الرئيسية بلوق الصفحة 155

هل يجوز استئجار محل مع بضاعته المستهلكة؟ وكيف تؤدَّى زكاته؟

هل يجوز استئجار محل مع بضاعته المستهلكة؟ وكيف تؤدَّى زكاته؟

السؤال:

أنا صاحب صيدلية، وسؤالي بخصوص كيفية إخراج زكاة المال في الحالة التي سأعرضها على حضرتكم وهي:

لقد قمت منذ عامين باستئجار صيدلية من مالكها الأساسي وليس استئجارًا للمكان فقط ولكن بكل ما فيها من أصول وكذلك أدوية! حيث تم الاتفاق بيننا على جرد الصيدلية وقت تسليمها إليَّ وعند انتهاء مدة الإيجار يتم الجرد مرة أخرى ويكون الفرق بين الجردين لحسابي سواء بالنقص أو بالزيادة أي: أنه يتسلم ما استلمتُه أنا في بداية الإيجار، أي: أني لم أضع أي رأس مال في الصيدلية مِن مالي الشخصي إلا مبلغًا يسيرًا لا يتعدى ( 4000 جنيهًا )، وفي كل شهر كنت أصفي أرباح الصيدلية بعد المصاريف، وفي نصف العام الأول أدخلتُ مبلغًا من الأرباح في استثمار آخر، وبدأت أستفيد من أرباحه بعد شهرين، وكانت الأرباح تدخل في الصيدلية، وفي نهاية العام أخرجت الزكاة على المبلغ المتبقي معي بالإجمال.

فأريد أن أعرف هل إخراجي للزكاة بهذه الطريقة صحيح؟ وفي العام التالي ماذا يكون الوضع مع العلم أني قمت بجرد للصيدلية فوجدت بها زيادة عن المبلغ الذي استلمت به الصيدلية؟.

لذا أرجو من حضراتكم مشكورين التفضل بإرشادي للصواب في كيفيه إخراجي للزكاة في هذه الحالة ولكي أقوم بالتصحيح إذا كنت مخطأ في العام الماضي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة على مسألة الزكاة لا بدَّ من تنبيهك على خطأ ما فعلتَه أولًا، وهو الاتفاق مع صاحب الصيدلية باستئجار صيدليته بأدويتها، ولا يصحح العقد أنك ستجرد الصيدلية بعد انتهاء عقد الإيجار فتعطيه ما يزيد وتأخذ منه ما نقص؛ وذلك لاتفاق الفقهاء على عدم دخول السلع المستهلكة في الإيجار، وإنما الإيجار للمنافع.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 259 ):

– ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط هي:

أولًا: أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك العين. انتهى.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة سؤالًا مطابقًا لحالتك وأفتوا بتحريمها، وقد كان السؤال:

أعرض على أصحاب الفضيلة هذه المسائل آملًا الإجابة عنها وفقكم الله، آمين:

عندي محل تجاري، يعمل به بائع، رأس مال المحل: مائة ألف ريال سعودي، وإيجاره خمسة عشر ألف ريال، ثم تم الاتفاق بيني وبين العامل على أن يدفع لي شهريّاً خمسة آلاف ريال، ويدفع إيجار المحل، علمًا أن الدخل الشهري بمعدل عشرين ألف ريال، والأرباح في حدود 40% ، أي 8000 ريال شهريّاً تقريباً، قد تزيد وقد تنقص، وحفاظًا على حقي جردت عليه المحل، وبعد سنتين أستلم محلي رأس ماله 100000 ريال، إذا زادت أدفع له الزيادة، وإن نقصت أطالبه بالنقص، وكل منا رضي بذلك، فما الحكم؟.

فأجابوا:

هذا العقد لا يجوز؛ لأنه عقد إجارة تضمن تأجير أعيان مستهلكة، والأعيان المستهلكة لا يجوز تأجيرها، إضافة إلى ما يؤدي إليه من الغرر والجهالة؛ ولأنه في حكم القرض المشروط فيه المنفعة، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ممنوع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 86 ، 87 ).

ولتصحيح العقد: كان يلزمك – في الأصل – إرجاع الأدوية وفسخ عقد استئجارها، ولكن لما طالت مدة العقد وقد مرَّ على الأمر أكثر من سنَة فإنه يتعذر هذا الحل لأنه قد بيع جزء كبير منها أو قد بيعت كلها، فيلزمك جعل ثمن الأدوية وقت جردها أول مرة ديْنًا في ذمتك، تؤديه حسب استطاعتك وبرضا صاحب الصيدلية، ولا تنتظر حتى ينتهي عقد الإيجار؛ لما سبق من بطلان الفعل، وعدم نفاذ عقد استئجار تلك الأدوية.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص زكاة مالك: فإن المبلغ الذي كان معك في أول الأمر تجب فيه الزكاة – ونصاب الزكاة ثَمن ( 595 غرامًا ) من الفضة -، ثم جاءتك أرباح من ذلك المال سواء من المشروع الذي دخلتَ فيه خارج الصيدلية أو من مشروع الصيدلية نفسها، فصارت الزكاة واجبة عليك في المال كله؛ لأن الأرباح كلها مستفادة من المال الزكوي الأول، فتجب الزكاة على المال كله، وهو معنى قول الفقهاء: ” حَوْل الربح حوْل أصله “.

 

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 243 ):

المال المستفاد أثناء الحول:

إن لم يكن عند المكلف مال فاستفاد مالًا زكويًّا لم يبلغ نصابًا: فلا زكاة فيه ولا ينعقد حوله، فإن تم عنده نصاب: انعقد الحول من يوم تمَّ النصاب، وتجب عليه زكاته إن بقي إلى تمام الحول.

وإن كان عنده نصاب، وقبل أن يحول عليه الحول استفاد مالاً من جنس ذلك النصاب أو مما يضم إليه، فله ثلاثة أقسام:

الأول: أن تكون الزيادة من نماء المال الأول. كربح التجارة، ونتاج السائمة : فهذا يزكى مع الأصل عند تمام الحول. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا، لأنه تبع للنصاب من جنسه، فأشبه النماء المتصل. انتهى.

فالواجب عليك عندما يحين وقت زكاة مالك أن تجرد البضاعة المعروضة للبيع في الصيدلية – لأنها صارت الآن ملكاً لك كما بينَّا لك ذلك سابقًا – وتضيف إليها ما تملكه من مال نقدي، وتضيف إلى ذلك الديون التي لك على الناس، ثم تخرج زكاة الجميع بنسبة ( 2.5 % ).

 

ثالثًا:

وننبه إلى أن ثمن البضاعة التي أوجبنا عليك أداء ثمنها لصاحبها قد صارت في ملكك الآن، وعليك أن تؤدي زكاتها ولو كان ثمنها دينًا عليك؛ إذ الراجح من أقوال العلماء أن الدَّين الذي على المسلم لا يمنع من إيجاب الزكاة على ما في يده من أموال بلغت النصاب، ويتحتَّم هذا القول في حال أن يكون هذا الدَّين بضاعة تجارية.

والزكاة الواجبة عليك هي في البضاعة المعروضة للبيع لا في الأشياء الثابتة كالمكتب والخزائن والآلات والمعدات التي تفحص بها الدواء أو تخلطه بها.

وننبه – أيضًا – إلى أنه إن لم يتوفر في يدك مال نقدي تؤدي بها زكاة بضاعة الصيدلية: فيجوز لك إخراج زكاة تلك الأدوية من البضاعة نفسها، فتعطي فقراء ومساكين أدوية وتخصم أثمانها من زكاة بضاعتك.

 

 

والله أعلم.

