الرئيسية بلوق الصفحة 151

وجدوا ذهبًا في بيتهم لقريبهم فجاء بعد شهر ليأخذه فوجده مفقودًا، فماذا يلزمهم؟

وجدوا ذهبًا في بيتهم لقريبهم فجاء بعد شهر ليأخذه فوجده مفقودًا، فماذا يلزمهم؟

السؤال:

ترك أحد أقربائنا ذهبها في بيتنا مغطى في ورق قديم بدون معرفتنا أو علمنا، وقد وجدنا الذهب مؤخرًا، وأخبرناه بذلك، ولكنه أتى بعد شهر، وكنَّا قد فقدنا الذهب، فأبي رجل كبير ولديه مشكلة في ذاكرته ونحن نتوقع أن يكون ألقاهم هنا أو هناك معتقدًا أنها ورقة قديمة، ونحن نريد أن ندفع له نصف ثمن الذهب ولكن الذهب قد تضاعف ثمنه الآن فيكون دفع نصف ثمنه بمثابة دفع المبلغ بأكمله، فهل علينا أن ندفع قيمته وقت شرائه أم وقت بيعه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الذهب الذي وجدتموه في بيتكم والعائد لقريبكم هو ” لُقَطة ” يجب إرجاعه لصاحبه، ويدُكم عليه يدُ أمانة، فهو عندكم ” وديعة ” في الأصل؛ لحديث زَيْد بْن خَالِدٍ الْجُهَنِي قال: قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ) رواه مسلم  ( 1722 ).

فلما عُرف صاحبُه وكان قد طلب منكم إبقاءه عندكم حتى حضوره: صار الذهب ” وديعة ” في الحقيقة والحُكم، فصار حكم هذا الذهب في حال فقدانه على حالين:

الأول: أن يكون قد ضاع من غير تعدٍّ ولا تفريط منكم، ففي هذه الحال لا ضمان عليكم.

الثاني: أن يكون قد ضاع بسبب تعدٍّ أو تفريط منكم، ففي هذه الحال تضمنونه؛ وسبب ذلك: أنه كان الواجب عليكم حفظه في المكان الذي تحفظون فيه مثله من أموالكم ومجوهراتكم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الوديعة أمانة فإذا تلفت بغير تفريط من المودَع : فليس عليه ضمان سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، هذا قول أكثر أهل العلم…..

فأما إن تعدى المستودَع فيها أو فرَّط في حفظها فتلفت: ضمِن بغير خلاف نعلمه؛ لأنه متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع. ” المغني ” ( 7 / 280 ).

ومعنى ” التعدِّي “: فعل ما لا يجوز.

ومعنى ” التفريط “: ترك ما يجب.

والذي كان يجب عليكم في حال وجودكم لذلك الذهب أن تحفظوه في المكان الذي تحفظون فيه ذهبكم، لا أن تجعلوه في ورقة قريبًا من أيدي الناس.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فليس حِرز الذهب والفضة كحرز الأواني، فالأواني تودَع في ظاهر البيت في الحُجَر والغرف بدون أغلاق وثيقة، والذهب والفضة في الصناديق في أغلاق وثيقة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 288 ).

وتأخر قريبكم شهرًا حتى جاء إليكم لا يؤثر في الحكم بل هو مطمئن أن ما وجدتموه فستحافظون عليه حفاظكم على أموالكم الثمينة.

فالذي يظهر لنا أنه قد حصل منكم تفريط في حفظ ذلك الذهب – اللقَطة – فيلزمكم ضمانه، والأصل في الضمان: المماثلة فيما هو مِثلي، والقِيمة فيما ليس له مماثل.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -: والقاعدة عندنا في ضمان المُتلفات: ” أن المِثلي يُضمن بمثله، والمتقوَّم يُضمن بقيمته ” لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم ( إناء بإناء وطعام بطعام ) في قصة معروفة، وهي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان عند إحدى زوجاته – رضي الله عنهن – فأرسلت الزوجة الأخرى خادمها بطعام في صحفة، فدخل الخادم بالطعام والصحفة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في منزل الضرَّة، فأصابتها الغَيرة، فضربت بيد الخادم حتى سقطت الصحفة وانكسرت، فأخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم طعام المرأة التي هو عندها وصحفتها وأعطاها الخادم، وقال: ( إناء بإناء، وطعام بطعام) فهنا ضُمِن بالمثل؛ لأن هذا مثلي.

لكن في الإعتاق لما بيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن من أعتق شِركاً له في عبد سرى عتقه إلى نصيب شركائه قال: ( وقُوِّمَ عليه قيمة عدل ) فأوجب القيمة؛ لأنه ليس مِثليًّا، يتعذر فيه تحصيل المثل فهو متقوم. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” (10 / 119 ، 120 ).

فإذا وُجد في السوق قطعة تماثل القطعة الذهبية لقريبكم: فيُخيَّر بين إحضارها له شراءً لها أو أخذ ثمنها الذي في السوق، وإن لم يوجد لقطعته مماثل في السوق: فتُقدَّر قيمة القطعة الذهبية وقت ضياعها ويُعطى مبلغها.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

والمعتبر: زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملك صاحبها عنها فيه، أي: في وقت التلف. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 122 ).

هذا ما يجب عليكم أداؤه تجاه ذاك القريب إلا أن يعفو عن حقه بالكامل أو عن جزء منه، وهو ما نوصيه به، وهو العفو عن جزء من حقِّه، وليرضَ بذلك فهو خير له؛ لتبقى المودة بينه وبين أقربائه ولا يشوبها شائبة تقطع أوصالها.

والله أعلم.

هل يمكن للمسلم أن يصل لدرجات الجنة العالية من غير أن يكون عالِمًا؟

هل يمكن للمسلم أن يصل لدرجات الجنة العالية من غير أن يكون عالِمًا؟

السؤال:

سؤالي عن من هو الأفضل عند الله: لقد قرأت الآية التي تقول ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وأنا في حيرة من ذلك، إنني أعرف أن علماء الدِّين هم من أفضل الناس منزلة في الجنَّة، ولكن هل للأناس العاديين أن يصلوا لتلك المنزلة؟ هناك بعض الناس يَصِلون لدرجة من العلم ولكنهم لا يصيرون علماء ولا ينفعون الناس، وفي هذا الوقت يكون الداعية الذي يلتف حوله الناس ويكون مشهورًا هو أكثرهم نفعاً لهم، فهل يمكن أن يكون التقي أعلى منزلة عند الله من العالم النافع للناس الذي يؤلِّف الكثير من الكتب؟.

إنني أسأل لأنني أريد أن أنال منزلة عالية عند الله ولكنني لا أريد أن أكون مشهورًا، ولأنني لن أنفع الناس لأني غريب ولست مشهورًا.

– إنني في حيرة من أمري وسوف أكون ممنونًا لكم إذا ما وضحتم لي الأمر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لك أخي السائل حرصك على الخير ونسأل الله تعالى أن يبلغك مقصودك منه في الدنيا والآخرة، ونحب – بداية – أن نبين لك أمورًا تطمئن بها نفسك ونفس جميع الموحدين:

  1. أدنى الناس منزلة في الجنة له خمسين ضعفًا من ملك أعظم ملوك الأرض.

عن الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. رواه مسلم ( 189 ).

  1. رضوان الله تعالى على أهل الجنة أعظم من أعظم نعيم فيها.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيء أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا). رواه البخاري ( 6183 ) ومسلم ( 2829 ).

  1. ورؤية أهل الجنة لربهم فيها لا يعدله نعيم.

عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ : يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ). رواه مسلم ( 467 ).

 

ثانيًا:

وبعد أن اطمأنت نفسك – إن شاء الله – نبشرك أنه ليست الدرجات العلى في الجنة للعلماء العاملين بعلمهم فحسب، بل يمكن أن يكون غيرهم في منزلتهم أو أعظم منهم منزلة، فهناك الصدِّيقون، والمجاهدون، والمنفقون، والحافظون لكتاب الله، وهناك الساعون على الأرامل والمساكين، وغيرهم كثير.

 

ثالثًا:

واعلم أن أعمال القلوب من الإخلاص والخشية والرجاء والمحبة مع ما يترجمها من أعمال – ولو قليلة – قد يفوق أصحابها في منزلتهم من هم أكثر منهم عملًا، وهذه هي التقوى، وذاك هو جزاء المتقين.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في مسألة التفضيل بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما:

فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل: فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم مِن عامليْن أحدهما أكثر عملاً بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة.  ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 682 ).

وهؤلاء هم المتقون الذين أثنى الله تعالى عليهم وأخبر أنهم أكرم الناس عنده من غيرهم، ومما يدل على أهمية عمل القلب ما رواه مسلم – ( 1905 ) – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول ما يقضى عليهم يوم القيامة عالِم ومنفق ومجاهد ! وهذه هي أعظم ما يستحق به العبد المنازل في الجنة، لكن لما لم يقم فيهم الإخلاص لربهم كانوا أول من يقضى عليهم، وقد روى الترمذي – ( 2382 ) – الحديث وكان وفي آخره : فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).

ولتعلم – أخي الفاضل – أنه لا معارضة بين ” التقوى ” و ” العلم “، ولا معارضة بين ” التقوى ” ونفع الناس “، فالمتقي لا يكون متقيًّا وهو يتصف بالجهل، نعم ليس شرطًا أن يكون من العلماء ولكن عنده من العلم ما يجعله يعلَم كيف يتقي ربَّه وبماذا يتقيه، والأصل أنه كلما ازداد علمًا ازداد خشية وتقوى، وكلما ازداد من التقوى استحق أن يُكرمه الله تعالى بمزيد علم وفهم.

