وقد ردَّ الشيخ عبد المحسن العبَّاد على الأستاذ المودودي ردًّا علميًّا موفقًا، وذلك في مقال له بعنوان ” عقيدة أهل السنَّة والأثر في المهدي المُنتظر “، وقد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ويمكن الاطلاع عليه من ها هنا:

http://www.iu.edu.sa/magazine/3/9.htm

 

خامسًا:

ولم يمنع ذلك النقد من علمائنا الأجلاء أن يثنوا على الأستاذ أبي الأعلى المودودي خيرًا، وأن ينقلوا عنه في مواضع من كتبهم، وهذا هو العدل والإنصاف، النقد للخطأ من قوله، وقبول الصواب من كلامه، ولعلنا نوثق ما قلناه عن أئمتنا، فنقول:

أ. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أرجو من سماحتكم أن تتفضلوا بإبداء رأيكم حول مؤلفات أبي الأعلى المودودي، وأبي الحسن الندوي، وسيد قطب؟.

فأجاب:

كلها كتب مفيدة، كتب هؤلاء الثلاثة رحمهم الله كلها كتب مفيدة، فيها خير كثير، ولا تخلو من بعض الأغلاط، كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك، ليسوا معصومين، وطالب العلم إذا تأملها عرف ما فيها من الأخطاء ووجهه من الحق، وهم رحمهم الله قد اجتهدوا في الخير، ودعوا إلى الخير، وصبروا على المشقة في ذلك، وأبو الحسن موجود، والحمد لله، وفيه الخير الكثير، ولكن ليس معصومًا، ولا غيره من العلماء، العصمة للرسل عليهم الصلاة والسلام وما يبلغون عن الله، والرسل عصمهم الله لما يبلغون عن الله، وهكذا الأنبياء، أما العلماء: كل عالم يخطئ ويصيب، ولكن بحمد الله صوابهم أكثر، وقد أفادوا، وأجادوا، ونفعوا الناس، يقول مالك بن أنس رحمه الله – إمام دار الهجرة في زمانه -: ما منَّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر – يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم -، فالمؤمن يطلب العلم، وهكذا المؤمنة تطلب العلم، كل واحد يتفقه في الدين، ويتبصر، ويسأل عما أشكل عليه، ويقرأ القرآن، ويقرأ السنَّة، يعتني حتى يعرف الحق بأدلته، وحتى يعرف الغلط، إذا غلط العالِم، ولا يجوز أن يقال هذا فلان العالِم الجليل يؤخذ قوله كله من دون نظر، لا بل لا بدَّ من النظر والعناية وعرضها على الأدلة الشرعية، فما وافقها قُبل، وما خالف الأدلة الشرعية: تُرك، وإن كان عظيمًا، وإن كان له أجر عظيم، وإن كان مجتهدًا في الخير، وإن كان مشهورًا.  ” نور على الدرب ” ( شريط 651 ).

ب. * وقال علماء اللجنة الدائمة:

وقد كتب فضيلة الشيخ المودودي – رحمه الله – كتابة ضافية في الموضوع، في كتابه ” حركة تحديد النسل “، وبإمكانك الاطلاع عليه، إذا أردت.

” فتاوى اللجنة الدائمة  ” ( 19 / 300 ).

ج. وفي ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 199 ):

وممن كتب في هذا أيضًا أخونا الشيخ صالح بن أحمد المصوعي – رحمه الله -، فقد كتب فيها رسالة صغيرة, فنَّد فيها هذه المزاعم، وأبطل ما قاله هؤلاء الكتبة بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط، وصنف أيضًا أخونا العلامة أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – رسالة في الجهاد، وبيَّن فيها بطلان هذا القول، وأنه قول لا أساس له من الصحة . انتهى.

د. وأثنى عليه الشيخ الألباني – رحمه الله – عند الحديث رقم: ( 77 ) من ” السلسلة الضعيفة ” فقال:

وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلاَّل – أي: القاديانية -, ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودي – رحمه الله – في الرد عليها, وكتابه الآخر الذي صدر أخيرًا بعنوان ” البيانات “, فقد بيَّن فيهما حقيقة القاديانيين, وأنهم مرقوا من دين المسلمين، بأدلة لا تقبل الشك, فليراجع إليها من شاء. انتهى.

هـ. ونقل عنه الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – في مسألة ” الحجاب ” نقلًا مطولًا، وذلك في كتابه: ” الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب ستر المرأة وجهها عن الرجال غير المحارم “.

و. ونقل عنه في كتابه ” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” من ( ص 220 – 22 ) في رده على القاديانية.

ز. ونقل عنه الشيخ بكر أبو زيد في كتابه ” معجم المناهي اللفظية “.

سادسًا:

وأما بخصوص الأستاذ حسن البنا رحمه الله: فقد جاءت ترجمته في ” الموسوعة العربية العالمية “:

حَسَن البنَّا ( 1324- 1369هـ ، 1906- 1949م ): حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنَّا الساعاتي، مؤسس حركة ” الإخوان المسلمين ” بمصر، والعالم العربي، والإسلامي، وُلد في بلدة ” فوه ” بمحافظة ” كفر الشيخ “، ونزح مع أسرته إلى بلدة ” المحمودية ” بمحافظة البحيرة، قضى حسن البنا أربع سنوات في مدرسة ” الرشاد ” الدينية من سن الثامنة حتى الثانية عشرة، حيث تأثر تأثرًا بالغًا بالشيخ محمد زهران، انخرط البنا في بعض الجمعيات الإصلاحية المحلية، وبحلول عام (1920م )، التحق البنا بمدرسة ” المعلمين ” بـ ” دمنهور “، حيث تعرّف على مبادئ التصوف بانخراطه في الطريقة الحصافية الشاذلية.

وفي عام 1923م، التحق البنَّا بمدرسة ” دار العلوم العليا ” بالقاهرة، حيث حصل على الدبلوم عام 1927م. وعُيِّن بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية ، ومن هذه المدينة أعلن البنَّا تأسيس جماعة ” الإخوان المسلمين ” ، قام حسن البنَّا بتأسيس ” جماعة الإخوان المسلمين ” عن طريق المقالات الصحفية، والمقابلات الشخصية، وكان لشخصيته وأسلوبه أكبر الأثر في تنظيم جماعة ” الإخوان المسلمين “, التي أدَّت دورًا بالغًا في الحياة السياسية المصرية، ثم الحياة السياسية العربية الإسلامية, تعتبر حركة ” الإخوان المسلمين ” من أكثر المنظمات الإسلامية تنظيمًا، وانتشارًا على مستوى العالم، قام البنَّا بكثير من النشاطات السياسية، وأدَّى دورًا مهمًّا في توجيه السياسة المصرية، وفي الوقوف ضد النظام السياسي آنذاك، ثم اغتيل في (12 فبراير 1949م ). انتهى.

سابعًا:

ولا يُنكر ما للرجل من جهود في الدعوة إلى الله، وإنقاذ كثيرين من براثن المذاهب الضالة والمنحرفة، وإنقاذهم من المعاصي المهلكة، وبذا استحق مدح وثناء أهل العلم من المنصفين من أهل السنَّة، كما أن هذا الأمر لا يعني السكوت عما أخطأ به من مسائل، وبخاصة مسائل العقيدة، وخاصة أنه إمام عند جماعته، وقوله يتبعه عليه الملايين، فكان لزاماً على أهل العلم تبيين ما وقع فيه من أخطاء، وكان مما انتقد عليه – رحمه الله -:

أ. قوله إن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه، كما في ( ص 392 ) من كتابه ” مجموعة الرسائل “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما إدخالُ أسماءِ الله وصفاته، أو بعضِ ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله: فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحدٍ من سلف الأمة، ولا من الأئمَّة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية – أي: قوله تعالى: ( هوَ الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ…) [ آل عمران / الآية 7 ] – ونفى أن يعلم أحدٌ معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم، وإنما قالوا كلمات لها معانٍ صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تُمَرُّ كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردُّوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عمّا دلت عليه، ونصوص ” أحمد “، والأئمة قبله بيِّنةٌ في أنهم كانوا يُبطلون تأويلات الجهمية، ويُقرُّون النصوصَ على ما دلَّتْ عليه من معناها … “.

إلى أن قال رحمه الله:

” فهذا اتفاق مِن الأئمةِ على أنَّهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأن لا يُسكت عن بيانه وتفسيره، بل يُبيَّنُ ويفسَّرُ باتفاق الأئمة مِن غيرِ تحريفٍ له عن مواضعه، أو إلحادٍ في أسماء الله، وآياته “. ” مجموع الفتاوى” ( 13 / 294 – 305 ) باختصار.

ب. وفي ( ص 444 ) قال: ” وردتْ في القرآن الكريم آياتٌ، وفي السنَّةِ المطهَّرةِ أحاديث توهم بظاهرها مشابهة الحق تبارك وتعالى لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال … “. انتهى.

– ثم ذكر صفات: ” الوجه “, و ” العين “, و ” اليد “, و ” النفس “, و ” الاستواء “.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – رادًّا على ” البوطي ” وقد جاء بمثل ما ذكره الأستاذ حسن البنَّا -:

نقول له: ليس الأمر كما ذكرت، فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهمٌ توهمتَه أنتَ، وتوهَّمه غيرُك، وليس هو ظاهرها؛ لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص به، وصفات المخلوق تختص به. ” تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً ” ( ص 32 ).

ج. جعله مذهب السلف في الصفات: ” التفويض “! أي: تفويض معاني الصفات.

ففي ( ص 449 ) قال: ” أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا: نؤمن بهذه الآيات، والأحاديث، كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، فهم يثبتون اليد، والعين، والأعين، والاستواء، والضحك، والتعجب … إلخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها “. انتهى.

