الرئيسية بلوق الصفحة 177

والداي لا يسمحان لي برفع إزاري، فهل أطيعهما أم لا؟.

السؤال:

والداي لا يسمحان لي برفع إزاري، فهل أطيعهما أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أمرنا الله تعالى ببر الوالدين في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، ومنها: قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ العنكبوت / 8 ].

وأعلى الحقوق وأعظمها هو حق الله تبارك وتعالى ثم من بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا } [ الإسراء / 23 ].

فطاعة الوالدين واجبة إلا إذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهما، وإسبال الإزار من كبائر الذنوب، فلا طاعة لهما إذا أمرا به، لكن يمكنك رفع إزارك إلى الحد الأدنى بحيث لا يلامس الكعبين، فلا تكون عصيت ربك بهذا الفعل، ولا تكون مخالفًا لرغبة والديك، فليس معنى تقصير الإزار أن يكون إلى نصف الساق بل المهم أن لا يلامس الإزار الكعبين.

سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ:

ما حكم الإسبال؟ وهل يجوز أن أطيع والدي إذا أرادوا مني إسبال ثيابي؟ جزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

الإسبال محرم، بل هو من كبائر الذنوب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “، وذكر الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وذكر منهم المسبل، فالمسبل عاص لله ومتعد لحدوده، فواجب عليه أن يتوب إلى الله، فإنه عوقب بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، وعوقب بتوعده بالنار، مما يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب مع أن الإسبال لا خير فيه، ففيه إفساد للملبس وربما سبب تعثر للمسبل في مشيه كما قال عمر رضي الله عنه للشاب الذي رآه مسبلًا- وقد عاد عمر في مرض موته-: ” يا غلام ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأطوع لربك “.

وأما طاعة الوالدين: فإن الوالدين لا يطاعان في معصية الله، فلو أمراك بالإسبال فاعصهما لأن الإسبال من كبائر الذنوب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ” فتاوى مجلة الدعوة ” العدد: ( 1741 ).

 

والله أعلم.

هل صح قراءة سورتي السجدة والملك بين المغرب والعشاء؟ وهل صح شيء في فضل قراءة ثلاث آيات من سورة الأنعام؟

السؤال:

هل ورد شيء بخصوص قراءة سورة السجدة والملك بين المغرب والعشاء، وكذلك قراءة ثلاثة آيات من سورة الأنعام بعد صلاة الفجر مباشرة؟

 

الجواب:

الحمد لله

الحديثان لا يصحان عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله، لكن صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه كان يقرأ سورتي السجدة والملك قبل أن ينام.

عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ { الم تنزيل } و { تبارك الذي بيده الملك }. رواه الترمذي ( 2892 ) و ( 3404 ). وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 585 ).

وأما الحديث الثاني: فقد روي من حديث ابن مسعود وابن عباس، وكلاهما لم يصحَّا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما حديث ابن مسعود فقد روي عنه أنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ” مَن صلَّى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من سورة الأنعام وكَّل الله به سبعين ملَكًا يسبحون الله ويستغفرون له إلى يوم القيامة “.

رواه الديلمي – كما في ” الدر المنثور للسيوطي ” ( 3 / 246 ) – وهو مظنة للأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولا يوجد الحديث في كتب السنة المشهورة.

وأما حديث ابن عباس: فقد قال المناوي:

وأخرج السِّلَفي بسند واه عن ابن عباس مرفوعًا: ” من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى { ويعلم ما تكسبون } نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم، ونزل إليه ملك من فوق سبع سموات ومعه مرزبة من حديد فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئًا من الشرِّ ضربه ضربة حتى يكون بينه وبينه سبعون حجابًا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: أنا ربك وأنت عبدي امش في ظلي واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب “.

” فيض القدير ” ( 2 / 97 ).

وقد ذكر الألوسي حديث ابن مسعود ونسبه للديلمي، وحديث ابن عباس ونسبه لحبيب بن محمد العابد عند أبي الشيخ، وقال:

وغالبها في هذا المطلب ضعيف، وبعضها موضوع، كما لا يخفى على  من نقَّر عنها. ” تفسير الأولوسي ” ( 4 / 76 ).

والفضائل لا تثبت إلا بأحاديث يحتج بها، ومِن فضْل الله تعالى أن جعل أجرًا على قراءة القرآن كله، ولا يجوز لأحدٍ أن يختص سورة أو آيات من سورة بالمداومة على قراءتها، كما لا يجوز إثبات فضيلة لسورة أو آيات إلا بنصٍّ صحيح.

 

والله أعلم.

متى يثبت التحريم من الرضاعة؟

السؤال:

ابن خالتي يكبرني بثلاث سنوات, رضعتُ من أمه مع أخته الصغيرة التي هي مثلي في العمر، ولم أرضع من أمه معه في نفس الوقت, فهل بذلك يكون هو أيضًا أخي في الرضاعة مع الفرق الزمني في الرضاعة من أمه؟.

