الرئيسية بلوق الصفحة 365

لوالده راتب، لكنه مع فعله للمحرمات لا يكفيه، فهل على الولد إعطاؤه من ماله؟

لوالده راتب، لكنه مع فعله للمحرمات لا يكفيه، فهل على الولد إعطاؤه من ماله؟

السؤال:

لي والد مسرف على نفسه في المعصية ، وهو قد أحيل على المعاش ، ومرتبه الشهري الذي يتقاضاه يكفيه وزيادة ، ولكن للأسف لتبذيره المال فيما لا يرضي الله لا يكفيه المال الذي يتقاضاه ، فما إن يلتقي معي إلا يسألني المال ويقول لي لم أستطع تسديد فاتورة الكهرباء … الخ ، وأنا على يقين أنه لو استقام في حياته لكان ما يتقاضاه من مال كافياً لجميع احتياجاته ، فهو يحرجني بهذا السؤال ، فما من لقاء إلا يسألني المال ، فإن أعطيته فأشعر كأنني أعينه على معصية الله ، وإن لم أعطه يصير لا يسلم عليَّ ، فهل هذا من العقوق الذي حرمه الله أم لا ؟ .

– أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً  .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

إن من أعظم البر بالوالدين : نصحهما ، ووعظهما ، وأمرهما بالمعروف ، ونهيهما عن المنكر ، وهذا خير لهما من الطعام والشراب والكسوة ، فعلى الأولاد التنبه لهذا ، وليعلموا أن إنجاء الوالدين من سخط الله وعذابه هو خير ما يقدمونه لوالديهم .

فاحرص أخي السائل على هذا ، ولتتفكر في الطرق الموصلة لهداية والدك مما يفعله من منكرات وموبقات ، وابذل الطرق المباحة في ذلك ، ولو استهلك ذلك مالك كلَّه فإنه لا يضيع عليك ما تقدمه من خير لوالدك .

ثانياً:

جاءت الأحاديث الصحيحة تبين أن الوالد يشارك ولده في ماله ، لكن ذلك على وجه الإباحة ، لا على وجه التمليك ، كما أن ذلك مشروط بكون الأب في حاجة ، والابن في غنى وسعة ، وعلى أن يستعمل الأب هذا المال فيما يحرم عليه من أفعال .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالاً وَوَلَدًا ، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي فَقَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) . رواه ابن ماجه ( 2291 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي قَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ ) . رواه ابو داود ( 3530 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

قال المباركفوري – رحمه الله – :

قال الشوكاني : ” فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله ، فيجوز له الأكل منه ، سواء أذن الولد ، أو لم يأذن .

ويجوز له أيضاً أن يتصرف به كما يتصرف بماله ، ما لم يكن ذلك على وجه السرف ، والسفه .

وقد حكى في ” البحر ” الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين ” انتهى . ” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 494 ) .

فإذا كان راتب والدك يكفيه ، وهو يستعمله – أو شيئاً منه – في المنكرات والمحرَّمات ، وما تملكه أنت من مال لا يكفيك ، أو بالكاد يكفيك : فلا يجب عليك إعطاء والدك ؛ لما يتسببه ذلك بالضرر له ؛ ولما فيه من إعانته على فعل ما حرَّم الله تعالى عليه .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

في الحديث الشريف في باب حق الأب على الابن قال عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) فهل هذا الكلام ينطبق على البنت التي تعمل براتب جيد ولو أن والدها ليس بحاجة مادية إليها ما دامت تحت ولايته ؟ .

فأجابوا :

الحديث يعم الابن والبنت ، ويدل على ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها : ( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم ) رواه الخمسة ، لكن يشترط ألا يكون في ذلك ضرر بيِّن على الولد ، ذكراً كان أو أنثى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، وما جاء في معناه من الأدلة ، وأن لا يأخذ الوالد ذلك تكثراً ، بل يأخذه لحاجة .

الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 21 / 180 ، 181 ) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

ما مدى صحة الحديث القائل ( الولد وما ملك لأبيه ) ، فإن زوجها هذا يفرض على أحد أبنائه أن يعطيه المال رغم فسقه وفجوره ، فكيف أن الابن يتعب ويشقى في جمع المال ثم يعطيه لمثل هذا الأب ليصرفه في المحرمات ، ويوزع منه على إخوته الباقين ، ويحرضهم ضد أخيهم ، حتى غرس الكره والعداوة بينهم ، فهل يلزم هذا الابن إعطاء والده هذا ماله أو شيئاً منه وهو بهذه الحال أم لا ؟ .

فأجاب:

ما سردته من الحديث ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( أنت ومالك لأبيك ) : فهو حديث حجة ، ولهذا قال أهل العلم : إن الأب له أن يتملك من مال ولده ما لا يضر الولد ، ولا يحتاجه ، وأما ما تعلقت به حاجة الولد ، أو كان يضر الولد : فإنه ليس له أن يتملكه ، وكذا إذا كان الأب يأخذه منه ليصرفه في أمور محرمة : فإن ذلك حرام عليه ، ولا يملك هذا الشيء ؛ لأنه – أعني : الأب – لا يملك أن يصرف ماله الخاص به في معاصي الله ، فكيف بمال ابنه ؟! وعلى هذا : فإننا ننصح هذا الأب بأن يتقي الله عز وجل في ولده، وفي أهله، بل وفي نفسه، ويرجع إلى الله، ويتوب إليه، ويقبل على صلواته، وعلى عباداته، حتى يلقى الله تعالى وهو ومؤمن، ونسأل الله العافية، والسلامة من الشرور. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 104 ، وجه أ ).

والخلاصة :

أنه لا يجوز لك إعطاء والدك شيئاً من مالك ليستعين به على المعصية ، فإذا كفَّ عن معصيته ، ولم يكن ما يأتيه من مال يكفيه : فإن له الحق في مالك ، ما لم يكن فيه عليك ضرر ، وابذل وسعك وجهدك في نصحه ، واجعل المال الذي يطلبه منك في تكاليف نصحه وهدايته ، ولعلَّ التضييق عليه في المال أن يجعله يكف عن فعل الحرام .

 

والله أعلم.

 

هل تقاطع والدتها التي تشكوها لزوجها كثيرًا وتخشى أن تفسد حياتها؟

هل تقاطع والدتها التي تشكو لزوجها
السلام عليكم
هل يجوز للفتاة أن تقاطع أمها لأنها تشكوها إلى زوجها دائما؟ الفتاة تخشى أن يؤدي ذلك إلى تحطيم حياتها الزوجية. أم الفتاة غير متمسكة بدينها, ويظهر أنها تغار من زوج ابنتها. كما أنها كانت تنشر أكاذيب مختلقة تقدح في استقامة ابنتها. هذه المرأة (والدة الفتاة) مطلقة, وهي تعيش بمفردها في بيت آخر. أرجو توضيح ما يمكن فعله في هذه الحالة.

الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
إذا كان الأمر كما وصفته الفتاة في السؤال فنقول :
أولاً :
حاولي إصلاح الوضع بالنصح والحسنى مع الموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ما استطعت إلى ذلك سبيلا .
ثانياً :
إن تعذر الذي ذكرناه في ( أولا ) : فاعلمي أن أمك عاصية بهذا وهي تقترف ذنباً من الكبائر التي حرمها الله تعالى وحرمها رسوله ، فذنب إفساد ذات البين والقطيعة بين الناس ذنب عظيم فهذا الذنب كما وصفه العلماء بأنه كالسحر في شره إذ جامع الشبه بينهما أن كليهما ممن يفرق بين الناس .
وقد أوردنا في جواب سابق كلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – حيث شبه الذي يفرق بين الناس بهاروت وماروت ، ونعيد ذكره هنا حيث سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن مثل هذا فإليك السؤال والجواب :
سئل رحمه الله عن امرأة وزوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها ؟ . فأجاب :
الحمد لله ، إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتهم ولا يجوز في نحو ذلك بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها و” أيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت الجنة “وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها اللهم إلا أن يكونا مجتمعين على معصية أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم .
” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 112- 113 ) .
وحديث ” أيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت الجنة ” رواه الترمذي ( 1161 ) وابن ماجه ( 1854 ) ، وضعفه بعض العلماء وهو حديث متكلم فيه, فلينظر لكلام ابن الجوزي في ” العلل المتناهية “, وقد ضعفه أيضا الألباني في ” الضعيفة ” رقم ( 1426 ) ، ومعنى الحديث ثابت في روايات أخرى صحيحة .
ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى :
النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس .
قلت : النميمة على قسمين : تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المومنين فهذا حرام متفق عليه ….. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 148 ) .
وقد حرم الله تعالى هذا النوع من التحريش في القرآن في كثير من المواضع :
1.قال الله تعالى:{ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } [ البقرة / 205 ] . قال القرطبي في تفسير هذه الآية :
وقيل : الحرث : النساء والنسل الأولاد ، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال وفيه هلاك الخلق قال معناه الزجاج .
والسعي في الأرض : المشي بسرعة ، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس والله أعلم .
” تفسير القرطبي ” ( 3 / 17 ) .
2. قال الله تعالى : { ولا تطع كل حلاف مهين . همَّاز مشاء بنميم } [ ن / 10-11 ] .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية :
{ مشاء بنميم } : أي : يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم ، يقال : نم نيم ونميما ونميمة أي : يمشي ويسعى بالفساد وفي صحيح مسلم عن حذيفة : ” أنه بلغه رجلا ينم الحديث فقال حذيفة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” لا يدخل الجنة نمام ” .
” تفسير القرطبي ” ( 18 / 232 ) .
ومن الحديث :
3. عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ، قالوا : بلى ، قال : صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ” .
قال أبو عيسى – الترمذي – : هذا حديث صحيح .
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ” .
رواه الترمذي ( 2509 ) .
قال الزيلعي في نصب الراية ( 4 / 354 ) :
قال البزار : لا نعلمه يروي بإسناد متصل أحسن من هذا وإسناده صحيح .
4. عن ابن عباس قال : ” مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” يعذبان وما يعذبان في كبير ” ، ثم قال : ” بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة” ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة ، فقيل له : يا رسول الله لم فعلت هذا ؟ قال : ” لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا – أو إلى أن ييبسا ” . رواه البخاري ( 213 ) ومسلم ( 292 ) .
5. عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت – قال الأعمش : أراه قال : فيلتزمه – ” . رواه مسلم ( 2813 ) .
6. عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ليس منا من خبَّب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده ” . رواه أبو داود ( 2175 ) وأحمد ( 8912 ) .
والحديث : قال الألباني في صحيح الجامع رقم ( 5437 ) : صحيح .
فهذه الآيات والأحاديث تدل بصراحة على تحريم الذي يسعى بين الناس بالقطيعة وإفساد ذات البين .
ثالثاً :
أما أن تقطع الفتاة الصلة بأمها : فجائز ما دام ذلك يبعد عنها شر والدتها ويحفظ لها الحياة السعيدة مع زوجها ولا تكون هذه القطيعة للأم إلا بقدر محدود وهو القدر الذي يزول معه شر الأم ؛ لأنَّ الله تعالى نهى المسلمين أن يقطعوا صلتهم بآبائهم الكفار ما دام أن هؤلاء الآباء لا يصدونهم عن الدين ولا يمنعونهم عن تطبيق شرع الله تعالى فكيف ينهاهم عن صلة آبائهم المسلمين .
قال الله تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } [ الممتحنة / 8-9 ] .
قال القرطبي :
لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلميْن بل إن كانا كافريْن يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد قال الله تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } ، وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : نعم صلي أمك . ” التفسير ” ( 10 / 239 ) .
ولذا نقول للأخت اقطعي أمك بالقدر الذي يدفع شرها عنك ، وهذا لا يعني انعدام الصلة بينك وبينها بحيث تتم القطيعة التي ما بعدها صلح ولا بر ، لاسيما وأن أمك لا زوج لها وتعيش بمفردها فهي ستكون في حاجتك في كثير من الأمور ، ولعلها بعد تغيير العلاقة معها أن تشعر بأثر ذنوبها وأن تتوب إلى الله تعالى .
والله أعلم

أي هذه الأعمال أفضل ” الدعوة، صيام النفل، الصدقة “؟

السؤال:

– أي من هذه الأعمال له أجر أكثر عند الله:

  1. الدعوة
  2. صيام النفل
  3. الصدقة ؟.

 

الجواب

الحمد لله

من فضل الله على الأمة الإسلامية أن نوَّع لها العبادات وجعل لكل عبادة أجراً وثواباً ، وليس باستطاعتنا الموازنة بين الأجور لكل عبادة من العبادات في كثير من الأحيان .

وفي بعض الأحيان يمكننا ذلك حيث يكون الشرع قد نصَّ على أن أجر هذه العبادة أكثر أو أعظم من غيرها .

فالدعوة إلى الله من العبادات العظيمة والتي يقوم أصحابها بمهمة الأنبياء عليهم السلام ، فمن دعا إلى الله عز وجل واستجاب أحد لهذه الدعوة بالدخول في الإسلام أو الاستجابة لعملٍ معيَّن فإنه تكون أجور هذا المستجيب  في ميزان هذا الداعي ، فأي أجر يمكن ذِكره لهذا العمل وهذا العامل ؟ .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَن دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً “. رواه مسلم ( 2674 ) .

وصيام النفل مما قال فيه عز وجل ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ” ، فتحديد أجر الصائم غير معلوم وهو إلى الله عز وجل ، وهو – قطعاً – أكثر من السبعمائة ضعف ؛ لأنه أخبر أن باقي الأعمال لها أجور محدَّدة وأن الصوم ليس كذلك بل هو أكثر وأعظم .

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وفي رواية لمسلم بعد قوله إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله. رواه البخاري ( 1795 ) و ( 1805 ) ومسلم ( 1151 ) – واللفظ له – .

قال ابن رجب الحنبلي :

وأفضل أنواع الصبر : الصيام ؛ فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة ؛ لأنه صبر على طاعة الله عز وجل ، وصبر عن معاصي الله ؛ لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح ” أن الله عز وجل يقول : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ؛ لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ” ، وفيه أيضاً : صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش . ” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 219 ) .

والصدقة قد تنقذ حياة إنسان فيكون كمن أحيا الناس جميعاً ، وقد تكون في بناء مسجد فيكون لصاحبها بيت في الجنة ، وقد تكون صدقة جارية فيكتب لصاحبها من الأجر والثواب حتى بعد موته ، فكيف يمكننا تحديد أجر الصدقة وأبوابها كثيرة متنوعة .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقةٍ جاريةٍ ، أو علمٍ ينتفع به ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ” . رواه مسلم ( 1631 ) .

عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَن بنى مسجداً لله كمِفحَص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة ” . رواه ابن ماجه ( 738 ) وصححه البوصيري .

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” اتقوا النار ولو بشق تمرة ” . رواه البخاري ( 1351 ) ومسلم ( 1016 ) .