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

” الذين يُجرون الصفات على ظاهرها ويقولون: عِلمُ معانيها إلى الله تبارك وتعالى، ونحن لا نعرف معاني هذه الأسماء: يُسمّوْن ” المفوِّضة “، ويدَّعي كثير من الباحثين في هذا الموضوع أن مذهب المفوضة هو مذهب السلف الصالح!.

والتحقيق: أن السلفَ لا يفوِّضون معاني الأسماء والصفات، وإنما يفوِّضون كيفيَّةَ الصفات، أما المعاني: فإنَّها معلومةٌ مِن لغة العرب.

والردَّ على ” المفوضة ” من وجوهٍ:

أنَّ السلف الصالح ثبتَ عنهم تفسيرُ معاني أسماء الله وصفاته وفق ما تفقهه العرب من كلامها، ولم يثبت عنهم خلاف ذلك، يدلُّك على صحة هذا: أن الإمام مالكًا قال في الإجابة عندما سئل عن كيفيَّة الاستواء: ” الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ – والمراد بـ ” المعلوم “: أي: معلوم معناه في لغة العرب.

لو كانت الأسماء ألفاظاً لا معاني لها: لم تكن حسنى، كما أخبر الحقُّ تبارك وتعالى، ولا كانت دالة على مدح وكمال؛ لأن حسنها باعتبار معانيها، فأيُّ حُسْنٍ فيها إن لم يكن لها معانٍ؟!.

لو كانت ألفاظا لا معنى لها: لساغ وقوعُ أسماء ” الغضب “، و ” الانتقام ” في مقام الرحمة، والإحسان، وبالعكس! فيقال: اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنَّك أنتَ الجبار المنتقم! اللهم أعطني إنَّك الضارُّ المانع القابض “.

‍” أسماء الله وصفاته ” ( ص 123 ، 124 ) باختصار.

والملاحظات على مسائل الاعتقاد عند الأستاذ حسن البنا كثيرة، وقد كتب الأستاذ ” سالم البهنساوي ” في مجلة ” المجتمع ” ( عدد 609 تاريخ 9 / 5 / 1403 هـ ) مقالًا يثبت فيه سلفية حسن البنا في العقيدة، فتصدى له الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -، وتعقبه، ورد عليه في كتابه ” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” من ( ص 229 – 247 ) فلينظر.

 

 

والله أعلم.

وسائل إزالة الغموم والهموم وضيق الصدور، ووصايا لبناء الشخصية, والثقة في النفس

وسائل إزالة الغموم والهموم وضيق الصدور، ووصايا لبناء الشخصية, والثقة في النفس

السؤال:

إني نشأت في بيئة محطِّمة، بين والداي، حيث كبرت ولم يعطوني من حنان الوالدين شيئًا, وأسلوبهم بالتربية معي كان قاسيًا ومحطِّمًا، والآن ليس لدي طموح، وأشعر بضيقة صدر غالبًا، والتفاؤل عندي ضعيف جدًّا، وكلما حاولت أن أبني لي طموحاً، وأتفاءل يتراجع وينهدم، فكيف أبني فيَّ التفاؤل وأثبته كي لا يتراجع؟ وكيف أعيد الثقة في نفسي؟ وكيف أُذهب عني ضيقة الصدر التي أعاني منها كثيرًا، مع العلم أني حافظ لكتاب الله؟ فكيف أوظف هذا الحفظ لأبني نفسي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربك، وأن يمتعك متاعًا حسنًا، وأن يحبِّب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.

وبما أنك من حفظة كتاب الله تعالى, فإن الخطب سهل، وأنت تملك مفتاح حلول مشكلات العالَم بأسره، ولن يعجزك حل ما أنت فيه من كرب، وجلاء ما بك من هم.

وسيكون حديثنا معك في مسألتين: الأولى: علاج الهموم، وضيق الصدر، والثانية: وبناء التفاؤل، والثقة بالنفس.

ثانيًا:

أما علاج ضيق الصدر، وإزالة الغموم والهموم: فإنه مما لا شك فيه أن تناول أدوية الدنيا الحسية كلها لا يجدي فيها نفعاً، بل هي تضر البدن، والنفس، ولن يجد المسلم حلاًّ لهذه المعاناة إلا باللجوء إلى الأدوية الربانية الشرعية، ولا يزال المسلم يبتلى من ربه تعالى بالهم والغم والحزَن، والمؤمن العاقل هو من يعلم أن في هذا التقدير أحد أمرين:

الأول: أن يكون ذلك عقوبة على معاصٍ يرتكبها، وآثام يفعلها، وإنما يقدِّر الله تعالى عليه ذلك حتى يرجع، ويتوب، ويدع ما هو فيه من فعل للسيئات، وتركٍ للواجبات.

والثاني: أن يكون ذلك ابتلاءً لرفع الدرجات، وتكفير السيئات، وليس أمام المؤمن ما يفعله هنا إلا الصبر، والاحتساب، والحرص على إزالة تلك الهموم والغموم بمزيد من الطاعة، وكثير من العمل الصالح.

ولن نطيل معك في هذا الباب، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – وسائل كثيرة يمكن للمؤمن أن يستعين بها لحياة قلب سعيدة، وسعادة نفس فسيحة، وقد جمع الشيخ – رحمه الله – هذه الوسائل في رسالة لطيفة سمَّاها ” الوسائل المفيدة للحياة السعيدة “، وقد قال في مقدمتها:

” فإنَّ راحة القلب، وطمأنينته، وسروره، وزوال همومه، وغمومه: هو المطلب لكل أحدٍ، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور، والابتهاج، ولذلك أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم: فإنها وإن حصلت لهم من وجه وسبب، يجاهد عقلاؤهم عليه: فاتتهم من وجوه أنفع، وأثبت، وأحسن حالًا، ومآلًا.

ولكني سأذكر برسالتي هذه ما يحضرني من الأسباب لهذا المطلب الأعلى، الذي يسعى له كل أحدٍ.

فمنهم من أصاب كثيرًا منها, فعاش عيشة هنيئة، وحيى حياة طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التعساء، ومنهم من هو بيْن بيْن، بحسب ما وفق له، والله الموفِّق، المستعان به على كل خيرٍ، وعلى دفع كل شر “.

انتهى.

وإذا رمتَ الاطلاع على هذه الوسائل كاملة: فاقرأها هنا:

http://www.kalemat.org/sections.php?so=va&aid=114

وإن أردتَ ما وصفه الإمام ابن القيم – رحمه الله – لعلاج هذه الأدواء: فانظر جواب السؤال رقم: ( 22704 ) في موقعنا هذا، وفي الجواب نفسه رابط يوصلك لكتاب ” علاج الهموم “.

وبما ذكرناه لك، وأحلناك عليه: يتم الجواب، ويكتمل البناء، ولم يبق لك إلا الدخول فيه، وتطبيق ما تقرؤه على أرض واقعك.

ثالثًا:

وأما بخصوص بناء الثقة، والتفاؤل في هذه الحياة: فمثلك من حفظة كتاب الله هو من ينبغي أن يدل الناس على ما يفعلونه من أجل ذلك، ففي صدرك الشفاء، وبين يديك العلاج، لا لهذه الأدواء فقط، بل لكل أدواء الدنيا، فكتاب الله تعالى ليس للمسلمين فحسب، بل هو هدى للناس، ودلالة للعالَمين.

وقد جاء في السنَّة النبوية ما يبين بجلاء أن الإسلام راعى جانب غرس الثقة في نفوس أهل الإسلام منذ الصغر، وربَّاهم على الرجولة، وبناء الشخصية منذ نعومة أظفارهم، ونضرب لذلك مثلين:

الأول:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – رضي الله عنه – قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ: ” يَا غُلاَمُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِىَ الأَشْيَاخَ؟ “، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَداً يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. رواه البخاري ( 2237 ) , ومسلم ( 2030 ).

فالغلام هنا – وهو ابن عباس – صاحب حق في أن يشرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عن يمينه، فاستأذنه النبي صلى الله عليه وسلم في أن يؤثر بنصيبه غيره، فلم يأذن!؛ لأنه صاحب قرار، والحق له، فقرَّر أن لا يؤثر أحداً على نصيبه، وهذا لا شك مما يسهم في بناء شخصية الطفل، ويغرس فيه الثقة.

والثاني:

عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ؟! مَا لِلنَّاسِ؟! مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ: أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ, وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ, فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ, فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ, فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ, بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ – أَوْ سَبْعِ سِنِينَ -. رواه البخاري ( 4051 ).

وهذه غرس للثقة عظيم في نفس ذلك الطفل، وتلك تربية عظيمة في الإسلام لأولئك النشء الذين سيكون بناة لهذا الدين، ودعاة لهذا الحق.

ونحن – أخي السائل – نشعر معك بالأسى، والحزن، والهم والغم، والذي أصابك بسبب ما فعله أهلك، لكن هذا ليس هو نهاية الأمر، بل هي كانت البداية، وكانت بداية سيئة، ويحتاج الأمر إلى تقويم، ومعالجة، وهذا ما ستفعله أنت، مستعينا بالله تعالى، متوكلًا عليه وحده لا شريك له، وفي صدرك كتاب الله، فلن تجد الأمر إلا سهلًا يسيرًا، وسنذكر لك بعض النصائح والوصايا، ونرجو أن تكون لك نافعة، ونرجو أن يكون منك تطبيق لما نقوله لك.