أرجو الإجابة حتى أعلم إن كان يجب أن أجلس أمامه بالحجاب أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يشترط في أخ الرضاعة أن يكون متقارب السن مع إخوانه وأخواته في الرضاعة، فقد تكون بينهم سنوات كثيرة.

ولم نعلم من السؤال عدد الرضعات التي رضعتيها من خالتك، فإن كانت خمس رضعات فما فوق: فأنت ابنة لها في الرضاعة، وأبناؤها وبناتها إخوة وأخوات لكِ في الرضاعة.

وإن كانت الرضعات دون الخمس: فهي غير مؤثرة في التحريم، ويظل أبناؤها أجانب عنك، يجب عليكِ أن تحتجبي عنهم، وأن تعاميلهم معاملة الأجانب.

 

والله أعلم.

هل تُقبل شهادة مربي الحمَام ومعلمي الصبيان؟

السؤال:

لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام ( الحمام الزاجل وغيره )؟ كنت قد سمعت هذا مرة وأود التأكد من ذلك.

السؤال الثاني:

هل صحيح أنه لا يؤخذ بشهادة المعلمين ( المدرسين ) شرعًا ولماذا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تربية الحمَام من أجل الزينة، أو من أجل فراخها لأكلها، أو لاستعمالها في إرسال الرسائل – كما كانت تستعمل قديمًا -: لا حرج فيها، ولا إثم على فاعلها، بل هو من الأفعال المباحة.

وأما تطييرها والعبث بها وإيذاؤها بمنعها من الراحة والسكون: فهو من الأفعال المحرمة، لما فيه من الإيذاء، ولما يتسبب به ” المطيِّر ” من سرقة حمام الآخرين، ولما يطلع بفعله على عورات المسلمين، ومثل هذا هو من قال أكثر العلماء فيه أنه ترد شهادته ولا تُقبل.

قال الكاساني:

والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته, وإن كان يطيرها تسقط عدالته; لأنه يطلع على عورات النساء, ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات.

” بدائع الصنائع ” ( 6 / 269 ).

وقال ابن قدامة:

اللاعب بالحمام يطيرها, لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام ولا حمَّام; وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة, ويتضمن أذى الجيران بطيره, وإشرافه على دورهم, ورميه إياها بالحجارة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يتبع حمامًا, فقال: ” شيطان يتبع شيطانة ” – رواه أبو داود ( 4940 ) وهو في ” صحيح الجامع ”  ( 3724 ) -.

وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها, أو لحمل الكتب, أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس, لم ترد شهادته. ” المغني ” ( 10 / 172 ، 173 ).

قال ابن القيم:

وعليه أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس, فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم , والتطلع على عوراتهم.

 

قال الشوكاني:

قوله: ( فقال: ” شيطان . . . إلخ ) فيه دليل على كراهة اللعب بالحمام وأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه, وقد قال بكراهته جمع من العلماء, ولا يبعد على فرض انتهاض الحديث تحريمه; لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك, وتسمية الحمامة شيطانة إما لأنها سبب اتباع الرجل لها أو أنها تفعل فعل الشيطان حيث يتولع الإنسان بمتابعتها واللعب بها لحسن صورتها وجودة نغمتها.” نيل الأوطار ” ( 8 / 106 ).

 

ثانيًا:

وأما عدم قبول شهادة المعلم: فلا نظن أن له أصلًا، وما يروى عن بعضهم هو عدم قبول شهادة معلم الصبيان، وهو أيضًا مردود، فالتعليم أمر يشرِّف صاحبه ويرفع قدره، ومعلم الناس الخير يصلي عليه الرب تعالى والملائكة بل والنملة في جحرها والحوت في البحر، وهو نص حديث أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4213 ).

سئل ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:

رأيت منقولًا عن ” الخلاصة ” ما لفظه: ” ولا تقبل شهادة معلم الصبيان، فإن عقْل ثمانين معلمًا لا يساوي عقل امرأة واحدة في الأيام مع الصبيان وفي الليالي مع النسوان ” .ا.هـ . فهل هذا النقل صحيح ثابت فيها أو لا؟ وكيف الحكم في هذه المسألة؟.

فأجاب بقوله:

قد فتشت على هذا المذكور عن ” خلاصة ” الغزالي فلم أره فيها، ولا أظنه في شيء من كتب أصحابنا؛ لأنه إلى السفساف أقرب، وكم من معلم صبيان رأيناه يُستسقى به الغيث لبلوغه في النزاهة والعفة والعدالة والصلاح الغاية القصوى، فإن صحت تلك المقالة بإطلاقها عن عالم تعين تأويلها على معلم ظهرت عليه أمارات الجهل أو الفسق أو الجنون كما هو كثير الآن فيمن يتعاطى هذه الحرفة التي هي أشرف الحرف بنصه صلى الله عليه وسلم, والله سبحانه وتعالى أعلم.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 358 ).