وعلى كل حال فإننا نقول : على المسلم أن يجتهد قدر وسعه لعمل الصالحات فإن كان ذا مالٍ فليكثر من الإنفاق ، وإن كان قوة فليكثر من الصيام وإعانة الناس ، وإن كان ذا عِلْمٍ فعليه أن يبلِّغ دين الله لمن جهله ، وهكذا يتم الدِّين وتكمل دنيا الناس ، وتتوزع الأجور بين الناس.

 

والله أعلم.

مدى طموح المسلم في الدنيا

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا أخي، رأيت بعض إجاباتك على الأسئلة، حيث ذكرت بأن المسلمين عليهم أن يقوموا بضروريات الحياة فقط، وقد أشكل ذلك علي.  إلى أي حد يمكن للمسلم أن يكافح لتحقيق النجاح في هذه الحياة؟  هل تقدم لنا كتابا حول هذا الموضوع على موقعك هذا؟ وجزاك الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

يمكن إجمال ما أراده الأخ السائل والإجابة عليه في هذه النقاط التالية :

  1. لا نعلم بالضبط مكان كلامنا الذي أشرت إليه .
  2. لا يستطيع أحد كائناً من كان أن يحرم ما أحل الله من السعي في الأرض والتكسب والأكل والشرب والسكن والزواج وغيرها .
  3. لم يأت الإسلام إلا بما فيه صلاح العالَم ، ولا يقوم بالناس صلاح إذا ابتعدوا عن توحيد الله تعالى والقيام بما أوجبه عليهم .
  4. لم يكن هديه صلى الله عليه وسلم التعلق بالدنيا ولا الالتفات إلى ملذاتها ، ولو أراد ورغب لكانت كنوز الأرض بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وهذه طائفة من أحاديث صلى الله عليه وسلم ، وفيها بيان هديه وصفة عيشه صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية المجردة :

أ . عن أبي هريرة قال : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض.

رواه البخاري ( 5059 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2976 ) .

ب. عن أبي حازم قال : سألت سهل بن سعد فقلت : هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقيَّ ؟ فقال سهل : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقيَّ من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ، قال : فقلت : هل كانت لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل ؟ قال : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ، قال : قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ؟ قال : كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه فأكلناه . رواه البخاري ( 5097 ) .

النقي : الطحين المنخول .

ج. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق آل محمد قوتا . رواه البخاري ( 6095 ) ومسلم ( 1055 ) .

د. عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا ، فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والحلوب ، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم .  رواه مسلم ( 2038 ) .

هـ . عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسلَ إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء … رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .

و. عن عائشة قالت:كان وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يتكئ عليها من أدم حشوها ليف . رواه البخاري ( 6091 ) ومسلم ( 2082 ) .

أدم : جلد مدبوغ .

وهذا كان هدي أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان ، وهذه باقة من سير بعضهم :

أ. عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال : أتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه فقال : قتل مصعب بن عمير وكان خيراً مني ، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، وقتل حمزة – أو رجل آخر – خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي .  رواه البخاري ( 1215 ) .

ب. عن عامر بن سعد قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب فنزل فقال له : أنزلتَ في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره فقال : اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي .  رواه مسلم ( 2965 ) .

  1. ولا يعني هذا البتة أن لا يشتغل الإنسان بشيء من أمور الدنيا ، أو أننا نحرم ذلك عليه ، بل المراد من بياننا أن يعلم الإنسان لِمَ خُلِق ، ويعلم أن الدنيا فتنة لما فيها من الزينة ، وأنها قد تكون سببَ خسارته ثواب الله تعالى وجنته ، ولذلك كان يرغب صلى الله عليه وسلم أمته بالتقلل من أمورها وأن يكون المسلم فيها كالغريب أو المسافر وهما من يخف متاعه في طريقهم للوصول إلى غايتهم وبيوتهم وهي هنا الجنة .

أ. عن عقبة بن عامر قال : صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال : إني فرطكم على الحوض وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم . قال عقبة : فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر . رواه البخاري ( 1279 ) ومسلم ( 2296 ) .

ب. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل .

وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري ( 6053 ) .

  1. والإسلام فيه نماذج كثيرة ممن أبدعوا في مجالات متعددة من جوانب الحياة ، كالطب والهندسة والعمارة والحساب ، وفي عصرنا الحاضر نبغ الكثير في الفيزياء والرياضيات والكمبيوتر والذرة وغيرها .

ولم يكن اشتغال الكثير منهم في هذه الجوانب عائقاً أمام أن يكون أحدهم عالماً بالتوحيد ، عارفاً لما أمر الله به ونهى عنه .

  1. وهذه بعض أقوال أهل العلم في بيان حقيقة الدنيا والمال وما ينبغي أن يكون موقف المسلم منهما :
  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ، ولا يأخذه بإشراف وهلع ، بل يكون المال عنده  بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له في القلب مكانة ، والسعي فيه إذا سعى كإصلاح  الخلاء .

وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره ” من أصبح والدنيا أكبر همه : شتت الله عليه شمله ، وفرَّق عليه ضيعته ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح والآخرة أكبر همه : جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ” .

وقال بعض السلف : أنت محتاج إلى الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما .

قال الله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } . ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 663 ) .

  • وقال ابن القيم :

لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:

نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين .

النظر الثاني : النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهي كمال الله سبحانه والآخرة خير وأبقى فهي خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة .

فإذا تم له هذان النظران : آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه ، فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل ، فإذا آثر الفاني الناقص : كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل ، وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة ، فإن الراغب في الدنيا الحريص عليه المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى ، وإما أن لا يصدق بذلك ، فإن لم يصدق بذلك : كان عادماً للإيمان رأساً ، وإن صدَّق بذلك ولم يؤثره : كان فاسد العقل سيئ الاختيار لنفسه ، وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه .

فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان ، وإما من فساد في العقل ، وما أكثر ما يكون منهما .

ولهذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها وعدوها سجناً لا جنةً فزهدوا فيها حقيقة الزهد ، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولوصلوا منها إلى كل مرغوب ، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها ، وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها ، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر ، وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل .

قال النبي : ” ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب قالَ – أي : نام وقت القيلولة – في ظل شجرة ثم راح وتركها ” ، وقال : ” ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع ” ، وقال خالقها سبحانه : { إنما مثل حياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ، فأخبر عن خسة الدنيا وزهَّد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها .

وقال تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } ، وقال تعالى : { اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } وقال تعالى : { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } ، وقال تعالى: { وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } .

وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال : { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .

وعيَّر سبحانه من رضى بالدنيا من المؤمنين فقال:{يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}.

وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة .

ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون } ، وقوله { ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } ، وقوله{ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ، وقوله تعالى { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ، وقوله { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} وقوله { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال ان لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } ، وقوله { يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } .

والله المستعان وعليه التكلان . ” الفوائد ” ( ص 94 – 96 ) .

 

والله الهادي.

 

 

ما هي الصعوبات التي يواجهها المسلمون عندما يعيشون في بريطانيا؟

السؤال:

ما هي الصعوبات التي يواجهها المسلمون عندما يعيشون في بريطانيا؟

 

الجواب:

الحمد لله

تقدَّر بعض الإحصاءات عدد المسلمين في بريطانيا بثلاثة ملايين نسمة من أصل عدد سكان البلاد البالغ 58.3 مليون نسمة.

