الرئيسية بلوق الصفحة 129

الرد على من قال إن الشيخ الألباني محدِّث وليس فقيهًا، وحكم تقليده

الرد على من قال إن الشيخ الألباني محدِّث وليس فقيهًا، وحكم تقليده

السؤال:

على العامي أن يتبع شيخًا يطمئن إليه قلبه، ويكون شيخًا معروفًا بالعلم، والصلاح، فأنا أعلم أن الشيخ الألباني – رحمه الله – عالم كبير في الحديث, وهذا لا ينكره أحد, ويطمئن قلبي لمنهجه في الفقه؛ لحرصه الشديد على اتباع السنة، لكنه يبدو لي أن كثيرًا من الناس لا يأخذون بأقواله في الفقه، فلماذا؟ فهل في منهجه الفقهي أخطاء كبيرة؟ وهل أستطيع أن أتخذه مرجعًا لي في الفقه؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

خلق الله تعالى الناس متفاوتين في الفهم والإدراك، ورفع بعضهم فوق بعض في العلم والإيمان، وواقع الناس يشهد بهذا، وليس كل من قرأ آية أو حديثًا فهم معناهما، وليس كل أحدٍ يحل له الفتيا، بل من الناس من يسأل ومنهم يجيب، ولذا كان الناس درجات في الاجتهاد والتقليد.

 

* قال الشيخ صالح الفوزان –  حفظه الله -:

والناس على أربعة أقسام:

القسم الأول: من يستطيع الاجتهاد المطلق، بأن يأخذ من الكتاب والسنّة، ويستنبط من الكتاب والسنّة، ولا يقلِّد أحدًا.

وهذا أعلى الطبقات، ولكن هذا إنما يكون لمن توفّرتْ فيه شروط الاجتهاد المعروفة، بأن يكون عالمًا بكتاب الله، وبسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون عالمًا بلغة العرب التي نزل بها القرآن، وأن يكون عالماً بالمحكم والمتشابه، وبالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيَّد، والخاص والعام، ويكون عنده معرفة بمدارك الاستنباط، أعني: لديه مؤهِّلات، فهذا يجتهد، وهذا الصنف كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، هؤلاء أعطاهم الله مَلَكة الاجتهاد.

الصنف الثاني: من لا يستطيع الاجتهاد المطلَق، ولكنه يستطيع الترجيح بين أقوال أهل العلم بأن يعرف ما يقوم عليه الدليل، وما لا يقوم عليه الدليل من أقوالهم.

فهذا يجب عليه الأخذ بما قام عليه الدليل، وترك ما خالف الدليل، وهذا العمل يسمَّى بالترجيح، ويسمَّى بالاجتهاد المذهبي.

الصنف الثالث: من لا يستطيع الترجيح.

فهذا يُعتبر من المقلدِّين، ولكن إذا عرف أنّ قولاً من الأقوال ليس عليه دليل: فلا يأخذ به، أما ما دام لا يعرف، ولم يتبيّن له مخالفة: فلا بأس أن يقلِّد، ويأخُذ بأقوال أهل العلم الموثوقين.

والصنف الرابع: من لا يستطيع الأمور الثلاثة: لا الاجتهاد المطلق، ولا الترجيح، ولا التقليد المذهبي، كالعامي- مثلًا -.

فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم، كما قال الله تعالى: ( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )، فيسأل أوثق من يرى، ومَن يطمئن إليه مِن أهل العلم، ممّن يثق بعلمه، وعمله، ويأخذ بفتواه.

هذه أقسام الناس في هذا الأمر.

والواجب على الإنسان: أن يعرف قدْر نفسه، فلا يجعل نفسه في مكانة أعلى مما تستحقُّها، بل الأمر أخطر من ذلك، وهو أن يخاف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الأمر أمر تحليل وتحريم، وجنَّة ونار، فلا يورِّط نفسه في أمور لا يُحسن الخروج منها. ” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( 2 / 113 ).

 

ثانيًا:

والشيخ الألباني – رحمه الله – لا نعرفه إلا من فرسان ميدان الاجتهاد والفتوى، فهو من أئمة الشأن في زماننا هذا، وهذه كتبه، وأشرطته، ومجالسه، تشهد له بذلك، وهؤلاء أئمة الفتيا والاجتهاد يزكون علمه، ويحيلون عليه، ويستشهدون بكلامه، ومن قال إنه محدِّث ليس بفقيه: فلا يعرف الفقه، ولا قوله صواب، وليس حكمه بعدل، بل هو فقيه متمرِّس، وهو ملتزم بقواعد العلم، وضوابطه، ولا تعرف له أصول خاصة به يتبناها في فهم الدين، بل هو سائر على ما خطَّه أئمة العلم من السلف الصالح، وما ذكره الشيخ الفوزان ونقلناه سابقًا: فإن الشيخ الألباني – رحمه الله –  يعرفه، ويتقنه، وعلمه بالحديث أهَّله أكثر من غيره ليبني ترجيحاته على ما صحَّ من الأحاديث، وما حسُن منها.

* قال علماء اللجنة الدائمة – عن الشيخ الألباني -:

الرجل معروف لدينا بالعلم والفضل، وتعظيم السنَّة وخدمتها، وتأييد مذهب أهل السنة والجماعة في التحذير من التعصب والتقليد الأعمى، وكتبه مفيدة، ولكنه كغيره من العلماء ليس بمعصوم، يخطئ ويصيب، ونرجو له في إصابته أجرين، وفي خطئه أجر الاجتهاد، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إذا حكم الحاكم, فاجتهد, فأصاب, فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ, فله أجر واحد ) – متفق عليه -.الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 324, 325 ).

فالعلماء هنا شهدوا للشيخ – رحمه الله – بأنه من العلماء، وأنه من المجتهدين، وكل من أنصف من نفسه علَم أن الشيخ الألباني – رحمه الله – له قدم راسخة في الفقه والاجتهاد، ويمكن أن ندلل على هذا من خلال أمور:

  1. شهادة العلماء له بذلك، وقد سبق بعضها، ويوجد غيرها كثير، دونت في كتاب ” حياة الألباني ” للشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني – وفقه الله -.
  2. كتبه الفقهية المتينة، وبعضها لم يؤلف على منوالها، ولا في قوتها، ويكفي أن نمثِّل بكتابه ” أحكام الجنائز “, فهو غاية في القوة، ويدل على فهم ثاقب للسنَّة، ويؤيد فهمه بالقواعد الفقهية المتبعة عند سلف هذه الأمة، ويضاف إليه:” آداب الزفاف “، و” تمام المنَّة في التعليق على كتاب ” فقه السنَّة ” “، ولا أدري كيف لهؤلاء النافين عنه الفقه أن يحكموا بذلك, وهم يرون تعقبات الشيخ الفقهية، والحديثية على فقيه مجتهد، وهو الشيخ سيد سابق – رحمه الله-.
  3. أشرطته التي تملأ الأرض، وما نُشر منها يبلغ ( 1000 ) ألف شريط، وما لم يَخرج منها يبلغ ( 5000 ) ساعة صوتية، وهذا كله تسجيل لبعض المجالس، ومن شخص واحد، فكيف لو سجلت مجالسه كلها؟!.

 

ثالثًا:

وننبه في نهاية الجواب إلى مسائل وفوائد:

  1. الشيخ الألباني – رحمه الله – بشر، يصيب ويخطئ، فلا ينبغي لأحدٍ اعتقاد العصمة في كلامه، وقد لا نجد من يزعم ذلك بلسان مقاله، لكننا نجد كثيرين يعتقدونه بلسان حالهم!.
  2. لا يحل لمن يقلِّد الشيخ الألباني إذا تبيَّن له قوة كلام غيره من أهل العلم والفضل أن يستمر على الأخذ بكلام الشيخ رحمه الله، بل يجب عليه اتباع الحق أينما كان، ومع من كان.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما توجيه فضيلتكم – حفظكم الله تعالى – لطالب العلم المبتدئ هل يقلد إمامًا من أئمة المذاهب أم يخرج عنه؟.

فأجاب:

قال الله عز وجل:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء / من الآية 7 ]، فإذا كان هذا طالباً ناشئًا لا يعرف كيف يُخرج الأدلة: فليس له إلا التقليد، سواء قلد إمامًا سابقًا ميتًا، أو إمامًا حاضرًا – عالمًا من العلماء – وسأله، هذا هو الأحسن، لكن إذا تبين له أن هذا القول مُخالف للحديث الصحيح: وجب عليه أن يأخذ بالحديث الصحيح. ” العلم ” ( ص 115 ).

