الرئيسية بلوق الصفحة 347

هل يجوز للمسلم النوم في منزل شخص غريب عنه؟

إذا جاء مسلم من بلد آخر ومعه أخته وقد تقدم لخطبة أختي.
هل يجوز له المبيت في منزلنا؟ علماً أنه ينام معي في غرفتي بالمنزل وأنا أخو خطيبته.
الحمد لله
لا حرج على من بات في بيت غيره إن لم يكن هناك ريبة أو محذور شرعي .
فما يكون فيه ريبة مثل أن يكون الرجل مشهوراً بفسق ، وما يكون فيه محذور شرعي مثل أن يبيت الرجل في بيت ليس فيه إلا نساء ، وتزداد الحرمة إذا لم يكن فيه إلا امرأة واحدة .
أمَا والأمر كما ذكره السائل وهو أن الضيف الرجل – خطيب أخته – ينام معه في غرفته فهذا لا حرج فيه ، وهو من معالي الأخلاق ، والقيام على الضيف وإعطاؤه حقه الشرعي من الواجبات .
وقد جاء في السنة النبوية ما يؤكد حق الضيف في المبيت عند مضيفه دون أن يسبب ذلك حرجاً لرب المنزل.
عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يَثويَ عنده حتى يحرجه ” . رواه البخاري ( 5784 ) ومسلم ( 48 ) .
ومعني ” يَثوي ” : يبيت ويقيم .
وقد جاء هذا المعنى مصرحا به في رواية مسلم ( 48 ) للحديث نفسه ، ونصه :
” ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه ، قالوا : يا رسول الله وكيف يؤثمه ؟قال : يقيم عنده ولا شيء يَقريه به ” .
قال النووي :
قال العلماء :
معناه : الاهتمام به في اليوم والليلة وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف ، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك .
قالوا : وقوله صلى الله عليه وسلم : ” ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه ” معناه : لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم ؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به مالا يجوز ، وقد قال الله تعالى : { اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم } .
وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف ، أما إذا استدعاه وطلب زيادة إقامته ، أو علم ، أو ظن أنه لا يَكره إقامته : فلا بأس بالزيادة ؛ لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه وقد زال هذا المعنى . ” شرح مسلم ” ( 12 / 31 ) .
وفي سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من بيان جواز هذا الأمر ، فقد كان الضيف يبيت عند مضيفه، والأخ عند أخيه، ولا حرج في ذلك إذا لم يخالف الشرع ، ولم يسبب ضيقاً وحرجاً بطول المكث وليس عند رب المنزل ما يقدمه له .
ومن القصص الصحيحة المشهورة في هذا الباب :
أ. مبيت سلمان الفارسي في بيت أبي الدرداء :
عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : آخى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء ، فصنع له طعاماً ، فقال : كُلْ ، قال : فإني صائم ، قال : ما أنا بآكل حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، قال : نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم ، فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن ، فصلَّيا ، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان .
رواه البخاري ( 1867 ) . ومعنى ” متبذلة ” : أي : تلبس ثياب البِذلة وهي ثياب المهنة .
قال الحافظ ابن حجر :
وفي هذا الحديث من الفوائد : مشروعية المؤاخاة في الله ، وزيارة الإخوان والمبيت عندهم .
” فتح الباري ” ( 4 / 211 ) .
وقد ذكر العلماء أن هذا الحديث قبل تشريع الحجاب ، لذا لا يستدل به على كشف النساء لوجوههن ورؤية الأجنبي لها .
ب. قصة الأنصاري وزوجته :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يَضُمُّ – أو : يُضيف – هذا ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا فانطلق به إلى امرأته ، فقال : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال : هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها ، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان ، فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ضحك الله الليلة – أو عجب – من فعالكما ، فأنزل الله { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } . رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .

والله أعلم

كيف تكرم الزوجة ضيوف زوجها؟ وهل تجلس معهم؟

كيف تكرم الزوجة ضيوف زوجها؟ وهل تجلس معهم؟

السؤال:

سمعت بأن الزوجة يجب أن تكرم وفادة ضيوف زوجها، فما هو السبيل لذلك؟ هل تتحدث مع ضيوف زوجها ؟ هل تجلس معهم في نفس الغرفة في حضور زوجها؟

 

الجواب:

الحمد لله

إكرام الزوجة ضيوف زوجها لا مانع منه شرعاً بالشروط الشرعية المعتبرة وخاصة إذا كان هناك داعٍ لهذا ، كأن يكون زوجها مقعداً أو كانوا أكثر من واحد وهو غائب ، وهذا كله بشرط أمن الفتنة و النظر من كل من الطرفين وغيرها من الشروط الآتي بيانها .

عن سهل بن سعد قال : لما عرَّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد بلت تمرات في تور من حجارة من الليل فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته تتحفه بذلك . رواه البخاري ( 4887 ) .

– أماثتْه : مرسته بيدها .

وبوَّب عليه البخاري : باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس .

قال الحافظ ابن حجر :

وفي الحديث : جواز خدمة المرأة زوجها ومَن يدعوه ، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر . وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك . ” فتح الباري ” ( 9 / 251 ) .

– وبعض العلماء قال إن ذلك كان قبل نزول الحجاب .

وعلى كل حال فإن الجواز هو الصواب لكن ينبغي مراعاة أمور ، وهي :

  • أن لا يكون هناك نظر من كلا الطرفين .

لقوله تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور/ 30 ، 31 ] .

  • أن تتحجب الحجاب الشرعي الكامل .

والآية السابقة من الأدلة على هذا الشرط .

 

  • أن لا يكون بينها وبين ضيوف زوجها خلوة كأن يكون ضيفاً واحداً .

عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصدِّيق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لم أر إلا خيراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد برأها من ذلك ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : لا يدخلنَّ رجلٌ بعد يومي هذا على مُغِيبَة إلا ومعه رجل أو اثنان . مسلم ( 2173 ) .