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف والصوفية وموقفه من ” الفناء “

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف والصوفية وموقفه من ” الفناء ”

السؤال:

ذكر ابن تيمية في فتاواه في الكتاب الثاني من المجلد الثاني صفحة رقم (396،397 ) في نسخة دار الرحمات – المطبوعة في القاهرة – أنه يقبل التصوف، بل ذكر رحمه الله كلامًا تكلم فيه عن موضوع ” الفناء “، وهو مصطلح صوفي معروف، فقال فيما يُفهم من كلامه إن هذه الحالة هي حالة المحبين من أولياء الله الصالحين الذين بلغ بهم الحب في محبوبهم إلى درجة الفناء فيه، بل قد يصل الحد بأحدهم إلى أن يقول ” أنا الحق “! أو ” سبحاني “! أو ” ما في الجُبّة إلا الله “! … الخ، ثم قال في آخر كلامه: إن من يصدر منه مثل هذه الأقوال فإنه غير آثم، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمرًا محرَّمًا … ثم نرى أنه ( ابن تيمية ) يحكم على الحلّاج بأنه كان كافرًا!، فما القول الصحيح؟ وكيف يُفهم كلام ابن تيمية رحمه الله ؟ أرجو التوضيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الصوفية – عند المحققين – ليسوا شيئًا واحدًا ولا هم طائفة تجتمع على اعتقاد ومنهج واحد حتى يكون الحكم عليها حكمًا واحدًا، ومن هؤلاء المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد فرَّق بين تصوف وآخر، وفرَّق بين متقدمي المتصوفة وبين متأخريهم، فأثنى على التصوف الخالي من الضلال والابتداع، وأثنى على المتقدمين من المتصوفة والمحسوبين عليهم دون المستأخرين منهم من أهل الضلال الزندقة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان أقسام الصوفية -:

ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ” الصوفية والتصوف ” وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنَّة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.

وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.

وكلا طرفي هذه الأمور ذميم.

والصواب: أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين مَن قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه,  وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج – مثلًا -؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، مثل : الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في ” طبقات الصوفية “، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في ” تاريخ بغداد “، فهذا أصل التصوف.

ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ” ثلاثة أصناف “:

  1. صوفية الحقائق.
  2. وصوفية الأرزاق.
  3. وصوفية الرسم.

فأما ” صوفية الحقائق “: فهم الذين وصفناهم.

وأما ” صوفية الأرزاق “: فهم الذين وقفت عليهم الوقوف، كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق؛ فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط: أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، والثاني: التأدب بآداب أهل الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات, وأما الآداب البدعية الوضعية: فلا يلتفت إليها، والثالث: أن لا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جمَّاعًا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقًا: فإنه لا يستحق ذلك.

وأما ” صوفية الرسم “: فهم المقتصرون على النسبة، فهمُّهم في اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم.” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 17 – 20 ).

* وأما تفريق شيخ الإسلام ابن تيمية بين المتقدمين والمستأخرين من الضالين: فننقل منه:

1.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين: فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة وإِجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم.” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 516 ، 517 ).

  1. * وقال – رحمه الله -:

وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء، مثل: الجنيد بن محمد وأتباعه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله: فهؤلاء من أعظم الناس لزومًا للأمر والنهي وتوصية باتباع ذلك, وتحذيرًا من المشي مع القدر كما مشى أصاحبهم أولئك، وهذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه, والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، ولا يُثبت طريقًا تخالف ذلك أصلاً, لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين، ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر والنهي. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 369 ).

وهذا التفريق في منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقسيم الصوفية وتقسيم التصوف يتبين به أنه لا تناقض في كلامه كما فهمه بعض الكتَّاب والمؤلفين، وأما العلماء المحققون فهم يعرفون هذا من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال اللجنة الدائمة:

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصوفية، وأن منهم أناسًا معتدلين، يعني: القُدامى منهم، وأما المتأخرون: فيغلب عليهم الانحراف والضلال، وعلى كل حال: فالتصوف مبتدع في الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ).

والواجب على المسلم التمسك بالكتاب والسنَّة والسير على منهج السلف في الاعتقاد والعمل.

وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 94 ، 95 ).

– وانظر كتاب ” موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية ” للدكتور أحمد بناني (ص 97 – 101 ).

ثانيًا:

وبمثل ما قلنا في تقسيم التصوف والصوفية عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقول ذلك في مسألة ” الفناء “؛ فإنها ليست شيئًا واحدًا، بل هي أنواع، وقد ذكرها ابن تيمية رحمه الله وفصَّل فيها القول، وبيَّن حقيقة وحكم كل واحد من الأنواع بما تستحقه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والمعنى الذي يسمُّونه ” الفناء ” ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السِّوَى، وفناء عن شهود السوَى، وفناء عن وجود السوَى.

فالأول: أن يَفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو تحقيق ” لا إله إلا الله “؛ فإنه يَفنى مِن قلبه كلُّ تأله لغير الله ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد: كان أفضل عند الله.

والثاني: أن يَفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال ” الاصطلام ” و ” الفناء ” و ” الجمع “، ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه المعبود لا إله إلا هو الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقًا وأمرًا: كان أتم معرفة وشهودًا وإيمانًا وتحقيقًا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا: كان معذورًا للعجز لا محمودًا على النقص والجهل.

والثالث: الفناء عن وجود السوَى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب ” الفصوص ” – ( وهو ابن عربي ) – وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثَمَّ غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعبَّاد الأصنام.” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 369 ، 370 ).

وبذلك التقسيم يتبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يتوقف في تكفير من يأتي بعبارات إلحادية في ظاهرها، لكنه لا يفعل ذلك في حق المعذور بزوال العقل، فزائل العقل غير مكلَّف فلا يؤاخذ بأقواله لأنه غير متسبب بذلك الزوال لعقله، وأما من قال تلك الأقوال ومعه عقله: فلا شك في كفره.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولكن في حال السُّكر والمحو والإصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التمييز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يُحكى عن أبي يزيد أنه قال ” سبحاني “، أو ” ما في الجبَّة إلا الله “، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه: لكان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة .” مدارج السالكين ” ( 1 / 155 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في ردِّه على البوطي -:

وأما ما ذكرتم عن الفناء بشهود المكوِّن عن الأكوان, وما نقلتموه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك من ذم هذه الحال لكنها لا تصل إلى الكفر البواح: فقد فهمته, ولكن ما ذكرتْه الرقابة في ذلك من أنه كفرٌ بواح: وجيهٌ وصحيحٌ إذا كان الفاني معه عقله ونطق بمثل ما نقل عن أبي يزيد البسطامي ” ما في الجبَّة إلا الله “، وكقول بعضهم ” أنا الحق “، أو ” سبحاني “, أما إذا كان الناطق لمثل هذا محكوماً عليه بزوال العقل كما أشار إليه أبو العباس – ( أي: ابن تيمية ) – بما نقلتم عنه: فإن عذره وجيه؛ لرفع القلم عن من زال عقله. وقد ذكر هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله في المجلد الأول من ” مدارج السالكين ” من ( ص 155 إلى 158 ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (4 / 357 ).

وهذا الذي فهمه أولئك العلماء المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد صرَّح هو به نفسه في مواضع، ومنها:

* قال – رحمه الله -:

والذين يذكرون عن أبي يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص ونفي الفرق ويعذرونه في ذلك يقولون: إنه غاب عقله حتى قال ” أنا الحق ” و ” سبحاني ” و ” ما في الجبة إلا الله “، ويقولون: إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا: يغيب بمحبوبه عن حبِّه، وبموجوده عن وَجده، وبمذكوره عن ذِكره، حتى يفنى مَن لم يكُن (أي: المخلوق )، ويبقى من لم يزَل ( أي: الله تعالى )، ويحكون أن شخصًا ألقى بنفسه في الماء فألقى محبُّهُ نفسَه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنتَ؟ فقال: غبتُ بكَ عنِّي فظننتُ أنك أنِّي، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور: ليست علمًا ولا حقًّا، بل غايته أنه نَقْصُ عقلِه الذي يفرِّق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر لا أن يكون قوله تحقيقًا.

وطائفة من الصوفية المدَّعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقًا وتوحيدًا كما فعله صاحب ” منازل السائرين “، وابن العرِّيف، وغيرهما، كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقًا وتوحيدًا، كابن عربي الطائي . ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 313 ).