  1. احرص على تثبيت الإيمان في قلبك؛ فإن القلب الذي يعمر بالإيمان الثابت فيه من القوة ما يحطم كل ماضٍ أليم، وشر مستطير، ويتحطم على هذا القلب القوي الثابت كل ضلال مبين.
  2. ابذل من وقتك ما تتعلم به العلم الشرعي النافع، وانظر لشخصية العلماء كيف هي قوية متينة، وانظر لطموحهم في طلب العلم كيف هو عالٍ كبير، فبالعلم تستطيع بناء الثقة في نفسك ، وتكون به طموحًا لأن تكون في مصاف العلماء.
  3. ولا تنس العمل بالعلم، ولا خير فيمن يعلم ولا يعمل، بل علمه سيكون حجة عليه، والعلماء العاملون من أكثر الناس انشراحًا للصدور، ومن أكثر الناس طموحًا، فهم يحرصون أشد الحرص على تعليم الناس، ودعوتهم، وإيصال الإسلام إلى أقاصي الدنيا، فأي شخصية يمكن أن تكونها – أخي السائل – إذا جمعت مع كتاب الله الذي تحفظه علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا؟! لا شك أنها ستكون شخصية قوية، طيبة، تسعى للخير لنفسها، ولغيرها.
  4. لا تنشغل بماضيك الأليم، ومزِّق ورقته، وتقدَّم للأمام، ولا تنظر إلى الوراء، وكل ذلك نافع إن شاء الله، وفي عكسه الضرر والألَم، فما فات لن ينفعك تذكره، ولا العيش على آلامه، بل اجعله دافعاً لك لأن تعوضه بالأمل، والطموح، والحياة الجديدة السعيدة، واجعله عبرة لك أن تسلك الطريق ذاته مع أولادك.
  5. اغفر لوالديك صنيعهم معك، وتجاوز عن أخطائهم في حقك، ولا بدَّ من هذا حتى يكون قلبك أبيض كالثلج، وحتى لا تجعل للشيطان طريقًا إلى قلبك ليبغضك بهم، وقدِّر حالهم من الضعف، والجهل، حتى تجد لهم أعذاراً في فعل ما فعلوه.

واعلم أن الله تعالى أمر ببر والديك والإحسان إليهما، حتى وإن جاهداك على أن تشرك بالله تعالى!.

قال الله تعالى:( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ) [ لقمان / الآية 14 – 15 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله –:

أي: إن حَرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي: محسنًا إليهما.

( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) يعني: المؤمنين.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 337 ).

  1. لا تقارن نفسك بمن هم أحسن منك حالًا، حتى لا تزدري نعمة الله عليك، وانظر لمن هم دونك؛ حتى تعلم عظيم فضل الله عليك.
  2. اقرأ سيرة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واتخذه لك قدوة حسنة، وانظر كيف كانت طفولته مليئة بالآلام، والأحزان، وكيف صار إماماً للناس يقود الجيوش، ويسير السرايا، ويفتح البلدان، ويعلم الجاهل، وينصر المظلوم، فهو مثال عظيم للشخصية التي عاشت في الماضي في آلام، وجعلت منها طريقًا لرفع تلك الآلام وأعظم منها عن الناس، وانظر للرب تعالى الذي ربَّى نبيه صلى الله عليه وسلم كيف وجهه في هذا، فعندما امتن عليه بالإيواء بعد اليتم قال له:” فأما اليتيم فلا تقهر “، وعندما امتن عليه بالهداية بعد الضلالة قال له: ( وأما السائل فلا تنهر ), والسائل هنا هو السائل عن الشرع والدين، وعندما امتن عليه بالغنى بعد الفقر قال له:( وأما بنعمة ربك فحدِّث )، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أعظم القيام، وأدَّاه أحسن الأداء، فهذا هو ماضيه صلى الله عليه وسلم، وانظر كيف صار مآله.
  3. خالط أصحاب الهمم العالية، وتجنب أصحاب الهمم الدنيئة، فللصحبة أثرها الحسن والسيئ، فاحرص على ما ومن ينفعك.
  4. تذكَّر أن الشيطان يحرص أشد الحرص على إحزانك، وتكدرك، وتثبيط عزائمك، فقابل ذلك بقوة اليقين بالله تعالى، وبالطاعات، ولا تنس أن تستعيذ بالله دوماً من الشيطان الرجيم.
  5. وأخيرًا: الزم الدعاء، وتحيَّن أوقات الإجابة، تسأل ربك من فضله العظيم، وتعوذ به من كل هم، وغم، وحزَن، وتسأله أن يوفقك لمعالي الأمور.

 

والله الموفق.

مغترب عن أسرته للعمل ويطلب النصح هل يبقى بعيدًا عنها أم يرجع له؟

مغترب عن أسرته للعمل ويطلب النصح هل يبقى بعيدًا عنها أم يرجع له؟

السؤال:

أولًا أنا أطلب منكم النصيحة وليس سؤلًا فقهيًّا، أنا أعمل في دول الخليج, وأبعد عن بيتي ثلاثة أشهر, وإجازة شهر، أولًا العمل بمرتب مغري، ولكن طبيعة العمل سيئة وليست حرامًا، أعمل في مجال البترول، لا يوجد من يعين على الطاعة مع كثرة الفراغ الطويل، لا أشعر بتحسن في إيماني من طبيعة العمل, فهو عمل دنيوي بطريقة بحتة، ولا يوجد معين، زوجتي وأولادي تعبانين جدًّا من عدم وجودي في المنزل وبعدي عنهم، وأنا أشعر بأني فاقد الأخوة الإيمانية والصحبة الصالحة التي تعين على الخير، حيث إن جميع إخواني حصلوا العلم وحفظوا القرآن وأنا مازلت (محلك سر)، مع أني كنت بدأت في الخطابة, وبسبب سفري للعمل انقطعت عن الخطابة والتحصيل، وكنت ملتزمًا مع شيخي بحلقة علم متكاملة, والآن لا أفعل شيئاً, وتأثرت نفسيًّا بسبب الغربة, هذا من ناحية الدين, وأنا عندي عمل في بلدي, ولكن دخله يسير، ولكن نستطيع أن نأكل منه، ولكن ليس كالذي أقتضيه هنا، وأنا فعلاً يا شيخ تعبان جدًّا من البعد عن الأولاد والأهل والزوجة وبيتي والأخوة وتربية الأولاد, وإن شاء الله الرجوع للدعوة والعلم. وعندي العمل في بلدي, ولكن كما ذكرت لكم ليس كالذي هنا، استخرت الله على ترك العمل, والآن أستشيركم لكي أكون حققت السنة بإذن الله الاستخارة والاستشارة، فأرجو منكم نصح الأب للولد، وجزاكم الله خيرًا, ولا تنسوني بصالح الدعاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

دعا الإسلام إلى العمل، وحثَّ عليه، وذمَّ البطالة والبطالين، وحتى الأنبياء والمرسلون كانوا يعملون ويتكسبون.

قال الله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ ) [ الفرقان / الآية 20 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى مخبرًا عن جميع مَنْ بعثه مِن الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به، ( وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ ) أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمنافٍ لحالهم، ومنصبهم.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 100 ).

 

 

ثانيًا:

والعمل من أجل إعفاف النفس وعدم إذلالها، ومن أجل النفقة على الوالدين والأولاد: مما يحبه الله تعالى من عبيده، بل وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سبيل الله.

عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – رَجُلٌ فَرَأى أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ, فَقَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ. رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 19 / 129 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1692 ).

ثالثًا:

ومع هذا كلِّه: فإنه ينبغي للمسلم أنه لم يُخلق في هذا الدنيا لأجل العمل، والدنيا، بل إنه خُلق من أجل عبادة الله تعالى، والقيام بأوامره، وإنما يكون ما في الدنيا من مال ومتاع ليُستعان به على تلك الغاية النبيلة الشريفة، وليس العاقل من يشتغل بما خُلق له, غافلاً عما خُلق من أجله، وينبغي على المسلم الاهتمام في حياته وهو يكتسب ويعمل لأمورٍ غاية في الأهمية، منها:

أ. أن يَعلم أنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، كما يستوفي أجلَه، فرزقه مقدَّر له، وإنما أُمر بالسعي ليأخذ بالأسباب، فلا يظنن أنه لو قضى عمره في العمل فسيأتيه أكثر مما قدِّر له.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ, وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ, فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا, وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ, خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ “. رواه ابن ماجه (2144)، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1698 ).

ب. أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الدنيا ملعونة، مبغوضة لرب العالمين، وما استثناه من ذلك البغض واللعن ليس فيه شيء دنيوي، ولهذا فإنه لا ينبغي أن ينشغل المسلم عن الغاية التي خُلق من أجلها، وأنه كما يسعى لبناء وعمارة دنياه: فليسع لبناء وعمارة آخرته، وكما يوسع بيته في الدنيا: فليسعَ لتوسيع قبره، وجنته.

عن أبي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ “. رواه الترمذي (2322), وابن ماجه ( 4112 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله لا تساوي لديه جناح بعوضة: كانت وما فيها في غاية البُعد منه، وهذا هو حقيقة اللعنة، وهو سبحانه إنما خلقها مزرعة للآخرة، ومعبَرًا إليها يتزود منها عبادة إليه، فلم يكن يقرب منها إلا ما كان متضمناً لإقامة ذِكْره، ومفضيًا إلى محابِّه، وهو: ” العلم “، الذي به يُعرف الله، ويُعبد، ويُذكر، ويُثنى عليه، ويمجَّد، ولهذا خلقها وخلق أهلها، كما قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )، وقال: ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) فتضمنت هاتان الآيتان أنه سبحانه إنما خلق السموات والأرض، وما بينهما ليُعرف بأسمائه وصفاته، وليُعبد، فهذا المطلوب، وما كان طريقًا إليه من العلم، والتعلم: فهو المستثنى من اللعنة، واللعنة واقعة على ما عداه؛ إذ هو بعيد عن الله، وعن محابِّه، وعن دينه، وهذا هو متعلق العقاب في الآخرة، فإنه كما كان متعلق اللعنة التي تضمن الذم، والبغض: فهو متعلق العقاب، والله سبحانه إنما يحب من عباده ذِكرَه، وعبادتَه، ومعرفتَه، ومحبته, ولوازم ذلك، وما أفضى إليه، وما عداه: فهو مبغوض له، مذموم عنده. ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 69 ، 70 ).

