الرئيسية بلوق الصفحة 213

هل الصلاة في ساحة الحرم لها نفس أجر الصلاة فيه؟

السؤال:

إذا صلَّى شخص في ساحة المسجد النبوي خارج الحرم مع الإمام أو كان بمفرده هل يدرك الأجر بألف صلاة؟ وكذلك في المسجد الحرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا صلَّى المسلم في ساحات المسجد الحرام أو النبوي: فإن حكمه يختلف باعتبار كونه مفردًا أو مأمومًا.

فإن كان مفردًا: فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يحصل أجر الصلاة في المسجدين؛ لأن ساحات المسجدين داخلتان في حدود الحرم.

أ. المسجد الحرام.

* قال ابن حزم:

المراد بالمسجد الحرام: هو الحرم كله.

” المحلى ” ( 5 / 149 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وكذلك لفظ ” المسجد الحرام ” يعبَّر به عن المسجد وعما حوله من الحرم.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 247 ).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

هل الثواب في كل مساجد مكة المكرمة، مثل الثواب في الحرم؛ لأن كثيرًا من الناس يصلون في مساجد مكة وفي حدود الحرم ويقولون إن الأجر سواء؟.

فأجاب:

هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من رأى أن المضاعفة تختص بما حول الكعبة ” المسجد الحرام ” الذي حول الكعبة، وأن مضاعفة المائة ألف صلاة إنما يكون ذلك لمن صلى في المسجد المحيط بالكعبة.

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المسجد الحرام يعم جميع الحرم، وإن كان للصلاة فيما حول الكعبة ميزة وفضل لكثرة الجماعة وعدم الخلاف في ذلك، ولكن الصواب هو القول الثاني، وهو أن الفضل يعم، وأن المساجد في مكة يحصل لمن صلى فيها التضعيف الوارد في الحديث.

وإن كان ذلك قد يكون دون من صلى في المسجد الحرام الذي حول الكعبة؛ لكثرة الجمع وقربه من الكعبة، ومشاهدته إياها، وخروجه من الخلاف في ذلك، ولكن ذلك لا يمنع من كون جميع بقاع مكة كلها تسمى المسجد الحرام، وكلها يحصل فيها المضاعفة إن شاء الله. ” مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 4 / 130 ).

* سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

هل من صلى في الساحة التي خلف المسعى يكون أجره مثل الذي صلى بجوار الكعبة؟.

فأجاب:

أما الصلاة في الساحة: فإذا اتصلت الصفوف بأن امتلأ المسجد حتى وصلت الصفوف إلى الساحة: فهؤلاء يُرجى لهم أن يكونوا مثل الذين في المسجد في الأجر، وأما إذا كان المسجد خاليًا وفيه مكان: فإن الصلاة في هذه الساحة ليست كالصلاة في المسجد الحرام، فلا يكون لمن صلى فيها مائة ألف صلاة؛ لأنها منفصلة عن المسجد، بينها وبين المسجد شارع واسع –  كما تعرفون -. ” الباب المفتوح ” ( 546 ).

وننبه إلى أن جواب الشيخ – رحمه الله –  في الفقرة الثانية إنما هو باعتبار ما يرجحه وهو أن الأجر المضاعف لا يكون لمن صلَّى خارج مسجد الكعبة حتى لو كان في حدود الحرم، وهو ما لم نرجحه نحن، ونقلنا عن الشيخ ابن باز ما يخالفه.

وأما إن صلَّى جماعة: فيختلف الحكم تبعًا لاتصال الصفوف من عدمها، فإن صلى في الساحات وحده أو مجموعة مع عدم وصول الصفوف إلى الساحات: فليس له جماعة، وهو يشبه من صلى في محله أو بيته تبعًا للإمام، وإن كان المسجد مزدحمًا ووصلت الصفوف إلى الساحات بل والشوارع: فإن له مثل أجر من صلَّى داخل المسجدين، ولا فرق.

* سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

هل تجوز الصلاة في الشارع متابعة للإمام في المسجد؟.

فأجاب:

الصلاة في الشارع تجوز إذا ازدحم المسجد وامتلأ، فإنها تجوز لأن الصفوف متصلة، أما مع الانفصال: فلا يجوز لأحدٍ أن يصلي مع جماعة وهو خارج المسجد.

* وقال:

… أما إذا كان خارجه – أي: خارج المسجد – والصفوف متصلة – طبعًا سيرى الصفوف – حتى لو كان بعضهم على الدرج وبعضهم عند الأبواب: فلا بأس.

” الباب المفتوح ” ( 259 ).

ب. المسجد النبوي:

ذهب جمهور العلماء إلى أن للمدينة حرمًا، وخالف في ذلك الحنفية، والنصوص الصحيحة الصريحة ترد عليهم.

ويرى الجمهور أن حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير.

عن علي رضي الله عنه مرفوعًا: ” حرم المدينة ما بين ثور إلى عير “.

رواه البخاري ( 6374 ) ومسلم ( 1370 ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما بين لابتيها حرام “. رواه البخاري ( 1774 ) ومسلم ( 1372 ).

واللابة الحرة, وهي أرض تركبها حجارة سود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية, وهي بينهما.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

والثاني: حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي صلى الله عليه وسلم من عير إلى ثور، بريد في بريد، فإن هذا حرم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد، وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 15 ).

ثانيًا:

واختلف العلماء في تضعيف الصلاة في المسجد النبوي هل يكون في المسجد الذي كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم دون ما زاد عليه أو تدخل الزيادة إلى حدود الحرم.

وقد ذهب النووي – من الشافعية – وابن عقيل – من الحنابلة –  إلى الأول، وقد تمسكوا بظاهر اللفظ ” في مسجدي هذا “، وذهب إلى الثاني: شيخ الإسلام ابن تيمية، وولي الدين العراقي – من الشافعية – وغيرهما، واستدل بعضهم على هذا الحكم بأحاديث وآثار، لكنها غير صحيحة، والأصح منه: الاستدلال بفعل السلف، وهو إن لم يكن إجماعًا فهو شبه إجماع.

* وكان مما استدل به أصحاب القول الأول:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام “.

رواه البخاري ( 1133 ) ومسلم ( 1394 ).

* قال النووي:

واعلم أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده, فينبغي أن يحرص المصلي على ذلك, ويتفطن لما ذكرته, وقد نبهت على هذا في كتاب المناسك, والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 9 / 166 ).

* قال ولي الدين العراقي – متعقبًا -:

ومقتضى ذلك أنه لو نذر الصلاة في بقعة من المسجد مما هو زائد على ما كان في زمنه عليه الصلاة والسلام لم يتعين, وكان كغيره من المساجد وفيه بعد ونظر ظاهر.

” طرح التثريب ” ( 6 / 46 ).

* قال ابن مفلح الحنبلي:

وهذه المضاعفة تختص بالمسجد على ظاهر الخبر وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم، قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في زمانه لا ما زيد فيه لقوله: عليه السلام ” في مسجدي هذا “، واختار الشيخ – أي: ابن تيمية – أن حكم الزائد حكم المزيد عليه. ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 429 ).

والصحيح: أن التضعيف حاصل –  بلا شك – في حال كون الصلاة في بناء المسجد ولو اتسع البناء، وأن هذا هو المعروف منذ عهد عمر ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهما حيث ابتدئا بالزيادة في المسجد النبوي فلم يُنكر عليهما ولم تترك الصلاة في الزيادة.

