الرئيسية بلوق الصفحة 429

التبول واقفا

حكم التبول واقفاً واستعمال مناديل الورق في الاستنجاء
السلام عليكم
هل يجوز التبول واقفاً ؟ وهل يجوز استعمال مناديل الورق للتنظف منه ؟
الجواب
الحمد لله
أولاً :
لا حرج أن يتبول الإنسان قائماً بشرط أن يأمن رجوع شيء من البول عليه ، وبشرط أن يأمن أن ينظر أحد إلى عورته ، وقد صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً ، وإن كان أكثر بوله وهو جالس ، حتى إن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن يكون قد بال قائماً ، لكن الصحيح أنه فعله ، وقد رآه حذيفة رضي الله عنه ، ومن علم حجة على من يعلم .
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين :
والبول قائماً جائزٌ ، ولا سيَّما إذا كان لحاجة ، ولكن بشرطين :
الأول : أن يأمنَ التَّلويث .
الثاني : أن يأمنَ النَّاظر .
وقد ثبت في الصَّحيحين من حديث حُذيفة ـ رضي الله عنه ـ أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائماً .
قال بعض العلماء : فعل ذلك لبيان الجواز ، وقال آخرون : فعله للحاجة ؛ لأن السُّبَاطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه ، فهو إن قعد في أعلاها مستدبراً لهم ارتد بولُه إليه ، وإن قعد في أعلاها مستقبلاً لهم انكشفت عورته أمامهم ، فما بقي إلا أن يقوم قائماً مستدبراً للقوم ، فيكون في ذلك محتاجاً إلى البول قائماً .
وأما حديث : ” أنه فعل ذلك لجُرحٍ كان في مأبَضِه ” : فضعيف ، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يَتَطبَّبُون بالبول قياماً من وجَعِ الرُّكَبِ فضعيف .
ولكن يمكن أن يُقالَ: إن العرب إذا أَوجعتهم ركبُهم عند الجلوس بَاَلوا قياماً للحاجة.
” الشرح الممتع ” ( 1 / 115 ، 116 ) ط ابن الجوزي .
والحديث الذي أشار إليه الشيخ أنه ضعيف رواه البيهقي ( 1 / 224 ) .
و” المأبض ” : باطن الركبة .
ثانياً :
أما استعمال المناديل والورق في التنظيف فلا حرج فيه أيضاً ، لكن ضمن شروط ، وهي :
أن تكون طاهرة غير متنجسة .
عن عبد الله بن مسعود قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائطَ فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها ،
فأخذ الحجرين ، وألقى الروثة ، وقال : ” هذا رِكس ” .
رواه البخاري ( 155 ) .
والركس : النَّجِس .
أن لا يكون عليها شيء من ذكر الله تعالى .
قال الشيخ ابن عثيمين :
والدَّليل قوله تعالى : { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [ الحج / 32 ] ، وقوله : { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } [ الحج / 30 ] .
والتَّقوى واجبة ، فمن أجل ذلك لا يجوز أن يَستجمرَ الإنسان بشيء ٍمحترم .
” الشرح الممتع ” ( 1 / 135 ) ط ابن الجوزي .
أن تنقي محل الأذى وتزيل النجاسة .
قال الشيخ ابن عثيمين :
لأن المقصـود بالاستجمار الإنقاء ، بدليل أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ” نَهَى أن يُستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجــار ” ؛ ولأن النبــيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال في الذي يُعذَّبُ في قبره : ” إنَّه لا يَسْتَنْزِهُ من بوله ” ، أو ” لا يَسْتَتِرُ ” ، أو ” لا يَسْتَبْرِئُ من البول ” ، ثلاث روايات .
” الشرح الممتع ” ( 1 / 133 ) ط ابن الجوزي .
أن يستنجي بها وتراً ولا ينقص عن ثلاث مسحات .
عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال: ” نهى رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار ” .
رواه مسلم ( 262 ) .
قال علماء اللجنة الدائمة :
يجوز استعمال المناديل والأوراق ونحوهما في الاستجمار ، وتجزئ إذا أنقت ونظَّفت المحل من قُبُل أو دبُر ، والأفضل أن يكون استعمال ما يستجمر به وتراً ، ويجب ألاَّ ينقص عن ثلاث مسحات ، ولا يجب استعمال الماء بعده ، لكنَّه سنَّة .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 107 ) ط بلنسية .

والله أعلم

حكم أن يكون الحمام في اتجاه القبلة

حكم أن يكون الحمام في اتجاه القبلة

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندنا في البيت داخل الحمام المكان المخصص لقضاء الحاجة موجه للقبلة فهل هذا جائز علماً أنه يوجد هناك جدران فاصلة وجزاكم الله خير.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديماً ، ويحسن أن نذكر أقوالهم ثم نذكر الراجح – إن شاء الله -:

لا بد أن نعلم أن للكعبة مكانة عظيمة وهي مشرفة ومن تشريفها ما ورد في حديث أبي أيوب الأنصاري  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ” إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن  شرقوا أو غربوا ، قال أبو أيوب : فقدِمْنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قِبَل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى ” .     رواه البخاري ( 144) ومسلم ( 264 ) .

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ، ويحسن قبل أن نتكلم في مذاهب العلماء أن نذكر الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة :

  • حديث أبي أيوب المتقدم .
  • عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء ، قال : ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة  ” . وحسنه ابن حجر في “الفتح” (1 / 245 ) .