  1. الشيخ الألباني – رحمه الله – لم يأتِ بجديد في أحكام الدِّين، وهو يكرر كثيرًا أنه لم يقل بقولٍ لم يُسبَق إليه، فليتق الله من يطلق لسانه في الشيخ بأنه جاء بشذوذات، وليتق الله من يتعصب للشيخ.
  2. ليس من منهج الشيخ رحمه الله – بل ولا منهج أحد من الأمَّة – أن ينظر الطالب في الآية والحديث, ثم يستنبط ما يشاء من أحكام! بل إن الشيخ رحمه الله قد اشتكى جدًّا من هؤلاء، وقال إننا كنَّا نعاني من ” التقليد “, فإذا بنا نعاني الآن من ” الانفلات”! وصرَّح الشيخ رحمه الله بأن تقليد العلماء السابقين خير بكثير من هذا الانفلات، بل التقليد للعامي واجب، وهذا الانفلات محرَّم.
  3. ليعلم من يقلِّد الشيخ رحمه الله أن الشيخ نفسه – ومعه علماء الأمَّة – يذمون التقليد، فهو يوصي بالعلم، ويدعو للتعلم، وهو إذا كان يمنع من تقليد أبي حنيفة ومالك فهو لتقليده أمنع! ولذلك لا نرى أن من يقلِّد الشيخ رحمه الله أنه سائر على ما يحب الشيخ، بل هو سائر على ما هو مذموم للشيخ، لكننا الآن في صدد بيان الواقع، وأن الشيخ من المجتهدين، وأنه ثمة من يقلِّده!.
  4. لا ينبغي للعامي الذي يقبل لنفسه تقليد الشيخ الألباني – رحمه الله – أو غيره من أهل العلم قديمًا وحديثًا – أن يفتي، أو يجادل غيره، فهو عامي مقلِّد لا يحل له نقل الفتوى، ولا من باب أولى أن يتجرأ فيفتي، ولا أن يجادل غيره، ولو التزم المقلدون بهذا لارتاحت الأمة من كثير من السوء الذي يُسمع هنا وهناك.
  5. من حباه الله شيئًا من العلم، والقدرة على الترجيح بين الأدلة، ومعرفة الأقرب منها للصواب: لا يحل له أن يكون مقلِّدًا, لا للشيخ الألباني، ولا لغيره.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يجب على من لا علم عنده ولا قدرة له على الاجتهاد أن يسأل أهل العلم؛ لقوله تعالى: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء / من الآية 7 ]، ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا من أجل الأخذ بقولهم، وهذا هو التقليد، لكن الممنوع في التقليد: أن يلتزم مذهبًا معيَّنًا يأخذ به على كل حال، ويعتقد أن ذلك طريقه إلى الله عز وجل، فيأخذ به، وإن خالف الدليل.

وأما من له قدرة على الاجتهاد، كطالب العلم الذي أخذ بحظ وافر من العلم: فله أن يجتهد في الأدلة، ويأخذ بما يرى أنه الصواب، أو الأقرب للصواب.

وأما العامي وطالب العلم المبتدئ: فيجتهد في تقليد من يرى أنه أقرب إلى الحق؛ لغزارة علمه، وقوة دينه وورعه. ” العلم ” ( ص 205 ).

 

والله الموفق.

 

حكم استعمال عقار ” إنتونكس ” المخفف للآلام أثناء عملية الولادة

حكم استعمال عقار ” إنتونكس ” المخفف للآلام أثناء عملية الولادة

السؤال:

هناك غاز اسمه ” إنتونكس ” يُعطى للحوامل وقت الولادة، هذا الغاز لا يوجد فيه مادة محرمة، غير أن المرأة ما إن تستنشقه حتى تشعر بالدوار بعد ستين ثانية من استنشاقه، وقد جربت هذا بنفسي ثلاث مرات من قبل، وأريد أن أعرف الحكم الشرعي فيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن عقار ” انتونكس ” – Entonox – والذي يسمَّى كذلك ” الغاز والهواء ” هو غاز يتكون نصفه من ” الأكسجين ” ونصفه الآخر من ” ثاني أكسيد النيتروجين “، وهذا الغاز تقوم المرأة الحامل التي على وشك الولادة باستنشاقه من خلال قناع للوجه في بداية كل انقباض مخاض؛ وذلك لتخفيف حدة ألم الانقباضات، وهو سهل الاستخدام، وفيه ” أكسجين ” مفيد للجنين، لكن الأطباء يوصون بعدم استعماله لفترة أطول من ثلاث ساعات لما له من تأثيرات سيئة على الأم.

 

ثانيًا:

وأما حكم استعمال العقار التي يسكِّن الآلام ويخدِّر البدن فلا يخلو من كونه:

  1. حرامًا لذاته، مثل الخمر، فلا يجوز استعماله، لا لقصد التخدير ولا للعلاج، والأدلة على وجوب اجتناب الخمر ولعن حامله وكونه داء ليس بدواء صحيحة مشتهرة.
  2. مباحًا لذاته، كبعض النباتات والأعشاب – مثل ” القونفل ” و ” المُرَّة ” – مما جعل الله تعالى فيها تلك الخاصية، فيجوز تناوله مطلقًا.

وقد قلنا في جواب سابق – عن الشيخ العثيمين -:

” إذا كانت المرأة يشق عليها الطلق والولادة، وأخذت من الأدوية المباحة ما يعينها على ذلك: فإن هذا لا بأس به، وهو من باب التنعم بنعَم الله سبحانه وتعالى … “. انتهى، وانظري تتمة الفتوى هناك.

  1. محرَّمة باعتبار نتائجها، كالحشيشة والأفيون وغيرهما من المخدِّرات، فهي حرام، ولا يحل تناولها ابتداءً؛ لما تؤدي بمتناولها لضرر على العقل والبدن، وتؤدي به لحال أشد من حال السكران.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكل ما يُغَيِّبُ العقلَ فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تَغييبَ العقلِ حرامٌ بإجماع المسلمين.” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 211 ).

لكن يجوز تناول قدرٍ يسير منها في التخدير من أجل إجراء عملية جراحية أو قطع عضو من البدن عند الضرورة أو الحاجة، ويكون ذلك بإشراف طبيب مختص؛ ليعطي القدْر المناسب للمريض؛ لئلّا يؤدي به لضرر أو إدمان.

* قال الحطَّاب المالكي – رحمه الله -:

قال ابن فرحون: والظاهر جواز ما سقي من المُرقِّد لقطع عضو ونحوه؛ لأن ضرر المُرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون.

” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 127 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

ولو احتيج في قطع يده المتآكلة إلى تعاطي ما يزيل عقله: فوجهان، أصحهما: جوازه.” المجموع ” ( 3 / 8 ).

* وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

واعلم أنَّ المسكرَ المزيل للعقل نوعان:

أحدهما: ما كان فيه لَذَّةٌ وطربٌ، فهذا هو الخمر المحرَّم شربه ….

والثاني: ما يُزيلُ العقلَ ويسكره، ولا لذَّة فيه ولا طرب، كالبَنج ونحوه، فقال أصحابنا: إنَّ تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالبُ منه السلامة: جاز.

” جامع العلوم والحكم ” ( 423 ، 424 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم استعمال ” البثدين ” أو ” المورفين ” وهي أدوية ذات تأثير مسكر عند الضرورة أو عند الحاجة؟.

فأجابوا:

إذا لم يُعرف مواد أخرى مباحة تستعمل لتخفيف الألم عند المريض سوى هاتين المادتين: جاز استعمال كل منها لتخفيف الألم عند الضرورة، وهذا ما لم يترتب على استعمالها ضرر أشد أو مساوٍ كإدمان استعمالها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 77 ، 78 ).

 

 

والخلاصة:

أننا نرى أن العقار المسئول عنه يندرج تحت القسم الثالث، وعليه: فيجوز استعماله لغاية تخفيف آلام الولادة، وبإشراف المختصين من أهل الطب.

 

والله أعلم.