  • أن لا تخضع بالقول في حديثها ، ولا تتكلم إلا عند الحاجة .

لقوله تعالى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً } [ الأحزاب / 32 ] .

  • أن لا يكون في المجلس منكر مثل الأغاني أو الغيبة وغيرهما .

لقوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [ الأنعام / 68 ] .

قال النووي :

” المُغِيْبة ” بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء وهي التي غاب عنها زوجها ، والمراد : غاب زوجها عن منزلها ، سواء غاب عن البلد بأن سافر ، أو غاب عن المنزل ، وإن كان في البلد .

هكذا ذكره القاضي وغيره ، وهذا ظاهر متعين ، قال القاضي : ودليله هذا الحديث ، وأن القصة التي قيل الحديث بسببها وأبو بكر رضي الله عنه غائب عن منزله لا عن البلد ، والله أعلم .

ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية ، والمشهور عند أصحابنا تحريمه ، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم ، أو مروءتهم ، أو غير ذلك ، وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل. ” شرح مسلم ” ( 14 / 155 ).

وهذه فتوى جامعة لكل ما سبق قوله – تقريباً – من الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

سئل الشيخ :

سؤال :

هل يجوز للمرأة أن تجلس مع أقارب زوجها . وهي محجبة حجاب السنة ؟

جواب :

يجوز للمرأة أن تجلس مع إخوة زوجها أو بني عمها أو نحوهم إذا كانت محجبة الحجاب الشرعي وذلك بستر وجهها وشعرها وبقية بدنها ، لأنها عورة وفتنة إذا كان الجلوس المذكور ليس فيه ريبة . . أما الجلوس الذي فيه تهمة لها بالشر فلا يجوز . . وهكذا الجلوس معهم لسماع الغناء وآلات اللهو ونحو ذلك . .

ولا يجوز لها الخلوة بواحد منهم أو غيرهم ممن ليس محرما لها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ” متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ” أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

والله ولي التوفيق . ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 422 ، 423 ).

 

والله أعلم.

يعيش مع أخته في بيت زوجها ويشعر بالإحراج!.

يسكن مع أخته وزوجها ويشعر بالحرج

السؤال:

أنا رجل أعيش مع أختي وزوجها وقد تزوجا قبل أكثر من سنة (سأمضي هنا أقل من سنة للدراسة) ، فهل يمكن اعتباري ضيفاً أم مضيفاً ؟ وهل يمكن لهم أن لا يشعروني بالراحة إذا أرادوا الجماع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أنك ضيفٌ عند أختك وزوجها ، ولستَ مضيفاً ، فالبيت لزوج أختك وهو المضيف وأما شعورك بالراحة من عدمها فهذا يرجع لطريقة تعاملهم معك من جهة ، ولطبيعتك من جهة ثانية ، فبعض المضيفين –  لشدة كرمه وحسن خلقه –  لا يُشعرك أنك ضيف عنده ، بل ويشعرك أنك أنت صاحب الدار وهو الضيف عندك ، وأنت لستَ غريباً عن هذه الأسرة ولستَ أجنبيّاً ، فأنت أخو زوجته وخال أولاده ، فإشعارك بهذا أقرب من إشعار غيرك .

وأما الذي من جهتك فيرجع إلى ثقلك من خفتك عليهم ، فبعض الناس يقدِّر ضيق ذات اليد عند مضيفه ويقدِّر ضيق بيته فيكون ضيفاً ولا يغيب عنه مثل هذه الأمور ، ففي حال ضيق البيت : يعطيهم فرصاً للقاءاتهم الخاصة وخاصة للجماع ، وفي حال ضيق ذات اليد : فإنك تجده يشاركهم في إحضار الطعام والشراب وإعانتهم بأجرة البيت ودفع بعض التكاليف المعيشيَّة .

فإن فعل ذلك كان ضيفاً خفيفاً مرغوباً فيه ، ولم يُشعره المضيف أنه ضيف ثقيل عليهم ، ويزول شعوره بالإحراج من بقائه عندهم .

 

والله أعلم.