3-  عن عبد الله بن عمر قال : ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام . رواه البخاري ( 145 ) ، ومسلم ( 66 ) .

4-  عن معقل الأسدي رضي الله عنه قال : ”  نهى رسول الله  صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط  ” . رواه أبو داود  ( 10 ) وابن ماجه ( 319 ) ، وهو حديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال . ” فتح الباري ” ( 1 / 246 ) .

وأما مذاهب العلماء فهي كما يلي :

  • قال قوم بجواز الاستدبار دون الاستقبال .

وهو قول في  مذهب الحنفية والحنابلة واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنه المتقدم ذكره .

  • وقال قوم بالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقا – جمعا بين حديث أبي أيوب وحديث ابن عمر -.  وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق .

 

 

 

 قال ابن حجر : 

وهو أعدل الأقوال ، لإعماله جميع الأدلة ، ويؤيده من جهة النظر : ما تقدم عن ابن المنير أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفاً ، وبأن الأمكنة المعدة  لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة بخلاف الصحراء فيهما .

  • وقال قوم بالتحريم مطلقا .

وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد ، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي ورجحه من المالكية  ابن العربي ومن الظاهريه ابن حزم .

وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة ولم يصححوا حديث جابر الذي أشرنا إليه .

  • وقال قوم بالجواز مطلقا .

وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فيرجع إلى أصل الإباحة .

  • وقال قوم بجواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكا بظاهر حديث ابن عمر .

وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة .

  • وقال قوم بالتحريم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس .

وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين عملا بحديث معقل الأسدي : ” نهى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط ” – وقد تقدم ذكره – .

والراجح من الأقوال  :

التفريق بين البنيان والفضاء ، وهو الذي يجمع بين الأدلة .

 

والله أعلم .

 

 

 

يمنعه الإحراج من أهله من الاغتسال لصلاة الفجر

يمنعه الإحراج من أهله من الاغتسال لصلاة الفجر

السؤال:

الاحتلام منعني مرتين من أداء فريضة الفجر ، حيث إنني أحرج أن أقوم بالليل للاغتسال حيث عائلتي بها إناث ، لذلك أخجل أن يفكر أحد منهم في شيء من هذا القبيل، فماذا أفعل ؟ وفي بعض الأحيان قبل استيقاظي للذهاب إلى العمل لا أجد وقتاً للاغتسال، فما حكم أن أذهب دون استحمام وبذلك أفقد تأدية صلاة الظهر والعصر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يحل لكَ أن تترك الاغتسال من الجنابة ، وليس لإحراجك من أهلكِ وجْه ، وكل من في البيت يعلم أن الرجل والمرأة قد يحتلمان في نومهما .

وتستطيع أن تغتسل من غير أن يشعر بك أحد إن كنتَ محرجاً من أهلك ، وكثير من الناس جعلوا للاغتسال نصيباً من القلق والاهتمام فوق حدِّه الشرعي ، فالاغتسال عندهم يعني تغيير الملابس ، ويعني استعمال ( الشامبو ) ، ويعني الإسراف في الماء ، وكل هذا جعل الناس يتساءلون عن حكم ترك الاغتسال إذا باتوا عند أحدٍ من الأصدقاء أو الأقرباء خشية من ظن السوء فيهم .

وإذا عرفنا أن الغسل يكون بصاع من الماء – وهو بحجم إبريق – ، وإذا عرفنا أن المني طاهر ، ولا يلزم تغيير الملابس : أمكن أن يقوم الجنب بالاغتسال أثناء وجوده في الحمام دون أن يشعر به أحد ، بل ويمكنه طلب الماء الساخن من أهل البيت موهماً أنه للاستنجاء والوضوء ، وهو سيكفيه – إن شاء الله لغسله – .

عن أبي جعفر – وهو محمد بن علي بن الحسين – أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم فسألوه عن الغسل فقال : يكفيك صاع ، فقال رجل : ما يكفيني ‍‍! فقال جابر : كان يكفي من هو أوفى منك شعْراً وخير منك . رواه البخاري ( 249 ) ومسلم ( 329 ) .

فإذا دخل الخلاء غسل فرجه ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم غسل رأسه وأفاض الماء على سائر جسده ، ومن عوَّد نفسه هذا الاستعمال القليل للماء سيجد أنه يكفيه ، بل قد يزيد ، ثم يلبس ملابسه نفسها ، وله أن يغسل أثر المني ، ولن يشعر به أحد .

وهذا في حال الإحراج من أهل البيت ، وإلا فمن طلب من أهل البيت الاغتسال فهو أهلٌ للثقة ، وليس العكس ، والمريب وصاحب السوء هو الذي يترك الغسل والصلاة ، أو يصلي وهو على جنابة .

كما ويمكن الذي يُحرج من الاغتسال في البيت أن يغتسل في المسجد ، أو أن يرجع إلى بيته فيغتسل في الوقت ، وفي كل الأحوال فهو ليس بمعذور من ترك الاغتسال ، وتضييع الصلاة ، وإن فعلها فيكون تاركاً للصلاة عن عمدٍ وليس له أن يقضيها ، بل عليه التوبة والاستغفار من فعله ، وعليه العزم أن لا يعود لمثلها .

