الرئيسية بلوق الصفحة 69

حكم قبول التبرعات من الكفار ومؤسسات التنصير للإعمار وبناء المساجد بها

حكم قبول التبرعات من الكفار ومؤسسات التنصير للإعمار وبناء المساجد بها

السؤال:

يوجد هناك بعض الشركات – وأيضًا بعض الحكومات غير المسلمة – التي تُعنى بما يسمَّى ” إعادة إعمار ” بعض بلاد المسلمين، التي تقع تحت الاحتلال، كالعراق، وفلسطين، وعادة ما يكون من بين البرامج : ” بناء مساجد “، علمًا أن الدولة القائمة على البرنامج دولة إما محتلة، أو حاقدة على الإسلام، كما أن هناك مساعدات كثيرة تأتي من قبل جمعيات تنصيرية، فهل هناك حرج على من يعمل ضمن هكذا برامج، أو على من يتلقى هكذا مساعدات؟.

جزاكم الله عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل الهدية من الكفار، وخاصة ممن يتألف قلبه من أهل الكتاب منهم.

* وقد ورد ما يدل على عدم جواز قبول الهدية من الكفار:

عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً، فَقَالَ: (أَسْلَمْتَ؟ ) فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ). رواه الترمذي ( 1577 ) وأبو داود ( 3075 )، وصححه الالباني في “صحيح الترمذي “.

* وأجيب عن ذلك بأجوبة كثيرة، أقواها:

” بأن الامتناع في حق من يريد بهديته: التودد والموالاة، والقبول: في حق من يُرجى في بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام.

وهو الجمع الذي يظهر أنه ارتضاه الحافظ ابن حجر رحمه الله، كما في ” فتح الباري ” ( 5 / 231 ).

ووقع بين العلماء خلاف في هدايا الكفار الحربيين، والصحيح: جواز قبول هداياهم، وأن ما أُهدي منهم أثناء الحرب للخليفة أو قوَّاد الجيش: فيعد من الغنائم، وإن كانت الهدية من ذات دار الحرب لأحد من المسلمين: فهي لمن أُهديت إليه.

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل هدية ” المقوقس صاحب مصر “، فإن كان ذلك في حال الغزو: فقال أبو الخطاب: ما أهداه المشركون لأمير الجيش، أو لبعض قوَّاده: فهو غنيمة؛ لأنه لا يَفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين.

فظاهر هذا: أن ما أُهدي لآحاد الرعية: فهو له، وقال القاضي: هو غنيمة أيضًا.

وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام: فهو لمن أهدي له سواء كان الإمام، أو غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قبِل الهدية، فكانت له دون غيره، وهذا قول الشافعي، ومحمد. ” المغني ” ( 10 / 556 ).

ثانيًا:

والذي ورد في السؤال أن أصحاب الأموال المتبرع بها في إعمار بعض الدول الإسلامية مختلفون، فمنهم شركات تجارية، ومنهم الدولة المحتلة نفسها، ومنهم دول كافرة، ومنهم جمعيات تنصيرية، ولا شك أن بينها تفاوت في الحكم، وإن كنا نود أن لا نجيب على هذا السؤال إلا بالمنع المطلق من قبول أي شيء من أولئك الكفار، المحتلين، والمعادين، والمنصرِّين، لكننا نعلم الأوضاع المؤسفة للمسلمين الذي لا يقفون مع إخوانهم كما ينبغي حتى لا يحتاجوا لدينار من كافر، ونعلم السيطرة لبعض تلك الدول والمؤسسات على الهيئات العالمية، وكثير من الدول الإسلامية، بما لا يستطيع أحد منعها من مزاولة الإعمار لما قاموا بتخريبه وهدمه هم أنفسهم!.

وبسبب هذا الحال رأينا وضع ضوابط في قبول تلك الأموال من جميع أولئك الكفار، وغيرهم، وحتى لو كانت تلك الأموال ستصرف في بناء المساجد، لمن كان عنده الإرادة والقدرة على تحقيق هذه الضوابط، ومنها:

  1. أن لا يكون مقابل تلك التبرعات والإعمارات تنازلات عن شيء من الدين، فلا يُقبل بناء قواعد عسكرية لهم في أرض المسلمين، ولا يُقبل بناء كنائس، ولا يُقبل شرط اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العلم، وغير ذلك مما فيه مخالفة لأحكام الشرع.
  2. لا يجوز قبول الأموال المحرَّمة لذاتها، كمالٍ جُمع من ضرائب وغرامات من غير وجه حق، وكخمور، ولحم خنزير، وغير ذلك مما يشبهه.
  3. لا يجوز أن يكون للكفار ولاية على الأوقاف عمومًا، ولا على المساجد على وجه الخصوص.
  4. أن لا يكون في قبول تبرعات المؤسسات التنصيرية تسويقا وتلميعًا ودعاية لهم، وبذل الوسع في عدم السماح لهم في مباشرة توزيع تلك التبرعات على المسلمين.
  5. أن تخلو التبرعات من ذل المسلمين، والاستطالة عليهم بها.
  6. وبخصوص المشاركين بأعمالهم في الإعمار: فإنه لا يجوز أن يُشاركوا في إعمار أماكن تقام فيها بدعة، أو يُعصى الله فيها، فلا يجوز المشاركة مع أولئك الباذلين في بناء كنائس، أو بنوك، أو غيرها مما يقام فيها ما يخالف شرع الله.

 

 

وهذه طائفة من أقوال العلماء، وفيها بيان تلك الضوابط في قبول أموال الكفار:

1.*  قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتجوز عمارة كل مسجد، وكسوته، وإشعاله، بمالِ كلِّ كافرٍ, وأن يبنيه بيده, ذكره في ” الرعاية “، وغيرها  ” الفروع ” ( 10 / 344 ).

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عندنا مسجد يُبنى وبجواره نصارى، والنصارى إذا أرادوا التبرع في بناء المسجد بالمال هل على المسلمين أن يأخذوا المال منهم؟.

فأجاب:

إذا كان فيه شرط يخالف الشرع: فلا، أما التبرع المجرد: فإنه ليس فيه شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم قبَل كثيرًا من هدايا المشركين.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 237 ).

  1. * سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:

تسعى المؤسسة لجمع التبرعات من المراكز الإسلامية، والمساجد، وغيرها ، وتوجد مراكز وتجمعات لفرَق من غير أهل السنة والجماعة، مثل: البريلوية، الشيعة، الصوفية، الطرقية، وغيرهم ، فهل يجوز قبول صدقات وزكوات هؤلاء أم لا </رأس>؟.

فأجاب:

لا مانع من جمع التبرعات، والمساعدات، مِن كل مَن دفعها، سواء كان الدافع من أهل السنَّة، أو من المبتدعة، وسواء كان مسلمًا، أو نصرانيًّا، فإذا جمعت: فإنَّه يخصص بها أهل السنَّة، وأهل التوحيد، ولا يصرف منها شيء لأهل البدع، كالبريلوية، والديوبندية، والقبوريين، والرافضة، وغلاة الصوفية، ونحوهم.

من موقع الشيخ حفظه الله .

http://ibnjebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12412&parent=786

  1. وجاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، قرار رقم : 53 ( 6 / 10 ): بشأن الاستفتاء الوارد من لجنة الإغاثة الدولية الإسلامية بأمريكا الشمالية:

هل يجوز أخذ تبرعات من غير المسلمين؟.

* فقالوا :

– وبعد تداول الرأي حيال ذلك: قرَّر المجلس ما يلى:

إذا كانت الإعانة بالأموال فقط، وكان جانبهم مأمونًا، ولم يكن في أخذها ضرر يلحق المسلمين، بأن ينفذوا لهم أغراضًا في غير صالح المسلمين، أو يستذلونهم بهذه الإعانة، وكانت خالية من ذلك كله، إنما هي مجرد مساعدة، وإعانة: فلا يرى المجلس مانعًا من قبولها، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير وهم يهود معاهَدون، خرج إليهم يستعينهم في دية ابن الحضرمي.

انتهى.

 

والله أعلم.

ما دور زوج الأم تجاه أولاد زوجته من حيث تربيتهم وتعليمهم؟

ما دور زوج الأم تجاه أولاد زوجته من حيث تربيتهم وتعليمهم؟

السؤال:

ما دور زوج الأم تجاه أبناء زوجته؟ ففي هذه الحالة والد ابنتي ليس مسلمًا، ولا يريد الإسلام، فهل يتولى زوجي مسألة تعليم ابنتي، وتربيتها؟ هل يسأله الله كيف رباها؟ وكيف يتعامل زوجي معها وأنا أشعر أنه لا يحبها، ولا يرتاح معها؛ لأن عمرها ثمان سنوات، وهي لم تتلق أي تربية إسلامية من البداية، وبالتالي سلوكها ليس قويمًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الابنة تتبع أمها المسلمة في دينها، ولا تتبع أباها الكافر، وهذا قول جمهور العلماء.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 310 ):

إذا اختلف دِين الوالدين، بأن كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا: فإن ولدهما الصغير، أو الكبير الذي بلغ مجنونًا: يكون مسلمًا، تبعًا لخيرهما دينًا. هذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. انتهى.

