الرئيسية بلوق الصفحة 153

ما تعبير رؤيا من يَطلب من الأموات أن يُسقى ماء من الأحياء؟

ما تعبير رؤيا من يَطلب من الأموات أن يُسقى ماء من الأحياء؟

السؤال:

والدتي يأتي في أحلامها دائمًا بعضٌ من أهلها المتوفين وأحيانًا يطلبون منها ماء، هل عليها أن تتصدق عنهم إذا جاءوها في الأحلام أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

سألنا بعض المتخصصين بالتعبير من أهل السنَّة فاتفقوا على أن تعبير رؤيا من يرى في منامه من يطلب منه الماء: أنه بحاجة لما ينتفع به من الأحياء، كالدعاء له، أو قضاء ديْنه.

فالمرجو أن يكون في تلك الرؤى عبرة للأحياء بأن يسارعوا إلى قضاء ما عليهم من ديون مالية، والتحلل من أصحاب الحقوق المعنوية، وأن يحرص المسلم على تثقيل ميزانه بالأعمال الصالحة، وفي هذه الرؤى تذكير للأحياء بعدم الغفلة عن حاجة أهليهم الأموات للدعاء بالرحمة والاستغفار لهم.

 

– ونسأل الله تعالى أن يرحم موتانا وموتاكم وأن يغفر لهم ويعلي منازلهم.

 

والله أعلم.

 

 

سؤال عن اسم ” فيّ ” – بتشديد الفاء والياء – وهل يجوز تسمية الأولاد به؟

سؤال عن اسم ” فيّ ” – بتشديد الفاء والياء – وهل يجوز تسمية الأولاد به؟

السؤال:

ما معنى اسم ” فيّ ” بشد الفاء والياء؟ وهل هو اسم جائز حسن حلال حيث أني قد علمت أن له دلالة عند أهل الكتاب؟ فهل يجوز التسمية به؟

 

الجواب:

الحمد لله

لم نقف على اسم ” في ” فيما بين أيدينا من مصادر، وعليه: فلم نعرف معناه، فلا نستطيع الحكم عليه، ولم نتصور كيف يكون الحرف الأول مشدَّدًا! ومثل هذه الأسماء التي لا تُعرف في عالَم الأسماء ولا يُعرف لها استعمال بين المسلمين: فنرى تجنب تسمية الأولاد به ابتداء.

 

والله أعلم.

 

 

بنى على الأقل في صلاته ولكنه اكتفى بسجدتي سهو دون الإتيان بركعات!

بنى على الأقل في صلاته ولكنه اكتفى بسجدتي سهو دون الإتيان بركعات!

السؤال:

كان لديَّ فهم خاطئ لسجود السهو, فكنت أبني على الأقل في عدد الركعات ولكني لا أزيد ركعة فقط أسجد سجود السهو؟ وتكررت معي كثيرًا ولا أذكر العدد، فهل عليَّ شيء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد يترك المسلم الصلاة بالكلية لجهله بوجوب أدائها عليه، كما قد يكون الترك لبعض أجزائها أو شروطها أو أركانها جهلًا منه بلزوم ذلك ووجوب تحقيقه، فهل يُطالب المسلم بأداء ما فاته من الصلاة أو بعضها الذي تركه جهلًا بحكمه؟

الجواب: لا يُطالب فيما مضى، ويطالب بالصلاة التي لم يخرج وقتها، وما فات فيستغفر ربَّه على تقصيره في طلب العلم ومعرفة أحكامه في شرع الله تعالى.

وأما أدلة عدم المطالبة بسبب جهل المسلم بالأحكام الشرعية مما ترتب عليه عدم الصلاة بالكلية لأوقات معينة أو ترتب عليه بطلان صلاته لتخلف ركن من أركانها:

  1. حديث عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما – في الصحيحين – حيث أجنبا في سفر فتمرغ عمار بالتراب قياساً على الغسل! وترك عمر بن الخطاب الصلاة ظنّاً منه أن التيمم لا يجزئ في حالته وأن الواجب عليه الغسل، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما فعلهما، وعلَّمهما التيمم، ولم يأمر بإعادة ما تُرك من الصلاة لفوات وقته.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجْنبا، فلم يصل عمر حتى أدرك الماء، وظن عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء فتمرغ كما تمرغ الدابة، ولم يأمر واحدا منهم بالقضاء. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 24 ).

  1. حديث الصحابي المخطئ في صلاته حيث كان يصلِّي عمره كله الصلاة من غير طمأنينة، ولم يكن يعلم ركنية الطمأنينة فكانت صلاته باطلة، ولمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أمره بإعادة ما صلاَّه أمامه فقط دون ما سبق من صلوات الأيام قبله.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم يأمره – صلى الله عليه وسلم – بإعادة ما صلَّى قبل ذلك، مع قوله ( ما أحسن غير هذا ) وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق، فهو مخاطب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة، ووقت الصلاة باق، ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون ” والوقت باق: لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء، وإذا كان بعد خروج الوقت: فلا إثم عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك؛ فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة تلك الوقت، دون ما قبلها. ” مجموع الفتاوى ” (22 / 44 ).

وبه يتبين:

أنه من جهل حكماً شرعيّاً ترتب عليه ترك الصلاة أو ترك بعضها أو بطلانها: لم يؤمر بإعادة الصلوات السابقة، بل لا يؤمر إلا بأداء الصلاة التي في الوقت، والله تعالى يعفو عن ما فات، فيستغفر ويتوب من تقصيره في طلب العلم.

وهكذا يقال لك أخي السائل: فإنه لا يكفي سجود السهو في حال شك المسلم في صلاته وبنائه على الأقل، بل لا بدَّ من الإتيان بما بعد هذا الأقل من ركعات وإلا فما فائدة هذا البناء على الأقل؟! والله يعفو عنّا وعنك، ويغفر لنا ولك، ويعلّمنا وإياك العلم النافع ويرزقنا العمل الصالح.

 

 

والله أعلم.