ولا يجب عليك الاغتسال بعد الجنابة إلا أن يحين وقت الصلاة ، فلك أن تذهب إلى عملكِ وأنت جُنُب ما لم تكن في وقت صلاة .

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنست منه فذهب فاغتسل ، ثم جاء فقال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : كنتُ جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة ، فقال : ” سبحان الله ، إن المسلم لا ينجس ” . رواه البخاري ( 279 ) ومسلم ( 371 ) .

قال الحافظ ابن حجر :

وفيه : جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه .

” فتح الباري ” ( 1 / 391 ) .

– فانخنست: مضيت مستخفياً .

ولا يحل لك تأخير الاغتسال إلى أن يخرج وقت الصلاة ، وكل عملٍ أو دراسةٍ تقدمها على الطهارة الواجبة والصلاة فهي محرَّمة ، ولا يحل لك الانشغال بشيء على حساب أداء الصلاة في وقتها .

 

والله أعلم.

 

ما هو أثر العقيدة في تقويم الشخصية المسلمة؟

السؤال:

ما هو أثر العقيدة في تقويم الشخصية المسلمة؟

ما هو موقف علم التوحيد في تقويم شخصية المسلم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أجمع السلف على أنَّ الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح ، والإسلام عقيدة تنبثق منها أعمال وأقوال وأخلاق ، وليس مجرَّد معرفة ذهنية وإقرار قلبي ، ثمَّ لا أثر له في أعمال العبد وأخلاقه .

ومن عرف عقيدة السلف علِم أنه لا انفصام بين العقيدة والأخلاق ، بل هما متلازمان تلازم الروح والجسد ، تعلو الأخلاق بقوة العقيدة ، وتسفل بضعفها .

قال الإمام ابن القيِّم – رحمه الله – :

التوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه ، فأيُّ شيء يخدشه ويدنسه ويؤثِّر فيه ، فهو كأبيض ثوب يكون يؤثِّر فيه أدنى أثر ، وكالمرآة الصافية جدّاً أدنى شيء يؤثِّر فيها ، ولهذه تشوشه اللحظة ، واللفظة ، والشهوة الخفية ، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضدّه ، وإلا استحكم وصار طبعاً يتعسَّر عليه قلعه . ” الفوائد ” ( ص 194 ، 195 ) .

وللعقيدة الإسلامية أثر عظيم في تقويم المسلم وتهذيب سلوكه وأخلاقه ، فهو عندما يوحد الله تعالى ، ويخشى عقابه ، ويرجو ثوابه ، ويعلم أنه تعالى مطلع عليه لا تخفى عليه خافية ، وأنه يعلم السرَّ وأخفى : فإنك ستجد – حتماً –  لهذا الاعتقاد أعظم الأثر على سلوك المسلم وأخلاقه .

ومن هنا جاءت أوامر كثيرة في السنة النبوية بُدأت بقول النبي صلى الله عليه وسلم ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ” ، وهكذا في النواهي ، وهو استحثاث للمسلم وتذكير له بإيمانه ، وبيان أن إن صح إيمانه بالله واليوم الآخر فإنه – ولا بدَّ –  سيستجيب لما أمره الله تعالى به ، وسينتهي عما نهاه الله تعالى عنه .

والإيمان بالله تعالى ورجاء ثوابه يقوِّم شخصية المسلم ويرقق قلبه ، ويجعله متوكِّلاً على ربه عز وجل ، قال تعالى : { إنَّما المُؤمنُون الذين إذا ذُكرَ اللهُ وَجِلَت قُلُوبُهُم وإذا تُليت عليهم آياته زادَتْهُم إيماناً وعلى ربِّهم يتوكَّلُون } [ الأنفال /  2 ] .

والاعتقاد الصحيح يحوِّل الإنسان من بهيمة إلى إنسانٍ سوي ، ومن وحش كاسر إلى حَمَل وديع ، ومن فظ غليظ إلى رقيق رحيم ، ونظرة سريعة إلى شخصيات متعددة كانت على الكفر ثم أسلمت ، أو كانت في الضياع ثم اهتدت يتبين به صحة ما قلناه ، فسحرة فرعون ماذا كانوا وكيف انقلبوا ، وعمر بن الخطاب كيف كان في الجاهلية وكيف صار حاله في الإسلام ، وحدِّث عن قصص التائبين ولا حرج ، فكم آذوا الناس ، وكم سرقوا أموالهم ، وانتهكوا أعراضهم ، بل وآذوا أنفسهم ، ثم يدخل الإيمان في قلب أحدهم فيهديه الله تعالى وينقلب حاله إلى أحسن حال .

وفي آخر ” العقيدة الواسطية ” ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية –  رحمه الله –  أن أخلاق المسلمين ومحاسن أعمالهم جزء من اعتقادهم .

قال – رحمه الله – :

ويدعون إلي مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ويعتقدون معنى قوله صلي الله عليه وسلم : ” أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ” .

وفي ” شرح العقيدة الواسطية ” للشيخ ابن عثيمين مباحث رائقة في التعقيب على اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وبيان الآثار المسلكية للإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ومن أمثلته:

قال – رحمه الله – :

ما نستفيده من الناحية المسلكية في الإيمان بصفتي ” السمع ” و ” الرؤية ” :

أما الرؤية : فنستفيد من الإيمان بها الخوف والرجاء : الخوف عند المعصية ، لأن الله يرانا ، والرجاء عند الطاعة ، لأن الله يرانا ، ولا شك أنه سيثيبنا على هذا ، فتتقوى عزائمنا بطاعة الله ، وتضعف إرادتنا لمعصيته .

