الرئيسية بلوق الصفحة 149

هل في الشرع دعاء يقال عند السحور؟ وكيف أنوي لصيامي؟

هل في الشرع دعاء يقال عند السحور؟ وكيف أنوي لصيامي؟

السؤال:

ظننت أيام المدرسة أن هناك دعاءً مخصصاً فقط للإفطار وليس للسحور؛ لأن في السحور النية محلها القلب, لكن زوجي أخبرني أن هناك دعاءً مخصصا للسحور أيضا. رجاء التوضيح، هل هذا صحيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا ندري هل السؤال هو عن الدعاء الذي يقال عند الإفطار والسحور، أو هو عن نية الصيام، وهل هي باللسان أم بالقلب، وعلى كل حال فسنجيب على الاحتمالين ونقول:

الذي ثبت في السنة من أذكار هو عند الإفطار، ويقول المسلم عند فطره: ” ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله “، وله أن يدعو بما يشاء, لا لكون ذلك ورد في السنة تنصيصا بل لأنه محل نهاية عبادة، ويشرع للمسلم أن يدعو عند ذلك.

سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

هل هناك دعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند وقت الإفطار؟ وما هو وقته؟ وهل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره؟.

فأجاب:

نقول: إن وقت الإفطار موطن إجابة للدعاء؛ لأنه في آخر العبادة؛ ولأن الإنسان أشد ما يكون – غالبا – من ضعف النفس عند إفطاره، وكلما كان الإنسان أضعف نفساً وأرق قلباً كان أقرب إلى الإنابة والإخبات إلى الله عز وجل، والدعاء المأثور: ” اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت “، ومنه أيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ” ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله “، وهذان الحديثان وإن كان فيهما ضعف لكن بعض أهل العلم حسنهما، وعلى كل حال فإذا دعوت بذلك أو بغيره عند الإفطار فإنه موطن إجابة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 341 ).

والدعاء يكون قبل الإفطار كما ذكره الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –، وحديث ” ذهب الظمأ … ضعيف، أمّا حديث ” اللهم لك صمت ” فحسن.

وليس ثمة دعاء يقال عند السحور، ولا نراه مشابهاً لحكم الدعاء عند الفطر؛ لأن وقت السحور نهاية إفطار وليس نهاية صيام، لكن من أخَّر سحوره إلى الثلث الأخير من الليل فإنه يدرك بذلك النزول الإلهي فيه، وهو وقت استجابة الدعاء.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ “.

رواه البخاري ( 1094 ) ومسلم ( 758 ).

وأما التلفظ بالنية باللسان فهو بدعة، والنية محلها القلب، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” ومن خطر بقلبه أنه صائم غدا فقد نوى “، ويكفي للشهر كاملا                                                                                                                            النية من أوله إلا أن يُقطع الصيام بسفر أو مرض أو حيض.

 

والله أعلم.

 

 

هل يعتكف في العشر الأواخر وحده أم يرجع عند أهله ويتعبد معهم؟

هل يعتكف في العشر الأواخر وحده أم يرجع عند أهله ويتعبد معهم؟

السؤال:

أسافر كل يوم لمسافة حوالي ( 122 كيلومتر )  للذهاب إلى العمل، لكن أثناء رمضان أبقى في المدينة حيث أعمل، وذلك من الاثنين إلى الجمعة، ولا أذهب لرؤية أهلي طوال الأسبوع، فهل يجوز لي الصوم أثناء الرحلة؛ لأنها ليست رحلة شاقة خلال هذه الأيام؟ وهل صومي صحيح؟ وإذا أخذت آخر عشرة أيام من رمضان إجازة من العمل, فهل أعتكف في نفس المدينة أم أعتكف مع أسرتي التي لم أتمكن من قضاء وقت كثير معها؟ وأيضًا لمساعدة زوجتي في أعمال البيت لأنها تتعب جدًّا ولا يمكنها أداء كثير من العبادة، فهل الأفضل لي الاعتكاف أم قضاء الوقت مع أسرتي والتعبد معا؟, والسلام عليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

المسافر من الذين رخَّص الله لهم الفطر في رمضان، قال الله تعالى: ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة / من الآية 185 ], ولا فرق بين أن يكون السفر شاقا أو سهلا، ولا بين أن يكون طويلا أو قصيرا.

* وهل الأفضل له أن يصوم أو يفطر؟.

والجواب:

الأفضل له الصيام إلا إذا وجد مشقة فالأفضل الفطر.

ثانيا:

والأفضل لك أيها الأخ الفاضل أن ترجع لأهل بيتك وتقيم بينهم لمساعدة زوجتك على شئون البيت؛ ولإعانتها على القيام بالطاعة واستغلال العشر الأواخر، وبقاؤك بين أهل بيتك لحثهم على الطاعة والعبادة خير من اعتكافك وحدك مع حرمانهم منها بسبب بعدك، وقد أخبرت عائشة – رضي الله عنها – عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر ومنه: ” أيقظ أهله ” أي: أيقظهم للطاعة والعبادة والصلاة والدعاء، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليعتكف ويترك أهل بيته دون عناية ورعاية، وقد ثبت أنه كان يدخل رأسه لبيت عائشة لتمشطه، وثبت أن صفية – رضي الله عنها – زارته وهو معتكف، وثبت أنهن اعتكفن معه، والاعتكاف عبادة خاصة غير متعدية، والذي ننصحك به هو من الأفعال المتعدية في نفعها لغيرك، ولن تُحرم أجر طاعتهم، ولن تَحرم نفسك من العبادة، إذ يمكنك مصاحبة أهل بيتك لقيام الليل في المساجد، ويمكنك إيقاظهم آخر الليل للدعاء وقراءة القرآن، وهذا خير يعمك ويعم أهل بيتك، فننصحك بالرجوع إلى أهلك والبقاء في العشر الأواخر بينهم، وحثهم على الطاعة والعبادة، ويمكنك إذا رأيت استقامة حال أهلك، والتزامهم بالطاعات أن تعتكف بعض الليالي في مسجد حيك، فتجمع بين أنواع الطاعات، وتصيب خيراً عظيماً إن شاء الله، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يتقبل منك ومن أهل بيتك.