* قال الرازي – رحمه الله -:

التقوى ثمرة العلم؛ لقوله تعالى ( إِنَّمَا يَخْشَى للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) فاطر/ 28، فلا تقوى إلا للعالِم، فالمتقي العالم أتمَّ علمَه، والعالم الذي لا يتقي كشجرةٍ لا ثَمَر لها، لكن الشجرة المثمرة أشرفُ من الشَّجَرةِ التي لا تُثْمر بل هي حطب، وكذلك العالم الذي لا يتّقي حَصَبُ جهنم. ” تفسير الرازي ” ( 28 / 129 ، 130 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فكلٌّ مِن تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم وهلَّم جرًّا .

” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 178 ).

والمتقي لا يكون متقيًّا وهو لا ينفع الناس، فقد ذكر الله تعالى أن الأتقياء هم أكرم الناس عنده، وكذا صح به الحديث، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) الحجرات/ 13، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ (أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ ). رواه البخاري ( 4412 ) ومسلم ( 2378 ).

والكريم هو كثير العطاء وكثير النفع للناس، وهذا هو حال الأتقياء وإلا لما استحقوا أن يكون أكرم الناس عند الله.

* قال النووي – رحمه الله -:

أصل الكرم: كثرة الخير، ومن كان متقيًا: كان كثير الخير وكثير الفائدة في الدنيا وصاحب الدرجات العلا في الآخرة.  ” شرح مسلم ” ( 15 / 135 ).

ومن أعظم النفع: النفع بالعلم؛ فبالعلم يعبد الناس ربَّهم كما يحب، ويعرفون أسماء ربهم وصفاته، وبالعلم يجتنب الناس الشرك والبدع، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء، وكان للعالِم الفضل الجليل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.

عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ). أبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ ) . رواه الترمذي ( 2685 ) وصححه.

فالعالِم الذي حقَّق الإيمان وتحلَّى بالتقوى لا شك أنه في أعلى الدرجات، وهذا ما ينبغي على كل مسلم السعي نحو تحقيق ما يستطيعه، وليس كل أولئك في درجة ومنزلة واحدة بل هم متفاضلون بحسب إيمانهم وتقواهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-:

لا ريب أن الذي أوتي العلم والإيمان أرفع درجة من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة، والعلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنَّة هو العلم الذي ورَّثته الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ).

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 396 ).

* وقال أبو العباس القرطبي – في شرح حديث ( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر ) -:

وهذا حديث عظيم يدل على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحدٌ رتبة العلماء، وأن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء

وقال:

وقوله ( وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) هذه المفاضلة لا تصح حتى يكون كل واحد منهما قائماً بما وجب عليه من العلم والعمل؛ فإنَّ العابد لو ترك شيئًا من الواجبات أو عملها على جهل: لم يستحق اسم العابد، ولا تصح له عبادة، والعالم لو ترك شيئًا من الواجبات: لكان مذموماً ولم يستحق اسم العالم، فإذاً محل التفضيل: إنما هو في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة، والصوم، والذكر وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم وحفظه، وتقييده، وتعليمه، فهذا هو الذي شبهه بالبدر؛ لأنَّه قد كمل في نفسه، واستضاء به كل شي في العالم من حيث أن علمه تعدَّى لغيره، وليس كذلك العابد فإنَّ غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبَّهه بالكوكب الذي غايته أن يُظهر نفسَه.

وقوله ( وإن العلماء ورثة الأنبياء ) إنما خصَّ العلماء بالوراثة – وإن كان العبَّاد أيضاً قد ورثوا عنه العلم بما صاروا به عبَّادًا-؛ لأنَّ العلماء هم الذين نابوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حملهم العلم عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم، وهدايتهم.

وبالجملة: فالعلماء: هم العالمون بمصالح الأمَّة بعده، الذابُّون عن سنَّته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحق بالوراثة، والأولى بالنيابة والخلافة، وأما العبَّاد فلم يطلق عليهم اسم الوراثة لقصور نفعهم، ويسير حظهم. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ( 6 / 685 ، 686 ).

وهذا كلام محكم متين، وفيه بيان أنه حتى العابد يحتاج إلى علم حتى يعبد الله تعالى كما شرع وإلا لما استحق هذا الاسم، بل لكانت عبادته سبباً في إثمه وإثم غيره، بل في هلاكه! كما في حديث الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا فإنه لما سأل العابد إن كان له توبة فقال له ليس لك توبة فقتله ! فكان سبباً في صد الناس عن الخير وسببا في هلاكه هو، وأما عندما لقي عالِماً فسأله عن ذنوبه فإنه لم يستعظمها في مقابل رحمة الله وعفوه فقال له ” ومن يحول بينك وبين التوبة ” ودلَّه على ما فيه صلاحه وخير الناس.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في فوائد حديث الذي قتل تسعًا وتسعين -:

وفيه: فضل العالم على العابد؛ لأن الذي أفتاه أولًا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة.

” فتح الباري ” ( 6 / 518 ).

كما أن العالِم الذي لا ينتفع الناس بعلمه ليس هو المقصود في الحديث لأن تشبيهه بالبدر يدل على استفادة الناس من ضوئه -علمه -، ولا بدَّ أن يكون عنده من العبادة والطاعة ما يستحق به اسم ” العالِم “.

فحتى تكون من أكرم الناس عند الله اتصف بالتقوى، واعلم أن التقوى هي: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، فالمتقون سبقوا غيرهم لا بأعمال قلوبهم فحسب بل وبأعمال جوارحهم، وببعدهم عن الذنوب والمعاصي، وهم من أعظم الناس نفعًا لغيرهم وعلى رأس نفعهم: تعليم الناس والقيام بوظيفة الأنبياء.

قال تعالى ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) آل عمران/ 133 ، 136.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -: وفي الجملة: فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 134. ” لطائف المعارف ” ( ص 231 ).

واعلم أن طلبك للعلم واشتغالك به خير لك من اشتغالك بعبادات لا يعود نفعها إلا عليك، وهذا أمر لا يكاد يوجد فيه خلاف بين العلماء.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 79 – 81 ):

حكى النووي اتفاق الفقهاء على أن طلب العلم والاشتغال به أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح، ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن.

فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم )، وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: ” العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله “، وعن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما  قالا: ” باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع “؛ ولأن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به؛ ولأن العلم مصحح، فغيره من العبادات مفتقر إليه، ولا ينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها.

كما أن المثابرة على طلب العلم والتفقه فيه وعدم الاجتزاء باليسير منه : يجر إلى العمل به، ويلجئ إليه، وهو معنى قول الحسن: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة، انتهى.

ونسأل الله أن نكون وضحنا لك الأمر وأزحنا الإشكال الواقع عندك، ولم يعد أمامنا وإياك إلا السعي لما يحبه ويرضاه واستثمار ما بقي من العمر للفوز برضوان الله في الآخرة ومن ثم النظر إلى وجهه الكريم.

 

والله أعلم.

ليس في النساء نبيِّات ولا رسولات، وبيان الحِكَم الجليلة في ذلك

ليس في النساء نبيِّات ولا رسولات، وبيان الحِكَم الجليلة في ذلك

السؤال:

لماذا كل أنبياء اليهودية والمسيحية والإسلام من الرجال؟ ولماذا لم يكن نبي امرأة؟ ولماذا تحتم أن يكونوا ذكورًا؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يتردد المسلم في الإيمان بعظيم حكمة الله تعالى في أفعاله، فمن أسمائه عز وجل ” الحكيم “، ومن صفاته ” الحكمة “.

وقد حكم الله تعالى بأن من صفات المرسَلين: الذكورة، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماعَ على ذلك، وله تعالى في ذلك أعظم الحكَم.

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

ومن الكمال الذي حباهم به: أنه اختار جميع الرسل الذين أرسلهم من الرجال، ولم يبعث الله رسولًا من النساء، يدلُّ على ذلك: صيغة الحصر التي وردت في قوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم ) الأنبياء/ 7.

الحكمة من كون الرسل رجالًا:

كان الرسل من الرجال دون النساء لحكَم يقتضيها المقام، فمن ذلك:

  1. أنّ الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة، ومخاطبة الرجال والنساء، ومقابلة الناس في السرّ والعلانية، والتنقل في فجاج الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، وإعداد الجيوش وقيادتها، والاصطلاء بنارها، وكل هذا يناسب الرجال دون النساء.
  2. الرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتابعه، فهو في أتباعه الآمر الناهي، وهو فيهم الحاكم والقاضي، ولو كانت الموكلة بذلك امرأة: لَمْ يتم ذلك لها على الوجه الأكمل، ولاستنكف أقوام من الاتباع والطاعة.
  3. الذكورة أكمل، ولذلك جعل الله القوامة للرجال على النساء ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) النساء/ 34 ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ النساء ( ناقصات عقل ودين ).
  4. المرأة يطرأ عليها ما يعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات، كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وتصاحب ذلك اضطرابات نفسية وآلام وأوجاع، عدا ما يتطلبه الوليد من عناية، وكل ذلك مانع من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.

” الرسل والرسالات ” ( ص 84 ، 85 ).

ثانيًا:

وأما النبوَّة: فقد ذهب بعض العلماء كأبي الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم إلى وجود نبيَّات من النساء! ومنهن مريم بنت عمران، ودليلهم ما جاء من آيات فيها بيان وحي الله تعالى لأم موسى – مثلًا -، وما جاء من خطاب الملائكة لمريم عليها السلام، وأيضًا باصطفاء الله تعالى لها على نساء العالَمين.