هل يجوز تقبيل يد العلماء والركوع لهم احترامًا؟

هل من الممكن تقبيل يد قادة العالم الإسلامي ؟ أو أن نركع احتراماً لهم ؟ وما هي الطريقة الصحيحة لتحيّتهم ، نحن نعتقد أن الطريقة هي العناق والمصافحة للرجال . جزاك الله خيراً
الحمد لله
أولاً :
الطريقة الصحيحة لتحيّة أهل العلم هي المصافحة ، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة ، ويمكن تقبيل رأسه ويده أحياناً ولا يجوز أن يتخذ ذلك عادة وخاصة إذا كان على حساب المصافحة .
وأما المعانقة فتجوز عند القدوم من السفر ، وتجوز في بعض الأحوال كالتعبير عن شدة الحب في الله أو أن تكون عند مناسبة مثل العيد أو طول الغياب ونحو ذلك .
عن قتادة قال : قلت لأنس أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . رواه البخاري ( 5908 ) .
وعن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه فقرع الباب ، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرياناً يجر ثوبه والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده فاعتنقه وقبَّله . رواه الترمذي ( 2732 ) وحسَّنه .
ومعنى ” عرياناً ” أي : من الرداء الذي يستر عاتقه .
وعن أنس قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا . رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 1 / 37 ) ، وصححه الشيخ الألباني في
” السلسلة الصحيحة ” ( 2647 ) .
وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من هجرة الحبشة تلقَّاه النبي صلى الله عليه وسلم فعانقه وقبَّل ما بين عينيه .
رواه الطبراني في “الكبير”(2/108)،وله شواهد كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 4 / 96 ) ، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2657 ) .
وعن أسامة بن شريك قال : قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلنا يده .
رواه أبو بكر بن المقري في جزء ” تقبيل اليد ” ( ص 58 ) .
قال الحافظ ابن حجر : سنده قوي . ” فتح الباري ” ( 11 / 56 ) .
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني :
قلت : وفي ذلك من الفقه تفريق الصحابة بين الحضر والسفر في أدب التلاقي ، ففي الحالة الأولى : المصافحة ، وفي الحالة الأخرى : المعانقة ، ولهذا كنت أتحرج من المعانقة في الحضر ، وبخاصة أنني كنت خرجت في المجلد الأول من هذه ” السلسلة ” ( رقم 160 ) حديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن الانحناء والالتزام والتقبيل ، ثم لما جهزت المجلد لإعادة طبعه ، وأعدت النظر في الحديث ، تبين لي أن جملة ” الالتزام ” ليس لها ذكر في المتابعات أو الشواهد التي بها كنت قوَّيت الحديث ، فحذفتُها منه كما سيرى في الطبعة الجديدة من المجلد إن شاء الله ، وقد صدر حديثاً والحمد لله .
فلما تبين لي ضعفها زال الحرج والحمد لله ، وبخاصة حين رأيت التزام ابن التيِّهان الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث خروجه صلى الله عليه وسام إلى منزله رضي الله عنه الثابت في ” الشمائل المحمدية ” ( رقم 113 ص 79 – مختصر الشمائل ) ، ولكن هذا إنما يدل على الجواز أحياناً ، وليس على الالتزام والمداومة كما لو كان سنَّة ، كما هو الحال في المصافحة ، فتنبه .
وقد رأيت للإمام البغوي رحمه الله كلاماً جيِّداً في التفريق المذكور وغيره ، فرأيت من تمام الفائدة أن أذكره هنا ، قال رحمه الله في ” شرح السنَّة ” ( 12 / 293 ) – بعد أن ذكر حديث جعفر وغيره مما ظاهره الاختلاف – :
” فأما المكروه من المعانقة والتقبيل : فما كان على وجه الملق والتعظيم ، وفي الحضر ، فأما المأذون فيه فعند التوديع وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب وشدَّة الحب في الله،
ومن قبل فلا يقبل الفم ، ولكن اليد والرأس والجبهة .
وإنما كره ذلك في الحضر فيما يرى ؛ لأنه يكثر ولا يستوجبه كلّ أحد ، فإن فعله الرجل ببعض الناس دون بعض : وجد عليه الذين تركهم ، وظنّوا أنه قصّر بحقوقهم ، وآثر عليهم ، وتمام التحيّة المصافحة . انتهى
واعلم أنه قد ذهب بعض الأئمة كأبي حنيفة وصاحبه محمد إلى كراهية المعانقة ، حكاه عنهما الطحاوي خلافاً لأبي يوسف .
ومنهم الإمام مالك ، ففي ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 278 ) :
” وكره مالك معانقة القادم من سفر ، وقال : بدعة ، واعتذر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بجعفر حين قدم ، بأنه خاص له فقال له سفيان : ما تخصّه بغير دليل ، فسكت مالك ، قال القاضي : وسكوته دليل لتسليم قول سفيان وموافقته ، وهو الصواب حتى يقوم دليل التخصيص” .
هذا وقد تقدّم في كلام الإمام البغوي قوله بأنه لا يقبّل الفم ، وبيَّن وجه ذلك الشيخ ابن مفلح في ” الآداب الشرعية ” ، فقال ( 2 / 275 ) :
” ويكره تقبيل الفم ، لأنّه قلّ أن يقع كرامة ” .
ويبدو لي وجه آخر ، وهو أنه لم يروَ عن السلف ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، وما أحسن ما قيل :
وكلّ خيرٍ في اتَّباع من سلف * وكّل شرَّ في ابتداع من خلف .
” السلسلة الصحيحة ” المجلد السادس القسم الأول ( 305 – 307 ) .
وقال الشيخ – أيضاً – :
… وأما تقبيل اليد : ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة ، يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ، فنرى جواز تقبيل يد العالِم إذا توفرت الشروط الآتية :
1. أن لا يُتخذ عادة بحيث يتطبع العالِم على مدِّ يده إلى تلامذته ، ويتطبع هؤلاء على التبرك بذلك ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن قُبِّلت يدُه فإنما كان ذلك على الندرة ، وما كان كذلك فلا يجوز أن يُجعل سنَّة مستمرة ، كما هو معلوم من القواعد الفقهية .
2. أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالِم على غيره ورؤيته لنفسه ، كما هو الواقع مع المشايخ اليوم .
3. أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنَّة معلومة ، كسنَّة المصافحة ، فإنها مشروعة بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله ، وهي سبب شرعي لتساقط ذنوب المتصافحين ، كما روي في غير ما حديث واحد ، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمرٍ أحسن أحواله أنه جائز .
” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 302 ) .
ثانياً :
وأما الركوع والانحناء فلا يحل عند ملاقاة أحد لا عند عالِم ولا غيره .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
وأما الانحناء عند التحية : فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له ؟ قال : لا ” ؛ ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف { وخروا له سجَّداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله ، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود ؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه .
” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 377 ) .
وقال :
وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم أو تقبيل الأرض ونحو ذلك : فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه ، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله عز وجل منهي عنه ، ففي المسند وغيره أن معاذ بن جبل رضى الله عنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال : ما هذا يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم ، فقال : كذبوا يا معاذ لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، يا معاذ أرأيتَ إن مررت بقبري أكنتَ ساجداً ؟ قال : لا ، قال : لا تفعل هذا ” أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …
وبالجملة : فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض وما كان حقّاً خالِصاً لله لم يكن لغيره فيه نصيب مثل الحلف بغير الله عز وجل .
” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 92 ، 93 ) .
وقال علماء اللجنة الدائمة :
لا يجوز الانحناء عند السلام و لا خلع النعلين له .
وقالوا :
لا يجوز الانحناء تحيةً للمسلم ولا للكافر ، لا بالجزء الأعلى من البدن ولا بالرأس ؛ لأن الانحناء تحية عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله وحده .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 233 ، 234 ) .