وأما السمع : فالأمر فيه ظاهر ؛ لأن الإنسان إذا آمن بسمع الله استلزم إيمانه كمال مراقبة الله تعالى فيما يقول خوفاً ورجاءً : خوفاً ، فلا يقول ما يسمع الله تعالى منه من السوء ، ورجاء ، فيقول الكلام الذي يرضي الله عز وجل .

” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 330 ، 331 ) .

والكلام سيطول لو أننا ذكرنا – كذلك – أثر الإيمان بجميع أبواب اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وحسبنا ما ذكرنا من لمَح في ذلك .

 

والله أعلم.

 

لماذا يوسوس الشيطان للعبَّاد أكثر من وسوسته للمسلمين المذنبين؟

السؤال:

لماذا يوسوس الشيطان للعبَّاد أكثر من وسوسته للمسلمين المذنبين؟ كيف يستطيع الشيطان أن يوسوس للعبَّاد مع أنه بعيد عنهم ويخاف منهم ؟ لماذا يتأثر العبَّاد كأن يصبح لديهم شكوك في الإسلام ؟

كنت ملتزماً بالإسلام والآن أصبحت لدي وساوس وشكوك وأظن بأنني لست مخلصاً وأصبح لدي نفاق في قلبي .

سؤالي هو: كيف يؤثر بي الشيطان مع أنني كنت ملتزماً بالإسلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

يبتلى المؤمن على قدر دينه وإيمانه ، وليس من المستغرب أن يوسوس الشيطان للعبَّاد والعلماء والدعاة وأهل الخير ؛ لأن هؤلاء هم أعداؤه على الحقيقة ، وأما العصاة والكفرة فهم جنوده ، فماذا يريد بهم وقد انتهى أمرهم بالنسبة له ، وقد سئل بعض السلف عن مثل هذا فقيل له : ما بال الشيطان يأتي للعابد ولا يأتي للعاصي ، فقال : وماذا يريد الشيطان بالبيت الخرِب؟.

وقد ثبت في السنة الصحيحة أن بعض الصحابة اشتكى من وسوسة الشيطان لهم حتى إنهم ليتعاظمون من قول ما يوسوس لهم به ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم ” ذاك صريح الإيمان “.

والمقصود به أنهم استعظموا الحديث بما وسوس به الشيطان فضلاً عن اعتقادهم له ، وقد جعل الله تعالى سبيل الشيطان على العالِم به تعالى الوسوسة فقط ، وأما الكافر فإنه يتلاعب به كيف شاء .

ومن استسلم للشيطان ووساوسه فإنه يتلاعب به كيف شاء ، والواجب التخلص من وسوسة الشيطان بالانتهاء عن الانسياق وراء الخطرات وتلبيس الشيطان ، وعدم التحدث بالخواطر والشبهات ، وأن يقول ” آمنتُ بالله ورسله ” ، وأن يستعيذ بالله من الشيطان .

فلا تبتأس أخي من وسوسة الشيطان ، لكن لا ينبغي أن تستسلم لها ، وعليك مجاهدة الشيطان والاستعانة بالله تعالى في ذلك .

ومما ينبغي أن يُعلم في هذا السياق التفريق بين العبَّاد وبين العلماء ، فالعابد  – ونقصد به من كان كذلك دون أن يكون عنده علم –  أكثر حظّاً في الاستسلام لوسوسة الشيطان والاستجابة لها ، وأما العالِم فالشيطان أبعد ما يكون عنه ، ولذا كان يقول ابن عباس ” فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ” ، لذا فإننا نوصيك بالعلم حتى تعلم حقيقة الوسوسة وحقيقة العداوة بينك وبين الشيطان.

 

والله أعلم.

يشكون في شخص سحر والدهم، وعلاج المسحور

يشكون في شخص سحر والدهم، وعلاج المسحور

السؤال:

لدي شك منذ فترة طويلة بأن شخصاً ما قد قام بعمل سحر لوالدي ، تصرفاته أحياناً تؤذينا فهو دائماً يصرخ ويوبخ على أشياء حصلت في الماضي والحاضر ، يغضب بسرعة ويبدي كرهاً لوالدتي ، أستيقظ كثيراً من نومي على صياحه بسبب شيء بسيط ، الحمد لله فلديه علم شرعي وقد حج ويؤدي الصلوات الخمس .

تصرفاته تسببت في حزن جميع العائلة ، عائلتنا تتكون من 9 أولاد ولي 3 أكبر مني وأرى أنهم يكبرون وهم يكرهون والدي بسبب تصرفاته ، أنا ووالدتي نظن بأن اثنين من أعمامي لهم يد في هذا ولدينا أسباب لهذا الشك .

أدعو الله وأعلم بأن الله يستمع لشكواي ، نتحدث فيما بيننا عن السحر وأنه السبب في تصرفات والدنا ، قيل لي مؤخراً بأن أخي الأكبر يعلم بدور عمي في السحر ولكنني لم أر أي خطوة اتخذوها لعلاجه .