* قال ابن كثير:

وغيَّره – أي: المسجد النبوي – عثمان رضي الله عنه وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن يعقوب بن إبراهيم به.‏

قلت‏:‏ زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأولًا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏” ‏من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة‏ “‏‏.‏

ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشدّ الرحال إليه. ” البداية والنهاية ” ( 3 / 263 ، 264 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: 

وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان، فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من المسلمين خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده وما علمت لمن ذكر ذلك سلفا من العلماء.

* قال:

وهذه الأمور نبهنا عليها ههنا فإنه يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك.

نقله الحافظ ابن عبد الهادي عنه في كتابه ” الصارم المنكي ” ( ص 139 – 140 ).

* وقال الشيخ الألباني بعد أن حكم على حديث ” لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ” بأنه ضعيف جدًّا -:

وقد روي موقوفًا من طريقين مرسلين عن عمر قال: ” لو مدَّ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه “، والفظ الآخر: ” لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه الله بعامر “.

ثم إن معناه صحيح يشهد له عمل السلف به حين زاد عمر وعثمان في مسجده صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة، فكان يقف الإمام في الزيادة ووراءه الصحابة، فما كانوا يتأخرون إلى المسجد القديم كما يفعل بعض الناس اليوم.

” السلسلة الضعيفة ” ( 2 / 402 ).

* وخلاصة الكلام:

إن التضعيف في الأجر في الحرم النبوي لا يشمل الحرم كله، ولا المسجد القديم وحده، بل يشمل المسجد وما زاد عليه من بناء مهما اتسع وزاد.

 

والله أعلم.

مشكلة عائلية بين ابن وأبيه

السؤال:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, ونشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو منكم إفتائي في هذه الأمور التي سوف أعرضها عليكم بشي من التفصيل:

أنا شاب عشت في إحدى دول الخليج فترة من الزمن, وعندما أنهيت دراستي الثانوية عدت إلى بلدي في زيارة، وقد سجلني والدي حسب رغبتي لدراسة الطب في بلد غير إسلامي أو عربي لأن الطب فيه متقدم وكانت المعيشة فيه أرخص, وفي أثناء زيارتي تلك إلى بلدي الأم أحرج بعضُ عمال المزرعة والدي في مسألة عدم زواجي وأخبرهم من باب المزح بأنني لا أريد الزواج ( وفعلًا كنت أريد أن أكمل دراستي أولًا ) ولكن لا أعرف كيف تسارعت وتيرة الأحداث ولم يأتِ مغرب اليوم التالي إلا وقد خطبت بنت من القرية لا أعرفها من قبل مطلقًا سوى أنه أثناء الحديث قلت إنني موافق على الزواج وقال والدي: ” إذن ابحث لك عن عروسة “، فنظرت يمينًا ويسارًا ونحن في الحقل, فرأيتها وهي تعمل في حقل جدها ( والدها طلق أمها وهي صغيرة, فتربت عند جدتها العجوز والتي حاولت أن تسمم أحد أزواج بنات عيالها للحصول على إرثه فقد كان الوحيد ), فقلت لهم: إن العروس موجودة، وفعلا خطبتها وكل من في القرية على الرغم من كونهم أميين إلا أنهم نصحوني بأنها غير متعلمة وأنها لا تصلح لي, الخ.

سافرت إلى دراستي وعدت بعد سنة وتم الزواج وأمضيت 23 يومًا عدت بعدها لمواصلة دراستي وأنجبت ولدًا, المهم: ثلاث سفرات عرفت من خلالهن أنني لا أطيقها, ولا أريدها زوجة لي حيث اختلف التفكير, والأسلوب في الحياة, فهي غير متعلمة, ولا تقبل النصح, وتأكل ( القات ) سرًّا إلا إن أخبارها تصل لي، وتعترف عندما أواجهها, لا تصلي وترفض حيث إن جدتها ماتت وهي لا تصلي, ونصائح جدتها مغروسات في ذهنها، وترفض الصلاة حيث أنها تظن أن الصلاة للكبار فقط، يعني: قبل الموت.

حاولت أن أدخلها محو الأمية, رفضت، وخرجت من المدرسة عند سفري للدراسة, تمشي مع من أرفض أن تساير من النساء، الخلاصة أنه حتى عندما حاولت أن أرتب أوضاعي مع أسرتي وأخبرتها بضرورة أن تستخدم حبوبًا لمنع الحمل إلى أن أتخرج لأن والدي معارض إنجاب أكثر من ولد وهددني أكثر من مرة بأن يخرجني من المنزل لأنه غير مستعد أن يتحمل مصاريف الزواج والعائلة, على الرغم من أنه يمتلك من المال الكثير ولديه تجارة ممتازة ويعتبر من أغنياء المنطقة إن لم يكن أغناهم ( الله يبارك له ويزيده )، وحبوب منع الحمل تأخذهن أمامي وترميهن في الحمام إلى أن اكتشفت ذلك بالصدفة في الحمام, وعندما واجهتها أنكرت وعرفت أن السبب أن جدتها والنساء أخبرنها أن الشيء الوحيد الذي سيجبرني أن لا أطلقها هم الأولاد فأحسن لها أن تنجب أكثر عدد.

قبل أن أنسى, كنت قد كلمت والدي بعد سنتين من زواجنا أنني لا أريدها زوجة لي وأن وجودي في حياتها هو ظلم لها لأنني لن أسعدها وهي لن تسعدني وأن الزواج قسمة ونصيب, وأمور كثيرة منها أنني لا أريد معاشرتها وخاصة أنه أثناء المعاشرة تتألم وأضطر إلى التوقف أو الإكمال على مضض, وكثيرًا ما أذهب إلى المغسلة وأتقيأ، وأحس بغثيان حتى من النوم بقربها، والدي رفض فكرة الطلاق وحاصرني ماليًّا حيث قلل المصروف في الغربة إلى النصف وهدد أن ينهي مستقبلي والذي أدرس وهو الطب، حاولت أن أقنعه إلا أنه أصر على وجودها حيث إن وجودها في القرية مهم لأنها سوف تعتني بالحقول ( نحن نعيش في المدينة الآن ) وهو لا يريد أن يترك القرية من غير أحد، أخبرته أن هذا حرام لأن هذا استغلال وأن استغلالها فقط لهذا الأمر لا يجوز وأنني غير راغب فيها وهي تعلم ذلك أيضًا، ولكن كونها غير متعلمة, كان والدها يأمرها بأن تتمسك بي لكون حياتنا أحسن من غيرنا كون والدي غنيًّا, أنجبت لي ثلاثة أولاد, أدخلتني في خلافات حادة مع والدي، ولولا أن والدتي أقنعته لكنت الآن فلاحًا في القرية، نظرًا لما كان الوالد يمارسه عليَّ من حصار مالي لكي لا أطلقها ومضايقات أخرى فقد كنت أستلف منها أموال – ( ذهبها ) – وهي كانت تريد نوعًا آخر من الذهب، وأخبرتها أنني سوف أعيد لها ذهبها عندما تصلح أموري وهي لا تعلم أن سبب نقصان المصروف هو ضغوط والدي، الآن أنا مدين لها بما يوازي سبع مائة دولارًا يقل المبلغ ولا يزيد, وسوف أعود إلى الموضوع وأكمله من هنا:

أثناء دراستي هناك واجهتني الكثير من المشاكل والتي كان الوالد يرفض حتى أن يناقشها معي كون ذلك لا يعنيه ويجب عليَّ إن أحل مشاكلي بنفسي, حتى عندما أخبرته بأنني أصبت بنوبة صرع وأنني لا أريد أن أظل وحيدًا بعد زواجي وأريدها معي هناك، رفض بشدة وظن أن الجنس هو الذي أريده، والدي تربي فقيرًا في الميناء, وتحسنت حالته المادية أيام الطفرة في الخليج, وعاش وما زال مع الإنجليز ويعتبرهم أسياد العرب إلى الآن, لما لهم من مميزات علينا نحن المسلمين, والدي هداه الله يكره الملتزمين وأصحاب اللحى, ولا يصلي إلا الجمعة إذا ما تعارضت الصلاة مع أحد أعماله, له الكثير من المساوئ, أكبرها أنه يعيش مع امرأة أجنبية في بيت واحد معها فقط, ورفض عندما نصحه بعض الأقارب أن يخرجها لأنها كما قال ليست سوى موظفة في عمله الخاص غير الحكومي، وأن نصف مدخوله يأتي بفضلها، وأن لقمة عيش العائلة من تحت يدها، وهي امرأة نصرانية متبرجة وتلبس إلى شبر فوق الركبة ولها في بيته في الخليج غرفة ولا فندق مليئة بكل ما تحتاجه, ويرفض حتى مناقشة الأمر.