 

والله أعلم.

مجموعة من النساء يحفظن القرآن في مبنى فوق المسجد فهل يصلين جماعة خلف الإمام؟

مجموعة من النساء يحفظن القرآن في مبنى فوق المسجد فهل يصلين جماعة خلف الإمام؟

السؤال: 

نحن في مكتب تحفيظ السيدات، وهذا المكتب فوق المسجد، غرفتان على مدخل المسجد، هل يجوز الصلاة خلف الإمام لأنهم يقولون لا يجوز لأن هذا المكان ليس فوق المسجد تماما؟ وهل يجوز أن تصلِّي النساء مع بعضهن في هذا المكان وفي وجود جماعة الرجال بالأسفل؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأرض التي توقف لبناء مسجد عليها فيُبنى المسجد بالفعل فإن سقفه وما علاه يكون تابعاً للمسجد ويأخذ حكمه، وفي حال أن تكون الأرض ملكاً لشخص قد بَنى عليها بيتاً له فأحبَّ أن يجعل مسجدًا في أسفله: فلا يكون لسكنه حكم المسجد، ومثله ما لو نوى ابتداء بناء مسجد أسفل سكنه أو عمارته التجارية.

*قال علماء اللجنة الدائمة:

” إذا أنشئ بناء مسجد مستقلًا: كان سقفه وما علاه تابعًا له جاريًا عليه حكمه، فلا يجوز بناء سكن عليه لأحد، أما إذا كان المسجد طارئًا على المسكن مثل ما لو أصلحت الطبقة السفلى من منزل ذي طبقات وعدلت لتكون مسجدًا: جاز إبقاء ما عليه من الطبقات مساكن لسبق تملكها على جعل الطبقة السفلى مسجداً، فلم يكن ما فوقه تابعًا له ” .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 244 ).

وقالوا – أيضًا -: ” إذا كان الواقع ما ذُكر من امتلاك المتبرع للأرض المذكورة وهي ليست في الأصل موقوفة على مسجد: فلا مانع من إقامة المسجد على الدور الأول، وجعل الدور الأرضي محلات تجارية يعود ريعها للمتبرع، وجعل الدور الثاني سكنا للإمام والمؤذن؛ لأن نية المتبرع بناء المسجد على هذه الصورة المذكورة، ولما في ذلك من المصلحة في إقامة المسجد بهذه المنطقة المكتظة بالسكان، التي لا يوجد بها مساجد “. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 218 ).

فإذا تبيَّن أن مكتب تحفيظ القرآن ذاك تابع للمسجد ومبني في أرضه الوقفية: فليس شرطًا حتى يكون له حكمه أن يكون فوق المسجد، بل يمكن أن يكون خلفه أو عن يمينه أو عن شماله.

فإذا لم يكن الأمر كذلك وكان المسجد قد اتُّخذ للصلاة بعد بناء المكتب – وقد يكون فوق المكتب شقق أو مكاتب – أو كان في نية واقف المسجد أن يتخذ مكاتب وشقق فوقه: فلا يكون ما فوق المسجد تابعاً له ولا له حكم المسجد، فلا تصلِّين فيه مؤتمَّات بإمامه، ولكم أن تصلوا جماعة حتى أثناء انعقاد جماعة الرجال إذا لم يكن ذلك يشوش عليكم.

 

ثانيًا:

وإذا كان أمر المكتب ذاك أنه تابع للمسجد وأنه ليس فوقه مكاتب وشقق وأنه اتخذ ليكون مصلى للنساء ومركزًا لتحفيظ القرآن: فإن لكنَّ أن تصلين فيه مع إمام المسجد، ولا يضر كون المكان ليس فوق بناء المسجد أصلاً، كما لا يضر عدم رؤيتكن للإمام أو للمأمومين، ويكفي وصول صوت الإمام لكنَّ لتقتدين به في صلاتكن.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” يجوز أن يكون المأموم مساوياً للإمام، وأعلى منه كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية أو رف فيه، روي عن أبي هريرة أنه صلَّى بصلاة الإمام على سطح المسجد، وفعله سالم، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي.

” انتهى من ” المغني ” ( 2 / 39 ).

ثالثًا:

وعلى اعتبار أن هذا المكتب مصلَّى للنساء تابع للمسجد: فإن الأفضل أن تكون صلاتكن تبعًا للإمام حتى تحصلنَ أجر جماعة المسجد، وحتى لا تشوش عليكن قراءة الإمام.

وإذا أردتنَّ الصلاة فرادى أو جماعة دون أن تلتزمنَ بجماعة المسجد من الرجال فلكنَّ ذلك بشرط عدم تشويش أحد الطرفين على الآخر؛ لأن صلاة الجماعة ليست واجبة على المرأة.

عَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَالتْ: شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال ( طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ) فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِينَئِذٍ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ ( وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) . رواه البخاري ( 452 ) ومسلم ( 1276 ).

عَنْ أُمِّ سَلمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رَضِي الله عَنْهَا صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الخُرُوجَ وَلمْ تَكُنْ أُمُّ سَلمَةَ طَافَتْ بِالبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ فَقَال لهَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ( إِذَا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلونَ فَفَعَلتْ ذَلكَ فَلمْ تُصَل حَتَّى خَرَجَتْ ). رواه البخاري ( 1546 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

بعد أن ردَّ على من قال إن الصلاة كانت نافلة -: ” وهو رد للحديث الصحيح بغير حجة بل يستفاد من هذا الحديث جواز ما منعه ….

ويستنبط منه: أن الجماعة في الفريضة ليست فرضاً على الأعيان إلا أن يقال كانت أم سلمة حينئذ شاكية فهي معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال “. انتهى من ” فتح الباري ” ( 2 / 254 ).

والاحتمال الأول بعيد لأن الطواف مشقته أعظم، وتستطيع رضي الله عنها أن تصلي جالسة بسبب مرضها، وأما الاحتمال الثاني فهو الأصح.

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” في هذا دليل على أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء؛ لأنها لو وجبت لأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تصلِّي ثم تطوف، وهو كذلك، فصلاة الجماعة غير واجبة على النساء في المساجد “. انتهى من ” شرح كتاب الحج من صحيح البخاري ” الشريط الثامن.

 

والخلاصة:

  1. إذا كان المكتب تابعاً للمسجد : فليكن الائتمام بإمام المسجد، ولتكن الصلاة فرادى وجماعة وحدكن دون متابعة الإمام، والأفضل الائتمام به.
  2. إذا كان المكتب غير تابع للمسجد: فليس لكن متابعة الإمام؛ لأنه ليس مسجدًا ولا في حكم المسجد، ولم تكن أمهات المؤمنين يصلين في غرفهن مؤتمات بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا مَن بعده، فلتكن الصلاة فرادى وجماعة وحدكن، وصلاتكن جماعة أفضل.

 

والله أعلم.

 

كيف يكون عيد الأضحى متعلقًا بالحج وبينهما سنوات عديدة في التشريع؟

كيف يكون عيد الأضحى متعلقًا بالحج وبينهما سنوات عديدة في التشريع؟

السؤال:

سمعت أن عيد الأضحى ليس معتمدًا على الحج وليس له أي تعلق به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بدأ الاحتفال والتضحية في عيد الأضحى في السنة الثانية من الهجرة، بل بعضهم يقول في السنة الأولى من الهجرة، أما بالنسبة للحج: فما حج صلى الله عليه وسلم إلا في العام الأخير الذي قبض فيه، فيعني هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم طوال مكوثه في المدينة – وهي فترة تُقدر بعشر سنوات – كان يضحي ويحتفل بالعيد، وكل هذا قبل أن يذهب للحج.

