الرئيسية بلوق الصفحة 59

الموقف من اختلاف ألفاظ الحديث الواردة المتقاربة والمتغايرة وذِكر أمثلة منهما

الموقف من اختلاف ألفاظ الحديث الواردة المتقاربة والمتغايرة وذِكر أمثلة منهما

السؤال:

هناك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ترد روايات ألفاظها مختلفة ولا أعلم ما الأصح بينها:

الحديث الأول: ( اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي ).

* قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ).

الحديث الثاني: عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قَالَت: قلتُ يَا رَسُول الله، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا؟ قَالَ: ( قولي اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عني ). ( اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ كَرِيمٌ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي ) صحيح الترمذي.

الحديث الثالث: عند الاستيقاظ من النوم ليلا ًوالدعاء بالمأثور في ذلك وهو قوله: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ).

هناك روايات أخرى له.

الحديث الرابع: عن عائشة: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه في شيء يخفيه من عائشة، وعائشة تصلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ – أَوْ: كَلِمَةً أُخْرَى – فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا: ( قُولِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا ).

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ( عَلَيْكِ بِالْجَوَامِعِ الْكَوَامِلِ، قُولِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ).

* عَنْ أبي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) صحيح مسلم.

* ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَاي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ) البخاري مع ” الفتح”.

* عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) سنن أبي داود، والترمذي، وصححه الألباني.

* رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ ) صحيح الترمذي وصحيح ابن ماجه.

* فما هي الرواية الأصح من بين الروايات لهذه الأحاديث لأني أريد العمل بها؟. وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تختلف ألفاظ الروايات في الأمر الواحد، ويكون بين تلك الألفاظ أحيانًا مغايرة في الألفاظ، ومن أشهر تلك الأسباب التي ينبغي معرفتها: تعدد الرواة النقَلة لألفاظ ذلك الحدث الواحد المتكرر.

* وأما الاختلاف الحاصل في ألفاظ رواياتهم فهو لا يخرج عن حالين:

أ. أن يكون اختلافًا يسيرًا في حروف يسيرة، وسبب ذلك الاختلاف في الألفاظ المنقولة يكون تبعًا لحفظهم، ولضبطهم.

وفي هذه الحال يتساهل في العمل بأي رواية من تلك الروايات، إلا أن البحث عن أصح الروايات، وأضبط الرواة، والعمل برواية من يروي باللفظ لا بالمعنى: هو الذي ينبغي على العامل عند الترجيح بين تلك الروايات.

ب. أن تكون الألفاظ متغايرة فيما ينقلونه بعضهم عن بعض، وسبب ذلك أن يكون ذلك الأمر، أو تلك العبادة لها ألفاظ متعددة في أدعيتها، وأذكارها، كألفاظ الأذان، والإقامة، وأدعية الاستفتاح، وأذكار النوم، فالحدث في كل ذلك واحد، ولكنه لما كان متكررًا تعددت الألفاظ فيه، ونتج من ذلك تعدد الروايات والنقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني – رحمه الله – :

فهذا القسم أمره هيِّن، وإشكاله سهل؛ لأنه قد علم أنه صلى الله عليه وآله وسلم في الأفعال المتكررة مثل أذكار الصلاة – التي ذكرنا – كان يعلمهم، فمن روى رواية وصحت أو حسنت طرقها كتشهد ابن عباس – مثلًا -، وتشهد ابن مسعود: فهما حديثان صحيحان اختلفت ألفاظهما والكل مرفوع، فمثل هذا ومثل ألفاظ الأذان وغير ذلك محمول على تعداد التعليم منه صلى الله عليه وآله، وعلِم كل ما رآه صلى الله عليه وآله وسلم توسعة على العباد، فهم مخيرون بأي رواية عملوا أجروا واقتدوا وامتثلوا، فمن ربَّع في التكبير ورجَّع: فليس عليه نكير، ومن ترك التربيع: فكذلك، إذ الكل مروي بأحاديث معمول بها دالة على التخيير للعباد، وكذلك ألفاظ التشهد والتوحيد من أتى بأيها ممن روى بطرق معمول بها: فهو بالخيار في ذلك.

انتهى من ” رسالة في اختلاف ألفاظ الحديث النبوي “.

وهي رسالة علمية قيمة، قليلة الصفحات، عظيمة النفع.

 

ثانيًا:

ولاختلاف الألفاظ في العبادة والشعيرة الواحدة حِكَمٌ متعددة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

العبادات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع لا يكره منها شيء، وذلك مثل أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاح، ومثل الوتر أول الليل وآخره، ومثل الجهر بالقراءة في قيام الليل والمخافتة، وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها، والتكبير في العيد، ومثل الترجيع في الأذان وتركه، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 335 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والعلماءُ رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه؛ وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل: أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ وتركت الآخر: مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة وبهذا مرَّة: صار قلبُه حاضرًا عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهَد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: ” سبحانك اللهمَّ وبحمدك ” دائمًا: تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع بـ ” سبحانك اللهم وبحمدك ” مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة، والثاني مرَّة صار منتبهًا، ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:

1 . اتِّباعُ السُّنَّة.

  1. إحياءُ السُّنَّة.
  2. حضورُ القلب.

وربما يكون هناك فائدة رابعة: إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى – كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ – فإن الإِنسان أحيانًا يحبُّ أن يُسرع في الانصراف؛ فيقتصر على ” سبحان الله ” عشر مرات، و ” الحمد لله ” عشر مرات، و ” الله أكبر ” عشر مرات، فيكون هنا فاعلًا للسُّنَّة قاضيًا لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: ( {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) البقرة/ 198.  ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 8 ).

 

ثالثًا:

وأما اختلاف الرواة في ألفاظهم للحدث الواحد غير المتكرر، وللقصة الواحدة غير المتعددة: فهنا لا يمكن لطالب العلم والعامل إلا أن يرجح بين الروايات، فيأخذ أقواها، ويعمل بأصحها إسنادًا.

* قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني – رحمه الله – بعد أن فصَّل في السبب الأول -:

الثاني من الوجوه: أن تتحد القصة وتختلف الألفاظ فيها:

وهذا هو المشكل، وذلك واقع كثيرًا، كقضية بيع جمَل جابر وشرائه صلى الله عليه وسلم له منه، فإنه اختلف لفظه في القيمة، وفي اشتراطه ركوبه إلى المدينة، وكاختلافهم في ركوعات صلاة الكسوف مع أنه لم يصلها إلا مرة واحدة، بخلاف صلاة الخوف فإنه صلاها مرارًا على وجوه مختلفة فهي من القسم الأول، وكاختلافهم في حجه، وكل منهم روى أنه حج صلى الله عليه وآله وسلم حجًّا مفردًا، وآخرون رووا أنه تمتع، وآخرون أنه قارن، وهي في واقعة واحدة، وحجة واحدة، ونحو هذه الصور، وهو كثير: فهذا لا بد فيه من النظر في الروايات وطرقها، والصحيح منها والراجح من المرجوح، وهو شيء عسير إلا على من سهله الله.

انتهى من ” رسالة في اختلاف ألفاظ الحديث النبوي “.

 

 

 

رابعًا:

وأما بخصوص الأحاديث التي ذكرها الأخ السائل:

  1. فاللفظ الأول في الحديث الأول: رواه النسائي ( 1305 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي ” من حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه.

واللفظ الثاني: رواه البخاري ( 5990 ) ومسلم ( 2680 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وكلا الحديثين مختلفين في المخرج، وليس أحدهما بأولى بالعمل من الآخر، بل يُعكل بكليهما، لكن لا يقال هذا الدعاء إلا عند وقوع الضرر وخشية الفتنة على الدين.

 

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

قوله ( أحيني ) إلى قوله ( خيرًا لي ) ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ ( اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور. ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 8 / 278 ).

  1. واللفظ الأول في الحديث الثاني: رواه الترمذيّ ( 3513 ) وصححه، والنَّسائيّ في ” الكبرى ” ( 6 / 218 ) وابن ماجه ( 3850 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وأما اللفظ الثاني وهو ( اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ كَرِيمٌ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي ): فإن الزيادة الواردة في الحديث وهي ” كريم “: زيادة لا أصل لها، ونسبتها للترمذي خطأ – وهي موجودة في كثير من نسخ سنن الترمذي -، ولم يروها الترمذي – في الواقع – ولا غيره.

 

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وقع في “سنن الترمذي ” بعد قوله: ( عفو ) زيادة: ” كريم “! ولا أصل لها في شيء من المصادر المتقدمة، ولا في غيرها ممن نقل عنها، فالظاهر أنها مدرجة من بعض الناسخين، أو الطابعين؛ فإنها لم ترِد في الطبعة الهندية من ” سنن الترمذي ” التي عليها شرح ” تحفة الأحوذي ” للمباركفوري ( 4 / 264 )، ولا في غيرها، وإن مما يؤكد ذلك: أن النسائي في بعض رواياته أخرجه من الطريق التي أخرجها الترمذي، كلاهما عن شيخهما ” قتيبة بن سعيد ” بإسناده دون الزيادة.

وكذلك وقعت هذه الزيادة في رسالة أخينا الفاضل علي الحلبي: ” مهذب عمل اليوم والليلة لابن السني ” ( 95 / 202 )، وليست عند ابن السني؛ لأنه رواه عن شيخه النسائي – كما تقدم – عن قتيبة، ثم عزاه للترمذي، وغيره! ولقد كان اللائق بفن التخريج أن توضع الزيادة بين معكوفتين كما هو المعروف اليوم [ ]، وينبَّه أنها من أفراد الترمذي، وأما التحقيق: فيقتضي عدم ذكرها مطلقًا؛ إلا لبيان أنه لا أصل لها، فاقتضى التنبيه. ” السلسلة الصحيحة ” ( 13 / 140 ).

 

فالرواية الثانية فيها كلام، فعليك بالأولى؛ فإنها أصح.

  1. وأما الحديث الثالث: فقد رواه البخاري ( 1103 ) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

وقولك ” هناك روايات أخرى له “: فالجواب عليه: أن الحديث ليس فيه روايات مختلفة، ولو وُجد: فعليك برواية الإمام البخاري، وتكفيك.

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث الرابع: فقد رواه الحاكم ( 1 / 702 )، وباختلاف يسير في أوله – فقط – رواه أحمد ( 42 / 67 ) وصححه محققوه.

ورواه ابن ماجه ( 3846 ) بنحو تلك الألفاظ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وأما اللفظ الثاني: فهو الحديث السابق نفسه لكن من غير زيادة ( بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ )، وقد نسبها الحافظ العراقي في ” تخريج إحياء علوم الدين ” لابن ماجه، والحاكم، وليس فيهما تلك الجملة.

ولم نجد سببًا يجعلنا نقول بصحة هذه الزيادة، فيُكتفى بالرواية السابقة دونها.

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث الخامس: فليس هو في ” مسلم ” وحده، بل هو في الصحيحين: البخاري ( 6035 ) ومسلم ( 2719 ).

وأما اللفظ الثاني: فرواه البخاري ( 6036 ) وهو ذات الحديث السابق لكنه أخصر منه.

 

وقد علَّق الحافظ ابن حجر رحمه الله على لفظة ( خَطَاياي ) فقال:

قوله ( اغفر لي خطاياي وعمدي ) وقع في رواية ” الكشميهني ” في طريق إسرائيل ( خطئي )، وكذا أخرجه البخاري في ” الأدب المفرد ” بالسند الذي في الصحيح، وهو المناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول.

والخطايا جمع خطيئة، وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام؛ فإن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ وعن عمد، أو هو من عطف أحد العامين على الآخر. ” فتح الباري ” ( 11 / 198 ).

فلا تعارض بين الروايتين، وليس ثمة صحيح وأصح، فاذكر ربك تعالى بأي الصيغتين شئت، ولا يخفى أن الرواية الأولى أوسع.

 

 

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث السادس: فرواه أبو داود ( 1516 ) وابن ماجه (3814 ) والنسائي في ” الكبرى ” ( 6 / 119 )، ولم يروه الترمذي بهذا اللفظ.

وأما اللفظ الثاني: رواه الترمذي ( 3434 ) والنسائي في ” الكبرى ” ( 6 / 119 ).

 

وكلا الروايتين صحيحة، وليس مخرجهما واحدًا، وهو من اختلاف التنوع، وبأي الصيغتين استغفرت ربَّك تعالى أُجرت إن شاء الله .

 

والله أعلم.