 

والله أعلم.

بعض أحكام الجمع بين الصلاتين

بعض الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين :

الحمد لله
أولاً :
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في السفر .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما ، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب .
رواه البخاري ( 1060 ) ومسلم ( 704 ) .

ثانياً :
وثبت جواز الجمع في المطر .
وسيأتي ذِكر ذلك من حديث عبد الله بن عباس .
وقد ثبت عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – الجمع ومنهم ابن عمر .
عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم .
رواه مالك في ” الموطأ ” ( 333 ) .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
لا حرج في الجمع بين المغرب والعشاء ولا بين الظهر والعصر في أصح قولي العلماء للمطر الذي يشق معه الخروج إلى المساجد ، وهكذا الدحض والسيول الجارية في الأسواق لما في ذلك من المشقة . والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء
زاد مسلم في روايته : من غير خوف ولا مطر ولا سفر
فدل ذلك على أنه قد استقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن الخوف والمطر عذر في الجمع كالسفر …
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 291 ) .

ثالثاً :
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا مطر ولا سفر ، وقد فعل ذلك لكي لا يحرج أصحاب الأعذار من الجمع .
عن ابن عباس قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، قال – أي : سعيد بن جبير – : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته .
رواه مسلم ( 705 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة .
” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 293 ) طبعة مجمع الملك فهد .
والعذر الذي يجوز معه الجمع بين الصلاتين كثير ، ومنه :
من أراد أن يسافر وغلب على ظنه عدم استطاعته أداء الصلاة في طريق السفر ، فيجمع في بلده قبل خروجه من غير قصر .
المريض الذي يشق عليه دخول الخلاء أو الطهارة لكل صلاة .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
يجوز الجمع لمريض يلحقه بترك الجمع مشقة ، أي : تعب وإعياء ، أيَّ مرض كان ، سواء كان صداعاً في الرأس ، أو وجعاً في الظهر ، أو في البطن ، أو في الجلد ، أو في غير ذلك ، ودليل ذلك ما يلي :
1. عموم قول الله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة : من الآية 185 ] ، وقوله { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : من الآية 78 ] .
2. حديث ابن عباس : ” جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر ” قالوا : فإذا انتفى الخوف والمطر ، وهو في المدينة : انتفى السفر أيضاً ، ولم يبق إلا المرض ، وقد يكون هناك عذر غير المرض ، ولكن ابن عباس سئل لماذا صنع ذلك ؟ قال : ” أراد أن لا يحرج أمته ” أي : أن لا يلحقها حرج في عدم الجمع ، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع : جاز له أن يجمع ، ولهذا قال المؤلف : ” ولمريض يلحقه بتركه مشقة ” .
وفهم من قول المؤلف : أنه لو لم يلحقه مشقة : فإنه لا يجوز له الجمع ، وهو كذلك .
فإذا قال قائل : ما مثال المشقة ؟ قلنا : المشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرَّق الصلاتين ، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة ، والمشقات متعددة .
فحاصل القاعدة فيه : أنه كلما لحق الإِنسانَ مشقةٌ بترك الجمع : جاز له الجمع حضراً وسفراً.
” الشرح الممتع ” ( 4 / 390 ، 391 ) .
الطبيب الجرَّاح الذي لا يمكنه ترك المريض أثناء العملية .
ويجوز للمسلم أن يجمع بين الصلاة جمع تأخير للحاجة كأن خشي أن يفوته أمر مهم يترتب على تأخيره فساده أو مفسدة والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا حضر أحدَكم الأمرُ يخشى فوته فليصل هذه الصلاة “.
رواه النسائي ( 597 ) .
والحديث : صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1370 ) .
قال الشيخ ابن عثيمين :
فأسباب الجمع هي: السفر ، والمرض ، والمطر ، والوحل ، والريح الشديدة الباردة ، ولكن لا تنحصر في هذه الأسباب الخمسة ، بل هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدة عامة وهي : المشقة ، ولهذا يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين ، وبين العشائين لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة ، ويجوز الجمع أيضاً للإِنسان إذا كان في سفر وكان الماء بعيداً عنه ، ويشق عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضأ لكل صلاة ، حتى وإن قلنا بعدم جواز الجمع في السفر للنازل ، وذلك لمشقة الوضوء عليه لكل صلاة .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 393 ) .

