الرئيسية بلوق الصفحة 217

وصايا ونصائح وأصول في قبول الحق وتقليد العلماء وتقديم النقل على العقل.

السؤال:

كيف أرد على من يقول: صحيح أن النقل مقدم على العقل ولكن ليس كل تفسير للنقل هو المقصود، ويقول – على سبيل المثال -: أثبت لي أن المقصود بلهو الحديث في القرآن معناه عند الله الغناء، وقلت: إن ابن مسعود أقسم أنه الغناء، قال: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى أننا لو أخذنا بكل ما يقول العلماء واستسلمنا له كتحريم إدخال الدش للبيت فإننا سنتأخر عن الركب، ولا نعرف الواقع، وأن في هذا خطرًا على الأبناء إذا كبروا وتمكنوا من أخذ الحرية فسيحسون أنهم مكبوتون وسيدمنون عليه ويتأثرون به، ولا يمكن أن يقتنع بحرمة السفر للدول الكافرة من أجل السياحة، وإذا استشهدت بحديث ” أنا بريء ممن يعيش بين ظهراني المشركين ” قال: أكيد أن له مناسبة خاصة ولا أعتقد أن تفسيره يعني تحريم السفر لبلادهم، ويرى التسهيل وعدم التشدد، ولا يقتنع أحيانًا بحرمة بعض الأشياء التي انغمس الناس فيها وأصبحت عادة، ولا سيما إذا كان المجتمع قد تعود عليها، ودائمًا يكرر قد يكون هناك أقوال أخرى للعلماء وتفسيرات أخرى للأدلة فلا تجبرونا على الأخذ بما يرونه علماؤنا في السعودية فقط، كالحجاب، وقيادة المرأة للسيارة، والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يفعل ذلك ولا يحبه، وعلى هذا قس، يقول لي : أرجو أن تبحث في هذا الموضوع، هل رؤية المرأة في الأخبار لغير شهوة محرم؟ هل سماع الموسيقى في مقدمة أي برنامج أو في بداية الأخبار محرم؟ الرجل محب للخير يخشى الوقوع في الحرام، محافظ على الصلاة، يتضايق عندما يهاجم الصالحون عبر وسائل الإعلام، يؤمن بأن النقل يجب أن يقدم على العقل، ذكي، عقليته فذة، مجتهد، مخلص في أداء عمله، صاحب خلق عالي، ليس علمانيا، ويدعو لاحترام العلماء، الرجل يقبل الحوار، وعجزت أن أقنعه، فأرجو الإجابة الشافية، وأرجو وصف حالته وتشخيصها لأعرف ما هو داؤه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مما يتميز به المسلم المتبع على الحقيقة للشرع أنه لا يقدم هواه وعاداته على شرع الله تعالى، ولا يقدِّم كلام أحدٍ من الناس على حكم الشرع إذا كان ثمة مخالفة بينهما.

والحق الذي أنزله الله تعالى ليس تبعًا لأهوائنا، وأحكام الله كلها عدل، وفيها الحكمة البالغة، لكن أهل الأهواء لا يفقهون هذا، وتريد كل طائفة أن تلوي النصوص حتى تتوافق مع هواها سواء في بدعة أو في معصية.

ثانيًا:

قد أوصى الأئمة رحمهم الله أن لا نقدم قولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قالوا: ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد عليه ” لكن لا نرد عليه بهوانا، ولا بمصلحة شخصية، ولا بحديث ضعيف أو موضوع، بل نرد عليه إذا جاءنا الحكم من الله تعالى ورسوله وعلمنا أن كلام الإمام والعالِم يخالفه، وكما ترى فإننا نرده بفهم آخر من عالِم آخر، فلا غنى للمسلم المتبع عن أهل العلم، فهم الذي أوصلوا نصوص الوحيين وهم الذي أفهمونا مراد الله ورسوله فيهما.

ثالثًا:

ولسنا نقدِّم كلام علماء المملكة العربية السعودية على غيرهم، بل نقدِّم كلام من يوافق الكتاب والسنة ويستدل بهما على الأحكام الشرعية، سواء كان شاميًّا أو عراقيًّا أو هنديًّا، فالعبرة عندنا بمن كان منهجه في الاستدلال والاستنباط مؤصلًا تأصيلًا سليمًا، وليس في دين الله تعالى مثل هذه العنصرية أو الإقليمية، فبلاد المسلمين واحدة، وعلماء المسلمين لا يقربهم من الحق سكناهم في بلاد معينة، ولا يباعدهم عن الحق حملهم لجنسية أعجمية، وإذا أردت أن تعرف أهل الحق والعدل والإنصاف فانظر لأهل العلم الربانيين ومنهم أهل الحديث كيف لم تؤثر فيهم مثل هذه الجاهليات، فالإمام أحمد عراقي، والإمام البخاري من بخارى، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الشام، فمن أين يأخذ القوم إلا من هؤلاء وأمثالهم!؟.