وعليه: فلا علاقة لوالدها غير المسلم بها من حيث الحضانة، والتربية, وإنما مسئولية تربيتها، ورعايتها تقع على والدتها، دون غيرها.

ثانيًا:

وأما زوج أمها: فهو محرَّم عليه نكاح تلك الابنة إن كان قد دخل بأمها؛ لأن الابنة ربيبة له، والربيبة من المحرمات في الزواج على الرجل، بشرط أن يكون دخل بأمها، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ … وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) النساء/ من الآية 23.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يحرم على الرجل نكاح بنات المرأة المدخول بها، ويعتبر محرَماً لجميع بناتها ما قبل الزواج، وما بعده، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) إلى قوله: ( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ )، أما إذا لم يكن دخل بها: فليس محرَما لبناتها؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 346، 347 ).

ومن هنا فإنه لا مسئولية تُلقى على زوج الأم تجاه تلك الابنة من حيث التربية، والعناية بها، إلا أن يفعل ذلك عن طيب نفسٍ، ومن باب المعاشرة بالمعروف لأمها، وهو ما ننصحه بفعله؛ حتى يكسب الأجور العظيمة، والثواب الجزيل، وبخاصة إن علَم مدى حاجتها لذلك المعلِّم، والمربِّي، والموجِّه، وأن أباها ليس قائمًا على العناية بها، ولا رعايتها، وأن الأم أضعف من أن تتحمل المسئولية وحدها، وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حيث تزوج بنساء لهن أولاد، فتكفل بتربيتهم، والعناية بهم، وهذا نموذج من ذلك:

عَن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَال: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.

رواه البخاري ( 5061 ) ومسلم ( 2022 ).

وعمرو بن سلمة هو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من أبي سلمة، وكان وُلد في الحبشة حين هاجر والداه هناك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد: أنه يجب على الإنسان أن يؤدِّب أولاده على كيفية الأكل والشرب، وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ربيبه، وفي هذا حُسن خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليمه؛ لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده تطيش في الصحفة، ولكن علَّمه برفق، وناداه برفق ( يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك ). ” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 172 ).

وليعلم الزوج الفاضل أن عمر ابنة زوجته لا يزال في أوله، وأنه يمكنه أن ينجح في تنشئتها على الطاعة، والعفاف، من خلال كسب قلبها بالمعاملة الحسنة، وبالهدية، ولطف القول ، وإذا حصل الوئام بين الطرفين، وقويت المحبة بينهما: أمكن له أن يؤثِّر عليها بما يقوِّم أخلاقها، ويحسِّن سلوكها، وعليك أنت أيتها الزوجة دور عظيم في تحبيبها لزوجك، وفي تقوية العلاقة بينهما، وتصبير زوجك على تحمل أمرها، وتذكيره بالثواب العظيم في تربيتها، والعناية بها.

 

ونسأل الله أن يوفقكم لما خير دينكم ودنياكم، وأن يثبتكم على الهدى، وأن يرزقكم العفاف، والتقى.

 

والله أعلم.

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

السؤال:

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

بعث الله تعالى رسولَه بالهدى ودين الحق، ليكون للعالَمين بشيرا ونذيرًا، وقد أدَّى النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلَّغ الرسالة، وكان ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم نساء ورجال، وهكذا قام من بعده بوظيفة التبليغ والتعليم الصحابة، ومن بعدهم، وكان في تلامذتهم نساء ورجال، وقد كانت الأمور منضبطة بضابط الشرع في أمور التعلم والتعليم، بعيدا عن الاختلاط المحرَّم، وليس فيه كشف لوجوه من تتعلم وتعلِّم.

والإسلام لا يفرِّق بين الرجال والنساء في أبواب العلم والفتيا، بل ولا العبيد والأحرار، ولذا فقد نصَّ أهل العلم على شروط المفتي، ولم يذكروا من الشروط الذكورة، ولا يُعرف في هذا خلاف بينهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

شرط المفتي: كونه مكلفا، مسلما، ثقةً، مأمونًا، متنزها عن أسباب الفسق، وخوارم المرؤة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف، والاستنباط، متيقظا، سواء فيه الحر، والعبد، والمرأة، والأعمى، والأخرس إذا كتب، أو فُهمت إشارته. ” المجموع شرح المهذب ” ( 1 / 41 ).