تعترض على أصل خِلقة الله تعالى للنساء! مع بيان لبعض أحكام النساء

تعترض على أصل خِلقة الله تعالى للنساء! مع بيان لبعض أحكام النساء

السؤال:

سألقي عليكم هواجسي التي لا أعرف كيف أصفها ، أهي وساوس من الشيطان، أم محاكمة عقلية فاشلة مني، وأتمنى أن أجد لديكم إجابات تتجاوز الخطب النظرية التي مللت منها، مشكلتي تتمثل في أسئلة عن وضع المرأة، لم أقتنع بإجاباتها من سنين، وقتها وجدت التجاهل أنسب حل لها، لكنه يظهر لي الآن غير مجد، إذ أنها تتفاقم، وقد تصل بي إلى حد الكفر، لا أقصد وضع المرأة في الإسلام تحديدًا، بل على مر العصور، لدي قناعة بأن المرأة مظلومة من أصل خلقتها! ثم هي تحمل نتائج هذا الظلم.

* تُخلق المرأة عورة، فتنة، ثم تطالب بستر نفسها، وإلا فإنها تعتبر من جنود إبليس.

* تُخلق ضعيفة، محط طمع الرجال، فلا تستطيع العمل، ثم تلزم بطاعة، وخدمة من ينفق عليها.

* تُخلق بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل.

* تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين.

* تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته.

* تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها.

وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال.

ولا أعرف ماذا تبقى مما يحق للمرأة فيه أن تكون إنسانًا كالرجل، سوى أنها تُعاقب، وتثاب مثله، بل حتى في هذه أجدها تعاقب أكثر منه، فتلعنها الملائكة تارة، ولا تقبل عبادتها تارة أخرى, وتهدَّد بأنها أكثر أهل النار، بينما هو يثاب أكثر منها، فتنتظره حور في الجنة، ولا ينتظرها إلا الزوج الذي ملَّت من مشاركة غيرها فيه في الدنيا ، ولم ينقصها إلا أن تأتيها الحور في الآخرة، بل إن فكرة الحور هذه مما يؤكد تدني وظيفة المرأة! فهي ليست إلا مكافأة للرجل، نوع من الإغراء الذي يرغَّب من خلاله في العمل من أجل الجنة، ومن قبيل هذا ما يدرج على الألسنة من الدعاء بالقول ” جزاك الله خيرًا، وزوَّجك بِكرًا “، و كأنها شيء يدعو أن يُهدى له.

أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له.

قرأت كثيرًا عن التبريرات التي قُدمت لذلك، لكنها لم تفدني بشيء، ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل مني لمجرد أنه ذكر وأنني أنثى، وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده.

ربما لو قيل منذ الصغر لي إن المرأة ليست إنسانًا بل هي نوع من المخلوقات فوق الحيوانات ودون البشر: لكان أهون عليَّ، ولكنت اعتدت على الفكرة، وتقبلتها، أما أن نولد، وننمو معتقِدات أننا من بني البشر ثم نكتشف أننا – في أحسن الأحوال – بشر من الدرجة الثانية: فهذا ما يصعب عليَّ تقبله.

كلما بحثت عن الموضوع لا أجد إلا حديثًا مكرورًا عن تكريم الإسلام للمرأة بعد ما لاقته من اضطهاد في اليهودية، والنصرانية، ولدى الصينيين، والهنود، والفراعنة، وفي الجاهلية، وفي كل العصور والأماكن، وهذا ما أراه يؤكد وجهة نظري، ولا ينفيها، من كون المرأة مظلومة بفطرتها، وإلا لما أجمعت كل الأقوام والديانات على احتقارها والانتقاص منها، بل إننا في المدرسة كنا ندرس مظاهر الحياة لدى الحضارات القديمة، فيقال – مثلًا – الزراعة لدى الآشوريين، التجارة والصناعة لديهم، ثم وضع المرأة في عهدهم، فكأن كلمة آشوريين تصرف إلى الرجال لا النساء، وكأن المرأة شأنها شأن الزراعة، والصناعة، وحتى في الإسلام يقال مثلًا: وضع المرأة في الإسلام، ولا يقال وضع الرجل، ثم إن التوصية المتكررة من النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام المرأة توحي بأنها معرضة للظلم، و أن احتقارها وارد فاقتضى التنبيه منه.

ولن أتحدث هنا عن ما تلاقيه المرأة على أرض الواقع من جور وقهر؛ دفعا بعضهن للانسلاخ عن الإسلام، والالتحاق بالنموذج الغربي، وأنا لا أدافع عن هذا النموذج لأنني لا أريد للمرأة أن تكون سلعة، لا بالمجان، ولا بمقابل ثمن يُدفع لها تحت مسمَّى المهر، فيمتلكها بعدها الرجل، وكأنها جارية بيعت في سوق النخاسة، إنما أطلب أن تكون إنسانة حرة لا كائنًا مشكوكًا في إدراك ، متهما بالعاطفة، وقلة الحيلة.

أقر بأن غالبية النساء اليوم هن فعلًا على هذه الصورة، لكن هذا ليس إلا نتاج إرث بعيد العهد من التربية على الخضوع، والانقياد، والاقتصار على الاهتمام بالتوافه من الأمور، فكيف نطالب امرأة بأن تكون حكيمة، عاقلة، وقد ربيت على أن أقصى أمانيها أن تفوز بزوج يقبل أن يعطيها شرف أن تكون تابعة له، وزرع في تفكيرها أن أسلحتها هي الجمال، والدموع، وشيء من الدهاء الأنثوي الذي لا يعبر إلا عن العجز عن المواجهة، فلا يكون الحل إلا في المراوغة.

لن أتحدث عن الفتاوى العجيبة التي أقرؤها، والتي تزيد في حقدي على هذا الوضع، وحسبي أن أذكر جملة قرأتها في فتوى جاءت ردًّ على فتاة تسأل الزواج أم الدراسة؟ فكان الجواب: تزوجي؛ لأن المرأة كالوردة تذبل سريعًا!!.

أخبروني بالله عليكم: هل أصدق أنني وردة قيمتها في جمالها، وشذاها، ومتى ذهبا انتهت صلاحيتي، أم أظل أكافح لأكون إنسانًا كامل الإنسانية، ولو لم يكن اسمي زوجة فلان، وأم فلان؟.

بقي أن أشير إلى أنني لم أتعرض يومًا لأي موقف يبرر لي هذا التفكير – الذي أظنه جريمة برأيكم! – بل أخذت حقوقي كاملة كإنسان، فليس ما بي ردة فعل، لكنه تفاعل مني مع ألم النساء الذي عايشته حولي.

أخيرًا: فإنني قد توجهت إليكم لما لمسته عندكم من قدرة على الإقناع، وتفهم للسؤال، وبسط في الرد عليه دون نسخ ردود جاهزة، فرجاء أن تكونوا كما عهدتكم، فلا تبدؤوا الرد بالحديث الذي مللته عن وأد البنات في الجاهلية، وكيف منعه الإسلام؛ لأن الوأد النفسي لا يقل أذى عن الوأد المادي.  والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإنه مع شكرنا لكِ على ثقتك بموقعنا إلا أن هذا لن يمنعنا من مصارحتك بأنه ثمة مغالطات كثيرة حوتها رسالتك أيتها السائلة، ومن خلال تأملنا فيما كتبتِه: تبيَّن لنا سعة اطلاعك، وكثرة قراءتك، لكن أكثر ما في رسالتك كان ينقصه العلم بالشرع، ويفتقد للتسليم لأمر الله تعالى، والإيمان المطلق بعظيم حكمته، ولا يمنع أن هذا الفقدان قد يكون سبب بعضه: عدم الوقوف على حكم الشرع، ولذا بُنيت أخطاء بسبب ذلك الجهل بالحكم الشرعي.

 

ثانيًا:

ولنأخذ أمثلة على بعض الخلل في فهم الحكم الشرعي في رسالتك المطولة:

  1. قلتِ: ” تُخلق – أي: الأنثى – بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “.

قلنا: وهذا خطأ في الحكم الشرعي، وفي أسلوب النقد.

أما الخطأ في الحكم الشرعي: فلأن المرأة تُقبل شهادتها وحدها في مسائل كثيرة، كالإرضاع، ووجود البكارة، وعامة ما يتعلق بالنساء من أحكام تخصهن، وفهم الكثيرين للآية القرآنية في سورة البقرة هو الذي جعلهم يقولون بغير ما في الشرع من حكم جلي واضح، فالمرأة لا تكفي وحدها في ” تحمُّل ” الشهادة، وليس في أدائها! وإنما سياق الآية في ” الاستشهاد ” وليس في ” أداء الشهادة “، وما المانع أن يُطلب في شهادة على معاملة مالية أن تشهد عليها امرأتان مراعاة لظرف المرأة في تحمل هذا النوع من الشهادة؟ وهل تظن المرأة أنه سيُقبل شهادة أي رجل؟ بل لا بد من توفر شروط فيه، ولو كان ذلك الحكم من حيث كونها أنثى: لما قُبلت شهادتها في مسائل كثيرة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى): فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلَّت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل )، فبيَّن أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة: لم تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيها شهادتهن منفردات: إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب؛ فإن مثل هذا لا يُنسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالديْن وغيره؛ فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة.

” الطرق الحكمية ” ( ص 128 ، 129 ).

وأما الخطأ في الأسلوب: فقولكِ ” ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “، وهو أسلوب غير لائق، فهل الشريعة تعيِّر النساء؟! وهل الشريعة تُنقص قدرهن؟! وكونها ” ناقصة عقل ” هو وصف، لا تعيير، وهو خاص بمسألة واحدة، وليس وصفًا عامًّا.

  1. قلتِ: ” تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين “.

قلنا: ويقال في الأسلوب هذا ما قيل في أخيه قبل قليل.

وأما الخطأ في فهم الشرع: فهو أن ما شرعه الله تعالى هو لرحمة المرأة، ومراعاة ضعفها وحالها حين الحيض، وبعد الولادة، فهو تشريع في غاية الحكمة، والمرأة لم تمنع من غير الصلاة والصيام، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – في الحج – لما حاضت: ( افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) رواه البخاري ( 299 ) ومسلم ( 1112 ).

فالقول بأنها في تلك الحال ” ناقصة دين “: هو وصف لأمر خاص، كما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في أنها تترك الصلاة والصيام في ذينك الحاليْن، وهو ترك واجب عليها، كما أن الصلاة واجبة عليها حال الطهارة، وهذا مقتضى العبودية، أن يفعل المسلم الأمر حيث يؤمر به، وأن ينتهي عنه حيث نُهي.

  1. قلتِ: ” تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته “.

قلنا: وهذا من النقص في العقل! فالمرأة العاقلة تعرف أن الرجل أقوى وأكثر منها شهوة، وهي تعتريها حالات من مرض، وحيض، ونفاس، وعدم رغبة بالجماع، فكيف يصرِّف الزوج شهوته؟! وقولك هذا إنما هو تأثر بالحال المزري للغرب الضائع، وإلا فعقلاء العالم من أهل الاجتماع يعلمون بضرورة التعدد في حياة كثيرين، وهم إنما يعددون في العاشقات، وبنات الليل، والشرع الإسلامي أسمى من ذلك، وأحكام الله أجلّ من ذاك الانحراف.

ولو أننا سألنا الأخت السائلة: ماذا لو حصلت وفاة لامرأة بلغت الخمسين – مثلًا -؟ وماذا لو حصل لها طلاق، وماذا لو كانت امرأة عمياء، أو عرجاء، أو بها عاهة، فمن سيتزوج أولئك النساء عادة؟! أليسوا من كان عنده زوجة، أو أكثر؟! فلم المكابرة في نقد التعدد؟! ثم ما ذنب الرجل إن كانت النساء توافقن على التزوج من متزوج؟! وما دخلكن أنتن اللاتي تحببن الاستئثار بأزواجكن؟! هي أعلم بحالها ونفسها، وقد رضيت بمتزوج، وهذا يوافق ما فطر الله النساء عليه من الميل للرجال، ويوافق التشريع الحكيم في التعدد.

  1. قلتِ: ” تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها “.

قلنا: هذا من أوهامك، وخيالاتك، والواقع يكذبه، أو يكذب تلك المبالغة، وقد رأينا من تأثير النساء على الرجال ما غيَّر به الرجال دينهم! أو اعتقادهم! أو أخلاقهم! فمنهم من ارتد عن دينه بسبب زوجته، ومنهم صار رأسًا في فِرَقٍ ضالة بعد أن كان رأسًا في أهل السنَّة، ومنهم من تغيرت أخلاقه وسلوكه، وصار تبعًا لزوجته في سلوكها وأخلاقها، والأمثلة أكثر من أن تُحصر، وواقعة واحدة تكفي لبيان خطأ مقولتك، فكيف وهي بالمئات، أو بالآلاف؟!.