– وهذا الذي قالوه: لا يظهر أنه صواب.

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

– وهذا الذي ذكروه لا ينهض لإثبات نبوة النساء، والرد عليهم من وجوه:

الأول: أنّا لا نسلِّم لهم أن النبيَّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس، والذي اخترناه: أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا، وأنَّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق.

وإذا كان الأمر كذلك: فالمحذورات التي قيلت في إرسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.

الثاني: قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة – أم موسى وآسية – إنّما وقع مناماً، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون مناماً، وهذا يقع لغير الأنبياء.

الثالث: لا نسلِّم لهم قولهم: إن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي، ففي الحديث أن الله أرسل ملكاً لرجل يزور أخاً له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله، أعلمه أنَّ الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبّه، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدونه ويسمعونه.

الرابع: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه ( قُلْنَا يَا ذَا القَرْنَين إمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِم حُسْناً ) الكهف/ 86.

الخامس: لا حجّة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم؛ فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء ( ثمُّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذين اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ ) فاطر/ 32، واصطفى آلَ إبراهيم وآلَ عمران على العالَمين، ومِن آلِهِما من ليس بنبيّ جزماً ( إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ) آل عمران/  33.

السادس: لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة؛ لأنّه يطلَق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد: بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء.

السابع: ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات، وهذا يبيِّن أن الكمال هنا ليس كمال النبوة. انظر الأحاديث في هذا الباب مع شرحها في جواب السؤال رقم ( 7181 ).

الثامن: ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية؛ لأنّ فاطمة ليست بنبيَّة جزمًا، وقد نصَّ الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة.

التاسع: وصف مريم بأنها صِدِّيقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها، قال تعالى ( مَّا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِه الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) المائدة/ 75، فلو كان هناك وصف أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح إخبار بنبوة واحدة من النساء.

وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنّ مريم ليست بنبيّة، وذكر النووي في ” الأذكار ” عن إمام الحرمين أنّه نقل الإجماع على أنّ مريم ليست نبيّة، ونسبه في ” شرح المهذب ” لجماعة، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبيّة ولا في الجنّ. ” الرسل والرسالات ” ( ص 87 – 89 ).

 

فالخلاصة: ليس ثمة رسل من النساء، والأظهر قول الجمهور في النبوة وأنه ليس ثمة نبيُّة من النساء، وفي كل ذلك حكَم جليلة سبق بيانها.

 

والله أعلم.

 

لديها أصدقاء! من الشيعة! يعتقدون بخرافة تتعلق بديوان ” حافظ الشيرازي “

لديها أصدقاء! من الشيعة! يعتقدون بخرافة تتعلق بديوان ” حافظ الشيرازي ”

السؤال:

لدي صديقان يؤمنان بالشعوذة من خلال شعر ” خواجة حافظ شيرازي ” والذي أصبح متحدًا مع الخالق! بعد أن قام باليقظة مدة أربعين يومًا وليلة بالجلوس في دائرة! وفي صباح اليوم الأربعين من يقظته ذهب لسيده وشرب كأسا من الخمر أعطاه إياه سيده وقد حضر الوعي الكوني أو الوعي الإلهي، وأصحابي يؤمنون الآن أنه بعد الدعاء لروحه والبقاء على تواصل معه فإنهم سوف يعرفون ما يحدث في المستقبل القريب، وأود أن أذكر أنهم من الشيعة، لذلك أود منكم أن تشرحوا الأمر بما يناسبهم ومعتقداتهم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشيرازي المذكور في السؤال هو : محمد بن بهاء الدين المعروف ” حافظ الشيرازي “، وهو من أبرز شعراء الغزل في الأدب الفارسي، وهو شيعي متصوف!.

وقد ولد ” حافظ الشيرازي ” في أوائل القرن الثامن في مدينة ” شيراز “- وهي مدينة إيرانية تقع جنوب غربي جبال زاغروس، وتبعد عنها العاصمة طهران باتجاه الشمال بما يقارب ( 1500 كم ) – عام 726 هـ  تقديرًا لا جزمًا -، وتوفي ( عام 791 هـ )، ودفن في شيراز في حديقة سميت فيما بعد بـ ” الحافظية ” تكريمًا له.

وأما ما ذكرتْه الأخت السائلة عنه فقد جاء تفصيل ذلك في بعض تراجمه حيث جاء فيها:

أنه كان لحافظ الشيرازي تجربتان فاشلتان: في الشعر، وفي الحصول على معشوقته! فدفعه ذلك الفشل إلى أن يختار العزلة في شمال شيراز يعرف بضريح ” بابا كوهي “! فلزمه أربعين يومًا, حتى زعم بعدها أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أطعمه طعامًا سماويًّا! ولقَّنه أبياتًا من الشِّعر فصار شاعرًا غزليًّا! وأسلمت له معشوقته لكنه ابتعد عنها إعراضًا عن الدنيا!.

وقد وُجد في شعره من الزندقة والإلحاد ما جعل بعض العلماء يرفضون المشي في جنازته والصلاة عليه، وقد كتبت في شخصيته كتب كثيرة وشُرح ديوانه، ورَفع من شأنه بعض أئمة الكفر من أهل الأدب الغربي.

 

 

ثانيًا:

وأما قولها بأن بعض الناس يؤمنون بالشعوذة في شعر الشيرازي: فمقصودها: شعره الذي بثه في ديوانه ” الذي تُرجم إلى حوالي سبع وعشرين لغة. فيه نحو سبعمائة قطعة من الشعر، منها ما يقرب من خمسمائة مصوغة فـي هذا الضرب من الشعر الفارسي الذي يدعى بالغزل.

وقد أطلق الشاعر” عبد الرحمن جامي ” – توفي عام 898 هـ –  فـي كتابه ” نفحات الأنس ” على حافظ لقب ” لسان الغيب وترجمان الأسرار! وفسّره بأن صاحب هذا اللقب كشف عن كثير من الأسرار الغيبية والمعاني الحقيقية التي التفّت بألبسة المجاز “.

انظري مقالا بعنوان ” حافظ الشيرازي لسان الغيب وترجمان الأسرار ” للدكتور عبد الكريم اليافي، ” مجلة الآداب الأجنبية ” الصادرة عن ” اتحاد الكتاب العرب ” بدمشق، العدد ( 127 ) صيف 2006 م.

وأما الشعوذة فيه: فلها طريقتان مشتهرتان في ” إيران ” إلى الآن:

الأولى:

عن طريق شراء مغلَّف من المغلَّفات التي تباع في الشوارع والتي يحتوي كل واحد منها على مقطع من شعر حافظ مع شرح يسير، يعتقد المشتري أن ” فأله ” في هذا المغلَّف! فيعتقدون أن ما خرج لهم هو ما سيحصل معهم في حياتهم ومستقبلهم! أو يخبرهم طالعهم – زعموا – بحقيقة واقعهم أو ماضيهم.

الثانية:

أنه لا يكاد يخلو بيت إيراني من ” ديوان حافظ ” – ويسمَّى ” فال حافظ ” – فيقوم هؤلاء في الأعياد الدينية وغيرها يأخذون طالعهم من الديوان، إذ يقوم الشخص المتقدم في السن أو من عُرف عنه صفاء النية بفتح عشوائي لصفحة من ” ديوان حافظ ” ومن ثَم يقرأ الشعر الموجود بصوت مرتفع ويقوم بتفسيره مع محاولة لأخذ إشارات من الشعر بشأن نية صاحب الفال

وبعض المتدينين! يبدؤون بقراءة الفاتحة لروح حافظ، ثم يقبِّلون الديوان، ومع الدعاء يفتحون إحدى الصفحات ليروا ما يخبرهم به شاعرهم.

ومن الأقوال الشائعة ” أي حافظ، انظر إليَّ أنا طالب الأسرار وأنت كاشف الحظ، أقسم عليك بالقرآن الذي حفظته في صدرك  وبـ ” شاخ نبات “! التي عشقتَها أن تأخذ لي الطالع “.

انظري مقال ” الإيرانيون يقرؤون الفاتحة لروح الشيرازي ويستخيرون بأشعاره ” على موقع ” الجزيرة نت “، الثلاثاء، 22 / 3 / 1428 هـ ، الموافق 10 / 4 / 2007 م.

 

ثالثًا:

وأما حكم فعل هؤلاء فهو فعل الجاهليين مع الأزلام، فقد كانوا يستقسمون بالأزلام حين يريدون سفرًا أو زواجًا أو تجارة، وهو أمر نصَّ الله تعالى على تحريمه في كتابه الكريم، فقال ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) المائدة/ 3.

وحكم الاستسقام بالأزلام يجري على فعل أولئك مع المصحف الشريف ! فكيف لا يجري في ديوان شيعي صوفي؟!.

1.*  قال أبو بكر بن العربي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وأن تستقسموا بالأزلام } معناه: تطلبوا ما قسم لكم، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فسق ممن فعله فإنه تعرض لعلم الغيب، ولا يجوز لأحد من خلق الله أن يتعرض للغيب ولا يطلبه; فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلا في الرؤيا. فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف؟ قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ليعلم به الغيب; إنما بينت آياته، ورسمت كلماته ليمنع عن الغيب; فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 38 ).

  1. * وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل فإذا نظر ذِكر النار قال : ” هذا فأل غير جميل “، وإذا نظر ذِكر الجنة قال: ” هذا فأل طيب “، وهذا في الحقيقة مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام.” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 115).