وقد كان في هذه الأمة العظيمة من قام بواجب التعليم والفتيا من النساء، كما قام به من الرجال، نعم، إن عدد النساء لا يمكن مقارنته بالرجال بسبب طبيعة الرجل، وتعرضه للطلب عند الرجال، وسفره من أجله، لكن كل هذا لم يمنع من وجود نساء يقمن بمهمة التعليم، والفتيا، وعلى رأس أولئك النساء: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد كانت مقصد الرجال والنساء في الفتيا؛ بسبب قربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وذكائها، وفطنتها.

* قال ابن عبد البر في ” الاستيعاب ”  ( ص 609 ):

عن مسروق قال: رأيت مشيخةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض.

وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة.

وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة.

وقال الزهري: لو جُمع عِلْم عائشة إلى عِلْم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعِلم جميع النساء: لكان عِلم عائشة أفضل. انتهى.

وقد عدَّ ابن القيم رحمه الله المكثرين من الفتيا من الصحابة، وذكر منهم عائشة رضي الله عنها، وعدَّ أم سلمة رضي الله عنها من المتوسطين، وجعل أم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، من المقلِّين في الفتيا.

انظر ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 12 ، 13 ).

ونحن نسوق هنا من وصفها الإمام الذهبي بكونها ” عالِمة ” في كتابه ” سيَر أعلام النبلاء “، – غير من سبق ذِكره من الصحابيَّات – ونذكر ما تيسر من ترجمتها، ليقف القارئ على توكيد ما قلناه بالواقع، ومن هؤلاء:

  1. صفية بنت شيبة.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الفقيهة، العالمة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 507 ، 508 ).

  1. أم الدرداء.

قال الذهبي – رحمه الله -:

أم الدرداء، السيدة، العالمة، الفقيهة، هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى

روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة.

وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم، والعمل، والزهد.

قال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 277 ، 278 ).

  1. معاذة العدوية.

قال الذهبي – رحمه الله -:

معاذة بنت عبد الله، السيدة، العالمة، أم الصهباء العدوية البصرية، العابدة، زوجة السيد القدوة صلة بن أشيم.

روت عن علي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر.

حدث عنها: أبو قلابة الجرمي، ويزيد الرشك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن سويد، وأيوب السختياني، وآخرون.

أرّخ أبو الفرج ابن الجوزي وفاتها في سنة ثلاث وثمانين

” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 508 ، 509 ).

 

  1. بنت المحاملي.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

العالمة، الفقيهة، المفتية، أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل.

تفقهت بأبيها، وروت عنه، وعن إسماعيل الوراق، وعبد الغافر الحمصي، وحفظت القرآن، والفقه للشافعي، وأتقنت الفرائض، ومسائل الدور، والعربية، وغير ذلك، واسمها ستيتة.

قال البرقاني: كانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، وقال غيره: كانت من أحفظ الناس للفقهK ماتت سنة سبع وسبعين وثلاث مئة.

وهي والدة القاضي محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي.

” سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 264 ).

  1. كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم أم الكرام المرزوية.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، الفاضلة، المسندة، أم الكرام، قال ابن نقطة: نقلت وفاتها من خط ابن ناصر سنة خمس وستين وأربع مئة.

قلت: الصحيح موتها في سنه ثلاث وستين.

” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 233 ، 234 ).

  1. عائشة بنت حسن بن إبراهيم.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الواعظة، العالمة، المسندة، أم الفتح الأصبهانية، الوركانية.

قال ابن السمعاني: سألت الحافظ إسماعيل عنها، فقال: امرأة صالحة، عالمة، تعظ النساء. انتهى. ” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 302 ).

وذكر الذهبي رحمه الله وفاتها في ” العبر ” سنة 460 هـ.

  1. فاطمة الدقَّاق.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

فاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي، الحسن بن علي الدقاق، الشيخة، العابدة، العالمة، أم البنين، النيسابورية، أهل الأستاذ أبي القاسم القشيري، وأم أولاده.

حدث عنها: عبد الله بن الفراوي، وزاهر الشحامي، وأبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد حفيدها، وآخرون

ماتت في ذي القعدة، سنة ثمانين وأربع مئة، ولها تسعون سنة، رحمها الله.

” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 479 ، 480 ).

 

 

 

  1. بنت زعبل.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، المقرئة، الصالحة، المعمرة، مسندة نيسابور، أم الخير، فاطمة بنت علي بن مظفر بن الحسن بن زعبل بن عجلان البغدادي، ثم النيسابورية.