رابعًا:

وبعد ما ذكرناه سابقًا: ينبغي أن تستشعر – أخانا السائل – عِظَم الأمانة التي في عنقك، وهم أسرتك، زوجتك، وأولادك، وأن تعلم أن القيام على تربيتهم، والعناية بهم: ليس هو توفير الطعام والشراب، بل هو شيء أعلى من ذلك، وهو أن تقيهم – مع نفسك – عذاب النار، وهي وصية الله تعالى لك، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [ التحريم / الآية 6 ]، واعلم أن الله تعالى سائلك يوم القيامة عن هذه الأمانة صنتَها أم ضيعتها، نصحتَها أم خذلتَها، فاحذر من ذلك اليوم.

عن مَعْقِلِ بْنِ يسار المُزنيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ “.وفي رواية: ” فَلَمْ يَحُطْها بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ “. رواه البخاري ( 6731 ), ومسلم ( 142 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ “. رواه البخاري ( 853 ), ومسلم ( 1829 ).

 

 

 

خامسًا:

ولتعلم – أخانا السائل -: أننا نصحك بما ننصح به أنفسنا، وهو أن تقدم متاع الدنيا ومتاعها على أهلك وأولاد، وبما أنك تجد في بلدك عملًا يسد الحاجة فهو أمرٌ حسن، ومع تقوى الله وطاعته فإن القليل يصير كثيراً، وإن اليسير يصير عظيمًا مباركًا فيه.

واعلم: أن الذين يبتعدون عن أهاليهم وأولادهم: إنما يزرعون ما يوشك أحدهم على عض أصابع الندم على تلك الأوقات التي ابتعد فيها عن أسرته؛ فإن المجتمعات الآن تعج بالفساد من كل جانب، وحيثما ولَّى الأولاد وجوههم وجدوا من يصدهم عن الهداية، ومن يزين لهم الغواية، ولذا لا تظنن أن من تربى بعيدًا عن رقابة أهله – وخاصة والده -: أنه يفلح، إلا أن يشاء الله تعالى، وإليك ما نعرفه عن كثيرٍ من حالات الأسر التي غاب فيها الوالد عن أسرته:

أ. يتربى الابن بعيدًا عن تربية والداه وعنايته، فيتعرف على قرناء السوء، فيعلمونه الشر والفساد، ويصدونه عن الخير والهداية.

ب. كثيرٌ من الآباء يسهل أمر شراء سيارة لأسرته يقضون بها حاجتهم، وتسهل لهم صعاب الطرق، فيتجرأ الابن المتشبب على قيادتها، فيجعلها لتسهيل وصوله إلى قرناء السوء، وأماكن الفاحشة، أو قد يتسبب في حادث بها يدفع والده ما جناه طوال عمره لتغطية آثار ذلك الحادث، وقد لا يكفي ماله لتلك التغطية.

ج. لم يعد الأولاد يهتمون بدراستهم، فلا رقيب، ولا حسيب، وتضيع السنوات عليهم ولمَّا يحصلوا ما يرغب الأب المتغرب من أجلهم بحصوله.

د. فتور المشاعر بين أفراد الأسرة وبين الأب المتغرب البعيد عن نظرهم، والبعيد عن النظر بعيد من القلب! وقد يطيل بعض الآباء من فترة غيابهم؛ توفيرًا للمال – زعموا! – من أجل راحة أسرتهم، وتحقيق رغباتها، فينقلب الأمر عليه، فتفتر مشاعر أسرته تجاهه، حتى إذا قدم إليهم بعد فترة تمنوا أن لو تكون زيارته لهم قصيرة! فيستاءون من حضوره، ويفرحون بمغادرته.

هـ. يعتقد كثير من الآباء أن الأم يمكن أن يكون لها دور في تربية أولادها حين غيابه هو عنهم، والواقع أن هذا الأمر بعيد عن الصحة، والواقع، والمنطق، فالأم أضعف من أن تقوم بدور الأب، من جهة، كما أن مسئوليات بيتها لا تجعلها قادرة على القيام بوظيفة زوجها، ولذا فإن قارب الأسرة يحتاج لمجدفيْن اثنين، كل مجدف من جهة، فإذا فقد قارب الأسرة أحد المجدفيْن: ازداد العبء على الآخر، وقد لا يسلم القارب من الغرق.

و. يظن كثير من الآباء العاملين في خارج بلدهم، والبعيدين عن أسرهم أن ما يرسلونه من مالٍ لأسرهم كافٍ في تحقيق السعادة لأسرته! والواقع أن هذا الأمر بعيد عن الصواب، ففي الغالب يكون هذا المال سببًا لفساد الأسرة وشقائها، ولا سعادة تضاهي اجتماع الأسرة على سفرة الطعام، أو في غرفة الجلوس، أو في رحلة، يجتمع فيها شمل الأسرة، ويتربى فيها الأولاد تحت نظر والدهم وعنايته.

ز. الابن الذَّكر يحتاج لوالده في مراحل معينة من سني حياته، ففي أول مرحلة التمييز يحتاج هذا الابن لصقل شخصيته، وغرس معاني الرجولة والمسئولية فيه، والمرحلة الأخرى التي يحتاج الابن فيها لوالده هي مرحلة ما يسمَّى ” المراهقة “؛ فإنها إن مرَّت على الابن دون وجود والده فإن مفاسد كثيرة يمكن أن تحدث جرَّاء ذلك، ففيها يحب الابن أن يستقل برأيه، ويعتد بقوله، دون أن يحاسبه أو يراجعه أحد، وفي فورة الشهوة الجنسية فإنه قد يصرفها في الحرام! وكم يمكن لهذه المرحلة أن تجر من الويلات والمشكلات للأسرة لو أن ابناً خرج عن طوره، وتحلل من عقله، وتخلى عن سلوكه الحسن!.

ح. وأمر أخير وخطير، وهو حاجة الزوجة لمن يشبع رغبتها، ومن يعفها، وليس ذلك يكون وفق شرع الله تعالى إلا من زوجها، فماذا تصنع امرأة مكَّنها زوجها من شراء أجهزة التلفاز، ومشاهدة الفضائيات، والدخول لعالم الإنترنت، وكل ذلك وهو بعيد عنها؟! إن القصص المؤلمة التي تردنا من كل أرجاء الأرض تجعلنا في وعي وإدراك لما يجري في بيوت الناس، فنحن نشارك الناس في حياتهم، ونسمع همس تفكيرهم، ونطلع على مشاعرهم القلبية، ليس ذلك عن طريق الوحي، ولا بالتجسس، بل بما يبوحونه من أسرار، وما يطلعونا عليه من أحوال.

سادسًا:

الحذر الحذر، والقناعة القناعة، وهما وصيتانا لك، فإن شئت فاقبلهما، وإن شئت فدعهما، ولا نرى لك إلا ما نعتقد أنه الخير لك، ولأسرتك.

هي القناعة لا تبغي بها بدلًا … فيها النعيم وفيها راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن

 

– ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يجمع بينك وبين أسرتك على خير، وأن يهديهم لما يحب ويرضى.

 

 

والله الموفق.

عندها إشكالات في حكم وجوب غطاء الوجه، والجواب عليها تفصيلا

عندها إشكالات في حكم وجوب غطاء الوجه، والجواب عليها تفصيلًا

السؤال:

بالنسبة لفرضية النقاب أرجو الرد على هذه النقاط حتى أحدد نيتي:

  1. أن الإسلام لا يكشف عورة في الصلاة، أو الحج، فكيف تؤمر المرأة بكشف وجهها به، بل وتعاقب إن لم تكشفه، حتى وإن أسدلت على وجهها أثناء العمرة، فيبقى الأصل، وهو الكشف.
  2. المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، فنظر إليها ثم طأطأ رأسه، ألم تكن مكشوفة الوجه؟!.
  3. آيات غض البصر عن أي شيء إن كانت المرأة لا يبدو منها شيءٌ؟.
  4. حديث الفضل بن العباس عندما جاءت امرأة حسناء تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الفضل رديفه في حجة الوداع، فحوَّل النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل، ألم تكن سافرة الوجه ولم يعب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك.
  5. قال الله تعالى: ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ولم يقل على وجوههن.
  6. ما ذكره البخاري ومسلم من حديث عمر – رضي الله عنه – حينما استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بعض النساء يسألنه، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، إلى آخر الحديث، فهل تدل هذه الحادثة أن النقاب كان معروفًا لدى النساء حينها ولكنه لم يكن فرضًا عليهن فلم ترتديه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم؟.
  7. هل يدخل النقاب ضمن الحديث: ” ما أحل الله فهو الحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته “.

الرجاء سرعة الرد، فأنا أتجنب الخروج لقضاء حاجاتي إلا بعد أن أحسم قضية النقاب بالنسبة لي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قالت الأخت السائلة:

  1. أن الإسلام لا يكشف عورة في الصلاة، أو الحج، فكيف تؤمر المرأة بكشف وجهها به، بل وتعاقب إن لم تكشفه، حتى وإن أسدلت على وجهها أثناء العمرة، فيبقى الأصل، وهو الكشف.