صاحب الجبيرة الذي لا يستطيع الاغتسال هل يباح له التيمم؟

صاحب الجبيرة الذي لا يستطيع الاغتسال هل يباح له التيمم؟

السؤال:

قمت بإجراء جراحة على مفصل ركبتي، ووضعوا لي جبيرة من أسفل الساق إلى أعلاه، وفي الأيام الأولى لم أكن أستطيع حتى القعود، حصل أن احتلمت، فهل يجب عليَّ الغسل أم يكفيني التيمم؟ صليت يومين بالتيمم ثم طلبت من أقاربي أن يغسلوني، و لكنني احتلمت في اليوم التالي، وأقاربي لديهم مشقة كبيرة في غسلي، فانتظرت عدة أيام حتى أغسلوني، هل صلواتي بالتيمم صحيحة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذكرنا في جواب سابق حكم المسح على العضو المغطى بجبيرة أو لفافة طبية أو لصقات جروح، وقلنا هناك: إن العضو المغطى بشيء مما ذكرنا ونحوه يُمسح عليه إذا أمكن ذلك من غير ضرر سواء في الوضوء والغسل، وأما إذا كان العضو غير مغطى فإنه يُغسل إذا أمكن، وإذا لم يمكن لترتب ضرر بزيادة الألم أو المرض أو بتأخير بُرئه : فإنه يمسحه بالماء، فإذا لم يستطع هذا ولا ذاك: فإنه يغسل الأعضاء التي يقدر عليها – في الوضوء والغسل – ويتيمم بعد انتهاء طهارته بالماء عن ذلك العضو؛ حيث لم يصله الماء.

وعليه: فالواجب عليك عند الاغتسال أن تغسل الأعضاء الظاهرة بالماء، وتمسح بالماء على الجبيرة؛ لتكون طاهرًا من الجنابة أو مؤديًّا للغسل الواجب أو المستحب، ولا داعي للتيمم عن الجزء من بدنك الذي عليه الجبيرة.

ثانيًا:

وحيث أنه جاء في سؤالك وجود مشقة عليه في الذهاب للحمَّام للاغتسال: فإنه لا حرج عليك من التيمم؛ حيث أن التيمم يقع بدلًا عن الغسل بالماء في أحوال مخصوصة هي أعذار شرعية تتعلق أحيانًا بالماء كأن يكون باردًا ولا يوجد ما يُسخن به، وكأن يكون مفقودًا, أو غير مقدور على الوصول إليه، وأحيانًا تتعلق الأعذار بالمسلم نفسه حتى مع وجود الماء، كأن يكون مريضًا يؤثر الماء في بدنه، أو يكون عاجزًا عن الوصول إلى الماء بحبس أو تقييد أو مرض، وكل عذر يتعذر على المسلم استعمال الماء للغسل والوضوء فإنه يتيمم، وقد نصَّ الله تعالى على المرض عذرًا في التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، فقال ( وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ) النساء/ 43.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أما المرض المبيح للتيمم: فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فواتُ عضو أو شَيْنه أو تطويل البُرء.  ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 313 ).

وعدم قدرتك – أخي السائل – على الذهاب إلى دورة المياه للاغتسال، وعدم وجود من يساعدك على الوصول إليها أو يساعدك على الغسل: كلُّ ذلك يعدُّ من الأعذار المبيحة للتيمم، فما تستطيعه: يجب عليك، كأن يكون لك زوجة تُحضر لك الماء للغسل أو توصلك لدورة المياه وتعينك على الاغتسال، وما لا تستطيعه أو يشق عليك مشقة شديدة، كأن تكون في مستشفى أو تكون غير قادر على التحرك، أو ليس ثمة من يساعدك على الاغتسال: فإنك لا تكلَّف بالغسل، ويكون التيمم هو الواجب عليك.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

الذي لا يستطيع التطهر بالماء نهائيًّا، أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة ولا يجد من يساعده: لا بأس أن يتيمم بالتراب؛ لقوله تعالى ( وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ ) النساء/ 43، والمائدة/ 6، حيث ذكر سبحانه وتعالى من جملة الأعذار المبيحة للتيمم: المرض، قال تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16 .

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 23 ).

* وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

فتاة نوِّمت في المستشفى عدة أيام لإجراء عملية لها، وتقول: دخلت المستشفى وأنا لا أصلي لأنه عليَّ العادة الشهرية، ثم انقطعت وأنا في المستشفى ولا أستطيع الغسل في المستشفى، فكيف أصنع؟ هل يكفي أن أنوي بقلبي الغسل أم ماذا؟ أفيدونا.

فأجاب: 

هي معذورة ما دامت تحت العملية، أو على سرير المرض لا تقدر على الاغتسال، فيكفيها التيمم بالتراب أو على السرير إن لم تجد ترابًا كما تتيمم لرفع الحدث الأصغر، وهو الوضوء إن عجزت عنه، فإن قدرت على دخول الحمام وإغلاقه عليها: لزمها الاغتسال؛ لتمكنها من ذلك بدون مشقة، أما إذا لم تستطع الوصول إلى الحمام لأجل العملية ولازمت السرير: فإن التيمم يجزئها للمشقة.

انتهى.

وعليه: فلا حرج عليك من التيمم، وصلاتك التي حصلت به صحيحة من هذه الجهة، ولا تُعدها، ولا يلزمك الغسل بالماء مع وجود عجز عن الذهاب لدورة المياه، أو مع عدم وجود من يساعدك على الاغتسال.

ونسأل الله تعالى أن يمنَّ عليك بالشفاء العاجل، وأن يصبِّرك على ما ابتلاك به، ونوصيك باستثمار وقتك بقراءة وحفظ القرآن، وبطلب العلم قراءةً واستماعًا للنافع المفيد، راجين الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

هل تشمل ضمة القبر الأنبياء عليهم السلام؟

هل تشمل ضمة القبر الأنبياء عليهم السلام؟

السؤال:

قرأت حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ ) فهل هذه الضمة تشمل كل شخص بما في ذلك الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين؟ وهل هناك سبيل للوقاية منها؟

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في أحاديث السنة النبوية ” ضمة القبر “، ولكن هل تشمل الضمة القبر الأنبياء؟ الجواب: ليس ثمة شيء ثابت في ذلك في نصوص الوحي، ولكننا وقفنا على كلام كثير من العلماء يقولون باستثناء الأنبياء من تلك الضمة، ويتعين هذا القول عند من يقول بأن الضمة يكون حالها بحسب حال ذنوب أصحابها؛ فالأنبياء معصومون، ولا ضمة عليهم ولا سؤال لهم في قبورهم.

قال السيوطي – رحمه الله – وقد ذكر حديثًا في ضمة القبر ليحيى عليه السلام -:

هذا الحديث منكر بمرة، وإسناده معضل، والمعروف أن الأنبياء لا يضغطون.

” شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور” ( ص 114).

* وقال المناوي – رحمه الله -:

قد أفاد الخبر أن ضغطة القبر لا ينجو منها أحد، صالح ولا غيره، لكن خُص منه الأنبياء كما ذكره المؤلف – أي: السيوطي – في ” الخصائص “. ” فيض القدير ” ( 5 /424).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لكن استثنى” الحكيم” – وهو الحكيم الترمذي – الأنبياء والأولياء!، فمال إلى أنهم لا يُضمُّون ولا يُسألون.

وأقول: استثناؤه الأنبياء ظاهر، وأما الأولياء: فلا يكاد يصح، ألا ترى إلى جلالة مقام سعد بن معاذ وقد ضُمَّ. ” فيض القدير ” ( 5/ 398 ).

* وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي – رحمه الله -:

وأما الأنبياء فقال بعضهم: ولا يُعلم أن للأنبياء في قبورهم ضمة ولا سؤال؛ لعصمتهم. ” الفواكه الدواني” ( 2/ 688 ).

* وقال سليمان البجيرمي الشافعي – رحمه الله -:

وأما ضمَّة القبر فهي عامة لكل ميت وإن لم يكن مكلفًا، ولم يسلم منها إِلا الأنبياء وفاطمة بنت أسد.” تحفة الحبيب على شرح الخطيب” ( 2/ 586).

قلنا: واستثناء ” فاطمة بنت قيس ” لم يثبت في السنَّة، وإنما كان اعتماد من استثناها على حديث موضوع أو ضعيف جدًّا ذكره ابن شبَّة في كتابه ” تاريخ المدينة ” ( 1 / 124 )، ففي إسناد الحديث مجاهيل، وفيه: ” عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة”، قال عنه ابن حبان رحمه الله -: ” كان كثير الوهم في الأخبار حتى يروى عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات، فإذا سمعها مَن الحديث صناعته شهد أنها مقلوبة، فاستحق الترك “. ” المجروحين” ( 2/ 27 ).

* وقال الشيخ عبدالعزيز الراجحي– حفظه الله -:

وأما الأنبياء فلا نعلم أن لهم في قبورهم ضمة.

” شرح العقيدة الطحاوية” (ص 307 ) – ترقيم الشاملة -.

فالظاهر أن ضمة القبر تشمل الشهداء والصالحين والأولياء، ولا تشمل الأنبياء، وأنه لا علاقة لها بالتكليف، وقد ذكرنا في الجواب المحال عليه أنها تشمل الأطفال، فليس ثمة طرق للوقاية منها؛ لأنها أمر حتم لازم، وليست هي بعذاب، وإنما العذاب ما يحصل بعدها بعد الاختبار للميت.