قلت: حدَّث عنها أبو سعد السمعاني، وأبو القاسم بن عساكر، والمؤيد بن محمد، وزينب الشعرية، وجماعة.

توفيت في أوائل المحرم، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وقيل: توفيت في سنة ثلاث وثلاثين. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 625 ).

  1. فاطمة بنت البغدادي.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، الواعظة، الصالحة، المعمرة، مسندة أصبهان، أم البهاء، فاطمة بنت محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن بن علي بن البغدادي الأصبهاني.

حدث عنها: السمعاني، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، ومحمد بن أبي طالب بن شهريار، وعبد اللطيف بن محمد الخوارزمي، ومحمد بن محمد بن محمد الراراني، وجعفر بن محمد آيوسان، وابن بنتها داود بن معمر.

وقال أبو موسى: توفيت في الخامس والعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة. ” سير أعلام النبلاء ” ( 20 / 148 ).

 

* وبعد:

فهذه طائفة من نساء فاضلات، عالمات، مفتيات، ولا يمنع الإسلام من تولي النساء الفتيا في الإسلام، وبما أن الرجال يكفون المئونة للرجال: فلا حاجة لأن تفتي النساء لهم، وتبقى الحاجة لهن في فتيا النساء، وبخاصة في المسائل التي تتحرج المرأة من سؤال الرجال عنها، أو يتحرج الرجل من التفصيل فيها، ولا يلزم من قولنا بجواز أن تكون المرأة مفتية: أن تزاحم المفتين من الرجال في أماكن عملهم، ولا أن يقصدها الرجال والنساء على السواء، والذي نراه تكرمة لهؤلاء العالمات المفتيات أن يكون لهن مكاتب خاصة بهن، يقصدهن النساء دون الرجال للسؤال عن الشرع، أو تفرَّغ في بيتها من قبَل الدولة، أو بعض المؤسسات الخيرية، لتقوم بمهمة الفتيا للنساء على الهاتف، أو عبر مواقع الإنترنت الخاصة بالنساء، وقد نفتي بالتوسع لها في إجابة طالبي الفتيا من الرجال والنساء: إذا كانت الإجابة عن طريق المراسلة، وتضيق إذا كانت عن طريق الهاتف، وتُمنع إن كانت مواجهة.

 

والله أعلم.

كان له ماضٍ سيء تاب منه وهي تشك بأنه باق على حاله فهل تفسخ الزواج منه؟

كان له ماضٍ سيء تاب منه وهي تشك بأنه باق على حاله فهل تفسخ الزواج منه؟

السؤال:

أنا عمري 27 سنة، مخطوبة من 7 شهور للمرة الثانية – الأولى كانت سنتين -، قبلتُ بالشخص الثاني، وكان صريحًا من البداية بأنه اعترف لي بماضيه السيء، وأنه تاب عنه، وصدَّقته، وبعد فترة: اكتشفت أنه يكلم صديقته التي كان يزنى معها، وحلف لي أنه لم يتم بينهم شيء، وأنه فعلاً تاب، وأن الشيطان وجدها أمامه لكى يرجع عن توبته، لكنه ما زال لا يريد فعل هذه الفحشاء، لكن المشكلة أني لا أصدقه، وطلبت فسخ الخطبة، ولكنه تأثر كثيرا، وهو للعلم يتيم الأبوين، ويعيش بمفرده، وهذا هو ما يجعلني أشك به أكثر – أي: عيشته وحده -، والمشكلة الأكبر أني غير قادرة على فسخ الخطبة نهائيّا؛ بسبب أن هذه المرة الثانية، والمكان الذي أسكن به شعبي، سكانه لا ترحم، بعد فسخ الخطبة الأولى تعالجتُ نفسيّا بسبب ما حدث من كل مما حولي، لذلك لا أريد ذلك ثانيا، أستخير ربنا، ولا أعرف، أمور تسير وأمور تقف، يوم أثق ويوم لا أثق، يوم أريده ويوم لا أريده، أخاف الله، وأتمنى زوجا صالحا، وأبا يراعي الله في أولاده، وفي زوجته، أخاف من ماضيه، وأخاف من تركه، الموضوع معلق، لا أستطيع حسم أمري، وفي حيرة شديدة، فماذا أفعل بالله عليكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يطلق لفظ اليتيم على الصغير الذي فقد أباه، فإن بلغ: لم يُطلق عليه ذلك اللفظ، ولم يستحق أحكام اليتيم.

