الرئيسية بلوق الصفحة 56

لم يستطع تأمين سكن مستقل لزوجته ويريد أهلها فسخ النكاح فماذا يترتب على ذلك؟

لم يستطع تأمين سكن مستقل لزوجته ويريد أهلها فسخ النكاح فماذا يترتب على ذلك؟

السؤال:

أختي متزوجة من شخص لمدة سنة وستة أشهر ولم يدخل بها حتى الآن، وقد تم وضع شرط بالعقد أن يكون السكن ببيت مستقل، ولم يستطع الزوج الوفاء بهذا الشرط، وقد طالت المدة كما ترون، ونحن الآن – أهل الزوجة – نرغب بطلاق البنت، فما هو الحكم المتبع لاسترجاع المهر والهدايا المقدمة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على المسلم الوفاء بالعهود والعقود والشروط، والشروط في النكاح من أوثق الشروط الشرعية التي يجب الوفاء بها؛ لأنها تتعلق بالميثاق الغليظ وهو عقد النكاح، وتتعلق باستباحة الفروج.

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ).

رواه البخاري ( 2572 ) ومسلم ( 1418 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ( ما استحللتم به الفروج ) أي : أحق الشروط بالوفاء: شروط النكاح؛ لأن أمره أحوط ، وبابه أضيق.

” فتح الباري ” ( 9 / 217 ) .

ثانيًا:

والسكن في بيت زوجية مستقل هو من حقوق الزوجة أصلًا، ويجب على الزوج إسكانها في مسكن شرعي لائق ولو لم تشترطه عليه، فإذا حصل أن صار شرطًا: تعيَّن على الزوج تأمين ذلك السكن المستقل من جهتين: من جهة الشرع الذي أوجبه عليه، ومن جهة الشرط الذي وضعه عليه أهل زوجته، وإذا لم يوفِ بشرط الزوجة وأهلها: كان لهم طلب فسخ النكاح.

وبما أن الزوج قد تأخر مدة طويلة ولم يتمم تأمين سكن الزوجية، وفي تأخره ضرر على الزوجة وأهلها: فأمامه أمران:

الأول: أن يُعلن عدم قدرته على تأمين السكن الشرعي المستقل لزوجته، ومن ثَمَّ فعليه أن يطلقها، وويترتب على طلاقها أن يكون لها نصف المهر – عاجله وآجله-، ولا عدة عليها، إن كان لم يدخل بها، ولم يخل بها خلوة يتمكن من جماعها.

ولها المهر كاملًا، وعليها العدة، في حال دخل بها، أو خلا بها خلوة شرعية يتمكن من جماعها بها، وإن لم يقع فعلًا.

الثاني: أن يُعلن قدرته على ذلك لكن بعد زمن، وهنا فإنه يتوسط أهل العقل والحكمة بين الطرفين لإعطائه مهلة محددة معقولة، فإن أوفى بالتزامه فبها ونعمت، وإلا كان من حق أهل الزوجة مطالبته بفسخ النكاح، ولها الحق في المطالبة بحقوقها المالية كما سبق تفصيله.

ثالثًا:

وأما بخصوص الهدايا التي كان أهداها لأختك: فلها حالات:

  1. الأصل: أنه لا يحل الرجوع بالهدية إلا فيما أهداه والدٌ لولده، وعقد الزوجية بينهما يمنعها من مطالبته بهداياها له، ومن مطالبته بهداياه لها.

عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ، فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ ). رواه الترمذي ( 1299 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3539 ) والنسائي ( 3690 ) وابن ماجه ( 2377 ).

  1. إن كانت الهدايا في اتفاقكم، و في عرفكم السائد أنها من المهر: فإنها تتنصف كما يتنصف المهر، فتأخذ نصفها، وترد نصفها له، وما لا يمكن تنصفه فإنه تقدَّر قيمته فيرد نصفه له، إلا أن تعفو الزوجة فتردها كلها، أو يعفو هو فيجعلها لها.

وإن كان اتفاقكم، أو العرف السائد عندكم أن ما يقدمه الزوج قبل الدخول ليس من المهر: فلا يحل له الرجوع في هداياه، إلا أن تطيب أنفسكم بردها له.

 

والله أعلم.

 

ما حكم لبس الصندل للمحرم في حج أو عمرة؟

ما حكم لبس الصندل للمحرم في حج أو عمرة؟

السؤال:

هل يجوز لبس الصنادل الجلدية ذات الأربطة حال الإحرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في المحرم أن يلبس عند إحرامه ” النعل “، ويتجنب لبس ” الخف “، وقد أجمع العلماء على حرمة لبس المحرم للخف إن كان يجد نعلًا، واتفقوا على جواز لبسه له عند عدم وجوده للنعل.

واختلفوا في الذي لا يجد النعل هل يجعل خفَّه نعلاً بقطعه أسفل من الكعبين – أو بالضغط عليه كما يفعله المغاربة وغيرهم – فيُظهِر الكعبين وما فوقهما من الساق، أو لا يلزمه ذلك بل يلبس الخف على حاله؟ وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى الأول، وخالفهم الحنابلة فقالوا بجواز لبس الخف على حاله لمن لم يجد نعلين.

عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عُمَرَ رَضْيَ اللّه عَنْهُمَا: أنَّ رَجُلًا قالَ: يَا رَسُولَ اللّه مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثيابِ؟.

قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلا العَمَائِمِ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلا الْبَرَانِسَ وَلا الْخِفَافَ إلا أحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثيابِ شيئاً مَسَّهُ زَعْفَران أوْ وَرْسٌ ).

رواه البخاري ( 5458 ) ومسلم ( 1177 ).

والذي يظهر لنا مما سبق أن ما يُلبس في الرجل مما يكون مُظهرًا للكعبين فما فوقهما من الساق: أنه يجوز ابتداء وأنه لا يكون خفًّا، بل هو نعل، ومما يدل على ذلك ما سبق ذِكره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لبس الخفين لعدم وجود نعلين أنه يقطعهما أسفل من الكعبين، ويعني بذلك أن يصيِّرهما نعليْن.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ( وليقطعهما أسفل من الكعبين ) في رواية ابن أبي ذئب الماضية في آخر كتاب ” العلم ” حتى يكونا تحت الكعبين، والمراد: كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين: خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. ” فتح الباري ” ( 3 / 403 ).

وليس إظهار الكعبين بقطع الخف من باب الضرورة ولمن لبس الخف وهو لا يجد النعلين، بل الذي يظهر لنا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار الكعبين هو ليصير نعلًا، وأن ما تكون سيوره ورباطه تحت الكعبين هو من النعل، أو له حكم النعل.

وبالنظر فيما يسمى ” صندل ” الآن نجده أشكالًا وألوانًا، فمنه ما يغطي ظهر القدم كاملًا ويتجاوز الكعبين، ومنهم ما له مربط فوق الكعبين، أو عليهما، أو أسفل منهما.

وقد رأينا من أهل العلم من يجعل ” الصندل ” من النعل، أوله حكم النعل، وعليه فقد أجازوا لبسه للمحرم مطلقًا.

  1. * سئل الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:

بعض الأحذية مغلقة من الأمام، ومقطوعة من الأسفل قليل.

فأجاب:

لا، لا، هذا حذاء، ( ليس ) بخف، هذا يكشف نصف القدم الخلفي كاملًا.