رابعا:
هل يحتاج جمع الصلاتين للنية ؟ وماذا إذا صليت الصلاة الأولى دون أن أنوي الجمع ثم أردت أن أجمع لها الثانية ؟ وماذا لو حدث العكس أي : أني نويت أن أجمع الصلاتين ثم بعد أن صليت الأولى أردت أن أصلي الثانية في وقتها ؟ .
الجواب:
لا يحتاج الجمع بين الصلاتين في السفر ولا في الحضر إلى نية ، فإن نية كل صلاة تكون قبل تكبيرة إحرامها ، لا قبل تكبيرة إحرام التي قبلها .
ومن نوى الجمع فله أن يكتفي بالأولى منهما ، ولا يجمع معها الثانية ، ومن لم ينو الجمع فإن يستطيع أن يجمع الثانية مع الأولى .
ونية الجمع تكفي بعد التحلل من الصلاة الأولى قبل الإحرام بالثانية ، وليس شرطاً أن تكون عند تكبيرة الإحرام وقبل التحلل من الصلاة الأولى ؛ ولم يثبت هذا الاشتراط من قول للرسول صلى الله عليه وسلم ولا عمل لا في سفر ولا حضر ولا في حج أو غيره كما لم يعلم عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه اشترط نية لا في قصر ولا جمع .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فانه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر ولا يأمرهم بنية القصر ، ولهذا لما سلَّم من ركعتين ناسياً قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال : لم أنس ، ولم تُقصر ، قال : بلى قد نسيت ، وفي رواية ” لو كان شيء لأخبرتكم به ” ، ولم يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر .
كذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمَع قبل الدخول ، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضى الصلاة الأولى ، فعُلم أيضاً أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى كقول الجمهور ، والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك .
” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 21 ) .
وقال :
لم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه لا بنية قصر ، ولا بنية جمع ، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم ، مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام .
” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 104 ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – بعد أن ذكر الخلاف في المسألة – :
والصحيح : أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى ، وأن له أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى ، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجوداً .
مثال ذلك : لو أن الإِنسان كان مسافراً وغابت الشمس ، ثم شرع في صلاة المغرب بدون نية الجمع ، لكن في أثناء الصلاة طرأ عليه أن يجمع فعلى المذهب لا يجوز ، وعلى القول الصحيح يجوز ، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية .
ومثال آخر : لو سلم من صلاة المغرب ثم نزل مطر ، يبيح الجمع جاز له الجمع .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 397 ، 398 ) .
وهذا ما رجحه جمع من العلماء المحققين كالمزني وخرجًّه قولاً للشافعي ، كما قال به بعض أصحاب الشافعي ، وقواه النووي ، ورجحه السراج البلقيني ، وتبعه تلميذه ابن حجر العسقلاني .
انظر : ” مختصر المزني ” ( 8 119 ) ، و ” المجموع ” ( 4 / 374 ) ، و ” روضة الطالبين ” ( 1 / 397 ) و ” فتح الباري ” ( 1 / 18 ) .

خامسا:
يجوز للمسافر الجمع بين الصلاتين قبل السفر إذا كان سيشق عليه أداء الصلاة الثانية وهو في طريق سفره ، أما القصر : فلا .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
وليس للقصر أو الإقامة مدة معينة على القول الصحيح ما دمتم عازمين على الرجوع إلى أوطانكم , أما إن نويتم الإقامة المطلقة : فقد انقطع حكم السفر في حقكم .
وتبدأ أحكام السفر إذا فارق المسافر وطنه وخرج من عامر قريته أو مدينته ، ولا يحل لكم أن تجمعوا بين الصلاتين حتى تغادروا البلد إلا أن تخافوا أن لا يتيسر لكم صلاة الثانية أثناء سفركم .
” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 15 / 346 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
وإذا دخل وقت الظهر وأنت لم تبدأ السفر : فإنه يجب عليك أن تصلي صلاة الظهر تمامًا من غير قصر .
وأما صلاة العصر : فإن كان سفرك ينتهي وقت العصر ؛ فإنك تصلي العصر تامة في وقتها إذا وصلت ، أما إذا كان السفر يستمر من الظهر إلى بعد غروب الشمس بحيث يخرج وقت العصر وأنت في السفر ، ولا يمكنك النزول لما ذكرت من أن صاحب السيارة لا يوافق على التوقف : فلا مانع من الجمع في هذه الحالة ؛ لأن هذه حالة عذر تبيح الجمع ، ولكن مع الإتمام .
إذا صليت العصر مع الظهر جمع تقديم وأنت في بيتك ، وتريد السفر بعدها : فإنك تصلي الظهر والعصر تمامًا كل واحدة أربع ركعات ، ولا بأس بالجمع ؛ لأن الجمع يباح في هذه الحالة ، أما القصر : فإنه لم يبدأ وقته ؛ لأن القصر إنما يجوز بعد مفارقة البنيان الذي هو موطن إقامتك .
” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 62 ) .