فنرجو من صاحبك أن لا تؤثر فيه تقسيمات المستعمرين لبلاد الإسلام، وأن يخلي قلبه من الهوى والغيظ على علماء الإسلام في أي قطر كانوا، وليكن الحق رائده حتى يوفقه الله تعالى ويدله على الصراط المستقيم، والذي حُرمه الكثيرون ممن يتخبطون في العقيدة والحديث والفقه، فالهداية نعمة عظيمة، حرمها الكثيرون ووفِّق إليها القليلون.

رابعًا:

ليس المهم أن يرى  صاحبك جواز الإقامة في بلاد الكفار، أو يقول بجواز الغناء، أو يرجح عدم وجوب تغطية المرأة وجهها وغير ذلك من المسائل، بل المهم هو: كيف وصل لهذه النتائج؟ هل اتقى الله تعالى وراقبه في استدلالاته وترجيحاته؟ هل سلك سبل أهل العلم في طرق الرواية والدراية؟ هل راقب الله تعالى وهو يوقع عنه بحل شيء أو حرمته؟.

قد اختلف أهل العلم السابقين في مسائل كثيرة، بل قلَّ ما اتفقوا على حكم، لكن هل قدموا هواهم فيما اختلفوا فيه؟ هل قدموا عادات بلدانهم وأهواء حكامهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ رأى بعضهم تحريم معاملة ورأى غيره حلَّها، ولم يوجب ذلك اتهامًا ولا طعنًا لأحدهما؛ وما ذلك إلا لأنهم يسعوْن لمعرفة الحق والصواب ويتحرون الدليل الصحيح، وهذا ما أداهم إليه اجتهادهم، لذا كان للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.

خامسًا:

ونحن نعلم أن ما نذكره في أجوبتنا يوجد من يخالف فيه من أهل العلم، لكننا نعلم أننا أمام أصنافٍ ثلاثة من الناس:

الأول: مجتهد، ومثل هذا يعلم أنه قد اختلف أهل العلم فيما نقوله، بل وفيما هو أعظم منه، وهو يعلم أسباب اختلاف العلماء، فمثله يعذر ولا يثرِّب.

الثاني: طالب علم، يسمع الأقوال، ويرى اختلاف الأحكام، وعنده قدرة على النظر والترجيح بينهما بما آتاه الله من علم وبصيرة، وهذا أيضًا يعذر ولا يثرِّب.

والثالث: عامي، وهذا لا يستطيع أن يفرق بين الأقوال الضعيفة والقوية، ولا يستطيع تمييز الحديث الصحيح من غيره، فمثل هذا يجب عليه أن يقلِّد أعلم الناس وأتقاهم في نظره.

– فمن أي أصناف الناس الثلاثة صاحبك؟.

سادسًا:

والمسائل الشرعية منها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني، فالقطعي لا يجوز لأحدٍ أن يخالف فيه، والظني هو مسرح الاجتهاد ومجال الأخذ والرد، ونحن إن أنكرنا على أحد بقوة فإنما نفعل ذلك إذا رأيناه ينازع في ثوابت الدين من العقيدة الصحيحة والأحكام القطعية، كمن أراد إلغاء أحكام الردة ورفع الرجم عن الزاني المحصن وغير ذلك من المسائل.

ومن الأحكام التي يتبناها أهل العلم ما يكون مباحًا في نفسه لكنهم يمنعون منه لما يؤدي تطبيقه وفعله إلى مفاسد متعددة، ومثل ذلك قيادة المرأة للسيارة، فنحن نعلم أنها مباحة في نفسها لكن القول بجوازها سيشمل جميع فئات النساء وأعمارهن على اختلاف دينهن وعدالتهن وأخلاقهن، فكيف ستضبط الأمور إذا نفِّذ وطبِّق هذا الأمر؟ فقول من منع لما تؤديه القيادة من مفاسد قول وجيه له أصول من الكتاب والسنة.

وسعي علمائنا في تربية الأمة على العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة أمرٌ يُشكرون عليه، والناظر في الأطباق الفضائية وما تجنيه الأسر من وراء برامجها وأفلامها وندواتها بل وبرامجها الدينية يرى أمورًا عظامًا، فأين هي الأخلاق والعادات الحميدة في تلك الفضائيات، وهل تظن أن قول ” مباح ” للأمة أمر سهل حتى يتجرأ عليه علماؤنا فيساهموا في تدمير أسر بأكملها حتى لا يقال إنهم كبتوا المسلمين وأخروهم؟ والذي يرى علماء الأمة الثقات الأثبات يرى أنهم على اطلاع وافر على أحوال المسلمين وعلى أخبار العالَم من غير ضرورة النظر في المحرمات وسماعها، ويرى أبناءهم على علم وخلق ودراية بأحوال الناس من غير ضرورة تعلم ذلك من الأفلام والتمثيليات الهابطة، فطرق التعلم الشرعية كثيرة، والأمة الإسلامية كانت بأحسن حال من حيث الأخلاق والسلوك قبل مجيء هذه الفضائيات الهابطة.

فلك أن تقول للناس: أجلبوا هذه القنوات لبيوتكم، ولا تكبتوا أبناءكم وبناتكم عن الاستمتاع بمشاهدة الممثلين واللاعبين والمصارعين، ولك أن تحثهم على قضاء الأوقات على تمثيليات الحب والغرام، لكن ليس لك أن تنتقد من أراد الحفاظ على هوية الأمة وأخلاقها واعتقادها.