 

أشكل عليه فهم حديث القبضة وحديث وضع الرب تعالى قدمه في النار

أشكل عليه فهم حديث القبضة وحديث وضع الرب تعالى قدمه في النار

السؤال:

هناك أحاديث تذكر أن الله سبحانه وتعالى يضع يده في النار ليقبض قبضة من العصاة ليخرجهم إلى الجنة، وحديث آخر يذكر أن الله سبحانه يضع قدمه في النار – حديث ( هل من مزيد ) -.

فالسؤال:

أريد أن أفك هذا اللبس عندي، كيف تحوي النار قدم الله أو يد الله سبحانه وهو لا يحيط به زمان ولا مكان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نذكر نصوص الأحاديث التي أشار إليها الأخ السائل:

  1. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ …) البخاري ( 7001 ) مسلم ( 183 ).
  2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ).

البخاري ( 4569 ) مسلم ( 2846 ).

وفي رواية لهما: ( فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ قَطٍ ).

 

ثانيًا:

وليس ثمة خلاف عند أهل السنَّة والجماعة في إثبات اليد والقدم والرِّجل لله سبحانه وتعالى، فهو تعالى من أخبر بذلك عن نفسه، ويثبت أهل السنَّة والجماعة لربهم تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع إثباتهم لربهم تعالى تلك الصفات فإنهم ينزهون ربهم عز وجل عن مماثلة المخلوقين لقوله سبحانه وتعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى/ 11، فليست يده كأيدي مخلوقاته ولا قدَمه كقدم مخلوقاته، وإذا كانت مخلوقاته نفسها تختلف في هذه الأشياء فيما بينها فأولى أن تختلف فيما بينها وبين ربها وخالقها سبحانه وتعالى.

ثم إن القول ببعض الصفات كالقول ببعضها الآخر، وكل مسلم يعلم عظيم صفة سمع الله تعالى وعظيم صفة بصر الله تعالى وعظيم صفة عِلم الله تعالى، وأنه لو قيل لعامي مسلم اذكر ما تعرفه عن عظمة هذه الصفات في حق رب العالمين لجاء بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة ولما خرج عن الشرع، ولو قيل له إن بعض مخلوقات الله تسمع وتبصر وتعلم فكيف تثبت لربك هذه الصفات لاعترض على القائل أشد الاعتراض ولأخبر بعظيم الفرق بين صفات الله تعالى وصفات خلقه، وما يقوله في هذه الصفات – ومثيلاتها – لا فرق – في الواقع – بينه وبين صفة اليد والقدم والاستواء والغضب وغيرها فكلها تليق بجلال ربنا تبارك وتعالى، ولا يماثل شيء منها صفات مخلوقاته عز وجلَّ.

وهذه طائفة من كلام بعض أئمة أهل السنَّة في إثبات تلك الصفات لرب العالمين والرد على ما عطَّلها:

  1. * قال الإمام الترمذي – بعد أن روى حديث – أبي هريرة -:

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذِكر القدَم، وما أشبه هذه الأشياء.

والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم: أنهم روَوا هذه الأشياء ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمِن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمَن بها ولا تفسَّر ولا تُتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه . ” سنن الترمذي ” ( 4 / 691 ).

  1. * وقال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:

باب ذِكر إثبات الرِّجل لله عز وجل وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا عز وجل التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. ” كتاب التوحيد ” ( 2 / 202 ) وساق بعده حديث أبي هريرة السابق.

3.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد غَلِطَ في هذا الحديث المعطلةُ الذين أوَّلوا قوله ( قدَمه ) بنوع من الخَلق، كما قالوا: الذين تقدَّم في علمِه أنهم أهل النار، حتى قالوا في قوله ( رِجلَه ): كما يقال: رِجْل من جَرادٍ!.

وغَلَطُهم من وجوهٍ:

فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( حتى يضع )، ولم يقل: حتى يُلقي، كما قال في قوله: ( لا يَزَال يُلقَى فيها ).

الثاني: أن قوله ( قدَمه ) لا يُفْهَم منه هذا، لا حقيقةً ولا مجازًا، كما تَدُلُّ عليه الإضافة.

الثالث: أن أولئك المؤخَّرين إن كانوا من أصاغر المعذَّبين: فلا وجهَ لانزوائِها واكتفائها بهم فإنّ ذلك إنما يكون بأمرٍ عظيمٍ، وإن كانوا من أكابر المجرمين: فهم في الدرك الأسفلِ، وفي أوّلِ المعذَّبين لا في أواخرِهم.

الرابع: أن قوله ( فينزوي بعضُها إلى بعض ) دليلٌ على أنها تَنضمُّ على من فيها، فتضيقُ بهم من غيرِ أن يُلقَى فيها شيء.

الخامس: أن قوله ( لا يزال يُلقَى فيها وتقول هل من مزيد حتى يَضَعَ فيها قدمَه ) جَعَلَ الوضعَ الغايةَ التي إليها ينتهي الإلقاءُ، ويكون عندها الانزواءُ، فيقتضي ذلك أن تكون الغايةُ أعظمَ مما قبلَها.

وليس في قول المعطِّلةِ معنًى للفظ ( قدمه ) إلا وقد اشترك فيه الأول والآخر، والأوّل أحقُّ به من الآخر. ” مختصر الفتاوى المصرية ” ( 2 / 110 ) و ” جامع المسائل ” ( 3 / 239 ، 240 ).

 

ثالثًا:

وقد استشكل بعضهم على أهل السنَّة كيف أن الله تعالى يضع قدمه في جهنم – ومثله في حديث القبضة – ولا ينبغي أن يرد مثل هذا عندما يتعلق الأمر بذات الله تعالى وصفاته؛ فإن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، ولو أن أولئك قد تخلصوا من داء التشبيه والتمثيل لما وقع لهم مثل تلك الإشكالات، ولو أنهم حققوا قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) لما جاءوا بمثل هذا، فالذي يُثبت لربه تعالى استواءً على عرشه ورحمةً وغضباً ووجهاً وقدرة وسمعًا وبصرًا وعلوًّا ونزولًا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، ويجعل كل ذلك لائقاً بعظيم ذاته وجلال قدره تعالى لا ترد عليه مثل الإشكالات، وفي مسائل كثيرة يكون المثَل في خلْقه تعالى مما يُرد به عليهم، فنقول هنا: ها هم الملائكة خزنة جهنم يُدخلون الكفار فيها، ويحرسونها، ويكونون فيها وقريبين منها ولا يتأثرون بنار جهنَّم فالاعتقاد بذلك في حق الله تعالى أولى، ولولا أن أولئك شبهوا الله تعالى بخلقه وشبهوا قدَمه وقبضته تعالى بقدَم وقبضة خلْقه لما وقعوا في ذلك التعطيل ثم التحريف.

* قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي – رحمه الله -:

إنما أراد الله بقوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هود/ 119، الذين حقَّ عليهم العذاب، ولها خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد غير معذبين بها، وفيها كلاب وحيات وعقارب، وقال (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا )  المدثر/ 30 ، 31 ، فلا يدفع هذه الآيات قوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )، كما لا يدفع هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يضَعُ الجبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ )، فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يَدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخَّرها؟!.

” نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المرِّيسي ” ( 1 / 404 ).

فأهل السنَّة يؤمنون بما يسمعون من نصوص الوحي فيما بصفات ربهم تعالى، ويثبتونها على الوجه اللائق به عز وجل، ولا يعطلون تلك الصفات، ولا يحرفونها، ولا يكيفونها، ولا يمثِّلون الله بخلقه، ولا يسعهم غير قول ” سَمِعْنَا وَاعتقَدْنا ” ويعلمون أن ربهم تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ).

وروى الدارقطني عن العباس بن محمد الدُّوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلاَّم وذَكر الباب الذي يروى في الرؤية والكرسي وموضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وقُرب غِيَرِه وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمَه فيها فتقول : قط قط، وأشباه هذه الأحاديث: فقال: هذه الأحاديث صِحاح، حملَها أصحابُ الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمَه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يُفَسَّر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسِّره. ” الصفات ” للدارقطني ( ص 68 ، 69 ).

ومعنى ( قُرب غِيَره ): قُرب تغيّر الحال من الجدب إلى الخصب.

وما ذكرناه سابقًا هو التأصيل الصحيح في صفة القدم لله تعالى وصفة ” الوضع ” وهو منطبق على صفات الله تعالى وأفعاله كلها، ومنه ما جاء في السؤال من إخراج الله لطائفة من أهل النار لا يستحقون الخلود فيها بقبضته سبحانه وتعالى، فنثبت ذلك على اللائق بجلاله تعالى، ولا نخوض بالكيفية؛ لأن طريقها موصد.

 

والله أعلم.

إذا أدرك المسبوق التشهد مع الإمام فهل يقرأ التحيات أم يسكت؟

إذا أدرك المسبوق التشهد مع الإمام فهل يقرأ التحيات أم يسكت؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح وندرك الإمام وهو في الركعة الثانية، السؤال: هل نصلي مع الإمام كأننا لم تفتنا ركعة، يعني: نتشهد معه ثم نقضي الفائت أم نسكت في التشهد ونكمل صلاتنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أُمر المصلي المسبوق أن يدخل مع جماعة المسجد مؤتمّاً بإمامها على الحال الذي يكون عليه الإمام قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو جالساً، ثم يقضي بعد سلام إمامه ما فاته لا يسعه غير ذلك.

وكما أن المسبوق إذا أدرك الإمام ساجدا فإنه يقول في سجوده أذكار السجود، وإذا أدركه راكعًا قال فيه ما يقوله في ركوعه: فهكذا الأمر لو أدرك الإمام في تشهده فإنه يقول فيه ما يقوله في تشهد صلاته ولا فرق.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

إذا دخلتُ المسجد ووجدت جماعة المصلين جالسين في التشهد الأخير، فهل أجلس معهم وأقرأ التشهد الأخير وبعد تسليم الإمام أكمل الصلاة أو انتظر حتى يسلم ثم أصلي لوحدي؟ ما هو الأفضل؟.

فأجابوا:

مَن دخل والإمام في التشهد الأخير: فإنه يدخل معه فيما بقي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام ) رواه الترمذي، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته ( إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا )، فإذا دخل مع الإمام وهو في تشهد فإنه يقرأ التشهد، فإذا سلم الإمام قام وقضى صلاته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 224 ، 225 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

شخص لحق الإمام في التشهد الأخير فهل يكتفي بقراءة التشهد أم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو كذلك مع الدليل؟.

فأجاب:

إذا أدرك الإمام في التشهد: فإنه يدخل معه ويقرأ التشهد ويستمر حتى ينهيه؛ لأنه إنما جلس في هذا الموطن متابعة لإمامه فليكن تابعاً لإمامه في الجلوس وفي الذكر المشروع في هذا الجلوس، هذا هو المشروع له، ولو اقتصر على التشهد الأول فأرجو ألا يكون به بأس، لكن الأفضل أن يتابع حتى يكمل، وهذا داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فما أدركتم فصلّوا )، وفيما روي عنه ( إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام ). ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 300 ).

 

والله أعلم.

التحذير مما يشوب علاقة الأطباء بشركات الأدوية من مخالفات شرعية

التحذير مما يشوب علاقة الأطباء بشركات الأدوية من مخالفات شرعية

السؤال:

سؤالي هو عن أمر شائع في المستشفيات أو المعاهد التعليمية مثل تلك التابعة للجامعة التي أعمل بها – وأنا أعمل طبيبًا وعضو هيئة تدريس بالجامعة – وعندما يكون هناك مؤتمر طبي فإن الأمر المتعارف عليه أن تقوم إحدى الشركات التي تتعامل مع الجامعة ( مثل شركات الأجهزة الطبية وشركات الأدوية ) بالتكفل بمعظم المصاريف الخاصة بالمؤتمر والتي تشمل أساساً الإقامة بالمدينة التي يقام بها المؤتمر العلمي، وحدث أنني توليت مع بعض الزملاء عملية ممارسة لشراء جهاز كبير للمكان الذي أعمل به والذي تنافست على إثره أكثر من شركة، ثم تم بالفعل رسيان العطاء على واحدة منها والتي لم أحاول إطلاقا تمييزها في شيء بالنسبة للتقرير الفني، ومع قرب المؤتمر فقد طَلب مني عميد المعهد أن أطلب من الشركة اشتراكها بالمؤتمر وبالتالي تمويل المؤتمر سواء بمبالغ نقدية أو توفير عدد من الغرف لأعضاء هيئة التدريس فأعطيته تليفونات بعض المسئولين بها وطلبت من العميد بطريقة مهذبة أن يتم ذلك عن طريقه، ثم اتصلت بأحد المسئولين في الشركة وأكدت له أنه من ناحيتي أن اشتراكهم في المؤتمر من عدمه لن يكون لذلك تأثير على استمرار الصفقة معهم حيث أني – بإذن الله – لي دور كبير في استلام الجهاز وبالتالي دفع كل مستحقات الشركة، والحقيقة لتوضيح الأمور أكثر: فإن الشركة كغيرها من الشركات تستفيد بعرض إنتاجها في المؤتمرات والتسويق له، وهو ما قرره مسئول الشركة عند حديثي معه وأن تحمل تلك الشركات أو شركات الأدوية وغيرها لنفقات الإقامة لبعض الأطباء والعاملين بالمؤسسات التي تتعامل معها يكاد يكون عرفًا، كما أن تكلفة الاشتراك بتلك المؤتمرات تكون عالية نسبيًّا ومن الصعب فعلا أن أشترك على نفقتي الخاصة، ومطلوب منَّا حضور تلك المؤتمرات ليس فقط للفائدة العلمية بها ولكن لأنها من ضمن الأنشطة المطلوبة للترقي بالعمل، فهل يجوز لي الاشتراك في مثل هذا المؤتمر والإقامة في إحدى الغرف التي تتحملها الشركة مثل باقي المشتركين من المعهد؟ وهل يختلف الأمر إذا كان هذا بطريقة مباشرة مع الشركة أو عن طريق العميد؟ وهل يجوز لي متابعة هذا الأمر ( وهو اشتراكهم في المؤتمر والذي يؤدي بالضرورة لتمويله ) معهم كما طلب مني العميد.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يخفى على أحد العلاقة التي صارت ظاهرة للعيان بين الأطباء وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، وقد صدرت فتاوى كثيرة تحذِّر الأطباء من قبول الهدايا والعطايا من تلك الشركات وإن كانت على صورة ” هدية ” أو ” سفر لمؤتمر طبي “، وكل ذلك لا يُغيِّر الحقائق من كون تلك الأمور هي رشاوى من أجل تسويق الأدوية أو الأجهزة الطبية التي تنتجها – أو تملك وكالتها – تلك الشركات سواء في عيادته، أو في المؤتمرات الطبية؛ لأن تسويق الطبيب لذلك الدواء أو الجهاز لا ينافسه تسويق مندوب مبيعات تلك الشركات.

وهذا موضوع بعنوان ” هدايا شركات الأدوية للأطباء ومَن في حكمهم ( رؤية شرعية ) ” للدكتور عطية فياض، ننصح بالاطلاع عليه، وهو تحت هذا الرابط:

http://www.islamselect.com/author/2604

 

ثانيًا:

وعلى الطبيب الذي يتقي ربَّه تعالى أن يحكم على أدوية وأجهزة شركات الأدوية بالحق والعدل، ولا يحملنَّه دعم تلك الشركات للمؤتمرات الطبية التي يشارك فيها لأن يَحكم لها ويسوق بضاعتها من أجل ذلك الدعم.

والذي نظنه في الأخ السائل أنه من الأطباء الذين يحكمون بالعدل ولا يحابون في أحكامهم على الدواء أو الجهاز الطبي، ونرى أن سؤاله واستفساره هنا دليل – إن شاء الله – على ذلك، وأن اختياره لذلك الجهاز الطبي لتشتريه الجامعة من تلك الشركة إنما كان لأنه الأفضل والأجود، ولم يكن محاباةً للشركة.

والذي يجب التنبيه عليه: أنه ينبغي التفريق بين أن يكون دعم شركات الأدوية والأجهزة الطبية للطبيب مباشرة ليسافر إلى مؤتمرات طبية بدعوى التزود من العلم وغير ذلك من الأسباب وبين دعم تلك الشركات لمؤتمرات طبية تقوم بها جامعات علمية – كما هو الحال في سؤال أخينا الفاضل – ففي الحال الأولى تكون صلة الشركات مع الطبيب نفسه، وفي الحال الثانية تكون الصلة مع الجامعات، وقد أحسن الأخ السائل – فيما نرى – عندما جعل عميد الكلية هو من يقوم بالاتصال الشركات الداعمة لمؤتمرهم العلمي، وإن كنَّا لم نود له الاتصال بأحد مسئولي الشركة ليبين له أنه لا تأثير لعدم مشاركتهم في دعم المؤتمر على إتمام صفقة الجهاز المشترى منهم؛ لأنه قد يُفهم من اتصاله غير الذي يقصده ويريده، فتصل الرسالة للشركة بعكس قصد الطبيب.

 

ثالثًا:

والذي نراه حكم الصورتين السابقتين: أنه لا مانع من أن يشترك الأخ السائل في المؤتمر الطبي الذي تعقده الجامعة بدعم شركات الأدوية وشركات الأجهزة الطبية طالما أن اشتراك الشركات عن طريق الجامعة، وعلاقة الأخ الطبيب السائل إنما هي مع جامعته لا مع تلك الشركات، ولا نرى المشاركة في أي مؤتمر إذا كانت الدعوة موجهة من الشركة لذلك الطبيب مباشرة؛ لدخول ذلك في الرشوة – كما سبق ذِكره في أول الجواب -، وبين الأمرين فرق ظاهر لا يخفى.

وأما متابعة الأمر مع الشركات الداعمة – ومنه الشركة التي اشتُري منها الجهاز- فلا نرى ما يمنع منه، وتعامله هذا مع الشركة واتصاله بها إنما هو بصفته موظفاً في الجامعة لا أنه طبيب مستقل؛ لأن الذي طلب منه متابعة الأمر هو عميد الكلية، وهو مسؤوله في الوظيفة، وإذا استطاع جعْل أمر متابعة الشركة لغيره من الزملاء والأصدقاء فهو أفضل.