وقد ارتبط وجود المسلمين في بريطانيا بالعلاقات الاستعمارية السابقة، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت موجات الهجرة المسلمة من شبه القارة الهندية بالتوافد إلى هذه البلاد بلا انقطاع.

وإلى جانب المهاجرين من شبه القارة الهندية، تدفقت أعداد من المسلمين من ماليزيا وإندونيسيا، ودول إسلامية أخرى، وأما الهجرة العربية فقد تميزت بالطابع النخبوي والأكاديمي.

– أما بالنسبة للمصاعب التي تواجه مسلمي بريطانيا فيمكن إجمالها بالتالي:

  1. في عام 1997 أصدرت مؤسسة ” رانيميد ” البريطانية تقريرًا في غاية الأهمية تحدثت فيه ببيانات موثقة عن رصدها لاستهداف المسلمين في الحياة العامة ووسائل الإعلام بالتناول السلبي المجحف والتصوير المشوّه والعرض المثير للمخاوف.
  2. ويقول المسلمون هناك إن تشريعات ” مكافحة التمييز ” تبدو وكأنها تستثني الأقلية المسلمة، ممل يجعل حمايتهم قانونيا ضعيفة أو معدومة.
  3. العنصرية: ومن المؤكد أنّ المسلمين هم الضحية الأولى في العادة للنزعة العنصرية، فالدراسة الموسعة التي نشرتها وزارة الداخلية مطلع آذار (مارس) 2001 م عن ” التمييز الديني في إنجلترا وويلز” تبرهن على هذه الحقيقة، ولاحظت الدراسة، التي أجرتها جامعة ” ديربي ” بالتعاون مع جامعة ” كمبردج ”  أنّ المسلمين ضحية للتمييز أكثر من أي مجموعة دينية أخرى في المجتمع البريطاني. وتستنتج الدراسة أنّ التفرقة بحق المسلمين تتم في الأصل بخلفية دينية، ثم يتحول الأمر إلى مبرِّر للتمييز في كافة مناحي الحياة.
  4. البطالة : وهي منتشرة بين أبناء المهاجرين الآسيويين المسلمين، وتحذر الخبيرة التربوية الدكتورة فاطمة عامر من آفة البطالة هذه، وفي حديثها لوكالة “قدس برس” تقول: ” من المؤسف أن تكون البطالة ظاهرة شائعة في بعض المناطق التي يكثر فيها المسلمون، بل هناك حالات يكون فيها الأب والجد والحفيد جميعًا من العاطلين عن العمل “، وتصف هذه الحالة بأنها “بائسة وتدعو للأسى”.
  5. التشديد على المرشدين في السجون البريطانية، وخاصة بعد اتهام ” ريتشارد ريد ” الذي اتهم في قضية محاولة تفجير إحدى الطائرات الأمريكية، والذي اعتنق الإسلام في السجون البريطانية.
  6. وسيكون من الصعوبات التي سيواجهها من يعيش في بريطانيا: استحالة تربية أهل بيته من زوجة وأولاد على شرع الله تبارك وتعالى، وذلك بسبب الفجور والتفسخ الذي تعيشه تلك المجتمعات، وسيصعب عليه الصلاة في أوقاتها جماعة وخاصة الجمعة لأنها ستكون في وقت العمل، وسيصعب عليه الخروج بأهله إلى الأماكن العامة؛ وذلك بسبب احتمال تعرضه للمضايقات من السفهاء وخاصة بعد الأحداث أو لعصابات قطع الطريق، وسيصعب عليه ضبط أولاده بما أمره به الشارع وذلك لوقوف تلك الدول في وجه هذا الأمر الذي يعدونه مخالفًا للقانون، وكذا سيصعب على المقيم هناك ضبط بناته من حيث التربية والعناية حيث يقف القانون هناك مع حريتها.
  7. وعلى كل حال: فإننا لا ننصح أحدًا أن يذهب للإقامة في تلك البلاد، وقد سبق مرارًا ذكر الحكم الشرعي في هذه المسألة وبيَّنا أنه حرام لا يجوز، وبيَّنا هنا وهناك المفاسد التي في هذه الدول.

 

والله الهادي.

 

 

الحكَم الجليلة في تشريع تحريم الزنا

الحكَم الجليلة في تشريع تحريم الزنا

السؤال:

عندي صديق يحاول أن يفهم لماذا حُرِّم الزنا ! كلانا يتصفح هذا الموقع ، لكن كل ما وجدناه هو أن هناك نصوصاً من الكتاب والسنَّة تخبرنا بعدم ارتكاب الزنا ، وأن العقوبة تنتظرهم ، على أية حال : هل يمكنكم أن تبيِّنوا حكم عدم ارتكاب الزنا ؟ هل هناك أي مثال في القرآن يبين سبب جعله حراماً ؟ هناك أسباب واضحة مثل قطع البنية الاجتماعية ، وإيجاد نساء مومسات ، لكن هل هناك أي قصة في القرآن والحديث ؟ . جزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

لعلك لم تجد في موقعنا ذِكر أسباب تحريم الزنا ، أو الحكمة من ذلك التشريع: لأننا لم نعتقد أننا بحاجة لذكر ذلك ؛ لعلم الناس جميعاً بهذه الحكَم ، نعم ، قد يتفاوتون في المعرفة ، لكن لم نرَ أحداً يشكك في هذا التحريم ، أو يتلمس الحكم منه ؛ لأنه لا يخفى على عاقل ، ومنكر ذلك والمعترض عليه : إنما يحكم على نفسه بالبهيمية ، والدياثة ؛ لأن معنى إنكاره لتحريمه : أنه يجعل زوجته ، وأخته ، وابنته ، وأمه : متاعاً للناس ، وسلعة مجانية ! ولأننا لم نجد أحداً في العالَم ينكر تحريمه ومنعه : لم نحتج لذكر ذلك في موقعنا .

ومع هذا كله فليس بضائر أن نذكر بعض الحكَم في تحريم الزنا ؛ فلعلَّ الله تعالى أن يجعل ذلك سبيلاً لتركه ممن يفعله ، وأن يعلم من لا يفعله عظيم حكمة الله تعالى في تحريمه .

ومن هذه الحكَم والأسباب :

  1. موافقة هذا التحريم للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، من الغيْرة على العرض ، وليست بعض البهائم بأولى من الإنسان العاقل بهذا المنع والتحريم ، وقد ثبت في صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال : رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة ، فاجتمع القرود عليهما ، فرجموها حتى ماتا ! .

والمشاهدات في البهائم والطيور أكثر من أن تُحصر ، فالإنسان أولى بأن يغار على عرضه ، ولا يجعله سلعة رخيصة أو مجانية للناس .