وأخيرًا:

نسأل الله أن يهدي صاحبك لما فيه الخير، وأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه.

 

والله أعلم.

وقع في العادة في السرية في ليالي منى في الحج!

السؤال:

رجل – في دينه رقة – أدّى الحج ووقع في العادة السرية مرة واحدة في إحدى ليالي المبيت بمنى، فهل عليه شيء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يتعجب المرء حين يسمع عن حجاج تركوا ديارهم وأهلهم، وأقبلوا بقلوبهم وأبدانهم على أداء النسك الذي جعله الله تعالى ركنًا من أركان الإسلام، ثم يعصي الواحد منهم ربَّه تعالى، وأين؟ في المشاعر! بل وفي الحرم – كذلك -، فـ ” منى ” من المشاعر وهي في حدود الحرم، وقد ذكرنا في جواب السؤال ( 329 ) حرمة العادة السرية، ومما لا شك فيه أن المعصية تعظم بعظم الزمان والمكان، وهو ما حصل في تلك المعصية، والتي فُعلت في الحرم وفي زمان معظَّم وهي أيام التشريق أيام المناسك وذكر الله تعالى.

فالواجب على المسئول عنه أن يتوب ويستغفر، وأن يندم ندمًا صادقًا على فعله، وأن يعزم على عدم العوْد لهذا الذنب، مع الإكثار من الطاعات ودعاء الله تعالى أن يتقبل منه.

 

والله أعلم.

والده كبير في السن وينظر إلى الأجنبيات ويتحدث معهن

السؤال:

أن أبي – وعمره خمسون سنة – يكلم الفتيات في الكمبيوتر ويرى البنات في المجلات، فماذا علي أن أفعل معه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب عليك نصح والدك، وتذكيره بحرمة ما يفعل من الحديث والنظر إلى ما لا يحل له، وتذكيره بكبر سنِّه، وأن مثله ينبغي أن يتقي الله ربه أكثر من غيره من الشباب الطائش، ومثله ينبغي أن يتدارك عمره، ويعلم أن ما بقي من عمره ليس بأكثر – غالبًا – مما مضى.

وتذكره بوجوب شكر نعمة الله تعالى، وأن الشكر لهذه النعم يكون بحفظها عن فعل المحرمات، ويكون حفظها بتسخيرها في طاعة الله تعالى، فكيف يكفر بنعمتي السمع والبصر في تسخيرهما في معصية الله؟.

وتذكره بضرورة الحفاظ على وقته، وأنه نعمة من نعم الله تعالى الجليلة، فلا يجوز له التفريط فيه بتصريفه فيما لا يحل له.

وتذكره أنه قدوة لأبنائه وبناته، وأنه بأفعاله هذه سيتعلم منه أبناؤه وبناته كل شر، وسيسيرون على طريقه نفسه، وسيبوء بآثامهم، فكيف يرضى أن يكون سببًا في فساد أسرة أوجب الله تعالى عليه نصحها ودلالتها على الخير والطاعة؟.

وتذكره أن الإثم الذي يترتب عليه أعظم من الإثم الذي يترتب على الشاب.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملِك كذاب، وعائل مستكبر “. رواه مسلم ( 107 ).

* قال النووي:

وأما تخصيصه صلى الله عليه وسلم في الحديث ” الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر ” بالوعيد المذكور: فقال القاضي عياض: سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه, وعدم ضرورته إليها, وضعف دواعيها عنده; وإن كان لا يعذر أحد بذنب لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة, ولا دواعي معتادة, أشبه إقدامهم عليها المعاندة, والاستخفاف بحق الله تعالى, وقصد معصيته لا لحاجة غيرها; فإن الشيخ لكمال عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان, وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء, واختلال دواعيه لذلك, عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا ويخلي سره منه فكيف بالزنا الحرام, وإنما دواعي ذلك الشباب, والحرارة الغريزية, وقلة المعرفة, وغلبة الشهوة لضعف العقل, وصغر السن. ” شرح مسلم ” ( 2 / 117 ).

ثانيًا:

وننصحكم بعدم تمكينه من فعل المحرمات، وذلك بمنعه من دخول الإنترنت، وعدم إحضار المجلات له أو تمكينه من شرائها، على قدر استطاعتكم.

وننصحكم بإشغاله بما ينفعه دنيا وآخرة، ومن أهم ما تشغلونه به البحث عن الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحذره من الشر.

وننصحكم بالبحث عن سبب فعله لهذه المعاصي، وأنه قد يكون بحاجة إلى الزواج، فعليكم تزويجه، والبحث له عن زوجة تعفه وتستر عليه.

 

والله الهادي.