لكن هناك أحذية تُربط من الخلف يسمونها ” صندل “، وهي حذاء؛ لأنها لا تغطي، ليست خف، ولا في معنى الخف، فلا يمسح عليها، ولا تأخذ أحكام الخف. انتهى.

” شرح منسك شيخ الإسلام ابن تيمية “.

http://www.khudheir.com/audio/936

  1. * وسئل الشيخ حمد بن عبد الله الحمد – حفظه الله -:

هل لبس الصندل الرياضي من محظورات الحج, فقد لبسته في الحج السابق؟.

فأجاب:

إذا كان هذا الصندل الملبوس هو ما يسمَّى بـ ” النعال السِّبتية “، وهي نعال ذات خيوط تربط في آخر القدم: فلا حرج على المُحرم في لبسها، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبسه المحرم من الثياب فقال: ( لا يلبس القميص ولا العمائم) – إلى قوله- ( ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ) متفق عليه.

انتهى.

http://www.bab.com/hotlines/question.cfm?id=3208

 

والذي يظهر لنا أن القول بجواز لبسه مطلقا فيه نظر، وهو قول يجيز لبس جميع أنواع الصنادل، ومنها ما له حكم الخف من حيث أنه يستر الرِّجل كاملة.

* قال النووي – رحمه الله -:

ونبه صلى الله عليه وسلم بالخفاف على كل ساتر للرجل، من مداس، وجُمجُم، وجورب، وغيرها. ” شرح مسلم ” ( 8 / 74 ).

ويمكن الاطلاع على طائفة من أشكال الصنادل فلعلَّ النظر إليها أن يغيِّر من فتوى من أطلق الجواز.

http://indiashoes.files.wordpress.com/2009/05/sandals.jpg

والذي نراه في هذا: أنه لا يجوز للمحرم لبس ” الصندل ” إلا أن تكون سيوره ورباطه أسفل الكعبين، ونرى أن هذا جائز لبسه ابتداء، وليس للضرورة.

* سئل الشيخ سليمان الماجد – حفظه الله -:

ما رأيكم في لبس ” المشلح ” للحاج ( عن البرد ) دون إدخال اليدين في الأكمام؟ وكذلك ” الصندل ” الذي يعلو الكعب قليلاً للمُحرم؟.

فأجاب :

إذا لبس المشلح على هيئته: فهو كالقميص المنهي عنه، ولو دون إدخال اليدين؛ لوجود الأكمام، ولأنه لبسه على هيئته، ولو وضع أسفله على كتفيه: فلا بأس.

ويجوز لبس النعلين إذا كانت سيورها تحت الكعبين.

انتهى.

http://go.gooh.net/almajed/article_1387.shtml

 

وعليه: فما يسمَّى الآن ” الصندل ” إذا كان رابطه في ظهر القدم أسفل من الكعبين: فهو نعل، أو له حكم النعل، وإن كان يغطي الكعبين أو جزء منهما: فهو خف، أو له حكم الخف.

 

وما كان جائزًا لبسه منها: فلا حرج إن كان مصنوعًا من جلد أو قماش، ولا حرج إن كان له رباط في مقدَّم الرِّجل أو مؤخرها ما دام أن الرباط دون الكعبين.

 

والله أعلم.

 

 

نظرات وتأملات في واقع الفتوى في عالَم الإنترنت

نظرات وتأملات في واقع الفتوى في عالَم الإنترنت

السؤال:

في العالم المعاصر، وهذا العلم والتكنولوجيا يظهر من يفتي عبر الإنترنت، فما هي معايير من يفتي عبر الإنترنت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا فرق في الفتوى في كونها من معاصر أو من متقدم، ولا كونها عبر الإنترنت أو الفضائيات أو في قرطاس وكتب، والعبرة في ذلك كله تحقق شرطين مهمين فيمن يتصدى لهذا الأمر الجليل، وهما: العلم، والعدالة.

ونعني بالعلم: العلم بالكتاب والسنَّة وأقوال العلماء، والقدرة على الاستدلال، والقدرة على الاجتهاد والقياس، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، والصحيح من الضعيف، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم في هذا الباب.

ونعني بالعدالة: أن يتوفر في المفتي التقوى التي تمنعه من الفتوى بالهوى، والتمييع، والقول بالرخصة في غير محلها، وعدم محاباة السائل، أو الرضوخ لضغط واقعه، وإظهار نفسه أنه من أهل الوسط! والمعتدلين! ولو على حساب النصوص القطعية والإجماعات المعتبرة، وغير ذلك مما نأسف لوجوده في عالم الفتوى.

* قال الإمام أحمد – رحمه الله -:

لا ينبغي للرجل أن ينصِّب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية : لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.

والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.

الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.

الخامسة: معرفة الناس.  انتهى.

* قال ابن القيم – رحمه الله – معلِّقًا شارحًا:

وهذا مما يدل على جلاله أحمد، ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هى دعائم المفتي، وأي شيء نقص منها: ظهر الخلل في المفتي بحسبه  – وشرع في شرحها -. ” إعلام الموقعين ” ( 4 / 199 ).

والذي رأيناه في الفتوى عبر الإنترنت ليس كله مما نرضى عنه، وهو أقسام:

  1. فتاوى يكتبها كاتب في منتدى، وقد يكون هذا الكتاب طالب علم قوي، يكتب باسمه الصريح، ويكون معروفًا عند طائفة من أهل العلم، فيجيب بعلم، وقد يكون هذا الكاتب غير معروف بعلم، أو يكون طالب علم لكنه يكتب باسم مستعار، فهنا: لا حرج على من أخذ بفتوى الأول، ولا يجوز له الأخذ بفتوى الأخريين.
  2. فتاوى في مواقع شخصية، وهي كثيرة، إما مواقع متخصصة بالفتوى، أو يكون صاحب الموقع قد أفرد جزء من موقعه لتلقي الأسئلة والإجابة عليها، وهنا نقول: إذا كان صاحب الموقع – المفتي – معروفًا بالعلم والعدالة: فلا حرج على من سأله أن يعمل بفتواه، ولا يحل سؤال من لا يُعرف بعلم أو عدالة، فثمة مواقع كثيرة لأهل الجهل والتمييع، ومواقع لأهل البدع والضلال، فمثل هؤلاء لا يحل سؤالهم، ولا العمل بفتاواهم.
  3. فتاوى لعلماء ثقات كبار، وقد تكون الفتاوى مجموعة من كتبهم وأشرطتهم، مفهرسة، منسقة، محققة، وإما أن تكون كذلك مع إمكانية استقبال أسئلة والإجابة عليها، وهنا نقول: أنه لا حرج على من أخذ بفتوى هؤلاء الأئمة ممن جهل الحكم الشرعي في مسألة، ومثل هؤلاء أهل للسؤال والاستفتاء.

* ونذكر من هذه المواقع: موقع ” اللجنة الدائمة في السعودية “، وموقع ” الشيخ عبد العزيز بن باز “، وموقع ” الشيخ محمد بن صالح العثيمين “، وموقع ” الشيخ عبد الله بن جبرين “، وموقع ” الشيخ صالح الفوزان “.

  1. فتاوى في مواقع جماعية، ونعني به: مواقع تجمع طلبة علم وباحثين، يتلقى الموقع أسئلة الداخلين لذلك الموقع، ويتم توزيع الأسئلة على المتخصصين من أولئك الباحثين بموضوع ذلك السؤال، ويكون عرض لتلك الفتوى على مراجع متخصص، أو على لجنة إشراف، وأحيانًا يكون ثمة عرض على مشرف عام على الفتوى، لاعتمادها، ولتأخذ طريقها للنشر.