والله أعلم.

 

حكم عمليات زرع الشعر في الرأس

السؤال:

السلام عليكم هل يجوز لي القيام بعملية زرع شعر الرأس؟ مع العلم أن بي صلع, وهل هو حرام مثل الوصل أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

زرع الشعر: هو عبارة عن نقل بصيلات الشعر من منطقة إلى أخرى في رأس الشخص نفسه، وحكمه: الجواز؛ لأنه من إزالة العيب لا من تغيير خلْق الله عز وجل.

سئل الشيخ: محمد بن عثيمين – رحمه الله :

في أمريكا تتم زراعة شعر المصاب بالصلع، وذلك بأخذ شعر من خلف الرأس وزرعه في المكان المصاب، فهل يجوز ذلك؟.

فأجاب:

نعم يجوز؛ لأن هذا من باب ردّ ما خلق الله – عز وجل -، ومن باب إزالة العيب، وليس هو من باب التجميل أو الزيادة على ما خلق الله – عز وجل -، فلا يكون من باب تغيير خلق الله، بل هو من رد ما نقص وإزالة العيب، ولا يخفى ما في قصة الثلاثة النفر الذي كان أحدهم أقرعًا وأخبر أنه يحب أن يرد الله – عز وجل – عليه شعره فمسحه الملك فردَّ الله عليه شعره فأعطي شعرًا حسنًا.

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 1185 ).

والحديث الذي أشار إليه الشيخ – رحمه الله – رواه البخاري ( 3277 ) ومسلم ( 2964 ).

 

والله أعلم.

لها صديقة أشعرية العقيدة فهل تقاطعها مع العلم أنها مستقيمة؟

السؤال:

صديقتي أشعرية العقيدة وأنا لا أعلم هل أستمر في مصادقتها أم أبتعد عنها – مع العلم أنها ملتزمة في حدود الله بحيث تحفظ القران وتقوم الليل وتبر والديها وأمور كثيرة -؟ فهل أتركها ولا أتحدث معها بتاتًا أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على المسلم دعوة الناس إلى الهدى، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام، ومن ظلمة الجهل والبدعة إلى نور العلم والسنَّة، ولو أن كل داعية هجر أصحاب البدع فكيف سيعرف هؤلاء الحق ويتركون ما هم فيه من الباطل؟!.

والهجر لأصحاب المعاصي والبدع يرجع للمصلحة، فإن كان مؤثِّرًا في المهجور وجب هجره، وإن لم يكن مؤثِّرًا أو ازداد معه سوؤه: تُرك هجره.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

البدع تنقسم إلى قسمين:

بدع مكفرة، وبدع دون ذلك، وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق لأن الله – تعالى – قال للنبي صلى الله عليه وسلم: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم}، فندعو أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة، فإذا وجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب.

أما هجرهم: فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره؛ إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه؛ وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث “، فكل مؤمن – وإن كان فاسقًا – فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه، لأن الهجر حينئذ دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو: فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / 293 ).

والأشعرية فرقة مبتدعة، لكن بدعتها لا تصل لدرجة الكفر، فإن رأيتِ أنه يمكنك التأثير على صديقتكِ بحسن التعامل معها: فبقاؤكِ معها فيها نفع لها وأجرٌ لكِ، أما إن كنتِ ضعيفةً في فهم اعتقاد أهل السنة وكنتِ تخافين على نفسكِ من التأثر باعتقادها: فالواجب عليكِ الابتعاد عنها حتى تتقوين في العلم لتساهمي في إقناعي، ولا تسمحي لها بطرح شبهاتها وعقيدتها أمامك إن كنتِ ترجين هدايتها لما عندها من دين وخلق.

فالمطلوب منكِ: دعوتها للخير والصبر على ذلك، فإن كانت هي الداعية لكِ: فالمطلوب منكِ: الحذر والابتعاد عن مجالستها قدر الإمكان؛ لأن المجاهر ببدعته ليس كالمسرِّ بها.

 

والله أعلم.

لا يعرف كيف ينصح زميلاته اللاتي يحادثن الأجانب!

السؤال:

ماذا أفعل لزميلات لي يتحدثن مع بعض الشباب في الجامعة دون أي ضابط مع العلم أن الوازع الديني لدي ضعيف وأنني لا أجيد بالتحدث في أمور الدين، فهل يجوز لي أن أتركهن ولا أحاسب على ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الدراسة المختلطة بين النساء والرجال محرَّمة، وهي تسبِّب فسادًا عريضًا للمجتمعات، وما يقوله الأخ السائل هو جزء يسير من نتائج الاختلاط المحرَّم.