والله أعلم

إجابة مفصلة عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية

إجابة مفصلة عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية

السؤال:

أريد أجابه مفصلة عن حكم مصافحة الرجل للمرأة وأقوال الأئمة الأربعة في ذلك وقول جمهور العلماء ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

لا يحل لرجل يؤمن بالله ورسوله أن يضع يده في يد امرأة لا تحل له أو لم تكن من محارمه ،  ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه . عن معقل بن يسار يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ” . رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 486 ) .

والحديث : قال الشيخ الألباني عنه في ” صحيح الجامع ” ( 5045 ) : صحيح .

فهذا الحديث وحده يكفي للردع والتزام الطاعة التي يريدها الله تعالى منّا لما يفضي إليه مسّ النساء من الفتن والفاحشة وسوء الخلق .

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ” كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمتحنَّ بقول الله عز وجل : { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين } [ الممتحنة / 12 ] ، قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلقن فقد بايعتكن ، ولا والله ما مسّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط غير أنه يبايعهن بالكلام ، قالت عائشة : والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى وما مسّت كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاما ” . رواه مسلم ( 1866 ) .

عن عروة أن عائشة أخبرته عن بيعة النساء قالت : ” ما مسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط إلا أن يأخذ عليها فإذا أخذ عليها فأعطته ، قال : اذهبي فقد بايعتك ” . رواه مسلم ( 1866 ) .

فهذا المعصوم خير البشرية جمعاء سيد ولد آدم يوم القيامة لا يمسّ النساء ، هذا مع أن الأصل في البيعة  أن تكون باليد ، فكيف غيره من الرجال ؟ .

عن أميمة ابنة رقيقة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني لا أصافح النساء ” . رواه النسائي ( 4181 ) وابن ماجه (2874) .

والحديث صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2513 ) .

ثانياً :

ومثله فلا تجوز المصافحة ولو بحائل من تحت ثوب وما أشبهه والذي ورد بذلك من الحديث ضعيف : عن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم : ” كان يصافح النساء من تحت الثوب ” . رواه الطبراني في الأوسط ( 2855 ) . قال الهيثمي : رواه الطبراني في ” الكبير ” و ” الأوسط ” ، وفيه عتاب بن حرب ، وهو ضعيف .

” مجمع الزوائد ” ( 6 / 39 ) .

قال ولي الدين العراقي :

قولها رضي الله عنها ” كان يبايع النساء بالكلام ” أي : فقط من غير أخذ كف ولا مصافحة ، وهو دال على أن بيعة الرجال بأخذ الكف والمصافحة مع الكلام وهو كذلك ، وما ذكرته عائشة رضي الله عنها من ذلك هو المعروف .

وذكر بعض المفسرين أنه عليه الصلاة والسلام دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثم غمس فيه أيديهن ! وقال بعضهم : ما صافحهن بحائل وكان على يده ثوب قطري ! وقيل : كان عمر رضي الله عنه يصافحهن عنه ! ولا يصح شيءٌ من ذلك ، لا سيما الأخير ، وكيف يفعل عمر رضي الله عنه أمرا لا يفعله صاحب العصمة الواجبة ؟ . طرح التثريب ” ( 7 / 45 ) .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى – :

مصافحة النساء من وراء حائل- وفيه نظر–  والأظهر المنع من ذلك مطلقا عملا بعموم الحديث الشريف ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ” إني لا أصافح النساء ” ، وسدّاً للذريعة ، والله أعلم . ” حاشية مجموعة رسائل في الحجاب والسفور ” ( 69 ) .

ثالثاً :

ومثله مصافحة العجائز ، فهي حرام لعموم النصوص في ذلك ، وما ورد في ذلك من الإباحة فهو ضعيف : قال الزيلعي : قوله : ” وروي أن أبا بكر كان يصافح  العجائز ” ، قلت : غريب أيضاً .” نصب الراية ” ( 4 / 240 ) .

وقال ابن حجر :

لم أجده . ” الدراية في تخريج أحاديث الهداية ” ( 2 / 225 ) .

 

 

 

رابعاً :

وأما مذاهب العلماء الأربعة فكما يلي :

  1. مذهب الحنفية :

قال ابن نجيم :

ولا يجوز له أن يمس وجهها ولا كفها وإن أمن الشهوة لوجود المحرم ولانعدام الضرورة .” البحر الرائق ” ( 8 / 219 ) .

  1. مذهب المالكية :

قال محمد بن أحمد ( عليش ) :

ولا يجوز للأجنبي لمس وجه الأجنبية ولا كفيها ، فلا يجوز لهما وضع كفه على كفها بلا حائل ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها ” ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة بصفحة اليد قط إنما كانت مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء بالكلام ” ، وفي رواية ” ما مست يده يد امرأة وإنما كان يبايعهن بالكلام ” . ” منح الجليل شرح مختصر خليل ” ( 1 / 223 ) .

  1. مذهب الشافعية :

قال النووي :

ولا يجوز مسها في شيء من ذلك .  ” المجموع ” ( 4 / 515 ) .

وقال ولي الدين العراقي :

وفيه : أنه عليه الصلاة والسلام لم تمس يده قط يد امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه ، لا في مبايعة ، ولا في غيرها ، وإذا لم يفعل هو ذلك مع  عصمته وانتفاء الريبة في حقه : فغيره أولى بذلك ، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه ؛ فإنه لم يُعدَّ جوازه من خصائصه ، وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه ، وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة ولا خوف فتنة، فتحريم المس آكد من تحريم النظر ، ومحل التحريم ما إذا لم تدع لذلك ضرورة فإن كان ضرورة كتطبيب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها مما لا يوجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة .” طرح التثريب ” ( 7 / 45 ، 46 ) .