  1. قلتِ: ” وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال “.

نعم، المرأة شقيقة الرجل، في العبودية، والثواب والعقاب الأخرويين، ولا يعني أنها شقيقة الرجل أنها تتساوى معه من كل وجه، بل هذا معنى باطل، وثمة فروق لا بدَّ منها، تقتضيها طبيعة الخلقة، وتقتضيها الحكمة الجليلة، وها هو المسلم يؤمر ببر والديه، وتحريم عقوقهما، فهل والدته في البرِّ كوالده؟! لا شك أنها برَّها أعظم، وها هي امرأة ولها من الحقوق أضعاف ما للرجل.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – عن الذكر والأنثى -:

يشتركان في عِمارة الكون كلٌّ فيما يخصه، ويشتركان في عمارته بالعبودية لله تعالى، بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين: في التوحيد، والاعتقاد، وحقائق الإيمان، وإسلام الوجه لله تعالى، وفي الثواب والعقاب، وفي عموم الترغيب والترهيب، والفضائل.

وبلا فرق أيضًا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات كافة: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/ 56، وقال سبحانه: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل/ 97.

لكن لما قَدَّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى في صِفة الخِلقة والهيئة والتكوين، ففي الذكورة كمال خَلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة، وجِبِلَّة، وطبيعةً؛ لما يعتريها من الحيض، والحمل، والمخاض، والإرضاع، وشؤون الرضيع، وتربية جيل الأمة المقبل، ولهذا خلقت الأنثى من ضِلع آدم عليه السلام، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له، والرجل مؤتمن على القيام بشؤونها، وحفظها، والإنفاق عليها، وعلى نتاجهما من الذرية:

كان من آثار هذا الاختلاف في الخلقة: الاختلاف بينهما في القوى، والقُدرات الجسدية، والعقلية، والفكرية، والعاطفية، والإرادية، وفي العمل والأداء، والكفاية في ذلك، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الطب الحديث من عجائب الآثار من تفاوت الخلق بين الجنسين.

وهذان النوعان من الاختلاف أنيطت بهما جملة كبيرة من أحكام التشريع، فقد أوجبا – ببالغ حكمة الله العليم الخبير – الاختلاف، والتفاوت، والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع، في المهمات والوظائف التي تُلائم كلَّ واحد منهما في خِلقته وتكوينه، وفي قدراته وأدائه، واختصاص كل منهما في مجاله من الحياة الإنسانية، لتتكامل الحياة، وليقوم كل منهما بمهمته فيها.

فخصَّ سبحانه الرجال ببعض الأحكام، التي تلائم خلقتهم وتكوينهم، وتركيب بُنيتهم، وخصائص تركيبها، وأهليتهم، وكفايتهم في الأداء، وصبرهم، وَجَلدهم، ورزانتهم، وجملة وظيفتهم خارج البيت، والسعي والإنفاق على من في البيت.

وخص سبحانه النساء ببعض الأحكام التي تلائم خلقتهن، وتكوينهن، وتركيب بُنيتهن، وخصائصهن، وأهليتهن، وأداءهن، وضعف تحملهن، وجملة وظيفتهن، ومهمتهن في البيت، والقيام بشؤون البيت، وتربية من فيه من جيل الأمة المقبل.

فتلك إرادة الله الكونية القدرية في الخلق، والتكوين، والمواهب، وهذه إرادة الله الدينية الشرعية في الأمر، والحُكم، والتشريع، فالتقت الإرادتان على مصالح العباد، وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد، والبيت، والجماعة، والمجتمع الإنساني.

” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 – 17 ).

وهو كلام متين، لو تأملته السائلة – وغيرها – حق التأمل: لاستغنت عن تفاصيل الجواب.

  1. قلتِ: ” أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له “.

قلنا: وهذا من نقص الدِّين! وقد يؤدي بقائله إلى الكفر المخرج من الملَّة؛ لأن فيه طعنًا في الله تعالى، وسخرية من عدله عز وجل، وهل الإله العادل هو من يخلق ما تشائين؟! وهل الإله العادل هو الذي الكون كله رجالًا؟! أو كله نساءً؟! وهل الإله العادل من يحرِّم تعدد الزوجات؟! إننا لفي غاية العجب من كلامك ذاك، وهو أسوأ وأخطر ما قرأناه فيه، وواضح أنك لا تؤمنين بإله يعلم من خلق! ولا بإله له الحكمة البالغة فيما يفعل! ولعلك ذهلت عن أن الرب تعالى هو الذي وهبك عقلًا تفكرين فيه، وهو الذي وهبك يدًا بها تكتبين، وهو الذي أعطاك حياة بها تعيشين، فهل هكذا يُشكر الرب عز وجل؟!.

إن الذي لاحظناه بعد تأمل في رسالتك أنك تفتقدين معنى ” العبودية “، ولا تؤمنين بحكمة الرب عز وجل! ووالله إنكِ لفي خطر عظيم إن بقيتِ على ما أنت عليه، فالبدار البدار لتوبة صادقة، وإنابة خالصة، وإلى إعادة النظر في حقيقة عبوديتك للرب عز وجل، وإلى مزيد من الاطلاع على أسمائه تعالى وصفاته، فهذا هو ما تفتقدينه – وللأسف الشديد -.

واعلمي أن الخلق كلهم لا شيء في مخلوقات الله تعالى، وأن الأرض ليست إلا نقطة يسيرة جدًّا في مخلوقاته، فماذا يمثِّل اعتراضك على أصل خلقة النساء؟! وماذا يمثِّل اعتراضك على تشريعات الإسلام؟! نرجو أن تعي جيِّدًا حقيقة العبودية، وأنك ما خلقتِ – أصلًا – إلا من أجل تحقيقها، وأن حكمة الله تعالى اقتضت بإعمار هذا الكون، ولا تكون عمارته إلا بخلق النساء، ولذا خلقت حواء أولًا، ثم النساء من ذريتها، وبه وُجدتِ أنت على وجه الأرض لتبعثي برسالتك تلك لنا!.

وخلق الله تعالى للذكر والأنثى على اختلاف هيئاتهم، وصفاتهم من نطفة واحدة: من عظيم قدرة الله تعالى، فما يستدل به أهل العلم على كمال قدرة الله تعالى، وحكمته: هو عندكِ لا شيء! بل هو محل انتقاد!! فهلاَّ فكرتِ بالنشأة الأخرى، ولقاء الله تعالى، بدلًا من اعتراضاتك التي لا قيمة لها في واقع الحال؟!.

قال ابن قتيبة – رحمه الله -:

ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده؛  ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه، فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر؛ لقول الله تبارك وتعالى ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) والأزواج: الأضداد، والأصناف، كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى ( وأنه خلق الزوجين. الذكر والأنثى ). ” تأويل مختلف الحديث ” ( ص 15 ، 16 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى. وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) -.

( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ) فسَّر الزوجين بقوله: ( الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) وهذا اسم جنس شامل لجميع الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد بخلقها.

( مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته، وانفراده بالعزة العظيمة، حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها، من نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم نمَّاها، وكمَّلها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين.

ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة، فقال: ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات.

” تفسير السعدي ” ( ص 822 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالله تعالى خلق الزوجين من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته – جل وعلا -؛ إذ إنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال: في القوة البدنية، والعقلية، والفكرية، والتنظيمية، يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يُلحقوا المرأة بالرجل في أعمال تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلاَّل الأديان، فكيف يمكن أن نسوِّي بين صنفين فرَّق الله بينهما خِلقة، وشرْعًا، فهناك أحكام يطالَب بها الرجل، ولا تطالب بها المرأة، وأحكام تطالب بها المرأة ولا يطالب بها الرجل.

وأما قدرًا وخِلقة: فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا، وسلَب الله عقولهم، وأضعف أديانهم: يحاولون الآن أن يُلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة، مخالفة للفطرة، ومخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.

” تفسير القرآن ” – من الحجرات إلى الحديد – ( ص 249 )، و ” الباب المفتوح ” (اللقاء رقم 179 ).

وقد أطلنا الكلام والنقول في هذا الموضع لما رأيناه من العقدة الأخرى عند السائلة، وهو اعتراضها على أصل خلقة النساء!.

  1. قلتِ: ” ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل منِّي لمجرد أنه ذكر، وأنني أنثى ” .

قلنا: وهذا – بلا ريب – خطأ، وليس ميزان التفاضل عند الله تعالى الذكورة والأنوثة، بل هو التقوى، قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) الحجرات/ 13، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) رواه مسلم ( 2564 ).

والأدلة على ما قلناه كثيرة، ونكتفي بآية وحديث لتعلمي أن الذكر ليس أفضل عند الله لأنه ذكر، بل لما يأتي به من عمل صالح يرفع به درجاته، وليست الأنثى أقل منه، بل من الإناث من هي صدِّيقة، وشهيدة، ولا أعظم من هذه المنازل للمسلمين في الجنة، وربَّ امرأة تعدل ألوف الرجال من المسلمين، وهي – بلا شك – خير من كل الرجال الكفار.

  1. وقلتِ: ” وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده “.

قلنا: وهذا خطأ، بل عمارة الكون لا تكون من الرجال وحدهم، بل هي بمشاركة النساء، ولا يمكن للكون أن يعمر بالرجال وحدهم، ولا بالنساء وحدهم، بل لم يعمر الكون إلا بآدم ومعه حواء، وهكذا الأمر كان في ذريتهم.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني: ذكرًا، وأنثى ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) النجم/ 45، يشتركان في عِمارة الكون، كلٌّ فيما يخصه.

” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 ).

وهذا نصٌّ من عالِم يرد به على عين كلامك، ولا يخالف في هذا أحد من أهل العلم.

وأخيراً – وقد تركنا التعقيب على بعض كلامك -:

إذا كان الكفر الحاقد على الإسلام لم يجد مجالًا للطعن في تشريعات الإسلام لقوة أحكامه، وإتقان تشريعاته، وما تحتويه على الحكَم الجليلة، أفتظنين أنه بتلك الإيرادت الواردة في السؤال يمكن للمسلم أن يتأثر بها ويشك في دينه وحكمة تشريعاته؟!.

إننا ندعوك – وقد وثقتِ بنا – للتوبة الصادقة، ولا ندعوك لتكوني تبعًا إلا للحق، وقد أوردنا لك ما فيه كفاية لتراجعي نفسك، وتعيدي النظر في الحكمة من خلقك، وتعيدي النظر في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلنا ثقة أنك لو فعلتِ ذلك فإنك ستحققين العبودية لله تعالى ربك، وستكونين على ثغر من ثغور الإسلام تدافعين عن تشريعاته، وتنافحين عن أحكامه.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز لصاحب محل مسلم أن يوظف كافرا يبيع فيه وقت نداء الجمعة الثاني؟!

هل يجوز لصاحب محل مسلم أن يوظف كافرا يبيع فيه وقت نداء الجمعة الثاني؟!

السؤال:

أنا مسلم، ولديَّ محل تجاري أغلقه أثناء صلاة الجمعة، مما أثار استياء بعض الزبائن غير المسلمين، فهل يجوز أن أبقيه مفتوحًا في هذا الوقت ليعمل فيه عمّال غير مسلمين؟ لأنني أخشى أن أخسر هؤلاء الزبائن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المسلم هو من استسلم لأمر الله تعالى، والظن بك – أخي السائل – أنك تبحث عن الحكم الشرعي بسبب حبِّك لدينك، وبقصد التمسك بالحكم الشرعي المؤيد بالكتاب والسنَّة.

ولتعلم – أخي السائل – أن الله تعالى أمر بنص كتابه الكريم بترك البيع بعد نداء الجمعة، وهو النداء الذي يكون بعد صعود الخطيب للمنبر، والاشتغال بالبيع والشراء بعد النداء مخالف للأمر بالسعي لذِكر الله، وهو خطبة وصلاة الجمعة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الجمعة/ 9.

ولم يختلف الفقهاء في المنع من البيع بعد نداء الجمعة الثاني، وجمهورهم على التحريم، وذهب الحنفية إلى أن أقل أحوال حكمه: الكراهة، مع الاتفاق على وجوب ترك البيع.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 9 / 225 ):

جمهور الفقهاء على أن النهي عن البيع بعد أذان الجمعة الثاني هو للتحريم، صرح به المالكية والشافعية والحنابلة.