وإننا ننصح كل من يريد الحفاظ على نفسه، ويريد عدم الوقوع فيما حرَّم الله أن يبتعد عن هذه الأماكن المختلطة قدر المستطاع سواء للدراسة أم للعمل؛ لما فيها من مخافة للشرع؛ ولما تؤدي إليه من مفاسد.

وقد ذكرنا حرمة الدراسة والتدريس في المدارس والمعاهد والجامعات المختلطة.

ومن لاحظ أن نفسه تنزلق إلى الحرام وتفتتن بمن معه من الجنس الآخر فسلامة دينه أهم من مغانم الدنيا كلها، فلا بد من مفارقة المكان حينئذ ويغنيه الله عز وجل من فضله .انتهى.

فعليك – أخي – بنفسك أولًا، أنقذها من الهلاك، ولا تلتفت إلى غيرك قبل إصلاح نفسك، قال الله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ } [ هود / 112 ]، وبدأ الله تعالى الوصية بالمسلم نفسه قبل أهله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم 6 ].

وأما دعوة الرجال للنساء فهي جائزة من حيث الأصل، وقد تكون واجبة:

قال الله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ التوبة / 71 ].

عن أبي هريرة – وقد لقيتْه امرأة وجد منها ريح الطيب ينفح – قال: يا أمة الجبار جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة.

رواه أبو داود ( 4174 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود “.

لكن هذا الجواز – أو الوجوب – مقيد بحيث لا تكون فتنة، ولا ريبة، وما يحصل في الجامعات والمدارس المختلطة من انتهاك لمحارم الله، وبسبب الخلطة الدائمة بين الرجال والنساء – وليس هو موقف وينتهي -: لا نرى جواز مباشرة نصح الرجل للمرأة والعكس، ونرى أن يكتفي بتوزيع المطويات والكتيبات والأشرطة دون المواجهة؛ لما تسببه هذه المواجهة من فتنة.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء “.

رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

وخير ما تُتقى به فتنة النساء: البعد عنهن، ويمكن أن يقوم بدعوتهن ونصحهن بنات جنسهن من الصالحات، أو يتولى ذلك من هو مأمون في دينه بعيد عن الفتنة بهن، وليقتصر في دعوته ونصحه على ما تقتضيه الحاجة دون تبسط في الكلام وتطويل في الزمان.

وقد خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم النساء بموعظة في خطبة العيد كما جاء في الصحيحين، وذكر العلماء جواز ذلك حيث تُؤمن الفتنة، وهذا في الوعظ العام للنساء، فأوْلى أن يكون هذا القيد في الوعظ الخاص كما في حديث أبي هريرة السابق.

قال الشوكاني – في فوائد حديث وعظ النساء في العيد -:

ومنها: مشروعية وعظ النساء، وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، وحثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أُمنت الفتنة والمفسدة.‏ ” نيل الأوطار ” ( 6 / 124 ).

 

والله أعلم.

 

هل على أهل مكة طواف وداع للحج؟

السؤال:

خادمة عملت في مكة خمس سنوات وتريد الحج وبعد الحج ترغب في السفر إلى بلدها خروجًا نهائيًّا، هل عليها طواف وداع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

– اختلف العلماء في وجوب طواف الوداع على أهل مكة ومن في حكمهم:

فقد ذهب الحنفية والحنابلة أنه لا يجب على المكي؛ لأن الطواف وجب توديعًا للبيت, وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة لأنهم في وطنهم وألحق الحنفية من كان من منطقة المواقيت, لأن حكمهم حكم أهل مكة، وقال الحنابلة: لا يسقط إلا عمن كان منزله في الحرم فقط. وعند المالكية والشافعية يطلب طواف الوداع في حق كل من قصد السفر من مكة, ولو كان مكيًّا إذا قصد سفرًا تقصر فيه الصلاة.

ووصفه المالكية بأنه سفر بعيد كالجحفة لا قريبًا كالتنعيم إذا خرج للسفر لا ليقيم بموضع آخر أو بمسكنه, فإن خرج ليقيم بموضع آخر أو بمسكنه طلب منه, ولو كان الموضع الذي خرج إليه قريبًا.

والراجح من تلك الأقوال: أن طواف الوداع لا يجب على من كان من أهل مكة، ويجب على من سواهم، وهو الذي رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:

ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ولا طواف وداع؛ لانتفاء معنى ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين لها ما داموا فيها،‏ فظهر أن الحج الذي أصله التعريف للطواف بعد ذلك مشروع لوجود حقيقته فيهم.‏

” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 261 ).

وقال ابن قدامة:

ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي, لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم, قريبًا منه, فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك. ذكره ابن القاسم.

وقال أصحاب الرأي, في أهل بستان ابن عامر, وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع, لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام, بدليل سقوط دم المتعة عنهم. ولنا: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت “؛ ولأنه خارج من مكة, فلزمه التوديع, كالبعيد.