– فهل هذا صحيح؟ وما الأحاديث التي تسند هذا الكلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأضحية: اسم لما يُذبح من الإبل والبقر والغنم بعد صلاة العيد يوم النَّحر وأيام التشريق الثلاثة بعده، تقرباً إلى الله تعالى، وهو – عند بعض المفسرين – معنى قوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) الكوثر/ 2، فالصلاة هنا صلاة العيد، والنحر هو ذبح ونحر الضحايا.

– وهذه الأيام الأربعة كلها أيام عيد للمسلمين تتكرر كل عام.

عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَهِىَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) رواه الترمذي ( 773 ) وصححه وأبو داود ( 2419 ) والنسائي ( 3004 ).

ويوم عرفة هو عيد للحجاج لا لغيرهم؛ ولذا فإنه يوم لا يصومونه، بخلاف غيرهم من أهل الأمصار.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح؛ لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم، هذا قول جمهور العلماء .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 88 ).

ثانيًا:

والذي يظهر لنا أنه لا تعلق لعيد الأضحى بعبادة الحج بخلاف عيد الفطر فإن تعلقه بانتهاء صوم رمضان ظاهر، ويتبين ذلك من خلال أمور:

الأول: أن النسبة في عيد الفطر لفعل وهو الانتهاء من وجوب صوم رمضان رمضان فنسب العيد للفطر، وأما عيد الأضحى فإن النسبة فيه للوقت وهو وقت الضحى وهو وقت ذبح الأضاحي، وبين النسبتين فرق ظاهر.

الثاني: أن عيد الحجاج هو يوم عرفة – كما سبق في حديث عقبة – ولذا فإن عيدهم سابق بيوم على عيد أهل الأمصار؛ لذا فإنه يشرع لهم الإفطار فيه بينما أهل الأمصار يصومونه.

الثالث: أنه لو كان ثمة عيد يفرح به المسلمون لكان بعد الانتهاء من عبادة مشروعة للجميع كحالهم مع شهر رمضان وعيد الفطر، ولا يرد على هذا اختلاف حال الحجاج مع غيرهم من أهل الأمصار، ومع ذلك فعيد الأضحى ليس خاصًّا بأهل الأمصار بل يمكن للحجاج المشاركة فيه بصلاة العيد وذبح الأضاحي هناك، بينما أهل الأمصار لا يقفون في عرفة ولا يفطرونه ولا يذبحون هديًا بل أضحية، فلا مانع من استثناء الحجاج من الاحتفال بعيد الفطر وذبح الأضاحي حيث يوجد عندهم بدائل شريفة تفوقه من حيث اختصاصهم بوقوف عرفة وهم يشاركون المسلمين في عبادة الذبح والنحر، لكن لا نرى أنه يمكن أن يحتفل المسلمون في الأرض قاطبة بعيد يتعلق بعبادة يقوم بها طائفة قليلة منهم وهذه العبادة غير منتهية أصلًا.

ثالثًا:

والذي يظهر لنا أن أصل الحكمة من عيد الأضحى هو لشكر الله تعالى على نعمة الحياة، ولتذكر ما حصل من الفداء لإسماعيل عليه السلام بالذبح العظيم جزاء لصبره على أمر الله تعالى لوالده إبراهيم عليه السلام حين أُمر بذبحه، فأسلم كلاهما لأمر الله تعالى ولم يسعهما غير الاستجابة لأمر الله تعالى، فيوم الأضحى موافق لذلك اليوم الذي أُمر فيه إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، وهو اليوم الذي شُرع للحجاج بنحر هداياهم فيه لربهم تعالى أيضاً تذكراً لتلك الحادثة الجليلة، بل هي في الحج أظهر منها في الأمصار حيث توافق تلك الحادثة مع الزمان والمكان.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا: فلا ريب أن الذبيح كان بمكّة، ولذلك جُعلت القرابينُ يومَ النَّحر بها، كما جُعِل السعيُ بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إِسماعيل وأمِّه، وإقامةً لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللَّذان كانا بمكّة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكانُ الذبح وزمانُه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النَّحرُ بمكّة مِن تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكِتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنَّحر بالشام، لا بمكّة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 73 ، 74 ).

وقد التحق بتلك الحكمة الجليلة حكَم أخرى جليلة ظاهرة للعيان، من التقرب إلى الله تعالى بالذبح والنحر، ومن التكبير والخطبة والصلاة، ومن التوسعة على العيال باللعب والفرح والتوسعة على الفقراء والجيران والأقرباء بالإطعام، مع ما يحدث من تزاور بين الجيران والأقرباء بعضهم مع بعض.

وقد جاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 76 ) ما نصه:

وقد شرعت التضحية في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي شرعت فيها صلاة العيدين وزكاة المال، أما حكمة مشروعيتها: فهي شكرًا لله تعالى على نعمة الحياة، وإحياء سنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته عز وجل على هوى النفس وشهوتها.

وقد يقال: أي علاقة بين إراقة الدم وبين شكر المنعم عز وجل والتقرب إليه؟ والجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذه الإراقة وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجار والضيف، والتصدق على الفقير، وهذه كلها مظاهر للفرح والسرور بما أنعم الله به على الإنسان، وهذا تحدث بنعمة الله تعالى كما قال عز اسمه ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ).

ثانيهما: المبالغة في تصديق ما أخبر به الله عز وجل من أنه خلق الأنعام لنفع الإنسان، وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاما له، فإذا نازعه في حل الذبح والنحر منازع تمويها بأنهما من القسوة والتعذيب لذي روح تستحق الرحمة والإنصاف: كان رده على ذلك أن الله عز وجل الذي خلقنا وخلق هذه الحيوانات، وأمرنا برحمتها والإحسان إليها، أخبرنا وهو العليم بالغيب أنه خلقها لنا وأباح تذكيتها، وأكد هذه الإباحة بأن جعل هذه التذكية قربة في بعض الأحيان. انتهى.

ولا مانع أن يلتحق بالحكَم من عيد الأضحى ما حصل بعد ذلك من أحكام مما يتعلق بعيد الأضحى مما له تعلق بالحج، كمنع المضحي من أخذ شيء من أظفاره وشعره عند دخول أول ذي الحجة تشبهاً بالحجاج في بعض أحوالهم وتشوقاً لما هم فيه من نعمة.

* وقال شاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي – رحمه الله -:

( العيدان ) الأصل فيهما أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه، ويخرجون من بلادهم  بزينتهم، وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب والعجم، وقدم  صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ( ما هذان  اليومان؟ ) قالوا: كنا نلعب فيها في الجاهلية، فقال ( قد أبدلكم الله بهما  خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر )، قيل: هما النيروز والمهرجان،  وإنما بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين، أو موافقة أئمة مذهب، أو شيء مما يضاهي ذلك، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم إن تركهم وعادتهم أن يكون هنالك تنويه بشعائر الجاهلية، أو ترويج لسنة أسلافها، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنيفية وضم مع التجميل فيهما ذكر الله وأبوابًا من الطاعة، لئلّا يكون اجتماع المسلمين بمحض اللعب، ولئلّا يخلو اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله.

أحدهما: يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم، فاجتمع الفرح  الطبيعي من قبل تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات، والعقلي  من قبل الابتهاج مما أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افترض عليهم، وأسبل عليهم من إبقاء رءوس الأهل والولد إلى سنة أخرى.

والثاني: يوم ذبح إبراهيم ولدَه إسماعيل عليهما السلام وإنعام الله عليهما بأن فداه بذبح عظيم، إذ فيه تذكر حال أئمة الملة الحنيفية والاعتبار بهم في بذل المهج والأموال في طاعة الله وقوة الصبر، وفيه تشبه بالحاج وتنويه  بهم وشوق لما هم فيه، ولذلك سن التكبير وهو قوله تعالى ( ولتكبروا الله على ما هداكم )، يعني: شكرًا لما وفقكم للصيام، ولذلك سنَّ الأضحية والجهر في بالتكبير أيام ” مِنى “، واستحب ترك الحلق لمن قصد التضحية، وسنَّ الصلاة والخطبة لئلّا يكون شيء من اجتماعهم بغير ذكر الله وتنويه شعائر الدين.  ” حجة الله البالغة ” ( ص 479 ، 480 ).