في غربتي وأثناء دراستي أخبرته بأنني أريد الزواج لأن الفتن كثيرة ( أخوكم محسوب على التيار الإسلامي ), طبعًا من باب جس النبض, أخبرني أن ثاني يوم أنه سوف يرسل مذكرة من الأمن ويقبضوا عليَّ إذا خالفت رأيه ويعيدني إلى الريف إن تزوجت, وإذا أردت الجنس أن أصاحب وأتخذ لي صديقة ولا فيه داعي أن أرتبط بواحدة طول عمري، والزواج أذية في الغربة ولا بأس بأن الإنسان يقضي حاجته بدينار أو دينارين بدل الزواج! والله كان هذا كلامه.

قررت أن أصبر على أمري، ولكن الشيطان كان يحاصرني بالفتن, وكثيرًا ما كنت أتعذب لما أنا فيه, وشاء الله أن جاء أحد المشايخ إلى بلد دراستي واستفتيته وأفتاني بأن أتزوج سرًّا عن والدي, إلى أن أنهي دراستي, وخاصة أن والدي كان يخبرني بأن أتزوج لو عشر أو يهودية المهم أن لا أتزوج حتى أنهي دراستي، فكان رأي الشيخ هو الضوء الأخضر حيث استخرت الله تعالى واستشرت بعض الأخوة الخيرين وتواصلت مع الشيخ الذي كان يشجعني على الزواج وأن الله سوف يسهل للمرء إذا أراد العفاف، وفعلًا ما هي إلا ثلاثة أو أربعة أشهر حتى تعرفت على عائلة لديهم بنت – ( العائلة نصرانية ) – وكان هذا عن طريق أخت زميل لي في كلية الطب, وقابلت البنت مع أمها وتعرفت بهم, وطلبت خطبة البنت, على أساس أننا نعرف بعضنا أكثر, وفعلًا خطبتها وظللنا سنة مخطوبين خلالها، بفضل الله أسلمت عن قناعة، وهي الآن أكثر تمسكًا بالدين من كثير من المسلمات هناك ولها مجهود طيب في الدعوة إلى الله بين المسلمات وغير المسلمات, ووالدتها وأخوها نستطيع أن نقول إنهم إن شاء الله قريبًا يسلمون, لولا خوفهم من والدهم المختل عقليًّا، تزوجتها بالسر وظللنا 6 سنين والله ساتر علينا على الرغم من أن الوالد قد زارني هناك 4 مرات ولا يخبرني أنه سوف يزورني, إلا عندما يأتي إلى البيت أو ألتقيه في المطار حيث كان يخبرني أنه أرسل لي رسائل مع مسافر وإذا هو والدي المسافر, فكان الله يستر دائمًا, عائلتها وافقوا بعد أن أقنعتهم هي وأنا أن لا دخل لوالدي في زواجي ( أخبرتني والدتي وأخواتي, حيث إنني الولد الوحيد في العائلة ), وكانوا يتواصلوا بالتلفون مع والدتي في بلدي الأصل, ورزقني الله من زوجتي الثانية ولد بعد خمس سنوات من الزواج ، وكنت قد أخبرتها عن حالي خلال سنة الخطبة عن كل شيء ووافقت هي وعائلتها على وضعي على أن أصحح الأمور عند تخرجي، تأخر تخرجي وتعرقل أربع سنين بسبب عمل انتقامي قام به الشخص الذي استخرج لي القبول في الجامعة لأن والدي لاحقه قضائيًّا في دولة الخليج واستخدم نفوذه هناك وأقفل مكتبه وسجنه سنة, فلما رجع إلى بلده ضرني وحرمني من نتائجي 4 سنين على الرغم من أن النتائج كانت تخرج ( غير رسمية ) بأنني ناجح، وقد كنت من المتفوقين ولله الحمد.

والدي زارني إلى الهند وعرف بما حصل، وأخبروه أنني تزوجت هندوسية وأن معي ولد حيث إنه سأل جيراني عني وكانوا ( مسلمين ) ولكن كلهم حسد وغل ويكرهون العرب لما لقوه من سوء معاملة في الخليج, استقبلت والدي وكانت زوجتي ترعي أمها المريضة ذلك اليوم, وشرحت له كل شيء وأنني تزوجت خوفًا من الحرام، وأنني لم أطلب منه مصاريف زواج حيث إن الزواج لم يكلفني سوى ما يعادل 100 ريال سعودي، خرجنا تعشينا بالمبلغ نحن ووالدتها وأخوها, لأنها تؤمن بالحديث النبوي الذي ما معناه ” إن أبركهن من قل مهرها “, وتعرف أنني طالب ولذلك رفضت طلب مقدم أو مؤخر، ولكن أن أراعي الله فيها وأن أهتم بها وأحسن معاشرتها ولا أخونها, ومن هذه الأمور.

ظلَّ عندنا ثلاثة أيام وأعجب بها وخاصة أنها بريطانية تعيش في ” الهند “, وأنها متعلمة – ( ماجستير أدب إنجليزي ) -, وملتزمة ومحافظة على بيتها ونظافته وأعجب كثيرًا بالولد, وأهدى لنا بعض الهدايا ودفع عني بعض الديون على استحياء.

المهم : رجع إلى الخليج وغيَّر رأيه وكأنه لم يأتِ إلى الهند, ورفض إن يرسل لي مصروفًا ولو فلسًا واحدًا، وطلب أن أترك الدراسة وأن أرجع إلى الخليج, وأغراني أن يفتح لي تجارة على أن أطلِّق زوجتي الثانية, وأن الطب ليس فيه فلوس ولا مدخول وأنه يريدني أسافر إلى بلدي الأم, وأهتم بالعائلة, ووافقت على أن أسافر إلى اليمن على شرط أن أسدد ديوني أولا في الهند, وأنني لن أطلق زوجتي, فوافق على أن أسافر، ووعدني أن يعطيني فلوسًا أسدد ديوني, إنني إذا استطعت التحويل وتكملة دراستي في بلدي دون أن أدفع رسومًا فسوف يساعدني كثيرًا في مشاكلي المالية, وإن وضع عائلتي في الهند سوف يكون مؤمنًا إلى أن نرى ما يمكن عمله، اضطررت إلى الرجوع إلى بلدي وقدمت شهاداتي وقبلوني في السنة الأخيرة من الدراسة طبيب عام، وحينها عرفت أن كل كلامه كان مجرد خدعة وكذب علي استدراجًا لكي أخرج من الهند وأعود إلى بلدي, والتي كان يتوقع أن لا أستطيع الالتحاق بالجامعة وأن أعمل في الحقول والقرية، وأن حاجتي للمال سوف تدفعني لتنفيذ كل رغباته والتي أولها أن أطلق زوجتي الثانية وأن أظل متزوجًا الأولى لأنها أكثر فائدة في الحراثة وعمل القرية.