 

والله أعلم.

النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد

النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد

السؤال:

الحديث الشريف: ” لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد …الخ “, فما القول في أن قبر الرسول عليه الصلاة والسلام موجود داخل مسجده بالمدينة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد تكلم العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة، وردوا على من استدل بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم في جواز اتخاذ المساجد قبورا أو إدخال القبور في المساجد، وسنذكر هاهنا فتاوى لبعض علمائنا المحققين، وفيها تفصيل ما في السؤال من إشكال.

  1. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هنا شبهة يشبه بها عباد القبور، وهي: وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، والجواب عن ذلك: أن الصحابة – رضي الله عنهم – لم يدفنوه في مسجده، وإنما دفنوه في بيت عائشة – رضي الله عنها -، فلما وسع الوليد ابن عبد الملك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في المسجد، وقد أساء في ذلك، وأنكر عليه بعض أهل العلم، ولكنه اعتقد أن ذلك لا بأس به من أجل التوسعة.

فلا يجوز لمسلم أن يحتج بذلك على بناء المساجد على القبور، أو الدفن في المساجد؛ لأن ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة؛ ولأن ذلك أيضًا من وسائل الشرك بأصحاب القبور. والله ولي التوفيق.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 388 ، 389 ).

  1. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وقد سئل عن حكم الصلاة في مسجد فيه قبر؟ -:

– الصلاة في مسجد فيه قبر على نوعين:

الأول: أن يكون القبر سابقاً على المسجد، بحيث يبنى المسجد على القبر، فالواجب هجر هذا المسجد وعدم الصلاة فيه، وعلى من بناه أن يهدمه، فإن لم يفعل وجب على ولي أمر المسلمين أن يهدمه.

والنوع الثاني: أن يكون المسجد سابقاً على القبر، بحيث يدفن الميت فيه بعد بناء المسجد، فالواجب نبش القبر، وإخراج الميت منه، ودفنه مع الناس.

وأما المسجد فتجوز الصلاة فيه بشرط أن لا يكون القبر أما المصلي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور.

أما قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي شمله المسجد النبوي فمن المعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بني قبل موته فلم يبن على القبر، ومن المعلوم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن فيه، وإنما دفن في بيته المنفصل عن المسجد، وفي عهد الوليد بن عبد الملك كتب إلى أميره على المدينة وهو عمر بن عبد العزيز في ( سنة 88 ) من الهجرة أن يهدم المسجد النبوي ويضيف إليه حجر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع عمر وجوه الناس والفقهاء وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد فشق عليهم ذلك، وقالوا: تركها على حالها أدعى للعبرة، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة، كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجداً فكتب عمر بذلك إلى الوليد فأرسل الوليد إليه يأمره بالتنفيذ فلم يكن لعمر بد من ذلك، فأنت ترى أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يوضع في المسجد ولم يبن عليه المسجد فلا حجة فيه لمحتج على الدفن في المساجد أو بنائها على القبور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد “، قال ذلك وهو في سياق الموت تحذيراً لأمته مما صنع هؤلاء، ولما ذكرت له أم سلمة – رضي الله عنها – كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور قال: ” أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله “، وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون من القبور مساجد “. أخرجه الإمام أحمد بسند جيد.

والمؤمن لا يرضى أن يسلك مسلك اليهود والنصارى ولا أن يكون من شرار الخلق.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال رقم 292 ).

 

والله أعلم.

يرى رأي ابن حزم في المباشرة فهل يجوز لزوجته مداعبته وهو صائم؟

يرى رأي ابن حزم في المباشرة فهل يجوز لزوجته مداعبته وهو صائم؟

السؤال:

إذا كان الزوج يأخذ برأي الظاهرية وابن حزم والألباني في كون نزول المني من دون جماع لا يفطّر, فهل يجوز للزوجة مداعبة زوجها في نهار رمضان حتى لو ترتب على ذلك نزول المذي أو المني منه؟ أفتونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يختلف حكم نزول المذي عن نزول المني، والراجح من أقوال أهل العلم أن نزول المذي لا يبطل الصوم، لا من الرجل ولا من المرأة.

 

ثانيا:

وقد ذكرنا في كثير من الأجوبة أن إنزال المني مبطل للصوم على قول جماهير العلماء.

ونحن لا ننكر وجود خلافٍ في المسألة، وقد رأى ابن حزم ورجحه الشيخ الألباني – رحمهما الله – أن إنزال المني بمباشرة الزوجة لا يفطر، فإن كان أحدٌ يرى هذا القول ويتبنَّاه تديناً لا اتباعاً لهواه: فإنه يجوز له مداعبة زوجته ومباشرتها حتى لو أنزل، بشرط أن تكون مفطرة لحيض أو نفاس، وإذا كانت زوجته لا ترى هذا القول فليس له أن يجبرها عليه، ولا أن يداعبها وهي صائمة خشية أن تنزل هي فيفسد صومها.