هل يطيع والديه أم جدته؟

– أثابكم الله ونفع بكم الإسلام والمسلمين

سؤالي لكم – حفظكم الله – هو:

عن مسألة أشكلت عليَّ كثيرًا، حيث أن لي والدين وجدة – أم أبي -، ونحن نعيش في بيتٍ واحدٍ، ولدي وظيفة أعمل بها في نفس المدينة التي نعيش فيها، جدتي أم والدي لا ترغب في العيش في هذه المدينة التي نحن فيها، وتود أن ترجع لبيتها في القرية، ولكن أبي يحاول أن يقنعها بالجلوس فتجلس وهي غير راضية، وقد أشرت عليها بالموضوع وكادت أن تطير من الفرح بأنني سأذهب بها إلى القرية التي عاشت بها طيلة حياتها ولم تغادرها إلا بعد وفاة جدي – أبي والدي – قبل ثلاث سنين بسبب أنه لا يوجد أحد يعولها هناك، وأن أبناءها لهم أعمال في مدن متفرقة وبعيدة.

والسؤال هنا: هل يجب عليَّ برُّها في هذا الأمر والذهاب بها إلى هذه القرية وأن أبحث عن عمل آخر هناك يكون قريب من القرية؟ وما حكم طاعتها في هذا الأمر إذا رفض أبي أو أمي بالذهاب بها إلى هناك؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى على الأبناء برَّ والديهم، ومن برِّهم: طاعتهم – في غير معصية الله -، والإحسان إليهم، وعدم عقوقهم.

وللجد والجدة – من جهة الأب ومن جهة الأم – الحكمَ نفسه.

* قال ابن المنذر:

والأجداد آباء, والجدات أمهات, فلا يغزو المرء إلا بإذنهم, ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. انظر ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 )، وانظر قول مالك في ” المدونة ” ( 4 / 536 ) والشافعي في ” الأم ” ( 5 / 161 ).

ومن لم يجعل الأجداد والجدات من ” الوالدين “: فإنهم – بلا شك – من الأرحام، وللأرحام حقوق شرعية.

ومن حقوق الأرحام – ومنهم الجد والجدة -: الإحسان إليهم وتفقد أحوالهم والقيام على حاجاتهم ومواساتهم، قال الله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } [ النساء / 36 ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تعالى خلق الخلق, حتى إذا فرغ منهم, قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم, أما ترضين أن أصل من وصلك, وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ  } [ محمد / 22 ، 23 ].

والذي يظهر لنا في قضية الأخ السائل: أن ما يقوله الوالد هو الصواب، فبقاء الجدة بين أظهركم خير لها، ورجوعها إلى القرية هو استسلام للعاطفة دون تفكير في عواقب الأمر، ومن مساوئ هذا الرجوع: بقاؤها وحدها في البيت، فإذا كنتَ ستذهب لعملك، وأبناؤها ليسوا عندها: فإنه ستستسلم للوحدة وستعيشها واقعة، وهذا بخلاف بقائها بين ابنها وأحفادها في بيت والدك.

والواجب عليك: طاعة والديك، ولا يلزمك طاعة جدتك فيما ترغب به، لتعرضها مع رغبة والديك، ومع المنطق الصحيح، وعليك بالتلطف في نصيحتها لتجمع بين رغبة والديك والصحيح من فعل جدتك.

ومن لطيف ما أفتي به في مثل هذا المقام: أن رجلًا قال للإمام مالك: والدي في السودان, كتب إلي أن أقدم عليه, وأمي تمنعني من ذلك, فقال له مالك: ” أطع أباك ولا تعص أمك ” يعني: أنه يبالغ في رضى أمه بسفره لوالده, ولو بأخذها معه, ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه.

 

والله أعلم.

هل التدخين ينقض الوضوء؟

السؤال:

أشكركم على هذا الموقع الجميل والذي يخدم المسلمين وجزاكم الله خيرًا ولدي بعض الأسئلة طويلة نوعًا ما وأرجو أن يتسع صدوركم لأسئلتي لأنها كلها لا تخصني بل تخص أناسًا سألوني عنها وأريد مساعدتهم، ولا تؤاخذوني إذا كان صيغة الأسئلة فيها سوء تعبير وغير مهذبة لأني كتبت على مبدأ ” لا حياء في الدين “.

هل التدخين ينقض الوضوء ( أي من كان متوضأ وشرب عدة سجائر وجاء وقت الصلاة وصلى ) وإذا كان الجواب بنعم أو لا فأرجو إيضاح وجه السبب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

* سئل الشيخ عبد الله بن منيع:

هل التدخين ينقض الوضوء؟

فأجاب:

التدخين لا ينقض الوضوء ولكن التدخين في الواقع هو أمر محرم اتجه مجموعة من المحققين من أهل العلم بأنه حرام لأنه في الواقع ضار بالصحة وهو كما وصفه بعض الأطباء بأنه انتحار بطيء وقد قال سبحانه وتعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وهو خبيث وقد حرم اللّه الخبائث بنص كتاب اللّه سبحانه وتعالى وفي نفس الأمر إتلاف للمال وقد أمرنا اللّه سبحانه وتعالى وأمرنا رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالحفاظ على المال فنهى صلى اللّه عليه وسلم عن إضاعة المال وهو في الواقع كذلك من الأمور المنغصة على المجتمعات من حيث الروائح الكريهة ومضاره بالنسبة للجالسين مع المدخنين لا شك أن هذه الأمور المذكورة وغيرها من الأسباب والمبررات التي قيل بتحريم الدخان لأجلها واللّه المستعان.