مرت ستة أشهر وأنا أستلف ثلاث مائة دولار من أقاربي شهريًّا وأحيانا تأتي كمساعدة لي حيث إن الجميع يعلم كيف يعاملني الوالد ومدى قسوته وحرصه على المال, والآن هو يريدني أن أترك دراستي والتي لم يبقَ على تخرجي كطبيب إلا 9 أشهر، وأنا في وضع لا يعلم به إلا الله تعالى.

نيتي أن أسرِّح زوجتي الأولى عند توفر المال لكي أسدِّد الديْن الذي لها, وخاصة أنها بدأت تتعامل مع المشعوذين للتفريق بيني وبين الزوجة الثانية, ونحن الآن منذ قدومي قبل 6 أشهر لم يحصل بيننا جماع وهي تعرف أنه عندما أسلمها فلوسها سوف ينتهي الأمر, والأسوأ أن والدي يعاند العائلة بأن تظل في المدينة عندي لكي يغيظني بها, ولا يراعي إنسانيتها, وإنما هي أداة يستخدمها ضدي فقط.

إنني قد نطقت ( وحدي ولم يكن أحد عندي, وأنا أقولها اليوم لكي لا أغش نفسي ) بأن زوجتي الثانية مطلقة ولا يمكن أن أواصل هذا الزواج, ووصل الأمر إلى أن أخبر بعض الأصدقاء ليظنوا أنني قد طلقتها, وكل من يعرف العائلة يعرف أن والدي هو سبب عذابي وعذاب زوجتي الأولى حيث إنها كلما تأخرت معي قلل من فرص زواجها مرة ثانية وذلك لأنها سوف تتقدم في السن، وهي لا تريد أن تذهب إلى بيت أبيها لأن حياتها لن تكون منعمة مثل حالها الآن إلا أنها نفسيًّا محطمة معي, ولا أعرف كيف أنهي هذا الزواج, فأرجوا منكم النصح والتوجيه.

الآن وهذه صورة حالي على كثرة التعقيدات فيها فإنني أرجو منكم أن تساعدوني في إيجاد حل، وأن تفتوني فيما أنا فيه، وقد نصحني بعض الأصدقاء بأن أبحث عن من يتولى نفقات دراستي على أن أسددها عند تخرجي مع إضافة مبلغ مالي فوقها أو نسبة مئوية ، وطرق أخرى، فما هو الحكم الشرعي في هذا الأمر؟.

إنني أمر بعذاب نفسي لا يعلم به إلا الله تعالى, فأرجو منكم المساعدة والنصح والإرشاد، وأسأل الله التوفيق لي ولكم, والله لا يضيع أجر من عمل خيرًا, ومن فك كربة أخيه فك الله كربتة يوم القيامة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان بداية الأمر خطأ منك؛ وذلك بسبب زواجك ممن لا ترغب، فأنت تقول إنك نظرت في الحقل يمينًا وشمالًا فرأيت بنتًا تعمل، وخطبتها وتزوجتها! وهذا الزواج لا تستقيم به – غالبًا – الحياة الزوجية؛ وليس ذلك لأنها عاميَّة، بل لأنك لا تعلم عن خلقها ودينها شيئًا، وقد ظهر ذلك لكَ جليًّا بعد زواجكَ منها، من ترك الصلاة وأكل ” القات ” والتعامل مع المشعوذين وغير ذلك.

ثانيًا:

وأخطاء والدكَ كثيرة متعددة، ومنها: إجباره لك على أن تبقى معكَ زوجتك الأولى على ما عندها من أفعال، وعلى ما ترتكبه من معاصي، بالإضافة إلى عدم رغبتك بها، فكان الواجب عليه أن لا يبقيها معك، ولم يكن لك أن تسمع لكلامه، وكان عليك تطليقها، ويجب أن تسارع في هذا، ولا تنتظر مشورة والدك ولا أمره، وما أخذته منها من ديْن فيجب عليكَ أداؤه، ولا تنتظر حتى تطلقها لتعطيها ديْنها، فأنت مأمور بأن تمسكها بمعروف أو أن تسرِّحها بإحسان، وإن طلَّقتَها: فيجب عليك إعطاؤها حقوقها كاملة.

ثالثًا:

والطلاق الذي أوقعته وكنتَ وحدك يقع، ولا اعتبار بسماع الزوجة أو حضورها.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

الطلاق يقع وإن لم يبْلغ الزوجة، فإذا تلفظ الإنسان بالطلاق وقال ” طلقت زوجتي: طلقت الزوجة، سواء علمت بذلك أم لم تعلم, ولهذا لو فرض أن هذه الزوجة لم تعلم بهذا الطلاق إلا بعد أن حاضت ثلاث مرات: فإن عدتها تكون قد انقضت مع أنها ما علمت, وكذلك لو أن رجلًا توفي ولم تعلم زوجته بوفاته إلا بعد مضي العدة: فإنه لا عدة عليها حينئذ لانتهاء عدتها بانتهاء المدة.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 731 ).

رابعًا:

وعليكَ مداومة النصح لوالدكَ، فبغضه للمستقيمين، وتركه للصلاة، وتفضيله للزنا على الزواج: أشياء تخرجه من الملة، وسكن امرأة أجنبية معه من الكبائر، هذا بالإضافة إلى ظلمه لكَ ولزوجتك الأولى واستغلالها في العمل معه.

فإذا لم يكن يسمع منك النصح والتوجيه فعليك البحث عن طرق أخرى لإيصال حكم الشرع في أفعاله لتحذيره منها وللكف عنها.

خامسًا:

دراستك في جامعة مختلطة حرام، وفيها من المفاسد الشيء الكثير.

سادسًا:

وعليك الاستعانة بالله تعالى في تفريج كربك وتيسير أمرك، ومَن نصحَك بأن تأخذ مبلغًا على أن تسدده بأكثر مما أخذتَ: فقد نصحك بالشر والمعصية، وهذا من الربا الصريح الذي لا يحل لك الإقدام عليه.

وسب العمل الحلال كثيرة، ولعلك أن تكون تخرجت وعملت في مجال دراستك، فاستعن بالله ولا تعجز.

 

والله أعلم.

ماذا يفعل مع هذا المستأجر الذي لا يريد الخروج من البيت؟

السؤال:

نحن أسرة مات عائلهم، وقد ترك لنا من ضمن الميراث عقارًا, وهذا العقار به أناس يسكنونه منذ فترة طويلة وصلت إلى 18 عامًا وبإيجار قيمته 40 جنيهًا مصريًّا، وهؤلاء السكان قد فتح الله عليهم بالخير الوفير حتى أصبح كل منهم يمتلك عقارًا يخصه، فمنهم من كتب هذا العقار باسم أبنائه، ومنهم من كتبه باسم زوجته، وقد أصبحنا الآن في أشد الحاجة لهذه الشقق؛ وذلك لظروف خاصة طرأت علينا ولا أريد أن أطيل عليكم بسردها، فذهبت إليهم مستسمحًا في أن يتركوا الشقق، وشرحت لهم الظروف، فما وجدت منهم إلا الرفض ومنهم من طلب مني مبلغا من المال الباهظ نظير تركه للشقة، فحاولت معهم عدة مرات ولكن بالحسنى، فأنا إنسان مسالم وملتزم ولا أحب العراك أو المحاكم ولكن دون جدوى والقانون عندنا في مصر في صالحهم كما تعلمون، وبعد ذلك طلبت منهم زيادة الإيجار حتى نستطيع سد حاجتنا المعيشية ولكن دون جدوى أيضًا، فماذا أفعل أيها الأحباب الكرام أنا وأسرتي، وإني أقسم لكم بالله أنني في حيرة لا حدود لها منذ وفاة والدي وإني ألجأ إليكم بعد ربي، والله المستعان على كل حال.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مثل هذا الإشكال الحاصل بين المؤجر والمستأجر سببه هو عدم الالتزام بشرع الله تعالى عند توقيع العقد وإنشائه، ومما يخالف فيه الأكثرون ويسبب لهم متاعب ومشاكل هو عدم تحديد مدة عقد الإيجار؛ إذا إن في تحديد المدة قطعًا للنزاع وحفظًا لحقوق كلٍّ من الطرفين، فيلتزم المؤجر بإبقاء المستأجر في العقار، ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة لصاحب العقار طيلة المدة، ويُلزم بإنفاذ العقد ودفع الأجرة حتى لو لم يستعمله.

* قال ابن قدامة:

ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار, قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن استئجار المنازل والدواب جائز.

ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة, ولا بد من مشاهدته وتحديده, فإنه لا يصير معلوما إلا بذلك, ولا يجوز إطلاقه, ولا وصفه. وبهذا قال الشافعي.

” المغني ” ( 5 / 260 ).

والصحيح أن المدة لا تتعين في فترة محدودة، بل يمكن أن تستمر أشهرًا أو عشرات السنين مادام ذلك برضًا من الطرفين.

* قال ابن قدامة:

الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة. ولا خلاف في هذا نعلمه, لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه, المعرفة له, فوجب أن تكون معلومة, كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل. فإن قدر المدة بسنة مطلقة, حمل على سنة الأهلة; لأنها المعهودة في الشرع, قال الله تعالى: { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } فوجب أن يحمل العقد عليه. ” المغني ” ( 5 / 251 ).

* وقال:

ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة, بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت. وهذا قول كافة أهل العلم. إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه, فمنهم من قال: له قولان; أحدهما, كقول سائر أهل العلم. وهو الصحيح. الثاني لا يجوز أكثر من سنة; لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها. ومنهم من قال: له قول ثالث, أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة; لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها, وتتغير الأسعار والأجر. ولنا قول الله تعالى إخبارًا عن شعيب عليه السلام, أنه قال: { على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرًا فمن عندك }, وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل. ولأن ما جاز العقد عليه سنة, جاز أكثر منها, كالبيع والنكاح والمساقاة, والتقدير بسنة وثلاثين, تحكم لا دليل عليه, وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه. ” المغني ” ( 5 / 253 ).

ثانيًا:

وأما بالنسبة لموت المستأجر أو المؤجر: فقد ذهب جمهور أهل العلم أن العقد لا ينفسخ بموت واحد منهما، وخالف فيه الحنفية وبعض التابعين فقالوا: إن العقد ينفسخ إلا برضا ورثة المؤجر، وأن لهم المطالبة بإخلاء العقار المؤجَّر.

والصحيح هو قول الجمهور لكن يحمل ذلك على ما لو لم تنته مدة عقد الإيجار، فالإيجار عقد لازم للطرفين خلال المدة.

وفي كتاب ” الإجارة ” من صحيح البخاري: قال البخاري – رحمه الله – مبوِّبًا:

باب إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما، وقال ابن سيرين: ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل، وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية: تمضى الإجارة إلى أجلها، وقال ابن عمر: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددًا الإجارة بعدما قبض النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

* قال الحافظ ابن حجر:

قوله: ” باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما ” أي: هل تفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور: على عدم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ, واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره, وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة, فحينئذ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد. وقد اتفقوا على أن الإجارة لا تنفسخ بموت ناظر الوقف فكذلك هنا.

– قوله: ” وقال ابن سيرين: ليس لأهله ” أي: أهل الميت.

– ” أن يخرجوه ” أي: يخرجوا المستأجر …

والغرض منه هنا الاستدلال على عدم فسخ الإجارة بموت أحد المتآجرين, وهو ظاهر في ذلك, وقد أشار إليه بقوله ” ولم يذكر أبا بكر جدد الإجارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم “، وذكر فيه حديث ابن عمر في كراء المزارع وحديث رافع ابن خديج في النهي عنه وسيأتي شرحهما في المزارعة أيضًا إن شاء الله تعالى.

” فتح الباري ” ( 4 / 463 ).

ثالثًا:

وأما بالنسبة لما تصنعه مع المستأجرين الذين يرفضون الخروج، فنوصيك بما يلي:

  1. أن تبيِّن لهم عدم شرعية العقد بينكما بسبب عدم تحديد مدة العقد، وبسبب الخلاف الحاصل بين العلماء في حكم فسخ العقد بموت أحد الطرفين.
  2. أن تعطيهم فرصة مناسبة ليخرجوا من العقار، ويكون تحديد هذه المدة بمثابة تصحيح الخطأ السابق ويكون عقدًا جديدًا بمدة محددة.
  3. أن تبيِّن لهم حال رفضهم الخروج أنهم بذلك مغتصبون آثمون، وفي قول للحنابلة أن صلاتهم في العقار باطلة، وتبين لهم عاقبة الظلم وحكم المغتصبين.
  4. أن توسط بعض العقلاء ممن يستطيعون التفاهم معهم، أو ممن لهم عليهم كلمة من أقربائهم أو معارفهم.
  5. أن ترفع أمركَ للقضاء ليستوفي لك حقك.
  6. فإن لم ينفع كل ما سبق فلك أن تضيق عليهم بقطع الكهرباء أو الماء أو عمل ما يضايقهم دون الوقوع في الإثم.
  7. فإن لم ينفع ذلك – أيضًا -: فأنت بين ثلاث خيارات: إما أن تدعوَ عليهم – ودعوة المظلوم مستجابة – وإما أن تعفو عنهم، أو تترك أمرهم ليأخذ الله لك حقك منهم.

 

والله أعلم.

لم يكن يعلم بوجوب غسل الجنابة فهل يعيد الصلوات؟

السؤال:

لم أكن أعلم بوجوب الغسل من الجنابة للصلاة، فهل عليَّ إعادة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلم الأحكام الشرعية وخاصة المتعلقة بما قد كلفه الله به ويستطيع القيام به، فمن ملك المال وجب عليه تعلم أحكام الزكاة، ومن عمل في التجارة وجب عليه تعلم أحكام البيع والشراء، وعلى الجميع تعلم أحكام الطهارة والصلاة، وقد يسَّر الله تعالى طرق طلب العلم، فلم يعد للكثيرين حجة في عدم العلم إلا التقصير.

وبخصوص المسألة عينها: وهو عدم العلم بوجوب الغسل من الجنابة، وأنه قد صلَّى صلوات كثيرة وهو على هذه الحال: فالجواب أنه معذور في تلك الصلوات من حيث أداؤها من غير طهارة، وقد لا يُعذر في تقصيره في معرفة الحكم، وعليه إعادة الصلاة التي يبلغه الحكم وهو في وقتها.

* والدليل على هذا الحكم:

  1. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثًا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وافعل ذلك في صلاتك كلها. رواه البخاري ( 724 ) ومسلم ( 367 ).
  2. عن عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.

رواه البخاري ( 331 ) ومسلم ( 368 ).