والجواب عليه:

  1. لا يسمَّى ما يؤمر المرء بتغطيته في الصلاة ” عورة ” بالنسبة للرجال والنساء، ومن تجوَّز وسمَّاه ” عورة “: فإنه لا يريد العورة التي يؤمر المسلم بتغطيتها في الأصل؛ لأنه ليس ثمة مناسبة بين العورة داخل الصلاة وخارجها.
  2. وما تؤمر المرأة بكشفه في الصلاة – كالوجه واليدين – ليس على كل حال، بل إذا كان ثمة رجال أجانب يمكن أن يرونها: فإنها تغطيهما، ولو في الصلاة.
  3. ومثله يقال وهي محرمة، وإنما منعت من تغطية وجهها بالنقاب فحسب، ولها أن تسدل على وجهها ثوباً، أو حجاباً إن مرَّت برجال أجانب، أو مرُّوا بجانبها، وكذا في اليدين فإنها تمنع من تغطيتهما بالقفازين، لا بغيرهما من اللباس، كالعباءة، والثوب.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وفي ” الصلاة ” نوع ثالث؛ فإن المرأة لو صلَّت وحدها: كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحقِّ الله، فليس لأحدٍ أن يطوف بالبيت عريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانًا ولو كان وحده، فعُلم أن أخذ الزينة في الصلاة: لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع، وحينئذ فقد يستر المصلِّي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال، فالأول: مثل المنكبين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: ” نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ” فهذا لحقِّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار “، وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء، ولا لغيرهم، وعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب، وأما ستر ذلك في الصلاة: فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

وبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذٍ فتصلي في بيتها، وإن رئي وجهها، ويداها، وقدماها، كما كن يمشين أولاً قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا.

وابن مسعود – رضي الله عنه – لما قال: ” الزينة الظاهرة هي الثياب ” لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني: أنها تشترط في الصلاة؛ فإن الفقهاء يسمون ذلك: ” باب ستر العورة ” وليس هذا من ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في الكتاب، والسنَّة أن ما يستره المصلي فهو عورة؛ بل قال تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد )، ” ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت عريانًا”,  فالصلاة أولى، وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: ” أو لكلكم ثوبان؟ “.

وقال في الثوب الواحد: ” إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقًا فاتزر به”، ” ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء “، فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ، وغيره، وإن جوَّزنا للرجل النظر إلى ذلك، فإذا قلنا على أحد القولين – وهو إحدى الروايتين عن أحمد -: إن العورة السوأتان، وإن الفخذ ليست بعورة: فهذا في جواز نظر الرجل إليها، ليس هو في الصلاة، والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوفَ الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا، ولا يطوف عرياناً، بل عليه أن يصلي في ثوبٍ واحدٍ ولا بد من ذلك، إن كان ضيقًا: اتزر به، وإن كان واسعًا: التحف به؛ كما أنه لو صلَّى وحده في بيت: كان عليه تغطية ذلك، باتفاق العلماء، وأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على الإزار: فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة – كما فعله طائفة -: فقد غلطوا، ولم يقل أحمد، ولا غيره: أن المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين، فكيف يبيح له كشف الفخذ، فهذا هذا.

وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليًا، ولم يُختلف في أنه في الصلاة لا بد من اللباس، لا تجوز الصلاة عرياناً مع قدرته على اللباس، باتفاق العلماء …” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 113 – 117).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

العورة عورتان: عورة النظر، وعورة في الصلاة، فالحرَّة لها أن تصلِّي مكشوفة الوجه، والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق، ومجامع الناس كذلك.

” إعلام الموقعين ” ( 2 / 80 ).

ونحن نسلِّم بأن الأصل هو الكشف، وهذا ما جاءت به أدلة كثيرة، ولا يُختلف في ذلك، لكننا نرى أنه جاء ما ينقل هذا الأصل من الإباحة إلى التحريم، وذلك بأدلة كثيرة، من الكتاب وصحيح السنَّة.

ثانيا:

قال الأخت السائلة:

  1. المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، فنظر إليها ثم طأطأ رأسه ، ألم تكن مكشوفة الوجه؟!.

والجواب:

  1. نعم، هي جاءت كاشفة عن وجهها، لكن كان ذلك لإرادة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها، وكانت قد وهبت نفسها له، والنظر إلى المخطوبة لا حرج به، بل هو مما أمرت به الشريعة المطهَّرة، ومثله يقال في الصحابي الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إيَّاها، فهو الآن خاطب، وهي مخطوبة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في تعداد فوائد الحديث -:

وفيه: جواز تأمل محاسن المرأة؛ لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خطبتها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صعَّد فيها النظر، وصوَّبه.

” فتح الباري ” ( 9 / 210 ).

  1. ومن المحتمل أن هذه الحادثة كانت قبل فرض الحجاب.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وسلك ابن العربي في الجواب مسلكاً آخر، فقال: يُحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلففة. وسياق الحديث يبعد ما قال. ” فتح الباري ” ( 9 / 210).

– والظاهر أن الحافظ ابن حجر استبعد الثاني – وهو كونها متلففة – لا الأول.

ثالثًا:

قالت الأخت السائلة:

  1. آيات غض البصر، عن أي شيء إن كانت المرأة لا يبدو منها شيءٌ؟.

والجواب:

  1. ليس كل من قال بجواز كشف المرأة وجهها قال بجواز نظر الرجل الأجنبي لها، بل قد قال بعض كبار العلماء بتحريم نظر الأجنبي لوجه امرأة أجنبية عنه، مع قولهم بعدم وجوب ستره، ومن هؤلاء: القاضي عياض، والنووي، وابن قدامة.

قال الحافظ ابن حجر – في شرح حديث الخثعمية – وسيأتي ذِكره فيما بعد -:

وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات، وغض البصر، وقال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول.” فتح الباري ” ( 4 / 70 ).

  1. القول بأن وجوب غض البصر عن النساء يلزم منه القول بجواز كشف وجهها: قول ضعيف، وما ذكروه من لازم لا يلزم.

وغض البصر الذي أُمر به الرجال، والمتعلق بالنساء: له صور كثيرة، منها:

أ. النظر إلى الكافرات، وهو واضح حيث أنهن لا يلتزمن بستر، ولا حياء.

ب. النظر إلى الفاسقات، وهي من تتعمد التبرج، وإظهار ما اتفق على تحريم إظهاره أمام الرجال الأجانب.

ج. النظر تلذذاً إلى جسم المرأة ووجهها ولو كانت متسترة.

د. النظر إلى مشيتها، وحركتها.

هـ. تجاوز الحاجة في نظر العلاج.

و. النظر إلى ما يُكشف لاإراديًّا – ككشف الريح لثيابها -.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وكم مِن امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه *** فتناولته واثقتنا باليد

” أضواء البيان ” ( 6 / 252 ، 253 ).

ومعنى البيت: سقط غطاء الوجه – وهو النصيف -، من غير قصد، ولا عمد، فغطت وجهها بيدها؛ مخافة أن يُرى.

ز. النظر إلى الصور المحرمة، والأفلام الخليعة، ومثيلاته.

ح. النظر إلى المحرِمة! حيث القول بعدم وجوب تغطية وجهها، أو كشفه حيث تظن نفسها بعيدة عن أعين الرجال الأجانب.

فتبين من ذلك أن قوله تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) [ النور / الآية 30 ]: لا يلزم منه القول بكشف وجه المرأة، وكأنه لا يوجد ما يُكشف أمام الرجال إلا وجهها! وهذا من العجائب.

رابعًا:

قال الأخت السائلة:

  1. حديث الفضل بن العباس عندما جاءت امرأة حسناء تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الفضل رديفه في حجة الوداع، فحوَّل النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل، ألم تكن سافرة الوجه ولم يعب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟.

والجواب:

1.*  قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:

الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرّها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: ” أنها حسناء “، ومعرفة كونها وضيئة، أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرّها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين.

ويحتمل أن يكون يُعرف حسنُها قبل ذلك الوقت؛ لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا: أن عبد اللَّه بن عباس – رضي اللَّه عنهما – الذي روي عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه؛ لما قدمنا من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من ” مزدلفة ” إلى ” مِنى ” في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطّلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.

فإن قيل: قوله: ” إنها وضيئة “، وترتيبه على ذلك بالفاء.

وقوله: ” فطفق الفضل ينظر إليها “، وقوله: ” وأعجبه حسنها “: فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه.

فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا، لا ينفكّ أنها كانت كاشفة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرّها؛ لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يُعرف، وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدّها وقوامها، وقد تُعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط، كما هو معلوم، ولذلك فسّر ابن مسعود: ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ): بالملاءة فوق الثياب، كما تقدم.

الوجه الثاني: أن المرأة مُحرِمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، والفضل منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم من النظر إليها، وبذلك يُعلم أنها محرمة، لم ينظر إليها أحد، فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور.

فإن قيل: كونها مع الحُجاج مظنَّة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة، لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.

فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الورع، وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا، ولا شرعًا، ولا عادةً، من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها: لحُكي، كما حُكي نظر الفضل إليها، ويُفهم من صرف النبيّ صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها: أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة، كما ترى، وقد دلَّت الأدلَّة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.

وبالجملة: فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداعٍ إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول: قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة *** ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم

أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك، وبناتك، وأخواتك؟!.

ولقد صدق من قال:

وما عجب أن النساء ترجلت *** ولكن تأنيث الرجال عجاب

” أضواء البيان ” ( 6 / 254 – 256 ).

  1. * وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وقد استدل بهذا – أي: حديث الخثعمية -: مَن يرى أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وهذا الحديث – بلا شك – من الأحاديث المتشابهة، التي فيها احتمال الجواز، وفيها احتمال عدم الجواز، أما احتمال الجواز: فظاهر، وأما احتمال عدم الدلالة على الجواز: فإننا نقول: هذه المرأة محرمة، والمشروع في حق المحرِمة أن يكون وجهها مكشوفاً، ولا نعلم أن أحداً من الناس ينظر إليها سوى النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل بن العباس، فأما الفضل بن العباس: فلم يقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم، بل صرف وجهه، وأما النبي صلى الله عليه وسلم: فإن الحافظ ابن حجر – رحمه الله – ذكَر أن النبي صلى عليه وسلم يجوز له من النظر إلى المرأة، أو الخلوة بها، ما لا يجوز لغيره، كما جاز له أن يتزوج المرأة بدون مهر، وبدون ولي، وأن يتزوج أكثر من أربع، والله عز وجل قد فسح له بعض الشيء في هذه الأمور؛ لأنه أكمل الناس عفةً، ولا يمكن أن يرِد على النبي صلى الله عليه وسلم ما يرِد على غيره من الناس، من احتمال ما لا ينبغي أن يكون في حق ذوي المروءة.