 

والله أعلم.

قولنا في الرسائل الخاصة في المنتديات بين النساء والمشرفين والنساء والمشاركين

قولنا في الرسائل الخاصة في المنتديات بين النساء والمشرفين والنساء والمشاركين

السؤال:

أنا مشرف على قسم إسلامي في منتدى ” أنيمي ” مشهور إماراتي، نهجه نهج سلفي، فكل ما يرد إليَّ من بدع وتشيع أحذفه، وقد يصل الأمر إلى إيقاف العضو إن كرر الإساءة لأهل السنة بسب الصحابة أو إيراد البدع.

المهم أن الموضوع لا يوضع إلا بعد أن أوافق عليه، وبما أني كنت أدرس طلب العلم الشرعي فكثيرا ما تراسلني فتيات ملتزمات على الرسائل الخاصة لسؤالي عن أحكام الأحاديث الصحيح منها والضعيف وبعض الأحكام الشرعية فأجيبهم بما أعرف، وغالبًا أستعين بموقعهم المبارك، وهذه الرسائل الخاصة هي تحت مراقبة ثلاثة مراقبين حتى لا يتسلل إليها ما لا تحمد عقباه، وهم يلتزمون بالأحكام الشرعية فلا يضعون الرموز المعبرة ولا تلك القهقهة ” ههه “، ولا يخضعن  بالقول، وغالبا ما يكون ذلك عند الحاجة فقط.

فما رأيكم يا شيخ بالرسائل الخاصة وحالتها كما ذكرت لكم بين الفتيات وبعض المشرفين أو بعض الأعضاء الآخرين؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر لك أخي الفاضل حرصك على الخير واهتمامك أن لا تقع مخالفات شرعية في القسم الذي تشرف عليه في ذلك المنتدى، وبخاصة فيما يتعلق بالاعتقاد الصحيح الذي عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان والذي يحاول أهل الشر إفساده على عامة المسلمين.

ثانيا:

ولا يخفى عليك أن فتنة ” الإنترنت ” فتنة عظيمة سقط فيها كثيرون، وضاعت فيها مروءات وأعراض لكثيرين وكثيرات، وبعض أولئك كان من الملتزمين المستقيمين على طاعة الله، وفتنة هؤلاء – رجالًا ونساءً – لم تكن مرَّة واحدة، بل كانت على خطوات وامتد الأمر فيها لأشهر وسنوات، ولم يزل الشيطان يسوِّل للطرفين أن ما يفعلونه حلال، ثم ينتقل معهم إلى الاستحباب والوجوب نصرة للدين وقياماً بواجب النصح للمسلمين، وهكذا يكون الواحد منهم مفتونا وهو لا يدري عن نفسه أو يدري لكنه يظن نفسه أنه لن يقع في الإثم الكبير والجُرم العظيم، ثم سقط من سقط ونجا من نجا، والقصص المؤلمة التي يعلمها خواص العلماء والدعاة والمربين مؤلمة موجعة، وما يعرفه الناس مما ظهر منها فليس إلا القليل القليل من الواقع.

ولهذا كلِّه فإننا شددنا ولا نزال نشدد على ضرورة الابتعاد عن الخطوة الأولى التي يوقع فيها الشيطان أولئك العفيفين والعفيفات في حبائله، فكانت منا فتاوى كثيرة فيها ضوابط حاسمة لمشاركة النساء في هذه الشبكة وتلك المنتديات، وكان منَّا تنبيهات وتحذيرات بعدم التساهل في التعرض لفتنة النساء بالمشاركات العامة، وأما المخاطبات والمراسلات الخاصة فإننا لا نزال على المنع منها، بل نشدد على هذا المنع لما حصل من فتنٍ ومصائب جرفت كثيرا من المحسوبين على الخير والاستقامة.

وعليه:

فإذا كان عند أخت مشاركة سؤال يستفيد منه المسلمون فلتضعه في مشاركة عامَّة، وليكن الجواب عليه منك ومن أمثالك من الإخوة طلبة العلم، فيستفيد الجميع من إجابتكم.

وأما إذا كان عند أخت سؤال خاص للإدارة أو المشرفين: فإننا لا نرى جواز المراسلة الشخصية بينها وبين واحد منهم، ونرى جواز أن تكون رسالتها يطلع عليها مجموعة المشرفين، وتكون الإجابة عليها مطلَّع عليها منهم جميعهم إذا كان الكاتب واحدا منهم، وفي يقيننا واعتقادنا أن الأخت التي ستكتب الرسالة إذا علمت أن رسالتها سيطلع عليها ثلاثة – مثلا – من المشرفين: فإنها ستكون في غاية الحذر من كلماتها، وإن الشيطان سيكون أبعد ما يكون عن فتنتها بإذن الله تعالى، وهكذا لو علم الرادُّ عليها أن ما سيرد به ستكون نسخ منه عند المشرفين: فلن يكون – بإذن الله تعالى – للشيطان عليه سبيل لفتنته، وما اشترطناه هنا في المراسلات ليس صعبا تحقيقه في عالَم المنتديات؛ فإن الأمور الفنية بلغت غاية عظيمة في هذا الباب.

ونرجو أن يعمَّ هذا الاقتراح في المنتديات الحريصة على الخير، وستنقطع – بإذن الله – فتن كثيرة، وسيحفظ هذا على الإخوة والأخوات أعراضهم، ويَقطعون الطريق على من يتهمهم بما ليس فيهم.

وهذا الذي اقترحناه هو الجائز عندنا، وأما المراسلات الشخصية بين رجل وامرأة فلا نرى جوازها – كما بينَّاه فيما أحلناكم عليه من فتاوى – ونسأل الله أن يعينكم على طاعته، وأن يُبعد عنكم الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله يحفظكم ويرعاكم.

 

 

 

ثالثا:

وأما بخصوص الرسائل الخاصة بين النساء والأعضاء المشاركين في المنتدى:

فالذي نراه: أن الاطلاع عليها دون علم منهم هو من التجسس المنهي عنه، فلا يجوز لكم فعله، وأما مع علمهم بأن الإدارة تراقب الرسائل الخاصة: فيجب عليكم مراقبتها، وبعض المواقع لما رأت ما ينتج عن الرسائل الخاصة من مشكلات أغلقتها بالكلية، فإما أن تفعلوا كفعلهم، أو تجعلون من شروط التسجيل في موقعكم الموافقة على مراقبة الإدارة للرسائل الخاصة.

فإن قال قائل: إن منعناهم من المراسلة الخاصة فسيفعلون ذلك عن طريق الإيميل:

فالجواب: أن المراسلة الخاصة قد تمت هنا عن طريق موقعنا ومنتدانا فنحن نتحمل مسئوليتها، وأما مراسلتهم عن طريق الإيميل أو محادثتهم بالهاتف فيتحملون هم مسئوليتها وليس علينا منها شيء.

 

والله أعلم.

صام شهرين متتابعين كفارةً ولم يكن يصلي، فهل تلزمه الإعادة بعد أن صار من المصلين؟

صام شهرين متتابعين كفارةً ولم يكن يصلي فهل تلزمه الإعادة بعد أن صار من المصلين؟

السؤال:

لقد قمتُ بصيام ستين يومًا وكان عمري ( 18 سنة )، ولكن للأسف لم أصل كل الأيام، هل أعيد الصيام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

صيام ستين يومًا الوارد ذِكره في السؤال يظهر لنا أن السائل يريد به ” صيام شهرين متتابعين “، والظاهر أن المقصود أنه صامه كفارة عن فعل استحق ذلك، ومن الأفعال التي توجب على المسلم صيام شهرين متتابعين:

  1. جماع الصائم في نهار رمضان.
  2. الظهار من الزوجة.
  3. قتل الخطأ.