 

والله أعلم.

هل خلق الله الأشياء وقدَّر فيها خواصها وطبائعها أم أنه تعالى يخلقها عند الحدث؟

هل خلق الله الأشياء وقدَّر فيها خواصها وطبائعها أم أنه تعالى يخلقها عند الحدث؟

السؤال:

أخبرنا أستاذ المعهد الشرعي: أن الله لم يخلق في الأجسام خواصها، فمثلًا: المغناطيس لا يحتوي جاذبية، والنار لا تحتوي صفة الإحراق، لكن الله سبحانه وتعالى عندما يقع الحدث يخلق الصفة إن أراد، فمثلًا عند تقريب مغناطيسيين لمسافة معينة يخلق الله فعل الجذب، وعند اقتراب يدك من النار يخلق الله فعل الإحراق، ودليل ذلك: أن إبراهيم عليه السلام دخل النار ولم يخف لأنه على يقين بأن الله لن يخلق فعل الإحراق، وأيضًا كما حدث مع الصحابة في الحرب مع الفرس عندما اجتازوا النهر ولم يخلق الله فعل الغرق أو حتى فعل البلل بالماء فاجتازوا النهر دون أن يبتل أي شيء منهم، وقال: لذلك على المسلم أن لا يخاف من الأشياء أي مثلًا لا نخاف من الأدوات الحادة؛ لأن الله قادر على أن لا يخلق فعل الذبح.

وأنا غير مقتنع بهذا الكلام، لأنني متذكر أن الله خلق الأجسام وخلق فيها خواصها وجعل للكون سننًا يسير عليها، لكني لم أجد له دليلًا شرعيًّا، ولم أجد كلامًا يرد عليه، فلو توضحون لي الأمر مع الدليل، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما نقلتَه – أخي السائل – عن ذاك الأستاذ هو ما يقول به الأشاعرة موافقة للجبرية! وهذه المسألة يسمونها ” السببية ” وخلاصتها: نفي تأثير الأسباب بمسبَّباتها، ولا ارتباط لسبب بمسبَّب، وإنما العلاقة بينهما علاقة اقتران، فالنار – عندهم – لا تحرق بطبعها ولا هي علة الإحراق وإنما يخلق الله تعالى فيها الإحراق عند التقائها بشيء قابل للاحتراق، فالذي يحرق هو الله، والنار ليس لها أي تأثير، والسكين – عندهم – لا تقطع بطبعها ولا هي علة القطع إنما يخلق الله تعالى فيها القطع عند مرورها على الشيء القابل للقطع، فالذي يقطع هو الله، والسكين ليس لها أي تأثير، وهكذا يقولون إن الإنسان لا يشبع بالأكل بل عند الأكل ! ولا يروى بالشرب بل عند الشرب! وقد جعلوا ذلك من التوحيد، وحكموا على المخالف بالبدعة والضلالة والكفر.

 

 

 

* قال أحمد بن محمد العدوي الأشعري المشهور بـ ” الدردير “:

تَخَالُفٌ للغيْرِ وحدانيةْ *** في الذَّاتِ أو صِفَاتِهِ العليَّةْ

والفِعلِ فالتأثيرُ ليسَ إلا ** للواحِدِ القَهَّار جلَّ وعَلا
ومن يَّقُل بالطَّبعِ أو بالعلَّةْ *** فذاكَ كُفرٌ عند أهلِ المِلَّةْ
ومَن يَقُل بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ *** فَذَاكَ بِدْعِيٌّ فلا تَلتَفِتِ

* وقال في شرحه:

يعني أنَّهُ تعَالى مُتَّصفٌ بوحدانيَّةِ الأفعالِ، فليس ثمَّ مَن له فعلٌ من الأفعال سِوَاهُ تعالَى، إذ كُلُّ ما سِوَاهُ عاجزٌ لا تأثيرَ له في شيءٍ من الأشياء.

إلى أن قال:

فلا تأثيرَ للنار في الإحراقِ، ولا للطَّعامِ في الشَّبَعِ ولا للماء في الرّيِّ، ولا في إنباتِ الزَّرعِ، ولا للكواكبِ في إنضَاجِ الفواكِه وغيرِهَا، ولا للأفلاكِ في شيءٍ من الأشياء، ولا للسِّكِّين في القطعِ، ولا لشيءٍ في دفع حَرٍّ أو بردٍ أو جلبِهِمَا وغيرِ ذلك، لا بالطَّبعِ ولا بالعلَّةِ ولا بقُوَّةٍ أودَعَهَا اللهُ فِيها، بل التأثيرُ في ذلك كُلُّهُ لله تعالى وحدَهُ بمحضِ اختيارِهِ عند وُجُودِ هذه الأشيَاءِ.

” الخريدة البهية وشرحها ” ( ص 59 – 63 ) باختصار.

وقد ردَّ أئمة السنَّة على مثل هذا القول المتهافت، وبيَّنوا أن الله تعالى خلق الأشياء وخلق تأثيرها فيها، فليس ثمة خالق مع الله، والتأثيرات ليست مستقلة عن إرادة الله تعالى، وليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة بأمر الله وقدرته.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها فلا نعلم من أتباع الرسل من قال إنها مستقلة بأنفسها حتى يحتاج إلى نفي هذا المذهب، وإنما قالت طائفة من الناس وهم القدرية: إن أفعال الحيوان خاصة غير مخلوقة لله ولا واقعة بمشيئة، وهؤلاء هم الذين أطبق الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على ذمِّهم وتبديعهم وتضليلهم وبيَّن أئمة السنة أنهم أشباه المجوس وأنهم مخالفون العقول والفطر ونصوص الوحي، فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء ولمنكري الأسباب في القوى والطبائع والحكم، ولُبس على الفريقين الحق بالباطل.

إلى أن قال:

ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثف طبعه فيقول: لا نقف معها وقوف من يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله، فإن وجدتَ أحداً يزعم ذلك ويظن أنها أرباب وآلهة مع الله مستقلة بالإيجاد أو إنها عون لله يحتاج في فعله إليها أو إنها شركاء له : فشأنك به فمزق أديمه، وتقرَّب إلى الله بعداوته ما استطعت، وإلا فما هذا النفي لما أثبته الله والإلغاء لما اعتبره والإهدار لما حققه والحط والوضع لما نصبه والمحو لما كتبه والعزل لما ولاه؟! فإن زعمت أنك تعزلها عن رتبة الإلهية فسبحان الله من ولاها هذه الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها؟!.

والله ما أجهل كثيرًا من أهل الكلام والتصوف حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلا بإلغائها ومحوها وإهدارها بالكلية وأنه لم يجعل الله في المخلوقات قوى ولا طبائع ولا غرائز لها تأثير موجبة ما، ولا في النار حرارة ولا إحراق، ولا في الدواء قوة مذهبة للداء، ولا في الخبز قوة مشبعة، ولا في الماء قوة مروية، ولا في العين قوة باصرة، ولا في الأنف قوة شامَّة، ولا في السم قوة قاتلة، ولا في الحديد قوة قاطعة، وإن الله لم يفعل شيئاً بشيء، ولا فعل شيئًا لأجل شيء  فهذا غاية توحيدهم الذي يحومون حوله ويبالغون في تقريره، فلعمْر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء وأشمتوا بهم الأعداء ونهجوا لأعداء الرسل طريق إساءة الظن بهم وجنوا على الإسلام والقرآن أعظم جناية وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله الموكَلون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرسل، ولعمْر الله لقد كسروا الدِّين وسلطوا عليه المبطلين وقد قيل: ” إياك ومصاحبة الجاهل فإنه يريد أن ينفعك فيضرك”.

فقف مع الأسباب حيث أُمرت بالوقوف معها، وفارقها حيث أمرت بمفارقتها كما فارقها الخليل وهو في تلك السفرة من المنجنيق حيث عَرض له جبريل أقوى الأسباب فقال: ” ألك حاجة؟ ” فقال: ” أما إليك فلا ”  ” مدارج السالكين ” ( 3 / 402 – 409 ).

ثانيًا:

والذي دعا الأشاعرة للقول بهذا القول المبتدع والذي يخالف الشرع والفطرة والعقل: أمران، إثبات المعجزات، وإثبات قدرة الله الشاملة.

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله – عند الكلام على اعتقاد أبي حامد الغزالي -:

تأكيده لإنكار السببيَّة، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها لأمرين :

الأول : إثبات المعجزات، التي هي في الحقيقة خوارق للعادات المعهودة، فحتى تربط هذه المعجزات بالله وقدرته بحيث يقلب العصا حيّة ويشق القمر وغيرها من الأمور الخارقة لا بدَّ من ربط هذا بإنكار التلازم الذي يدعيه الفلاسفة وغيرهم بين السبب والمسبب.