” جريدة الجزيرة ” العدد:10563، الخميس 11, جمادى الآخرة، 1422 هـ.

 

والله أعلم.

ما حكم طلاق الثلاث في حالة غضب؟

نص السؤال:

رجل كان في حالة غضب شديد وأثناء مشادة كلامية حصلت بينه وبين زوجته تركته الزوجة ولم تستمع إليه ودخلت حمام الغرفة وأغلقت على نفسها الباب، حاول الزوج فتح الباب بالقوة وطلب منها الخروج مهددًا بكسر الباب إن أصرت على عدم الخروج، وبعد ذلك ومع إصرار الزوج فتحت الزوجة باب الحمام وخرجت مسرعة تنوي الخروج من غرفة النوم خوفًا من ضرب زوجها لها، وأثناء محاولتها الهرب وعدم سماع كلام الزوج قال الزوج لها – وهو في حالة غضب شديد وبدون وعي وإدراك لما يقول ” طالق، طالق، طالق ” ولكنها لم تهتم بهذا واستمرت في الخروج من الغرفة إلى الصالة مما جعل الزوج يعيد نفس الجملة لها ” طالق، طالق، طالق ” وعليه نطلب من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في صحة وقوع الطلاق من عدمه، علمًا بأن الزوج نادم ندمًا شديدًا، وكان يمر بظروف نفسيَّة صعبة جدًّا، كونه كان موقوفًا في السجن لمدة تقارب أربعة أشهر تقريبًا على ذمة قضية كان متهمًا فيها بالزنا مع الخادمة وتم الإفراج عنه بكفالة قبل فترة ليست ببعيدة، وحدد اليوم التالي موعدًا لصدور حكم الاستئناف فيها، ولهذا كان مرهقًا نفسيًّا و ذهنيًّا، أما الزوجة فتقول إنها تركت زوجها ودخلت حمام الغرفة وأغلقت على نفسها الباب خوفًا منه حتى لا يضربها وقالت إنها سمعت الزوج ينطق بألفاظ الطلاق في المرة الأولى ولم تسمعها في المرة الثانية عندما وصلت إلى الصالة, علمًا بأنه جامع زوجته بعد خروجه من السجن.

الرجاء سرعة الإجابة للأهمية القصوى، ولكم جزيل الشكر والامتنان.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الغضب أنواع، فإذا كان يُغلق على صاحبه أمره كله فلا يدري في ليل هو أم في نهار، ولا يدري عن قوله شيئًا: فلا يقع طلاقه، وهو من الإغلاق الذي لا توقع الشريعة على صاحبه قولًا ولا حكمًا.

* قال ابن القيم:

وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” لَله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح “، هذا لفظ مسلم.

وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه: لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله ” أنت عبدي وأنا ربك “، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها، فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقه بذلك، ولا ردَّته، وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا طلاق في إغلاق ” بأنه الغضب، وفسره به غير واحد من الأئمة، وفسروه بالإكراه والجنون. قال شيخنا –  أي: ابن تيمية -: وهو يعم هذا كله، وهو من الغلق لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله.

” مدارج السالكين ” ( 1 / 209 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

أما طلاق الغضبان: فهو واقع كما قالوا؛ لأنه لا يكاد الطلاق يصدر إلا في الغضب، وليس بمعذور بغضبه، إلا إن غضب حتى أُغمي عليه، وزال تمييزه وعقله، فهو في حكم المجنون. وقال الشيخ صالح الفوزان: إذا بلغ بالإنسان من الغضب إلى زوال الشعور وفقد الوعي بأن لا يدري ولا يتصور ماذا يقول: فإن هذا لا تعتبر أقواله لا طلاق ولا غيره؛ لأنه فاقد للعقل في هذه الحالة. أما إذا كان الغضب دون ذلك، وكان معه شعوره، ويتصور ما يقول: فإنه يؤاخذ بألفاظه وتصرفاته، ومن ذلك الطلاق.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 734 ).

ثانيًا:

وأما طلاق الثلاث فسواء كان بلفظ واحد أو في مجلس واحد: فهي طلقة واحدة.

* قال شيخ الإسلام رحمه الله:

ثم قال { الطلاق مرتان } فبين أن الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها هو مرتان مرة بعد مرة؛ كما إذا قيل للرجل سبح مرتين أو سبح ثلاث مرات أو مائة مرة فلابد أن يقول سبحان الله سبحان الله حتى يستوفي العدد؛ فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول سبحان الله مرتين أو مائة مرة لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة والله تعالى لم يقل الطلاق طلقتان بل قال مرتان فإذا قال لامرأته أنت طالق اثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو ألفًا لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة.

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 11 ، 12 ).

والله أعلم.

هل يجوز التقاء الختانين في أيام الحيض دون إيلاج؟

السؤال:

هل يجوز التقاء الختانين في أيام الحيض دون إيلاج، مع العلم أنه يتم الإنزال دون إدخال؟ وجزيتم خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

التقاء الختانين هو الإيلاج، وهو حرام في حال حيض الزوجة، ويوجب الغسل في حال فعله طاهرة كانت أم حائضًا.