أما الحنفية فقد ذكروا أن أقل أحوال النهي: الكراهة، وأن ترك البيع: واجب، فيكره تحريمًا من الطرفين – البائع والمشتري – على المذهب، ويصح إطلاق الحرام عليه، كما عبر ” المرغيناني “، ويفترض تركه، كما عبَّر ” الشرنبلالي “. انتهى.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وعلى هذا نقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني: حرام، وباطل أيضًا، وعليه: فلا يترتب عليه آثار البيع، فلا يجوز للمشتري التصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني، ثم يأخذونه على أنه ملك لهم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 8 / 190 ، 191 ).

ثانيًا:

ويُستثنى من الحكم السابق: من لا يلزمهم السعي لصلاة الجمعة، وهم: المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض، والصبي الذي لم يبلغ، فهؤلاء يصح بيع بعضهم لبعض، على أن يكون البائع والمشتري منهما، ولا يصح البيع إن كانوا هم طرفًا وكان الطرف الآخر ممن يلزمهم السعي لصلاة، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطَبين بالجمعة، فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين: فلا يثبت في حقه ذلك، وذَكر ابن أبي موسى في غير المخاطَبين روايتين، والصحيح: ما ذكرنا؛ فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع مَن أمَرَه بالسعي، فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولأن تحريم البيع معلَّل بما يحصل له من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدوم في حقهم.

وإن كان أحد المتبايعيْن مخاطَبًا، والآخر غير مخاطَب: حرُم في حق المخاطَب، وكره في حق غيره؛ لما فيه من الإعانة على الإثم، ويحتمل أن يحرُم أيضًا؛ لقوله تعالى: ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ).

” المغني ” ( 2 / 145 ) باختصار يسير.

وما ذكره الإمام ابن قدامة من كونه محتملًا هو الصواب الراجح؛ لأن النهي في الآية عن التعاون على الإثم والعدوان ظاهر في التحريم، وهو قول مالك والشافعي، وهو مذهب  أحمد.

 

ثالثًا:

وهل يأخذ ” الكافر ” حكم المكلفين من الرجال بصلاة الجمعة، أم لهم حكم النساء وغيرهم ممن لا تلزمهم صلاة الجمعة؟ هذا الحكم مبني على مسألة ” هل الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة أم لا؟ ” فمن قال إنهم مخاطَبون: قال: لا يحل البيع لكافر ولا الشراء منه، – والمقصود بالكافر هنا: غير المرأة، والصبي، والمسافر -، ومن قال إنهم غير مخاطَبين: قال بجواز البيع لهم والشراء منهم إن كانوا هم طرفًا، وكان الطرف الآخر امرأة، أو صبيًّا، أو مسافرًا، من المسلمين.

والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم: أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة.

قال النووي – رحمه الله -:

والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ” شرح مسلم ” ( 14 / 39 ).

 

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار، لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله “، ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )، وقوله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: ( أما علمتَ يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله )، وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 31 ).

 

وعليه: فلو اشترى كافرٌ من كافرٍ مثله لمَا كان له تأثير على أحدٍ من المسلمين في الأصل، أما إن كان المحل الذي يتم فيه البيع والشراء لمسلمٍ: فيختلف الأمر حينئذٍ، ويكون حرامًا عليه أن يمكِّن لهذا البيع أن يتم على بضاعة يملكها، أو في محل ترجع ملكية ما فيه له، وهو الأمر الذي ينطبق على حالك، فوضعك لموظف كافرٍ ليبيع لكافرٍ مثله: لا يجوز؛ لأن جميعهم مخاطبٌ بفروع الشريعة، والحكم هنا هو: تحريم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، وبما أن المحل تعود ملكية بضاعته لك: فيحرم عليك هذا الفعل، ولا يحل لك ذلك الكسب.

 

وأما قولك بوجود استياء من الزبائن لإغلاقك لمحلك، وأنك تخسر بذلك الإغلاق زبائنك: فلا يُقبل مثل هذا العذر منك، ولا من غيرك، والله تعالى أمرك بتقواه، وحرَّم عليك البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، فوجب عليك الالتزام بهذا الحكم، واعلم أنه من يتق ربه فإنه يرزقه من حيث لا يحتسب، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، ولعل التزامك بشرع الله تعالى بإغلاق محلك بعد نداء الجمعة الثاني أن يكون سببًا لثقة الناس بك، وتوكيد أمانتك، كما أن في إغلاقك لمحلك دعوة للإسلام، فوضعك للافتة كُتب عليها ” مغلق لفترة صلاة الجمعة “: قد يفتح أبوابًا من الأسئلة عن هذا الفعل، وقد يكون سببًا في إسلام كثيرين، ممن يقودهم ذلك الإغلاق للسؤال عن الإسلام، والقراءة في تشريعاته وأحكامه.

 

 

 

 

 

 

فاستقم كما أمرك الله تعالى، ولا تشتري آخرتك الباقية بدنياك الفانية، والعم أن الأرزاق بيد الله تعالى، يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، ولن تموت حتى تستوفي رزقك كما تستوفي أجلك، فأوقف البيع والشراء في محلك قبل النداء الثاني للجمعة، ثم إذا قضيت الصلاة فافتح محلك، وبع من المباح ما تشاء، كما قال تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الجمعة/ 10.

 

واعلم أنه قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

 

والله أعلم.

 

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

السؤال:

من المعلوم أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لكن أولم يكن آدم في الجنة؟ أولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا سؤال دقيق، ويدل على فهم عند صاحبه، ونسأل الله أن يوفقه لكل خير، ونحن نذكر الحديث بنصِّه، ثم نعقبه بما يزيل الإشكال من أصله – إن شاء الله -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه البخاري ( 3072 ) ومسلم ( 2824 ) وعنده : ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ).

 

ثانيًا:

وأما كون آدم عليه السلام كان في جنة الخلد: فهو الراجح من قولي العلماء، وهو قول جمهور أهل السنَّة؛ لأدلة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها؛ إذ ليس السؤال عنها.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد اختُلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ).

ومن أراد التوسع في المسألة: فلينظر ما كتبه ابن القيم رحمه الله فيها في أوائل كتابه ” مفتاح دار السعادة “، وأيضًا في كتابه ” حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح “.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وأما رؤية النبي صلى الله عليه عليه وسلم للجنة ودخوله فيها: فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، وقد بوَّب الإمام الآجري في كتابه ” الشريعة ” على بعض تلك الأحاديث بقوله: ” باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة “، وروى تحته أحاديث، منها:

  1. عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ).

رواه البخاري ( 3069 ). ورواه مسلم ( 2737 ) من حديث ابن عباس.

  1. عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ – أَوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أَذْفَرُ ). رواه البخاري ( 6201 ).

وفي رواية ( لمَّا عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلَّم إلى السماء أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ … ).

– ( أذفر ): شديد الرائحة الذكية.

وفي لفظ صحيح في ” مسند أحمد ” ( 19 / 66 ): ( دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. رواه البخاري ( 715 ).

– ( تكعكعت ): تأخرت إلى الوراء.

وللفائدة:

فقد ثبت أن جبريل عليه السلام ممن رأى الجنة، ولا يبعد أن يكون ثمة ملائكة قد رأوها أيضًا، والجواب عن رؤيته هو الجواب عن رؤية آدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، … قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا …. رواه الترمذي ( 2560 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود ( 4744 )، والنسائي ( 3763 ).

 

 

 

 

رابعًا:

وأما توجيه تلك الأحاديث والتي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وأخيه آدم عليه السلام للجنة مع الحديث الذي ذكرناه أولًا من إعداد الله تعالى لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: فأقوى ما يقال في توجيهه:

أن هذا المعَدّ في الجنة لعباد الله تعالى الصالحين مما لم يرَه أحدٌ، ويكون اطلاع آدم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام إنما هو على بعض ما في الجنة لا على ما أعدَّه الله للصالحين مما أخفاه عن خلقه، ومن تأمل الحديث تبيَّن له قوة هذا التوجيه، فهو نص قول الله تعالى، وذلك في قوله ( بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) أو ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ )، وهو يعني أن ذلك النعيم المعد هو غير الذي أطلعنا الله عليه مما ذكره لنا، أو مما رآه النبيان عليهما السلام.

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قلت: وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ( ولا خطر على قلب بشر ذخراً من بله ما أطلعتم ) إنها بمعنى ” غير “؛ وذلك بيِّن لمن تأمله، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 8 / 517 ).

وحتى لو كان معنى ( بَلْهَ ) ” دع “، أو ” اترك “: فإنه لا يخرج عن المعنى السابق.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

فأما ( بَلْه ) فبفتح الباء الموحدة واسكان اللام، ومعناها: دع عنك ما أطلعكم عليه فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، وكأنَّه أضربَ عنه استقلالًا له فى جنب ما لم يطلع عليه، وقيل: معناها غير، وقيل: معناها كيف.

” شرح النووي على مسلم ” ( 17 / 166 ).

 

ويؤيِّد هذا حديثان:

أ. عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: ( فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه مسلم ( 2825 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( فيها ) يدل على أنه هو المراد بالإخفاء، ويدل على أنه ثمة غيره مما ليس مخفيًّا عن الأعين.

ب. عن الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ). رواه مسلم ( 189 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا ) يدل على ما ذكرناه من كون ذلك النعيم الخاص لأولئك العباد الصالحين مما ليس مشَاهَداً من قبَل أحد.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

أما ( أردتُ ) فبضم التاء، ومعناه: اخترت واصطفيت.

وأما ( غرستُ كرامتهم بيدي ) إلى آخره فمعناه: اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام حذف اختُصر للعلم به تقديره: ” ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به، وأعددته لهم “.

” شرح النووي ” ( 3 / 46 ).

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

النصوص الشرعية منها عام يدخله التخصيص، فيقال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا ما رآه النبي صلى عليه الصلا والسلام.

الشيء الثاني: هل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الجنة والنار: هل رأى كل شيء في الجنة والنار أو رأى شيئًا منهما ؟!.

” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 5 ، وجه ب ).

والتوجيه الثاني الذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الأقوى، دون الأول.

 

 

 

 

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل هناك تعارض بين الحديث الذي جاء في وصف الجنة: أنها ( لا عين رأت ولا أُذُن سمعت )، وحديث الباب الذي يدل على أن جبريل رأى الجنة وما فيها من النعيم، وأن آدم كان يسكن في الجنة، فإنه رأى نعيمها، فكيف يقال: ( ما لا عين رأت) ؟.

فأجاب:

كون جبريل وكون آدم رأيَا الجنَّة: لا ندري هل رأوا كلَّ ما فيها؟ نعم، رأوا الجنة، لكن هل رأوا كل ما فيها؟! لا ندري، بحيث كل ما فيها قد حصل، وكل ما فيها قد شوهد؟! ما نعلم ذلك، والمقصود: أن فيها من النعيم ما لا يعرفه الناس، وما لا يدركه الناس، وفيها شيء يعرفون أسماءه وأنواعه ….

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 340 ).

 

والله أعلم.

 

ماذا تصنع من كانت أمها تثقل عليها عمل المنزل وأشقاؤها ينعمون في الراحة؟

ماذا تصنع من كانت أمها تثقل عليها عمل المنزل وأشقاؤها ينعمون في الراحة؟

السؤال:

ما حكم مشاركة البنت غير المتزوجة أمّها في أشغال البيت؟ وماذا عن الأّم التي تلقي بكلّ حمل البيت على ابنتها علمًا أنّ هذه البنت تعمل، وتدرس؟ هل من العقوق عصيانها؟ يصل الحدّ بالفتاة إلى الألم لكونها خلقت أنثى؛ لأنّ أمّها تنتقدها طول اليوم، دون أن تطلب من أبنائها الذكور أيّ شيء، بينما يقضي الذكور كامل اليوم في النوم والأكل والتجوال، لا يسعون لا لدين، ولا لدنيا.

وما أقعد الفتاة عن الزواج حتّى الآن هو عدم تقدّم الكفؤ لها، نسألكم الدعاء لها، ولكلّ بنات المسلمين.

الجواب:

الحمد لله

  1. إن الأسرة السعيدة هي الأسرة المتماسكة فيما بينها، تجتمع على الطاعة، ويسودها الحب والوئام، ولا يمكن لأسرة أن تشعر بالسعادة مع وجود التفرق فيما بين أفرادها، ووجود البغض والكراهية فيما بينها، ولذا كان لا بدَّ للأسرة من ربَّان يقود دفة البيت إلى الأمان، ويجنبه المخاطر والهلاك، وهو الأب، وتعينه على تلك القيادة زوجته، ومن هنا جعلهما الشرع المطهر مسئولين عن أفراد أسرتيهما.