سؤالي هو: كوني فتاة عمري 17 سنة ، ماذا يمكن أن أفعل ؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز لكم اتهام الآخرين أنهم قاموا بعمل السحر ، والأصل في المسلم البراءة حتى يثبت عكس ذلك بيقين لا شك فيه ؛ وثبوت قيام واحدٍ بالسحر يعني أنه وقع في الكفر إن كان يستعين بالشياطين ، أو وقع في كبيرة إن كان يستعمل الأدوية والعقاقير ، فليس اتهام الآخرين بالأمر الهيِّن ، فيجب عليكم التوقف عن هذا حفظاً لكم من الوقوع في الإثم ، وحفظاً لعرض من تتهمونه.

وعليكم القيام بعلاج والدكم مما فيه من بلاء – سحر أو غيره  – وذلك بالرقية الشرعيَّة ، وهي قراءة آيات من القرآن الكريم عليه ، والأدعية والأذكار الثابتة بالسنَّة الصحيحة .

قال ابن القيم :

ومِن أنفع علاجات السحر : الأدوية الإلهية ، بل هي أدويته النافعة بالذات ؛ فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعله وتأثيرها ، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النُّشرة [ –  أي : العلاج – ] ، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عُدَّته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له ، فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله مغموراً بذكره ، وله من التوجهات الدعوات والأذكار والتعوذات وِردٌ لا يخل به يطابق فيه قلبُه لسانَه : كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه . “زاد المعاد ” ( 4 / 126 ، 127 ) .

وقال الشيخ ابن عثيمين :

الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية المباحة ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقي أصحابه ، ومن جملة ما يرقيهم به : ” ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ، أمرك في السماء والأرض ، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض ، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع ” فيبرأ , رواه أبو داود ( 3892 ) وقد تكلّم بعض العلماء في هذا الحديث.

ومن الأدعية المشروعة : ” باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس أوعين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك ” ، ومنها : أن يضع الإنسان يده على الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول : ” أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر ” إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول  صلى الله عليه وسلم .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 1 / 105 ) .

– وللمزيد حول طرق علاج السحر: انظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

 

سرقة الجن لأغراض الإنس وجماع نسائهم

سرقة الجن لأغراض الإنس وجماع نسائهم

السؤال:

كيف أمنع الجن من سرقة أشياء كجواز السفر مثلاً ؟ هل يجوز أن أضعه في المصحف أو أقرأ المعوذتين وآية الكرسي ثم أمسح عليه كما نفعل حين النوم ؟

كيف تمنع المرأة الجن من جماعها أثناء النوم ؟ إذا كان هذا يحصل أثناء تلاوة سورة البقرة عبر المسجل, فهل يمكن أن يكون جنيّاً مسلماً ؟

 

الجواب

الحمد لله

أولاً :

الجن لا يملك من القوة والقدرة إلا ما مكنه الله تعالى منه ، وهو أعجز مما يظن الكثيرون ، لكن تفريط المسلم في الأخذ بالأسباب هو الذي يمكن شياطين الإنس والجن منه .

والجن أعجز من أن يستطيع حل سقاء القِرب ، وأعجز من أن يستطيع فتح بابٍ مغلق ، وأعجز من أن يكشف غطاء إناء ، فكيف بما أعظم من كل ما سبق ؟ .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” غطوا الإناء ، وأوكوا السقاء, وأغلقوا الباب ، وأطفئوا السراج ؛ فإن الشيطان لا يحلُّ سقاءً ، ولا يفتح باباً ، ولا يكشف إناءً ، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ، ويذكر اسم الله فليفعل ؛ فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم ” .

رواه مسلم ( 2012 ) .

وإذا ذكَر المسلمُ ربَّه عند دخوله منزله لا يستطيع الشيطان البيات في بيته ، وإذا ذكر الله تعالى على طعامه لم يشاركه فيه ، والعكس بالعكس ، فإن دخل بيته ولم يذكر الله تعالى ولم يسم على طعامه أدرك الشيطان المبيت والطعام عنده .

عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان : لا مبيت لكم ، ولا عشاء ، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان : أدركتم المبيت ، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء ” . رواه مسلم ( 2018 ) .

ولا نرى أن تضع أشياءك في المصحف ، فهو لا يحفظها ، ولا نرى قراءتك على أشيائك شيئاً من القرآن الكريم ، ويكفي حفظه في خزانة أو درج مكتب ، وكما قلنا فإن الشيطان يعجز عن المكنة منها .

ثانياً :

ذكر بعض أهل العلم  – وهو التابعي مجاهد بن جبر– أن المسلم إذا جامع امرأته ولم يسم الله تعالى شاركه الشيطان في جماع امرأته ، وهو أحد الأوجه في تفسير قوله تعالى : { وشاركهم في الأموال والأولاد } ، وهذا لم يثبت مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم .

عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال ” باسم الله اللهم جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا ” فقضي بينهما ولد لم يضره ” . رواه البخاري ( 141 ) ومسلم ( 1434 ) .

قال النووي  في شرح حديث جابر الأول – :

هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا , فأمر صلى الله عليه وسلم بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان , وجعل الله عز وجل هذه الأسباب أسبابا للسلامة من إيذائه فلا يقدر على كشف إناء ولا حل سقاء , ولا فتح باب , ولا إيذاء صبي وغيره , إذا وجدت هذه الأسباب . وهذا كما جاء في الحديث الصحيح : ” إن العبد إذا سمّي عند دخول بيته قال الشيطان : لا مبيت ” أي : لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء , وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله : ” اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ”

كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان , وكذلك شبه هذا مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة . وفي هذا الحديث : الحث على ذكر الله تعالى في هذه المواضع, ويلحق بها ما في معناها .”   شرح مسلم ” ( 13 / 185 ) .