وهنا نقول:

إننا نرى أن هذه المواقع هي أولى من غيرها – بعد مواقع الأئمة الكبار – بالسؤال والاستفتاء؛ لما فيها من دقة، ومن عمل جماعي.

ومذكر من هذه المواقع: موقعنا هذا، وموقع ” الشبكة الإسلامية “؛ فكلاهما له الطريقة نفسها – مجملًا – في تلقي الأسئلة والإجابة عنها.

  1. وما قلناه في المواقع نقوله في ” غرف البالتوك ” سواء بسواء.

هذا فيما يتعلق بالفتوى عبر الإنترنت، وأما فتاوى ” الفضائيات ” فإن أمرها يختلف، وليس بالأمر السهل أن يجيب المفتي على السائل مباشرة دون نظر في الأدلة، وتحقيق لها، وتأييد فتواه بفتاوى من قبله من أهل العلم، ولذلك نرى أن الفتاوى العلمية في مواقع الإنترنت الموثوقة أولى بالسؤال من مشايخ الفضائيات؛ لوجود الوقت الواسع في تقليب النظر في السؤال، وفهمه، والبحث في الأدلة، وأقوال العلماء، ولوجود لجنة مراجعة للإجابة، ثم إشراف ومتابعة، مع تقديرنا لجهودهم، ونوصيهم بالتأني، وفهم السؤال، ومعرفة واقع وعرف بلد السائل، والقول لما لا يعرفونه ” الله أعلم “.

والله أعلم.

هل يجوز شراء أشياء مصنوعة من جلد حيوان ذُبح بغير الطريقة الشرعية؟

هل يجوز شراء أشياء مصنوعة من جلد حيوان ذُبح بغير الطريقة الشرعية؟

السؤال:

أعرف أن هناك الكثير من الأسئلة التي طرحت في هذا الموقع حول ” جلود الحيوانات “، فهل يجوز شراء كرة القدم، أو كرة السلة، واللعب بها، والتي قد تكون قد صنعت من جلد حيوان في بلد لا تذبح فيه اللحوم وفق الشرع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الجلود التي يُصنع منها كرة القدم أو السلة لا يمكن أن تكون إلا مدبوغة، والدباغة هي: معالجة الجلود بمنظفات ومطهرات ليزول ما بها من نتن وفساد ورطوبة، وهذا ما نراه في واقع الحال، ولمعرفة حكم شراء تلك الأشياء ينبغي معرفة الحيوان الذي صنعت من جلده، وهو لا يخلو من أن يكون جائزًا أكله، أو لا يحل أكله.

أ. فإن كانت تلك الأشياء مصنوعة من جلد حيوان مأكول اللحم – كالبقر -: فإن الدباغة تبيح جلده، ولو أنه ذُبح بالشروط الشرعية لما احتاج إلى دباغة، أما وقد ذبحوه مخالفين لشرع الله تعالى: فإنه يكون ميتة، ولا تباح جلد ميتة مأكول اللحم إلا بالدباغة.

 

ب. وإن كانت تلك الأشياء مصنوعة من جلد حيوان غير مأكول اللحم أصلًا – كالخنزير -: فإن جلده محرَّم استعماله ولو دُبغ.

– فالحيوان المأكول اللحم: تحل الذكاة لحمه وجلده، وتحل الدباغة جلده إن كان ميتة.

– والحيوان غير مأكول اللحم: لا تحل الذكاة لحمه وجلده، ولا تحل الدباغة جلده.

– وما رجحناه: هو مذهب الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أحد قوليه.

– انظر: ” شرح مسلم للنووي ” (4 / 54 ) – وقد ذكر – رحمه الله – سبعة مذاهب في المسألة -، ” الفروع ” لابن مفلح ( 1 / 102 )، ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية (21 / 95 ).

 

واختار هذا القول: جمع من المحققين المعاصرين، ومنهم الشيخ العثيمين رحمه الله.

 

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقيل: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ بشرط أن تكون الميتة مما تُحله الذكاة، وأما ما لا تحله الذكاة: فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الراجح، وعلى هذا: فجلد الهرة وما دونها في الخِلقة لا يطهر بالدباغ.

فمناط الحكم هو على طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهرًا: فإنه يباح استعمال جلد ميتته بعد الدبغ في يابس، ولا يطهر على المذهب، وعلى القول الثاني: يطهر، وعلى القول الثالث: يطهر بالدباغ إذا كانت الميتة مما تحله الذكاة.

والراجح: القول الثالث، بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: ” دباغها ذكاتها ” – رواه النسائي ( 4243 )، وصححه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 49 ) – فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تطهِّر إلا ما يباح أكله، فلو أنك ذبحتَ حمارًا وذكرتَ اسم الله عليه وأنهر الدم : فإنه لا يسمَّى ذكاة.

وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهرًا في الحياة: فإنه لا يطهر بالدباغ، والتعليل: أن الحيوان الطاهر في الحياة إنما جُعل طاهرًا لمشقة التحرز منه لقوله صلى الله عليه وسلم ” إنها من الطوافين عليكم والطوافات ” – أي: الهرة، والحديث رواه الترمذي ( 92 ) وأبو داود ( 75 ) والنسائي ( 68 ) وابن ماجه ( 368 ) وصححه البخاري والترمذي والدارقطني والعقيلي كما قال ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 41 ) – وهذه العلة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النجاسة، فلا يطهر بالدباغ.

فيكون القول الراجح: كل حيوان مات وهو يؤكل: فإن جلده يطهر بالدباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول آخر يوافق قول مَن قال: إن ما كان طاهرًا في الحياة: فإن جلده يطهر بالدبغ.

” الشرح الممتع ” ( 1 / 74، 75 ).

 

والخلاصة:

أنه يجوز لك شراء كرة القدم أو كرة السلة، بشرط أن تكونا مصنوعتين من جلد حيوان مأكول اللحم أصلًا، وما تقوله من كونها ذُبحت بخلاف الطريقة الشرعية: فإن دباغة جلودها تجعلها طاهرة.

 

والله أعلم.