وعلى هذا: فإن القاعدة عند أهل العلم: أنه إذا وُجد الاحتمال: بَطَل الاستدلال، فيكون هذا الحديث من المتشابه، والواجب علينا في النصوص المتشابهة: أن نردها إلى النصوص المحكمة، الدالة دلالة واضحة على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، وأن كشف المرأة وجهها من أسباب الفتنة، والشر.

” دروس وفتاوى الحرم المكي ” ( 1408 هـ ، شريط رقم: 16، وجه : ب ).

خامسًا:

قالت الأخت السائلة:

  1. قال الله تعالى ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ولم يقل على وجوههن.

والجواب:

أن الخمار يطلق ويراد به معانٍ ثلاثة: غطاء الرأس، وغطاء الوجه، وغطاء الرأس والوجه.

والمعنى المراد في الآية هو الثالث، ومما يؤيد تفسيره بهذا المعنى فعل الصحابيات الجليلات من المهاجرات بعد نزول هذه الآية، فقد شققن أزرهنَّ وخمَّرن رؤوسهن ووجوههن، كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رواه البخاري ( 4480 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله: ” مروطهن “: جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: ” أزرهن”، وزاد: ” شققنها من قبل الحواشي “، قوله: ” فاختمرن ” أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع.” فتح الباري ” ( 8 / 490 ).

وكذا فسر ” الخمُر ” في هذا الأثر: بدر الدين العيني الحنفي في ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 19 / 92 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – أيضًا – عند تعريف الخَمْر -:

ومنه: خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها.

” فتح الباري ” ( 10 / 48 ).

* قال الشنقيطي – رحمه الله -:

وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها؛ امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )، المقتضي: ستر وجوههن.

وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم: ثابت في السنَّة الصحيحة، المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهِمْن ستر الوجوه من قوله: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه موجود، وهنَّ يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.

فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى. ” أضواء البيان ” ( 6 / 250 ، 251 ).

 

 

 

سادسًا:

قالت الأخت السائلة:

  1. ما ذكره البخاري ومسلم من حديث عمر – رضي الله عنه – حينما استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بعض النساء يسألنه، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، إلى آخر الحديث، فهل تدل هذه الحادثة أن النقاب كان معروفًا لدى النساء حينها ولكنه لم يكن فرضاً عليهن فلم ترتديه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم؟.

والجواب:

أن هؤلاء النسوة هنَّ أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن -، وقيل: إنه كان معهن غيرهن، وهذا بعيد، غير ظاهر، وأنهنَّ ابتدرن الحجاب الذي أمرهن الله تعالى به، وهو الستار بينهن وبين الأجانب، وليس هو حجاب اللباس، وإذا قيل بوجود غير نسائه صلى الله عليه وسلم: فإن ذلك الموقف يكون قبل فرض حجاب اللباس، وأنهن تغطين، أو تسترن وراء حجاب هيبة لعمر، وخشية منه، ويدل عليه ما أنكر به عليهن من قوله: ” أَتَهَبْنَني “؟.

عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ, فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ, قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ, فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ, فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي, فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ, قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ, ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْنَ: نَعَمْ, أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. والحديث رواه البخاري ( 3120 ), ومسلم ( 2396 ).

وفي ” حاشية السندي على صحيح البخاري ” ( 4 / 21 ):

لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي سواء كان عمر أو لا، فما وجه التعجب؟.

فلعلَّ الواقعة كانت قبل آية الحجاب، أو لعل فيهن من يجوز لها الكشف عند عمر كحفصة مثلاً، فالتعجب بالنظر إلى قيامها، أو لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأذن له أم لا؟ وهذا أقرب إلى لفظ الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى.

وفي ” فتح الباري ”  ( 7 / 47 ):

( وعنده نسوة من قريش ) هنَّ مِن أزواجه، ويحتمل أن يكون معهنَّ من غيرهن، لكن قرينة قوله ( يستكثرنه ) يؤيد الأول. انتهى.

 

سابعٍا:

قالت الأخت السائلة:

  1. هل يدخل النقاب ضمن الحديث: ” ما أحل الله فهو الحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته “.

والجواب:

الحديث حسَّنه بعض العلماء، وضعفه آخرون، ولو صلح الاحتجاج به: لم يدخل النقاب وتغطية الوجه في آخر الحديث – كما هو ظاهر السؤال -، فقد ثبت وجوب تغطية المرأة لوجهها في القرآن والسنَّة، وصار كشفه حراماً، فما حرَّم الله تعالى فهو حرام.وقد ذكرنا موقفنا من اختلاف الأئمة في مسألة تغطية الوجه في جواب السؤال رقم: ( 68152 ) فلينظر؛ فإنه مهم.

ثامنًا:

قالت الأخت السائلة:

الرجاء سرعة الرد، فأنا أتجنب الخروج لقضاء حاجاتي إلا بعد أن أحسم قضية النقاب بالنسبة لي.

والجواب:

أننا نرجو أن نكون أزلنا عنك الإشكالات التي جاءت في السؤال، ونرجو أن يكون قلبك قد اطمأن للحكم بوجوب غطاء الوجه، ونسأل الله تعالى أن يتم عليك ستره، وأن يعافيك بجميل عافيته.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في عطلة المسلمين يوم الجمعة، وعطلة أهل الكتاب

تفصيل القول في عطلة المسلمين يوم الجمعة، وعطلة أهل الكتاب

السؤال:

هل صحيح أن العطلة الأسبوعية للأنبياء من قبْل النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي يوم السبت، ولماذا المسلمون خالفوا في ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

في هذا السؤال – ولا نظنه من مسلم – مغالطتان: الأولى: أنه ليس في شرعنا ما يسمى ” عطلة أسبوعية “، والثانية: أنه ليس ثمة اتفاق عند الأنبياء على أن يوم السبت هو عطلة الأسبوع.

أما الأولى:

فجملة ” العطلة الأسبوعية ” ليس لها أصل في ديننا، ويوم الجمعة هو يوم عيد، ولم يكن هذا مانعا من العمل، والتجارة، بل إن الله تعالى نصَّ على إباحة السعي في الأرض، والعمل، بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، ونهانا – فقط – عن العمل وقت الخطبة والصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ الجمعة / الآية 9 – 10 ].

والآية واضحة الدلالة على ما قلنا، فإن قوله تعالى: ( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) يدل على أنهم كانوا يبيعون ويشترون في أول نهار الجمعة، ومنعوا من ذلك عند النداء للصلاة، ثم أبيح لهم بعد الصلاة ما كانوا ممنوعين منه من العمل والتجارة، وذلك في قوله تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ).

وهذا اليوم إنما يعظمه المسلمون لتعظيم الله له، وليس من لوازم التعظيم ترك الأعمال بالكلية، بل قد ذكر بعض علمائنا أن من بدع الجمعة اتخاذه يوم عطلة!، كما قاله الشيخ الألباني – رحمه الله – في كتابه النافع ” الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة ” ( ص 69 ).

* وقال الشيخ عبد الله بن عقيل – حفظه الله -: 

ومما نلفت إليه النظر: أن الخروج يوم الجمعة إلى خارج البلد وإن كان المقصود منه النزهة، والاستجمام، وأصله من المباحات إذا لم يترتب عليه شيء من المعاصي والآثام، إلا أن كثرة هذا الصنيع: خلاف المشروع، ولم يكن مما درج عليه أسلافنا الصالحون، بل كانوا – رحمهم اللَّه – ينتهزون فرصة وجود هذا اليوم الشريف، ويستغلونه، ويتفرغون فيه للتزود مما شرع فيه، وخصص له من كثرة العبادة، والتقدم لمسجد الجامع، والتنافس في الخير، والإكثار من قراءة القرآن، وخصوصاً سورة الكهف؛ لما ورد في فضلها، وكثرة الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الدعاء – خصوصاً في ساعة الإجابة -، وقد ذم اللَّه أقواماً بقوله: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَاعِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ، وهذه العادة جاءتنا مستوردة من بلاد الخارج، حيث يسمونها ” عطلة الأسبوع “، فيخصصون يوماً في الأسبوع يعطلون فيه مصالح دينهم، ودنياهم، ويتفرغون فيه للهو، والمرح، يمضونه خارج البلاد، فمنهم من يكون يوم عطلته يوم السبت، ومنهم من يكون الأحد، فتَقَبَّل بعض الناس هذه العادة على علّاتها؛ تشبهاً بهم فيها، وقلدوهم تقليداً أعمى، وهذا الصنيع لو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الكتاب: لكفى به ذمًّا، فكيف يرضى العاقل بهذا، ويترك ما فيه مصلحته مما هو من خصائص يوم الجمعة؟! إن هذا لشيءٌ عجيب! ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن َدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ ). ” فتاوى الشيخ عبدالله بن عقيل ” ( 1 / 197 ).

ومن الفروقات بين يوم الجمعة عندنا، ويوم السبت والأحد عند أهل الكتاب: أن العمل في يوميهم من المحرَّمات، وليس الأمر كذلك عندنا، ولا يخفى على مسلم ما حصل في اليهود الذين احتالوا على الامتناع عن العمل يوم السبت، وكيف مسخهم الله قردة وخنازير.