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ). رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

  1. وإن من مسئولية الأبوين تعليم أولادهما –ذكورًا وإناثًا– على البر والصلة والصلاة، وتجنيبهم كل ما يسخط الله تعالى، كما أن من مسئولية الأبوين إعداد أولادهم لتحمل مسئولية ما بعد خروجهم من بيت أهليهم، فيعوَّد الابن على ما يناسب ذكوريته من أعمال، كشراء الأغراض من المحال، ومساعدة والده في صيانة المنزل، وتعوَّد الأنثى على ما يناسب أنوثتها من أعمال، كالقيام بالتدبير المنزلي، والقيام بمساعدة والدتها في أعمال المطبخ، مع التنبيه على أنه ثمة أعمال مشتركة بين الجميع لا ينبغي التهاون فيها، كترتيب كل واحد منهم لفراشه، وغرفته، وأغراضه الشخصية، وينبغي أن يكون ذلك كله بالتدرج، والإقناع، مع الرفق، وعدم تحميل أحد منهم ما لا طاقة له به.
  2. وإن من القواعد المتبعة عند الناجحين في تربية أولادهم: أن يتولى الأب تعليم وتوجيه أبنائه الذكور، وأن تتولى الأم تعليم وتوجيه بناتها الإناث؛ لقرب كل واحد من جنسه، ولسهولة إيصال الأهداف المنشودة كلٌّ للطرف الذي يتولى تعليمه وتوجيهه.
  3. هذا، ولا ينبغي للأم أن تحمِّل ابنتها ما لا طاقة لها به من العمل المنزلي، وإنها إن فعلت ذلك فستجني شوكًا وحنظلًا جرَّاء فعلها ذاك، وليست البنت سجينة مع الأعمال الشاقة في بيت أهلها حتى تفعل الأم معها مثل ما جاء في السؤال، بل هذا مما يحرم عليها فعله، ثم هو يُنتج نتائج عكسية، وسيعود ضررها على الأم، ثم على الأسرة كلها، ومن المعلوم أن الضغط يولِّد الانفجار، وقد حصل مثل هذا مع أسرٍ كثيرة، كان من نتيجته: أن هربت البنت من بيت أهلها! ولك أن تتصور أثر تلك الفضيحة على الأسرة كلها، وقد حصل أن طُلِّقت الزوجات بسبب ذلك، وحصل – قريبًا – أن انتحر والد فتاة هربت من بيت أهلها.

لذا: فعلى الأم أن تتقي الله ربَّها، وأن تعلم أنها راعية في بيتها، وستسأل يوم القيامة عن رعيتها تلك هل نصحتها؟ هل أدت الأمانة المنُاطة بها على أحسن وجهها؟ وإن ما تفعله بعض الأمهات من تثقيل الحِمْل على بناتها في العمل المنزلي ليس صوابًا، وإن عليها أن توزع أعمال المنزل على جميع أولادها، كلٌّ حسب طاقته، ووقته.

  1. ولا ينبغي للوالدين أن يكون همهم العمل المنزلي دون أن يكون للتوجيه الديني منزلته، فيُعطى الأولاد أوقاتًا مناسبة للصلاة، وطلب العلم، والاستفادة من عمرهم لآخرتهم، ويُعطى وقت خاص للبنات لتعليمها زيادة عن أشقائها في الحياء، والعفاف، وشيء من أحكام الحيض وعلامات البلوغ، وغير ذلك.
  2. وعلى الوالد أن يتقي الله ربَّه في أبنائه الذكور، وأن يحسن تربيتهم، ويعلمهم الجد والاجتهاد، وتَرْكهم على الحال الذي جاء ذِكره في السؤال ضرر عليهم وعليه وعلى الأسرة كلها، فتَرْك توجيههم التوجيه السديد، والرضى لهم بالكسل: يدل على سوء في إدارة والدهم لدفة البيت، ويدل على تقصير في الأمانة التي حمَّله إياها ربه تعالى، فإذا أضيف إلى ذلك نظرهم لمحرَّم، واستماعهم لمنكر: صار شريكًا لهم في الإثم، وكذا تأثم والدتهم إن هي رضيت بذلك الحال السيء الذي هم فيه.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي الوالدين لما فيه رضاه، وأن يجمع أفراد أسرتهما على طاعة الله تعالى، وأن يصلح حالهم وبالهم.

 

والله أعلم.

حكم نشر وتوزيع علبة دواء بعنوان ” بنادول، علاج الذنوب “

حكم نشر وتوزيع علبة دواء بعنوان ” بنادول، علاج الذنوب ”

السؤال:

انتشرت في الآونة الاخيرة في التسجيلات علب كأنها علب ” البنادول “، ومكتوب فيها ” علاج فعَّال للذنوب “، فما رأيكم فيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نحن لا نقول بأن وسائل الدعوة توقيفية، بل نقول إنها اجتهادية، وهذه الوسائل يجب أن تحاكم للشرع، فما كان منها محرَّمًا رُفض، وحرم سلوك هذه الوسيلة، وما كان مكروها فسلوكها مكروه.

وقد اطلعنا على العلبة الوارد ذِكرها في السؤال، ورأيْنا فيها:

  1. طُبع عليها اسم ” panadul ” – ” بنادول ” – بتغيير الحرف قبل الأخير من الاسم الأجنبي، ويبدو أن ذلك من أجل عدم تعرض فاعلها للمساءلة القانونية.
  2. وُضع في أسفل الاسم عبارة: ” دواء فعَّال لعلاج جميع الذنوب، والهموم، والآلام والأحزان “!.
  3. وكتب على غلافه ” دواء فعّال لجميع الفئات العمرية “.
  4. وكتب عليها عبارة ” ساري الصلاحية حتى نهاية العمر “.
  5. وكتب أيضًا: أنه ” مرخَّص من ملك الملوك “.
  6. وُضع في العلبة نشرة عن الاستغفار، وفوائده، وفي آخرها فتوى بجواز ترويج هذا المنتج، وكانت الفتوى صادرة من الشيخ عبد العزيز الفوزان حفظه الله.

وقد تختلف النشرات بعضها عن بعض زيادة ونقصًا.

وهذه صور ذلك المنتج:

http://mojil.net/site/?p=6312

وأما عن حكم ترويج هذه الوسيلة: فإننا نرى أنها بدعة منكرة، وتحتوي على مخالفات كثيرة، منها:

  1. استعمال اسم أجنبي لترويج عبادة عظيمة، أمر الله تعالى بها، وأثنى على من قام بها، ووعد فاعليها بالثواب الجزيل، ومثل هذه العبادة لا يليق أن يكون شعار ترويجها اسم أجنبي لدواء مشهور.
  2. والاستغفار عبادة، ولا يجوز تشبيهها بتناول أقراص ” البندول “، من وجوه:

أ. الاستغفار عبادة شرعها الله تعالى، والبندول دواء مخترع من كافر.

ب. الاستغفار عبادة كلها خير لصاحبها، وأقراص البندول قد تؤدي بمتناولها للهلاك، أو الضرر.

ج. ليس للاستغفار آثار جانبية، والأدوية الكيماوية كلها لها أضرار .

د. الاستغفار يكون بعد فعل ذنب، ويكون من غير فعله، وأقراص البندول لا يتناولها إلا المريض.

هـ. الإكثار من الاستغفار يزيد في الأجور، والإكثار من البندول يؤدي إلى التسمم، والهلاك.

و. الاستغفار نافع لجميع من يقوم به، والدواء – بندول وغيره – ينفع أناسًا دون آخرين.

ز. الاستغفار ينفع صاحبه بعد وفاته، والبندول ليس كذلك.

  1. وقد احتوت العلبة على كذب واضح، ومنه:

أ. أنها صالحة لجميع الفئات العمرية! فهل ينطبق هذا على الرضيع؟! وهل ينطبق على الكافر؟!.

ب. قولهم إنها ” مرخصة من ملك الملوك “: كذب، فهي فعل اجتهادي، قابل للتخطئة، وهو خطأ، وقد خطأها بعض كبار العلماء – كما سيأتي -؛ فليس كل ما فيها في داخل النشرة آيات قرآنية، بل فيها قصة منسوبة للإمام أحمد، مشكوك في صحتها، وفي آخرها فتوى اجتهادية، ولا يصح – بحال – نسبة ذلك لرب العالمين.

ج. قولهم عن الاستغفار: ” ساري الصلاحية حتى نهاية العمر “: كذب، فهو نافع صاحبه يوم القيامة.

د. وضعهم حبات دواء على الغلاف مما يوهم وجود أقراص داخلها، وليس الأمر كذلك.

  1. هذا الفعل فيه تنقص من شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وفيه فتح باب للسخرية، والاستهزاء بها، وبغيرها، وقد حصل ذلك بالفعل، فأُخرج للناس بعدها ” كريم الأذكار “!، كتب أسفله: ” يحفظك من الشر ويُبعد عنك كل ما ضر “!.

وأُخرج للناس: ” مضاد للخطايا “! كتب أسفله: ” فعّال يحط جميع خطاياك، ولو كانت مثل زبد البحر “!.

وهكذا في سلسلة متوقعة من ” كبسولات للقلق “، و ” شامبو للاكتئاب ” وغير ذلك من السخافات، والتي يمكن أن يكون منها: ( ” ريفانين ” لعلاج صداع المعاصي )!، و ( ” تامي فلو ” لعلاج انفلونزا الذنوب )! – وقد صدرت – بالفعل – نشرة بعنوان ” انفلونزا الذنوب “!.

  1. في هذه الوسيلة دعاية مجانية لذلك الدواء الأجنبي.
  2. وفيها تكلفة من غير داعٍ ، وهي قيمة علبة الدواء.

 

 

 

 

ولما سبق جميعه – وغيره مما لم نتفطن له -: لا نرى جواز استعمال هذه الوسيلة الدعوية، ويكفي من الوسائل ما تعاقبت عليه القرون من الحث على العبادات، ولا مانع من غيرها على أن تكون خالية من المحاذير الشرعية، ونرجو من المشايخ الكرام الذين أفتوا بالجواز أن يعيدوا النظر فيما قالوه، وأن ينظروا فيما يعقب القول بالجواز من فتح باب شر من السخرية والاستهزاء، وتسويق شركات الدواء لأدويتها، وتسويق شركات التجميل لموادها، بمثل تلك الطريق، ولن يعدموا مواد جاهزة لتكون نشرة داخل تلك العلب المسوَّقة.

 

ولا غرو أن يفتي بعض كبار العلماء بمنع هذه الوسيلة، والتحذي منها، ومنهم: الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، فقد سئل عنها، فأجاب:

هذا عمل لا يليق، تشبيه الاستغفار – وهو عبادة – تشبيهه بالبندول: هذا فيه تنقص من الاستغفار، فهذا لا يجوز، هذا العمل لا يجوز، لأن معناه أن العبادة تشبَّه بالبندول، والعبادة أمرها عظيم، والبندول دواء فقط ، فكيف تشبه العبادة بالبندول؟! هذا فيه تنقص للعبادة. انتهى.

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=181680

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

ما هي أطول مدة تمكثها المرأة وهي حامل؟

ما هي أطول مدة تمكثها المرأة وهي حامل؟

السؤال:

أولًا: جزاكم الله خيرًا على جهدكم الطيب المبارك في هذا الموقع.

ثانيًا: أود أن أعرف ما هي أكثر مدة للحمل، وما أطول مدة له؛ حيث إني قد دار نقاش بيني وبين الوالد بعد قراءة فتوى لكم بهذا الخصوص، حيث إن الوالد من أهل الاختصاص في مسائل الحمل، حيث إنه يعمل طبيب أشعة تشخيصية، وهو يقول باستحالة هذا الحمل طبًّا، وإن كان قد حدث قبل ذلك، وهو ما استنكره بشدة، فهو غالبا لم يكن حملًا حقيقيًّا، وإنما اشتباه بحمل، أو حمل كاذب، وقد استدل الوالد بآية ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا )، كما استدل بأدلة طبية كثيرة تمنع هذه المدة من طول الحمل ويقول أنه بذلك قد فتح الباب لإلحاق أحد الأولاد برجل ليس هو أباه!.