فالذي ننصح به الأخ السائل أن يكتفي بما اتفق على جوازه بين العلماء وهو المباشرة باللمس، والتقبيل دون الإنزال، وخشية من الولوج والجماع مما يكون معه آثما ويترتب عليه الكفارة المغلظة، وقد ذكرنا في بعض الأجوبة السابقة ما يترتب على الجماع في رمضان.

 

والله أعلم.

حكم نكاح الأباضي من سنية

حكم نكاح الأباضي من سنية

السؤال:

هل يجوز من الشاب صاحب المذهب الإباضي بالزواج من الفتاه صاحبة المذهب الشافعي؟

 

الجواب:

الحمد لله

الإباضية من فرق الخوارج، وهي من فرق الضلال، وقد جاءت نصوص كثيرة صحيحة في ذمهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيرهم.

وقد نقلنا في جواب سابق عن علماء اللجنة الدائمة:

فرقة الإباضية من الفرق الضالة لما فيهم من البغي والعدوان والخروج على عثمان بن عفان وعلي – رضي الله عنهما -، ولا تجوز الصلاة خلفهم . انتهى.

وفي ” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 13 / 30 ) : أن شهادة ” الإباضية ” غير مقبولة شرعا.

وقد جاءت النصوص الواضحة في حسن اختيار الزوج من قبل أولياء الزوجة، ومن ذلك الرضا بدينه وخلقه، وأي دين يُرضى من أهل الفرق الضالة والتي ترى الخروج على أئمة المسلمين، وترى خلق القرآن، وترى كفر مرتكب الكبيرة، وترى إنكار رؤية الله تعالى في الآخرة؟!.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض “. رواه الترمذي ( 1084 ) وابن ماجه ( 1967 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1022 ).

فالذي نراه هو عدم تزويج المبتدعة من نساء أهل السنة؛ وتأثير الزوج على الزوجة كبير، فقد تتأثر به فتعتقد اعتقاده, فتنتقل من الفرقة الناجية إلى إحدى فرق الضلال.

 

والله أعلم.

حكم قراءة القرآن مع الحدث الأصغر، وهل يلزم من ترك المستحب الوقوع في الكراهة

حكم قراءة القرآن مع الحدث الأصغر، وهل يلزم من ترك المستحب الوقوع في الكراهة

السؤال:

إذا كان من المستحب قراءة القرآن ( من الذاكرة ) مع الوضوء، فهل سيكون مكروهاً قراءته كذلك دون وضوء؟ وبشكل عام إذا كان هناك شيء مستحب فعله فهل القيام بنقيضه يكون مكروهًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة القرآن للمحدِث حَدثا أصغر لا بأس بها، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على جوازها، وفي المسألة أحاديث صحيحة تبيِّن أنه لا يجب الوضوء على من أراد قراءة القرآن وهو محدث حدثًا أصغر، وإنما الخلاف في مسِّه للقرآن وفي قراءة الجنب له، والجمهور على المنع منهما.

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنٍ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهِيَ خَالَتُهُ – قال: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . رواه البخاري ( 4295 ) ومسلم ( 763 ).

وبوَّب عليه الإمام البخاري بقوله ” بَاب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ “.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وفيه: قراءة القرآن على غير وضوء؛ لأنه نام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله، ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ، ثم توضأ بعدُ وصلَّى.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 13 / 207 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

فيه : جواز القراءة للمحدِث، وهذا إجماع المسلمين.

” شرح مسلم ” ( 6 / 46 ).

 

 

 

ثانيًا:

وترك المستحب لا يقع فاعله في الكراهة في الأصل؛ لأن باب الاستحباب داخل في الأوامر، وباب الكراهة داخل في المنهيات، فالمستحب هو: ما أَمر به الشرع لا على وجه الإلزام، مثل صلاة الضحى، والكراهة هي : ما نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام، مثل نهي النساء عن اتباع الجنائز، فقد قالت أم عطية رضي الله عنها  ” كُنَّا نُنْهى عَنِ اتِّباع الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا ” رواه البخاري ( 1219 ) ومسلم ( 938 ).

وفاعل المستحب على وجه التعبد: مأجور، والفاعل للأمر المكروه: لا يأثم.

وعليه: فلا يقال لمن ترك صلاة الضحى أنه وقع في مكروه، كما لا يقال لمن ترك رفع اليدين في الانتقال في الصلاة أنه وقع في مكروه.

* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

وليُعلم الفرق بين قولنا ” يُستحب فعل كذا ” وبين قولنا ” يُكره تركه ” فلا تلازم بينهما؛ فقد يكون الشيء مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك كصلاة الضحى مثلًا وكثير من النوافل  ” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 19 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة.

” فتح الباري ” ( 11 / 17 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لا يلزم مِن ترك السُّنّة الوقوع في المكروه، ولهذا لو أن الإِنسان لم يرفع يديه في الصلاة عند الركوع: لم يفعل مكروهًا.

وهذه قاعدة: أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 358 ).

 

والله أعلم.