  1. اختلاط الأنساب ، فمن أباح الزنا فإنما يبيح إدخال ما ليس من صلبه في أسرته وعائلته ، فتراه يشفق على ولده ، ويرحمه ، ويغذيه ، ويربيه ، وينظر إلى أخواته – إن كان ذكراً – ويختلي بهنَّ ، ويشارك إخوته في الميراث : وهو مع هذا كله ليس ولداً له ! ولا شقيقاً لهم ! إنما هو من ماء سفاح ، من زانٍ زنى بامرأته ! فمن يرضى هذا لنفسه إلا أن يكون أحمق ، أو أخرق ؟! .
  2. والزنا يُفسد البيوت ويدمرها ، فمن عشقت أجنبيّاً ، ورضيت بأن يزني بها : فإنه لا يؤمن أن تبقى مع زوجها ، بل وُجد من ضحت بزوجها ، وبيتها ، وأولادها ، بسبب كلام معسول من ذئب بشري ، فكيف إن رأت منه أكثر من الكلام ؟! ومن العلوم في واقع البشر : أن المرأة لا تستطيع أن تعيش مع رجلين ، بخلاف الرجل ، ولهذا شُرع التعدد للرجال ، دون النساء ، وهذا أمر واقع ومشاهد ، ففي النهاية ستختار أحد الرجلين ، وإن اختارت الزاني : فإنها تكون أفسدت بيتها ، وهدمته بيديها .
  3. الحماية من الأمراض ، ولم يعد يخفى ما تعانيه كثير من الشعوب الإباحية من أمراضٍ خطيرة ، وأعظمها : ” الأيدز ” ، وهو ما أفنى ملايين الناس ، وما يزال الملايين مصابين به ، ولم يجد أحد علاجاً له إلى الآن ، وفي عام 1427 هجري ، الموافق 2006 م بلغ عدد المصابين بهذا المرض : 45 مليون شخصاً ، وقد مات بسببه : 20 مليون فرداً ، وحوالي 301 مليون فرداً نتيجة لأسباب مرتبطة بذلك المرض ، ، ويعتبر الأيدز السبب الرئيس للوفاة في أفريقيا ، والسبب الرابع للوفاة على مستوى العالم.

وأي عاقل يرضى لنفسه ، أو لأمه ، أو لأخته ، أو لابنته أن تصاب بهذا المرض ، فتكون منبوذة ، مهجورة ، مهانة ، في مجتمعها ، فضلاً أن يرضى أن يكون حتفها بسببه ؟! .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ؛ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا !! وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا . وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ . وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ !! )

رواه ابن ماجه ( 4019 ) ، وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

  1. المحافظة على كرامة المرأة ؛ فإن إباحة الزنا يعني سلب كرامة المرأة ، وجعلها سلعة مهانة ، والإسلام جاء لإكرام الناس ، وبخاصة المرأة ، بعد أن كانت في الجاهلية متاعاً يورَث ، ومحلاًّ للإهانة والتحقير .

وليُعلم أن الزنا لم تبحه الشرائع السماوية السابقة ، ولا هو مرضي عند أهل الفطَر السليمة ، والعقول الناضجة ، بل لم تُعرف الدعوة إلى إباحة الزنا إلا عند من انتكست فطرهم ، وتلوثت عقولهم ، بل حتى الغرب الكافر لا يرضى أحد من أهله أن تتخذ زوجته عشيقة من أحد ، بل ولا العشيق يرضى أن تكون معشوقته عشيقة لغيره معه ، وكم حصل من قتل جرَّاء هذا ، وإنما إباحة الزنا جاءت من حفنة خسيسة ، ليس لهم أهل ، ولا بنات ، ولا زوجات ، فهم عالة على المجتمعات ، ووصمة عار في الشعوب .

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – :

ولمَّا كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد ، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب ، وحماية الفروج ، وصيانة الحرمات ، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس ، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه ، وبنته ، وأخته ، وأمه ، وفي ذلك خراب العالم : كانت تلي مفسدة القتل في الكبَر ، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سننه – كما تقدم – ، قال الإمام أحمد : ” ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنا ” ، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) الآية ، فقرنَ الزنا بالشرك ، وقتل النفس ، وجعل جزاء ذلك : الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين ، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة ، والإيمان ، والعمل الصالح ، وقد قال تعالى ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ، فأخبر عن فُحشه في نفسه ، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول ، حتى عند كثير من الحيوانات ، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال : رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة ، فاجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتا . ” الجواب الكافي ” ( ص 105 ) .

 

والله الموفق.

 

حكم العمل في قيادة وإصلاح السفن التي تحمل الخمور وفي متنها منكرات

0

حكم العمل في قيادة وإصلاح السفن التي تحمل الخمور وفي متنها منكرات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيراً على هذا الموقع الأكثر من رائع ، أنا – والحمد لله – طالب بالمعهد العالي للدراسات البحرية بالمغرب ، وهذه السنة إن شاء الله سأتخرج منه ، لأعمل على متن السفن التجارية ، بداية : أود توضيح بعض الأمور حتى يتسنى لكم الإجابة على سؤالي : في المعهد ينقسم الطلاب إلى شطرين : شطر مكلف بسياقة السفينة ، وشطر مكلف بإصلاح المحرك ، وباقي الآلات المساعدة ، وكلا الصنفين من الواجب عليه أن يكون على متن السفينة طيلة رحلاتها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : أن السفن تنقسم بحسب الغرض المنوط بها ، فمنها ما هو مخصص لنقل المسافرين ، ومنها ما هو مخصص لنقل البضائع ، أو البتروكيماويات ، وهناك أنواع أخرى ليس هناك داعي لذكرها ، الأهم من هذه الأصناف : ما هو مخصص لنقل المسافرين ، والآخر المخصص لنقل البضائع ، حيث إن الأول غالباً – أو بالأحرى : دائما – ما توجد على متنه حانة لبيع الخمور ، وقد تقام على متنه الحفلات الماجنة ، أما الثاني : فقد يكون من ضمن البضائع ما هو محرم شرعاً ، كالخمور ، أو السجائر ، أو غير ذلك ، وأقول ” قد ” : لأن البضائع تكون مخزنة في صناديق حيث لا يتعرف طاقم السفينة على محتوياتها ، إلا في بعض الأحيان يكون قبطان السفينة – وهو أعلى رتبة يصل إليها المكلف بقيادة السفينة – يعلم ربما بمحتواها ، والمكلفون بنقل البضائع على متن السفينة هم أنفسهم المكلفون بقيادتها ، فما حكم عمل الصنف المكلف بإصلاح المحركات ، وباقي الآلات ، على متن كل من الصنفين المذكورين ؟ وما حكم مدخولهم : هل هو مال حلال أم حرام ؟ .
ونفس السؤال بالنسبة للصنف المكلف بقيادة السفينة ، ونقل البضائع على متنها .

الجواب:

الحمد لله
جعل الله تعالى سير السفن في البحار والأنهار من عظيم آياته ، وجليل نعمه على الخلق ، فقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل/14 ، وقال تعالى : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ) الشورى/ 32 .
قال الإمام الطبري – رحمه الله – :
قول تعالى ذِكره : ومن حجج الله أيها الناس عليكم بأنه القادر على كل ما يشاء ، وأنه لا يتعذّر عليه فعل شيء أراده ، السفن الجارية في البحر ، والجواري : جمع جارية ، وهي السائرة في البحر .
” تفسير الطبري ” ( 21 / 540 ) .
وقد أصبحت هذه الآية الجليلة التي سخرها الله قياماً للناس محلاًّ للفواحش والمنكرات ، فلا تكاد تخلو سفينة راسية من ارتكاب منكرات ، وفعل فواحش ، كحمل البضائع التي حرَّم الله صنعها وبيعها ، والاختلاط والحفلات وشرب الخمور التي يكون من المسافرين عليها ، وكنقل الجنود لاحتلال الدول المظلومة لنهب ثرواتها ، وقتل أهلها ، وغير ذلك من المنكرات والفواحش .
وما تسأل عنه أخي السائل لا يعد ما ذكرناه آنفاً ، وإنما الجائز في مثل هذه الأعمال – قيادة السفن ، وصيانة الآلات – إنما هو حيث تخلو السفن مما ذكرناه آنفاً ، أو مما يشبهه .
ويمكن الاستدلال على المنع والتحريم بدليل عام ، وخاص ، أما العام : فهو النهي عن التعاون على الإثم والعدوان ، الوارد في قوله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 ، وأما الخاص : فهو تحريم حمل الخمر ، ولعن فاعله ، والوارد في السنَّة الصحيحة ، كما سيأتي .
وهذا العمل يحرم على المسلم الالتحاق به ، كما لا يجوز له الانتفاع بماله ، بل عليه التخلص منه بإنفاقه في وجوه الخير .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
إذا أعان الرجل على معصية الله : كان آثماً ؛ لأنه أعان على الإثم ، والعدوان ، ولهذا ( لعنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الخمرَ ، وعاصرَها ، ومعتصرَها ، وحاملَها ، والمحمولةَ إليه ، وبائعَها ، ومشتريَها ، وساقيَها ، وشاربَها ، وآكلَ ثمنها ) .
وأكثر هؤلاء كالعاصر ، والحامل ، والساقي : إنما هم يعاونون على شربها ، ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالاً محرَّماً : كقتال المسلمين ، والقتال في الفتنة .
ومن أخذ عِوضاً عن عين محرَّمة ، أو نفع استوفاه ، مثل أجرة حَمَّال الخمر ، وأجرة صانع الصليب ، وأجرة البغي ، ونحو ذلك : فليتصدق بها ، وليتب من ذلك العمل المحرم ، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله ؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به ؛ لأنه عوض خبيث ، ولا يعاد إلى صاحبه ؛ لأنه قد استوفى العوض ، ويتصدق به ، كما نص على ذلك مَن نَصَّ من العلماء ، كما نَصَّ عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم .
” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 141 ، 142 ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة :
إنني مقيم في كندا وقد درست في تخصص التبريد والتكييف ، وهو التخصص الوحيد الذي عندي ، وكما لا يخفى عليكم أن مثل هذه البلاد لا تراعى فيها الحدود الشرعية ، فنجد في بعض المحلات التجارية المواد المخزنة متنوعة ، بحيث نجد في نفس الغرفة الكبيرة الباردة شتى أنواع الخضروات ، والمشروبات ، منها الحلال : كالحليب ، والمياه ، وعصير الفواكه ، كما أننا نجد في بعض الأحيان في نفس الغرفة ذات المساحة الكبيرة جناحاً فيه خمر ، وكذلك بالنسبة للحوم ، نجد لحم الأبقار ، والخرفان ، والدواجن ، كما قد نجد فيها أيضا لحوم الخنازير ، فهل يجوز لي أن أقوم بتصليح الأجهزة التبريدية لمثل هذه الغرف عند عطلها ؟ علماً بأني متخرج جديد ، ولا يسمح لي بالاشتغال لحسابي الخاص مباشرة بعد تخرجي من الدراسة ؛ إذ القانون الكندي لا يسمح لي بمزاولة هذه المهنة وحدي إلا من بعد أن أشتغل ثلاث سنوات لدى إحدى الشركات المعتمدة ، حتى أتقن المهنة ، وقد حاولت الهجرة للبلاد الإسلامية لكي أمارس هذه المهنة ، فالكل يسأل مني : هل لك التجربة في الميدان المذكور ؟ وبأن الشهادة وحدها لا تكفي للتشغيل ، فالآن ارتبك عليَّ الأمر من حيث الحكم الشرعي في الجواز أو عدمه ، لممارستي هذه المهنة ، حتى يتيسر لي أن آخذ بعض التجربة ، وأتمكن من الهجرة من هذا البلد ، أو أشتغل لحسابي الخاص ، وأتجنب التصليح عندما يكون فيه محظور شرعي .
فأجابوا :
إذا كان الواقع هو ما ذكرته في السؤال : فليس لك أن تستمر في العمل المذكور ؛ لقول الله عز وجل : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 ، يسَّر الله أمرك ، وعوَّضك خيراً من ذلك .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 14 / 422 , 423 ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً – :
يعمل زوجي محاسباً بأحد الفنادق التي تبيع الخمور ، وتقام فيها الحفلات منذ عشرين سنة ، ونحن نعتمد على هذا الدخل في طعامنا ، ومشربنا ، ومسكننا ، ولنا ثلاثة أولاد ، فهل هذه الأموال تعتبر أموالاً حراماً أم حلالاً ؟ وإن كانت حراماً : فكيف نتوب إلى الله من هذه الأموال بعد أن أكلنا منها ، وشربنا ، ونشأ منها أطفالنا ؟ فما هو رأي الدين في هذا الأمر ، أثابكم الله عنَّا خيراً ؟ .
فأجابوا:
العمل في الفنادق التي تباع فيها الخمور : محرم ؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، والله تعالى يقول : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 .
وعلى ذلك : فالدخل المكتسب مقابل العمل في هذا الفندق : مال محرم ، وما ذكرت من اعتماد على هذا المال في طعامكم ومشربكم وتنشئة أولادكم منه : فإنه يجب عليكم التوبة النصوح مما مضى من ذلك ، والتخلص من المال المتبقي من ذلك المال ، بالتصدق به ، مع ترك العمل في هذا الفندق ، والبحث عن كسب حلال ، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق/ 2 ، 3 .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 14 / 433 , 434 ) .
وما ذكرناه عن علمائنا ينطبق على ما جاء في السؤال ؛ ذلك أن النقل البحري فيه ما هو جائز وما هو محرم ، كما جاء في أسئلة السائلين لهم ، وكان الجواب منهم ما رأيت من المنع من مثل هذه الأعمال ؛ لما فيها من التعاون على الإثم والعدوان ، ومن مباشرة الحرام ، وهذه المنكرات التي على السفن توجب مفارقة أماكنها ، كما هو الحال في كل مكان يعصى فيه الله تعالى ويملك المسلم مفارقته ، وإلا كان شريكاً لهم في الإثم ، وانظر تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم : ( 94936 ) .
وانظر فتوى الشيخ العثيمين في تحريم إيصال العاصي لمكان يعصي فيه ربَّه : جواب السؤال رقم : ( 3609 ) .
وانظر جواب السؤال رقم : ( 85191 ) في تحريم العمل في نقل لحم الخنزير إلى الشاحنات لبيعه .

والله أعلم

نصحه ولم يستجب فهل يقاطعه؟

نصحه ولم يستجب فهل يقاطعه؟

شيخنا الكريم :

أنا شاب ملتزم ، ولي أخ في الله أحبه فيه ، رأيته عند إشارة المرور صدفة وقد ارتفع صوت الأغاني من سيارته ، فناصحته بطريقة مباشرة دون أن أذكر له أني رأيته ، فأبدى اعتذاره وتوبته ، وقام – كما يقول – بإزالة الأغاني من سيارته ومن جهاز الحاسب كذلك ولله الحمد ، ولكن بعد أيام أراه يشارك في بعض المنتديات بمشاركة ماجنة ويكتب اسم الأغنية ، وقد عرفته بلقبه الذي يكنى به ورمزه ، كما أنه في بعض الأحيان يصرح بمحادثته في الإنترنت لقريبات له ليسوا محارم ويتبادل الواجبات .

سؤالي يا شيخ :

هل لي أن أقطعه أو أجاريه على ظاهره – علماً بأن النصيحة يقابلها بالقبول دون أن يعمل بها ، وعلما بأن ظاهره الالتزام ، وقد عرفه أصحابه بذلك ، إلا أني أعلم عنه ما لا يعرفون – ؟ .

– أفيدونا مأجورين وجزاكم عن الإسلام والمسلمين .