ففي الحديث الأول وهو ما يسمى ” حديث المسيء في صلاته ” لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما فات من الصلوات مع أنه ترك أركانًا فيها، وهي باطلة بنص قوله صلى الله عليه وسلم ” لم تصلِّ “، وكان قد تركها جهلًا بركنيتها، ولم يعذره فيما صلاه أمامه لإمكانية أدائه في الوقت.

وهكذا الحكم نفسه في الحديث الثاني فقد ترك عمر بن الخطاب رضي الله الصلاة لعدم علمه بوجوب التيمم لمن فقد الماء، وخالف عمار بن ياسر رضي الله عنه طريقة التيمم للعذر نفسه، ولم يأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما تركاه من الصلوات.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله -:

… وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص، مثل: أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص: فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.

ونظيره: أن يمس ذَكَره ويصلى، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر.

والصحيح في جميع هذه المسائل: عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا }، فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيءٍ معيَّنٍ: لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمَّارًا لما أجْنبا فلم يصلِّ عمر وصلَّى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أيامًا لا يصلي، وكذلك لم يأمر مَن أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر مَن صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.

ومن هذا الباب: المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان، أحدهما: لا إعادة عليها – كما نقل عن مالك وغيره –؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ” إني حضت حيضةً شديدةً كبيرةً منكرةً منعتني الصلاة والصيام ” أمرها بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي.

وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي مَن يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّي، تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة! ظانَّة أنه لا يخاطَب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل: كانوا كفَّارًا أو كانوا معذورين بالجهل …” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 101 ، 102 ).

 

والله أعلم.

على من تكون زكاة الأرض المستأجرة للزراعة؟

السؤال:

رجل يستأجر أرضًا زراعية، هل الزكاة تستحق على المالك أم على المستأجر؟ وإذا كانت على المستأجر فهل الزكاة على المحصول بالكامل أم على المتبقي من المحصول بعد دفع الإيجار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مالك الأرض إن زرعها بنفسه: فزكاة ما يخرج منها عليه، وإن منحها وأعارها لغيره ليزرعها: فزكاة ما يخرج منها على الزارع.

واختلف أهل العلم في الأرض المستأجرة هل تكون الزكاة على المالك أم على المستأجر الذي يزرعها، فذهب الجمهور إلى وجوبها على المزارع، وذهب الحنفية إلى وجوبها على المالك.

* قال ابن حزم:

ولا زكاة في تمر, ولا بر, ولا شعير: حتى يبلغ ما يصيبه المرء الواحد من الصنف الواحد منها خمسة أوسق; والوسق ستون صاعًا; والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم. والمد من رطل ونصف إلى رطل وربع على قدر رزانة المد وخفته, وسواء زرعه في أرض له أو في أرض لغيره بغصب أو بمعاملة جائزة, أو غير جائزة, إذا كان النذر غير مغصوب, سواء أرض خراج كانت أو أرض عشر.

– وهذا قول جمهور الناس, وبه يقول: مالك, والشافعي, وأحمد, وأبو سليمان.

– وقال أبو حنيفة:

يزكى ما قل من ذلك وما كثر, فإن كان في أرض خراج فلا زكاة فيما أصيب فيها , فإن كانت الأرض مستأجرة فالزكاة على رب الأرض لا على الزارع.

” المحلى ” ( 4 / 47 ).

وقد ردَّ الأئمة على قول الحنفية وبيَّنوا أن الزكاة حق الزرع وليس حق الأرض كما يقول الحنفية.

* قال ابن قدامة المقدسي:

ومن استأجر أرضًا فزرعها, فالعشر عليه دون مالك الأرض، وبهذا قال مالك, والثوري, وشريك, وابن المبارك, والشافعي, وابن المنذر.

* وقال أبو حنيفة:

هو على مالك الأرض; لأنه من مؤنتها, فأشبه الخراج.

ولنا: أنه واجب في الزرع, فكان على مالكه, كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة, وكعشر زرعه في ملكه, ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض؛ لأنه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع, كالخراج, ولوجب على الذمي  كالخراج, ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع, ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة. ” المغني ” ( 2 / 313 ، 314 ).

وهو ما رجحه الشيخ ابن عثيمين في ” الشرح الممتع ” ( 6 / 88 ).

ثانيًا:

وبما أن الزكاة حق الزرع: فعليه أن يخرج زكاة زرعه من كامل المحصول إذا بلغ النصاب، وهو خمسة أوسق، والوسَق: ستون صاعًا، وهو ما يعادل 657 كيلًا.

وليس للمزكي أن يخصم أجرة الأرض ولو كان بعد بيع الزرع – جهلًا أو خطأً أو تأولًا – قبل أداء الزكاة.

والصحيح من أقوال أهل العلم هو عدم خصم أية تكاليف ينفقها المزكي على أرضه.

* قال ابن حزم:

ولا يجوز أن يعد الذي له الزرع أو التمر ما أنفق في حرث أو حصاد, أو جمع, أو درس, أو تزبيل أو جداد أو حفر أو غير ذلك -: فيسقطه من الزكاة وسواء تداين في ذلك أو لم يتداين, أتت النفقة على جميع قيمة الزرع أو الثمر أو لم تأت, وهذا مكان قد اختلف السلف فيه … – وذكر الخلاف ثم قال:- قال أبو محمد:

أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التمر والبر والشعير: الزكاة جملة إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق فصاعدًا; ولم يسقط الزكاة عن ذلك بنفقة الزارع وصاحب النخل; فلا يجوز إسقاط حق أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن ولا سنة ثابتة، وهذا قول مالك, والشافعي, وأبي حنيفة, وأصحابنا.

” المحلى ” ( 4 / 66 ).

 

والله أعلم.

كيف يتصرفون في أموال التأمينات بعد وفاة أبيهم؟

السؤال:

بعد وفاة زوجي أصبح يدخل لنا مبلغ من المال من ” الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات “، فاحتكمنا في هذا المال لأهل العلم، فمنهم من قال: هذا المال يوزع توزيعًا شرعيًّا لأنه بمثابة إرث سببه المتوفى، ومنهم من قال يوزع كما تنص عليه اللوائح الخاصة بالتأمينات؛ وذلك لأنه بمثابة اتفاق صار بين المتوفى وتلك الهيئة، فرجعنا بالرد الأخير لعلماء الرأي الأول فقالوا: إن التأمين في الوظائف الحكومية شيء إجباري وليس من حق الموظف إلغاؤه، والآن تقوم المشاجرات بيني وبين أولادي في هذا الأمر، فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عقود التأمين والتأمينات قائمة على الغرر والميسر، ولا يجوز للمسلم الاشتراك بها طواعية، فإن أجبر على الاشتراك، واقتطع من راتبه جزء كل شهر لهذا الغرض: فليس له إلا ما اقتطع منه دون ما يزيد عليه.

فإذا انتهى من وظيفته أو خرج منها: أخذ ما اقتطع منه، وتصرف في الباقي في وجوه الخير المختلفة، وهكذا لو مات هذا الموظف، فإنه لا يحل لورثته الاستفادة مما يقبضونه من تلك المؤسسات إلا بقدر ما اقتطع من راتب والدهم.

وما يأخذونه منهم كل شهر فإنه يقسَّم وفق الشرع على حسب حصة كل واحد منهم من الميراث، لا وفق اللوائح الخاصة بتلك الأنظمة، فالشرع حاكم عليهم وليس العكس.

 

والله أعلم.