 

تطلب منه أمه التنازل عن ميراث أبيه لصالح أخيه وتسيء إليه فماذا يصنع؟

تطلب منه أمه التنازل عن ميراث أبيه لصالح أخيه وتسيء إليه فماذا يصنع؟

السؤال:

أنا شاب، متدين، ومحافظ على ديني وصلاتي، ولا أزكي نفسي على الله، وبار بوالدتي، وأحب لها الخير، وأدعو لها، وأتصدق عنها، وأزورها يومين، وأعيِّد عليها قبل ابنيها، وأعطيها من راتبي كل شهر، لكن المشكلة: أنها تنسى هذا كله، وكأنني لم أفعل شيئًا،  وسبب هذا: أنها تطيع ابنها الأكبر، وتسمع كلامه لو كان كذباً أو خطأً، وهي تعرف أنه كذاب لكن لا تستطيع أن تقول له أنت مخطئ، وعمره 55 سنة، ولا يصلي! وبيته أمام المسجد، ورجل فاسد، لكن أمي تحبه حبًّا جنونيًّا لدرجة أنها تعادي من يعاديه، وتحب من يحبه، وبعد أن نصحتها أن هذا تفريق بين أولادك لا يجوز ولا بد أن تعدلي بينهم، وأن فعلها سوف يبني الحقد والبغض بينهم: لا تلتفت لهذا الكلام، وكان ابنها الأكبر قد أكل ورث إخوته وحقوقهم النقدية، وكان يضغط عليهم – بمساعدة أمي – أن يتنازلوا له عن الأراضي، وحين رفضتُ أنا غضبت أمي عليَّ وعادتني، وكانت تقول: هذا الورث من حقه، وأنتم ليس لكم شيء! ونصحتها أن عملها هذا حرام، فزعلت عليَّ، وصبرتُ عليها، وتحملتُ، وقلت: حقي من ورث والدي لن أتنازل عنه، فصارت تعاديني، وتقف مع ابنها الأكبر، وتحقيري أمام الناس، وإحراجي في المناسبات، ورفضهم أن أُحضرها، مما جعلني في همٍّ وغمٍّ من تحقيرهم لي أمام الناس، وبعد أن عرفتُ أن والدتي لن يتغير طبعها معي وترك الظلم لي وأنها مصرة على الوقوف مع ابنها الأكبر، وخوفًا على ديني، وأن تفلت أعصابي، أو يوسوس لي الشيطان وأخطئ في حق والدتي: تركتها، وتركت زيارتها، وسافرت لمنطقة بعيدة؛ كي أنساهم، لكن – والله العظيم – يا شيخ – إني أتصدق عنها، وأدعو لها في كل صلاتي أن الله يهديها وتترك الظلم وترجع لي الحق وتترك ابنها الذي يوسوس لها مثل الشيطان.

يا شيخ: هل فعلي هذا عقوق؟. ( يا شيخ كثير من الشباب عقوا والديهم بسبب التفريق بينهم ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما تفعله من بر والدتك، والإحسان إليها: هو من الأعمال الجليلة، والواجب فعلها من كل ولد تجاه أبويه، وخاصة والدته.

ثانيًا:

وما تقوله من أن التفريق في معاملة الوالدين تجاه أولادهم يؤدي إلى الفرقة، والتباغض، والتحاسد: صحيح، ولذلك منعت الشريعة المطهرة الآباء والأمهات أن يهبوا لأحد أولادهم ما لا يفعلوه مع باقيهم، ومن شأن من خالف هذا أن يسبب بغضًا وتنافرًا في الأسرة الواحدة، سواء تجاه من أعطى منهما، أو من أخذ من إخوانه، وقد يكون البغض لكليهما.

ثالثًا:

وما يطلبه شقيقك وأمك منك أن تتنازل عن نصيبك في ميراث والدك: ليس من العدل في شيء، بل هو من الظلم، ومن أكل الأموال بغير حق، ولا يلزمك طاعة أمك فيه، بل عليهما أن يتقيا الله في طلبهما ذلك منك؛ فإنه لا يحل لهم، وعلى أخيك أن يتقي الله تعالى فيعطي كل ذي حق – من إخوته – حقَّه، وما أخذه من نصيبهم من الميراث فهو سحت يأكله، ومالٌ حرام يطعمه، ونأسف أن نقول إن والدتك شريكة في هذه الحرمة؛ حيث أعانته ومنته من ذلك الأمر، بل وتطلب منك بقوة أن تتنازل عن حصتك من أجله.

وما قلناه إنما هو بحسب الصورة التي ذكرتها لنا، وما خفي من أمور فلا يُحمل كلامنا عليه، فقد تكون الأسرة في حاجة ماسة للنفقة، وليس عندها إلا ميراث أبيك، وينفق أخوك الأكبر عليهم من نصيبهم لعدم توفر مصدر آخر لهم، فهنا لا حرج عليه في أخذه نصيبهم لأجل أن ينفق عليهم، ولا يلزمه النفقة من ماله الخاص مع توفر أموالهم لديهم، فهذه الصورة محتملة، ولكننا لا نجيب السائل إلا بحسب ما يذكره من حال.

رابعًا:

وما فعلتْه أمك معك من الإساءة والتحقير، وما تطلبه منك من إعطاء حصتك في الميراث لأخيك: لا يبيح لك – بحال – أن تعاديها، ولا أن تعقها، ولا أن تترك برَّها والإحسان إليها، نعم، ولا يلزمك طاعتها فيما تطلبه منك من التنازل عن حصتك في الميراث، وقد أمرك الله تعالى بالإحسان إليها وبرَّها حتى لو كانت تجاهدك لتكفر بالله تعالى! فكيف وهي تجاهدك للتنازل عن شيء من لعاع الدنيا؟! فلا يلزمك طاعتها فيما يحرم عليها طلبُه – كالتنازل عن نصيبك في الميراث -، ولا يحل لك ترك برِّها والإحسان إليها بالقول والفعل.

وابتعادك عن البيت قد يكون له آثار إيجابية من مثل ما ذكرت، لكن هذا لا يعفيك من استمرار الاتصال بأمك والسؤال عنها، والإحسان، وعدم قطيعتها، وكذلك إخوتك هم بحاجة إليك وإلى وقوفك بجانبهم، ولذا فإننا ندعوك للتفكر مليًّا بقرارك، ونحن معك فيه إن رأيتَ في قربك منهم خوفًا على دينك، ولسنا معك إن كنت تستطيع الصبر عليهم، مع عدم وقوعك فيما حرَّم الله عليك تجاه والدتك.

وأخبر والدتك بسبب قرارك الابتعاد عنها أنه خشية من الوقوع فيما حرَّم الله عليك من عقوقها، وأخبرها بأن تدعو لها في صلاتك، وأنك تتصدق عنها، فلعلَّ ذلك الإخبار أن يكون سببًا في تغيير موقفها تجاهك.

خامسًا:

ومن الضروري نصح أخيك بالصلاة، وبيان خطر تركها عليه، وكذا تنصح أمك بأن تنقذ ولدها من النار بدلًا من الحرص على دنياه وتجميع المال بين يديه! وقد ثبت كفر تارك الصلاة في القرآن والسنَّة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فليس الأمر بالهين، ولا باليسير، وماذا ينفعه أن يعيش في الكفر والظلم؟ وما هي السعادة التي ينعم بها؟ إن الحياة أقصر من أن يأمل البقاء فيها، وإن الدنيا أحقر من أن يعيش من أجلها، فليسارع إلى طاعة ربه بإقامة الصلاة، ولتتق أمك ربَّها تعالى من السكوت عن كفره كما سكتت عن ظلمه لإخوته.

 

وقد بيَّنا جواب سابق أن الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته، ولا يقبل منه عمل، لا زكاة، ولا صيام، ولا حج ولا شيء، والذي لا يصلي ويموت وهو تارك للصلاة لا يدفن في مقابر المسلمين .

 

والله أعلم.

 

هل ثبت حديث في أن أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله في الجنة مرتين كل يوم؟

هل ثبت حديث في أن أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله في الجنة مرتين كل يوم؟

السؤال:

سمعت أحدهم يقول: إن أفضل الناس رؤية لوجه الله هم الذين يرونه مرتين في اليوم هذا الكلام حرك تساؤلات لديَّ، هل هذا الكلام صحيح؟ وهل رؤية المؤمنين لله كذلك تتفاوت بحسب الأعمال والصلاح؟ أم الكل يرى بنفس الدرجة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة من اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وقد كثرت النصوص من الوحي على ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر ” الصحيح ” في ” كتاب التوحيد “، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم.

وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، ممن يرد النصوص الصحيحة؛ لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان، فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، ويسميه تشبيهًا أو تجسيمًا، فينفرون منه. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 4 / 63 ).

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

وأما رؤية الله عيانا في الآخرة: فأمر متيقن، تواترت به النصوص، جمع أحاديثها: الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما. ” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 167 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها، ولا منعها.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 279 ).

ثانيًا:

وأما ما ورد من رؤية المؤمنين ربَّهم تعالى كل يوم مرتين: فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الغيب الذي لا يُقبل من أحد إلا بوحي.

وقد ورد ذلك في عدة روايات، وكلها من حديث عن ابْنِ عُمَرَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً )، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ). رواه الترمذي ( 2553 ).

وقال:

وقد روي هذا الحديث عن غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر مرفوع. ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر موقوف. وروى عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قوله، ولم يرفعه. حدثنا بذلك أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر نحوه ولم يرفعه. انتهى.

والحديث لا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا، وعلة المرفوع والموقوف: ثوير بن أبي فاختة.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

واهي الحديث. ” مستدرك الحاكم ” ( 2 / 553 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

لا أعلم أحدًا صرح بتوثيقه، بل أطبقوا على تضعيفه، وقال ابن عدي: الضعف على أحاديثه بيِّن. ” فتح الباري ” ( 13 / 419 ).

* وقال الهيثمي – رحمه الله -:

في أسانيدهم – أي: أحمد وأبو يعلى والطبراني -: ثوير بن أبى فاختة، وهو مجمع على ضعفه. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 401 ).

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

فلا يصح الحديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 4 / 451 ).

ثالثًا:

وهل يعني وهاء الحديث وضعفه أنه ليس ثمة تفاوت بين المؤمنين في رؤية ربهم تعالى يوم القيامة؟ والجواب على ذلك: أن هذا من الغيب الذي لا يمكن الجزم به، والذي يظهر هو وجود تفاوت بين المؤمنين في الرؤية، لكن دون جزم بذلك.

* سئل الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

هل هناك تفاوت بين المؤمنين في رؤية الله عز وجل؟.

فأجاب:

الظاهر: أنها حسب العمل والدرجة ؛ لأنه لا يستوي أبو بكر رضي الله عنه مع مؤمن ناقص الإيمان.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 228 / السؤال رقم 3 ).

 

والله أعلم.

هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟

هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟

السؤال:

قال صلى الله عليه وسلم فيما معناه: ( ما من قوم اجتمعوا يذكروا الله في مجلس إلا حفتهم الملائكة ).

الآن نحن في عصر التكنولوجيا والمنتديات، هل القسم الإسلامي، أو المنتدى الاسلامي، يندرج تحت اسم ” المجلس ” الذي ورد في الحديث؟ وعليه: هل تحف الملائكة مَن وُجد بالقسم أو كتب فيه وشارك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الحديث المشار إليه في السؤال قد رواه مسلم – ( 2699 ) – عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( … وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).

وظاهر هذا الحديث يحصر الفضل الوارد فيه في مجالس العلم المعقودة في المساجد دون غيرها من الأماكن، لكن ورد حديث آخر يجعل ذلك الفضل لكل من كان في مجلس يتعلم فيه شرع الله تعالى، أو يعلِّمه، وليس يختص في كونه يُعقَد في بيت من بيوت الله.

عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).

رواه مسلم ( 2700 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة، ورباط، ونحوهما – إن شاء الله تعالى -، ويدل عليه الحديث الذى بعده، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، لا سيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به.

” شرح مسلم ” ( 17 / 22 ).

والسؤال الآن: أنه يحصل أن يحضر كثير من المسلمين لحلقات علمية ومحاضرات شرعية في الفضائيات، أو يستمعون لدروس في الإذاعات، أو من خلال أجهزة التسجيل، وقد يشاركون في منتديات إسلامية بكتابة مقالات، ومناقشة أحكام شرعية، فهل يدخل أولئك في الحديث الثاني، ويستحقون الفضل الوارد فيه؟.

 

والجواب عن هذا يكون بتقسيم تلك الوسائل إلى قسمين:

الأول: حلقات علمية، ودروس شرعية، مباشرة، سواء من فضائية، أو من إذاعة، وكتابات في منتديات إسلامية ضمن نقاش مباشر.

الثاني: حلقات علمية، ودروس شرعية، مسجلة، أو معادة، وكتابات وقراءات في منتديات إسلامية مخزَّنة أو بمشاركة لاحقة، ويجمعها كلها أنها غير مباشرة في بثها، وكتابتها.

والذي يظهر لنا – والله أعلم -: أن القسم الأول يُرجى أن يكون داخلًا في الفضل الوارد في الحديث، وأن من حضر مجلس علم مباشر في فضائية، أو إذاعة، أو من خلال غرفة في برنامج ” البال توك “، أو كان في نقاش مباشر في حلقة كتابية علمية في منتدى إسلامي: أنه يرجى لجميع أولئك أن يصدق عليهم أنهم قعدوا في مجلس علم، وأنهم يستحقون ذلك الفضل الوارد في الحديث.

وأما من حضر حلقة علمية معادة، أو استمع لدرس من خلال جهاز تسجيل، أو شارك في الكتابة في منتديات إسلامية غير مباشرة: فإن جميع أولئك مأجورون على تعلمهم، وتعليمهم، وقضاء أوقاتهم في النافع المفيد، لكننا لا نرى أنه يصدق عليهم ذلك الحديث؛ لبُعد واقعهم عن الواقع الأول، فقد يكونون يحضرون حلقة علم لعالِم قد مات منذ أمدٍ بعيد، وقد يشاركون في موضوع في منتدى إسلامي يستمر النقاش فيه سنوات، وكل ذلك يجعل واقعهم غير الواقع المذكور في الحديث.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مجموعة من النساء لا يستطعن أن يحضرن إلى المساجد لسماع الندوات فتضطر إحداهن لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات، فهل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟.

فأجاب:

لا، الذين يستمعون إلى الأشرطة ليسوا كالذين يحضرون إلى حلقة الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامع للأشرطة له أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط – كما نعلم – خفيف المحمل، سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، ويمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشيًا في طريقه، ومن أجل ذلك كانت هذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 26 / 140 ).

 

 

ونرى أن ذلك التفصيل قول وسط بين من أدخل كل حضور لحلقة علم مسجلة أو مباشرة، أو شارك في موضوع في منتدى إسلامي مباشر وغير مباشر، فجعل ذلك داخلاً في الحديث، وبين من أخرج كلا القسمين – المسجَّل والمباشر – من الحديث والفضل الوارد فيه.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

تزوج الأولى إرضاء لأهله ثم عدَّد، وهو يميل للثانية، فماذا يصنع؟ وبم يُنصح؟

تزوج الأولى إرضاء لأهله ثم عدَّد، وهو يميل للثانية، فماذا يصنع؟ وبم يُنصح؟

السؤال:

تزوجت قبل سنوات طويلة بزوجة أخي بعد وفاته، وهي أكبر مني بسنوات كثيرة، وكان الزواج إرضاء لوالديَّ فهذا طلبهم، وكي نربي بنات أخي، ويكونون قريبات من أبي وأمي، والزوجة لها محرم في منزل والدي, ورزقت – بحمد الله – بأبناء منها، وعشت سني عمري غير مقتنع بالزواج، وأهرب كثيرًا من مسؤوليات كثيرة، فالأمر خارج عن إرادتي، فما يجمعني بها إلا المودة والرحمة والأبناء.