 

رابعًا:

وبما أن أولئك الأشخاص من ” الشيعة “: فلا خير يُرجى منهم إن علموا ضلال فعلهم مع ديوان الشيرازي؛ لأنهم على اعتقاد فاسد أصلاً ! ولعلَّ أصولهم القائمة على الإيمان بالخرافات والأساطير جعلت الطريق ممهدًا سهلًا للإيمان بما يفعله قومهم مع شعر الشيرازي.

فالواجب عليهم ترك عقيدة الرفض، والاستقامة على هدي القرآن والسنَّة، ولن يقبل الله من أحدٍ عملًا إن كان على غير ملة الإسلام، ولا إسلام إلا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغه الصحابة الكرام عنه للناس كافة.

 

خامسًا: وننبه الأخت السائلة إلى ضرورة تجنب أولئك الأشخاص ولو بنيَّة دعوتهم؛ من جهتين:

الأولى: أنه ليس في الإسلام ” صداقات ” بين الرجال والنساء الأجنبيات عنهم، فما يوجد في الغرب من علاقات بين الجنسين باسم الصداقة ترفضه الشريعة الإسلامية، ولم يعُد خطره خافيًا على أصحاب العقول والفطَر السليمة.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما حكم العلاقة بين الجنسين مع العلم أن النية صالحة وليست خبيثة؟!.

فأجاب:

الواجب على الرجل أن لا يلتقي مع المرأة الأجنبية عنه، ويجب عليه الحذر من أن يختلي بالمرأة ومن أي التقاء ومن أي محادثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما )، ويقول عليه الصلاة والسلام ( وإياكم والدخول على النساء ) قيل: أفرأيت الحمو؟ قال: ( الحمو الموت )، ويقول الله تعالى لنساء نبيه: ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ).

فالذي ينبغي: أن الرجل يأخذ بالحزم والبعد عن محادثة النساء؛ فإن المحادثات قد تؤدي إلى ما هو أشر منها؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإغلاق وسائل الشر من أسباب السلامة بتوفيق الله، ومن فتح على نفسه باب شر يوشك أن يلج فيه، إلا من عصمه الله. نسأل الله العصمة والهداية. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 60 / 113،114 ).

الثانية: خشية افتتان الأخت السائلة بأصل اعتقاد أولئك الرجال وهو ما هم عليه من ” الرفض ” أو الافتتان بالعقيدة الجديدة والتي قد أحلنا على حكم معتقدها، وقد قال حثَّ سلفنا الصالح على ضرورة الابتعاد عن الشبهات وأهلها وعللوا ذلك بأن ” الشبهات خطَّافة والقلوب ضعيفة “.

ونسأل الله تعالى أن يكتب الأجر لأختنا السائلة على حرصها على هداية الناس، وعلى غيرتها على دين الله أن تنسب إليه الشعوذات والخرافات، ونسأل الله أن يثبتها على الحق، وأن يوفقها لما فيه هدايتها ونفعها.

والله أعلم.

حقيقة المذاهب الفقهية وأصل وجودها، وهل المسلم مُلزم باتباع أحدها؟

حقيقة المذاهب الفقهية وأصل وجودها، وهل المسلم مُلزم باتباع أحدها؟

السؤال:

لقد ولدت مسلما ولدي سؤال عن الإسلام: هناك العديد من المسلمين يسألونك على أي مذهب أنت ( سني أم سلفي أم غير ذلك )، فهل عليَّ كمسلم أن أنتمي لأي من هذه المذاهب؟ إذا كنت تؤمن بالله ورسوله وتؤدي الصلوات الخمس وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت أليست هذه شروط الإسلام دون التزام بمذهب أو غير ذلك؟ وقد سمعت العديد من المسلمين يحرمون سماع أحد الخطباء لأنه لا يتبع أي مذهب.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس في تشريعات الإسلام وأحكامه ما يوجب على المسلم أن ينضم تحت مظلة مذهب من المذاهب الفقهية المتنوعة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرها، بل وأصحاب المذاهب نفسها لم يدْع واحدٌ منهم أحدًا ليكون تابعًا له مقلدًا لفتواه، بل وقد صح عنهم كلمات رائعات في التحذير من تقليدهم وصح عنهم الوصية بالأخذ من كتاب الله تعالى ومن سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن تعلم أن الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم ليس يُعرف في زمانهم مثل هذا التمذهب، ولا التابعون، ولا أتباعهم، وهذه هي خير القرون، بل وأصحاب المذاهب أنفسهم لم يكونوا متمذهبين! وإلا فما هو مذهب الشافعي نفسه ؟ وما هو مذهب مالك نفسه ؟ لقد كان مذهبهم اتباع نصوص الوحي والتفقه في فهمها وفق ما وقفوا عليه من أقوال الصحابة والتابعين ووفق ما رزقهم الله من بصيرة ودراية، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه ” مذهب أهل الحديث ” وعليه أمثال البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وألوف مثلهم.

ومن حكمة الله تعالى أنه أراد رفع شأن طائفة من أولئك الأئمة – وهم الأئمة الأربعة – وأن يجعل لهم ذِكرًا حسنًا بين النَّاس فسخَّر لهم تلامذة يأخذون عنهم علمهم ويدونونه وينشرونه، وجاء بعدهم من أتباعهم أئمة فقه وحديث فصارت هذه المذاهب مدارس فقهية لها حضورها في حياة الناس، وانتشرت بحسب قوة وكثرة وشهرة أتباع كل مدرسة، وبحسب تبني الحكَّام لأحد تلك المذاهب.

وهذا كله لم يغيِّر من الحكم الشرعي الأصيل وهو أن المُسلم لا يُلزم باتباع مذهب من المذاهب الفقهية السابقة ولا غيرها، ولا مانع من دراسة الفقه وفق منهج أحدها لكن لا يحل لمن عرف أن الحق مع غير صاحب المذهب أن يبقى على الخطأ بل يجب عليه اتباع الصواب، ولذا فقد انتشرت الآن – بفضل الله – مدرسة ” الفقه المقارن ” فصارت تُعرض المسألة على الطلاب بأدلتها وأقوال العلماء ثم تناقش تلك الأدلة والأقوال ويرجَّح في نهاية المطاف بينها حتى يُعلم القوي منها من الضعيف، والصواب منها من الخطأ، وعلى هذا المنهج تسير الجامعات وتُكتب المؤلفات، وعليه يسير فقهاء العالَم وعلماؤه في مؤتمراتهم ومجالسهم الفقهية ولجان الفتوى في غالب بلدان العالَم.

وبما ذكرناه يتبين لك أصل وجود المذاهب، وحقيقتها، وأنك غير ملزم باتباع أحدها، وفي الوقت نفسه فإن غالب المسلمين لا يستطيعون الأخذ مباشرة من الكتاب والسنَّة فيحتاجون لعلماء يسألونهم ويستفتونهم، وهذا المسلم غير ملزم بسؤال عالِم معيَّن، بل له أن يسأل كلَّ من يظن فيه خيرًا من حيث علمه ودينه، وقد يتنوع الأخذ عن أولئك بحسب المتيسر مشافهة، وقراءة, وسماعًا، ومشاهَدة، والأمر واسع غير مضيَّق على أحد بفضل الله.

وبه يتبين أن القائل بعدم حضور الجمعة عند المتبعين للنصوص والآخذين من الأئمة جميعهم ما يرونه صواباً موافقاً للكتاب والسنَّة: خطأ في القول وخطأ في الحكم، وهذا تفريق بين المسلمين ليس له وجه في شرع الله تعالى، فعلى قائل ذاك القول التوبة والكف عن القول على الشرع بما ليس بحق، والكف عن زرع الفُرقة بين المسلمين، وخاصة إن كانوا في بلاد الغُربة، وبالأخص إن كانوا في بلاد الكفر.

ثانيًا:

ولا بدَّ من التنبيه على أننا نعني بما سبق المذاهب الفقهية المتعلق أمرها بمسائل الفقه، ولسنا نعني به المذاهب الاعتقادية كالشيعة والأشاعرة وغيرهما من المذاهب العقائدية المخالفة لاعتقاد الصحابة والتابعين واعتقاد أئمة الفقه والحديث، وهم بالضرورة مخالفون للكتاب والسنَّة، فهنا لا خيار للمسلم ليتبع ما يشاء بل هو مُلزم باعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ إذ لا خير في اتباع غيرهم، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بضلال كل فرقة ومذهب وطائفة خالفت ما عليه أولئك الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان.

ثالثًا:

وقد احتمل سؤال السائل في نظرنا الاختلاف الفقهي والعقائدي – والأول أقرب لمراده -، وقد سبق منا بيان الشأن فيهما بما يتناسب مع طبيعة أجوبة الموقع.

 

والله أعلم.

درجة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ – أو الجفاء – فِي الرَّجُلِ ) وبيان صحة معناه

درجة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ – أو الجفاء – فِي الرَّجُلِ ) وبيان صحة معناه

السؤال:

ما صحة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ فِي الرَّجُلِ: أَنْ يَلْقَى مَنْ يُحِبُّ مَعْرِفَتَهُ فَيُفَارِقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يُكْرِمَهُ أَحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ كَرَامَتَهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَارِبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَيُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيُؤَانِسَهَا، وَيُضَاجِعَهَا فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا مِنْهُ ) رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “؟ وإن كان ضعيفًا هل من معناه صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث المذكور في السؤال له ألفاظ متقاربة، وهو حديث ضعيف جدًّا، لا يصح بوجه من الوجوه، وقد جاء مختصرًا ومطوَّلًا.