  1. مذهب الحنابلة :

وقال ابن مفلح :

وكره الإمام أحمد مصافحة النساء وشدَّد أيضاً .   الفروع ” ( 5 / 113 ) .

 

والله أعلم.

حكم المعانقة بين الرجال والمردان

حكم المعانقة بين الرجال ومع المردان

السؤال:

بالنسبة لموضوع الالتزام ( الحضن ) ، كثير من الإخوة يقومون بحضن إخوانهم في مناسبات مختلفة سواء العودة من السفر أو عند الفراق الطويل ، فهل هناك ضابط لهذا الفعل ؟ وما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ .

والبعض يفعل هذا الفعل مع الأحداث في السن ، فما الحكم في هذا ؟ بالإضافة إلى موضوع السلام والتقبيل على الجبين ما حكم فعله مع الأحداث وصغار السن (المرد)؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز المعانقة بين الرجل والرجل ، وخاصة إذا قدم أحدهما من سفر ، أو طال غيابهما ، وخالف في ذلك الإمام مالك فمنع منها ، وجعل ما روي في ذلك خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وناظره في قوله سفيان بن عيينة فسكت الإمام مالك ، وفي ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 6 / 140 ) جملة من الآثار عن الصحابة والتابعين في جواز المعانقة .

وما جاء من النهي عن المعانقة عند اللقاء فيرد عليه من وجهين :

ضعف الوارد في ذلك ، أو حمله على العناق من غير حاجة ، والتنبيه إلى ما هو أفضل وهو المصافحة .

فقد جاء عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال : لا ، قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا ، قال : أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم . رواه الترمذي ( 2728 ) وحسَّنه وابن ماجه ( 3702 ) .

وفي لفظ آخر : عن أنس بن مالك قال : قلنا : يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض ؟ قال : لا ، قلنا : أيعانق بعضنا بعضا ؟ قال : لا ، ولكن تصافحوا . رواه الترمذي (3702 ) . وحسنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 5 / 75 ) .

لكن الصواب أنه ضعيف ، إذ في إسناده ” حنظلة بن عبيد الله السدوسي ” ، قال الذهبي في ” ميزان الاعتدال ” ( 2 / 397 ) : قال يحيى القطان : تركته عمداً كان قد اختلط ، وضعَّفه أحمد وقال : منكر الحديث يحدث بأعاجيب , وقال ابن معين : ليس بشيء تغير في آخر عمره , وقال النسائي : ليس بقوي , وقال – مرة – : ضعيف .

وللفائدة : فإن الشيخ الألباني –  رحمه الله –  أقرَّ بضعف إسناد الحديث ، لكنه جاء بشواهد لتقويته ، وقد ذكر – رحمه الله – أن الشواهد ليس فيها النهي عن الالتزام والمعانقة ، لذا فإنها تبقى على ضعفها حتى مع تقوية باقي الألفاظ .

قال – رحمه الله – :

نعم ، لقد تبيَّن من إعادة النظر في الشواهد التي سقناها له تقويةً لحديثه أنه ليس فيها قوله ” ولا يلتزمه ” ، ولذلك بدا لي حذفه من متن الحديث في هذه الطبعة ، وأشرت إلى ذلك بالنقط ( … ) . ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 300 ) .

وقال :

وأما الالتزام والمعانقة : فما دام أنه لم يثبت النهي عنه في الحديث –  كما تقدم – : فالواجب – حينئذٍ – البقاء على الأصل ، وهو الإباحة ، وبخاصة أنه قد تأيَّد ببعض الأحاديث والآثار …  – وذكر بعضها – . ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 301 ) .

ولو صحَّ النهي عن المعانقة : فإنه يحمل على دوام المعانقة ، وعلى كونه عند اللقاء المجرد ، ويدل عليه قولهم ” الرجل منا يلقى أخاه ” .

قال السّندي – في ” شرح سنن ابن ماجه ” على هامش السنن – :

قوله ” أيعانق بعضنا بعضا ” أي : على الدوام ؛ فلذا قال : ” لا ” ، وإلا فالمعانقة أحيانا إظهاراً لشدة المحبة قد جاء ، والله أعلم .

وقال الشيخ الألباني – بعد أن ضعَّف جملة النهي عن الالتزام ، وصحَّح التزام الصحابي ابن التيِّهان للنبي صلى الله عليه وسلم في حديقته في الحضر – :

ولكن هذا إنما يدل على الجواز أحياناً ، وليس على الالتزام والمداومة كما لو كان سنَّة ، كما هو الحال في المصافحة ، فتنبَّه . ” السلسلة الصحيحة ” ( 6 / 305 ) .

وقد كان فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : المصافحة عند اللقاء ، والمعانقة عند القدوم من سفر أو للتهنئة وغيرها مما له سبب ، فقد روى الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 37 ) عن أنس رضي الله عنه قال : ” كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا ” ، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 2719 ) .

بل ويجوز أن يعانق الرجل أخاه في الحضر تعبيراً له عن حبِّه له في الله ، أو بسبب طول غيبته عنه ، وقد صحَّ – كما قال الشيخ الألباني – التزام ابن التيِّهان للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه إلى حديقته. انظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 302 ).

 

 

وقال ابن مفلح الحنبلي :

وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما مع أمن الشهوة , وظاهر هذا عدم إباحته لأمر الدنيا ، واختاره بعض الشافعية ، والكراهة أولى .

” الآداب الشرعية ” ( 2 / 259 ) .

وقال البغوي :

فأما المكروه من المعانقة والتقبيل : فما كان على وجه الملق والتعظيم ، وفي الحضر ، فأما المأذون فيه : فعند التوديع ، وعند القدوم من السفر ، وطول العهد بالصاحب ، وشدة الحب في الله .