والثاني: إثبات قدرة الله الشاملة، وإبطال التولد الذي قال به المعتزلة، فالفاعل والخالق لكل شيء هو الله تعالى، وهذا بناء على مذهبهم في القدر الذي يميل إلى الجبر.

” موقف ابن تيمية من الأشاعرة ” ( 2 / 627 ).

ثالثًا:

ونصوص الكتاب والسنَّة والمشاهد بالواقع والحس يجعل ذلك القول باطلًا لا قيمة له، وقد ذكر ابن القيم أنه ثمة أكثر من عشرة آلاف موضع في القرآن والسنَّة فيه إثبات تأثير الأسباب بمسبباتها، وأن ما قاله أولئك المبتدعة قد أضحكوا بسببه عليهم أهل العقول، فأين الخلل في إثبات تأثير الأسباب بمسبباتها إذا قلنا إن خالق ذلك التأثير هو الله تعالى؟! وأين مخالفة ذلك للتوحيد الذي بعث الله تعالى به المرسَلين؟!.

* قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -:

ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنَّة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفِطَر، ولهذا قال مَن قال مِن أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل كمال ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ….

ثم مِن أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد: إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتاباً من الكتب أعظم إثباتاً للأسباب من القرآن.

ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبَّب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسبَّبات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلَّى بينها وبين اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟! وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟! ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يُغرق والخبز لا يُشبع والسيف لا يَقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا: قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير ! ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به كما تراه عِيانًا في كتبهم ينفِّرون به الناس عن الإيمان. ” شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ” ( ص 189 ).

وبما ذكرنا يتبين لك – أخي السائل – تهافت قول ذلك المدرس وفساد تلك العقيدة ومناقضتها للشرع والعقل والفطرة، وما ذكره من إلقاء إبراهيم عليه السلام يرد عليه حيث أن الأصل أن النار فيها الإحراق ولذا أعدَّها قومه له عليه السلام ولم يعدوا له ماء ليحرقوه به! وقد بيَّن الله تعالى أنه عطَّل تلك الصفة في تلك النار فخاطبها بأن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا ليس لكل نار بل لتلك المخاطَبة، ولا يملك أحد أن ينزع تلك الصفة منها إلا الله تعالى، ومثله يقال في صفة الإغراق لماء البحر لمن شاء الله تعالى أن يعطلها في حقه، فهو تعالى مالك الأسباب ومسبباتها، وتلك الحوادث تدل على وجود خاصية الإحراق في النار والإغراق في الماء لكن الله تعالى هو الذي نزعها منهما في تينك الحالتين، وهذا يدل على وجود تلك الصفات في تلك الأشياء، وأهل السنَّة هم أسعد الناس بالأدلة وهم أوفر الناس عقولًا وأقومهم فطرة، لذا لم ينكروا نصوص الشرع ولم يأتوا بما يَضحك منه العقلاء ولم يقولوا بما يخالف الفطرة، بل وقفوا مع الأسباب الموقف الشرعي الموافق لكل ذلك، ولذا فمن أراد أن يزيد في الإحراق أجَّج ناره وزاد من لهيبها، ومن أراد دقة القطع رقَّق حد السكين، ومن أراد قوة القطع صلَّب الحديد في السيف، وكل ذلك أخذاً بما جعله الله تعالى من خاصيات في تلك الأشياء التي خلقها على كيفية معينة، ومن يقول بأن الزجاج الرقيق انكسر مع رمي الحجر العظيم لا بسببه: فقد خالف الشرع وناقض العقل والفطرة.

وإليك ملخصًا نافعًا في موقف الفرق من الأسباب والقوى والطبائع في الأشياء:

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام:

  1. منهم مَن بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاء على عقله، وزعم أنه بذلك ينصر الشرع فجنى على العقل والشرع وسلط خصمه عليه.
  2. ومنهم مَن ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ومدبر لها يصرفها كيف أراد فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ويتصرف فيها كما يشاء ويختار.

وهذان طرفان جائران عن الصواب.

  1. ومنهم مَن أثبتها خلقًا وأمرًا قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به من كونها تحت تدبيره ومشيئته وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمه عليها فيقوي سبحانه بعضها ببعض ويبطل إن شاء بعضها ببعض ويسلب بعضها قوته وسببيته ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ليعلم خلقُه أنه الفعَّال لما يريد وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببًا.

وهذا باب عظيم نافع في التوحيد وإثبات الحُكم يوجب للعبد إذا تبصر فيه الصعود من الأسباب إلى مسبِّبها والتعلق به دونها وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارًّا وضارَّها نافعًا ودواءها داءً وداءها دواء، فالالتفات إليها بالكلية: شرك مناف للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية: قدح في الشرع والحكمة، والإعراض عنها مع العلم بكونها أسبابًا: نقصان في العقل، وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض وشهود الجمع في تفرقها والقيام بها: هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة، والله أعلم.

” مدارج السالكين ” ( 1 / 243 ، 244 ).

 

والله أعلم.

علامات قبول الحج

 

السؤال:

سؤالي لفضيلتكم – يا شيخ – عن علامات قبول الحج، هل هي فعلًا أن يرجع الرجل زاهداً في الدنيا راغبًا في الآخرة؟ وهل إذا رجع الحجيج واستمر على جل معاصيه التي كان يفعلها قبل الحج من تأخير لبعض الصلوات المفروضة حتى تخرج عن وقتها، والمداومة – تقريبًا – على صلاة الصبح بعد شروق الشمس إلا القليل جدًّا من الأيام، وشرب السجائر، ومشاهدة الأفلام التي – كما تعلم حضرتك – لا تخلو من الإسفاف … الخ.

الشاهد: هل هذا دليل على عدم قبول ما قام به هذا الرجل من ( 4 حجات ) متتالية أم أنه يجوز أنها قُبلت ولكنه لم يحافظ على قلبه فعاد للذنوب والمعاصي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليعلَم ذلك الرجل أنه يرتكب منكرات من الأفعال وكبائر من الذنوب وبعضها يصل إلى الكفر المخرج من الملَّة، فسؤاله عن قبول حجه وهو مداوم على تلك الأفعال والذنوب من تلبيس الشيطان عليه حيث صرف ذهنه إلى مسألة أخرى غير التي هو واقع فيها، لذا فالجواب على سؤالك أخي السائل أن على ذلك الرجل أن يحذر مما يفعله من ذنوب ومعاص حتى لو لم يحج.

  1. فتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها منكر عظيم، وقد وقع خلاف بين العلماء في كفره وخروجه من الملَّة بفعله ذاك حتى لو كان ذلك التأخير لصلاة واحدة، وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك كفرًا أكبر يخرجه من الملة، وهو الذي يرجحه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
  2. وشرب الدخان محرَّم؛ لما فيه من الخبث والضرر وإضاعة المال.
  3. والأفلام التي تسأل عنها لا يخفى حكمها على أحد؛ لما تحتوي عليه من محرمات قطعية كالتبرج والفجور في الأقوال والأفعال، ويستوي في ذلك الأفلام العاطفية والبوليسية والعلمية والوثائقية، العربية منها والأجنبية.

 

 

 

ثانيًا:

وأما بخصوص فعل تلك المعاصي وغيرها بعد أن يقوم المسلم بحج بيت الله الحرام: فإن ذلك علامة من علامات نقص الحج وعدم تأثيره فيه بما يصلح حاله، ومن أظهر علامات قبول الحج عند أهل العلم أن يرجع الحاج بحال أفضل مما كان عليه.

* قال الإمام النووي – رحمه الله -:

ينبغي أن يكون بعد رجوعه خيرًا مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمرًّا في ازدياد.” الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ” ( ص 180 ).

وإذا أراد المسلم أن يعرف قبول حجه من عدمه وكماله من نقصه: فلينظر في حاله بعد أن يرجع من حجه هل هو أفضل مما كان عليه، ولينظر في أثر حجته على قلبه وجوارحه، ولينظر في طاعته ومعصيته، وليحكم بعد ذلك بنفسه على نفسه، وليبادر إلى ما فيه رضا ربه تعالى قبل أن يفوت عليه الوقت ولا ينفعه الندم.

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

يحب الإنسان أن يكون حجُّه مقبولًا وأن يكون مبرورًا، فلذلك علامات يعرفها من حقق النظر فيها، فإذا رجع الحاج من حجه وقد قُبل حجه وقد أتمَّه: رأيتَه محافظًا على العبادات، ورأيتَه يسابق إلى المساجد، ورأيته يتقرب إلى الله تعالى بنوافل العبادات، ورأيته يفعل الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويكثر من ذكر الله، يأتي بالأذكار التي بعد الصلوات تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا، وما إلى ذلك.