كيف يتجنب سرعة الغضب؟

السؤال:

أنا إنسان سريع الغضب، لا أملك نفسي عند النقاش مع جميع من أناقشه حتى أبواي. أرشدني إلى الطرق والأساليب التي أتجنب بها سرعة الغضب، جزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله عليكَ بر والديك والإحسان إليهما بالقول والفعل، وحرَّم عليك إيذاءهما بالقول والفعل، حتى لو كان ذلك بأدنى شيء.

قال الله تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء / 23 ، 24 ].

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب، ومعناه: البعد الأسباب التي تؤدي إليه، والاحتراز مما يترتب عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ” لا تغضب “، فردد مرارا، قال: ” لا تغضب “.

رواه البخاري ( 5765 ).

والغضب للنفس ولغير الله من سوء الأخلاق، وهو مذموم، ويترتب عليه ما يندم عليه صاحبه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما في كليهما.

* قال ابن مفلح الحنبلي:

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما يعرف الحلم ساعة الغضب، وكان يقول: أول الغضب جنون، وآخره ندم، ولا يقوم الغضب بذلِّ الاعتذار، وربما كان العطب في الغضب، وقيل للشعبي: لأي شيء يكون السريع الغضب سريع الفيئة، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة؟ قال: لأن الغضب كالنار فأسرعها وقودًا أسرعها خمودًا. ” الآداب الشرعيَّة ” ( 1 / 183 ).

وإذا تملَّك الإنسانُ الغضبَ فليذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يوجه الحديث له مباشرة، وليتذكر إيجاب الله تعالى عليه الإحسان إلى والديه وتحريم الإيذاء لهما كأنه يسمعه منه مباشرة.

ولتسكين الغضب – إذا وقع – أسباب، يمكن لمن عمل بها أن يعالج نفسه منه ومن آثاره، وقد ذكر الإمام الماوردي جملة طيبة منها.

* قال الماوردي:

واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يستعان بها على الحلم منها:

  1. أن يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه, ويبعثه الخوف منه على الطاعة له, فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه، فعند ذلك يزول الغضب.

قال الله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال عكرمة: يعني إذا غضبت، وقال الله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ومعنى قوله { ينزغنك } أي: يغضبنك, { فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } يعني: أنه سميع بجهل من جهل, عليم بما يذهب عنك الغضب.

وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله، وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك, وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني، فعفا عنه لما ذكَّره قدرة الله تعالى.

  1. ومنها: أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها, فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال.

وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم، وكانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم.

  1. ومنها: أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام.

وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دمًا وأخرى منك تحقن دمًا, وإن نفاذ أمرك مع كلامك, فاحترس, في غضبك, من قولك أن تخطئ, ومن لونك أن يتغير, ومن جسدك أن يخف, فإن الملوك تعاقب قدرة, وتعفو حِلمًا، وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز, وعلى من تملك لؤم، وقال بعض الأدباء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر.

  1. ومنها: أن يذكر ثواب العفو, وجزاء الصفح, فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب, وحذرًا من استحقاق الذم والعقاب، وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى ابن الأشعث: إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو، وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلامًا فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا انصرف رحمك الله.
  2. ومنها: أن يذكر انعطاف القلوب عليه, وميل النفوس إليه, فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما ازداد أحدٌ بعفوٍ إلا عزًّا “، وقال بعض البلغاء: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام, ولا من شروط الكرم إزالة النعم.

” أدب الدنيا والدين ” ( ص 258 – 260 ) باختصار.

 

والله الموفق.

حكم شراء أسهم شركة الراجحي

السؤال:

بنك الراجحي يمتلك أسهمًا، هل يجوز أن أشتري منه أسهمًا على أن يقوم بتقسيطها علي وأبيع أنا الأسهم على من يشتريها في نفس الحال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نعم، يجوز لك أن تبيع ما تشتريه من سلع عينية أو أسهم تجارية مباحة، لكن بعد أن تدخل في ملكك، وإذا كان الشراء بالأقساط فإنه يجوز لك أن تبيعها نقدًا بشرط أن لا يكون البيع على البائع الأول نفسه، وهو ما يسمى ” بيع العِينة “.

* وقد جاء في قرار للمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي قولهم:

إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف – أي: على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع – بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة): غير جائزةٍ شرعًا لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلِّمه في الموعد، وهذا منهيٌّ عنه شرعًا لما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ” لا تبع ما ليس عندك “، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم “.

” فتوى لمجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ” ( مكة ) القرار الأول، الدورة السابعة.

ومصرف الراجحي قد زكّاه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وجمْع من أهل العلم.

* سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

يوجد لدي مال في مؤسسة الراجحي للصرافة والتجارة منذ ثلاث سنوات، وأخاف أن هذا المبلغ يتعامل فيه بالربا، رغم أنني لا آخذ فائدة وإذا وضعته في منزلي أخاف عليه من السرقة، أفيدوني ماذا أعمل أفادكم الله وجزاكم الله خيرًا؟.

فأجاب:

لا حرج عليك في وضع مالك في ” مصرف الراجحي ” أو ” السبيعي ” أو أمثالهما ممن لا يعامل بالربا، وعليك إخراج الزكاة عن هذا المال المودع كلما حال عليه الحول إذا كان نصابًا أو أكثر.

أما البنوك الربوية: فلا يجوز إيداع الأموال فيها إلا عند الضرورة؛ لأن وضعه فيها فيه شيء من التعاون معهم على الربا، وإن كنت لا تقصد ذلك، لكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك: فلا حرج في وضع المال فيها بدون فائدة لقول الله عز وجل: { وَقَد فصَّل لكُم ما حرَّمَ عليكُم إِلاَّ ما اضطُرِرتُم إليه } [ الأنعام / 119 ].

وعليك إخراج زكاته كلما حال عليه الحول إذا كان نصابًا كما تقدم.

” فتاوى الدعوة ” ( 2 / 194 ).

 

والله أعلم.

زوجها لا يعطيها إلا النفقة ويعيش بعيدًا عنها فهل تطلب الطلاق؟

السؤال:

طلقتُ مرتين، الأولى: بسبب طلبي من زوجي أن يجعل لي ولأبنائي ولو يومًا في الشهر يجلس بيننا بعيدًا عن رغباته ورغبات أهله، والثانية: بسبب حبه لأخرى وإهانته لي أمام أبنائي وتفضيله لها علي وعدم مراعاة شعوري وشعور أبنائي وهو يبثها حبه وغرامه عبر الهاتف على مرأى ومسمع مني دون زواج، والآن سافر وتركني وحدي مع أبنائنا ولا يربطنا به سوى المصروف الذي يرسله عن طريق أهله.

وسؤالي هو: هل لو طلقت سيعوضني الله خيرًا وسيغنيني من فضله وسيعوضني عما رأيته من ظلم مع هذا القاسي أم سيكون عدم رضًا بقضاء الله؟ وهل من حقي أن يكون لي زوج أعيش معه في مودة ورحمة وسكن أم أرضى وأعيش عيشة الذل أنا وأبنائي من أجل المصروف الشهري الذي يرسله كل شهر عن طريق أهله زيادة في إهانتي وذلي؟ وهل أعتبر صابرة أم ضعيفة ومنكسرة لأنني رضيت بهذه الحياة طوال 11 عاما خوفا من كلمة الطلاق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أباح الله التعدد للرجل، ونهاه عن الظلم، فإن رغب الزوج في التعدد فإما أن يمسك الأولى بمعروف أو يسرحها بإحسان، ولا يحل له أن يبقيها في عصمته مع هجره لها، وعدم إعطائها حقوقها، ولا يحل له أن يفرِّط في رعاية وتربية أبنائه، فلم يشرع التعدد لهدم البيوت بل لبنائها وتكثيرها.