– ومن قبَّل فلا يقبِّل الفم ، ولكن اليد والرأس والجبهة . ” شرح السنة ” ( 12 / 293 ).

ثانياً :

وما ذكرناه من جواز المعانقة : إنما هو إذا كان بين الرجل والرجل ، أو المرأة والمرأة بشرط الأمن من الشهوة ، ولا يجوز أن يكون بين الرجل والمرأة ، ولا بين الرجل والشاب الأمرد .

قال النووي :

وأما تقبيل الرجل الميت والقادم من سفره ونحوه فَسُنَّة , وكذا معانقة القادم من سفر ونحوه , وأما المعانقة وتقبيل وجه غير القادم من سفر ونحوه غير الطفل فمكروهان صرح بكراهتهما البغوي وغيره وهذا الذي ذكرنا في التقبيل والمعانقة أنه يستحب عند القدوم من سفر ونحوه ومكروه في غيره هو في غير الأمرد الحسن الوجه فأما الأمرد الحسن فيحرم بكل حال تقبيله سواء قدم من سفر أم لا والظاهر أن معانقته قريبة من تقبيله وسواء كان المقبل والمقبل صالحين أو غيرهما …

” المجموع ” ( 4 / 478 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –  رحمه الله – :

وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بالأمرد ولمسه والنظر إليه ، حرام باتفاق المسلمين كما هو كذلك في المرأة الأجنبية . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 543 ) .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 131 ) .

لا يجوز للرجل تقبيل فم الرجل ، أو يده ، أو شيء منه , وكذا تقبيل المرأة للمرأة , والمعانقة ، ومماسَّة الأبدان , ونحوها , وذلك كله إذا كان على وجه الشهوة , وهذا بلا خلاف بين الفقهاء .

 

والله أعلم.

هل يردُّ السلام على طائر الببغاء؟

هل يردُّ السلام على طائر الببغاء؟!

السؤال:

– فضيلة الشيخ ، بارك الله فيكم .

في بيت جدِّي ” ببغاء ” حقيقي ، إذا مررتُ بجانبه يلقي عليك السلام ، فيقول: ” السلام عليكم “، ففي هذه الحالة هل يجب عليَّ رد السلام على هذا الطائر ؟ .

– وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قال الفيومي – رحمه الله – :

البَبْغَاءُ :

طائر معروف، والتأنيث للفظ لا للمسمَّى، كالهاء في حمامة، ونعامة، ويقع على الذكر والأنثى، فيقال: ” بَبْغَاءُ ” ذكر، و” ببْغَاءُ ” أنثى، والجمع: ” بَبْغَاوَاتٌ “، مثل صحراء وصحراوات. “المصباح المنير في غريب الشرح الكبير” (1 / 35).

ثانياً:

لا يشرع رد السلام على ” الببْغاء ” – وقد تُشَدَّدُ الباءُ الثانيةُ – التي تعلَّم إلقاء السلام ؛ لأن السلام عبادة ، ودعاء ، يحتاج لقصد من قائله ، ولا قصد لذلك الحيوان المعلَّم ، فيمتنع الرد عليه ، وحكمه حكم الشريط الذي يسجَّل عليه سلام قائله ، فيُسمع ، فهو حكاية صوت ، وليس له حكم السلام إن كان من صاحبه على الهواء مباشرة ؛ فإنه يردُّ عليه وجوباً كفائيّاً .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

أحياناً يكون – أي : السلام – مسجَّلاً ، ويضعونه على الشريط ، ويسحبون عليه ، إن كان مسجَّلاً : فلا يجب أن ترد ؛ لأن هذا حكاية صوت … .

” لقاء الباب المفتوح ” ( 229 / 28 ) .

وعليه : فطائر ” الببغاء ” لا يقصد السلام ؛ لأنه لا عقل له ، وما يقوله من ألفاظ فهي ترداد مجرد لما يتعلمه ، غير مراد – قطعاً – منه ، وفيه يقول الشاعر :

ملأ الأرض هتافًا بحياة قاتليه *** يا له من ببغاء عقله في أذنيه

ولذا فإن من العلماء من قال بمشروعية سجود التلاوة إن قرأ قارئ آية تلاوة، ولم يلتزموا ذلك في حال سُمعت الآية من ” ببغاء “، أو سمعت من شريط تسجيل.

 

 

وفي نتائج كتاب ” بهجة الأسماع في أحكام السماع في الفقه الإسلامي ” للأستاذ علي بن ذريان بن فارس الحسن العنزي – طبعة دار المنار في الكويت – :

  1. لا يسجد السامع بسماع سجدة التلاوة من غير الآدمي ، كالطيور المعلَّمة ، مثل ” الببغاء ” ، وكسماعها مِن الصدى. انتهى.

 

والله أعلم.

يلتزمون دعاء معيناً عند كل فراق ، ويطلقون ” خودا ” على ” الله ” عز وجل !

يلتزمون دعاء معيناً عند كل فراق ، ويطلقون ” خودا ” على ” الله ” عز وجل !

السؤال:

أنا من باكستان ، ودائماً نُنهي الحوار بيننا بكلمة خودا حافظ ، فهل من الخطأ أن نقول هذا؟

 

الجواب:

الحمد لله

– نعم ، الظاهر أنه خطأ من ثلاث جهات :

من جهة تسمية الله عز وجل باسم ” خودا “ ، ولا يكون لفظ آخر بديلاً عن لفظ ” الله “.

– ومن جهة المداومة على هذه الكلمة ، وهذا يجعلها من البدع ، فمِن المعلوم أنه لا يجوز التزام دعاء معيَّن لم يرد في الشرع لسببٍ وُجد في عهد النبوة ، فاللقاء والفراق ليس لها مثل هذا الدعاء في الشرع .

– ومن جهة ثالثة : أن في هذا الفعل تضييعاً للسنَّة ، حيث جاء الشرع بالسلام عند اللقاء وعند الفراق .