حكم ترجمة مقال عن شركة تسوِّق ” السياحة الطبية ” وحكم الكسب من تلك الترجمة

حكم ترجمة مقال عن شركة تسوِّق ” السياحة الطبية ” وحكم الكسب من تلك الترجمة

السؤال:

أقوم بترجمة بعض المقالات من الإنجليزية إلى العربية وخاصة المقالات الطبية من خلال مواقع العمل عن طريق الإنترنت، فطُلب منِّي ترجمة مقال يتكلم عن موضوع يسمَّى ” السياحة الطبية “، فقمت بترجمته، وبعد الدخول لموقع الشركة وجدت أن وظيفة هذه الشركة هي توفير هذه السياحة الطبية من خلال التعامل مع شركات التأمين والمستشفيات والمرضى، وهي تقوم بتوصيل هؤلاء لبعضهم البعض للوصول إلى السياحة الطبية بأقل الأسعار من خلال شركات التأمين، وهذا هو ما قمت بترجمته وإرساله لهم، فقال لي بعض الأخوة: إن هذا قد يكون محرَّمًا.

السؤال:

أولًا: ماذا أفعل بالمال الذي أخذته إذا كان محرَّمًا؟ وهل أقوم بتحويله من الإنترنت إلى حسابي من الأساس أم أتركه؟.

ثانيًا: هل أكمل العمل في نفس الموقع في ترجمة الأشياء المتعلقة بأساليب الجراحة وأوصاف المستشفيات أم أترك العمل على هذا الموقع بالكامل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا داعي لأن تقلق بشأن عملك في ترجمة الأشياء المتعلقة بالطب والجراحة والمستشفيات وعناوينها وأسعار العلاج فيها وغير ذلك مما يتعلق بشأن الطب؛ ففيه مجال للعمل المباح الشيء الكثير، وحاجة الناس لمثل هذه الإرشادات والدلالات ماسَّة، فهذه الترجمات تنفع الطبيب ليتعرف على ما هو جديد في عالم الطب، وتنفع المريض ليتعرف على أفضل مكان يعالِج فيها نفسه، لذا فنرى أن النفع في هذه الترجمات يتعلق بشأن مهم في حياة الناس، ونرى أن جوانب الإثم فيه تكاد تكون محدودة ولن تخفى على مثلك إن شاء الله، كترجمة المقالات المتعلقة بمن يقوم من المستشفيات بتغيير الجنس، أو من يتستر بالتدليك للقيام بالدعارة، أو من يقوم بالتجميل الذي فيه تغيير لخلق الله، وما يشبه هذا مما لا يخفى حكمه إن شاء الله، وقصدنا أن جوانب النفع في هذا الباب كثيرة كثيرة.

 

 

ثانيًا:

ونحن نشكر لك اهتمامك بالحكم الشرعي بما قمت به من عمل، ونشكر لك استعدادك لترك العمل بالكلية إن كان فيه مخالفة شرعية، وهو يدل – إن شاء الله – على استقامة على الطاعة وحبٍّ لأكل الحلال الطيب، ونسأل الله أن يرزقك إياه ويجعل عملك كلَّه صالحاً وأن يتقبله منك.

والذي نراه فيما قمت به من ترجمة لما يتعلق بـ ” السياحة الطبية “: أنه – ابتداءً – ليس عليك إثم لأنك لم تتعمد الوقوع فيه، وأما العمل نفسه فالذي يظهر لنا أنه ينبغي التفريق بين كون الشركة هي شركة وساطة بين شركات التأمين وبين أماكن العلاج، أو تكون شركة وساطة بين الراغبين بالعلاج ووسائطهم من حكومات وأماكن عملهم وشركات تأمينهم وبين أماكن العلاج، ففي الحالة الأولى يكون العمل محرَّماً لأن فيه تعاملا مباشرًا مع شركات قائمة على المقامرة في أكثر أحوالها، وأما في الحالة الثانية فالظاهر الجواز لأن المقصود من العمل العلاج ذاته للراغبين فيه وليس المقصود التعامل المباشر مع شركات التأمين المحرَّم، فهو أشبه ما يكون بعمل موقع لعرض البضائع المباحة مع علم مصمم الموقع بوجود من يشتري عن طريق البنوك الربوية أو بطرق محرَّمة بين الراغب بالشراء ووسطائه، فكان القصد من الموقع بيع البضائع المباحة لا التعامل المباشر مع من يشتريها بطريقة مخالفة للشرع.

وعليه:

  1. إذا كانت تلك الشركة التي توفِّر السياحة الطبية عملها هو التعامل المباشر مع شركات التأمين فقط لدلالتهم على أحسن الأسعار وأرخص أماكن العلاج: فالظاهر لنا عدم جواز ترجمة ما يتعلق بالدلالة على تلك الشركة؛ لأن فيه إعانة شركات التأمين – وأكثرها شركات مقامرة والعبرة بالأكثر – على عملها المحرَّم، والله يقول: ( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2، ونرى أن تتصدق -والحالة هذه – بكسبك من ذلك العمل وتلك الترجمة في وجوه الخير المختلفة، مع البقاء في عملك لترجمة الأشياء الأخرى الكثيرة المباحة.
  2. وأما إذا كان عمل تلك الشركة التي توفِّر السياحة الطبية هو الدلالة على أحسن أسعار العلاج وأرخص أماكن العلاج لجميع الراغبين بالعلاج: فالظاهر لنا جواز ترجمة ما يتعلق بتلك الشركة؛ لأن المقصود هو أمر مباح، ولم تُكلَّفوا بالبحث عن أنواع الراغبين وطريقة علاجهم، ولو علمتم أن منهم من سيتعالج عن طريق شركة تأمين: فهذا راجع لفعله هو فهو يتحمل أثر فعله، وثمة كثيرون سيتعالجون على حسابهم أو على حساب حكوماتهم، أو يكون ثمن العلاج من أموالهم التي أجبروا على دفعها، أو يكون العلاج ميزة يقدمها مكان العمل لموظفيه، وأما أنتم فقد كان عملكم هو دلالتهم على أمر مباح يقومون به، فلا يلزمك – والحالة هذه – إخراج ما كسبته من ذاك العمل وتلك الترجمة.