أما المختصر فهو بلفظ:

( لا يَقَعَنَّ أحدُكم على امرأتِه كما تَقَعُ البَهيمةُ وليكنْ بينهما رسولٌ ) قيل: وما الرسولُ؟ قال: ( القُبْلةُ والكَلامُ ).

* قال الحافظ العراقي – رحمه الله -:

( رواه ) أبو منصور الديلمي في ” مسند الفردوس ” من حديث أنس، وهو منكر. ” إحياء علوم الدين، ومعه تخريج الحافظ العراقي ” ( 2 / 50 ).

وأما المطوَّل: فله ألفاظ منها ما جاء في السؤال، ومنها:

عن أنس قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثَلاثةٌ مِن الجَفَا: أنْ يُؤاخِي الرَّجلُ الرَّجلَ فَلا يَعرِف له اسْمًا وَلاَ كُنْية، وَأن يُهيِّئ الرجلُ لأخيهِ طَعاماً فَلاَ يُجِيبه، وأن يَكونَ بَيْن الرجُلِ وَأهلِه وِقاعٌ مِن غَير أن يُرسِلَ رسُولًا: المِزاحُ والقُبَل؛ لا يَقَع أحدُكم على أَهلِهِ مِثلَ البَهِيمة على البهيمةِ ). وضعفه الشيخ الألباني في ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 179 حديث رقم 6075 ).

 

ثانيًا:

– وأما ما احتواه النص من معاني فهي معانٍ صحيحة في الجملة:

أما الجملة الأولى: فلم يصح فيها شيء مرفوع، لكن صحَّ ذلك عن بعض التابعين، وهو معنى صحيح لا يحتاج مثله لحديث مرفوع.

وأشهر ما ورد في المسألة من الأحاديث المرفوعة حديثان:

  1. حديث ابن عمر ( إِذا آخَيْتَ رَجُلًا فَسَلْهُ عَنِ اسْمِهِ واسْمِ أبيهِ فإنْ كانَ غَائِباً حَفِظْتَهُ وإنْ كانَ مَرِيضاً عُدْتَهُ وإِنْ ماتَ شَهِدْتَهُ ). وهو حديث ضعيف جدًّا كما نبَّه عليه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1725 ).
  2. عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ ). رواه الترمذي (2392 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا نَعْرِفُ لِيَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. انتهى.

وقد صححه البوصيري عن يزيد بن نعامة من كلامه فقال – رحمه الله -:

رواه أبو بكر بن أبي شيبة مرسلًا بسند صحيح.

” إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ” ( 5 / 497 ).

والأخوة المرادة هنا هي الأخوَّة الخاصَّة، وقد جاء في بعض ألفاظه ” إذا أحبَّ ” كما رواه كذلك الإمام هنَّاد بن السري في ” الزهد ” ( 1 / 275 ).

 

ثالثًا:

وأما الجملة الثانية: وهي ( أَنْ يُكْرِمَهُ أَحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ كَرَامَتَهُ ): فمعناها – كما جاء في بعض ألفاظ الأثر – أن يهيِّئ الرجل لأخيه طعاماً فلا يجيبه، وهذا مما يوقع الوحشة بين الأخوين، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ من كان صائمًا تطوعًا أن يُفطر ويأكل من طعام أخيه؛ تأليفًا للقلوب وإزالة للوحشة بينهما.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي أَنَّهُ قَالَ: صَنَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا فَأَتَانِي هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ” إِنِّي صَائِمٌ ” فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ ) ثُمَّ قَالَ لَهُ ( أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ ). رواه البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 4 / 279 ) وحسَّنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 4 / 210 )، والألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 11 ).

 

رابعًا:

وأما الجملة الثالثة: وهي: ” أَنْ يُقَارِبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَيُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيُؤَانِسَهَا، وَيُضَاجِعَهَا فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا مِنْهُ “: فهي صحيحة المعنى وقد ذكر العلماء أن من آداب الجماع أن يسبقه الزوج بالكلام والتقبيل وأن لا يباشر بالجماع دونهما، كما نبَّهوا على حق المرأة في الاستمتاع بزوجها، فلا ينبغي له إذا أولج فأنزل أن يقوم عنها حتى يعلم أنها قضت حاجتها منه.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وممَّا ينبغي تقديُمُه على الجِماع: ملاعبةُ المرأة، وتقبيلُها، ومصُّ لِسانها، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلاعبُ أهله، ويُقَبلُها. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 253 ).

* وقال الغزالي – رحمه الله -:

ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضاً نَهْمتها؛ فإن إنزالها ربما يتأخر فتَهيجُ شهوتُها، ثم القعود عنها إيذاءٌ لها، والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقاً إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها، ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها فإنها ربما تستحي. ” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 50 ).

فتبين مما سبق أن الحديث الوارد نصُّه في السؤال لا يصح من حيث إسناده، ويصح من حيث معانيه التي اشتمل عليها.

 

والله أعلم.

ما الباقيات الصالحات؟ وهل صحيح أنها لا تزول بالمقاصة يوم القيامة؟

ما الباقيات الصالحات؟ وهل صحيح أنها لا تزول بالمقاصة يوم القيامة؟

السؤال:

أرجو من فضيلتكم بيان المراد بـ ” الباقيات الصالحات ” حيث أنه من المعلوم عند الحساب يوم القيامة وعند القصاص بين العباد فإنه يؤخذ من حسنات الظالم وتُعطى للمظلوم، فإن فنيت يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم.

السؤال هنا: هل الباقيات الصالحات من جملة الحسنات اللاتي ممكن أن تؤخذ من الظالم لتعطى للمظلوم؟ أم أنها باقية لذلك فهي سمِّيت بالباقيات الصالحات؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ ” الباقيات الصالحات ” في قوله تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) الكهف/ 46، وفي قوله تعالى ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ) مريم/ 76، فقال بعضهم: إنها قول ” سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر “، وقال آخرون: إنها جميع أعمال الخير، وهو ما رجحه من المتقدمين: الإمام الطبري، ومن المتأخرين: الشيخ الشنقيطي رحمهما الله.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هنّ جميع أعمال الخير، كالذي رُوي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لم يخصص من قوله (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ) بعضًا دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” تفسير الطبري ” ( 18 / 35 ، 36 ).

وانظر كلام الشيخ الشنقيطي في جواب السؤال رقم ( 22241 ).

ومما يدل على أن عموم الأقوال والأعمال الصالحة هو الصواب في معنى “الباقيات “: ما رواه الترمذي – ( 2470 ) وصححه – عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتصدقوا بها إلا كتفها، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ ) قَالَتْ: عائشة: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا، قَالَ: ( بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا ).

 

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

أي: ما تصدقتَ به: فهو باق، وما بقي عندك: فهو غير باق، إشارة إلى قوله تعالى ( مَا عِنْدَكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ) النحل/ 96. ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 142 ).

 

ثانيًا:

وأيّاً كان المراد من اللفظة فإنه لا يرد الإشكال الذي ذكره الأخ السائل من كون أجور هذه الأقوال أو الأعمال تنتقل بالمقاصة يوم القيامة؛ لأن المراد بقوله تعالى ” الباقيات” لا التي لا تزول مهما جاء به المسلم المكلف بدليل الاتفاق على زوالها بالردة، وإنما يعني بالباقيات مقارنة بما سبق ذِكره من أمور الدنيا الفانيات كالمال والبنين.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

فقدم ( الباقيات ) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفصولا لأنه ليس بباققٍ، وهو المال والبنون، كقوله تعالى: ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) الرعد/ 26، فكان هذا التقديم قاضيًا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره : أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه، فكان قوله ( فأصبح هشيماً تذروه الرياح ) الكهف/ 45 مفيدًا للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن، وكان قوله: (والباقيات ) مفيدًا زوال غيرها بطريقة الالتزام، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلامًا مؤكدًا موجزًا .

ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله: ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردًا) مريم/ 76 فإنه وقع إثر قوله ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًّا. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثًا ورئيًا ) مريم/ 73 ، 74 الآية   ” التحرير والتنوير ” ( 15 / 333 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي- رحمه الله -:

وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها يتمتع به قليلًا ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون، ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.  ” تفسير السعدي ” ( ص 479 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ) أي: الأعمال الباقية، التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها، ولا تضمحل، هي الصالحات منها، من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وقراءة وتسبيح وتكبير وتحميد وتهليل وإحسان إلى المخلوقين وأعمال قلبية وبدنية، فهذه الأعمال ( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْر مَرَدًّا ) أي: خير عند الله ثوابها وأجرها، وكثير للعاملين نفعها وردها، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه؛ فإنه ما ثَمَّ غير الباقيات الصالحات عمل ينفع، ولا يبقى لصاحبه ثوابه ولا ينجع.

ومناسبة ذِكر الباقيات الصالحات – والله أعلم -: أنه لما ذكر أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد وحسن المقام ونحو ذلك علامة لحسن حال صاحبها: أخبر هنا أن الأمر ليس كما زعموا، بل العمل الذي هو عنوان السعادة ومنشور الفلاح: هو العمل بما يحبه الله ويرضاه.  ” تفسير السعدي ” ( ص 499 ).