” المغني ” ( 3 / 237 ).

وانظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 58 ).

ولو طافت للوداع خروجًا من الخلاف فهو أفضل، وبخاصة أن بعض العلماء ذهب إلى أن طواف الوداع نسك مستقل عن مناسك الحج.

 

والله أعلم.

عندها إشكالات في حق المرأة في الإسلام

السؤال:

أنا في حيرة من أمري، فقد عشت سنين عمري أتعامل وأعامل على كوني إنسانًا قبل أن أصنف إلى كوني أنثى [ وأمة ] الله قدر استطاعتي، من هذا المنطلق مَن عمل منكم من ذكر أو أنثى خيرًا فله أجره، ومن عمل إثما فعليه وزره، ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل، فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف، في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة، وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة، وأنا طبعًا لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال، كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء فهل هذا ما شرعه الله لنا؟ هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فهي تجنبت الإثم وليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء.

أرجو الاهتمام بهذا السؤال لأنني أفتن في ديني، وإن كان هذا هو شرع الله فسمعًا وطاعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الجواب:

الحمد لله

لم نزل متعجبين مما ورد في سؤال الأخت الفاضلة من ظنها ما ليس من دين الله منسوبًا إليه، واعتقادها لأحكام لم ينزل الله بها سلطانًا، ومن ذلك قولها ” ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل”!.

وسنرتب الكلام معها من خلال هذه النقاط:

أولًا:

أكرم الله تبارك وتعالى المرأة غاية الإكرام، فقد أكرمها بنتًا وأمًّا وزوجة، وجعل لها من الحقوق والفضل ووجوب البر ما ليس للرجل في كثير من الأحيان.

ولم ينزع الإسلام عنها إنسانيتها، بل أعطاها حقها ورفع لها قدرها، وإنما كانت متاعًا وسلعة قبل أن يكرم الله الناس بالإسلام، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، وكانت تُعلَّق فلا هي بالزوجة ولا هي بالمطلقة، وكانت تمكث سنة كاملة بعد وفاة زوجها لا تمس ماء ولا تخرج من بيتها حتى إن الطير والبهيمة ليموتان من شمهما رائحتها! وكانت تُحرَم من الميراث، فضلًا عن وأدها وهي حيَّة، وغير ذلك كثير.

فجاء الإسلام وحرَّم الوأد وجعله قتلًا للنفس وهو من كبائر الذنوب، وحرَّم تعليقها بيمين أو تحريمها بظهار، وأعطاها نصيبها من الميراث، وجعل عدتها من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا تغتسل وتلبس الثياب وترى النساء والمحارم، وأجاز لها البيع والشراء والتملك، ورغَّبها بالعلم والدعوة إلى الله تعالى، وأمر بإكرامها زوجة، وببرها أمًّا بل جعل حقها في البر ثلاثة أضعاف الأب، وغير ذلك كثير، وليس هذا مجال بسط ذلك، إنما أردنا التنبيه والتذكير.

 

ثانيًا:

– قالت الأخت الفاضلة: ” فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف “!

– قلنا: ليس هذا بصحيح، بل لا تلعن الملائكة الزوجة الممتنعة عن فراش زوجها إلا أن تكون غير معذورة، فإن كانت معذورة بمرض أو حيض أو نفاس أو صوم واجب: فإنها لا تلعن، بل يأثم زوجها الذي يدعوها ويصر على دعوتها أو يكرهها وهو يعلم حالها.

وقد قلنا سابقًا:

ليس للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها، بل يجب عليها أن تلبي طلبه كلما دعاها ما لم يضرها أو يشغلها عن واجب.

قال ابن حزم:

وفرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضًا أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض فإن امتنعت لغير عذر فهي ملعونة.  ” المحلى ” ( 10 / 40 ).

ثالثًا:

وقالت الأخت الفاضلة: ” في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها “!

قلنا: ليس هذا بصحيح، وقد حرَّم الإسلام الإضرار بالآخرين ومنه إضرار الزوج زوجته بمنعها من إرضاع ولدها أو بمنعها من حقها في الجماع والاستمتاع.

وقد قلنا في في سياق بيان حقوق الزوجة على زوجها -:

عدم الإضرار بالزوجة: وهذا من أصول الإسلام، وإذا كان إيقاع الضرر محرمًا على الأجانب فأن يكون محرمًا إيقاعه على الزوجة أولى وأحرى.

عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ” أن لا ضرر ولا ضرار ” رواه ابن ماجه ( 2340 ). والحديث: صححه الإمام أحمد والحاكم وابن الصلاح وغيرهم. انظر: ” خلاصة البدر المنير ” ( 2 / 438 ).