 

والله أعلم.

حكم استعمال المبيدات الحشرية في رش ثمار الزراعة

حكم استعمال المبيدات الحشرية في رش ثمار الزراعة

السؤال:

ما الحكم الشرعي في استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة والتي تتسبب أحيانًا في تسمم بعض المنتجات الزراعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المبيدات الحشرية سلاح خطير يعبث به كثيرون بالتسبب بضرر بالغ بالبيئة وبالطعام والشراب والتربة، وكل ذلك طمعًا بدنيا زائلة، وقد تنادى العقلاء في أرجاء العالَم لوضع حدٍّ لما يقوم به أولئك العابثون بذلك الضر العظيم، والذي يؤدي ليس إلى قتل الناس الذين يتناولون تلك الثمار المزروعة والتي رُشَّت بالمبيدات وقطفت قبل الوقت المسموح به، وقد أدى ذلك في كثير من البلدان إلى التسبب بقتل من أكل من تلك الثمار، وهذا عدا عن تأثير تلك المبيدات على التربة والمياه الجوفية وعلى الهواء، فتسببت بتلوث ذلك كله.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” يجب التعامل مع جميع أنواع مبيدات الحشرات على أنها مواد سامة، ويجب ارتداء الملابس الواقية عند استعمالها لتجنب حوادث التسمم، وتختار المبيدات المراد استعمالها بحذر شديد؛ وذلك لأن الاختيار الخاطئ قد يؤدي إلى قتل أو يؤدي إلى الإضرار بالنبات أو الحيوان المراد حمايته، كما يجب تجنب الاستعمال المكثف للمواد التي تترك متبقيات ضارة على المحاصيل الغذائية”. انتهى.

وفيها – أيضًا -: ” وقد يؤدِّي التلوث بالمبيدات الحشرية، والكيميائيات العضوية الأخرى إلى تسمم الأغذية أيضًا “. انتهى.

* وقال الأستاذ كمال مختار إسماعيل: ” ولقد وجد أن حوالي نصف وفيات الإنسان المصري بين سني ( 25 – 50 سنة ) ترجع إلى الأمراض التي تصيب الكبد، ويتصدرها ” الالتهاب الكبدي الفيروسي ” و ” البلهارسيا ” ثم زيادة نسبة التلوث في الماء والهواء والإسراف في استعمال المبيدات الحشرية التي تحوى السموم الكيماوية والتي تصل عصارة الخضروات والفواكه “. انتهى من ” كنوز في الرقية والطب النبوي ” ( ص 246 ) – ترقيم الشاملة -.

* وقال الأستاذ محمد محمود كالو: ولكثرة هذه الآفات استعمل الإنسان المبيدات والمضادات للأعشاب والحشرات، ومن أجل جشعه الزائد استعمل مخصبات وأسمدة لزيادة الإنتاج والمحصول، ونتيجة للاستعمال المفرط والخاطئ لهذه الأسمدة والمبيدات: فإن كمية كبيرة من هذه السموم تبقى في التربة دون انحلال زمنًا طويلًا، فمنها ما يمتصها النبات، ومنها مع هطول الأمطار أو الري تتسرب إلى طبقات الأرض مسببة تلوثاً للمياه الجوفية والسطحية، أو تبخر بفعل حرارة الشمس مسببة تلوث الهواء المحيط” . انتهى من موقف القرآن من العبث البشري بالبيئة (ص: 17) – ترقيم الشاملة.

وبما سبق يتبين: أنه لا يجوز لمزارع استعمال المبيدات الحشرية وفق هواه، بل لا بدَّ من رجوعه لأهل الاختصاص لدلالته على النوع الملائم ليستعمله، ويجب عليه التقيد بالتعليمات والإرشادات المتعلقة بكيفية رش الأشجار والثمار، والالتزام القطعي بالوقت المسموح له بقطف الثمار بعدها، ومن خالف ذلك فقطف ثمرة أشجاره قبل الوقت المسموح به فهو آثم إثمًا عظيمًا لأنه سيتسبب لغيره بالضرر البالغ، وهو في حقيقة أمره يبيع مواد سامة محرَّمة لا مواد نافعة مباحة، ويلزمه مسئولية كل ما يترتب عليه من آثار سيئة، ويكون كسبه سحتًا.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) رواه ابن ماجه ( 2314 )، وحسنه النووي وابن الصلاح وابن رجب – كما في ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 304 ) – وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال علماء اللجنة الدائمة – في شرح الحديث -: ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه أو يضرّ غيره، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه، أو غيره.

وهذا الحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا، وله شواهد فينهض إلى درجة الحسن لغيره، ويصلح للاستدلال به.

ونوصيك بمراجعة كتاب ” جامع العلوم والحكم ” للحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان”. انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 400 ).

 

والله أعلم.