ولعل الأخ السائل يقصد مس الذكر لختان الزوجة، وهو مباح في حال كونها حائضًا، ولا يوجب الغسل إلا إذا أنزل.

عن ‏أَبي هرَيرَة، عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ: ” ‏إِذَا جَلَس بَيْن شُعَبِها الْأَربَعِ، ثُمَّ ‏ ‏جَهَدَهَا ،‏ ‏فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ “. رواه البخاري ( 291 ) ومسلم ( 348 ) وزاد: ” وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ “.

* قال النووي:

ومعنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج: وجب الغسل على الرجل والمرأة، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، وقد تقدم بيان هذا. ” شرح مسلم ” ( 4 / 40 ، 41 ).

وما جاء من لفظ ” المس ” في بعض الأحاديث الصحيحة فإنه يفسَّر بما ها هنا من أنه الإيلاج وليس مجرد المس.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا جلس بين شُعبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل “. رواه مسلم ( 349 ).

* قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ” قال العلماء: معناه: غيَّبتَ ذكرك في فرجها، وليس المراد حقيقة المس؛ وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع.

وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل, لا عليه ولا عليها, فدل على أن المراد ما ذكرناه.

والمراد بالمماسة: المحاذاة, وكذلك الرواية الأخرى ” إذا التقى الختانان ” أي: تحاذيا. ” شرح مسلم ” ( 4 / 42 ).

– والمباح للزوج حال حيض امرأته كل شيء إلا الجماع.

قال الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } [ البقرة / 22 ].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اصنعوا كل شيء إلا النكاح “. رواه مسلم ( 302 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة عن الصلاة دون غسل في الحالات التالية:

( 1 ) عدم تلامس عضوي التناسل.

( 2 ) تلامس عضوي التناسل فقط.

فأجابوا:

إذا كان الواقع كما ذكرت: ففي الحالة الأولى: لا يجب الغسل، وفي الحالة الثانية: لا يجب الغسل أيضًا إذا لم يحصل إيلاج تغيب به حشفة الذكر في الفرج، وإلا وجب الغسل. ” فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ” ( 5 / 308 ، 309 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

عن الرجل يجلس بين شعبها الأربع ويمس الختان من غير مجاوزة، ثم ينزل خارج الفرج فهل عليهما غسل؟.

فأجاب:

الرجل عليه الغسل؛ لأنه أنزل، وأما المرأة فليس عليها غسل؛ لأنه من شرط وجوب الغسل الإيلاج، ومن المعلوم أن موضع الختان فوق الحشفة مما يلي قصبة الذكر، فإذا كان كذلك فلا يمس موضع ختان المرأة إلا بعد أن تلج الحشفة، ولذلك اشترطنا في وجوب الغسل من الجماع أن يغيب الحشفة، وقد ورد في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ” إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل “. ” مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين ” ( 11 / السؤال رقم 172 ).

 

والله أعلم.

تتساءل عن الزواج وهل هو باختيارها أو قدر الله لها

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين

أما بعد

سؤالي هو سؤال كل فتاة تأخرت في الزواج، وهو:

هل الزواج قسمة ونصيب؛ لأني سمعت من أحد المشايخ في القناة الفضائية يقول: لا بل هو اختيار، فكيف يكون كذلك وأنا لا أملك – مثلي مثل أي فتاة – هذا الحق في الاختيار، فأرجو من فضيلتك إفادتي أفادكم الله لما فيه خير وصواب، وأرجو تدعيم فتواكم بالقرآن أو السنة، وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن للإنسان دخلًا في زواجه، فهو يتزوج بمحض إرادته، ويبحث عمن تناسبه من ذوات الدين أو الجمال أو النسب، وهو يلام إن فرَّط في اختيار ذات الدين، ويؤجر إن أحسن الاختيار لنفسه ولأبنائه.

وليس يعني حرية اختياره للزوجة أنه لم يكن يعلم الله تعالى به أولًا، ويُكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكل شيء قدَّره الله أزلًا كما قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن أولَّ ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ” رواه الترمذي ( 3319 ) وصححه، فليس هذا مختصًّا بالزواج وحده بل وفي كل أفعال الخلق.

والرزق قدَّره الله أزلًا وكتبه على عبده، ومع ذلك أُمر العبد بالسعي لتحصيله، وهو يبذل وسعه في حسن اختيار الوظيفة الملائمة من حيث العمل والراتب.

والأجل قدَّره الله تعالى أزلًا، وكتبه على عبده، ومع ذلك يسعى العبد لحفظ حياته بالبعد عن التهلكة، وأكل وشرب ما يلائم هذا الحفظ.

والسعادة والشقاوة قدَّرها الله تعالى أزلًا، وكتبهما على عباده، ومع ذلك لا يرضى الخلق لأنفسهم الشقاوة، ويسعون لتحصيل السعادة وبذل الأموال في تحصيلها.