هذا بالنسبة للمرأة المتزوجة ، وأما المرأة غير المتزوجة ، فإنه يكفيها أن تقرأ آية الكرسي ، فإنها تمنع بقراءتها الشيطان من أن يقربها .

على أننا ننبه أن الشيطان لا يمكنه أن يجامع المرأة من الإنس ، ويكون به إنزال وإنجاب ، بل هذا مستحيل شرعاً وواقعاً .

 

والله أعلم.

 

حقيقة العيْن وطرق الوقاية منها وعلاجها

حقيقة العيْن وطرق الوقاية منها وعلاجها

السؤال:

ما هي العين؟ قرأت هذا المصطلح كثيراً في هذا الموقع، أرجو التوضيح.

جزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

– هذه بعض المسائل والفتاوى المتعلقة بالعين ، ونسأل الله تعالى أن ينفع بها.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حقيقة العين – النضل – قال تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } ؟ وهل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم صحيح والذي ما معناه قوله : ” ثلث ما في القبور من العين ” ؟ ، وإذا شك الإنسان في حسد أحدهم فماذا يجب على المسلم فعله وقوله ؟، وهل في أخذ غسال الناضل للمنضول ما يشفي ، وهل يشربه أو يغتسل به؟

فأجابوا :

العين مأخوذة من عان يعين إذا أصابه بعينه ، وأصلها من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ، ثم تستعين على تنفيذ سمّها بنظرها إلى المعين ، وقد أمر الله نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الحاسد ، فقال تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } ، فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا ، فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ، وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردّت السهام على صاحبها . ( من ” زاد المعاد ” بتصرف ).

وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإصابة بالعين ، فمن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين ” ، وأخرج مسلم وأحمد والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” العين حق ولو كان شيء

سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا ” .

وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه ، عن أسماء بنت عميس أنها قالت : يا رسول الله ، إن بني جعفر تصيبهم العين ، أفنسترقي لهم ؟ ، قال : نعم ، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين .

وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغسل منه المعين .

وأخرج الإمام أحمد ومالك والنسائي وابن حبان وصححه عن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وسار معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة أحد بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، فلبط سهل ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل : يا رسول الله ، هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه ، قال : هل تتهمون فيه من أحد ؟ ، قالوا : نظر إليه عامر بن ربيعة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه ، وقال : علام يقتل أحدكم أخاه ، هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت ، ثم قال له : اغتسل له ، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه ، ففعل به ذلك ، فراح سهل مع الناس ليس به بأس .

فالجمهور من العلماء على إثبات الإصابة بالعين ؛ للأحاديث المذكورة وغيرها ، ولما هو مشاهد وواقع .

وأما الحديث الذي ذكرته ” ثلث ما في القبور من العين ” : فلا نعلم صحته ، ولكن ذكر صاحب ” نيل الأوطار ” أن البزار أخرج بسند حسن عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس – يعني : بالعين – .  [ والحديث حسنه الشيخ الألباني في الصحيحة ( 747 ) ].

ويجب على المسلم أن يحصن نفسه من الشياطين من مردة الجن والإنس بقوة الإيمان بالله واعتماده وتوكله عليه ولجئه وضراعته إليه ، والتعوذات النبوية وكثرة قراءة المعوذتين وسورة الإخلاص وفاتحة الكتاب وآية الكرسي ، ومن التعوذات : ” أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ” و ” أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ، ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ” ، وقوله تعالى { حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } ونحو ذلك من الأدعية الشرعية ، وهذا هو معنى كلام ابن القيم المذكور في أول الجواب .

وإذا علم أن إنسانا أصابه بعينه أو شك في إصابته بعين أحد فإنه يؤمر العائن أن يغتسل لأخيه فيحضر له إناء به ماء  فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل إزاره ثم يصب على رأس الذي تصيبه  العين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله . الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 1 / 186 ) .

وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين :

هل العين تصيب الإنسان ؟ وكيف تعالج ؟ وهل التحرز منها ينافي التوكل ؟ .

فأجاب بقوله :

رأينا في العين أنها حق ثابت شرعاً وحسّاً ، قال الله – تعالى – : { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم } ، قال ابن عباس وغيره في تفسيرها : أي يعينوك بأبصارهم ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا ” رواه مسلم ، ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل … – وساق الحديث – .

والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره .

وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي :

  1. 1. القراءة : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا رقية إلا من عين أو حمة ” ، وقد كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : ” باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك ، باسم الله أرقيك ” .
  2. الاستغسال : كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب .

أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل ، وكذلك الأخذ من أثره ، وإنما الوارد ما سبق من غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطاقيته وثوبه ، والله أعلم .

والتحرز من العين مقدماً لا باس به ، ولا ينافي التوكل بل هو التوكل ؛ لأن التوكل الاعتماد على الله – سبحانه – مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: ” أعيذكما  بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة ” ويقول : ” هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام ” ، رواه البخاري .

” فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / 117 ، 118 ) .

 

والله أعلم.