أجر تفطير الصائم لمن أطعم تمرة أم لمن أشبع؟ وهل النية للصوم في كل ليلة؟

أجر تفطير الصائم لمن أطعم تمرة أم لمن أشبع؟ وهل النية للصوم في كل ليلة؟

السؤال:

نعرف أن من فطر صائمًا فله مثل أجره، فإذا فطرت صائما على شربة ماء وذهب ليصلي المغرب في المسجد وفي الطريق دعاه أحد أصدقائه، فهل الأجر لمن فطَّره على شربة ماء أم للاثنين؟

هل يجب التلفظ باللسان أم يكتفي بالنية؟ وهل مشروط كل يوم ولا يصح الصوم إلا بها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

تفطير الصائم من الأعمال الصالحة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مفطِّر الصائم له مثل أجر الصائم.

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا “. رواه الترمذي (807) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه ( 1746 ).

وقد اختلف العلماء في معنى الحديث فذهب بعضهم إلى حصول الأجر حتى لو أطعمه تمرة، أو سقاه شربة ماء.

قال المناوي:

( من فطَّر صائما ) بعشائه، وكذا بتمر، فإن لم يتيسر فبماء.

” فيض القدير ” ( 6 / 187 ).

وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وظاهر كلامهم: أي شيء كان، كما هو ظاهر الخبر.

” الفروع ” ( 3 / 73 ).

والصحيح: أن الأجر الوارد في الحديث إنما هو لمن أشبع الصائم، لا لمن ابتدأه بالطعام والشراب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والمراد بتفطيره: أن يُشبعه.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 460 ).

وليس يعني هذا أن من ابتدأ الصائم بتمرة أو شربة ماء أنه لا يؤجر، بل له على ذلك أجور عظيمة، قال الله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة / الآية 7 – 8 ] ، وكلامنا على فقه الحديث والأجر الموعود عليه صاحبه، ولا يمكن أن يكون من تكلَّف بالطعام والشراب يضيع عليه أجر تفطير الصائمين برجُل سبقه بتمرة أو شربة ماء.

ثانيا:

والنية محلها في القلب، ولا يجوز لأحدٍ أن يتلفظ بها لا في الصيام ولا في غيره، وقد بيّنّا فيما سبق بدعية التلفظ بالنية في العبادات.

ثالثا:

أما مسألة كفاية النية من أول الشهر لأيامه جميعا: فقد وقع خلاف بين العلماء في هذه المسألة:

وقد ذهب الإمام أحمد والجمهور إلى أنه يلزم تجديد النية كل ليلة؛ لأن لكل ليلة حكمها، واستدلوا بلفظ أثر ابن عمر وحفصة – وقد روي مرفوعاً وموقوفا، والموقوف أصح – ” لا صيام لمن لم يجمع النية قبل الفجر ” وفي رواية ( يبيِّت )، وقالوا: إن ظاهر الأثر أن لكل ليلة نية مستقلة.

وذهب الإمام مالك وطائفة من أهل العلم إلى أن النية في أول ليلة تكفي عن سائر الشهر، وقالوا: إن النية من أول الشهر تجزيء عن النية من كل ليلة، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه المشهور: ” وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئ مَا نَوَى “، قالوا: وهذا قد نوى صيام جميع الشهر، وشهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة.

والصحيح من القولين هو الثاني، إلا أنه ينبغي التنبه إلى أنه إن قُطع تتابع الصوم بسبب حيض أو مرضٍ أو سفرٍ: فإنه تلزم نية جديدة.

 

والله أعلم.

كان زوجها على علاقة محرَّمة مع امرأة ثم تزوجها وتسأل مسائل متعددة

كان زوجها على علاقة محرَّمة مع امرأة ثم تزوجها وتسأل مسائل متعددة

السؤال:

أكتب لك رسالتي هذه من بلاد الغربة من ” لندن “, حيث قدمت مع زوجي وأولادي الخمسة – اثنان منهم مع أزواجهم, حيث تسهلت لهم فرصة إكمال دراستهم العليا في الخارج – ووجد زوجي الأكاديمي فرصة عمل في ” لندن ” فانتقلنا جميعنا على أن نكون مع أولادنا في هذه الفترة الدراسية التي مضت منها سنة.

الذي حدث – وأريد من فضيلتكم الرد عليه بشيء من التفصيل – هو أنه في ظروف الغربة والشعور بالضعف والخوف وضرورة وجود رب الأسرة دائما قريباً من الأولاد موجهًا معينًا على الدراسة بتهيئة جو أسري مريح, ومع مدى انشغاله بالعمل – فهو يخرج التاسعة ويعود السادسة وأكثر أحيانًا – فقد أقدم على الزواج من أخرى تدرس الدكتوراة  في نفس البلد, هذه الأخرى له قصة معها, حيث كان على علاقة بها واتصال دام ثلاث سنوات, هذه العلاقة والاتصال بشتى أنواعه بنيت على أنه طلبها من والدها ووافق أهلها وهم على علم أنه يتحدث معها، وكنت أخوفه بالله لكنه كان يبرر موقفه على أنه سوف يتزوجها، وهي الآن تدرس في ” لندن ” حيث انتقلت إلى هنا قبل مجيئنا بسنة أو أكثر.