عَن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ). رواه أبو داود ( 2837 )، ورجح بعض أهل العلم وقفه على علي بن أبي طالب، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والمراد بالاحتلام: خروج المني، سواء كان في اليقظة، أم في المنام، بحُلم، أو غير حلم، وهو من علامات البلوغ عند الذكور والإناث، وفي الغالب لا يحصل الإنزال إلا في النوم بحلم، ولذا أُطلق عليه الحُلُم، كما في قوله تعالى: ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) النور/ من الآية 59، وأطلق عليه الاحتلام، كما في هذا الحديث.

 

 

 

قال البغوي – رحمه الله -:

اليتيم: اسم الصغير لا أب له، له سهم من الخمس، فإذا بلغ: زال عنه اسم اليتيم، فلا يستحق ما يستحق بمعنى اليتم، والمراد من الاحتلام: البلوغ.  ” شرح السنة ” ( 9 / 200 ).

ولذلك بوَّب الإمام أبو داود على الحديث بقوله : ” باب ما جاء متى ينقطع اليتم ” .

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 99 ):

يتفق الفقهاء على أن البلوغ يحصل بالاحتلام مع الإنزال ، وينقطع به اليتم. انتهى.

ثانيًا:

لم يكن لخطيبك أن يعترف لك بماضيه الغابر، وكان الواجب عليه أن يستتر بستر الله، ولا يفضح نفسه، لا أمامك، ولا أمام غيرك، وإخبار أحد الزوجين للآخر بماضيه السيء من شأنه أن يفسد ما بينهما مستقبلا، كما في حالات كثيرة جدّا، وكما نبهنا عليه مرارا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 170 ، 171  ):

يندب للمسلم إذا وقعت منه هفوة أو زلّة أن يستر على نفسه، ويتوب بينه وبين اللّه عزّ وجلّ وأن لا يرفع أمره إلى السّلطان، ولا يكشفه لأحد كائنا ما كان؛ لأنّ هذا من إشاعة الفاحشة الّتي توعّد على فاعلها بقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )؛ ولأنّه هتك لستر اللّه سبحانه وتعالى، ومجاهرة بالمعصية. قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا هذه القاذورة، فمن ألمّ فليستتر بستر اللّه وليتب إلى اللّه، فإنّ من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه ) – رواه البيهقي ( 8 / 330 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 663 -.

وقال صلى الله عليه وسلم: ( كلّ أمّتي معافىً إلاّ المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملاً ثمّ يصبح وقد ستره اللّه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر اللّه عليه ) – رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ) -. انتهى.

ثالثا:

” الخطبة ” في اصلاح أكثر الناس والدول: أنها في المعقود عليها قبل الدخول، فيسمون هذه الفترة ” فترة الخطبة “، وهو في الحقيقة الشرعية: زواج، لكن لأنه لم يعلن الدخول: فثمة أحكام خاصة به، فيكون للمرأة نصف المهر إن حصل طلاق، ويُمنع الزوج من الدخول بها إلا بعد الإعلان عنه؛ لئلا يترتب عليه مفاسد يصعب حلها، وفسخ ” الخطبة ” هنا لا يكون إلا بالطلاق الشرعي.

وأما إن كان يُعنى بالخطبة: الرؤية الشرعية، ولم يتم بين الزوجين ووليها إيجاب، وقبول: فيكون – والحالة هذه – كلاهما أجنبي عن الآخر، ولم يجز لهما إلا الرؤية؛ من أجل القبول بإنشاء عقد الزوجية ، وهنا ليس شيء منعقد حتى يتم فسخه.

والذي ظهر لنا أن ما بينكما هو الخطبة على معناها الأول، فإن لم يكن الأمر كذلك: فلتحذروا من العلاقة بينكما؛ فإنها محرَّمة، إلا أن يكون ذلك من أجل الرؤية، والسؤال، كل منكما عن الآخر.

رابعًا:

وأما بخصوص مسألتك: فالذي شعرنا به هو صدق خطيبك – على المعنى الأول – في قوله، وأنه لو لم يكن كذلك لما أخبرك بماضيه، ولا أقسم لك على توبته؛ إذ ليس ثمة ما يلزمه بهما، واعترافه لك بحقيقة تكلمه مع تلك المرأة يدل – أيضا – على صدقه، هذا ما ظهر لنا، وحسابه على الله.

فمن أجل ذلك كله، ومن أجل ما عانيتِ منه في تجربتك الأولى: نرى أن تعيدي النظر في فسخ العلاقة بينكما، بل ننصح بتعجيل الزواج؛ حتى تقطعي الطريق على تلك الشيطانة أن تزين له إعادة العلاقة بينها وبينه، ومن أجل قطع الطريق على الشيطان بالوسوسة بما يسبب قطع العلاقة الشرعية بينكما، وإعادة كليكما إلى حال أسوأ مما كان عليه.