يدعي أن الجن تساعده في القراءة على الناس

العلاج عن طريق الجن وتحضير الأرواح

يوجد لدي صديق قال لي إنه يعالج بالقرآن لكن عن طريق الجن حيث إنهم يخبروه بالآيات التي يقرؤها على المريض وأنهم مسلمون حيث إنهم عندما يأتون إليه يردون عليه السلام … لكن مرة أخبرني بشيء غريب ألا وهو أن يأتي بروح أحد الأشخاص ويتكلم على لسانه كأحد الأنبياء أو أن والده المتوفى يجلس معهم ويشرب الشاي معهم لكنهم لا يروه إنما يرى الكاسة ترتفع وتنزل ومرة أخبرني شيئاً ! يتعلق بأمر الغيب بأن أحد الأشخاص سوف يموت بعد عامين أو تحدث بعض التغيرات … لكنه أيضا إذا أحد مرض يقرأ عليه الرقية الشرعية ، وأيضا إنه لا يأخذ الفلوس مقابل هذه الخدمة …. هل ما يقوم به هذا الشخص صحيح أم يخالف الإسلام ؟ … وإذا كان يخالف الشريعة ما هو موقفي تجاهه ؟ هل أستمر في صحبته أم أقطع علاقتي به ؟ …. وماذا يستفيد من ذلك لأنه كما أسلفت لا يتقاضى المال ؟ …. وجزاك الله خير الجزاء ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
يجوز للمسلم أن يعالج بالقرآن ، وقد جعله الله تعالى شفاءً ورحمة ، وقد صح في غير ما حديث قراءة بعض الآيات أو السور علاجاً من أمراض حسية ومعنوية ، ومنه حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين – البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ) – وفيه قراءة الفاتحة على الملدوغ ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها “.
رواه البخاري ( 4175 ) ومسلم ( 2192 ) .
ثانياً :
لا يجوز لأحدٍ أن يستعين بالجن في أي أمرٍ من الأمور ، ونحن في غنية عن دلالة الجن لبعض الآيات التي يقرؤها المعالِج على مرضاه ، فقد جاء في السنة الصحيحة ما يغنينا عن مثل هذا .
وكون الجن يبدؤون بالسلام ويدلون على بعض الآيات لا يدل على صدقهم ، فالأصل في الجن الكذب ، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة – عن الجني – ” صدقك وهو كذوب ” .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمسّ الحاجة إلى من يعينهم في أمور القتال وكشف أسرار الأعداء ، ولم يستخدموا أحداً من مسلمي الجن في ذلك ، فإذا كان الداعي إلى استعمال الجن قائماً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإمكانية ولم يستعملهم دلَّ ذلك على أن استعمالهم بعده غير مشروع .
وكيف نجزم – أصلاً – أن هذا الجن من المسلمين ؟
لا يمكن ذلك من غير وحي ، ومن قال : بالقرائن ، فنذكره بمن نراه وهو منافق ، ونذكره بالاستدراج ، فسقطت المسألة من أصلها .
1. قال علماء اللجنة الدائمة :
الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات مِن الإضرار بأحدٍ أو نفعه : شرك في العبادة ؛ لأنه نوعٌ من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته .
قال الله تعالى { ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا ، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ، وكذلك نولِّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون } .
وقال تعالى { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً } .
فاستعانة الإنسي بالجني في إنزال ضرر بغيره ، واستعانته به في حفظه مِن شرِّه : كلُّه شرك .
ومن كان هذا شأنه : فلا صلاة له ولا صيام ، لقوله تعالى { لئن أشركتَ ليحبطنَّ عملُك ولتكونن من الخاسرين } .
ومن عُرف عنه ذلك : لا يُصلَّى عليه إذا مات ، ولا تُتبع جنازته ، ولا يُدفن في مقابر المسلمين .
الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن منيع
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 407 ، 408 ) .
2. وسئلت اللجنة الدائمة سؤالا في الموضوع يقول :
أفيدكم علماً بأن في ” زامبيا ” رجلاً مسلماً يدَّعي أن عنده جنّاً ، والناس يأتون إليه ويسألون الدواء لأمراضهم ، وهذا الجن يحدِّد الدواء لهم .
وهل يجوز هذا ؟
فأجابوا :
لا يجوز لذلك الرجل أن يستخدم الجن ، ولا يجوز للناس أن يذهبوا إليه طلباً لعلاج الأمراض عن طريق ما يستخدمه من الجن ولا لقضاء المصالح عن ذلك الطريق .
وفي العلاج عن طريق الأطباء من الإنس بالأدوية المباحة مندوحة وغنية عن ذلك مع السلامة من كهانة الكهَّان .
وقد صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ” من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء : لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ” رواه مسلم .
وخرَّج أهل السنن الأربعة والحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ” .
وهذا الرجل وأصحابه من الجن يعتبرون من العرَّافين والكهنة ، فلا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 408 ، 409 )
ثالثاً :
وأما ” تحضير الأرواح ” فهو من خرافات السحرة والكهنة أتباع الشياطين ، وللشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – فتوى مفصلة في هذا الأمر ، نقتبس منه بعض الجمل .
قال رحمه الله :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :
فلقد شاع بين كثير من الناس من الكتَّاب وغيرهم ما يسمى بعلم ” تحضير الأرواح ” ، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة ، يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك من الشؤون التي يظن أنَّ عند الموتى علماً بها في حياتهم .
ولقد تأمَّلت هذا الموضوع كثيراً ، فاتضح لي أنه علم باطل ، وأنَّه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين والتوصُّل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة ، ولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس ، فأقول : لا ريب إن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه ، وما نفياه أو أحدهما نفيناه ، كما قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } .
ومسألة ( الروح ) من الأمور الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى بعلمها ومعرفة كنهها ، فلا يصحُّ الخوض فيها إلا بدليل شرعي ، قال الله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً } ، وقال سبحانه في سورة النمل : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } الآية …..
فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع ، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام ، كما أنَّهُ لا صحةَ لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاؤون من الأموات ويكلمونها ويسألونها .
فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل ، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها ، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك ، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع .
أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم ، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح ، إما لكسب مال أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة .
وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح ، إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها وتخدمه بما يطلب منها كذباً وزوراً في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات ، كما قال الله تعالى :
{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } ، وقال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } .
وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء ، وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائحهم التي يطلبونها منهم وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية أو يسترقونها من السمع أو يكذبونه وهو الأكثر …..
ومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه ، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم ، والواجب على المسؤولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه ، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم ، وإذا كان لا بد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعه وتلبيسهم على الناس .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ، وهو المسؤول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 309 – 316 ) باختصار .
وأخيراً :
عليك أن تنصح هذا المخالف للشرع ، فإن لم يستجب فيجب عليك هجره والتحذير منه ، ولا يجوز لك مصاحبته على حاله تلك حتى يدع ما هو عليه ، ولا يغرنك قراءته لبعض الآيات ولا عدم أخذه للمال ، فإن هذا لا يجعل الباطل حقّاً ، ثم هو لا يدوم طويلاً مع أمثال هؤلاء فسرعان ما تظهر حقيقتهم فيبدؤون بأخذ المال من الناس وترك الواجبات وارتكاب المحرمات .
والله أعلم