ففي الآيتين الحث على القيام بالأعمال والأقوال التي لا تفنى بموت المسلم بل تبقى له وتكتب له في صحائفه، وتوضع له في ميزانه، ويرى أثرها في قبره وحشره وجنته، ولكن هذا لا يعني أنها لا تؤخذ منه أجورها إذا جاء يوم القيامة بمظلمة لأحد من المسلمين ولم يتب منها في دنياه ولم يعف عنه ربه تعالى، بل كل ما جاء به من أعمال جليلة في الإسلام كالصلاة والصيام والصدقة قابل للأخذ من أجوره لتُعطى لصاحب المظلمة، وهذا هو المفلس على الحقيقة، وقد جاء في السنَّة النبوية الصحيحة ما يحذِّر المسلم صراحة من هذا الإفلاس يوم القيامة.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لاَ درْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ ( إِنَّ المُفْلِسَ منْ أُمَّتِي يَأتِي يَوْمَ القِيَامَة بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاة وَيَأتي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَف هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دمَ هًذَا وضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذا مِنْ حَسَنَاتهِ وَهَذا مِنْ حَسَنَاتهِ فَإِنْ فَنيَت حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحًتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّاَرِ ). رواه مسلم ( 2581 ).

فالحديث نصٌّ في المسألة، ومهما قيل في معنى الباقيات الصالحات فإنها قابلة لأخذ أجورها منه إن جاء بمظلمة لأحد، ولذلك جاء التحذير من النبي صلى الله عليه وسلم لكل ظالم أن يتحلل من مظلمته في الدنيا قبل أن يأتي يوم القيامة والذي ليس فيه مجال للتحلل بل هي الحسنات تؤخذ منه وتُعطى لصاحب المظلمة وهي السيئات تؤخذ من ذاك وتلقى على الظالم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ). رواه البخاري ( 6169 ).

 

 

 

وأمر آخر:

أنه حتى لو تكن ثمة مقاصة بين صاحب الباقيات الصالحات وصاحب المظلمة: فإنه قد تحبط هذه الحسنات في الميزان إذا غلبت سيئاته.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –  

عن رجل مسلم يعمل عملًا يستوجب أن يُبنى له قصر في الجنة ويغرس له غراس باسمه، ثم يعمل ذنوبًا يستوجب بها النار فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه في الجنة وهو في النار؟.

فأجاب  

إن تاب عن ذنوبه توبة نصوحًا: فإن الله يغفر له، ولا يحرمه ما كان وَعَده، بل يعطيه ذلك، وإن لم يتب : وُزنت حسناتُه وسيئاتُه : فإن رجحت حسناته على سيئاته: كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته : كان من أهل العذاب، وما أعد له من الثواب: يحبط حينئذ بالسيئات التي زادت على حسناته، كما أنه إذا عمل سيئات استحق بها النار ثم عمل بعدها حسنات : تذهب السيئات، والله أعلم . ” مجموع الفتاوى ” (4/308 ).

وهذه الفتوى من شيخ الإسلام تشمل من جاء بالباقيات على المعنى الآخر المرجوح؛ لأنه قد صحت الأحاديث أنه تُغرس نخلة في الجنة لمن قال ” سبحان الله ” و ” الحمد لله ” و ” لا إله إلا الله ” و ” الله أكبر ” وهي الباقيات على القول الآخر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْسًا فَقَالَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا الَّذِي تَغْرِسُ ) قُلْتُ: غِرَاسًا لِي، قَالَ ( أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ هَذَا ) قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ( قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ ). رواه ابن ماجه ( 3807 ) وحسنه البوصيري وصححه الألباني في ” صحيح الجامع “.

فعُلم من كل ما سبق: أنه لا يعني مجيء المسلم بالباقيات أنها لا تقبل الزوال والانتقال، بل إنها تزول بالردة، والمقاصة، وغلبة السيئات على الحسنات، وإنما يعني بالباقيات ما يقابل الفانيات من متاع الدنيا وزينتها، وهذا شأن الأعمال الصالحة كلها، وقد ثبت النصوص الصحيحة بتعرض أجور تلك الأعمال للحبوط والانتقال، فوجب على المسلم أن يُعنى بالإكثار من الأعمال الصالحة، وأن يتجنب أن يجيء يوم القيامة بما يعرِّض أجور تلك الأعمال للحبوط والانتقال، وليحافظ على أعماله أن تحبط أو تنتقل.

 

والله أعلم.

يشكو تغير حاله إلى الأسوأ فما عاد يستفيد من عالِم ولا يتأثر بموعظة!

يشكو تغير حاله إلى الأسوأ فما عاد يستفيد من عالِم ولا يتأثر بموعظة!

السؤال:

بدأت في طلب العلم عن طريق المحاضرات المسجلة لأهل العلم الكبار، ولكن الآن عند سماعي وعظ الخطيب أو محاضرة لأحد الدعاة ممن هم دون كبار العلماء لا يقرع أذني ولا أقف إلا على أخطائهم فأكاد لا أستفيد بكلمة منهم ولا أتأثر بموعظة ولو شئت لقلت يضيق صدري، وهذا له أثر سيء على نفسي، فقد كان وعظ هؤلاء مما يرقق القلب، حتى مع رفقائي في العمل أصبحت أملُّ حديثهم الذي لا فائدة منه، وكنت عندما أنظر في تراجم أهل العلم أنتشي ويكتنفني السرور وأحب أن  أقلدهم، أما الآن فعند النظر في تراجم العلماء أول ما أشعر به الأسف على نفسي ويركبني الهم فأغلق الكتاب حيث لا أرى نفسي قادراً على مجاراة القوم لا في العلم ولا في العبادة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم – حفظك ربي ورعاك – أن الاعتراف بالتقصير والبحث عما يصلح الحال يعني ذلك أن في القلب خيرًا يجب أن يقوَّى، وأن في النفس طُهراً يجب أن ينمَّى، واللهَ نسأل أن يصلح حالك ويجعلك خيراً مما كنت عليه، لكن يحتاج الأمر منك للبدء بمعالجة نفسك، والأخذ بها لطريق الهدى، وتجنيبها طريق الضلال والتقصير والخطأ.

 

ثانيًا:

واعلم – أخي الفاضل – أن ما تعاني منه سببه ” قسوة القلب “، ولو تأملت حالك لعلمتَ أننا أصبنا في ذِكر السبب، ولم تكن هذه القسوة إلا عقوبة على ما فعلتَه، فالأمر يسير – إن شاء الله – وهو أنك تضع يدك على الجرح لتعالجه، وإنه لو صاحب ذلك شيء من التوجع فإنه لمصلحتك، ومن ثم تبدأ بعلاج تلك الجروح وتداوي تلك القروح.

ومن أسباب قسوة القلوب – عادة -:

  1. الذنوب والمعاصي.

وهذا أمرٌ لا يُنكَر، وكل مسلم يشعر بأن إيمانه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكل مسلم يعلم أنه كلما ازدادت معاصيه وذنوبه أثَّر ذلك سلبا على هدايته وإيمانه وسعادته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). رواه الترمذي ( 3334 ) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه ( 4244 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

عن مجاهد في قوله ( بل ران على قلوبهم ) قال: ثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها. انتهى.

والران، والرين: الغشاوة، وهو كالصدى على الشيء الصقيل…. .

– عن مجاهد قال: كانوا يرون الريْن هو الطبع. ” فتح الباري ” ( 8 / 696 ).

  1. أكل الحرام.

سواء كان ذلك بأخذ الربا من البنوك، أو العمل في مجالات محرَّمة، أو الاستيلاء على أموال غيره بالسرقة أو الاحتيال، أو يكون ذلك بأكل الطعام المحرَّم كالذبائح التي لم تُذبح وفق الشريعة الإسلامية، أو بشرب الخمر، أو أكل الخنزير، وغير ذلك.

  1. ترك الطاعات.

وأعظم الطاعات الواجبات، وأعظم الواجبات الصلاة، سواء تركها بالكلية أم تركها مصليّاً لها في جماعة في المسجد، فكل ذلك يؤثِّر في القلب فيقسيه، وقل مثل ذلك في ترك بر الوالدين، وترك صلة الرحم، وغير ذلك مما يعرفه المسلم العاصي من نفسه.

  1. الطعن في العلماء ولمزهم.

ومن أنفس ما يُستدل به على ذلك ما قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: ” اعلم يا أخي – وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب: بلاه الله قبل موته بموت القلب “.

وهي كلمة كافية لبيان المراد من ذكر هذا السبب، وقد بلونا كثيرين ممن أطلقوا ألسنتهم بالطعن في علماء الأمَّة وقد أصبح حال هؤلاء الطاعنين يُرثى له، وما ذلك إلا بسبب أنهم كذبوا في قولهم عليهم، وافتروا في ادعاءاتهم نحوهم.

ولعلَّ الأسباب أكثر من ذلك – بل هو كذلك – وإنما قصدنا ذِكر أشهر تلك الأسباب وخاصة فيما يتعلق بما كان منك، سواء بسبب ما ذكرته من حالك الذي وصلت له، أو بسبب ما رأيناه ممن يعيش – مثلك – في بلاد الكفر.

لذا نرى أن تبحث عن أسباب تلك القسوة وأن تبدأ بعلاجها رويدًا فرويدًا، ولا تيأس من رحمة الله,  فإن جاهدت نفسك لتصل بقلبك ونفسك إلى بر الأمان فستجد الله تعالى معك يسددك ويوفقك بحسب نيتك وسعيك في إصلاح نفسك، فلا تكونن من اليائسين القانطين.

 

ثالثًا:

نرجو منك أن تعيد الحياة السابقة لك – بعد البدء بعلاج نفسك – وترجع لتستمع أشرطة العلماء ما يتعلق منها بالعلم أو المواعظ، وفي اعتقادنا أنك ستجد تغيُّرا ملحوظًا، على أننا نوصيك أن تستمع للأقوياء من أهل العلم والواعظين؛ وذلك لتجنب ما سبق منك في البحث عن أخطاء لهم، وليس معنى هذا أنهم معصومون بل من شأن الاستماع للأقوياء من العلماء أن لا يكون للشيطان عليك سبيل لتبحث عندهم عن خطأ أو زلل، ومثله يقال في الأقوياء المتحرين في مواعظهم، وهم – بفضل الله -كُثر.