 

فلا يجوز للرجل أن يهجر امرأته إضرارًا بها إلا إذا ظهر منها النشوز والعصيان، ولكن لا يأثم إذا ترك الاضطجاع معها غير مُضارٍّ بها لأن الحاجة له وترجع إلى شهوته ولا يملك إثارة الشهوة فإن هجرها فهو آثم بذلك لأنه لا ضرر ولا ضرار، والله أعلم.

 

رابعًا:

قالت الأخت الفاضلة: “، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة “!

قلنا: وليس هذا بصحيح، بل تؤجر الزوجة على الجماع من وجهين:

الأول: من كونها شقيقة الرجل في الأحكام والأجور، إلا ما استثناه النص، وبخاصة أن الحديث عام في لفظه، فينبغي أن يكون كذلك في حكمه وثوابه.

الثاني: أنها سبب أجر الزوج، ومن كان سببًا في ثواب غيره: شاركه في الأجر دون أن ينقص من أجره شيء.

والحديث هو:

عن أبي ذر أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.

رواه مسلم ( 1006 ).

فالحديث واضح الدلالة على عمومه، والزوجة مأجورة كما هو حال زوجها، كما أنها تأثم على شهوتها لو وضعتها في الحرام كما هو حال زوجها.

 

خامسًا:

قالت الأخت الفاضلة: ” وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة “!

قلنا: ليس قولها بصحيح، فأما اللعن فليس هو إلا في امتناع الزوجة عن فراش زوجها من غير عذر – كما سبق بيانه -.

وأما إهانة الزوج لها وامتهان كرامتها: فهو آثم على فعله هذا ولا شك، وقد أجاز لها الشرع أن تستوفي حقها بالرد عليه بقدر ظلمه لها، أو أن تصبر على قوله وظلمه وتحتسب الأجر عند الله لتأخذ الثواب الأكمل والأفضل والأعلى.

والواجب عليه: هو أن يصالحك ويسترضيك لا العكس، فالذي ظلم هو الذي يجب عليه لتمام توبته أن يُرضي المظلوم بالاعتذار والكلام الحسن.

 

سادسًا:

قالت الأخت الفاضلة: ” وأنا طبعًا لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال “!

قلنا: وليس هذا بصحيح، فيجوز للمرأة أن تراجع زوجها وأن تخالفه في الرأي، لكن ليس لها أن تمتنع عما يأمرها به – وإن كانت مخالفة له – إذا لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لأحد في معصية الخالق، وهذا إنما هو من منطلق القوامة الذي جعله الله تعالى للزوج.

وقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أن نساءهم كنَّ يراجعنهم في الأمر، بل كان هذا فعل أمهات المؤمنين مع نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال عمر بن الخطاب لابن عباس رضي الله عنهما: ” وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي فراجعتني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه … ” – رواه البخاري ( 4895) ومسلم ( 1479 ).

قال الحافظ ابن حجر – في سياق فوائد الحديث -:

وفيه: أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بسيرة الأنصار  في نسائهم، وترك سيرة قومه. ” فتح الباري ” ( 9 / 291 ).

 

سابعًا:

قالت الأخت الفاضلة: ” كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء “!

قلنا: هذا غير صحيح، بل الذي قلنا – بناء على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم – أن الرجال هم المخاطَبون بصلاة الجماعة دون النساء، وأنه يجوز للمرأة أن تشهد الصلاة في المسجد، ولا يحل للرجل أن يمنعها من الذهاب، فإن ذهبت وصلَّت معهم: شاركتهم في أجر صلاة الجماعة بلا أدنى ريب.

ومع هذا فإننا نجزم – بناء على الأحاديث الصحيحة – أنها لو صلَّت في بيتها: لأخذت أكثر من أجر صلاتها جماعة في المسجد.

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن “. رواه أبو داود ( 567 ) وأحمد – واللفظ له – (5445).

قال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله –:

” وبيوتهن خير لهن “: أي: صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك, لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى المساجد ويعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر. ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل: الأمن من الفتنة, ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة.

” عون المعبود ” ( 2 / 193 ).

ثامنًا:

قالت الأخت الفاضلة: ” هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فهي تجنبت الإثم وليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء “!

قلنا: وهذا من سوء الظن بالله، وكلامكِ ليس بصحيح إطلاقًا.

قال الله تعالى: { من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [ النحل / 97 ].

وقال تعالى: { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب } [ آل عمران / 195 ].

وقال تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا } [ الأحزاب / 35].

وفي هذا القدر من الآيات البينات كفاية في بيان خطأ قولكِ، ونسأل الله تعالى أن يفقهك في الدين، وأن يثبتك على الخير والهدى.

ونرجو أن نكون قد وُفقنا في إزالة اللبس عنكِ لتعلمي عِظم دين الله تعالى، وحكمة شرعه، وبالغ فضله على خلقه.

 

والله أعلم.