ثانيًا:

وينبني حكم صيامك الشهرين المتتابعين من حيث إعادته أو لا على حكم ” ترك الصلاة “، ولا يخفى أنه ثمة خلافًا معتبرًا في هذه المسألة، فمِن قائل بكفر تارك الصلاة كفراً يُخرج عن الملة، ومن قائل إنه ذنب عظيم لا يوجب الردة.

وعلى القول الأول: فيعتبر تارك الصلاة مرتدّا لا يُقبل مِنه فرض ولا نفل ولا فدية ولا كفارة، ولا يصح عقد زواجه على امرأة مسلمة، فإذا صام هذا التارك للصلاة رمضانات كثيرة: لا تُقبل منه، ولو تصدَّق بمبالغ طائلة: لا تنفعه يوم القيامة، فإذا صار من المصلين: فيلزمه الحج مرة أخرى إذا كان حجَّ وهو تارك للصلاة، ويلزمه تجديد النكاح إذا كان قد عقد على مسلمة وهو تارك للصلاة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أما حاله وهو تارك للصلاة: فإنه كافر من جملة الكافرين الخارجين عن الإسلام؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة للخلود في النار كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة وقول السلف رحمهم الله.

وعلى هذا: فإنَّ مَن لا يصلي لا يحل أن يتزوج امرأة من المسلمين، وإذا كان عنده امرأة: فإن نكاحه منها ينفسخ ولا يحل الاستمرار عليه، وإذا كان قد عُقد له النكاح وهو على هذه الحال ثم منّ الله عليه بالتوبة: فإنه يجب أن يجدَّد عقد النكاح له؛ لأن عقد النكاح الأول الذي عقد له وهو لا يصلي: عقد باطل؛ لقوله تعالى ( وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) ولقوله تعالى ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ).

وهذه مسألة خطيرة جدًّا حيث إنه يوجد في مجتمعنا من لا يصلي ثم يعقد له النكاح على امرأة مؤمنة تؤمن بالله وتصلي، أقولها وأكرر: أن من عقد له النكاح وهو على هذه الحال – أي: لا يصلي – ثم منّ الله عليه بالهداية: فإنه يجب أن يُعاد عقد النكاح مرة أخرى حتى يكون عقدًا صحيحًا، وهذا الرجل الذي لا يصلي لا يحل له أن يدخل مكة لقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ).

وأما حجُّه عن نفسه وهو لا يصلي: فإنه غير مجزئ ولا مقبول ولا صحيح، فهو لم يؤدِّ الفريضة الآن، فعليه أن يؤدي الفرض، وكذلك حجُّه عن قريبه: لا ينتفع به قريبه، ولا يؤدي عنه إن كان حجًّا عن فريضة؛ وذلك لأنه وقع من كافر، والكافر لا تصح منه العبادات؛ لقوله تعالى ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ).

وعلى هذا فنقول لهذا الأخ السائل أما بالنسبة لحجك عن نفسك وعن قريبك: فإنه لاغٍ، ولا يصح، ويجب عليك أن تعيد حج الفريضة مرة أخرى، وإذا كان قد عُقد لك النكاح وأنت على هذه الحال: فإنه يجب عليك إعادة عقد النكاح من جديد.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 101 ).

وعليه: فعند هؤلاء القائلين بهذا الحكم فإنه لا يلزم من وقع فيما يوجب صيام شهرين متتابعين مما سبق ذِكره لا يلزمه الصيام؛ وذلك:

  1. لأن صيامه باطل، فلا يُبنى عليه حكم، وعليه: فلا يؤثِّر جماعه في نهار رمضان.
  2. لأن عقد زواجه باطل، فلا يُبنى عليه حكم، وعليه: فلا يؤثر ظهاره ولا يلزمه به شيء.
  3. لأنه لا يُعدُّ مسلمًا، وعليه: فلا يطالب كافر بصيام كفارة؛ لأن الخطاب بالكفارة في آية النساء إنما هي في حق المسلمين، ونعني بها قولَه تعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) النساء/ 92.

والقول بكفر تارك الصلاة هو القول الراجح عندنا، ونعني به: من تركها بالكلية، وأما مَن كان يصلي ويترك : فلا يكون كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، بل هو آثم إثمًا عظيما، وعليه: فإذا كان حال الأخ السائل يوم فعله ما يوجب صيام شهرين متتابعين أنه كان تاركًا للصلاة بالكلية: فإن ذمته غير مشغولة بصيام، ويكفيه أن يصلِّي ليخرج من دائرة الكفر.

وأما القول الآخر في حكم تارك الصلاة – وهو القول بعدم ردَّته -: فإن صيامك للشهرين المتتابعين صحيح ولا يلزمك إعادة تلك الأيام.

ثالثًا:

وبعد أن عرفتَ ما سبق من الفرق بين الحكمين في ترك الصلاة وما انبنى عليه من أحكام: فقد تبين لك أنه ليس عليك إعادة صيام الشهرين على كلا القولين ! فأنت عند أصحاب القول الأول كنتَ عند تركك للصلاة مرتدًّا والمرتد لا يخاطب بغير الاستتابة، ولا تنطبق عليه الأحكام التي يُخطب به المسلمون، وأنت عند أهل القول الآخر لستَ مرتدًّا وتقع أعمالك الصالحة موقعها، وأنت مخاطب بالكفارة والفدية، وتلزمك الواجبات الشرعية، ويصح عقد زواجك، ولذا فما فعلته من الصيام صحيح إن لم تأتِ بما يفسده أثناء نهارها، وسواء كان ذاك الصيام كفارة جماع في رمضان أو كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ: فكل ذلك يجزئ عنه صيامك للشهرين.

 

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك توبتك، وأن يعينك على الخير، وأن يوفقك لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

حكم الصلاة خلف من يترضى عن الحلاج

حكم الصلاة خلف من يترضى عن الحلاج

السؤال:

أنا أصلي في المسجد القريب من بيتي، وإمام المسجد سمعْتُه أكثر من مرة يترضى عن ” الحلاَّج “، وهذا الإمام صوفي ويردد دائمًا عبارات تشتم الوهابية – حسب تعبيره -، ويصلِّي جهرًا على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة ” اللهم صل على سيدنا محمد بن عبد الله صلاة تملئ العرش وما حواه “، ويقنت في الفجر ويقول ” اللهم كن بنا كالابن البار بوالده “، فما حكم الصلاة خلفه ؟ أفيدوني، أفادكم الله، وجزاكم كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الحلاَّج ” من أشهر الزنادقة الذين تم قتلهم دون استتابة، وقد حكم عليه أئمة زمانه من أهل السنَّة بالقتل ردَّة؛ لما جاء به من مقالات فاسدة لا يشك مسلم في بطلانها وزندقة قائلها.

* قال القاضي عياض – رحمه الله -:

وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله: ” أنا الحق ” مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته. ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 2 / 1091 ).

ومن علَم ما يقوله الحلاَّج فأقرَّه على أقواله أو أثنى عليها وهو يعلم حاله: فحكمه حكم الحلاَّج، فيكون مرتدًّا مثله يستحق القتل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن اعتقد ما يعتقده الحلاج مِن المقالات التي قُتل الحلاج عليها: فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على ” الحلول ” و ” الاتحاد ” ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد كقوله ” أنا الله “، وقوله ” إله في السماء وإله في الأرض”. ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 480 ).

وإمامكم الذي تسأل عنه له أحوال وأحكام:

  1. إمَّا أن يكون عالِمًا بما قاله الحلاَّج فأقرَّه على أقواله، ولذلك يثني ويترضى عليه: فيكون مرتدًّا ولا تحل الصلاة وراءه.
  2. أو يكون جاهلًا بمقولات الحلاَّج وزندقته فيجب عليه أن يتبرأ منها ومنه إذا علمها عنه، فإن فعلَ: سلِم، وإلا هلك.
  3. أو أنه لم يثبت عنده أن تلك المقولات ثابتة على الحلاَّج : فيلزمه التبرؤ من أقواله، وله أن يتوقف في الحكم على عينه، وأمره إلى الله إن كان صادقاً فيما يزعمه من عدم ثبوت تلك الأقوال – عنده – عن الحلاَّج.