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويهدي قلبك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى، كما نوصي الأطباء بتقوى الله تعالى وأن يحذروا من قبول الرشاوى فإنها من كبائر الذنوب، وليحمدوا الله تعالى على ما رزقهم من رزق حلال وليكتفوا به عن الحرام الذي يزيَّن لهم باسم الهدية والاستزادة من العلم، وهم أعلم الناس أن شركات الأدوية والأجهزة الطبية لا تريد من فعلها ذاك إلا الرشوة، والوصية كذلك لأصحاب الشركات أن يتقوا الله في أنفسهم وفي منتجاتهم وفي الأطباء، وليعلموا أن الله تعالى سائلهم عما اقترفته أيديهم من الوقوع في الرشوة، ومن إيقاع الأطباء معهم في ذلك، ومن تسويق أدوية غير صالحة أو غير فعالة، ومن تسويق أجهزة طبية غير ذات جدوى.

 

والله أعلم.

 

 

كاتبة قصص ومقالات باللغة الإنجليزية تسأل عن حكم الكتابة وأخذ الأجر مقابل ذلك

كاتبة قصص ومقالات باللغة الإنجليزية تسأل عن حكم الكتابة وأخذ الأجر مقابل ذلك

السؤال:

وهبني الله موهبة عظيمة، فـأنا مبدعة في كتابة القصص والمقالات باللغة الإنجليزية، ولذلك فقد اتخذتها مهنة، إن كتاباتي ليست دائمًا عن الإسلام بل أكتب كتابات مختلفة في شتى المجالات، ولكنني أحرص على أن لا تكون في حرام أبدًا، فهل ما أحصل عليه من مال من وراء هذه الكتابات حلال؟ إنني أكتب هذه الكتابات انطلاقًا من قناعاتي بأن المسلمين يجب أن يتميزوا في كل جانب من جوانب الحياة، وحتى يعلم كل من يقرأ مقالاتي أننا لسنا أمّة متخلفة كما يظن البعض.

 

الجواب:

الحمد لله

لا مانع من كتابة القصص إذا التُزمت بذلك الشروط الشرعية المبيحة لكتابتها لنشرها بين الناس، ومن تلك الشروط:

  1. أن لا تكون مشتملة على المخالفات الشرعية التي جاء الشرع بمحاربتها والتحذير منها، ومن ذلك: الشرك، والبدعة، والمنكرات في الأقوال والأفعال والسلوك.
  2. أن لا تكون مشتملة على الكذب، فإن كانت القصة على سبيل التمثيل فلا بأس بذلك، كما صنع الحريري في ” مقاماته ” إذ ليس ثمة ” حارث بن همَّام ” – وهي الشخصية التي تمثل وجودها في مقاماته -، وكما صنع ابن القيم في بعض كتبه في عقد مناظرات في مسائل خلافية وتكلم على ألسنتهم بما ليس له واقع إنما هو تمثيل للأمر.

* قال الحريري في مقدمة “مقاماته “:

وأرْجو أنْ لا أكونَ في هذا الهذَرِ الذي أوْرَدْتُهُ، والمَوْرِدِ الّذي تورَّدْتُهُ كالباحِثِ عنْ حتْفِهِ بظِلْفِه، والجادعِ مارِنَ أنْفِهِ بكفّهِ فألحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً الذينَ ضلّ سعْيُهُمْ في الحياةِ الدُنْيا وهُمْ يحْسِبونَ أنّهُمْ يُحسِنونَ صُنْعاً على أني وإنْ أغْمَضَ لي الفَطِنُ المُتغابي ونضَحَ عنّي المُحبُّ المُحابي لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ، أو ذي غِمْرٍ متَجاهِلٍ، يضَعُ مني لهَذا الوضْعِ، ويندّدُ بأنّهُ منْ مَناهي الشّرْعِ، ومَنْ نقَدَ الأشْياءَ بعَينِ المعْقولِ وأنْعَمَ النّظَرَ في مَباني الأصولِ: نظَمَ هذِه المَقاماتِ في سِلْكِ الإفاداتِ، وسلَكَها مسْلَكَ الموْضوعاتِ عنِ العَجْماواتِ والجَماداتِ، ولمْ يُسْمَعْ بمَنْ نَبا سمْعُهُ عنْ تِلكَ الحِكاياتِ، أو أثّمَ رُواتَها في وقْتٍ من الأوْقاتِ، ثمّ إذا كانَتِ الأعْمالُ بالنِّيّاتِ وبها انْعِقادُ العُقودِ الدِّينِيّاتِ : فأيُّ حرَجٍ على مَنْ أنْشأ مُلَحاً للتّنْبيهِ لا للتّمويهِ، ونَحا به منحَى التّهْذيبِ لا الأكاذيبِ؟ وهلْ هُوَ في ذلِك إلا بمنزِلَةِ مَنِ انتَدَبَ لتعْليمٍ أو هدَى إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ؟.

” مقامات الحريري ” ( ص 17 ، 18 ).

وعلَّق عليه الشيخ رشيد رحمه الله بقوله:

فهو يقول إنه لم يعرف عن أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب ” كليلة ودِمنة ” وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة وصورة الخبر في جزئياتها غير مرادة، وما سمعنا بعده أيضًا أن أحدًا من العلماء حرّم قراءةَ مقاماتِه، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام يتجرءون على تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا حرم مثله أحد من علماء الملة. “مجلة المنار ” ( 14 / 828 – 830 ) ضمن فتوى بعنوان ” تمثيل الوقائع التاريخية والخيالية للاعتبار “.

  1. أن تكون ذات أهداف سامية ومعاني جليلة.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الأدباء يؤلفون قصصًا ذات مغزى، وبأسلوب جذاب، مما يكون له الأثر في نفوس القراء، ولكنها من نسج الخيال، ما حكم ذلك؟.