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يعصي الله تعالى إما أن يكون مظهراً لمعصيته أو يكون مستتراً بها ، فإن كان مظهراً لها فإنه يُهجر ولو طالت المدة إن كان الهجر يردعه عن معصيته ، وإن كان مستتراً بها وقدِّر لك أن تراها فيُنكر عليه سرّاً ويُنصح ويُستر عليه ، ويسوغ لك هجره وحدك إن كان ذلك الهجر يؤثر فيه ولا يترتب عليه مفسدة أكبر كمجاهرته بمعصيته أو فعل ما هو أشد مما هُجر من أجله .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وأن يهجر ويذم على ذلك ، فهذا معنى قولهم ” من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ” ، بخلاف من كان مستتراً بذنبه مستخفياً فإن هذا يُستر عليه ، لكن ينصح سرّاً ويَهجره مَن عرف حاله حتى يتوب ويَذكر أمره على وجه النصيحة . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 220 ) .

وبوَّب البخاري رحمه الله على حديث كعب بن مالك وقصة تخلفه عن تبوك بقوله : ” قوله باب ما يجوز من الهجران لمن عصى ” .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

” قوله باب ما يجوز من الهجران لمن عصى ” : أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز ؛ لأن عموم النهي مخصوص بمن لم يكن لهجره سبب مشروع ، فتبين هنا السبب المسوِّغ للهجر وهو لمن صدرت منه معصية ، فيسوغ لمن اطَّلع عليها منه هجره عليها ليكف عنها . ” فتح الباري ” ( 10 / 497 ) .

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ قَالَ : فَنَهَاهُ ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ ، وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ، قَالَ : فَعَادَ ، فَقَالَ : أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا . رواه البخاري ( 5162 ) ومسلم ( 1954 ) .

قال النووي – رحمه الله – :

فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنَّة مع العلم ، وأنه يجوز هجرانه دائماً ، والنهى عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا ، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً ، وهذا الحديث مما يؤيده مع نظائر له ، كحديث كعب بن مالك ، وغيره . ” شرح مسلم ” ( 13 / 106 ) .

وعليه : فيجب عليك تجاه صاحبك النصح والتذكير والوعظ والتخويف بالآخرة ، فإن استجاب فالحمد لله ولك أجره ، وإن استمر على معصيته مستتراً متخفيّاً فإنه يستحق الهجر منك إن رأيتَ أن هجره أنفع له ، فإن لم يكن هجرك نافعاً له فلا نرى لك هجره ، بل نرى مداومة مصاحبتك له عسى أن ينتفع بذلك .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ؛ فان المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله ، فان كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضى هجره إلى ضعف الشر وخفيته : كان مشروعا ، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ، بل يزيد الشر ، والهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته : لم يشرع الهجر ، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر .

والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 206 ) .

 

والله أعلم.

هل يجوز نشر رسائل تحوي عناوين مواقع مسيئة للإسلام لعموم الناس

0

135716
هل يجوز نشر رسائل تحوي عناوين مواقع مسيئة للإسلام لعموم الناس ؟
تصلنا بعض الأحيان رسائل على البريد ، تحتوي على المواقع التي تسيء للقرآن ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، لعلها تصل لأحد يستطيع اختراقها – مثلاً – ، فهل نعيد إرسالها ؟ .

الجواب:

الحمد لله
أولاً:
لا شك أن من أعظم الجهاد رد الشبه التي تتعرض للإسلام ، وأصوله ، وشرائعه , والرد على أهل البدع , والضلال .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
فالرادُّ على أهل البدع : مجاهدٌ ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول : ” الذب عن السنَّة أفضل من الجهاد ” .
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 13 ) .

ثانيا:
من المقرر في شريعتنا : أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان , وأنه يجب قطع كل سبيل من شأنه أن يجر شرّاً ، أو شبهةً ، أو تشكيكاً ، قال تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2 .
وفي إعادة إرسال الرسالة التي تحتوي مواقع تسيء للقرآن وللرسول صلى الله عليه وسلم : مخاطر ، ومحاذير ، منها :
1. نشر الشر ، وإشاعته , وربما يكون إماتة كثير من الشرور إهمالها ، وعدم نشرها .
وقد جاء النهي عن إشاعة الشر والفساد , فعن عليّ رضي الله عنه قال : ” لا تكونوا عجلاً مذاييع بُذراً ؛ فإن من ورائكم بلاءً مبرحاً مملحاً ، وأموراً متماحلة ردحاً ” .
رواه البخاري في ” الأدب المفرد ” ( 327 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الأدب المفرد ” .
مذاييع : جمع مذياع ، من أذاع الشيء .
البذر : جمع بذور الذي لا يستطيع أن يكتم سره ، أي : المفشون للأسرار .
البَرْح : بفتح وسكون : الشدة ، والشر ، والعذاب الشديد ، والمشقة .
المتماحل من الرجال : الطويل .
ردحاً : جمع رداح ، وهو الجمل المثقل حِملاً .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه – أيضاً – قال : ” القائل الفاحشة ، والذي يشيع بها : في الإثم سواء ” .
رواه البخاري في ” الأدب المفرد ” ( 324 ) ، وحسنه الألباني في ” صحيح الأدب المفرد ” .
وعن شبيل بن عوفٍ قال : كان يقال : ” مَن سمع بفاحشة فأفشاها : فهو فيها كالذي أبداها ” .
رواه البخاري في الأدب المفرد ( 325 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الأدب المفرد ” .
وناشر تلك المواقع ، والصور التي تحمل السخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم : مؤدٍ لغرض أصحاب تلك المواقع ، وراسمي تلك الصور ، من الكفرة ، والملاحدة ، والزنادقة .
وقد قرأنا لبعض أولئك الكفرة أنه اخترع طريقة لنشر صوره المؤذية عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، أو عن القرآن ، بأن ينشرها في مواقع المسلمين ، ويكتب في عنوان موضوعه ” حسبي الله ونعم الوكيل ” ! ثم يكيل السباب لمن نشرها ! والمغفلون من المسلمين يصدقون أن كاتب المقال من الغيورين على الإسلام ! وهم مجموعة زنادقة يستهزئون بالإسلام ، ويسخرون من المسلمين ، فنرجو من إخواننا أصحاب المواقع ، والمنتديات ، والقوائم البريدية : الحذر ، والانتباه ، من كيد الكائدين ، وأن لا يكونوا في غفلة من أمرهم .
وقد عجبنا من ” داعية مشهور ” ! وقد خرج في فضائية عالمية ، ليعلق على الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد حمل بيده تلك الصور ! وأراد أن يُظهرها للكاميرا ! ليراها الجمهور ، وقد رأينا طرفا من واحدة منها ، وكان مصرّاً – بكل سذاجة وغفلة – أن يُظهرها للعالَمين ! منتقداً لرسمها ، فتصور كم يمكن أن يكون أدى من خدمات جليلة لراسمها ولكل خبيث ملحد لو أنهم عرضوا ما أراد ذلك الداعية نشره ! وقد يسَّر الله مصورين كانوا أحذق وأحكم من ذلك الداعية حيث رفضوا توجيه الكاميرا نحوه بعد أن هالهم فعله ! وقد وقفت كثير من الحكومات العربية والإسلامية موقفاً مشرِّفاً حيث أغلقت صحفاً ومجلات ، وعاقبت أصحابها ؛ لأنهم أعادوا نشر تلك الصور ، ولو كان ذلك على سبيل انتقادها ، فهلاَّ كان الدعاة إلى الله على مثل هذه الغيرة ، وذلك الانتباه .
2. أنها ربما تقع هذه المواقع على نفوس مريضة ، أو غير متسلحة بسلاح العلم والبصيرة , فيترتب عليها مفاسد ، وشروراً ، عظيمة .
فالنصيحة : عدم إعادة نشرها , والاستعاضة عن ذلك – مثلاً – بمراسلة خاصة بمن يظن به القدرة على دفع تلك الشبه ، وردها , أو القدرة على اختراق تلك المواقع ، وإتلافها ، وأما إعادة نشرها للعموم : فهذه ربما يترتب عليها – كما ذكرنا مفاسد – ، فلا نقول بجواز ذلك ، بل بالمنع منه .