ونوصيك بترك صحبة السوء التي صدتك عن الخير الذي كنتَ عليه، وأن تكثر من الجلوس مع الصحبة الصالحة وأن تحسن اختيارها، فالجليس الصالح كحامل المسك إن لم يُعطيك من الطيب أو تشتري منه فلن تجد منه إلا الريح الطيبة، وجليس السوء كنافخ الكير إن لم يحرق ثيابك فلن تجد منه إلا الريح الخبيثة وقد يجتمع عليك منه الأمران، وكم شاهدنا من جليسي السوء من كان سبباً في منع الخير عن كثيرين بالتحذير من أهل العلم والبحث عن زلات مفتراة وتحميل كلامهم ما لا يحتمل حتى ترك ذلك الكثير أولئك العلماء وانشغل بالردود وترك العبادة والعلم فقسى قلبه، فاحذر من أولئك النفَر أشد الحذر، واستقم على أمر الله تعالى مع صحبة طيبة – ولو قليلة – يأخذون بيدك لبر الأمان ويعينونك على الاستقامة والهداية.

ومما نوصيك به أن تحرص على الخروج من تلك الديار الكافرة؛ فإن العيش فيها من أعظم أسباب قسوة القلوب؛ لكثرة ما يرى المسلم فيها من الكفر والانحلال والضلال، ولقلة – أو انعدام – ما يرى ويسمع فيها ما يعينه على الهدى والرشاد.

 

رابعًا:

واعلم أخي – بارك الله فيكَ – أن من دواعي الاقتداء بالعلماء في هممهم وأخلاقهم وعبادتهم: النظر في سِيَرهم حتى يورث ذلك رصيدا لطالبِ العلمِ من اجتهادٍ وعزمٍ .

* قال الإمام أبو حنيفة – رحمه الله -: ” الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم “.

* وقال ابن الجوزي – رحمه الله -: ” فالله الله، عليكم بملاحظة سِيَر السلف، ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم “.

وقال: ” وليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد. ” صيد الخاطر ” ( ص 440 ).

أما التحبط والتندم بعدم الوصول إلى مرتبتهم: فهذا من الوساوس الشيطانية التي تطرأ على طالبِ العلمِ, ومن الأشياء المستدعية للتعوّق عن الطلب والفتور, فحقيقة العلم هو العمل بالعلمِ والانتفاعِ من غيرِك، وأن تكون مثل أولئك العلماء بالتمام والكمال من المستحيلات، فعليك بالممكن المستطاع، وتشبَّه بهم إن لم تكن مثلهم، وخذ شيئًا من كل واحد منهم يجتمع عند وفيك خير كثير عميم.

وإذا عرفتَ أنَّ رب العزة قصَّ لنا في كتابه القصص للاعتبار والاتعاظ والاقتداء كما قال ( لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف/ 111: علمتَ أن تغير الحال بالقصص أمرٌ ممكن مقدور عليه إن جدَّ بذلك الطالب واستفاد حق الفائدة، ولذلك ذكرَ العلماء أن من أسباب ضعف الهمة في الطلب: عدم القراءة في سيرِ الرجال وأحوالهم, فإذا كان ذلك كذلكَ وضعفت همتك وعزفتَ عن القراءة في سيَرهم: كان هذا داء من الشيطان.

واستمع لقوله تعالى ( وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) هود/ 120 يتبين لك أنَّ أخبار العلماء العاملين والنبهاءِ الصالحين من خَير الوسائل التي تَغرِس في النفوس الفضائل، بل تَبعثها إلى التأسِّي بذوي التضحيات والعزمات لِتَسْمُوَ إلى أعلى الدرجاتِ، وأشرف المقامات.

فعليكَ أخي بالاستعاذة من الكسلِ والعجزِ، وعليك بمداومة الدعاء، واختر وقت نزول الرب تعالى وهو الثلث الأخير من الليل واجعل دعاءك في سجودك، ادع الله تعالى أن يهديك ويوفقك ويسددك ويرقق قلبك ويشرح صدرك، ادعه بصدق وإخلاص، ابكِ على حالك وتذلل له أن يغيِّر حالك إلى أحسن مما كان، وأبشر بما يسرك إن شاء الله، فالكريم لا يرد أحداً صادقاً عن بابه، وقلوب عباده كلها بين أصابعه يقلبها كيف يشاء، فعسى أن نجد منك مبادرة سريعة لهذا وعسى أن تبشرنا قريبًا بأنك في أحسن حال.

 

والله الموفق لا ربَّ سواه.

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

السؤال:

أود أن أسأل: في الحديث الصحيح أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ به رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمتَه؟ ) قال: لا، قال: ( أعلمه ) قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.

سؤالي: هل بالإمكان أن أقول لامرأة مسلمة: أحبكِ في الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(أَعْلَمْتَهُ؟) قَالَ: لَا. قَالَ ( أَعْلِمْهُ ) قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أبو داود ( 5125 )، وصححه النووي في ” رياض الصالحين “، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  2. وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ). رواه الترمذي ( 2392 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

ثانيًا:

ولتفصيل المسألة الواردة في سؤال الأخ الفاضل لا بدَّ من تقسيمها إلى قسمين اثنين:

الأول منهما: هل تشمل النصوص الواردة في ثواب المتحابين في الله وما أعدَّ الله تعالى لهم من الأجور ما لو كان الحب فيه تعالى بين الرجال والنساء؟ والجواب: أن ظاهر النصوص لا يمنع من هذا، وأن المتحابين في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأنهم يثابون على حبهم ذاك بما جاء في النصوص من ثواب الحب فيه تعالى.

والقسم الثاني: هل يصح أن تجهر المرأة بتلك الكلمة لرجل أجنبي عنها أو العكس؟ والجواب: أن وجود المحبة في الله بين الرجل والمرأة لا يلزم منه إخبار كل طرف بتلك المحبة للطرف الآخر، وأن الثواب الحاصل لهم في الآخرة هو على وجود المحبة في القلب لا على الجهر بقولها في الدنيا.

وأما حكم البوح والجهر بتلك الكلمة من الرجل للمرأة الأجنبية عنه – والعكس – ففيه قولان:

الأول: جعل ذلك ممنوعاً بين رجل وامرأة أجنبية عنه، وحصره بزوجته ومحارمه، والمرأة كذلك تقول الكلمة لبنات جنسها ولمحارمها.

* قال المنَّاوي – رحمه الله -:

( إذا أحب أحدكم عبدًا ) أي: إنسانًا… فالمراد: شخص من المسلمين قريب أو غيره، ذكرًا أو أنثى، لكن يظهر تقييده فيها بما إذا كانت حليلته أو محرَمه.

” فيض القدير ” ( 1 / 319 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

ظاهر الحديث لا يتناول النساء، فإن اللفظ ( أحد ) بمعنى واحد، وإذا أريد المؤنث إنما يقال ” إحدى ” لكنه يشمل الإناث على التغليب، وهو مجاز معروف مألوف، وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالبًا، وحينئذ إذا أحبت المرأة أخرى لله: ندب إعلامها. ” فيض القدير ” ( 1 / 318 ).

الثاني: جوازه بشرط أمن الفتنة بينهما – وهو الأرجح -، وله صور:

لأولى: قول تلك الكلمة من امرأة مجهولة العين لشيخ أو طالب علم معروف العين؛ لأن الفتنة مأمونة لجهالتها، ولا ينطبق هذا على المرأة التي تتصل بشيخ من هاتف يظهر رقمه، أو ترسل رسالة ببريد عليه عنوانها، أو ترسلها من جوالها؛ لأن هذا الأمر يجعل التواصل معها ممكنًا.

الثانية: أن تكون المرأة معلومة العين وتقولها لشيخ كبير من أهل العلم والتقوى ممن تؤمن الفتنة عليه.

الثالثة: أن تكون القائلة مجهولة العين وتقول تلك الكلمة لشيخ كبير تؤمن عليه الفتنة.

وهذه الصورة الثالثة هي أهون الصور وأسهلها، هو ما حصل عمليًّا مع مشايخنا الكبار، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من خلال تلقيه تلك الكلمة من امرأة سائلة لا يُعرف من هي، وقد أجابها الشيخ رحمه الله بالرد الشرعي على كلمتها، وبيَّن في أجوبته شمول الثواب والأجور للمتحابين في الله تعالى ولو كانوا رجالاً ونساءً.

 

 

 

  1. فقد بعثت سائلة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رسالة من خلال برنامج ” نور على الدرب ” قالت فيها:

يعلم الله كم أحبكَ في الله، وأطلب منك – يا شيخنا – أن توجه إليَّ نصيحة لوجه الله كما تنصح إحدى بناتك في ديني وخلُقي، أرجو ذلك.

فأجابها الشيخ:

أحبكِ الله الذي أحببتِنا له، والله جل وعلا أخبر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن المتحابين في جلاله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ذكر منهم اثنين ( تحابَّا في الله اجتمعا في ذلك وتفرقا عليه )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( يقول الله يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )، فالتحاب في الله من أفضل خصال الإيمان ومن أفضل القربات …

” نور على الدرب ” ( شريط 513 ).