ومرَّت السنوات، حتى قررت الزاوج بفتاة بِكر، وصغيرة، وملتزمة، والحمد لله وفقني الله، وعوَّضني كثيرًا بهذه الزوجة، كما لا يخفى عليكم بأن أمر التعدد أمر صعب, وأنا أعترف بأني لا أستطيع أبدًا أن أعدل مهما حاولت، وإضافة إلى ذلك: الميل القلبي لزوجتي الثانية، فأنا أراه هو الزواج الأول بالنسبة لي، كما أنها استطاعت وبقوة – بعد فضل الله – أن تكسبني كثيرًا بالكلام الطيب، والفعل الحسن مع والدي وزوجتي وأبنائي وأخلاقها الحسنة مع جميع أقاربي، كما أنها دائمًا تكرر ” سامحتك ” و ” حللتك لوجه الله “، وزوجتي الأولى في مرات تغضب ” ولا تحللني”, ومرات لأني أخبرها بطيبة الثانية وكلمتها الغالية فتقول: ” الله يسامحك ” ، و ” الله يوفقك “، أي: فقط غيرة منها – والله العالم -.

شيخي الغالي:

أنا تزوجتها وهي تعرف بكل الظروف, وأخبرناها منذ الخطبة أني سأتزوج ببكر بعد فترة ووافقت, لماذا الآن الغيرة طغت عليها وبدأت تضغط عليَّ من ناحية العدل؟! هي حقها كزوجة معلوم لكن أنا إنسان لم أعدد إلا رغمًا عني، من المفترض أن تتنازل كثيرًا، وأن تقدر ظروفي النفسية والمادية والمعنوية.

باختصار – يا شيخ – الزوجة الأولى فازت بأمور لم تفز بها الثانية! والثانية: أحاول أن أعوضها كثيرًا بما لا أستطيع أن أقدِّمه في هذه الفترة لها، مثلًا: الآن زوجتي الأولى تسكن في دور أرضي كامل مؤثث بالكامل والحمد لله بيتها جميل، وفي الدور الثاني تسكن زوجتي الثانية في شقة, وتوجد شقتان أيضاً مؤجرة، هل يحق لي أن أزيد من مصروف الزوجة الثانية عوضًا عن البيت؟ هل يجوز لي أن أهديها وأن أسفِّرها، وأن أشتري لها ذهبًا عوضًا عن البيت؟ سمعت أنه من العدل والمفترض إعطاؤها من إيجار الشقة الثانية؟ فهل هذا صحيح؟ علمًا أن زوجتي الثانية لم ترزق حتى الآن بأبناء، والله يرزقنا بالذرية الصالحة.

بماذا تنصحني يا شيخ؟.

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل أن العدل بين زوجتيك منه ما هو واجب عليك، ومنه ما هو غير مستطاع لا منك ولا من غيرك من الأزواج المعددين.

أ. أما العدل الذي أوجبه الله تعالى عليك:

  1. فهو العدل في النفقة، بأن تعطي كل زوجة حاجتها من الطعام والشراب وضروريات الحياة.
  2. والعدل في الكسوة، بأن توفر لكل واحدة منهما كسوة في الصيف والشتاء.
  3. والعدل في المبيت، بأن تجعل لكل واحدة منهما ليلة تبيت عندها، ثم تبيت عند الأخرى في الليلة التي بعدها.
  4. والعدل في السكن، بأن تُسكِن كل واحدة منهما بالسكن الملائم لحالها بما هو في مقدورك، ولا يلزم أن يكون كلا السكنين بسعة واحدة، والمهم: أن لا يكون بينهما تفاوت متعمد.

وهذا العدل هو أمر واجب مستطاع، فهو في أمر ظاهر يستطيع المعدد ضبطه وإعطاء كل ذات حق حقها، ومن لم يستطع القيام به: فيحرم عليه أن يعدد، بل يكتفي بزوجة واحدة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) النساء/ 3.

ب. وأما العدل غير الواجب:

فهو ليس في استطاعتك، ولا في استطاعة أحد غيرك، وهو العدل في المحبة القلبية، وفي ذلك يقول تعالى: ( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) النساء/ 129.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فقال بعض أهل العلم بالتفسير: ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ) بما في القلوب، فإن الله عز وجل وعلا تجاوز للعباد عما في القلوب.

– ( فلا تميلوا ) تتبعوا أهواءكم.

– ( كل الميل ) بالفعل مع الهوى، وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.

” الأم ” ( 5 / 158 ).

وعليه:

فقولك ” لا أستطيع أبدًا أن أعدل مهما حاولت “: غير مقبول منك إذا كان قصدك منه العدل الواجب.

وقولك ” وإضافة إلى ذلك: الميل القلبي لزوجتي الثانية “: قد سبق منا بيان أن هذا من المعفو عنه، بشرط عدم الميل الكلي.

ثانيًا:

واعلم أنه لا ذنب لزوجتك الأولى أن تكون تزوجتها إرضاء لأهلك، فلها عليك حقوق يجب أن تؤديها لها، ولا ينبغي لك أن تقارن بينها وبين الزوجة الثانية؛ فالخطأ منك وأنت تحملها إياه، فقد تزوجتها من غير رغبة، وتزوجت الأخرى برغبة جامحة، فكيف تقارن بينهما؟ وكيف تريد إلزامها بمسامحتك إن أخطأتَ في حقها، فليس ثمة ما يوجب عليها فعل ذلك.

فاتق الله تعالى ربَّك في زوجتك الأولى، وبما أن هذا هو ظرفك : فأمامك خيارات:

الأول: أن تبقي عليها مع تحقيق العدل في الأمور الظاهرة، والتي أوجبها عليك ربك عز وجل، فإن أبقيتها مع ظلمها: استحققت إثم الظالمين، وعاقبة الظلم وخيمة، وهو من الذنوب التي يعجل الله عقوبتها في الدنيا، فاحذر من سخط الله وأليم عذابه.

الثاني: أن تطلقها، وتسرحها سراحًا جميلًا، وتعطيها حقوقها المالية.

الثالث: أن تصالحها، بأن تبقيها في عصمتك مع رضاها بالتنازل عن حقوقها التي أوجبها الله تعالى عليك.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يطلقها: فلها أن تسقط حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 426 ).

ثالثًا:

وكل ما سألتَ عنه في آخر كلامك إنما هو من الميل الواضح للزوجة الثانية، فاتق الله تعالى أن تفعل شيئًا مما قلتَه وسألتَ عنه، فطالما أنك تنفق على زوجتك الثانية ما يكفيها: فليس لك أن تزيد في نفقتها لأنها تسكن في شقة والأولى في دور أرضي، فلا تقارن بين زوجة لها أولاد، وأخرى ليس لها ذرية، فحاجة الأولى لمسكن واسع يحتم عليك أن تهيأ مسكنًا يتسع لها ولأولادها، وإسكانك الثانية في شقة وحدها كافٍ في تحقيق العدل الواجب عليك.