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ” . رواه مسلم ( 54 ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا انتهى أحدكم إلى المجلس ، فليسلم ، فإذا أراد أن يقوم فيسلم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة ” . رواه الترمذي ( 2706 ) وحسَّنه وأبو داود ( 5208 ) .

والحديث : صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 183 ) .

قال الشيخ الألباني :

والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد ، وأحق من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلابه ، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس –  مثلاً –  أن يسلِّموا ، وكذلك إذا خرجوا ، فليست الأولى بأحق من الأخرى ، وذلك من إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتي ” إن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، وضعه في الأرض ، فأفشوا السلام بينكم ” .” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 357 ، 358 ) .

 

والله أعلم.

هل للباس الرجال ضوابط وشروط كما هو الحال مع المرأة؟

أسمع العلماء كثيراً يتكلمون عن حجاب المرأة وأفهم أن هذا مهم ومع هذا فالرجال يرتدون ملابس لا تليق مثل السراويل الضيقة بينما زوجاتهم يرتدين الحجاب أليس الرجال مطلوب منهم أن يلبسوا بطريقة ملائمة وما هي حدود ملابس الرجل

الحمد لله
لباس الرجال اللباس الضيق الذي يصف سوءاتهم محرم شرعاً لأن اللباس الضيق يصف العورة التي أوجب الإسلام سترها .
وقد حرم كثير من العلماء المعاصرين ما ابتلي به المسلمون في أيامنا من لبس السراويل الضيقة وهي ما تسمى بالبنطلونات .
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى :
البنطلون فيه مصيبتان هما :
أولا : هي أن لابسه يتشبه بالكفار ، والمسلمون كانوا يلبسون السراويل الواسعة الفضفاضة التي ما زال يلبسها في سوريا ولبنان.
فما عرف المسلمون “البنطلون ” إلا حينما استُعمروا ، ثم لما انسحب المستعمرون تركوا آثارهم السيئة وتبناها المسلمون بغباوتهم وجهالتهم .
ثانياً : هي أن ” البنطلون ” يحجِّم العورة وعورة الرجل من الركبة إلى السرة والمصلي يفترض عليه : أن يكون أبعد ما يكون عن أن يعصي الله ، وهو له ساجد ، فترى أليتيه مجسمتين ، بل وترى ما بينهما مجسماً ، فكيف يصلي هذا الإنسان ، ويقف بين يدي رب العالمين ؟ .
ومن العجب : أن كثيراً من الشباب المسلم ، ينكر على النساء لباسهن الضيق ،لأنه يصف جسدهن ، وهذا الشاب ينسى نفسه ، فإنه وقع فيما ينكر ، ولا فرق بين المرأة التي تلبس اللباس الضيق ، الذي يصف جسمها وبين الشباب الذي يلبس ” البنطلون ” ، وهو أيضاً يصف أليتيه ، فألية المرأة من حيث إنهما عورة ، كلاهما سواء ، فيجب على الشباب أن ينتبهوا لهذه المصيبة التي عمتهم إلا من شاء الله ، وقليل ما هم .
انظر ” القول المبين في أخطاء المصلين ” لمشهور حسن ( ص 20 – 21 ) .
وقال رحمه الله تعالى :
لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة ، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع ، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة ، فإنه يصف حجم جسمها ، أو بعضه ،ويصوره في أعين الرجال ، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفي ، فوجب أن يكون واسعاً .
” جلباب المرأة المسلمة ” ( ص 131 ) .
وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن الصلاة في البنطلون بسؤال رقم (2003) ، فأجابت :
إن كان ذلك اللباس لا يحدد العورة لسعته ، ولا يشف عما وراءه ، لكونه صفيقاً ، جازت الصلاة فيه ، وإن كان يشف عما وراءه بأن ترى العورة من ورائه بطلت الصلاة فيه ، وإن كان يحدد العورة فقط ، كرهت الصلاة فيه إلا أن لا يجد غيره ، وبالله التوفيق .
نقلاً عن ” القول المبين ” ( ص 21 ) .

والله أعلم

كيف نفرق بين لباس الكفار وغيرهم؟

أريد أن أعرف شيء عن لباس الرجل والمرأة سمعت أنه يجب ألا نتشبه بزي الكفار. لذلك ما نوع الملابس التي يطلق عليها زي الكفار؟ هل النساء مسموح لهن ارتداء على سبيل المثال ساريس “فستان هندي” تحت الجلباب وأمام محارمنا مع الأخذ في الإعتبار أن كثير من المسلمات يعشن هناك ويرتدينه أيضاً أريد أن أعرف حيث في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ارتدى الصحابة أثواباً طويلة حيث كان هذا هو زي العرب غير المسلمين أيضاً لذلك الا يعتبر هذا تقليد للكفار وهل السراويل تعتبر من ملابس الكفار وماذا عن الفساتين حيث أن الكافرات يرتديهن؟ وشكراً مقدماً.