  1. وبعثت سائلة أخرى للبرنامج نفسه برسالة قالت فيها:

إلى سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لك جلُّ احترامي وتقديري وإعجابي وإكباري لشخصك، وإني أخبرك بأني ” أحبك في الله ” وأتمنى أن ألقاك وأتعرف عليك إن وفقني الله في زيارة البيت الحرام، وباختصار: فإني أعتبرك في ضميري وأتمنى لك دوام الصحة والعافية، وأدعو الله أن يكثر من أمثالك: إني فتاة أبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، معلمة لمادة التربية الإسلامية ….

فأجاب:

فجوابي لك أيتها الأخت لله في محبتك لي في الله: أقول: أحبكِ الله الذي أحببتني له، وأسأل الله أن يجعلنا – وسائر إخواننا – من المتحابين في جلاله، والمتواصين بالحق والصبر عليه، فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) هذا الحديث متفق على صحته، وذكر فيه ” رجلين تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه “، وأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا تمثيل، وهو يشمل الرجلين، والمرأتين، والرجل والمرأة، إذا كان الحب في الله جل وعلا، وفي طاعته سبحانه وتعالى ….

” نور على الدرب ” ( شريط 593 ).

وبما سبق من التفصيل يكون الجواب على سؤال الأخ الفاضل، وما ذكرناه من حكم قول المرأة للرجل ” أحبك في الله ” هو نفسه حكم قول الرجل للمرأة، ولا فرق، فالقيود والضوابط هي نفسها.

وليحذر الإخوة الكتاب والأخوات الكاتبات في المنتديات من التساهل في هذا الأمر، ولسنا نعني بجهالة المرأة في جوابنا تلك الكاتبة التي يسهل مخاطبتها بعد تلك الكلمة ويمكن معرفة عينها، وإنما نعني السائلة المجهولة التي تقول كلمتها وينتهي الأمر عند ذلك، وكل واحد من الشباب والشابات يجد في قلبه أثرًا لتلك الكلمة والتي ينبغي أن يخشيا من عواقبها، ولا نظن أحدًا يجادل في ذلك إلا أن يكون مكابراً، ولذا فإن قول المرأة الكبيرة في السن لتلك الكلمة لطالب علم ليس أثرها كقول شابَّة لها، وإن قول شاب لهذا الكلمة لشابة مثله ليس أثرها كقوله لامرأة كبيرة في السن، وقد تنبَّه العلماء رحمهم الله لهذا الأمر فمنعوا من تشميت المرأة الشابة ومن السلام عليها ومن تعزيتها من رجل أجنبي عنها إن كان ثمة فتنة يمكن أن تحصل من ذلك، وهذه الكلمة الرقيقة أولى بالمنع في حال توقع الفتنة بها . ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 166 ) قالوا:

ورد السلام منها – أي: المرأة – على مَن سلَّم عليها لفظًا واجب، وأما إن كانت تلك المرأة شابَّة يُخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضاً بمن سلَّم عليها: فالسلام عليها وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه. انتهى.

فلينتبه المسلمون لهذا وليحذروا من كيد الشيطان ومكره، ولسنا نمنع من قول الكلمة بالكلية – وإن كان هو الأحوط – وإنما نجوزها فقط فيما ذكرناه من قيود وضوابط في صورها الثلاث السابقة.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

السؤال:

يوجد عندنا بعض البنوك الربوية تقوم بعمل خيام لإفطار الصائم، فهل يجوز أكل هذا الأكل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

انتشر في بعض البلاد موائد طعام تصنع في رمضان يقوم عليها مؤسسات خيرية، وشخصيات عرفت بالدين والاستقامة، أو تجار نحسبهم على خير، فمثل هذه الموائد لا حرج على المسلم لو شارك في الأكل منها، وعسى الله أن يكتب الأجر لأصحابها والقائمين عليها، ونرجو أن يكونوا مخلصين وإلا حرموا الأجر .

ومما انتشر أيضا قيام بعض الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات والمؤسسات الربوية كالبنوك على تلك الموائد، ومثل هذه الموائد لا ينبغي التردد في هجرانها وترك الأكل منها، وهذا أقل ما يفعله المسلم إنكارا لمنكرات أولئك وتبكيتا لهم على أفعالهم المحرَّمة والماجنة، فلا يصلح أن يكون المسلم الصائم ضيفا على ” راقصة ” أو ” ممثلة ” يتناول طعام الإفطار على مائدتها ! كما لا يصلح أن يكون ضيفا على من أعلن الله تعالى الحرب عليه وهي البنوك الربوية التي تجاهر بما هو أشد حرمة من الرقص والتمثيل.

ولا يخفى أن أولئك يريدون التقرب إلى الناس بأفعالهم وكسب مزيد من الشهرة، وإلا فلو أرادوا الخير لتركوا ما هم عليه من فجور وأعمال محرَّمة فهو خير ما يقدمونه لأنفسهم، وهم يعلمون أن الله تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، فلا يصلح أن يكون ثمن الطعام المقدَّم لك أيها المسلم من كشف أولئك لعوراتهن ولا من أخذ تلك المؤسسات الربوية من الناس مالهم بغير حق.

وهذه الدعاية لتلك الراقصات والممثلات ولتلك البنوك الربوية يحرم على المسلم أن يكون جزء منها يسوِّق لهم مشاريعهم المحرَّمة وأفعالهم التي تغضب ربَّه عز وجل، وقد منع العلماء من الدعاية لأولئك بما هو أقل من الأكل عندهم، فلا ينبغي التردد في هجران موائدهم.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك في المساجد أم لا؟.

فأجابوا:

لا يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك أو المؤسسات التجارية في المساجد؛ لما في ذلك من محذورات شرعية؛ كالدعاية للمعاملات المحرمة، وجعل بيوت الله تعالى محلا لنشر المنتجات التجارية، والدعاية لها، وغيرها من الأمور المنافية لحرمة المساجد، ومناقضتها لما بنيت له، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وتعليم الناس الخير، وحثهم عليه، وتحذيرهم من الشر، وترهيبهم منه، وكل ذلك داخل في عموم قول الله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 239 ، 240 ).

وينبغي التفريق بين هذه المسألة وبين تلك التي يقول فيها العلماء بجواز الأكل عند أهل المعاصي وأن لك هنؤه وعليه إثمه وأن لك غنمه وعليه غرمه؛ فإن تلك في الأكل عند شخص بصفته الاعتيادية، أما ما جاء السؤال عنه فهو عن مؤسسات ربوية بصفتها الاعتبارية، وكذا عند الراقصات والممثلات بعملها لا بشخصها، فاختلف الأمر، فيكون سبب الامتناع عن المشاركة في الأكل من تلك الموائد: ما فيها من الدعاية المحرمة ورفع أسهم أولئك العصاة عند الناس.

وعليه: فلو قدمت البنوك الربوية دعايات يمكن الاستفادة منها وحصل المسلم على شيء منها: فإن له أن يستفيد منها بشرط طمس صورة البنك وعنوانه والجمل الدعائية التي عليه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن:

التقاويم التي توزعها الشركات ذات الأنشطة المحرمة كالبنوك الربوية – مثلًا – فأجاب:

إذا كانت عبارة عن تقاويم فقط ليس عليها دعاية ولا صورة للبنك مثلًا: فاستعمالها لا حرج فيه.

إذا كانت تحمل شعار الشركة وصورة مبناها أو دعاية لخدماتها: فعند ذلك لا تستعمل وتجتنب.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=101550

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عمل تقاويم كدعاية للبنوك فهل لنا أن نعلقها في المسجد؟

فأجاب:

معناه: أن البنوك يُهدون تقاويم تُجعل في المساجد أو في المجالس، هذه أمرها سهل:

ما دام التقويم نافعًا: فإنه يُطمس على صورة مبنى البنك أو على الجملة الدعائية، وننتفع.” فتاوى الحرم المدني ” ( شريط رقم 25 ).

وقد ذهب طائفة من العلماء المعاصرين إلى حرمة طعام تلك الموائد لذاته، وأنه ينبغي التفريق بين حال التائبات من المعاصي وأردن التحلل من المال فيجوز الأكل من موائدهن، وبين من هي لا تزال ترتكب المعاصي وتقدِّم هذا الطعام على أنه من مالها المملوك لها فمنعوا من الأكل على موائدهن، ومثله يقال في تجار المخدرات والمرابين.

قال الدكتور أسامة الباز – حفظه الله – بعد أن استعرض أقوال المجيزين والمانعين -:

وعليه: يكون الحكم الشرعي في تناول الطعام المدفوع ثمنه من مال الرقص أو الخمور أو تجارة المخدرات في شهر رمضان وفي غيره جائزًا إذا تابت الراقصة وإذا تاب تاجر الخمور والمخدرات من كسب المال الحرام وصنع هذا الطعام بقصد التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه، أما إذا كان القصد من صنع الطعام للفقراء والمساكين هو التصدق عليهم على ظن أن ما عنده من مال حرام هو مال حلال خالص مملوك له: فإنه لا يحل للمسلم أن يقبل هذه الصدقة أو يتناول هذا الطعام.

فحال هؤلاء الراقصات كحال البغايا اللاتي يتكسبن ما عندهن من المال عن طريق الزنا، حيث منع الله عز وجل من قبول هذا المال منهن أو الإنفاق على النفس منه؛ لما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) ….

” أحكام المال الحرام ” ( ص 273 ).

فيكون الحكم – إذًا – عدم جواز مشاركة تلك الراقصات وتلك المؤسسات الربوية إما لأن الطعام محرَّم لذاته وإما لأنَّه عمل يُقصد منه الدعاية والشهرة لأفعال محرَّمة وشخصيات فاسدة مفسدة، أو تمنع المشاركة لكلا الأمرين.

 

والله أعلم.