وهكذا أيضًا رأيتَه يتقرب إلى الله بالصدقات، ويعمل فضائل الأعمال من الصلوات ونحوها، فيحاول أن يصلي في الليل تهجدًا، ويحاول أن يصلِّي في وسط النهار الضحى صلاة تطوع، ويحاول أيضًا أن يبكِّر إلى الجمعة والجماعات، ويحاول أن يتقرب إلى الله بالأعمال الخيرية التي يتأدب بها المسلم مع إخوانه المسلمين، فتراه مثلًا يحب المسلمين لأجل أنهم مسلمون.

إذا رجع وقد قُبل حجُّه رأيتَه يبدأ إخوانه بالسلام، ورأيته يحرص على زيارات الصالحين، يتودد إليهم ويتقرب بذلك إلى الله تعالى، ويتقرب بمحبتهم، ورأيتَه أيضا يحب مجالس الذِّكر ومجالس العلم: العلم النافع، ويتزود من المعلومات التي تقربه عند الله سبحانه تعالى.

وكذلك أيضا يتقرب إلى الله تعالى بما يتعلق بحقوق إخوته: فيسلم على من لقيه، ويشمِّت من عطس، ويزور المرضى، ويتبع الجنائز، ويصلي على إخوته إذا مات أحد منهم من المسلمين ولم يكن يعلمهم، ويبذل النصيحة للعالم، يبذل النصيحة لإخوانه المسلمين .

وكذلك أيضًا يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويبر أبويه، ويصل ذوي أرحامه، ويحسن إلى جيرانه، وما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة.

هذه من آثار الحج المقبول، ومن العلامات التي تدل على أنه قد أثر فيه هذا العمل الصالح، يقول الله تعالى ( إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ ) فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: فإن بقية الأعمال كذلك، ولكن الصلاة لا تنهى إلا من حققها وكملها وأخلص فيها، وكذلك الحج أيضًا ينهى عن الفحشاء والمنكر، ينهى صاحبه المخلص فيه عن الأعمال السيئة.

إذا رأيتَ من أخلص في حجه بعد رجوعه: رأيتَه يغض بصره عن الحرام : ولا ينظر إلى ما يفتنه من الصور الفاتنة أو النساء المتبرجات، أو من الأفلام الخليعة أو ما أشبه ذلك، يحفظ بصره عما يفسد عليه قلبه؛ وذلك لأن البصر مرآة القلب.

كذلك أيضا يحفظ سمعه: فلا يستمع إلى الكلام السيئ، لا يستمع الأغاني ولا يستمع الملاهي، ولا يستمع الغيبة والنميمة والسباب والهجاء وما أشبه ذلك، يصون سمعه فيبتعد عن هؤلاء ونحوهم الذين يتعاطون مثل هذه الأعمال السيئة.

وكذلك أيضًا إذا رأيتَ الذي قُبل حجُّه رأيتَه أيضًا حافظًا للسانه: يحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور والسباب واللعن والشتم والبهتان والكذب والآثام، والكلام السيئ كله، يحفظه عن أن يتكلم في أحد بسوء أو ببهتان أو ما أشبه ذلك، فإذا لم ينته عن مثل ذلك فإنه يخاف أن حجه غير مبرور، وأنه لم يستفد من حجه إلا التعب، إلا السهر والنصب والخسران المبين، أما إذا رأيتَه وقد حفظ لسانه, وقد انشغل لسانه بما يحبه ربه من الأذكار والعبادات والطاعات: فإنك تستدل بهذا على أنه من المقبولين إن شاء الله.

وهكذا أيضًا يحفظ بقية بدنه: فيحفظ يديه: فلا يبطش بهما إلى ما حرمه الله، لا يمد يده إلا إلى ما فيه مصلحة أو ما أمر به، إلا ما كلف به، وكذلك أيضًا لا يمشي بقدميه أو يركب متوجهًا إلا إلى خير، فالذي مثلا تراه يمشي نحو مجالس اللهو والباطل، أو مجالس المعاصي والمحرمات وما أشبهها تقول: هذا لم يستفد من عمله، هذا ما أفاده حجه، يخاف أنه لم يتأدب بالآداب الشرعية التي رغب الله فيها والتي أحبها.

كذلك أيضًا تراه بعد هذا العمل الصالح: تراه بعده قد حفظ ماله، حرص على ألا يعمل عملًا أو يكتسب كسبًا محرَّمًا، أو كسبًا فيه شبهة: بل تكون أعماله ومكاسبه خاضعة للشرع لا يتعامل بمعاملة محرمة أو مكروهة أو فيها شيء من شبهة الحرام وما أشبهه؛ حتى يكون كسبه حلالًا بعيدًا عن المحرمات.

نقول: إن هذه من آداب الحج، ولا شك أيضًا أنها من آداب المسلم في حياته سواء حج أو لم يحج، سواء أن تيسر له الحج في هذا العام أو قد حج في الأعوام الماضية، أو قد عزم على الحج في السنوات المستقبلة أو ما أشبه ذلك، فمن تأدب بها رجي بذلك قبول أعماله، ومن رفض أن يتأدب بها خشي عليه رد أعماله.

وقد كان السلف – رحمهم الله تعالى – يهتمون بإتقان الأعمال وبإكمالها، ثم بعد ذلك يدخل عليهم الهم، وأحاديث النفس أحدهم: هل قُبلت منَّا أعمالنا أو لم تقبل منَّا؟ هل أعمالنا مما قبلها الله وأثاب أو يثيب عليها أم أنها مردودة؟ حتى كان بعضهم ينادى فيقول: ” ليت شعري مَن المقبول منَّا فنهنيه ومن المردود منا فنعزيه، أيها المقبول: هنيئًا لك، أيها المردود: جبر الله مصيبتك “.

ثم يستدلون على القبول بالأعمال الخيرية التي هي أثر من آثار الأعمال الصالحة، وعلى الرد وعدم القبول بالأعمال السيئة، فيقولون: مَن رجع من الحج وقد قُبل حجُّه: رأيناه تائباً من الذنوب، ورأينا عليه آثار الطاعة؛ وذلك لأنه عاهد الله تعالى عهودًا مؤكدة، من ذلك عهده بالتلبية؛ فإن التلبية هي إجابة الله تعالى.

الحاج والمعتمر إذا قال: ” لبيك “: فإن هذا عهد، عهد بين العبد وبين ربِّه، ” لبيك ” يعني: أنا مقيم على طاعتك، فلا بد أن يكون صادقًا في هذه المعاهدة، فيبقى طوال حياته ملتزمًا بأمر الله تعالى، محافظاً على طاعته؛ حتى يكون من المقبولين، وإنما يتقبل الله من المتقين.  انتهى.

– ولا مزيد على ما قاله الشيخ رحمه الله، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى.

والله أعلم.

ما حكم الصلاة بالثياب المعطرة بعطور كحولية؟

ما حكم الصلاة بالثياب المعطرة بعطور كحولية؟

السؤال:

هل استخدام العطور المحتوية على مواد كحولية يحول دون صحة الصلاة؟.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي نراه أنه لا حرج من استعمال العطور الكحولية على البدن وعلى الملابس، وإنما يُمنع استعمالها على البدن إن ثبت وجود ضرر بذلك الاستعمال.

ولا نرى تأثيرًا لاستعمال العطور الكحولية على الصلاة؛ لأمور:

  1. أن حكم الكحول هو حكم الخمر من حيث النجاسة، والراجح من أقوال العلماء أن نجاسة الخمر معنوية لا حسيَّة، وعليه: فالأصل في الخمر الطهارة، فيكون الكحول طاهرًا ليس نجسًا، وهذا الأمر وحده كافٍ لبيان عدم تنجيس الثياب المعطرة بعطور كحولية.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن نجاسة الخمر والكولونيا -:

الأصل في الأشياء الطهارة حتى يوجد دليل بيِّنٌ يدل على النجاسة، وحيث لم يوجد دليل بيِّنٌ يدل على النجاسة: فإن الأصل أنه طاهر، لكنه خبيث من الناحية العملية المعنوية ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسًا، ألا ترى أن السمَّ حرام وليس بنجس، فكل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا.

وبناء على ذلك نقول في الكولونيا وشبهها: إنها ليست بنجسة؛ لأن الخمر ذاته ليس بنجس على هذا القول الذي ذكرناه أدلته، فتكون الكولونيا وشبهها ليست بنجسة أيضاً، وإذا لم تكن نجسة: فإنه لا يجب تطهير الثياب منها.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 252 ).