والله أعلم

وجد في جهاز حاسوب أخيه الملتزم أفلام خلاعية فكيف يتصرف معه

0

170662
وجد في جهاز حاسوب أخيه الملتزم أفلام خلاعية فكيف يتصرف معه ؟
السؤال :
أخي أكبر مني بعامين ، والمفترض أنه ملتزم من سنوات ، وقد تعرض للأذى من ” أمن الدولة ” بسبب لحيته أكثر من مرة ، وينظر إليه في المنطقة التي نسكن فيها على أنه من أفضل الناس التزاما ، حتى أنا كنت أثق فيه ثقة كبيرة جدّاً ، فوجئت من قرابة شهر أن جهاز الكمبيوتر مليء بالأفلام الإباحية والمناظر المقززة ، لا أخفي عليكم مقدار الصدمة التي صدمتها ، قمت بمسحها وكتبت له آيات قرآنية وأحاديث ( قل للمؤمنين يغضوا …) ، ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ..) ، وحديث ( .. إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) وهكذا ، ولكني لا أستطيع التعامل معه بود كما كنا ولا أمازحه كعادتنا ، فكلما تذكرت هذه المناظر القذرة ( معذرة ) يغلي الدم في عروقي ويصيبني الخوف أن أقع في مثل ما وقع فيه ، صارحته مرة فألقى باللوم عليَّ وقال إن طريقتي في التعامل معه خاطئة ولو كان إنسانا سيئاً لكان انقلب على عقبيه وأني ما أردت بهذه الآيات التي كتبتها إلا أن أسبه وأن غضبي هذا لنفسي وأنه سيحل مشكلته بنفسه ، ومنذ هذا اليوم لا أجد شيئا على الجهاز ، ولكن هناك بعض التصرفات التي تثير شكوكي ، المشكلة أنني في تخبط شديد لاأدري كيف أتعامل معه ؟ ماهي مسئوليتي تجاهه ؟ هل أخبر أهلي أم أستر عليه ؟ هل أقطع الانترنت من البيت ؟ هل أراقب جهازه وهاتفه ؟ أفيدوني بما آتاكم الله من العلم حتى لا أقصر في حقه عليَّ ولاأصنع شيئاً أحاسب عليه أمام الله .

الجواب:

الحمد لله
نشكر لك – أخانا السائل – على غيرتك الحميدة على دينك ، وعلى حرصك على أخيك ، وحزنك على ما وصلت إليه حاله ، كما نشكرك على طلبك النصح والتوجيه منا ونسأل الله أن يوفقنا ويسددنا في ذلك ، ونلخص لك ما نريد في نقاط ، فنقول :
1. اعلم أنه لا يسعك غير الستر على أخيك ، ولا يحل لك فضحه بما فعل أمام أحدٍ من الناس ؛ لأن معصيته لم تكن علنية ، ولما قد يؤدي فضحه إلى تصرف غير لائق منه تجاه نفسه بإصراره على معاصيه أو تجاهك بإيقاع الأذى أو الضرر عليك .
عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ) .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا .
رواه أبو داود ( 4888 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
فالرب تعالى ستِّير يحب الستر ويجازي عليه خيراً ، وهو يستر على عباده المذنبين في الدنيا ويغفر الذنوب لهم في الآخرة .
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
رواه البخاري ( 2310 ) ومسلم ( 2580 ) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
رواه مسلم ( 2590 ) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، أَيْ رَبِّ . حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ ( فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
رواه البخاري ( 2441 ) ومسلم ( 2768 ) .
والستر على العصاة فعل الكبار العقلاء ، فقد روى عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 10 / 227 ) عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه قولَه ” لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه ” .
وقال الوزير ابن هبيرة رحمه الله ” اجتهد أن تستر العصاة ؛ فإن ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام ، وأوْلى الأمور ستر العيوب ” .
2. وسترك على أخيك معصيته لا يعني عدم الإنكارعليه فيما فعله ، بل الإنكار عليه ونصحه ووعظه هو واجب آخر عليك غير سترك عليه .
قال ابن حجر – رحمه الله – :
قوله ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً ) أي : رآه على قبيح فلم يظهره أي : للناس ، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه .
” فتح الباري ” ( 5 / 97 ) .
3. ويتعين عليك الستر على أخيك لأنه من أهل الاستقامة والخير ، وهؤلاء ممن يحرص الشيطان أشد الحرص على الإيقاع بهم في المعاصي ، وفي فتنة هؤلاء فتنة لكثيرين ممن يحبونه ويقدرونه ويثقون به ، ولذا جاءت الشريعة بالحرص على الستر على هؤلاء أكثر من غيرهم ، وهو – كما ذكرت عنه – إنما كانت الأفلام الخلاعية في جهازه الخاص ، فهو ليس ممن يُعلن فجوره ولا ممن يدعو الناس إلى الموبقات .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 169 ) :
أجمع العلماء على أن من اطلع على عيب أو ذنب أو فجور لمؤمن من ذوي الهيئات أو نحوهم ممن لم يُعرف بالشر والأذى ولم يشتهر بالفساد ، ولم يكن داعيا إليه ، كأن يشرب مسكراً أو يزني أو يفجر متخوفاً متخفيّاً غير متهتك ولا مجاهر : يندب له أن يستره ، ولا يكشفه للعامة أو الخاصة ، ولا للحاكم أو غير الحاكم ؛ للأحاديث الكثيرة التي وردت في الحث على ستر عورة المسلم والحذر من تتبع زلاته ، ومن هذه الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم ( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) – متفق عليه – وفي رواية ( سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ ) – رواه مسلم – وقوله صلى الله عليه وسلم (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ) – رواه أبو داود وصححه الألباني – .
انتهى
4. ولا يجوز لك بعد نصحه البحث والتفتيش في جهازه ؛ لأسباب ، منها :
أ. أن هذا من التجسس المذموم ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12 .
ب. وهو من اتباع العورات المحرَّم ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عنه قَالَ : صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ : لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ) .
رواه الترمذي ( 1955 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .
ج. ولأن هذا مما قد يؤدي إلى فتنتك أنت ! ومن يستطيع ضمان نفسه إنه إن رأى مثل تلك الأفلام أن لا تؤثر عليه سلباً ؟! فقد تكون البداية البحث عنها للإنكار على صاحبها فيؤدي به الأمر إلى الافتتان بها ، فأنت قد أدَّيت ما عليك من النصح والوعظ فلا تتبع جهازه وهاتفه للبحث عما فيه من المنكرات ويسعك ما أديت تجاهه .
5. ونرجو أن يكون منك مساهمة في تقوية إيمان أخيك كأن تحفظ معه القرآن ، وتطلب معه العلم الشرعي ، وتشجعه على حضور حلقات العلم ، وتقوي علاقاته بطلبة العلم والدعاة ، وخاصة أن وضع البلد عندكم قد تغيَّر ولم يعد الأمر كما كان من حيث وجود من يخيفه ويعيقه عن الالتزام والاستقامة .

والله أعلم