وهذا الهجر والتفريط يحرمان عليه في حال أن يقترن بأخرى وفق الشرع، فكيف يكون الحكم لو كان هجره وتفريطه بسببٍ غير شرعي كالعلاقات المحرمة، والسهرات الفاسدة؟.

ثانيًا:

وللزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا لم يمكنها الصبر على سوء خلقه، وليس هذا من عدم الرضا بقدر الله تعالى، بل في بعض الأحيان قد يحرم البقاء مع زوج يرتكب الكبائر ولا يُؤمن جانبه على أولاده، وبما أن الطلاق مشروع، بل قد يجب أن تطلبه أحيانًا، فلا وجه للظن بأن هذا يخالف الإيمان بالقدر؛ لأن الله تعالى يقدر الزواج ويقدر الطلاق.

ومن حق الزوجة أن تعيش مع زوجٍ يعاشرها بالمعروف، وأن تحظى بزوج تسكن إليه ويكون لباسًا لها، ويكون بينها وبينه مودة ورحمة، وهو ما لأجله شُرع الزواج، وإن أي فقدٍ لشيء مما ذكرنا فهو مخالف للحكمة التي من أجلها شرع الزواج.

ومن هنا كان الواجب على الزوج أن يختار صاحبة الدِّين، وعلى الأولياء أن يزوجوا مولياتهم من أهل الدِّين والخلق؛ لأن البيت المسلم إذا قام على شرع الله تعالى فإنه لا يُرى فيه ظلم وتعد، فإن كرهت زوجها لسبب شرعي خالعته، وإن كرهها طلقها وأعطاها حقوقها كاملة، فإما أن يمسك بمعروف أو يسرِّح بإحسان.

وإذا حصل الطلاق فقد يقدِّر الله تعالى لها زوجًا صالحًا، كما قال تعالى: { وَإِنْ يَتَفرَّقا يُغْنِ الله كلًّا مِن سَعَتِه }.

ثالثًا:

ومن النساء من تصبر على زوجها لاحتمال أن يصلح الله حاله، أو من أجل أن يبقى على اتصال بأولاده رعاية وتربية وإنفاقًا، فإن طالت المدة ولم يُصلَح حاله، أو أنه أساء كثيرًا لزوجته وأولاده، وعندها ما يكفيها للنفقة على نفسها وأولادها: فلا وجه لبقائها في عصمته، بل تخلصها منه هو الصواب لتعيش حياة أكرم وأفضل، ولتربِّي أبناءها على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وعليكِ أن تحاسبي نفسك، وأن تتوبي إلى الله سبحانه مما قد صدر منكِ من سيئات أو أخطاء في حق الله، أو في حق زوجك، أو في حق غيره، فلعله إن يكون ما حصل معك عقوبة لمعاصٍ اقترفتِها فالله تعالى يقول: { وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبةٍ فَبِمَا كَسَبت أَيْديكُم وَيعْفو عَنْ كَثِيرٍ }.

 

والله أعلم.

حكم تزويج البنت من قبل خالها مع وجود أمّها وعصبتها

السؤال:

تقدمت لفتاة منذ 5 سنوات، وقد ربطني بها رباط من الله، وهي أخت أحد زملائي، فوافقت الفتاة ورفض الأب والأم، وهي فتاة ذات خلق ودين، وأنا – والحمد لله – أتمتع بسمعة طيبة جدًّا – ولا نزكي على الله أحدًا – وحرصًا على حصولي على الزوجة الصالحة والتي اختارها قلبي أيضًا طلبت من كثير من المقربين إلى أسرتها التدخل للإصلاح، ولم يحدث إلى أن توفي والدها وأصبح أمرها في يد أمها، فطلبتها مرة أخرى فرفضت ودون أدنى سبب كما حدث قبل ذلك كثيرًا، وقد حاول إقناعها الكثيرون – جميع إخوة الأم الذكور والإناث وهم 11 شقيقًا، وجميع أعمام وعمات الفتاة وهم 4، وكذلك أزواج الخالات والعمات وكل من يسأل عني والحمد لله يذكر كل خير – ولم تكن لها مبررات حتى ولو غير منطقية أو شرعية فقرر ثاني أكبر أخ للأم ( الخال ) أن يزوجنا لو استمر رفض الأم الغير مسبب، وخاصة أن الفتاة والحمد لله تتمسك بالارتباط بي أكثر، وقد عرض هذه الفكرة على العم فلم يعترض ولكن رفض الدخول في مشاكل مع الأم، وقد زوجني الخال الأسبوع الماضي من هذه الفتاة وكان في حضور الخال والخالات وأزواج الخالات وبعض المقربين، ولكن قد تم كل هذا دون علم الأم على أن يتولى الخال إبلاغها وتحمل تبعات الموقف، وسؤالي: هل العقد صحيح رغم اكتمال جميع شروطه؟ هل وكالة الخال رغم أنه رحم وليس عصبًا تجوز؟ رغم رفض العم خوفًا من المشاكل التي قد تحدث له من أمها وليس رفض الزواج ذاته من الفتاة؟ هل تسببت أنا في أن تكون الفتاة عاقة لأمها؟ وهل هذا عقوق للأم؟ السؤال الآخر ماذا يحل للعاقد من زوجته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولى الناس بتزويج المرأة هم عصبتها، وهم أقارب الرجل من جهة أبيه، ولا يكون أقارب الرجل عصبة له حتى يكونوا من الذكور، ويُدلوا إلى الميت بالذكور، وهم الذين يسمون ” العصبة بالنفس “.

وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا ولاية لغير العصبة  بالنفس، فإن عدموا: انتقلت الولاية إلى السلطان، وخالفهم أبو حنيفة فذهب إلى أن الولاية تنتقل إلى بقية الأقارب حسب قوة قرابتهم، فتنتقل عنده إلى الأم والبنات وبنات الابن والأخوات وسائر الأرحام.

ولا توجد نصوص تدل على الأولى بالولاية، ولذا اختلف الفقهاء في ترتيبهم للأولى والأقرب، فقد يتفقون وقد يختلفون.

ومن اتفاقهم: تقديم الأب على الجد والإخوة والأعمام، ومن اختلافهم: اختلافهم في أيهم المقدَّم الأب أو الابن، والجد أو الإخوة.

والصحيح أنه لا يقدَّم على الأب أحد لا ابن ولا غيره، ويأتي بعده الجد، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو رواية عن الإمام مالك.

وتقديم الابن على الأب قول ضعيف قاله أبو حنيفة وخالفه فيه بعض الكبار من أهل مذهبه كمحمد الشيباني والطحاوي.

وليس لغير العصبة ولاية كالأخ من الأم، والخال، وعم الأم، والجد أبي الأم، وخالف فيه أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه فجعل كل من يرث بفرض أو تعصيب وليًّا، ومحل ذلك عند عدم العصبات لا مع وجود واحد منهم.

وعليه: فيكون تزويج الخال للمرأة مع وجود أحد العصبات غير شرعي، لكن موافقة العم على الزواج – كما جاء في السؤال – تكفي لصحة العقد، ويكون الخال هو الذي باشر العقد، وعليه: فالعقد صحيح.

وكان الأولى إرضاء الأم لحملها على الموافقة على الزواج، ولا ينبغي أن تحرَم من ابنتها والفرح بها، فعليك إعادة المحاولة معها، وتوسيط من يستطيع التأثير عليها.

 

والله أعلم.