* وقال – رحمه الله -:

قال الشيخ محمد رشيد رضا في ” فتاواه ” ( ص 1631 ) من مجموعة ” فتاوى المنار “:

” وخلاصة القول: أن الكحول مادة طاهرة مطهرة وركن من أركان الصيدلة والعلاج الطبي  والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يحصى من الأدوية، وأن تحريم استعمالها على المسلمين يحول دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة هي من أعظم أسباب تفوق الإفرنج عليهم، كالكيمياء والصيدلة والطب والعلاج والصناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك قد يكون سببًا لموت كثير من المرضى والمجروحين أو لطول مرضهم وزيادة آلامهم ” ا.هـ.

وهذا كلام جيد متين، رحمه الله تعالى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 259 ).

  1. أنه لو فُرضت نجاسة الكحول فإن كميته تكون قليلة تستهلك باستعمالها مع العطور، فلا يظهر له أثر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الله تعالى حرَّم الخبائث التي هي الدم والميتة ولحم الخنزير، ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت: لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير أصلًا، كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع: لم يكن الشارب لها شاربًا للخمر.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 501 ، 502 ).

  1. أنه لو فرضت نجاسة الكحول فإن كميته قليلة مستهلكة – كما سبق – وإن استعماله خارجي ليس في الشرب.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( ولو خلطه ) أي: المسكر ( بماء فاستُهلك ) المسكر ( فيه ) أي: الماء ( ثم شربه ) لم يحد؛ لأنه باستهلاكه في الماء لم يسلب اسم الماء عنه ( أو داوى به ) أي: المسكر ( جرحه لم يحد ) لأنه لم يتناوله شرابًا ولا في معناه.

” كشاف القناع ” ( 6 / 118 ).

والخلاصة:

الكحول مادة طاهرة، وخلطها بالعطور لا بأس به، واستعمالها بوضعها على الثياب لا يجعلها نجسة، ولا بأس من الصلاة بثياب معطرة بتلك العطور الكحولية.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

العطورات بالنسبة للكحول فإن ثبت ذلك فهل يضعها على ملابسه فيخرج للصلاة؟.

فأجاب:

لتعلم أن الخمر الخالص ليس بنجس، ولا يجب غسل الثياب منه ولا الأبدان، فإذا فهمتَ ذلك علمتَ أن العطورات التي فيها الكحول ولو كانت نسبتها كبيرة ليست بنجسة .” لقاء الباب المفتوح ” ( 176 / السؤال رقم 4 ).

 

والله أعلم.

يهودي يكذِّب القرآن ويزعم أن اليهود لا يقولون بأن عُزَيرًا ابن الله ولا أن يد الله مغلولة

يهودي يكذِّب القرآن ويزعم أن اليهود لا يقولون بأن عُزَيرًا ابن الله ولا أن يد الله مغلولة

السؤال:

يهودي يسألني عن القرآن فيقول: نحن لا نقول بأن شخص ” عزير ” نبي الله ابن الله، ولا يوجد نص بذلك، ولا نقول إن يد الله مغلولة، ولا أننا أبناء الله ولا أحباؤه، ولم يؤمن بالقرآن لهذا السبب. أرجو حل هذا الإشكال لو سمحتم، فهو يريد أدلة، ويقول إنها محض ادعاءات عليهم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لو تفكر ذاك اليهودي في حاله وحال ما استشكله قليلًا لعلم أنه إنما أوتي من اعتداده بنفسه ومن جهله بدينه وتاريخه وجهله بشرع الله تعالى؛ ولو كان ما ذكره الله تعالى عن أجداده اليهود ليس له واقع لسارع أولئك الأجداد إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الطعن في القرآن أنه يقول ما ليس بصحيح من اعتقاد وقول أجداده اليهود، وهذا لم يحصل، فدلَّ ذلك على جهل هذا المعترض وأنه إنما تكلم بما ليس له به علم، ولم يكن أجداده ليضيعوا هذه الفرصة الثمينة لو أن الله تعالى قد ذكر عنهم ما ليس من قولهم واعتقادهم!.

ثانيًا:

ولسنا نشك في صحة ما ذكره الله تعالى عن أولئك اليهود، ومن أصدق من الله حديثًا؟! ومن أصدق من الله قيلًا؟! لكن هذا اليهودي المُستشكِل يجهل أن لغة العرب يجوز فيها نسبة القول للطائفة والجماعة ولا يلزم أن تكون من قولهم جميعًا، بل قد يكون القائل بعضهم ويُنسب القول لجميعهم، ومن الحكمة في ذلك ها هنا: أن سكوت باقي الطائفة عن إنكار القول يعني إقرارهم للقول، فيصح – حينئذٍ – أن يُنسب للطائفة جميعها.

ثالثًا:

والأقوال التي ذكرها الله تعالى في كتابه مما استشكله ذاك اليهودي لم يذكر الله تعالى أنها في كتب اليهود ودينهم، بل هي أقوال قد قيلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من قبَل طائفة من اليهود فأنزل الله تعالى القرآن بذلك وتوعدهم على قولهم الفاحش ذاك، وكون اليهودي هذا لا يقول بتلك الأقوال فلن يغيِّر هذا من الأمر شيئًا، فهي أقوال قد قيلت يقينًا، والتبرؤ منها لا يعني أنها لم تُقل.

 

 

  1. قولهم ” العزير ابن الله “:

وقد نُقل هذا القول عن بعض يهود المدينة، ونقل عن فرقة ” الأصبهانية ” اليهودية.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن العربي في ” شرح الترمذي ” تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله، وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردَّ ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم، بدليل: أن القائل من النصارى إن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية فسبحان مقلب القلوب.” فتح الباري ” ( 3 / 359 ).

* وقال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) قيل: إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك، والدليل على ذلك: أن اليهود قد سمعت ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره، وهو كقول القائل ” الخوارج ترى الاستعراض وقتل الأطفال ” والمراد: فرقة منهم لا جميعهم، وكقولك ” جاءني بنو تميم ” والمراد: بعضهم، قال ابن عباس: قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وليس في اليهود من يقول ذلك الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت. ” أحكام القرآن ” ( 4 / 299 ).

* وقال الماوردي – رحمه الله -:

فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟.

قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .” تفسير الماوردي ” ( 2 / 353 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) كلهم قالوا ذلك أم بعضهم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( يُؤْتَى بِاليَهُودِ يَوْمَ القِيَامَة فَيُقَالُ لَهُم مَا كُنْتُم تَعْبُدونَ؟ فَيَقُولُونَ: العُزَيْر ) الحديث – متفق عليه -، هل الخطاب عام أم لا؟.

 

فأجاب:

الحمد لله، المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ) لم يقل جميع الناس ولا قال: إن جميع الناس قد جمعوا لكم؛ بل المراد به: الجنس، وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلاني يفعلون كذا، وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك: فيشتركون في إثم القول، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 47 ).

وما ذكرناه هنا هو قاعدة الرد على استشكالات ذاك اليهودي، فالأقوال التي ذكرها الله تعالى عن اليهود ثابتة عنهم ولا شك، وهي عن بعضهم لا جميعهم، والنسبة إلى الجنس مع أن القائل طائفة منهم أسلوب عربي معروف، وإنكار القول بتلك الأقوال الآن لا يعني أنها لم تُقل، ولو اكتفينا بهذا لكنَّا قد رددنا الإشكالات من أصلها، لكننا سنزيد في التوكيد، ونذكر باقي الأقوال وقائليها.

  1. قولهم ” يد الله مغلولة “:

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) قال عكرمة: إنما قال هذا ” فنحاص بن عازوراء ” لعنه الله، وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم؛ فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء، فالآية خاصة في بعضهم، وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا.

” تفسير القرطبي ” ( 6 / 238 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد قال عكرمة: إنها نزلت في ” فنْحاص ” اليهودي عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال ( إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) آل عمران/ 181، فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له ” شاس بن قيس “: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ).

وقد رد الله عز وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ). ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 146 ).

 

 

  1. قولهم ” نحن أبناء الله وأحباؤه “:

وهذه الجملة قد تختلف عن سابقتيها بأنها مما قاله بعض اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما حرَّفوه من كتاب ربهم تعالى.

جاء في ” الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ” ( 2 / 169 ) للدكتور حكمت بن بشير بن ياسين – حفظه الله – ما نصُّه:

أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ماتخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله وأحباؤه ! كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) إلى آخر الآية. انتهى.