وهذه الأقسام الثلاث ذكرها الإمام الذهبي رحمه الله، حيث قال:

فتدبَّر – يا عبد الله – نِحلة الحلاج الذي هو مِن رؤوس القرامطة ودعاة الزندقة، وأنصِف وتورع واتق ذلك وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام محب للرئاسة حريص على الظهور بباطل وبحق: فتبرأ من نحلته.

وإن تبرهن لك – والعياذ بالله – أنه كان – والحالة هذه – محقّاً هاديًا مهديًّا: فجدِّد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه؛ فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله.

وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به: أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلًا. ” سير أعلام النبلاء ” ( 14 / 345 ).

فهذا الإمام إن كان جاهلا بحال الحلاَّج فيجب عليكم تعريفه بحاله وذِكر حكم العلماء عليه وبيان عقائده الفاسدة التي تسببت بقتله، فإن ترضى عنه بعدها أو أثنى عليه: أُلحق به، وكذا لو تأول كلامه بتأويل يتوافق مع الشرع؛ فإنه يُلحق به كذلك، وأما إن كان معتقدا في باطنه لما يقوله الحلاَّج فهو أكفر من اليهود والنصارى، وقد ذكر هذه الأقسام للناس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:

ومَن كان محسنا للظن بهم، وادَّعى أنه لم يعرف حالهم: عُرّف حالهم، فإن لم يباينهم ويُظهر لهم الإنكار وإلاّ أُلحق بهم وجُعل منهم.

وأما مَن قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة: فإنه من رؤوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكيًّا: فإنه يَعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقدًا لهذا باطنًا وظاهرًا: فهو أكفر من النصارى، فمَن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلًا: كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد.  ” مجموع الفتاوى ” ( 2/ 132 ، 133 ).

ثانيًا:

وأما شتمه للوهابية فهذا لا يكون عذرا لكم في ترك الصلاة وراءه؛ فالتلبيس على الخاصة والعامة في شأن أئمة الدعوة النجدية كثير، والمهم أن لا يتعرض الشخص لعقائد الإسلام المجمع عليها والمعلومة من الدِّين بالضرورة، وأما الأشخاص أنفسهم فلا نعقد مع الناس ولاءً وبراءً عليهم.

وأما صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ” اللهم صل على سيدنا محمد بن عبد الله صلاة تملئ العرش وما حواه “: فلا يظهر لنا فيها شيء يخالف الشرع.

وأما قنوته للفجر: فهو مخالف للسنَّة، فلا يجوز تخصيص الفجر بقنوت، ولكن هذا ليس عذراً لترك الصلاة خلفه.

وأما قوله ” اللهم كن بنا كالابن البار بوالده “: فهو قولٌ قبيح، يدل على جهل قائله بالشرع، وعلى عدم تعظيمه لربِّه تعالى، ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الزمر/ 67.

وكيف يخطر لمسلم أن يدعو ربَّه الرحيم الرحمن ذا الرحمة الواسعة والذي وسعت رحمته كل شيء أن يطلب منه أن يكون رحيمًا كرحمة الابن البار بأبيه؟! فينبغي لذاك الإمام التوقف عن هذا الدعاء السمج القبيح، ولا يحل له الاستمرار عليه، فإن أصرَّ فلا بأس بترك الصلاة خلفه تعزيراً له وتعظيماً لقدْر الرب عز وجل.

واعلم أخي السائل أن أهل السنَّة هم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وإن هذا الإمام – وأمثاله كثير – لهم حق عليكم في تعليمهم ونصحهم، لكن نوصيكم أن يكون ذلك بالحسنى، وما ذكرناه من الأحكام فيما يتعلق باعتقاد الإمام وأقواله لا يعني الشدة والعنف في معاملته، فالأمران مختلفان، وفرعون الطاغية قد بلغ به الأمر أن قال ” أنا ربكم الأعلى ” ومع هذا فقد قال الله تعالى للرسوليْن الكريمين موسى وهارون عليهما السلام لما أرسلا إليه ( فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 144.

 

 

والله أعلم.

تعرَّف على فتاة وتزوجت غيره رغمًا عنها، فهل يمكن أن يكون هو زوجها في الجنة؟

تعرَّف على فتاة وتزوجت غيره رغمًا عنها، فهل يمكن أن يكون هو زوجها في الجنة؟

السؤال:

أنا كنت أعرف فتاة وحاولت الارتباط بها دونما فائدة، وقد قام أهلها بتزويجها لغيري رغماً عنها، فإن دخلنا الجنة بإذنه تعالى فهل سيزوجها الله بزوجها التي أُرغمت عليه أم بالرجل التي تحلم أن يكون زوجها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أنه لا يحل للمسلم محادثة أو مراسلة امرأة أجنبية عنه، وأولى أنه لا يجوز له أكثر من ذلك كاللقاء والخلوة بها، وكذا مصافحتها وتقبيلها، كل ذلك من المحرَّمات واتباع خطوات الشيطان حتى يوقع أصحابها في المنكر العظيم والإثم الكبير وهو الزنا.

فإن كان قد حصل بينك وبين تلك الفتاة شيء مما ذكرناه فعليك التوبة منه، والندم عليه، والعزم على أن لا تعود لمثله.

 

ثانيًا:

إجبار المرأة على التزوج بمن لا ترغب يجعل لها الخيار في فسخ النكاح، فإن تقدمت للقضاء الشرعي عند التمكن من ذلك مباشرة فيخيرها القاضي الشرعي بين إمضاء النكاح أو فسخه، وأما مع تأخرها في رفع أمرها للقضاء مع تمكنها من ذلك فهو يدل على رضاها بذاك الزواج فيسقط حقها في التخيير.

والذي يظهر لنا من سؤالكِ أن أمر تلك المرأة قد تمَّ وها هي مستمرة في زواجها، فلم يعد لها الحق في التخيير إن صحَّ ما ذكرته من أنها أُرغمت على التزوج بمن لا ترغب.

 

ثالثًا:

وإذا ثبت عقد زواج بشرع الله تعالى المطهَّر وكان الزوج هو آخر أزواج المرأة فيكون زوجها في الجنة، فالصحيح في هذه المسألة أن المرأة لآخر أزواجها، لا لأحسنهم خلُقاً ولا أنها تُخيَّر بينهم، وإذا كان لها زوج واحد ليس ثمة غيره حتى توفيت أو توفي هو ولم تتزوج بعده: فالأمر في ذلك واضح بيِّن أنه يكون زوجَها في الجنة إن كانا من أصحابها.

رابعًا:

والنصيحة لك:

  1. أن تبتعد عن حياة تلك المرأة؛ حتى لا تهدم بيتها وتشتت أسرتها وفِكرها.
  2. وأن تقطع التفكير فيها؛ حتى لا تعذِّب نفسك بما طائل وراءه، وحتى لا تسبِّب لنفسك أمراضًا كالاكتئاب والقلق مما قد يسبِّب لك أمراضًا عضوية.
  3. أن تسير في حياتك فتبحث عن زوجة صالحة تحفظ عليك نفسك ودينك، وتستثمر حياتك في النافع المفيد، فتكوِّن أسرة صالحة وتربِّي ذرية طيبة، فهو خير لدينك ودنياك من أن تعيش آمالاً فتسبب لنفسك بها آلامًا.
  4. واعلم أن الجنة ليست ملتقى للعشَّاق! وهذه العلاقة المحرَّمة التي كانت بينك وبين تلك المرأة لن يكون لها وجود في جنة الله تعالى والحال أن ذاك الرجل هو آخر أزواجها أو ليس في حياتها غيره، والمرأة قد مضت لحال سبيلها فافعل فعلها، والتفت لنفسك أن يضيع عمرك فيما يضرك دنيا وأخرى.

 

والله أعلم.