ولو أننا شعرنا بأنه عابث، وكاذب، أو علمنا منه ترك صلاة، أو فعل فواحش: لما ترددنا بنصحك بتركه، ولو أدى ذلك إلى مرضك نفسيّا، وبدنيّا، فهو بكل حال خير من الاقتران بمثل ذلك الرجل، لكن مثل هذا لم يظهر لنا فنصحناك بالبقاء على العلاقة بينكما، والتعجيل في إتمام الدخول.

هذا الذي ننصحك به، ونسأل الله أن لا يخيب زوجك ظننا به، كما نسأله تعالى أن يجمع بينكما على خير، وأن يؤلف بين قلبيكما، وأن يرزقكما الذرية الصالحة.

 

والله أعلم.

 

 

حكم التعلُّم والتعليم في أماكن خاصة بأهل البدع

حكم التعلُّم والتعليم في أماكن خاصة بأهل البدع

السؤال:

ما حُكم من يتعلَّم، أو يُعلِّم، القرآن الكريم، في مكان يوجد فيه البدع والمنكرات، أو ما يُسمَّى بـ ” الأعمال الصوفية “, مع العلم أنّ هذا المكان ليس مسجداَ، وإنما مبنى يتكون من طابقين، ويحتوى على ” فصول “، وهو ما يسمَّى عندنا بـ ” المنارة “، أو ” الزاوية “, ومع العلم أيضًا أن تعليم القرآن يكون في وقت والناس – الصوفية – تأتي، وتعمل البدع في وقت غير الوقت الذي يُدرسُ فيه القرآن؟.

أرجو منكَ – فضيلة الشيخ – أن تأتي لي أيضًا بأقوال العلماء الكبار عن حُكم التدريس في المنارة، أو الزاوية – وهي منشرة بكثرة في بلادنا – لأنّي سوف أُعرض الفتوى على الناس الذين يُعلِّمون القرآن في هذا المكان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوارد في السؤال مسألتان:

الأولى: التعلُّم في أماكن خاصة بأهل البدعة.

والثانية: التعليم فيها.

والذي يظهر لنا أنه لا يجوز لأهل السنَّة غشيان مجالس أهل البدعة، وأماكنهم لتلقي العلم فيها؛ لأسباب:

  1. أن في ذلك تكثيرًا لسوادهم.

وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: ” باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ “، وروى تحته حديثاً برقم: ( 6674 ) عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْىِ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ).

قوله ” سواد الفتن والظلم ” أي: أهلهما، والسواد – بفتح السين المهملة وتخفيف الواو-: الأشخاص، كما في ” عمدة القاري ” للعيني ( 24 / 195 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح …

” فتح الباري ” ( 13 / 38 ).

وسيأتي تتمة كلام الحافظ ابن حجر – إن شاء الله – فيما بعد.

  1. أن ذلك يؤدي إلى اغترار الناس بهم، وأنهم على خير وهدى، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من خاصة أهل السنَّة، وقد ينسبونه إليهم.

* قال الأوزاعي – رحمه الله -:

يُعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بأُلفته، ويُعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه، قال أبو حاتم: وقدِم موسى بن عقبة الصوري ببغداد وذكر لأحمد بن حنبل فقال: انظروا إلى مَن نزل، وإلى من يأوي.

” الإبانة الصغرى ” لابن بطة ( 1 / 160 ).

وهو مما يستفاد من حديث صفية المشهور في الصحيحين، وفيه: أنه خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَا وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَعَالَيَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ) قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا ):

* قال النووي – رحمه الله -:

وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء. ” شرح مسلم ” ( 14/ 156، 157).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: التحرز من التعرض من سوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: ” وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم “.  ” فتح الباري ” ( 4 / 280 ).

  1. احتمال الفتنة بعقيدتهم، والتزام منهجهم، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من عوَّام أهل السنَّة، ممن لا يميز بين السنَّة والبدعة، ولا بين الهدى والضلال.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وظاهر كلام الشيخ – أي: بكر أبو زيد – أننا لا نجلس إليه – أي: صاحب البدعة – لأنه يوجب مفسدتين:

المفسدة الأولى: اغتراره بنفسه فيحسب أنه على حق.