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ثم قال تعالى رادًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: ” أنت ابني بكري”، فحملوا هذا على غير تأويله، وحَرّفوه، وقد ردَّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 68، 69).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلاًّ منهما ادعى دعوى باطلة يزكون بها أنفسهم بأن قال كل منهما ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) ، والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح . ” تفسير السعدي ” ( ص 227 ).

فهذا ما تيسر من رد إشكالات ذاك اليهودي، وبه يتبين أن الرجل ينكر أمرًا معلومًا مشتهرًا في التاريخ مما قاله أجداده القدماء من الباطل، وليعلم أن الأمر كان متاحًا لأن يكذِّب أولئك الأجداد ما ذكره الله تعالى عنهم، فلما لم يفعلوا عُلم أنه نقل صحيح، فعسى الله أن يهدي قلبه للإسلام ويشرح صدره للإيمان.

 

والله أعلم.

هل يجوز تسمية موقع إسلامي ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟

هل يجوز تسمية موقع إسلامي ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟

السؤال:

ما الحكم في تسمية المنتديات أو المواقع باسم ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟ ونريد منكم أن تقترحوا علينا أسماء إسلامية جميلة لتسمية موقع قيد الإنشاء بها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نعلم مانعًا يمنع من تسمية منتديات ومواقع إسلامية باسم ” رياض الصالحين ” و ” رياض الصالحات “، وهذا كتاب الإمام النووي رحمه الله المشتهر في الآفاق والمسمى ” رياض الصالحين ” قد تتابع كثير من العلماء على قراءته وشرحه والوصية بذلك، ولم نقف على كلمة لأحدٍ منهم في انتقاد هذه التسمية، وكما يُرجى أن يكون قراء ذلك الكتاب من الصالحين فإنه يُرجى أن يكون المشاركون في تلك المواقع والمنتديات من الصالحين والصالحات، وعليه: فلا نرى مانعًا من إطلاق تلك التسمية على مواقع ومنتديات إسلامية.

وأما بخصوص اقتراح أسماء إسلامية لموقع قيد الإنشاء فإن كثرة المواقع الإسلامية قد تكون استوعبت ما يخطر بالبال من أسماء، ولعلنا نقترح الآن بعض الأسماء مما نرجو أن لا يكون أحدٌ قد سمَّى موقعه بها، ومما نقترحه: اختيار أحد أسماء محاضرات الشيخ علي القرني مثل ” الرضاب المعسول ” أو ” الزرياب ” ، أو ” الذهب الإبريز ” أو ” نفح الطيب “.

ونقترح لكم: ” الصبيب “، ” البرَّاق “, ” إرواء الصَّوادي – أي: العطشى -، ” اليَراع “.

 

– ونسأل الله لكم التوفيق في مسعاكم.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن تكون المرأة مشرفة على منتديات عامة؟

الحمد لله

نعم، الذي يظهر لنا أنه لا يجوز للمرأة أن تولَّى الإشراف على أعمال يقوم بها رجال، ولا على منتديات فيها مشرفون وكتَّاب من الرجال، وأن ذلك يدخل في التولية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وحذَّر من عاقبتها.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.رواه البخاري ( 4163 ).

وقد فهم أبو بكرة – رضي الله عنه – راوي الحديث – العموم مما رواه، في كل قوم، وفي كل امرأة، وفي كل ولاية، فجعل الحديث منطبقاً حتى على عائشة رضي الله عنها في خروجها ” يوم الجمل ” للإصلاح بين المتخاصمين، وليس هذا بولاية عامَّة، وهي مسلمة، مع أن الحديث في ابنة كسرى، وفي الولاية العامة.

فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى ، قَالَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.

وما استدل به – رضي الله عنه – هو ظاهر الحديث فإن لفظ ” قوماً ” و ” امرأة ” و ” الولاية ” كلها ألفاظ عامَّة.

* قال الشوكاني:

فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح: واجب. ” نيل الأوطار ” ( 8 / 305 ).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز لجماعة من المسلمات اللائي هنَّ أكثر ثقافة من الرجال أن يصبحن قادة للرجال؟ بالإضافة إلى عدم قيام المرأة بإمامة الناس في الصلاة، ما هي الموانع الأخرى من تولي المرأة للمناصب أو الزعامة، ولماذا؟.

فأجابوا:

دلَّت السنَّة, ومقاصد الشريعة, والإجماع، والواقع: على أن المرأة لا تتولى منصب الإمارة، ولا منصب القضاء؛ لعموم حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ولوا أمرهم امرأة قال: ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة “، فإن كلًا من كلمة ( قوم )، وكلمة ( امرأة ) نكرة وقعت في سياق النفي فتعم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معروف في الأصول؛ وذلك أن الشأن في النساء نقص عقولهن، وضعف فكرهن، وقوة عاطفتهن، فتطغى على تفكيرهن؛ ولأن الشأن في الإمارة أن يتفقد متوليها أحوال الرعية، ويتولى شؤونها العامة اللازمة لإصلاحها.الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (  17 / 13 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز تولية المرأة على شيءٍ من أمور المسلمين؟.

فأجاب:

لا نرى هذا، نرى أنه لا يجوز، لا سيما إذا قلنا لو أنهم ولَّوْا أمرهم رجلًا لكان أفلح. ” شرح العقيدة السفارينية ” ( شريط رقم: 23، وجه أ ).

ثانيًا:

وقال بعض العلماء: إن المنع إنما هو في ” الولاية العامة “، واستدل على ذلك بخروج عائشة رضي الله عنها، وبتولية عمر – رضي الله عنها – لامرأة تدعى ” الشفاء ” حسبة السوق، يعني: إقامة الشرع في الأسواق: بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

أ. أما الاستدلال بفعل عائشة: فيرد عليه بوجوه، منها:

  1. تخطئة جمع من الصحابة لها بفعلها ذاك، ومنهم راوي الحديث الصحابي الجليل أبو بكرة – رضي الله عنه -.
  2. أنها هي ندمت على خروجها – رضي الله عنها -.

وقد روى ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 15 / 281 ) عنها قولها: ” وددتُ أني كنت غصناً رطباً، ولم أسر مسيري هذا “.

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

” ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ “. ” سير أعلام النبلاء ” (2/ 177 ).

* وقال الزيلعي – رحمه الله -:

” وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ – كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب ” عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ ” انتهى, وقال الذهبي: إسماعيل بن أبى خالد عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع – رضي الله عنها -.

قلت: تعني بالحدث مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليَّةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار – رضي الله عن الجميع -“. انتهى. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).

ب. وأما الاستدلال بتولية عمر للشفاء حسبة السوق: فيرد عليه من وجوه، منها:

  1. أن الأثر ليس له إسناد!.

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

” وقد روي أن عمر قدَّم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح; فلا تلتفتوا إليه; فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث “. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 145 ).

ونقله عنه: القرطبي في ” تفسيره ” ( 13 / 183 ) وأقرَّه .

  1. أن متنه منكر، ويبعد جدًّا على – عمر رضي الله عنه – أن يفعله، ولعلَّ من رواها أن يكون قد وهم، فقد ذكر ابن عبد البر – رحمه الله – أن من تولى السوق هو: ابنها، سليمان بن أبي حثمة.

 

ثالثًا:

ويجوز للمرأة أن تكون لها ولاية محدود على بنات جنسها، كأن تكون مديرة مدرسة إناث، أو مسئولة عن عاملات، أو مشرفة على منتديات ومواقع نسائية.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” فالأصلُ اُشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ عليه، مثل: الولاية العامة، كالإمارة، والقضاء، وما أشبهه، فهي خاصَّة بالرِّجال، لكن قد تتولَّى المرأةُ إمارةً محدودة، كما لو سافرت مع نساء وصارت أميرتهنَّ في السَّفر، وكمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 218 ).

* وقال – رحمه الله -:

” لا يمكن أبداً أن تتولى ولاية عامة, تشمل الرجال والنساء، صحيح أنها يمكن أن تتولى ولاية عامة بالنسبة لقسم النساء، كمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك، أما إمام: فلا يمكن أن تكون إمامًا، ولا يمكن أن تكون رئيسة، ولا يمكن أن تكون وزيرة في حكم الشرع؛ وذلك لأن المرأة ليست كالرجل، في القوة، والحزم، والفكر “. “فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم: 366 ، وجه ب ).

 

 

 

والخلاصة:

أنه لا يجوز تولية امرأة منتديات ومواقع رجالية، أو مختلطة – رجالًا ونساء ، ويمكن للمرأة أن تتولى مسئولية منتديات نسائية خاصة، وهذا خير لها، وأولى، وأبعد لها عن الفتنة والريبة.

 

والله أعلم.