وما جاء في الفتوى هو كلام العلماء رحمهم الله جميعا، غير أنه لم يستدل بحديث إلا بحديث ( الولد للفراش ) متفق عليه، وما أعرفه أن هذا الحديث عن عائشة قالت‏:‏ ‏” ‏اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال سعد :‏ يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة‏ :‏ هذا أخي يا رسول اللّه ولد على فراش أبي فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى شبهه فرأى شبهًا بيِّنا بعتبة فقال :‏ ( هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ) قال :‏ فلم ير سودة قط‏‏‏.‏

ففي هذا لم يذكر مدة حمل وغير ذلك مما استدل به على هذه المسألة.

أفتونا مأجورين، هل هناك تناقض بين الدِّين والعلم، مع أن القرآن قد وقَّت للحمل والرضاعة عامين وستة أشهر على الأكثر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مسألة ” أطول مدة لحمل المرأة ” من أكثر مسائل الخلاف بين علماء الشرع، وهي ضيقة الخلاف عند الأطباء، وأضيق منها في قوانين الأحوال الشخصية في غالب العالم العربي.

* أما عند علماء الشرع: فقد اختلفوا في أقصى مدة تمكثها المرأة وهي حامل إلى أقوال:

  1. أقصى مدة للحمل: هي المدة المعهودة، وهي تسـعة أشـهر، وبه قال داود، وابن حزم الظاهرييْن.
  2. أقصى مدة للحمل: سنَة واحدة، وهو قول محمد بن عبد الحكم، واختاره ابن رشد.
  3. سنتان، وهو مذهب الحنفية.
  4. ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد.
  5. أربع سنين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأشهر القولين عند المالكية.
  6. خمس سنين، وهي رواية عن الإمام مالك.
  7. ست سنين، وهي رواية عن الزهري، ومالك.
  8. سبع سنين، وبه قال ربيعة الرأي، وهي رواية أخرى عن الزهري، ومالك.
  9. لا حد لأكثر الحمل، وهو قول أبي عبيد، والشوكاني، وقال به من المعاصرين: المشايخ: الشنقيطي، وابن باز، والعثيمين.

انظر: ” المحلى ” لابن حزم ( 10 / 316 )، ” المُغني ” لابن قدامة المقدسي ( 9 / 116 )، ” أضواء البيان ” ( 2 / 227 ).

وأما عند الأطباء: فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال:

  1. عشرة أشهر.
  2. 310 يومًا.
  3. 330 يومًا.

وأما في قوانين الأحوال الشخصية في غالب البلاد العربية: فقد ذهبوا إلى تحديد المدة بسنة، ومنهم من حسبها باعتبارها سنة شمسية – وهم الأكثر -، ومنهم من نصَّ على كونها سنَة قمرية.

ثانيًا:

والذي يظهر لنا ويترجح من الأقوال: أن أقصى مدة حمل للمرأة ما بين التسعة أشهر إلى السنَة، وهو قول ابن عبد الحكم، وابن رشد، رحمهما الله، وليس بعيدًا عن قول الأطباء، وهو مطابق لقوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية؛ وهذا أمرٌ يُدرك بالمشاهدة، واليقين، وهو ما لم يتوفر عند علماء الشرع الأقدمين، وما قاله أولئك الأعلام إنما هو بحسب ما كانت تدَّعيه بعض النساء في زمانهم، وقد يكون كذبًا، أو وهمًا، أو حملًا كاذبًا، أو خطأ في الحساب، وكل ذلك محتمل، وما قاله أولئك الأعلام من امتداد مدة الحمل إلى سنوات تصل إلى السبعة: فهو أمرٌ مرفوض في عالم الطب، وعالم الإنجاب الواقع بالمشاهدة، والمتابعة، ولذا رفضه غالب الباحثين المعاصرين من الأطباء، والعلماء، وطلبة العلم الشرعي.

* وقد سبق لابن حزم تكذيب تلك الأخبار الصادرة من أولئك النسوة المجهولات -غالبًا-، فقال رحمه الله- تعليقًا على الأخبار التي تروى عن نساء حملن لعدة سنين: 

وكلُّ هذه: أخبارٌ مكذوبةٌ، راجعةٌ إلى مَنْ لا يَصْدق، ولا يُعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا.

” المحلى ” ( 10 / 316 ).

ثالثًا:

وقد استدل من قال من الفقهاء بامتداد مدة الحمل إلى سنوات كثيرة بأدلة، وأقوال، وآثار، لا يسلم منها شيء من النقد، وقد تتبعها ابن حزم رحمه الله بالتضعيف، والإنكار، ومن أشهر تلك الأدلة والآثار:

  1. عن أَبي ذَرٍّ قال: لَأَنْ أَحْلِفَ عَشْرَ مِرَارٍ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ هُوَ الدَّجَّالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ.

قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي إِلَى أُمِّهِ قَالَ: ( سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ) قَالَ: فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهَا فَقَالَ: ( سَلْهَا عَنْ صَيْحَتِهِ حِينَ وَقَعَ ) قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا ….

رواه أحمد ( 35 / 246، 247 ) وقال المحققون: ” حديث منكر، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الحارث بن حصيرة … وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا، وله غير حديث منكر … “.

وهذه اليهودية قد تكون واهمة، أو كاذبة – لو صحَّ قولها -، فليس هو كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الثابت عنه، وإلا لما ترددنا بالقول به.

  1. عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْلِ عَلَى سَنَتَيْنِ.

رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 3 / 322 )، والبيهقي في ” سننه ” ( 7 / 434 ).

وهو أثر ضعيف، فابن جريج مدلس، ولا يُعرف له سماع من جميلة، وجميلة مجهولة، لا يُعرف لها سماع من عائشة.

 

رابعًا:

وبخصوص من قال بما رجحناه:

  1. جاء في التوصيات الصادرة عن ” المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ” في موضوع ” أقصى مدة الحمل ” – الندوة الثالثة سنة 1987 م -:

يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة، والاعتبار: أن مدة الحمل بوجه التقريب: مائتان وثمانون يومًا، تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.

فإذا تأخر الميلاد عن ذلك: ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين, ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك، لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين, والرابع والأربعين, ومن النادر: أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.

ولاستيعاب النادر والشاذ: تُمد هذه المدة اعتبارًا من أسبوعين آخرين، لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يومًا, ولم يُعرف أن مشيمة قدِرت أن تمدَّ الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة, وقد بالغ القانون في الاحتياط مستندًا الى بعض الآراء الفقهية، بجانب الرأي العلمي, فجعل أقصى مدة الحمل: سنَة. انتهى.

  1. وقد ذكر الأستاذ عمر بن محمد بن إبراهيم غانم في خاتمة كتابه ” أحكام الجنين في الفقه الإسلامي ” النتائج التي توصل إليها، ومنها:

– إن أقصى مدة للحمل هي: سنَة قمرية واحد ، ولا عبرة لما ذهب إليه الفقهاء من أقوال تزيد عن هذه المدة، بنيت على الظنون، والأوهام، ولا أساس لها من الحقيقة، بل إن معطيات العلم الحديث تبددها.

انتهى

  1. وقال الدكتور محمد سليمان النور في مقاله ” مدّة الحمل بين الفقه والطب وبعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة “:

وترجح للباحث أنها ثلاثمائة وثلاثون يومًا، ويمكن أن تزيد إذا ثبت بالفحص ما يتسمى عند الأطباء بـ ” السبات “، وهو يحدث عندما يتم الحمل، وفي مرحلة ما يتوقف هذا الحمل عن النمو لفترة، لكنه موجود حيٌّ، وفق الفحوصات، والاختبارات الطبية، فتزيد مدة الحمل بقدر زيادته، واختلف الأطباء في أكثر مدة الحمل على ثلاثة آراء: أنها: عشرة أشهر، ( 310 ) يومًا، ( 330 ) يومًا، وهي آراء متقاربة، وأحوطها: الرأي الأخير، وعلل بعض الأطباء حكايات الحمل الممتد لسنين بعدة تعليلات، وهي: الحمل الوهمي أو الكاذب، الخطأ في الحساب من بعض الحوامل، ظهور أسنان عند بعض المولودين حديثًا، موت الحمل في بطن أمه وبقاؤه فيها مدة طويلة، عدم صحة هذه الأخبار.

وذهبت قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة، ومشروعات قوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية: إلى أن أكثر مدة الحمل: سنًة واحدة.

” مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويتية “، عدد شعبان، 1428 هـ.

  1. وقال الدكتور عبد الرشيد بن محمد أمين بن قاسم:

وبالتأمل في الأقوال السابقة: يظهر لي: أن أقصى مدة الحمل التي تبنى عليها الأحكام الشرعية: هي المدة المعهودة، تسعة أشهر، والتي قد تزيد أسابيع محدودة، كما هو الواقع، أما المدد الطويلة: فهي نادرة، والقاعدة الفقهية أن ” الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها “، والقاعدة: ” العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له “، والواقع المعاصر يبدِّد وهم القائلين بامتداد حمل امتد لسنوات، حيث يولد في العام الواحد عشرات الملايين من البشر، ولو قدِّر وجود أمثال هذا الحمل: لتناقلته وسائل الإعلام، والأطباء، حيث أنهم يهتمون بنقل ما هو أقل من هذا الحدَث بكثير، وقد اختار هذا الرأي: عامة الباحثين المعاصرين، الذين تناولوا هذه المسألة.

” أقل وأكثر مدة الحمل، دراسة فقهية طبية ” ( ص 10 ) – ترقيم الشاملة -.

 

وعليه:

فالذي نراه صوابًا: هو ما سبق ذِكره، وأنه لا ينبغي أن تزيد مدة حمل المرأة عن سنَة قمرية واحدة، ومرجع هذه المسألة: هو الحس، والواقع المشاهَد، وهو عمل الأطباء، ولا يمنع هذا الذي رجحناه وجود حملٍ لأكثر من هذا، لكنه نادر، ولا ينبغي جعل النادر قاعدة، ولا عدده حدًّا أعلى، لكن لا بدَّ من ثبوت ذلك باليقين، وبخصوص مسألتنا: لا بدَّ أن يكون الحمل ثابتاً قبل وفاة الزوج، أو تطليقه.

 

* قال ابن رشد – رحمه الله -:

وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة، والتجربة، وقول ابن عبد الحكم، والظاهرية: هو أقرب إلى المعتاد، والحُكم: إنما يجب أن يكون بالمعتاد، لا بالنادر ، ولعله أن يكون مستحيلًا.

” بداية المجتهد ” ( 2 / 358 ).

 

* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عُرف من أمر النساء.

” الاستذكار ” ( 7 / 170 ).

 

والله أعلم.

 

 

التفصيل في حكم ” عقود الصيانة ” ومتى يكون لها حكم ” التأمين التجاري “

التفصيل في حكم ” عقود الصيانة ” ومتى يكون لها حكم ” التأمين التجاري ”

السؤال:

بعدما سمعت أن بعض المشايخ أجازوا ” التأمين التجاري ” بحكم أنه يشبه حماية القوافل في الماضي: خطر في بالي هذا التساؤل:

ما الفرق بين التأمين التجاري، وعقود الصيانة العامة؟ وأعني بعقود الصيانة: هي أنني صاحب منشأة حكومية – كوزارة التجارة مثلًا – أكتب عقدًا مع شركةٍ ما للصيانة، أدفع لها سنويًّا مبلغًا وقدره مليون ريال – مثلًا -، ومقابل هذا المبلغ: أتكفل بصيانة الكهرباء، والسباكة، من ناحية أجور اليد فقط – وقد يكون حساب القطع عليهم، أو على شركة الصيانة -، طبعًا وقلْ مثل ذلك في صيانة أجهزة الحاسب الآلي للشركات الكبرى، أو البنوك، وقل مثله في عقود صيانة البرامج المحاسبية – مثلًا -….  الخ.

أرجو أن تكون الصورة وضحت.

إذا كان هذا العقد جائزًا: فما الفرق بينه وبين عقد التأمين التجاري؟ شركة التأمين تأخذ مني مبلغًا مقابل أن تصلح لي سيارتي، وشركة الصيانة تأخذ من الوزارة مبلغًا مقابل إصلاح ما فسد في السباكة، والكهرباء.

شركة التأمين لديها التزامات مالية – تكاليف قانونية، استئجار معارض، موظفون، معدات، وأجهزة … الخ -، وشركة الصيانة لديها التزامات مالية – تكاليف قانونية، موظفون، معدات، وأجهزة … الخ -.

فما الفرق بينهما؟ هذا ما دار في نفسي من تساؤل.