فأجابَ – رحمه الله  – بقوله:

لا بأس بها، لا بأس بذلك إذا كان يعالج مشاكل دينية أو خُلُقية أو اجتماعية؛ لأن ضرب الأمثال بقصصٍ مفروضة غير واقعة لا بأس به، حتى إن بعض العلماء ذكر ذلك في بعض أمثلة القرآن الكريم أنها ليست واقعة، لكنّ الله ضربها مثلًا، مثل قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/76.

فلا أرى في هذا بأسًا؛ لأن المقصود هو التحضيض، ولكن إن حصل أن يكون عند الإنسان علم بما في الكتاب والسنَّة ثم يعرض آيات فيها معالجة لمشاكل، ويشرحها ويفسرها ويضرب المثل عليها: فهو خير، وكذلك يذكر أحاديث فيفسرها ويضرب المثل عليها: فهذا أحسن بلا شكَ.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).

ويوجد فتوى مفصلة عن الشيخ العثيمين، وفيها جواز الاكتساب من كتابة تلك القصص إذا كانت قصصًا دنيوية.

ولا نرى فرقًا في جواز الاكتساب بين كتابة القصص الدنيوية والدينية، وما قيل في القصص من جواز كتابتها وجواز الاكتساب منها يقال في كتابة المقالات والاكتساب منها.

ونسأل الله أن يسدِّد قلمك، وأن ينفع بك المسلمين، ونوصيك بما أوصى به الشيخ العثيمين رحمه الله من الاستفادة من القرآن والسنَّة شرحًا وتفسيرًا وضربًا للأمثال عليهما، وخاصة أنك تكتبين باللغة الإنجليزية وثمة محتاجون كثُر لفهم الإسلام ومعرفة أحكامه ممن يقرأ بتلك اللغة العالمية.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

ما معنى كلام ابن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا؟

ما معنى كلام ابن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا؟

السؤال:

في كتاب الوضوء من كتاب البخاري هناك حديث لعبد الله بن عمر أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الرجال والنساء يتوضئون سويًّا، وقد استغل أحد الناس هذا الحديث كدليل على أن المرأة من الممكن أن تكشف شعرها ووجهها وذراعيها وقدميها( الأعضاء التي تغسل في الوضوء) أمام الرجل، أرجو أن تقوموا بالرد عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي أراد الأخ السائل الكلام في فقهه ومعناه هو ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا. رواه البخاري ( 190 ).

وقد رواه أبو داود ( 80 ) وابن ماجه ( 381 ) – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – بلفظ ” كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا.

ثانيًا:

وقد اختلف أهل العلم في توجيه الحديث، وسبب الحاجة إلى توجيه معنى الحديث حتى لا يُفهم منه ما نقله السائل عن بعضهم من إظهار النساء أعضاء وضوئهن أمام الرجال الأجانب عنهن، ولذا كان فقه الحديث ومعناه لا يخرج عن ثلاث احتمالات:

الأول: أنه ليس الحديث في اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد على الوضوء، بل فيه بيان أن مكان وضوئهم والماء الذي يتوضئون منه هو مكان واحد وماء واحد، فإذا انتهى الرجال من الوضوء جاء النساء، وهو قول سحنون من المالكية، ومقصود ابن عمر من ذِكر هذا بيان عدم تنجس الإناء من التناوب على الحوض بالوضوء منه حتى مع غمس الأيدي فيه، وأن توضأ النساء منه غير مؤثر على الماء.

الثاني: أن المراد بالنساء في الحديث الزوجات والمحارم، وهو قول ولي الدين العراقي، حيث قال – رحمه الله -: أطلق ابنُ عمر في حديثه وضوء النساء والرجال جميعًا، ولا شك أنه ليس المراد به الرجال مع النساء الأجانب، وإنما أراد الزوجات أو من يحل له أن يرى منها مواضع الوضوء، ولذلك بوب عليه البخاري ” باب وضوء الرجل مع امرأته. ” طرح التثريب ” ( 2 / 39 ).

الثالث: أن يكون الحديث في وصف حدث قبل تشريع الحجاب على النساء، وهو ترجيح الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده: فيُختص بالزوجات والمحارم. ” فتح الباري ” ( 1 / 300 ).

وسواء قيل بالوجه الأول أو الثاني أو الثالث: فإنه ليس معنى الحديث أن الشرع جاء ليبيح للمرأة أن تكشف ذراعيها وساقيها ورأسها أمام الرجال الأجانب! وهذا لا يقول به من عرف الشرع وأحكامه، والعلماء مجمعون على تحريم إظهار تلك الأعضاء أمام الرجال الأجانب، ولا يمكن للشرع المطهر أن يحرص في كل أحكامه على ستر المرأة والحرص على ابتعادها عن الرجال عموما وفي أعظم العبادات وهي الصلاة خصوصا، فيحثها على صلاتها في بيتها، ويحثَّها على الابتعاد عن الصف الأول، ويجعل لها بابًا خاصًّا تدخل منه للمسجد، ويحثها على المبادرة بالخروج من المسجد سلام الإمام، ثم يأتي ليبيح لها كشف ساقيها وذراعيها ورأسها أمام الرجال الأجانب في الوضوء!.

ولذا لمَّا كان اجتماع الرجال والنساء على مكان واحد للوضوء يمكن أن يحدث منه اطلاع الرجال على شيء من أعضاء النساء أثناء الوضوء عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مَن اجتمع من النساء والرجال على مكان واحد ليتوضئوا جميعاً في وقت واحد، وأمر بجعل مكان خاص للرجال وآخر للنساء، فعن أبي سلامة الحبيبي قال: رأيتُ عمر بن الخطاب أتى حياضًا عليها الرجال والنساء يتوضئون جميعًا فضربهم بالدِّرة ثم قال لصاحب الحوض: اجعل للرجال حياضًا وللنساء حياضاً، ثم لقي عليًّا فقال: ما ترى؟ فقال: أرى إنما أنت راعٍ فإن كنتَ تضربهم على غير ذلك فقد هلكتَ وأهلكتَ . رواه عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 1 / 75 ).