وهكذا الأمر في الزواج، فهو وإن كان قد قدَّره الله عز وجل أزلًا، فإن هذا لا يعني أن لا يبذل الزوج الأسباب للزواج من ذات الدين، وهو بذلك يسعى لتحصيل مقصود الشرع.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” تُنكح المرأة لأربعٍ: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

والأمر كذلك بالنسبة للزوجة وأوليائها، فليس أول من يطرق باب الزواج يُزوَّج، بل لا بدَّ من اختيار صاحب الخلق والدين، والبحث والسؤال عمن يتقدم للزواج.

عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ” رواه الترمذي ( 1084 ) وحسنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1868 ).

وقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان بن عفان وعلى أبي بكر الصدِّيق – رضي الله عنهما – كما رواه البخاري ( 3783 ).

وأما ما يتناقله بعض العامة من قول الله تعالى ” اسعَ يا عبدي وأنا أسعى معك ” فليس هو آية ولا حديثًا قدسيًّا، ومقصود الجملة صحيح، وهو الطلب من العبد أن يبذل الأسباب في الرزق والزواج وغيرهما.

 

والله أعلم.

بنى بيتًا بالقروض الربوية فكيف يتوب من ذلك؟

السؤال:

هناك من يعلم بأن القروض ذوات الفوائد هي ربا، ومع ذلك يأخذه ويبني منزلًا، وإن أراد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى كيف يتخلص من ذلك المنزل؟ هناك من يقول ذلك المنزل لا تجوز فيه الصلاة، هل لصاحب المنزل أن لا يصلي فيه أو حتى غيره؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الرّبا محرّم ساءً كان لبناء البيوت أو غيرها، والتوبة في الربا تختلف بين كونها من المرابي آكل الربا وبين كونها من المقترض بالربا، فإذا دفع المرابي المالَ لطالبه وأخذ منه أزيد مما أعطاه: فإن من تمام توبته إرجاع هذا الزائد إلى صاحبه.

وأما إن كانت التوبة من دافع الربا: فإنه لا يؤمر بمثل ما أُمر به آكل الربا، حيث كان دافعًا لا آكلًا, فلم يبق أمامه إلا التوبة النصوح، وهي أن يندم على ما فعل، ويتمنى أنه لم يفعل، وأن يعزم من كل قلبه على أن لا يعود لمثله، وأن يكثر من الطاعات، كالصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن؛ لقوله تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } [ هود / 114 ].

وعليه: فمن أخذ قرضًا ربويًّا لبناء مسكن أو شرائه: فإن الواجب عليه التخلص من العقد بإنهائه وإبطاله إن كان في أوله ولم تلزمه الزيادات الربوية، فإن ثبتت في ذمته واستقرت ولم يكن بدٌّ من دفعها، أو تاب بعد الانتهاء من دفعها جميعها: فليس يؤمر إلا بما ذكرناه من تحقيق شروط التوبة النصوح.

ولا يؤمر ببيع البيت ولا بتأجيره، وله أن يسكنه، وأن يصلي فيه من غير حرج.

* قال علماء اللجنة الدائمة – فيمن أخذ قرضًا ربويًّا وبنى به بيتًا ويسأل عن هدمه! -:

إذا كان الواقع كما ذكرتَ: فما حصل منك القرض بهذه الكيفية: حرام؛ لأنه ربا، وعليك التوبة والاستغفار من ذلك، والندم على ما وقع منك، والعزم على عدم العودة إلى مثله.

أما المنزل الذي بنيتَه: فلا تهدمه، بل انتفع به بالسكنى أو غيرها، ونرجو أن يغفر الله لك ما فرط منك. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 411 ).

 

والله أعلم.

تفصيل أحكام الرهان، وإذا كان الشرط من جانب واحد.

السؤال:

اعلم بأن الشرط أو ما يسمَّى ” الرهان ” حرام ولكن إذا كان الشرط من جانب واحد فهل هو حرام؟ لي صديق قال لي: إذا ربحت بكذا وكذا فلك مني عشاء على حسابي، فقلت له: بأن الرهان من جانب واحد من الممكن أنه حرام. أرجو الإيضاح.

 

الجواب:

الحمد لله

المراهنة التي تجري بين الناس لها صور متعددة ، وهي تنتظم في خمس صور مشهورة:

الأولى: أن تكون مسابقة على عوض من أحد المتسابقين: بأن يقول – مثلًا -: عليَّ مائة دينار إن سبقتَني، أو يقول: عليك مائة ريال إن سبقتُك.

الثانية: أن يتسابقا على عوض من الطرفين: بأن يقول: إن سبقتني فعلي مائة دينار، وإن سبقتُك فعليك مائة دينار.

الثالثة: أن يتسابقا على عوضٍ من طرف خارج عنهما وفي أمورٍ مباحة غير محرمة.

الرابعة: أن يتسابقا على عمل غيرهم: بأن يتراهنا على فوز واحد بشخصه أو فريق بعينه.

الخامسة: التسابق على أمور مبغوضة للشرع محرمة، ولو كانت في أي صورة من الصور السابقة.

* أما أحكامها:

فالأولى منها: جائزة بلا خلاف يُذكر.

* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ما حكم المسابقة إذا كانت في عِوض من أحد المتسابقين؟.