قال تعالى: ( واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) [ الأعراف / الآية 163 – 166 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري – حفظه الله -:

ومن المعلوم أنَّ يوم السبت يُحرِّم فيه اليهود العمل, حيث جاء في سفر نحميا: ” وشعوب الأرض الذين يأتون بالبضائع وكل الطعام يوم السبت للبيع, لا تأخذ منهم في سبتٍ, ولا في يوم مُقدَّس “. ( الإصحاح 10 / 31 ).

بل وجزاء مَن يعمل يوم السبت: القتل, والنفي من بني إسرائيل, فقد جاء النصُّ على ذلك في سفر الخروج: ” فتحفظون السبت, لأنه مُقدَّسٌ لكم, مَن دنَّسه يُقتل قتلا, إنَّ كلّ مَن صنعَ فيه عملاً تُقطع تلك النفس من بين شعبها .. كلّ مَن صنعَ عملاً في يوم السبت يُقتلُ قتلاً ” ( الإصحاح 31 / 14 – 16 ), فلم يراع اليهود هذه الْحُرمة, بل خالفوا كما هو طبعهم, وذكَرَ اللهُ ما حلَّ بهم بسبب مخالفتهم فقال سبحانه: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فالسبتُ إذا هو عطلة اليهود.

والأحد هو عطلة النصارى الْمُثلِّثة, ويُحرِّمون فيه العمل, حيث جاء النص على تقديسه في وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بقرار ( رقم: 106 ) وجاء فيه: ” ومن ثمَّ كان الرَّبُّ في المرتبة الأولى من أيام الأعياد, واليوم الذي يجب أن يُدعى المؤمنون إلى إحيائه وإرساخه في تقواهم, بحيث يُصبح أيضا يوم بهجة وانقطاع عن العمل, أما الاحتفالات الأخرى فلا يجوز أن تتقدَّم عليه إلاَّ إذا كانت فائقة الأهمية, وذلك لأنَّ يوم الأحد هو أساس السنة الطقسية كلِّها ونواتها “. وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ( ج 2 / 536 ) لمجموعة من علمائهم, وراجع صياغته أبوهم د. يوحنا قلته. ” الدلائل الشرعية على تحريم موافقة اليهود والنصارى في العطلة الأسبوعية “.

ولذلك لا يجوز التعبد بترك العمل يوم الجمعة، وإلا وقع صاحبه في ” البدعة “، ولا اتخاذ هذا اليوم للهو واللعب فقط، وإلا وقع صاحبه في التشبه بالكفار، وهو الملحظ في كلام الشيخين الألباني، وعبد الله بن عقيل السابق ذِكره، وأما التفرغ فيه من الأعمال الدنيوية للقيام بحق اليوم، وما فيه من طاعات؛ كالتبكير لصلاة الجمعة، والتفرغ للدعاء بعد العصر، أو قبل المغرب: ففاعل ذلك مأجور، مثاب – إن شاء الله – بل يمكن القول إن ما في الجمعة من أعمال صالحة وطاعات لا يمكن لأحدٍ القيام بها على وجهها الكامل إلا بالتفرغ لها، وهذا لا يمنع من البيع، والعمل فيه، بل هو من فضل الله ورحمته بهذه الأمة، كما سبق بيانه، وتفصيله، وأن المحرَّم فيه من أعمال، وعقود، إنما هو لمن تجب عليه الجمعة، ويبدأ ذلك من نداء الجمعة، إلى انقضاء الصلاة فقط.

وليس تعطيل الدوائر الرسمية، والشركات، والمصانع، يوم الجمعة بدعة، أو معصية، من حيث الأصل، بل إن تعطيل الموظفين والعمَّال هو لمصلحة دوائر العمل، حيث ينشط الموظف، والعامل ، بسبب تعطيله هذا اليوم، ويقضي يومه مع أسرته، ويصل فيه رحِمه، ويبر والديه، ويتفرغ فيه لما في الجمعة من أعمال، وطاعات، وكونه يوم عيد يدل على هذه المعاني، والتفرغ من الأشغال في هذا اليوم هو كالتفرغ في عيدي الأضحى والفطر، ولم يكن هذا مانعاً من ذِكر الله تعالى فيهما وطاعته.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ, فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ, وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ, وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ”. رواه ابن ماجه ( 1098 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ “. رواه أحمد ( 13 / 395 ) وحسَّنه المحققون.

فأنت ترى النص على كون الجمعة يوم عيد، ومع ذلك شُرعت فيه الطاعات، ونُصَّ عليها فيها وفي غيرها من الأحاديث.

قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

أي جعله الله تعالى عيداً للمؤمنين يجتمعون فيه لعبادته متفرغين من أشغال الدنيا.

” التيسير بشرح الجامع الصغير ” ( 1 / 718 ).

وقال – رحمه الله – أيضا -:

وذلك لأنه سبحانه وتعالى خص أيام تخليق العالم بستة أيام، وكسا كل يوم منها اسما يخصه، وخصَّ كل يوم منها بصنف من الخليقة أوجده فيه، وجعل يوم إكمال الخلق مجمعا، وعيدا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذِكره، والتفرغ من أشغال الدنيا، لشكره، والإقبال على خدمته، وذِكر ما كان في ذلك اليوم، وما يكون من المعاد.

” فيض القدير ” ( 2 / 695 ، 696 ).

وأما المسألة الثانية:

فقد سبق الإشارة إلى شيء منها، وهو أنه لم تتفق الأديان على يوم عطلة في الأسبوع، وأنه يوم السبت تحديدا، ولعلَّ هذا من افتراء اليهود, وأكاذيبهم، وقد سبق النقل أن العطلة عند النصارى هي يوم الأحد، ولا تزال دولهم تعتمد ذلك، وأن السبت ليس إلا عطلة اليهود، ولا يزال اليهود في العالَم يمتنعون عن العمل فيه، بل وقد أثَّروا على دولٍ عديدة في العالَم وجعلوا السبت عطلة لهم أيضا، مع عطلتهم يوم الأحد، ومن رام اتباعهم في ذلك فقد وقع في التشبه المذموم، ويضاف إلى سجل سيئاتهم.

قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز تخصيص يوم السبت، أو الأحد بالعطلة، أو تعطيلهما جميعا؛ لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى، فإن اليهود يعطلون يوم السبت، والنصارى يعطلون يوم الأحد؛ تعظيماً لهما، وقد ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم “. رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وسنده جيد.

فهذا الحديث فيه النهي عن التشبه بغير جماعة المسلمين، فيدخل فيه النهي عن التشبه باليهود، والنصارى، عموماً في كل ما هو من سماتهم، ومن ذلك: تعطيل اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 75 ).

وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى هدى أمة الإسلام لهذا اليوم – يوم الجمعة -، وأضلَّ عنه اليهود والنصارى، وما جاء في السؤال يمكن أن يُقلب على صاحبه، فيقال: إن الله تعالى أراد من اليهود والنصارى تعظيم يوم الجمعة، لكنهم أبوا ذلك، واتبعوا أهواءهم، واختلفوا، فأضلهم الله عنه، وهدى هذه الأمة له.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا, وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ, وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ, فَاخْتَلَفُوا فِيهِ, فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ, فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ؛ فَالْيَهُودُ غَدًا, وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ “. البخاري ( 836 ) ومسلم ( 855 ).

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقوله: ” ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه “: ( ثم ) هاهنا لترتيب الأخبار، ويحتمل أنه لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرض عليهم هذا اليوم – والإشارة إلى يوم الجمعة -، فاختلفوا فيه، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فالناس لنا فيه تبعٌ.

وهذا – أيضا – مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لما فُرض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه لله، واتخاذه عيداً للاجتماع فيه لذكر الله فيه: ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا الله للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعا، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ.

وإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ.

وفي الحديث: دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا، كما كان على من قبلنا، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيداً ومجمعاً لذكر الله وعبادته، فبدلوه بغيره من الأيام، وهدانا الله لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيداً؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 336 ).

وقال بعض العلماء: إنه لم يُفرض عليه عين يوم الجمعة، بل أمروا بتعيين يوم، فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وأضلهم الله عن يوم الجمعة، ولكن الأظهر هو ما نقلناه عن الحافظ ابن رجب، وهو ما قاله أكثر شرَّاح السنَّة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله تعالى عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا, فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ, وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ, فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا, فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه مسلم ( 856 ).

قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي: الظاهر أنه فُرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين، ووُكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، ولم يهدهم الله له، وفرضه على هذه الأمة مبيَّناً، ولم يكِلْه إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دعهم، قال القاضي: ولو كان منصوصاً لم يصح اختلافهم فيه، بل كان يقول خالفوا فيه.

قلت: ويمكن أن يكون أمروا به صريحا، ونص على عينه ، فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم ابداله ، وأبدلوه ، وغلطوا في إبداله. ” شرح مسلم ” ( 6 / 143 ).

وفي ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 4 / 420 ):

وقال القسطلاني: اختلفوا فيه بعد أن عُيِّن لهم، وأمروا بتعظيمه، فتركوه، وغلَّبوا القياس، فعظَّمت اليهود السبت للفراغ فيه من الخلق، وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم، وقالت: نحن نستريح فيه من العمل، ونشتغل بالعبادة، والشكر، وعظَّمت النصارى الأحد؛ لأنه أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخلق، فاستحق التعظيم.

( فهدانا الله له ) أي: لهذا اليوم بالوحي الوارد في تعظيمه، بأن نُصَّ لنا، ولم يكِلنا إلى اجتهادنا، ثم ثبتنا على قوله، والقيام بحقوقه، أو هدانا الله له بالاجتهاد الموافق للمراد، يعني: وفقنا للإصابة حتى عينَّا الجمعة، ويشهد للثاني: ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم ” العروبة “، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذٍ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) الآية، وهذا وإن كان مرسلا: فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أسعد بن زرارة … الحديث.

فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علِمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق، وغيره، وعلى هذا: فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان، والتوفيق.  انتهى.