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟

السؤال:

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟ أود أن أعرف ما إذا كان هناك قرين لي.

ماذا يقول الإسلام عن هذا؟ أم أنه لا يوجد أصلاً؟

 

الجواب:

الحمد لله

نعم ، هناك ما يسمَّى القرين، وقد جعله الله تعالى مع كلِّ أحدٍ من خلقه ، وهو الذي يدفع صاحبه للشر والمعصية ، باستثناء النبي صلى الله عليه وسلم – كما سيأتي – .

قال الله تعالى : { قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ ق / 27 – 29 ] .

قال ابن كثير :

{ قال قرينه } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وغيرهم : هو الشيطان الذي وُكِّل به .

{ ربَّنا ما أطغيته } أي : يقول عن الإنسان قد وافى القيامةَ كافراً يتبرأ منه شيطانه ، فيقول : { ربنا ما أطغيته } أي : ما أضللتُه .

{ ولكن كان في ضلالٍ بعيدٍ } أي : بل كان هو في نفسه ضالاًّ قابلاً للباطل معانداً للحقِّ ، كما أخبر سبحانه وتعالى في الآية الأخرى في قوله { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

وقوله تبارك وتعالى { قال لا تختصموا لديَّ } يقول الرب عز وجل للإنسي وقرينِه من الجن وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى فيقول الإنسي : يا رب هذا أضلَّني عن الذِّكر بعد إذ جاءني ، ويقول الشيطان { ربَّنا ما أطغيتُه ولكن كان في ضلالٍ بعيدٍ } أي : عن منهج الحق .

فيقول الرب عز وجل لهما : { لا تختصموا لدي } أي : عندي ، { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل ، وأنزلت الكتب ، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين .

{ ما يبدل القول لديَّ } قال مجاهد : يعني : قد قضيتُ ما أنا قاض .

{ وما أنا بظلاَّم للعبيد } أي : لست أعذِّب أحداً بذنب أحدٍ ، ولكن لا أعذِّب أحداً إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 227 ) .

وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن ، قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ” .

وفي رواية : ” … وقد وكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة ” . رواه مسلم (2814).

وبوَّب عليه النووي بقوله : باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قريناً.

قال النووي :

” فأسلم ” برفع الميم وفتحها ، وهما روايتان مشهورتان ، فمن رفع قال : معناه : أسلم أنا من شرِّه وفتنته ، ومَن فتح قال : إن القرين أسلم ، من الإسلام وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير .

واختلفوا في الأرجح منهما فقال الخطابي : الصحيح المختار الرفع ، ورجح القاضي عياض الفتح ، وهو المختار ؛ لقوله : ” فلا يأمرني إلا بخير ” ، واختلفوا على رواية الفتح ، قيل : أسلم بمعنى استسلم وانقاد ، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم ” فاستسلم ” ، وقيل : معناه صار مسلماً مؤمناً ، وهذا هو الظاهر ، قال القاضي : واعلم أن الأمَّة مجتمعة على عصمة النَّبي صلَّى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه .

وفي هذا الحديث : إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه ، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان . ” شرح مسلم ” ( 17 / 157 ، 158 ) .

وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا كان أحدكم يصلِّي فلا يدع أحداً يمرُّ بين يديه ، فإن أبى فليقاتلْه فإن معه القرين ” . رواه مسلم ( 506 ) .

قال الشوكاني :

قوله ” فإن معه القرين ” في القاموس : ” القرين ” : المقارن ، والصاحب ، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه ، وهو المراد هنا . ” نيل الأوطار ” ( 3 / 7 ) .

 

والله أعلم.