فليس لك أن تعطيها نفقة زائدة مقابل أنها تسكن في شقة أوقل سعة من الأولى، وليس لك أن تعطيها من أجرة الشقة المؤجرة التي تملكها، وليس لك أن تهبها ذهبًا، ولا أن تسفرها، دون أن تحقق هذا العدل مع زوجتك الأولى، فتعطيها مثل ما تعطي الأولى، وتقرع بينهما في السفر فمن خرجت قرعتها سافرتَ بها، وإن سافرت بالثانية دون قرعة: أثمتَ، ولزمك قضاء كل الأيام التي قضيتها مع الثانية فتجعلها من نصيب الأولى.

– ونرجو منك التفقه في أحكام التعدد، وقد أجبنا عن جملة وافرة من تلك الأحكام فانظرها هنا:

http://islamqa.com/ar/cat/355&pp=100

 

ونسأل الله تعالى أن يهديك لتحقيق العدل بين نسائك، وأن يشرح صدرك للحق، وأن يرزقك الذرية الصالحة الطيبة.

 

والله أعلم.

 

زنت في أوائل شبابها مرات عديدة وأصيبت بأمراض ثم تابت فكيف تصنع مع الزواج؟

زنت في أوائل شبابها مرات عديدة وأصيبت بأمراض ثم تابت فكيف تصنع مع الزواج؟

السؤال:

على الرغم من أني نشأت وترعرعت كمسلمة إلا أني كنت بعيدة كل البعد عن الإسلام، فقد كنت أمارس البغاء بشكل مستمر، وقد عاشرت العديد من الرجال، حتى إن ذلك تسبب لي ببعض الأمراض التناسلية، تبت منذ عام ولله الحمد، وأسعى لأن أجد شخصًا أتزوج به، لكن هناك مشكلتان رئيسيتان تعترضاني: الأولى هي: أني – كما أسلفت – عانيت من بعض الأمراض التناسلية المعدية، والتي قد تنتقل إلى الطرف الآخر إذا تزوجت، على الرغم من أن الأطباء طمئنوني وقالوا لي: إن هذا المرض ليس بالخطير جدًّا وإنه قد يزول تلقائيًّا إلا أن إمكانية انتقاله إلى الطرف الآخر حتمية، لذلك أنا في موقف مضطرب، هل أخبر زوج المستقبل أم لا؟! أعلم كذلك أن الستر أولى، وقد قرأت في ذلك العديد من المقالات، لكن ما العمل في مثل هذه الحالة؟ أأخبره بذلك وأفضح نفسي وأسرتي وأجلب لنفسي المتاعب؟! أم أسكت وينتقل المرض إليه وتُثار التساؤلات والشكوك من قبله بعد الزواج؟!.

المشكلة الثانية هي: أنني أخاف من كل عَرض زواج يأتيني، رغم أن أسرتي تسعى جاهدة في إيجاد زوج لي إلا أني أرفضه للأسباب الآنفة الذكر، وخشية أن أفتح على نفسي وأسرتي بابًا من المشاكل نحن في غنًى عن فتحه، في الوقت ذاته أعيش في قلق نفسي خشية أن يمضي الوقت ولم أتزوج فأعود إلى ما كنت عليه من الرذيلة، وكما تعلمون أن ليس من السهل أن تجد الفتاة زوجًا أو أن تجهر بأنها تريد الزواج علانية، فلا أدري كيف أجد الزوج المناسب؟ وإذا وجدته كيف سأطرح له قضيتي، وهل سيتفهمها أم لا؟ أرجو المساعدة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لقد ساءنا ما كنتِ عليه أيام حياتك الأولى من الوقوع في فاحشة الزنا عدة مرات، ومن غفلتك عن دينك، والالتزام بواجباته، وترك منهياته، ثم فرحنا بما أنعم الله تعالى عليكِ من التوبة والرجوع إليه تعالى، فعسى الله أن يثبتك على دينه، وأن يربط على قلبك، ويزيدك هدى وسدادًا، ولا تنسي أن التوفيق للتوبة نعمة عظيمة جليلة، وكم من المسلمين خُتم له بشر وسوء ولم يوفق لتوبة يلقى بها ربَّه، فاشكري ربَّك على هذه الهداية بالاعتراف له بالجميل بقلبك، وبذكر ذلك بلسانك، وبظهور ذلك على جوارحك، فامتنعي عن السماع المحرَّم للأغاني وغيرها من المحرمات، وابتعدي عن مشاهدة المحرَّمات كالنظر إلى الرجال الأجانب في الحقيقة أو على الفضائيات، واقطعي صلتك بكل من كان يؤزك على فعل المحرمات السابقة، فبهذا تشكرين ربَّك تعالى قلبًا، ولسانًا، وعملًا.

ثانيًا:

وما أصابك من أمراض نتيجة فعل الفاحشة هو من عقاب الله تعالى لكِ، ولا شك أن تحريم الله تعالى للزنا له حكَم جليلة، ومنها أن يقي المسلم بدنه من الأمراض، والتي قد يؤدي كثير منها للهلاك.

فالإصابة بالأمراض لصاحب المعصية عقاب على ما فعل، فإن تاب من معصيته واستمر به المرض فيكون ابتلاء له ، فاصبري على ما ابتلاك الله تعالى به.

ثالثًا:

وقد جاءت أحكام الشريعة الإسلامية المطهرة بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وفي مسألتك هذه كان حُكم الله تعالى أن تستري على نفسك ولا تفضحيها، لا لخاطب، ولا لأهل، ولا لصديقة، بل استري ما ستره الله، وهي وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصية أصحابه رضي الله عنهم، ووصية علماء هذه الأمة قديماً وحديثاً.

أ. عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( اِجْتَنِبُوا هَذِهِ اَلْقَاذُورَاتِ اَلَّتِي نَهَى اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اَللَّهِ تَعَالَى وَلِيَتُبْ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَنْ يَبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اَللَّهِ ). رواه الحاكم ( 4 / 244 ) والبيهقي ( 8 / 330 )، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 149 ).

* قال عبد الرؤف المناوي – رحمه الله -:

( اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة، وهي كل قول أو فعل يُستفحش أو يُستقبح، لكن المراد هنا الفاحشة يعني: الزنا؛ لأنه لما رجم ماعزًا ذكره.

سمِّيت قاذورة لأن حقها أن تُتقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها، أفاده الزمخشري. ” فيض القدير ” ( 1 / 201 ).

ب. عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتُها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تُخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. انظر: ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583، 584 ).

ج. * قال الصنعاني – رحمه الله -:

وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألمَّ بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام والمراد بها هنا حقيقة أمره: وجب على الإمام إقامة الحد. ” سبل السلام ” ( 4 / 15 ).

 

فيتبين مما سبق بيانه: أنه لا يجوز لك الاعتراف لمن يأتيك خاطبًا بما وقع منك من الفاحشة، وأنه عليك أن تستتري بستر الله عليك.

وأما بخصوص ” فقدان غشاء البكارة “: فيمكنكِ استعمال التورية في كلامكِ، والمعروف أن غشاء البكارة يُفقد من غير جماع في بعض الأحيان، فيمكن استثمار ذلك في التورية.

رابعًا:

وأما بخصوص ما أصابك من أمراض تناسلية معدية: فهي نوعان:

الأول: أمراض معدية غير مهلكة، ولا مسببة لتلف شيء من البدن.