وهذا يدل على أن هذا الأمر لم يكن معروفًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إما أن يكون قبل تشريع الحجاب، أو يكون اجتماع الرجال والنساء على الوضوء من مكان واحد لا يكون في وقت واحد، ولما حصل مثل هذا في زمان عمر رضي الله عنه عاقب عليه ومنعه.

والعجيب من بعض المميعين الذين استدلوا بحديث ابن عمر على جواز كشف المرأة لذراعيها وساقيها أثناء الوضوء أمام الرجال الأجانب لم يلتزم هذا في كشف الرأس! وقال إن الرأس يمكن أن يُمسح على الخمار الذي يغطيه! وهذا تحكم منه وفرار من الالتزام بما دلَّ عليه النص، فهو يزعم أن النساء كشفن عن ذراعيهن وساقيهن وأنهن مسحن على خمرهن! وكأنه يشاهد الحدث بعيني رأسه! وكل ذلك حتى لا يلتزم بالقول بكشف رؤوسهن فيقع في مخالفة للشرع منكرة ويُحج بالنصوص التي تأمر المرأة بتغطية رأسها؛ لأن تشريع الحجاب إن كان نازلًا فقد خالفت الصحابيات بذلك الشرع، وإن كان غير نازل فقد نزل بعدُ والتزمنه، فهو بين أن يجعل الصحابيات مخالفات للشرع أو يجعلهن غير مخالفات لعدم الأمر بالحجاب، ولو قال بالثاني للزمه أن الفعل كان قبل تشريع الحجاب فلا يستنبط منه جواز كشف تلك الأعضاء، وحتى لا يقول بالأول لوى عنق النص وقال إنهن كنَّ يمسحن على خمرهن!.

والحقيقة: أنه لا فرق بين الذراعين والساقين وبين الرأس في حكم كشف ذلك من المرأة أمام الرجال الأجانب، وأنه يحرم عليها كشف شيء من تلك الأعضاء أمامهم بإجماع المسلمين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

ويحرم عليها أن تكشف شعرها أو صدرها أو نحرها أو ذراعيها أو ساقيها أو نحو ذلك من جسمها بحضور الرجال الأجانب بإجماع المسلمين.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 214 ، 215 ).

 

والله أعلم.

 

 

كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟

كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟

السؤال:

عندي مشكلة كبيرة جدًّا هي أني لا أستطيع الجمع بين هذين الأمرين: فإما أن أكون فظًّا مع الناس أو أكون متسامحًا جدًّا، وفي كلتا الحالتين يعيب عليَّ الناس صنيعي.

أريد أن أعرف كيف أجمع بين أن أكون متسامحًا وفي نفس الوقت آخذ حقي وأحافظ على كرامتي؟ وهل المسامحة معناها أن أترك حقي؟ من الذي سمعته عن سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان متسامحًا لأعلى الدرجات مع أنه كان أشرف الخلق وأعلاهم كرامة، كيف أجمع بين الاثنين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يزول الإشكال – أخي السائل – إذا وضعتَ الشيء في مكانه المناسب في كلا مسألتيك:

أما المسألة الأولى: فإن الغلظة والفظاظة لا تكون إلا مع أعداء الله تعالى المحاربين من الكفار، ويكون اللين وحسن المعاملة مع المؤمنين، وفي دعوة الكفار؛ إذ لا تصلح الغلظة هنا وإلا انفض عنك المؤمنون ولم يستفد الكفار من دعوتك.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

من الحكمة استعمال اللين في معاشرة المؤمنين، وفي مقام الدعوة للكافرين، كما قال تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران/ 159، وقال ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 44، فأمر باللين في هذه المواضع وذكر ما يترتب عليه من المصالح، كما أن من الحكمة استعمال الغلظة في موضعها. قال تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) التحريم/9؛ لأن المقام هنا مقام لا تفيد فيه الدعوة، بل قد تعين فيه القتال، فالغلظة فيه من تمام القتال، وقد جمع الله بين الأمرين في قوله في وصف خواص الأمة ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح/ 29. ” تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 312 ).

ثانيًا:

وهكذا يقال في المسألة الثانية: هل العفو والمسامحة أفضل أو أخذ الحق، والجواب عليه: أن العفو أفضل من حيث الأصل لكن قد يوضع في غير مكانه فلا يكون أفضل، بل قد يأثم العافي، فيكون وضع كل شيء في مكانه المستحق له هو الجواب عن الإشكال عندك.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله -:

الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته – مثلًا – إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور تنتهك به حرمات الله؟! فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر ( فَاعْتَدُوا ) الآية, أي: كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل.

وقد قال أبو الطيب المتنبي:

إذا قيل حِلمٌ قل فللحِلم موضعٌ *** وحِلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ

” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 32 ، 33 ).

والذي يعفو عن المسيء المستحق للعفو: فإن له البشرى بالعز في الدنيا والآخرة، تحقيقًا لقول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) رواه مسلم ( 2588 ) من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وله الأجر والثواب في الآخرة، ومن ذلك ما قاله تعالى ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 133،134.

ويشترط لهذا الفضل وذاك الثواب للعافي حتى يتحققا أمور:

  1. أن يعفو عن حقِّه قاصدًا الأجر والفضل من الله، فيترك الانتصار والانتقام لله تعالى.

أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً ). رواه أحمد ( 15 / 390 ) وحسَّنه المحققون، وجوَّد إسناده الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2232 ).

  1. أن يكون قادرًا على أخذ حقه، فلا يعفو لضعف ولا لعجز.

وهو واضح في المعنى اللغوي والشرعي للعفو، وقد قال البخاري في صحيحه (2 / 863 ): باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ( لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا )، ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ )، قَالَ إِبْرَاهِيمُ – أي: النخعي – كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. انتهى.

وبهذا الأمر تتبين قوة ومهابة العافي عن المسيء من المستحقين للعفو، فعندما تظهر قدرته على الانتصار والانتقام ويعفو عنه: يكون قد حقق لنفسه المهابة وحاز فضل وأجور العفو.