أسرة يكثر فيها الخلاف والمصائب والأمراض فهل يكون ذلك من تأثير السحر والعين؟

أسرة يكثر فيها الخلاف والمصائب والأمراض فهل يكون ذلك من تأثير السحر والعين؟

السؤال:

سأشرح حالتي لفضيلتكم الموقرة، أنا شاب من المسلمين مرضت منذ (10سنوات) ولم أشفَ بعد، ضعف جنسي شديد رغم تلقي العلاج الطبي، ثم أصبت بداء عصبي أدّى بي إلى الجنون، منذ ( 5 سنوات ) وأنا أتعالج من المرض العصبي إلى الآن عند الطبيب دون شفاء من المرضين، وأنا أعاني من البطالة منذ أن خرجت من المدرسة أي ( 14 سنة ) لم أعمل، ولدي أخوات بلغن الخمسين جميلات ولم يتزوجن رغم تحجبهن، ووالديَّ لا يكلم بعضهم بعضًا، وإخوتي الذكور لا يعملون وغير متزوجين رغم بلوغهم الأربعين، ورغم هذه المشاكل الجيران يحسدوننا ولا يحبوننا لأننا عرب وهم أمازيغ – يعني: عنصريين، هل تستطيع العين أو السحر أن تحرم الإنسان الرزق والعمل والصحة والزواج؟ ونحن – يعني كسائر المسلمين – ملتزمون، ولدينا معاصي كعوام المسلمين – يعني عاديين -، وأحد إخوتي الذكور من شدة الواقع المر يسب الله مرارًا منذ صغره! فأرجو أن تشرح لنا حالتنا وتعطينا مخرجًا يرحمكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن أكثر ما آلمنا في الرسالة ليس تعطيل زواج أخواتك، ولا تعطل عمل إخوانك وعدم تزوجهم، بل هو ما يفعله أخوكم من سب الله تعالى! والعجيب أنك تقول إنه يفعل ذلك بسبب شدة الواقع المرّ! ومتى كان سب الله تعالى يفرِّج الكرب ويزيل الهم؟! إن هذا العذر منه لقبيح ولا يُمكن أن يصدر من عاقل، فالله تعالى هو خالق الكون وهو المتصرف فيه وهو الذي ييسر الأمر ويكشف السوء ويفرج الهم، فبدلًا من أن يلجأ أخوكم إلى ربه تعالى لييسر له الخير ويرفع عنه السوء يسبه ويشتمه؟! والأعجب أنك تقول إنه تعوَّد على ذلك منذ صغره! فأين والداه وإخوته عنه؟ ولماذا شبَّ هذا على كفرٍ أخرجه من ملة الإسلام؟ ونحن نحسن الظن فيكم أنكم لا ترضون عن فعله ولعلكم بذلتم وسعكم في نصحه وإرشاده، ونرجو أن يكون الأمر هو كذلك حتى يبوء بإثمه وحده ولا يشاركه معه أحد منكم، ولعله يتدارك نفسه قبل أن يموت بتوبة صادقة وإلا لقي الله تعالى مرتدّاً كافراً؛ فقد أجمع أهل السنَّة على كفر ساب الله تعالى، ولا فرق في ذلك بين من يعلم الحكم وبين من يجهله.

 

ثانيًا:

وأما ما حصل ويحصل معكم في بيتكم مع الأهل والأشقاء والشقيقات فلا يخلو من أمرين:

الأول: أن تكون الأمور الجارية مع الجميع لها أسبابها الحسية من عدم توافق بين والدك ووالدتك لاختلاف ثقافتهما أو تفاوت السن بينهما أو اختلاف بيئتهما أو غير ذلك من الأسباب، وما حصل لأخواتك هو بسبب تشهير بعض الناس في أسرتكم وتنفير التزوج منها، وهكذا الأمر في حال أشقائك يكون ما حصل لهم له أسبابه الملموسة المعروفة، وأن يكون ما حصل معك من أمراض له أسبابه الحسية وأنها تزول بالعلاج بالأدوية المادية أو الشرعية، فعليكم أولًا البحث عن الأسباب الحسية فإن وُجدت: فعلاج الأمور يكون بوضع الحلول المناسبة لكل مشكلة، ونرجو أن يكون هذا مجرد ابتلاء وتؤجرون على الصبر عليه.

الثاني: أن تكون الأمور الجارية معكم ليس لها أسبابها الحسية، فيكون الأمر دائراً بين كونكم أصبتم بالسحر أو العين.

وتأثير السحر والعين على ما جرى ويجري معكم أمر غير مستبعد؛ لأن الله تعالى جعل للسحر والعين تأثيرات وأضرارًا عظيمة ومنها ما حصل معك ومع أخواتك وإخوتك، بل وقد يصل الأمر إلى أشد من ذلك كأن يؤدي إلى الموت.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: ” وقال المازري:

جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود؛ لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده بالتركيب نافعًا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذَكر الله تعالى في قوله ( يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ ) لكون المقام مقام تهويل فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره، قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك”. انتهى من ” فتح الباري ” ( 10 / 222 ، 223 ).

ثالثًا:

وقد يكون ما أصابكم نتيجة إصابة بعينِ نفسٍ خبيثة، فقد يكون جمال أخواتك تسبب في إصابتهم بالعين، وقد يكون كثرة عدد إخوانكم تسبب في إصابتهم بالعين، فالنفوس الخبيثة تحسد أصحاب النعمة ولو قلَّت، فكيف أن تكون نعمٌ عند خصوم لها ومنافسين؟!.

فالعين حقٌّ، وإصابتها وتأثيرها حقٌّ، وقد تتسبب بالموت لمن يصاب بها، وكل ذلك لا يكون إلا بإذن الله وإرادته .قال تعالى ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ).

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

” قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما ( لَيُزْلِقُونَكَ ): لينفذونك بأبصارهم، أي: ليعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العيْن إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة “. انتهى من ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 201 ).

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) رواه مسلم ( 2188 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

” وقد أخرج البزَّار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتي بَعْدَ قَضَاءِ الله وَقَدَرِهِ بِالأَنْفُس ) قال الراوي: يعني: بالعين، وقال النووي: في الحديث إثبات القدَر، وصحة أمر العين، وأنها قوية الضرر “. انتهى من ” فتح الباري ” ( 10 / 204 ).

وقد ذكرنا في جواب سابق أن العين تُسبِّب أمراضًا عضوية ومشكلات مادية وزوجية وقطيعة، فلينظر؛ لتعلم أنه قد يكون ما أصاب أهل بيتكم من قطيعة بين الوالدين ومشكلات في تزوج الإخوة والأخوات وغير ذلك أنه قد يكون نتيجة إصابتكم بعينٍ من نفسٍ خبيثة لا تتقي الله تعالى ربَّها.

وأما أمر علاج العيْن – إن كان ما حصل معكم ليس له أسباب حسية بل هو عيْن -: فهو قراءة المعوذات والتزام الأدعية الثابتة في السنَّة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

” ومن جرب الدعوات والعُوَذ: عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربة “. انتهى من ” زاد المعاد ” ( 4 / 170 ).

 

* وقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” ويعالج المَعين مع ذلك بالرقى من الكتاب والسنة والتعوذ والدعاء “. انتهى من ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 60 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يكشف عنكم الكرب، ويفرج عليكم الهم، وأن ييسر لكم الأمر، وأن يجعل لكم مخرجًا، ونسأله تعالى أن يشفيك ويعافيك وأن يجمع لك بين الأجر والعافية.

 

ونوصيكم بأخيكم الذي يصدر منه الكفر بأن تنصحوه بأنه قد وقع في الردة، وأن عليه أن يكفَّ لسانه عن سب ربِّه تعالى، وأن عليه أن يضرع إلى ربه وخالقه بالدعاء أن يرفع عنكم البلاء وأن يجعل لكم من أمركم يُسرًا، ولعلَّ الله تعالى أن يجعل من توبته ودعائه سببًا لتفريج كربكم وإزالة همِّكم.

 

والله أعلم.