  1. هل هناك فرق دقيق بينهما لم أنتبه إليه يجيز عمل شركة الصيانة، ويحرم عمل شركة التأمين؟ .
  2. إذا كان عمل شركة الصيانة حرامًا: فمعناه أن كل مال تساهم به في هذه الشركة هو مال حرام، هل هذا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” عقود الصيانة ” من العقود المستحدثة، وقد اختلف العلماء في تخريجها على ما يناسب حالها من أبواب الفقه، وبسبب اختلاف صور عقود الصيانة: فإنه تختلف تبعًا لذلك أحكام تلك العقود، فليست كل عقود الصيانة جائزة، بل منها ما هو محرَّم لا يحل إنشاؤه.

 

 

ويمكننا جمع أشهر صور تلك العقود مع بيان أحكامها فيما يأتي:

  1. أن تتكفل الشركة البائعة للجهاز بالصيانة الدورية، أو بالصيانة في حال حدوث خلل فيه، وقد تكون الصيانة مجرد إصلاح، وقد تكون مع وضع قطع بديلة لما يتلف منها، على أن تكون هذه القطع البديلة يسيرة لا يعتبر العاقدان لها حسابًا في العادة.

وحكم تلك الصور جميعها: الجواز، ويجوز للشركة البائعة أن ترفع سعر بيع الجهاز إن كان مشتملًا على تلك الخدمات.

  1. أن تتكفل ” شركة صيانة ” – وليس الشركة البائعة – بالفحص الدوري على الجهاز – أسبوعيًّا، أو شهريًّا – مقابل مبلغ معيَّن، ويُعرف في العقد عدد الأجهزة المراد فحصها وصيانتها، وتعرف نوعية الصيانة، ويكون العقد لمدة محدودة.

وحكم هذا العقد: الجواز، ويخرَّج على عقود ” الإجارة “، ويشترط لجوازه – بالإضافة لما سبق – أن لا يشتمل عقد الفحص والصيانة على توفير قطع غيار لما يتلف من قطع الجهاز، وإلا صار عقد مقامرة.

فإن كانت المواد المستعملة في الصيانة يسيرة لا يُحسب لها حساب في العادة، أو كانت معروفة أنها من لوازم الصيانة، أو كانت المواد – من قطع غيار وغيرها – على صاحب الجهاز: لم يكن ذلك بمانع من القول بحل ذلك العقد، فهو عقد جائز.

  1. أن يشتمل عقد الصيانة مع الفحص الدوري على استبدال القطع التالفة بأخرى جديدة.

وحكم هذا العقد: التحريم؛ لأنه يشتمل على الغرر الفاحش، وهو عقد مقامرة، فقد يكون ثمن القطع الجديدة أضعاف قيمة عقد الصيانة، وقد لا تحتاج الأجهزة لتبديل قطع شيء منها، وصاحب الجهاز في هذه الحال إما أن يكون ” غانمًا” ، أو ” غارمًا”، وهذا هو ضابط عقود المقامرة، فيغنم صاحب الجهاز في حال حصوله على قطع غيار بأكثر مما دفعه لشركة الصيانة، وقد يغرم بأن لا تحتاج أجهزته لقطع غيار، فيضيع عليه ما دفعه لهم.

وهذه الصورة من عقود الصيانة تشبه ” عقود التأمين التجاري المحرَّم.

  1. أن يكون عقد الصيانة ليس دوريًّا، ولكن على حسب حصول الخلل في الأجهزة المعقود عليها، فإذا حصل خلل فيها: تمَّ استدعاء شركة الصيانة، وإن لم يحصل خلل: لا يأتي أحد لرؤيتها.

وحكم هذا العقد: التحريم، وهو عقد مقامرة، وقد سبق البيان في توضيح ذلك في النقطة السابقة، وفي هذا الحال فإن الغنم لصاحب الجهاز بكثرة تعطل الجهاز، وكثرة مجيء شركة الصيانة لصيانته، ويحصل له الغرم في حال انتهاء العقد دون حصول خلل في الجهاز.

 

 

ومثله – للفائدة -:

العقود التي تُجرى مع أطباء، أو مستشفيات، فما كان منها معقودًا على فحص دوري: فهو جائز، وما كان منها عند حصول طارئ، أو حدوث مرض، أو كان العقد مشتملًا على أدوية: فهو عقد محرَّم؛ لأنه عقد غرر، وميسر – مقامرة -.

وهذه الصورة – أيضًا – من عقود الصيانة تشبه ” عقود التأمين التجاري المحرَّم.

 

ثانيًا:

وأما الفتاوى الواردة عن اللجان العلمية، والمشايخ فيما سبق ذِكره وتفصيله: فنذكر منها:

  1. قرار ” مجلس مجمع الفقه الإسلامي “:

ففي قرار رقم: 103 ( 6 / 11 ) بشأن ” عقد الصيانة ” قال ” المجمع “:

الحمد لله رب العالمين، والسلام على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله ، وصحبه، وسلم.

أما بعد:

فإن ” مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي ” المنبثق عن ” منظمة المؤتمر الإسلامي ” في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من 25 – 30 رجب 1419 هـ ( 14 – 19 نوفمبر 1998 ) : بعد اطِّلاعه على الأبحاث المقدمة إلى ” المجمع ” بخصوص موضوع ” عقد الصيانة “، واستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله:

قرر ما يلي:

أولًا: عقد الصيانة هو عقد مستحدث مستقل تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود، ويختلف تكييفه، وحكمه، باختلاف صوره، وهو في حقيقته عقد معاوضة، يترتب عليه التزام طرف بفحص وإصلاح ما تحتاجه آلة، أو أي شيء آخر، من إصلاحات دورية، أو طارئة، لمدة معلومة ، في مقابل عِوض معلوم، وقد يلتزم فيه الصائن بالعمل وحده، أو بالعمل والمواد.

ثانيًا: عقد الصيانة له صور كثيرة، منها ما تبين حكمه، وهي:

  1. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر، يلتزم فيه الصائن بتقديم العمل فقط، أو مع تقديم مواد يسيرة لا يعتبر العاقدان لها حساباً في العادة.

هذا العقد يكيَّف على أنه عقد إجارة على عمل، وهو عقد جائز شرعًا، بشرط أن يكون العمل معلوماً، والأجر معلومًا.

  1. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر، يلتزم فيه الصائن تقديم العمل، ويلتزم المالك بتقديم المواد.

تكييف هذه الصورة، وحكمها: كالصورة الأولى.

  1. الصيانة المشروطة في عقد البيع على البائع لمدة معلومة.

هذا عقد اجتمع فيه بيع وشرط، وهو جائز، سواء أكانت الصيانة من غير تقديم المواد، أم مع تقديمها.

  1. الصيانة المشروطة في عقد الإجارة على المؤجر، أو المستأجر.

هذا عقد اجتمع فيه إجارة وشرط ، وحكم هذه الصورة: أن الصيانة إذا كانت من النوع الذي يتوقف عليه استيفاء المنفعة: فإنها تلزم مالك العين المؤجرة من غير شرط، ولا يجوز اشتراطها على المستأجر، أما الصيانة التي لا يتوقف عليها استيفاء المنفعة: فيجوز اشتراطها على أيٍّ من المؤجر، أو المستأجر، إذا عُيِّنت تعيُّنًا نافيًا للجهالة.

وهناك صور أخرى يرى ” المجمع ” إرجاءها لمزيد من البحث، والدراسة.

ثالثًا: يشترط في جميع الصور: أن تعيَّن الصيانة تعيينًا نافيًا للجهالة المؤدية إلى النزاع، وكذلك تبيين المواد إذا كانت على الصائن، كما يشترط تحديد الأجرة في جميع الحالات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.

” مجلة المجمع ” ( العدد الحادي عشر ج 2، ص 5 ).

  1. * سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

صاحب شركة صيانة سيارات يسأل عن عقد الضمان وصورته: أن يتعاقد صاحب شركة الصيانة مع صاحب معرض سيارات مستعملة، أو ما يسمَّى بصالات السيارات المستعملة، وخاصة المستوردة من الخارج، فيقوم صاحب الشركة بفحص السيارة، ويعطي شهادة ضمان على السيارة السليمة مدة محددة على حسب صلاحية السيارة، على أن يدفع صاحب المعرض – أو الصالة – مبلغًا مقطوعًا مرة واحدة، ويتكفل صاحب الشركة بضمان السيارة تلك المدة المحددة بحيث لو حصل للسيارة عطل: فإن مشتري السيارة من المعرض يرجع على صاحب الشركة الضامنة، فتقوم بإصلاح السيارة بدون دفع مال، بشرط أن لا يقوم المشتري عند حصول عطل بإصلاح السيارة في مكان آخر.

ويستثنى من الأعطال ما هو خارج عن الإرادة مثل حوادث السيارات.

فأجاب:

نرى أن مثل هذا لا يجوز ؛ فإنه داخل في عمل ” التأمين ” الذي رَجَّح العلماء عدم جوازه؛ وذلك لأن صاحب المعرض – أو صاحب صالات السيارات – يدفع مبلغاً محددًا لشركة الصيانة، سواءً حصل أعطال، أو لم يحصل، فتارة لا يحصل تعطيل لهذه السيارات: فيأخذ صاحب شركة الصيانة ذلك المال من صاحب المعرض في غير مقابل، ولا يرد عليه شيئًا؛ حيث لا يحصل ما يحتاج إلى الإصلاح.

وأحيانًا قد يحصل تعطيل كثير في السيارات، ينفق عليها صاحب شركة الصيانة أموالًا طائلة أكثر مما دفعه له صاحب صالات السيارات المستعملة، فيتضرر صاحب الشركة، ثم إن هذا التعاقد، وهذا الضمان قد يسبِّب أن أكثر المشترين يتهورون، ويخاطرون في مسيرهم، فتكثر الحوادث، ويحصل أنواع التعطيل، وإذا نصحوا باستعمال الرفق يحتجون بأن السيارة مضمونة لمدةٍ محددة كسنَة، أو أكثر.

فعلى هذا نقول: إن على صاحب المعرض – أو ما يسمى بصالات السيارات المستعملة – سواءً مستوردة من الخارج، أو غير مستوردة: أن يفحص سياراته بنفسه، أو يستأجر عُمَّالًا يفحصونها، ويصلحون ما فيها من الأخطاء، ثم يبيعونها، ولا بأس أن يضمنوا للمشتري إصلاحها لمدة محددة، ولأشياء خاصة، باستثناء الحوادث المرورية، وما أشبهها.

” الفتوى رقم 816 ” من موقع الشيخ رحمه الله.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=816&parent=4193

وفتوى الشيخ رحمه الله مطابقة لوضع الصورة الرابعة التي ذكرناها سابقًا، وهي الصيانة عند حدوث الخلل في الجهاز المباع.

وما ذكره أخيرًا – رحمه الله – يطابق وضع الصورة الأولى، وهو ضمان التصليح من الشركة البائعة للجهاز – أو الآلة -، بخلاف ما قبله فإن الضمان فيها على ” شركة الصيانة ” لا على ” الشركة البائعة “.

  1. وقال الشيخ سامي السويلم – حفظه الله -:

إذا كانت الشركة البائعة للأجهزة هي التي تقوم بالصيانة: فلا مانع من ذلك، ولا مانع من أن يختلف المبلغ المدفوع للصيانة تبعًا لاختلاف الخدمة ذاتها، أما أن تقوم شركات بالصيانة غير الشركات التي باعت السلعة: فلا يجوز؛ لأنه يكون صورة من صور التأمين التجاري المحرم، وبذلك يتبين حكم عقد الصيانة، فالضمان الذي تقدمه شركة الصيانة تابع للعمل الذي تقوم به، وهو عمل الصيانة الدورية، وهذه الصيانة الدورية من شأنها أن تقلل من احتمالات وقوع الخلل، ومن ثم تقلل من الحاجة للضمان ابتداء، أما إذا كان عقد الصيانة مجرد ضمان بلا عمل يدرأ الخطر: فهو تأمين تجاري بحت.

http://almoslim.net/node/54932

 

 

 

 

ثالثًا:

وما ذكرناه سابقًا من صور عقود الصيانة الجائزة لا ينطبق على أمرين:

أ. على المؤسسات الربوية كالبنوك، أو المصانع التي تنتج المحرمات، كمصانع الخمور، والدخان، أو الشركات التي تبيع المنكرات، كشركات اللحوم والدجاج التي تُذبح بغير طريقة شرعية، أو مواقع الإنترنت ومنتدياتها التي تدعو لبدعة، أو فسق، أو فجور، أو الممتلكات التي تعود لأشخاص يستعملونها في المعصية، أو البدعة.