 

والله أعلم.

حكم مشاهدة قناة ” سبيس تون ” وما فيها من أفلام كرتونية

حكم مشاهدة قناة ” سبيس تون ” وما فيها من أفلام كرتونية

السؤال:

أود منكم – بارك الله بكم – الإفادة عن حكم قناة ” سبيس تون ” للأطفال, هل هي جيدة وليس فيه أي خطورة على الطفل من خلال ما تعرض من أفلام كرتونية؛ وذلك لأن بعض أقربائي أدخلوا الدش بحجة الاستماع للأخبار، وبحجة إلهاء أطفالهم بقناة ” سبيس تون “, حتى يرتاحوا من إزعاجهم، وعذرهم أنهم يوجهون أطفالهم عند عرض أي شيء مخالف للشريعة، ولكنهم لا يتواجدون معهم باستمرار، فكيف يوجهونهم؟ أريد فتوى حتى أستطع أن أحجهم بها، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه القناة تشتمل على منكرات كثيرة، وفيها مفاسد متعددة، ويبدأ تضليلها للمسلمين من اسمها ” الإنجليزي “، ثم يبدؤون بعدها ببث منكراتهم وفسادهم في عقول الصغار والكبار، ولذا لا يحل لولي أمرٍ أن يمكِّن أولاده من مشاهدتها؛ لما لها من تأثير سيء على عقائد من يشاهدها، وعلى سلوكهم، ومن المفاسد والمنكرات التي فيها:

  1. الرسم باليد. 2. الموسيقى.
  2. العري واللبس الفاضح، كألبسة اللاعبين، والمصارعين، والسابحين، والإناث عمومًا. 4. العشق، والحب، والجريمة، وغيرها من معاني وأخلاق السوء والشر.

أ. * قال الأستاذ نزار محمد عثمان:  ” إن من أكثر الموضوعات تناولًا في الرسوم المتحركة: الموضوعات المتعلقة بالعنف والجريمة، ذلك أنها توفر عنصري الإثارة والتشويق اللَّذَيْن يضَّمَّنا نجاح الرسوم المتحركة في سوق التوزيع، ومن ثم يرفع أرباح القائمين عليها، غير أن مشاهد العنف والجريمة لا تشد الأطفال فحسب، بل تروّعهم ” إلا أنهم يعتادون عليها تدريجيًّا، ومن ثم يأخذون في الاستمتاع بها وتقليدها ويؤثر ذلك على نفسياتهم، واتجاهاتهم التي تبدأ في الظهور بوضوح في سلوكهم حتى في سن الطفولة، الأمر الذي يزداد استحواذًا عليهم عندما يصبح لهم نفوذ في الأسرة والمجتمع … “.

* يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: ” فقصص ” توم وجيري ” تبدو بريئة، ولكنها تحوي دائمًا صراعًا بين الذكاء والغباء، أما الخير والشر: فلا مكان لهما، وهذا انعكاس لمنظومة قيمية كامنة وراء المنتج، وكل المنتجات الحضارية تجسد التحيز “. من مقاله ” الرسوم المتحركة وأثرها على تنشئة الأطفال “.

ب. وفي موسوعته عن ” اليهودية ” قال الدكتور عبد الوهاب المسيري – أيضًا -: أثبتت إحدى الدراسات أن أفلام ” توم وجيري ” هي أكبر آلية نقل فكرة حسم المشاكل عن طريق العنف للأطفال. انتهى.

ج. وقد جاء في أفلام كرتونية مشهورة: أنهم جعلوا السارق، والملاحِق للنساء، والمتحرش بهنَّ رجلاً ضخماً له لحية!، ومن المعلوم أن اللحية شعار المسلمين، ولا يخفى وجه جعلهم الشر متجسدًا في هذه الصورة.

د. وفي الفيلم الكرتوني ” كابتن ماجد “: – والذي جاء ذِكره في السؤال – يصوَّر حضور الفتيات للمباريات، وما فيه من تشجيع للاعبين، ويصاحب ذلك الرقص، والصراخ، والمعانقة بين الذكور والإناث حال تسجيل الهدف، وتجد الفتاة تلاحق لاعبها المفضل عندها، وتقدم له هدية تعبيرًا عن محبتها، ويقبِّلها ذلك اللاعب!.

فماذا يمكن أن يتعلم من هذا فتياننا وفتياتنا؟! إنها الوقاحة، وقلة الأدب، والعشق، والحب، وجعل قدوة لها من اللاعبين تحبه وتتعلق به، وهكذا تُغرس المعاني الفاسدة في أذهانهم، وتتحول إلى واقع عملي في سلوكهم.

  1. الخطر على العقيدة، ويتمثل ذلك في تلك الرسوم في صور كثيرة، منها:

أ. تصوير الرب تعالى – عياذًا بالله – في صورة بشعة في السماء يحكم بين المتخاصمين، وهذا موجود في بعض حلقات ” توم وجيري ” الواردة في السؤال.

ب. تصوير الرب في صورة بشعة أيضًا، ينظر بمنظار في الأرض كلها من السماء! وينزل لنصرة المظلوم! ويستطيع التحكم بالأمطار، والرياح، والبراكين!، وهذا في حلقات ” ميكي ماوس “، وجعله ” فأرًا ” وفي السماء لا يخفى على عاقل سبب فعلهم هذا.

ج. قال الأستاذ نزار محمد عثمان: ” وللتدليل على ذلك: نذكر مثال الرسوم المتحركة الشهيرة التي تحمل اسم ” آل سيمسونز The Simpsons لصاحبها مات قرونينق Matt Groening، الذي صرّح أنه يريد أن ينقل أفكاره عبر أعماله بطريقة تجعل الناس يتقبلونها، وشرع في بث مفاهيم خطيرة كثيرة في هذه الرسوم المتحركة منها: رفض الخضوع لسلطة الوالدين، أو الحكومة، الأخلاق السيئة والعصيان هما الطريق للحصول على مركز مرموق، أما الجهل فجميل، والمعرفة ليست كذلك، بيد أن أخطر ما قدمه هو تلك الحلقة التي ظهر فيها الأب في العائلة Homer Simpson وقد أخذته مجموعة تسمي نفسها ” قاطعي الأحجار “!! عندما انضم لهم الأب، وجد أحد الأعضاء علامة في الأب رافقته منذ ميلاده، هذه العلامة جعلت المجموعة تقدسه، وتعلن أنه الفرد المختار، ولأجل ما امتلكه من قوة ومجد: بدأ Homer Simpson يظن نفسه أنه الرب حتى قال: ” من يتساءل أن هناك ربًّا، الآن أنا أدرك أن هناك ربًّا، وأنه أنا! “.

من مقاله ” الرسوم المتحركة وأثرها على تنشئة الأطفال “.

  1. السخرية من العرب والمسلمين.

* قال الأستاذ نزار محمد عثمان:

” ومثال ذلك: بعض حلقات برنامج الرسوم المتحركة المعروف باسم ” سكوبي دو ” ” Scobby Doo “، والمملوك لـ William Hanna و Joseph Barbera اللَّذين طبّقت شهرتهما الآفاق بعد نجاح رسومهما المتحركة ” توم آند جيري “، في إحدى الحلقات ” يفاخر ساحر عربي مسلم عندما يرى سكوبي بقوله: ” هذا ما كنت أنتظره تمامًا، شخصٌ أمارس سحري الأسود عليه “، ويبدي الساحر المسلم رغبته في تحويل سكوبي إلى قرد، لكن السحر ينقلب على الساحر ويتحول الساحر نفسه إلى قرد، ويضحك سكوبي وهو يتحدث مع نفسه قائلًا: ” لا بد أن ذلك الساحر المشوش ندم على تصرفاته العابثة معنا “، ومرة أخرى في حلقة سكوبي دو تقوم مومياء مصرية بمطاردة سكوبي ورفاقه، ويرتابون في أن المومياء نفسها حولت صديقهم الدكتور نسيب – العربي المسلم – إلى حَجر، وفي النهاية يستميل سكوبي المومياء ويلقي بها في إحدى شباك كرة السلة، ولكن عندما يكشف النقاب عن المومياء يجد أنها – لدهشة سكوبي – لم تكن مومياء بل الدكتور نسيب نفسه الذي أراد سرقة قطعة عملة ثمينة من سكوبي متنكرًا في زي مومياء، أي: أن سكوبي يريد إنقاذ مسلم يود سرقته، لقد بلغ المسلم هذا الحد من الرداءة ” “.

من مقاله ” الرسوم المتحركة وأثرها على تنشئة الأطفال “.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز بيع ولا شراء ولا استعمال أفلام الكرتون؛ لما تشتمل عليه من الصورة المحرمة، وتربية الأطفال تكون بالطرق الشرعية، من التعليم، والتأديب، والأمر بالصلاة، والرعاية الكريمة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” 2 ( 1 / 323 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لا يخفى عليكم حفظكم الله تأثير أفلام الكرتون وما تسمى بالأفلام المتحركة على أخلاق النشء وخاصة في العقيدة، ولكن إذا وجد – وخاصة في هذا الوقت – ما يسمى جهاز وأشرطة الأتاري فهل تكون هذه الأشرطة عوضاً وبدلاً عن أفلام الكرتون؟.

فأجاب:

نحن يُذكر لنا هذا كثيرًا بأن أفلام الكرتون التي تنشر في التلفاز أنها مضرة، وربما تكون مضرة في العقيدة، ولكن هل رأيت أو سمعت عن شيء محدد بحيث نعرف هل ينافي العقيدة أو لا؟.

طيب: إذا لا يجوز أن نمكِّن أولادنا من بنين وبنات في مشاهدة هذا الكرتون ما دام أنه يغير العقيدة، كيف نجعلهم يشاهدونها؟!.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 71 / السؤال رقم: 2 ).

 

والله أعلم.