الحمد لله
أولاً :
الذي يُمنع منه المسلمون من التشبه بالكفار هو ما كان مما يختص بالكفار ولا يشركهم فيه أحد ، أي : مما لا يعرف عند المسلمين والذي يكون من عاداتهم الخاصة بهم ، أما إذا كان المسلمون يلبسون زياً واشتهر عندهم وشاركهم الكفار به : فلا يحرم على المسلمين .
عن البراء رضي الله عنه قال : ” أمَرَنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع : عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونهانا عن سبع عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق والمياثر الحمر ” .
رواه البخاري ( 5500 ) ومسلم ( 2066 ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – في بيان حكم المياثر الحمر ، وهي ما يفترشه الناس مما يجلسون عليه – :
وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة والله أعلم .
” فتح الباري ” ( 10 / 307 ) .
ومن الحِكَم في منع المشابهة للكفار : حتى لا يؤثر ذلك على باطن المتشبه ، لأن الذي يتشبه بالقوم من الخارج فإن ذلك يؤثر فيه من الداخل حتى يكاد يرى نفسه ذات المشبه به ، ولكي يتميز المسلم من الكافر ثم لا يهان المسلم ولا يعظم الكافر .
وفي مثل هذا يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله – مبيناً حال الذين يلبسون الزنانير في الوسط – :
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” من تشبه بقوم فهو منهم ” ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : أقل أحوال هذا الحديث التحريم ، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم .
إذاً فلا يقتصر على الكراهة فقط لأننا نقول : إن العلة في ذلك أن يشابه زنار النصارى فإن هذا يقتضي أن نقول : إنه حرام لقول الرسول صلى عليه الله وسلم : ” من تشبه بقوم فهو منهم ” ، وليس المعنى أنه كافر ، لكن منهم في الزي والهيئة ، ولهذا لا تكاد تفرق بين رجل متشبه بالنصارى في زيِّه ولباسه وبين النصراني ، فيكون منهم في الظاهر .
قالوا : وشيء آخر وهو : أن التشبه بهم في الظاهر يجر إلى التشبه بهم في الباطن ، وهو كذلك ؛ فإن الإنسان إذا تشبه بهم في الظاهر : يشعر بأنه موافق لهم ، وأنه غير كاره لهم ويجره ذلك إلى أن يتشبه بهم في الباطن ، فيكون خاسراً لدينه ودنياه فاقتصار المؤلف على الكراهة فيما يشبه شد الزنار فيه نظر والصواب : أنه حرام .
” الشرح الممتع ” ( 2 / 192-193 ) .
ونقول :
أما إذا كان اللباس لا يختص بالكافرين وكان هذا لا يجعلك تظن المسلم كافراً والكافر مسلماً وكان يسهل عليك التمييز فإنه لا يعد من التشبه المحرم ، وقد تكلم شيخ الإسلام عن هذا التمييز فقال :
….. التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر ، ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز بل بالتمييز في عامة الهدى على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع ، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهراً وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود .
ومقصودهم من هذا التميز : كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن خالد بن عرفطة قال : كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار أن لا يجزوا نواصيهم – يعني النصارى – ولا يلبسوا لبس المسلمين حتى يعرفوا .
وقال القاضي في مسألة حدثت في وقته : أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار ، فإن امتنعوا لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه .
قلت : وهذا فيه خلاف ، هل يلزمون بالتغير أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن نغير نحن ؟ وأما وجوب أصل المغايرة : فما علمت فيه خلافاً .
وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر كتب ” أن لا تكاتبوا أهل الذمة فيجري بينكم وبينهم المودة ، ولا تكنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم ، ومروا نساء أهل الذمة أن لا يعقدن زناراتهن ويرخين نواصيهن ويرفعن عن سوقهن حتى نعرف زيهن من المسلمات . فإن رغبن عن ذلك فليدخلن إلى الإسلام طوعاً أو كرهاً .
وروى أيضاً أبو الشيخ بإسناده عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبان قال : دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب ، قال : فمن أنتم ؟ قالوا : نحن بنو تغلب ، قال : أو لستم من وسائط العرب ؟ قالوا : نحن نصارى ، قال : عليَّ بجلم – المقص – فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبراً يحتزم به ، وقال : لا تركبوا السروج واركبوا على الأكف، ودلُّو أرجلكم من شق واحد .
” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 122-123 ) .
إذاً من مجموع ما سبق نعلم أن المراد من ترك المشابهة للكافرين ذلك فيما يتميزون فيه ويكون علامة عليهم .
أما إذا كانت أمَّة من أمم المسلمين ترتدي زيّاً قد شاركت فيه أمة من أمم الكفر فهذا يعفى عنه ولا نطالب هذه الأمة أن تعود عما تلبس ؛ لأن التميز قد يحصل بتغيير يسير ، يجبرهم الوالي عليه .
فإن استطاع إجبار الكافرين فعل وإلا غيَّر المسلمون كما سلف من كلام ابن تيمية ، فإن تعسر هذا كزماننا هذا فيعفى عن ذلك كله لأن التشبه الظاهر هنا لا يؤثر في الباطن ، فيبقى التمييز وليس لنا قوة على الكافرين حتى نميزهم بل ولا على المسلمين .
والحالة التي ذكرتها في سؤالك عن الفستان الهندي :
نرى والله تعلى أعلم أن هذا لا يجوز لأن المسلمات اللواتي يرتدينه أقل من الكافرات والمعروف عن الهند أنها بلاد كفر ، والأصل مخالفتهم .
ثانياً :
أما عن زي الرسول وأنه شابه بلباسه لباس العرب ، فنقول :
إن الدولة الإسلامية لما امتد رواقها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل العرب في دين الله تعالى أصبح لباس العرب علامة على لباس المسلمين لأن معظم المسلمين في حينه من العرب ، وأما في أول الإسلام لما كان المسلمون قلة لم تكن هذه التشاريع قد ظهرت في بداية الدعوة حتى يميز المسلمون بها وهم قلة وإنما بدأت الدعوة للتمييز بعد دخول كثير من العرب في الإسلام وعندئذٍ لم يعد هذا النوع من اللباس يختص بالكافرين .
أضف إلى ذلك أن لباس العرب جاء الشرع ليوافق ما هو عليه ، والأصل أن المخالفة في زي الكفار على وجهين :
1. أن معظم زي الكفار لا يتوافق مع الأحكام الشرعية للبس المسلمين من حيث ضيق اللباس أو كيفية صنعه .
2. أن المشابهة لزي الكفار إنما تكون في حال أن يلبس الإنسان كامل لباسهم الذي عُرفوا به، فإن لبس بعضه – كـ” الجاكيت ” مثلاً – فلا حرج في ذلك .

والله أعلم.