أسئلتي لفضيلتكم هي:

  1. شعرتُ بالظلم أنه تزوج في بلد الغربة ونحن بهذه الظروف, فأيامنا التي يكون فيها عند الأخرى نشعر فيها بعدم الأمان، فهل آثم عندما أقول له بأنك قد ظلمتنا بزواجك؟.
  2. هو يبرر ذلك بأنه قضاء وقدر، نعم، آمنت بالله وأنه قضاء وقدر، ولكني أقول له: إنك أنت الذي قدرته على نفسك لأنك مشيت بهذا الطريق وفتحت له أبوابك، فهل أنا محقة أم هو؟.
  3. هل يجوز أن أطلب منه أن لا يذهب إليها إلا يوم أو يومين في الأسبوع حيث احتياجاتنا أكثر من احتياجاتها؟ مع العلم أن أهلها وإخوانها يعيشون معها في نفس المكان.
  4. هل يجوز لي أن أدعو الله بأن يصرفها عنَّا بما يشاء وكيف ما شاء, وأن أدعو الله عليها بعدم توفيقها مع زوجي لأني أشعر أنها خَدعت زوجي بكلامها فهي بنت وتصغره بعشرين سنة, وهو قد تجاوز الخمسين؟.
  5. وأخيرًا: إن لم يسمح لي الشرع بذلك, وشعرت أنني لا أطيق ولا أتحمل الوضع معه وأردت أن أعيش معه فقط لأجل أولادي هل أكون آثمة؟ مع العلم أنه قال لي: افعلي الشيْء الذي يريحك.

واعذرني إذا عشت في هذا الوضع فقد انشغل في أمور الدنيا ومشاكلها, و أنا أريد أن انشغل بآخرتي فبماذا تنصحونني أثابكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما كان عليه زوجكِ من علاقة مع تلك المرأة قبل التزوج بها أمرٌ منكر، وعليه التوبة منه، فلا يزال يبوء بإثمه حتى لو تزوجها ما لم يتب من فعله توبة نصوحاً، وينطبق الأمر ذاته على المرأة تلك.

وقد أحسنتِ في نصحك له بترك تلك العلاقة المحرمة، ونرجو الله أن يكتب لك أجر تلك النصيحة وذاك التخويف بالله تعالى.

 

ثانيًا:

وجوابًا على أسئلتك نقول:

  1. لا تكونين آثمة في قولك لزوجك ” إنك ظلمتنا بزواجك ” إذا كان فعلًا يقع منه الظلم تجاهك وتجاه أولاده، كأن يبيت عند الأخرى ما ليس لها به حق، وكأن يقصِّر في النفقة عليكم مع القدرة، وكأن يفرِّط في رعاية أولاده والعناية بهم ومتابعة أمور دينهم واستقامتهم، والواجب عليه – والحالة هذه – أن يتقي الله تعالى ربَّه وأن يرفع الظلم عمن ظلمهم، وأولهم نفسه حيث ظلمها بتعريضها لوعيد الله.

وأما إذا كان مؤديًّا ما افترض الله عليه من العدل بينك وبين الأخرى في النفقة والمبيت والسكنى، وإذا كان قائمًا على أولاده بالعناية والرعاية والمتابعة: فإنه لا يكون واقعًا في الظلم، وعليه: فيكون قولك له ” إنك ظلمتنا بزواجك ” في غير مكانه، ويجب الكف عنه فورًا؛ لأنه اتهام في غير محله.

  1. كلاكما محق من جهة، ولكلامه هو وجه آخر من البطلان! فهو صدَقَ في قوله إنَّ زواجه قضاء وقدر لكنه تهرَّب من الواقع أنه هو الذي أقدم على فعله، وأن معاتبتك له ليست على حادث سيارة وقع قدرًا بل على أمر خطَّط له ودبَّره وسعى لتحقيقه، وقوله إن زواجه ” قضاء وقدر ” يُشعر بأنه مجبور على فعله! وهو وجه البطلان في كلامه، وهو يعرف ما تقصدين لكنه تهرَّب من المواجهة بالاتكاء على ما هو مكتوب مقدَّر في الأزل!.

وأنتِ صادقة في أنه هو الذي ملَك أمر زواجه، وهو الذي سعى لتحقيقه في أرض الواقع، لذا فكان عليه أن يردَّ ردًّا شرعيًّا مقنعًا كأن يقول هذا أمر أباحه الله، أو يقول أنا بحاجة لزوجة أخرى، أو يقول هذا خير من البقاء على علاقة محرَّمة مع تلك المرأة، وأما أن يتكئ على القضاء والقدر المجرَّدين فهو فعل العاجز، لكن يبدو أنه يريد التخلص من إحراجك ومعاتبتك له بأقصر طريق ليقطع عنك الاستمرار في المعاتبة.

  1. لا يجوز لك أن تطلبي من زوجك الذهاب يومًا أو يومين فقط في الأسبوع لزوجته الأخرى، وأنت بذلك تقعين في الظلم لنفسك وتسببينه له، فكما كفل الله تعالى لك حقوقك فكذلك الأمر بخصوص الزوجة الأخرى، ولا فرق، والواجب على الزوج أن يقسم أيام الأسبوع لكل زوجة بالتساوي وهو العدل الذي أمره الله تعالى به، ولا مانع من الاتفاق على أيام مخصوصة يكون فيها عند أي واحدة منكما، ولا مانع أن تتنازل واحدة منكما عن حقها في بعض أيامها، لكنَّ ذلك مشروط بأن يكون عن طيبِ نفسٍ منها، لا بالإكراه ولا بالمخاجلة.
  2. لا يجوز لك الدعاء على الزوجة الأخرى بعدم التوفيق؛ فهو دعاء بإثم لا يقبله الله، ويُخشى من رجوع أثره السيء عليكِ، فاحذري، لكن إن رأيتِ منها شرًّا وسوءً فلك أن تدعي الله تعالى أن يكفَّ شرَّها وأذاها عنكِ وعن أولادك، وليس لك الدعاء بالمطلق أن يصرفها الله عنك وأن لا يوفقها وأنتِ لم تري منها ظلمًا ولا سوءً، وأنتِ لا تعلمين الخير أين يكون، فقد كان في زواج زوجك منها توقف عن ارتكابه لآثام ومعاصٍ متعددة، وهذا خير له ولها، وقد ترين منها خيراً لك ولأولادك فيما يأتي من قادم الأيام، كأن تحتاجين لوقوف أحد معك لمساعدتك في علاج أو ولادة، أو يحتاج أولادك لمن يرعاهم بغيابك عنهم، وغير ذلك كثير مما نراه ونسمعه من حال كثير من الأسر التي عدَّد فيها ربُّ الأسرة فتزوج أكثر من واحدة.
  3. لا ننصحك باتخاذ ذلك القرار الذي تودين فيه التفرغ لأولادك دون أن تكوني زوجة لزوجك؛ لعدة أمور:

أ. أن هذا منافٍ للفطرة التي فطر الله عليها النساء من وجود شهوة في نفسها، ولا تستطيع المرأة تصريفها إلا مع زوجها.

ب. أن هذا منافٍ للعشرة الحسنة التي أمرك الله تعالى بها تجاه زوجك.

ج. نرى تناقضاً في مواقفكِ عليك مراجعة نفسك لأجلها، فحين كان زوجك يرتكب المحرمات في العلاقات قبل الزواج مع تلك المرأة لثلاث سنوات لم نرَ موقفاً منك سوى النصح والتخويف، والآن عندما فعل الشيء الصواب الحلال نرى موقفك الهجر والترك له! ألا ترين أنه ثمة تناقض في موقفيكِ؟! وأن فعل زوجك الأول المحرَّم هو الموجب عليك موقفك الثاني! لا العكس، فآمل أن تعيدي النظر في موقفك هذا.

د. ثم إنه لا يُدرى ما يكون من حال زواج زوجك الثاني، فقد تشوبه شوائب ولا يُكتب له الاستمرار، فيكون بُعدك عن زوجك تلك السنوات فيه صعوبة في الإصلاح بعدها.

هـ. ليس ثمة تناقض بين تفرغك للآخرة وقيامك على شئون أولادك وبين بقاؤك زوجة لها كامل الحقوق وتعطي كامل الواجبات، بل إن غياب زوجك عنك عند زوجته الثانية يدع لك الفرصة الكبيرة للتفرغ لشئون نفسك وطاعتك وطلبك للعلم والتفرغ لأولادك ولبيتك، فلا تفتحي على الشيطان بابًا ينفذ من خلاله إلى قلبك وعقلك فيفسدهما عليك.

و. إن اتخاذ هذا القرار منك من شأنه أن يؤثر سلباً على تربية أولادك – ذكورًا وإناثًا – ويسبب لهم آثارًا سيئة مما سيرونه من كثرة فقد أبيهم، وسيؤثر قرارك عليك أنت أيضًا لأنه سيجعلك تتحملين مسئولية أكبر من ذي قبل تجاه أولادك.

فالذي نؤكد عليه: عدم اتخاذ هذا القرار، وأن تبقي زوجة صالحة، تؤدين واجباتك الزوجية، وتعاشرين زوجك بالمعروف.

 

ثالثًا:

وأما الحل الذي تقترحينه فهو جائز على الصحيح ويسمَّى ” الصلح “، وهو خير من الطلاق –  ولا شك، وخير منه أن يكون منكِ هبة لأيامك للزوجة الأخرى، والفرق بين ما تقترحينه وبين ما نقترحه لك أنه في حال الهبة يمكنك قطعها وعدم الاستمرار بها، وأما في حال اختيارك للصلح طريقا فإنه لن يمكنك التراجع عنه، وهذا هو الفرق بين ” الهبة ” و ” الصلح “.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله ” فإن رجعت قسم لها مستقبلًا ” يعني: بعد أن وهبت القَسْم له، أو لزوجةٍ أخرى فإن لها أن ترجع، ويقسم لها في المستقبل، ولا يقضي ما مضى، وهذا فائدة قوله ” مستقبلًا “.

فإن قال قائل: أليست الهبة تلزم بالقبض؟.

قلنا: بلى، لكنهم قالوا: هنا ما حصل القبض؛ لأن الأيام تتجدد يومًا بعد يوم، ولهذا قلنا: إنه يقسم لها مستقبلا ولا ترجع فيما مضى، لأن الذي فات قد قُبض، والهبة بعد قبضها لا رجوع فيها، أما ما يستقبل فإنه لم يأتِ بعد فلها أن ترجع فيه.

وهذا التعليل لما قاله المؤلف صحيح، لكن ينبغي أن يكون هذا مشروطًا بما إذا لم يكن هناك صلح، فإن كان هناك صلح: فينبغي أن لا تملك الرجوع؛ لقوله تعالى ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ) النساء: 128، والصلح لازم، وكيف الصلح؟ كأن تشعر من هذا الرجل أنه سيطلقها وخافت، فقالت له: أنا أتفق معك على أن أجعل يومي لفلانة، وتبقيني في حِبالك، فوافق على هذا الصلح، فصارت المسألة معاقدة، فإذا كانت معاقدة: فإنه يجب أن تبقى وأن تلزم، وإلا فلا فائدة من الصلح، وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 436 ، 437 ).

ونسأل الله تعالى أن يهديك لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق، وأن يثبتك على دينه، وأن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يجمع بينك وبين زوجك وأولادك على خير.

 

والله أعلم.