قال تعالى ( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) الشورى/ 36 – 43.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب وندبهم إلى العفو والإصلاح وأما قوله ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ) فليس منافياً للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتم وأكمل ، قال النخعي في هذه الآية: ” كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإذا قدروا عفَوا “، وقال مجاهد: ” كانوا يكرهون للمؤمن أن يُذل نفسه فتجترئ عليه الفساق “، فالمؤمن إذا بُغي عليه يُظهر القدرة على الانتقام ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف منهم عطاء وقتادة. ” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 179 ).

  1. أن يترتب على عفوه إصلاح، ولا يترتب ضرر، قال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) فلا يعفو عن مجرم معروف بالشر وإيقاع الضرر بالناس لأنه يكون بعفوه عنه إطلاق يديه في الشر والسوء، لذا لا يشرع العفو عنه، بل تجب عقوبته وكف يده عن الناس بما يُستطاع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والعدل نوعان

أحدهما: هو الغاية، والمأمور بها، فليس فوقه شيء هو أفضل منه يؤمر به، وهو العدل بين الناس

والثاني: ما يكون الإحسان أفضل منه، وهو عدل الإنسان بينه وبين خصمه في الدم والمال والعِرْضِ، فإن الاستيفاء عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلا بعد العدل، وهو أن لا يحصل بالعفو ضررٌ، فإذا حصل منه ضرر: كان ظلمًا من العافي، إما لنفسه، وإما لغيره، فلا يشرع.

” جامع المسائل ” ( 6 / 38 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) -:

وفي هذا حثٌّ على العفو، ولكن العفو مقيَّد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ )، أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفسادًا: فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتدى عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوتَ عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضًا ، فمثل هذا نقول: الحزم والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني: أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح بل لا يزيدهم إلا فسادًا وشرًّا، فأما إذا كان في العفو خير وإحسان وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك: فهذا خير .

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 525 ).

ثالثًا:

وما قد تجده في نفسك في حال رغبتك بالعفو عمن ظلمك ممن تستطيع أخذ حقك والانتصار منه وترى أن عفوك عنه فيه صلاح له وليس يترتب عليه ضرر عليك أو على الناس: فإن ذلك من الشيطان يصوِّر لك أمر العفو والمسامحة أنه ذل وخنوع وانكسار، وكل ذلك ليصدك عن العز ورفع الشأن، ومزيد الأجر، فكن متيقظًا لهذا.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال صلى الله عليه وسلم ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا ) إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك أو في بدنك أو في أهلك أو في حق من حقوقك فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك، قال تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) البقرة/ 194، وقال تعالى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) النحل/ 126، ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا همَّ بالعفو وحدَّث نفسه بالعفو: قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف! كيف تعفو عن شخص جنى عليك أو اعتدى عليك؟ وهنا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا) والعز ضد الذل، وما تحدثك به نفسُك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك: فهذا من خِداع النفس الأمَّارة بالسوء ونهيِها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا عزًّا ورفعة في الدنيا والآخرة .” شرح رياض الصالحين ” (3/408،409).

وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك الفضل للعافي على ما ذكرتَه في سؤالك من أنك تعتقد أن المكانة والمهابة لا تكون بالعفو، بل بأخذ الحق وعدم المسامحة.

* قال الصنعاني – رحمه الله -:

وفيه: أنه يَجعل الله تعالى للعافي عزًّا وعظمةً في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظُم ويُصان جانبه ويُهاب، ويظن أن الإغضاء والعفو لا يحصل به ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه سلم بأنه يزداد بالعفو عزًّا. ” سبل السلام ” ( 4 / 209 ).

 

والله أعلم.

متحرجة من أخذ إعانة من حكومة غير مسلمة لوالديْ زوجها

متحرجة من أخذ إعانة من حكومة غير مسلمة لوالديْ زوجها

السؤال:

تعطي الحكومة حماي وحماتي مبلغًا من المال لرعايتهما، وأنا أراعيهما، وأنا في غاية الحيرة، هل هذا المال حلال في الشريعة؟ قلبي لا يطمئن لأخذ مال  فلو رعيت والديك تأخذ على ذلك مال؟ نحن – ولله الحمد – ليست حالتنا المادية قوية ويقول زوجي: بأن المال سوف يساعدنا، هل يمكنكم من فضلكم حل هذه المشكلة لأني مرتبكة وفي غاية الحيرة؟ هل يمكنكم أن تردوا عليَّ بأسرع ما تستطيعون؟.

الجواب:

الحمد لله

لا نرى حرجًا من أخذ مال الإعانة الذي تصرفه الحكومة مسلمة كانت أو كافرة للمواطنين أو المقيمين أو اللاجئين في بلادها بشرط أن لا يقع غش أو خداع أو تزوير من قبَل من يريد أخذ ذلك المال منهم، ويجب أن تكون أحوالهم منطبقة على شروط من يستحق صرف تلك الإعانة له سواء كان مبلغ الإعانة مقطوعًا أو مستمرًّا، فلا يجوز – مثلًا – تزوير الحالة الاجتماعية للحصول على مال أكثر، ولا يجوز خداع تلك الجهات الباذلة بأن يخفي عمله عنهم إذا كان المال المبذول هو ” إعانة بطالة “، ولا يجوز الكذب عليهم بأنه لا معيل له أو أنه لا يملك مصدر دخل وهو في الحقيقة له معيل أو له مصدر دخل، وبكل حال يجب أن تنطبق شروط ذلك البذل للمال على حاله وحالته.

وعليه: فما تعطيه الدولة لوالدي زوجك هو من المال الحلال – إن شاء الله – إن كان ليس ثمة خداع في وصف حالتهم، أو تزوير في أوراقهم، وكانت شروط الإعانة منطبقة عليهم، ولا داعي للقلق من جواز أخذ ذلك المال للاستعانة به على رعايتهما والعناية بهما.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة من الدولة الكافرة إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب، أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 239 ).

ومع ذلك فمن تنزَّه عن ذلك المال وامتنع عن أخذه فهو أفضل ولا شك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وتعفف المسلم خير له من طلب المال.

 

والله أعلم.