الثاني: أمراض معدية مهلكة، مثل ” الإيدز “.

ولا يجوز للمخطوبة كتمان كلا النوعين على الخاطب ولا أقل من هذا العيب؛ لأنه خلاف النصح ، وهو داخل في الغش.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

عن ابن سيرين: خاصم رجلٌ إلى شُرَيْح، فقال: إن هؤلاء قالوا لي: ” إنا نُزوِّجُك بأحْسَنِ الناسِ “، فجاؤوني بامرأة عمشاءَ، فقال شُريح: ” إن كان دلِّس لك بعيب لم يَجُز “.

فتأمل هذا القضاء، وقوله: ” إن كان دلِّس لك بعيب ” كيف يقتضى أن كل عيب دلست به المرأةُ: فللزوج الردُّ به.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 184 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للخاطب عندما يخطب لابنه أو أحد أقربائه زوجة أن يخفي ما في ابنه أو غيره من عيوب، كأن يكون أعرج أو أعمى؟.

فأجاب:

ليس له أن يخفي العيوب، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، فالواجب: البيان؛ لأن المسلم أخو المسلم، والرسول يقول: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) – رواه مسلم – ، ويقول جرير رضي الله عنه: ” بايعتُ النبي على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ” – متفق عليه -، فليس له أن يخفي عيوبه، وليس لها أن تخفي عيوبها، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، بل عليهم أن يوضحوا إلى الرجل ما هي عليه، صحيحة أو مريضة، عوراء أو عمياء، عرجاء أو غير ذلك ، حتى يُقدِم على بصيرة.

” فتاوى نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 372 ).

وننبه إلى أمر مهم وهو أن النوع الأول من الأمراض لو أظهرته المخطوبة للخاطب ورضي به: فإنه لا مانع من النكاح أن يُعقد.

وأما النوع الآخر – ومنه مرض ” الإيدز ” – فقد وقع خلاف بين العلماء المعاصرين فيما لو كان أحد طرفي النكاح مصابًا به ورضي بذلك الآخر، فمنعه طائفة منهم، وأجازه آخرون، والذي أجاز منهم من اشترط عدم الإنجاب، ومنهم من أجازه حتى مع الإنجاب؛ لعدم القطع بإصابة الذرية به.

وقد تبنى القول الأول: الدكتور الشيخ إبراهيم الخضيري – قاضي التمييز في محكمة الرياض – كما في ” جريدة الرياض ” عدد ( 15019 ) تاريخ 16 شعبان 1430 هـ -، والدكتور راشد بن مفرح بن راشد الشهري، كما في رسالته للدكتوراة بعنوان ” أثر مرض الإيدز في الأحكام الفقهية “، ومما خلص إليه فيها من نتائج قوله:

إذا كان الخاطب مصابًا ووافقت عليه المخطوبة ووليها: فإن هذا يتنازعه أصول، أرجحها: المنع من ذلك؛ نظرًا لخطورة المرض، ودرءًا للمفاسد المترتبة؛ ولأن الشارع قد حظر القدوم على المناطق الموبوءة فكيف بالنكاح من الموبوء بمثل الإيدز.

إذا كانت المخطوبة هي المصابة: فلا بد من إخبار الخاطب بذلك.

متى قبل بها مصابة وأراد الإقدام على ذلك: فإنه يُمنع؛ لأن هذا سفه، والحجر على من هذا عقله أولى من الحجر على من سفه في ماله؛ لأن الصحة أهم من المال بل لا مقارنة في ذلك. انتهى.

* والذي نراه في هذا:

أ. أنه لا يجوز تزوج المرأة المصابة بهذا المرض برجل سليم، ولا العكس، إن كان سيحصل بينهما جماع وإنجاب، وقد صدر قرار من ” مجمع الفقه الإسلامي ” يبين أن المرض ينتقل بالجماع، وأنه ينتقل إلى الذرية ، فقد جاء فيه قولهم:

” تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:

  1. الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
  2. نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
  3. استعمال الإبر الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.
  4. الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة “. انتهى.

ب. إن تزوج مصاب بآخر ولن يكون في واقعهم جماع: فيظهر أنه يجوز النكاح، ومن المعلوم أنه ليس كل زواج يكون فيه جماع، فحاجة الرجل للمرأة – والعكس – ليست فقط حاجة جنسية، فهناك الرعاية والحماية والنفقة والأنس والإعانة على الطاعة، بل قد يكون محبة أحد الطرفين أن يرثه الآخر من دواعي هذا الزواج، ومثله: الزواج بالصغيرة التي لا تقوى على الجماع، فإنه نكاح شرعي صحيح وإن لم يكن بينهما جماع، وعليه: فلا مانع من أن يكون بينكما زواج واتفاق على عدم الجماع.

 

وقد قال جمهور العلماء بجواز تزوج المسلم في مرض موته إن كان عاقلًا رشيدًا، وأي حاجة للجماع في هذه الحال يتزوج من أجلها؟!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

نكاح المريض في مرض الموت صحيح وترث المرأة في قولي جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ولا تستحق إلا مهر المثل لا الزيادة عليه بالاتفاق.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 446 ).

وقد ثبت أن مجرد المعايشة والمخالطة لا تسبب انتقال المرض من المصاب إلى السليم.

وفي قرار المجمع السابق قالوا:

” المعلومات الطبية المتوافرة حاليًّا تؤكد أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري ” مرض نقص المناعة المكتسب ” ( الإيدز ) لا تحدث عن طريق المعايشة، أو الملامسة، أو التنفس، أو الحشرات، أو الاشتراك في الأكل أو الشرب، أو حمامات السباحة، أو المقاعد، أو أدوات الطعام، ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العاديّة. انتهى.

ج. إن ثبت باليقين الطبي أن استعمال الواقي في جماع المريضة للسليم – والعكس – نافع، ولا ينتقل معه المرض إلى السليم: فيجوز الجماع، وإلا فلا يجوز.

د. لا مانع من تزوج المصابة بمرض ” الإيدز ” بمصاب مثلها، بشرط عدم الإنجاب؛ لما ذكرناه من أن انتقال المرض للذرية.

وبه أفتى الشيخ إبراهيم الخضيري حفظه الله، كما في جريدة ” الرياض “، وقد سبق ذكر تاريخها ورقم عددها.

خامسًا:

اعلمي أن الإخبار بالمرض للخاطب – في الحالين – لا يلزم منه الإخبار بسببه، وأنه قد حصل منك ارتكاب فاحشة؛ لما هو معلوم من أن المرض ينتقل لأهل العفاف والدين بأسباب أخرى غير فعل الفاحشة، ومن أشهرها ” نقل الدم “، فيمكن أن يقال هذا السبب للخاطب، ولو كان كذبًا؛ فإن الكذب ها هنا جائز، بل حتى لو بحلف يمين؛ لما حصل من التوبة الصادقة، ولما في إظهار الحقيقة من تشهير بالنفس، وفضيحة لها، وقد ذكرنا جواز هذا الكذب والحلف عليه في جواب سابق.

واعلمي أنه لا يكشف الضر عنكِ إلا رب العالمين، فاصدقي في توبتك، واستمري في علاج ما أصابك من أمراض، واصبري على ذلك ولو طال بك العمر، فإن الله جاعل لك تيسيرًا وتسهيلًا إن شاء سبحانه.

 

والله أعلم.