فأجاب:

حكمها الجواز، وتوضيح المسابقة: إذا كانت على عِوض من أحد المتسابقيْن أن يقول مثلًا: عليَّ مائة ريال إن سبقتني، أو يقول عليك مائة ريال إن سبقتُك.

” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

وأما الثانية:

فالرهان فيها غير جاهز، ويشمل هذا – عند الجمهور – جميع الألعاب، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جوازه إذا كان في مسابقة الخيل والإبل والنصال، ومثله: كل ما يعين على الجهاد كالمسابقة بالمشي والسباحة والمصارعة، وهي من المحبوبات في الشرع مما يعين على تقوية البدن، وكذا في المسائل العلمية الشرعية.

وقول الشيخين هو الصواب، ولهم عليه أدلة كثيرة، منها: مراهنة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في المصارعة، ومراهنة أبي بكر الصديق لقريش في غلبة الروم.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

المراهنة معلومة عند كثير من الناس، وهي أن يختلف اثنان في شيء فيقول أحدهما: إن كان الأمر على ما أقول: فعليك كذا وكذا – مما يسمونه -، وإن كان الأمر على ما تقول أنت: فعليَّ كذا وكذا – ويسمونه -.

وهذا محرَّم؛ لأنه من الميسر الذي قرنه الله عز وجل بالخمر، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }، وعلى هذا: فهذه المقامرة حرام، وتسمية بعض الناس لها حقًا لا يزيدها إلا قبحًا؛ لأنه جعل الباطل حقًّا وسمَّاه بغير اسمه، وأصبغ عليه صبغة الحل، فيكون كاذبًا فيما ادَّعاه، مخادعًا فيما أظهره، نسأل الله السلامة. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 434 ).

* وفي الاستثناء قال الشيخ – رحمه الله -:

أما إذا قال: إن سبقتَني فعليَّ مائة ريال، وإن سبقتُك فعليك مائة: فهذا لا يجوز إلا في الخيل والإِبل والسهام، لثبوت السنة بذلك.

” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

* وقد ردَّ ابن القيم – رحمه الله – على من قال إن رهان الصدِّيق لقريش منسوخ بأية تحريم الميسر فقال:

ولا يصح أن يقال: إن قصة الصدِّيق منسوخة بتحريم القمار؛ فإن القمار حُرِّم مع تحريم الخمر في آية واحدة، والخمر حُرِّمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني النضير، وكان ذلك بعد أحد بأشهر، وأحد كانت في شوال سنة ثلاث بغير خلاف … وهذه الغلبة من الروم لفارس كانت عام الحديبية بلا شك …

” الفروسية ” ( ص 207 ).

* وقال – رحمه الله -:

وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه هي من الجهاد الذي يُظهر الله به دينه ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة جنسها يُعد للجهاد بخلاف جنس الصراع، فإنه لم يعد للجهاد، وإنما يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمن نصرة الحق وإعلائه، كصراع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس كانت مذمومة، فالصراع والسباق بالأقدام ونحوها إذا قصد به نصر الإسلام كان طاعة، وكان أخذ السَبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل.

” الفروسية ” ( ص 203 ، 204 ).

والثالثة:

جائزة أيضًا.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وإذا كان العوض من طرف ثالث لم يشارك المتسابقين: فهذا لا بأس به في المسابقات الجائزة غير المحرّمة، مثل أن يقول: تسابقوا على الأقدام والذي يسبق منكم له مائة ريال، أو تصارعوا والذي يصرع منكم له مائة ريال: فهذا لا بأس به؛ لأنه يعتبر مكافأة، وتشجيعًا. ” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

وأما الرابعة:

فمعاملة محرمة؛ وهي ميسر واضح، وكل طرف إما أن يكون غانمًا أو غارمًا، ولن يكون سالمًا، وهو ما يضبط معاملة الميسر، وهم لم يشاركوا بأبدانهم فلا استثناء لهم.

وأما الخامسة:

فالمعاملة محرمة – أيضًا – لحرمة اللعبة ذاتها حتى لو لم يكن فيها رهان.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

كثيرًا ما نلعب مع بعض ذوي الأموال الكثيرة الورق ” البلوت “، والفائز منا يعطيه هؤلاء 200 ريال فهل هذا حرام ومن القمار؟.

فأجاب:

هذه اللعبة على الوجه المذكور حرام ومن القمار، والقمار هو الميسر المذكور في قوله سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [ المائدة / 90 ، 91 ]، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله ويحذر هذه اللعبة وغيرها من أنواع القمار، ليفوز بالفلاح وحسن العاقبة والسلامة مما يترتب على هذه اللعبة من الشرور الكثيرة المذكورة في الآيتين.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 388 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

– المغالبات ثلاثة أنواع:

  1. فما كان معينًا على ما أمر الله به في قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } : جاز بجُعل وبغير جُعل.
  2. وما كان مفضيًا إلى ما نهى الله عنه كالنرد والشطرنج: فمنهي عنه بجُعل وبغير جُعل.
  3. وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة كالمسابقة والمصارعة: جاز بلا جعل.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 227 ).

 

والله أعلم.