 

ب. كما لا ينطبق ما ذكرناه من صور عقود الصيانة الجائزة على الأجهزة التي تستعمل في المحرمات، يقينًا، أو بغلبة الظن، كأجهزة التلفاز، أو أجهزة بث القنوات غير الإسلامية.

 

وبما سبق يتبين عدم دقة القول أن عقود الصيانة تشبه عقود التأمين التجاري المحرَّم  فليس الأمر كذلك مطلقًا، ولا هو بالمنفي مطلقًا.

 

والله أعلم.

 

 

شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم )

السؤال:

شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم ) ومن هم الخلفاء في الحديث:

جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذهب نبي خلفه نبي، وأنه ليس كائن بعدي نبي فيكم، قالوا: فما يكون يا رسول الله؟ قال: تكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم )

أرجو أن تشرحوا لي هذا الحديث، وهل هناك خلفاء في يومنا هذا؟ وهل يوجد اليوم من يجب علينا معاملته كخليفة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنْه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ). رواه البخاري ( 3268 ) ومسلم ( 1842 ).

وأما شرحه:

* فقد قال الحافظ العيني – رحمه الله -:

قوله ( تسوسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) أي: تتولى أمورهم، كما تفعل الأمراء، والولاة، بالرعية.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه؛ وذلك لأنهم كانوا إذا أظهروا الفساد بعث الله نبيّاً يزيل الفساد عنهم، ويقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غيَّروا من حكم التوراة .

قوله: ( خَلَفَه نبي ) بفتح اللاَّم المخففة، يعني: يقوم مقام الأول، والخلَف بفتح اللام، وسكونها: كلُّ مَن يجيء بعد مَن مضى، إلا أنه بالتحريك: في الخير، وبالسكون: في الشر، قال الله تعالى ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِم خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ).

قوله ( لا نبي بعدي ) يعني: لا يجيء بعدي نبي فيفعل ما يفعلون.

قوله ( خلفاء ) جمع خليفة.

قوله ( فيكثرون ) بالثاء المثلثة من الكثرة، وحكى عياض عن بعضهم بالباء الموحدة، وهو تصحيف، ووجه: بأن المراد إكبار قبايح فعلهم.

قوله ( فُوا ) بالضم، أمرٌ لجماعة مِن ” وفى، يَفي ” والأمر منه: ” فِ، فِيَا، فُوا “.

قوله ( بيعة الأول فالأول ) معناه: إذا بويع لخليفة بعد خليفة: فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني: باطلة، يحرم الوفاء بها، سواء عقدوا للثاني عالِمين بعقد الأول، أو جاهلين، وسواء كانا في بلديْن، أو أكثر، وسواء كان أحدهما في بلد الإمام المنفصل، أم لا.

ولم يبين حكم الثاني في هذا، وهو مبيَّن في رواية أخرى: ( فاضربوا عنقه )، وفي رواية أخرى ( فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان.

قوله ( أعطوهم حقَّهم ) أي: أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة؛ فإن الله يحاسبهم بالخير والشر عن حال رعيتهم.

” عمدة القاري ” ( 16 / 43 ) باختصار يسير.

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، أي: تُبعث فيهم الأنبياء، فيصلحون من أحوالهم، … فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له الخلفاء، خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.

ولهذا قال ( سيكون خلفاء ويكثرون، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ ) يعني: مَن نَفِي ببيعته؟ قال: ( الأول فالأول ) فإذا بايعوا الخليفة: وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كل من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على مَن أراد الخلافة في حياته؛ لأن كل من نازع السلطان في سلطانه: فإنه يجب أن يقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة؛ فإن الناس لو تُركوا فوضى وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزبًا يقاتل به السلطان: فسدت الأمور.

وفي آخر الحديث حمَّل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمَرَنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، وأن نسأل الله الذي لنا، لا نقل ” هؤلاء ظلموا “، ” هؤلاء جاروا “، ” هؤلاء لم يقوموا بالعدل “، ثم ننابذهم، ولا نطيعهم فيما أَمرنا الله به، لا ، هذا لا يجوز فيجب أن نوفي لهم بالحق وأن نسأل الله الحق الذي لنا ….

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسوسهم الأنبياء ): دليل على أن دين الله – وهو دين الإسلام – في كل مكان، وفي كل زمان: هو السياسة الحقيقية النافعة، وليس السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.

السياسة – حقيقية -: ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول: إن الإسلام شريعة وسياسة، ومَن فرَّق بين السياسة والشريعة: فقد ضل.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 634 – 637 ) باختصار.

وقد حصل ما قاله صلى الله عليه وسلم من كثرة الخلفاء، لذا قال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

” شرح مسلم ” ( 12 / 231 ).

ثانيًا:

والأصل أن يكون للمسلمين في جميع أقطار الأرض – ولو تباعد بعضها عن بعض – خليفة واحد، وله في الأمصار أمراء، ونوَّاب، وبعض أهل العلم جوَّز وجود خليفتين في الأقطار المتباعدة، وفي العصور الأخيرة فُرض واقع البيعة للخليفة والإمام على كل قُطر، ولو كان الآخر قريبًا منه، وهو واقعنا الحالي، ولا يختلف علماء العصر في السمع والطاعة للمسلم المتولي عليهم ، الذي يحكمهم بالقرآن والسنَّة ؛ إذ هذه هي الإمارة، كما عرَّفها الماوردي رحمه الله حيث قال في ” الأحكام السلطانية ” ( ص 3 ): ” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدِّين، وسياسة الدنيا “، وفي الحديث إشارة إلى هذا التعريف، حيث يقوم السلطان مقام النبي الحاكم من بني إسرائيل، وحيث لا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم: فالسلطان يقوم مقام النبي في حراسة الدين، ويقوم بوظيفة الحاكم بسياسة الدنيا، كما أنه يقوم العلماء بوظيفة النبي في التعليم، ولذا جاء في الحديث ( العُلُمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فحيث وُجد الحاكم المسلم الذي يتبنى الشرع دينًا، ويقوم على حراسته، وتنفيذه: فهو من خلفاء النبوة، وتجب له البيعة، والطاعة، ولو تعدد هؤلاء السلاطين والحكام في الأقطار، وأما في البلد الواحد: فلا يجوز أن يبايع لخليفتين، بل البيعة للأول منهما.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه، مربوطة به، كما كان في أيام الصحابة، والتابعين، وتابعيهم: فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول: أن يُقتل إذا لم يتب عن المنازعة، وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد: فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على الخلاف: كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.

وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه: فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلى إمام، أو سلطان، وفي القطر الآخر – أو الأقطار – كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر، ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله: كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار؛ فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها، أو سلطانها، ولا يدرى من قام منهم، أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه: تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد؛ فإن أهل الصين، والهند: لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، فضلًا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمين، وهكذا العكس، فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفَرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن: أوضح من شمس النهار، ومَن أنكر هذا: فهو مباهت، لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها.

” السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ” ( ص 940، 941 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك

حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك

السؤال:

لدي مشكلة غريبة جدًّا، زوجي الذي يتميز بطبعه الحريص جدًّا، لديه طابع سيء جدًّا، فعندما تواجهنا بعض الصعوبات: يقول أشياء مثل: ” لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟ “، و ” إن الله تعالى يستهزئ بنا، وهو الآن يضحك علينا!! ” ( أستغفر الله )، ولكنني أرى هذه الصعوبات كفارة لسيئاتنا، أما هو فليس عنده سوى هذه الكلمات، وإنني في هذه الحالة أظل صامتة؛ لأنني من خلال تجربتي معه: رأيت أن محاولة إسكاته تزيد الطين بلة، أما إن بقيت صامتة: فإنه يسكت بعد جملة، أو جملتين.

وسؤالي هو: هل أفعل الصواب؟ أشعر أنه عليَّ إسكاته بطريقة ما، وأن أجعله يظل صامتًا، ولكنني بالفعل لا أدري ماذا أفعل؟ أسأل الله تعالي أن يغفر لزوجي، ولكن ماذا ترى أني فاعلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قاله الزوج عظيم في حق الله، يبعث على الأسى، ويصيب القلب بالكمد ، فكيف لمسلم أنعم الله تعالى بخير دين، وأنعم الله بنعَم لا يمكنه إحصاءها، ثم يأتي ويعترض على قدر الله تعالى، ويطعن بحكمته؟! إنها لإحدى الكُبَر، ثم لا يكتفي بهذا حتى يجعل ربه تعالى في موقف الساخر منه، المستهزئ به، الضاحك عليه! فكيف يجرؤ من أنعم الله عليه بلسان يتكلم أن ينطق بهذا؟! وكيف لمنتسب للإسلام أن يتفوه بذلك الكلام العظيم في حق ربه عز وجل؟!.

إن ما قاله الزوج من الاعتراض على قدر الله تعالى، والطعن بحكمته، وسؤاله لماذا يفعل الله معنا هكذا “: فهو من التسخط على قدر الله، وهو من كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة ؛ فهو طريق موصل إلى الردة، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى ( لاً يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلونَ ) الأنبياء/ 23.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). رواه الترمذي (2396) وابن ماجه (4031)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

 الناس حال المصيبة على مراتب أربع:

المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:

النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه : فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ).

النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل، والثبور، وما أشبه ذلك ، وهذا حرام.

النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 110 ).

ثم إن العبد إذا ابتليَ بالمصائب لم يكن ذلك علامة على أنه غير مرضي عند الله، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير الناس، وأعلم الناس، وأخشاهم، وأتقاهم، قد ابتلي كثيرًا، فاتهم في عقله، وطعن في عرضه، وجُرح وكُسرت رَباعيته، مع ما لاقاه صلى الله عليه وسلم من الأذى من كفار قريش، وسفهاء الطائف، وغيرهم، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنه قال ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) رواه أحمد.

فالمتسخط على قدر الله تعالى، وعلى ما ابتلاه به من شدَّة وصعوبة: قد أخطأ في ظنه أنه ما ابتلاه الله إلا من سخطه عليه، لذا فإن الصبر على ما يقدره الله تعالى على العبد: من واجبات الإيمان المحتمات، والرضا به من المستحبات، والتسخط من المحرمات.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – تعليقًا على الحديث السابق وما في معناه -:

و في هذه الأحاديث: دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيمانًا: ازداد ابتلاء، وامتحانًا، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام، الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء، كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة، ونحوها: أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! و هو ظن باطل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر: كان أشد الناس – حتى الأنبياء – بلاءً ، فالبلاء – غالبًا – دليل خير، وليس نذير شر.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 144 ).

ثانيًا: وإن تصوير زوجكِ الربَّ تعالى بما قاله في حقه: من استهزائه به، وضحكه عليه: كل ذلك من الكفر المخرج من الملة؛ لدخوله في تنقيص قدر الرب تعالى، ولدخوله في حكم الاستهزاء به عز وجل، ولتشبيه الله تعالى بأفعال الناقصين من البشر، وكل ذلك كفر بالله تعالى ، لا يُختلف فيه.

قال تعالى: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 65.

ولو كان مثل الوصف منه في حق النبي صلى الله عليه وسلم لكان كفرًا بإجماع المسلمين، فكيف وقد جعله في الله تعالى؟!.

– ولينظر الإجماع في كفر المنتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم: في أجوبتنا الأخرى.

وليس شرطًا أن يكون ذلك الزوج عالماً أنه قد جاء بالكفر المخرج من الملة، فالحكم على فعله وقوله هو للشرع، وليس له.

* شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في شرح الآيات السابقة -:

فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله: كفرٌ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرَفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 273 ).

ثالثًا:

ولذا فعلى الأخت السائلة أن تعلم هذا، وأن تُخبر به زوجها، وعليها أن تطلب منه أن يتلفظ بالشهادتين، ويتوب على ما صدر منه من كلمات، ويندم عليها، ويعزم على عدم العود لها ، أو لمثلها.

وإلى ذلك الحين: فنرى أنه يحرم على الأخت أن تمكنه من نفسها، وأن تظهر عليه بزينتها؛ لأن عقد الزوجية مفسوخ، حتى يعلن رجوعه إلى الإسلام، وتعتد منه حيضة واحدة، فإن رجع للإسلام خلال العدة: فتعود له زوجته بالعقد الأول، ولا حاجة لتجديده، فإن انقضت العدة: فالأمر إليها، إن شاءت رجعت له على العقد الأول، وإن شاءت رفضته، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة.

 

والله أعلم.