المفسدة الثانية: اغترار الناس به حيث يتوارد عليه الناس، وطلبة العلم، ويتلقون منه، والعامي لا يفرِّق بين علم النحو، وعلم العقيدة، ولهذا نرى أن الإنسان لا يجلس إلى أهل البدع، والأهواء مطلقًا، حتى إن كان لا يجد علم العربية، والبلاغة، والصرف، إلا فيهم، فسيجعل الله له خيرًا منهم؛ لأننا كوننا نأتي هؤلاء، ونتردد عليه: لا شك أنه يوجب غرورهم، واغترار الناس بهم.

” شرح حلية طالب العلم ” ( ص 111 ).

ثانيًا:

وأما المسألة الثانية: وهو الذهاب لتلك المنارات، والزوايا، من أجل التعليم فيها: فهي محط نظر، ومجال اجتهاد، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى جواز ذلك، وعلى القول بالجواز فلا بدَّ من تحقيق شرطين:

الأول: أن يكون المعلِّم صاحب اعتقاد قوي، وحكمة بالغة.

والثاني: أن يجهر بالحق، وينشر الاعتقاد الصحيح بين من يحضر تلك الدروس.

وفي تتمة كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعليقًا على حديث أبي الأسود، قال:       

وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح مِن إنكار عليهم -مثلًا -، أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة. انتهى.

* وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – رحمه الله – وهو ممن لا يرى الجواز -:

لا شكَّ أنَّ هُناك من الأماكن ما يُصانُ عنهُ العلم، مما يُزاول فيه مُحرَّم – مثلًا، نعم، يأتي هنا الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، لكن إلقاء العلم الشَّرعيّ بـ ” قال الله، وقال رسُولُهُ ” في أماكن تُزَاوَل فيها المُحرَّمات: يُصان عنها المساجد، ويُصان عنها العلم الشَّرعي، قد يكون هذا المكان الذي يجتمع فيه النَّاس شيئًا طارئًا على بلدٍ من البلدان، على المُجتمع – مثلًا -، وجيء بِهِ من أُناس قد يكُون عندهم شيء من البدعة، أو شيء من التَّساهل في أمر الاحتياط للدِّين، وللنُّصُوص، وما أشبه ذلك، فمشابهتُهُم من هذهِ الحيثيَّة، بعضُهُم يتوقَّف في الدعوة في مثل هذه الأماكن، وفي إلقاء العلم، وما أشبه ذلك، وعلى كل حال: المسألة اجتهادية، فمَن توقَّف: فلا يُلام، لهُ حظٌّ من النَّظر، ومَن غشى هذه الأماكن حرصًا على الدعوة، وحِرْصًا على تبليغ العلم: نسأل الله جلَّ وعلا ألاَّ يحرمه أجر ما أراد، فاللهُ المُستعان، وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهُ الله تعالى يَغْشَى هذهِ الأماكن، ولهُ هَدِي، ويُلقي فيها محاضرات، وأي مكان يُدْعَى إليهِ: يَسْتَجِيب، رحمهُ الله رحمةً واسِعة، وهناك من شيوخنا من أهل التَّحري منْ لا يَغْشَى هذهِ الأماكن، وكُلٌّ لهُ اجْتِهادُه ، وكون الأمة يُوجدُ فيها أمثال هؤُلاء، وأمثال هؤُلاء: أنا أعتبرُهُ من نِعَم الله جلَّ وعلا، يُوجد أُناس أهل تحرِّي، وتَثَبُّتْ، ولا يَسْتَجِيبُون لكلِّ ما يُدْعَونْ إليهِ؛ بحُجَّة الاحتياط، والحِفاظ على السُّنَّة، هذا خير، وللهِ الحمد، ويُوجد من يُبلِّغ هذا الدِّين على أعلى المُستويات تقوم بهِ الحُجَّة أيضًا، هذا خير.

أيضًا: تبليغ العلم من خلال القنوات – مثلًا -، أو الإذاعات، التِّي فيها خليط من الحلال والحرام! والقنوات التِّي فيها مزيج ممَّا يجوز، ومِمَّا لا يجُوز، هذه أيضًا تتجاذب فيها وُجهات النَّظر.

فبعضُ أهلِ التَّحرِّي يقول: أبداً إنَّ ما عند الله لا يُنال بسخطِهِ، أنا أبحث عمَّا عند الله جلَّ وعلا من ثوابِهِ، وأجرِهِ، من أجلِ تبليغ العلم، وإفادةِ النَّاس، وأُبلِّغ من خلال هذهِ القنوات التِّي فيها ما فيها، وبعضهم يقول: لا، أنا أُبلِّغ هذا العلم لأُناس لا يأتُون إلى المساجد، ولا يسمعون إلى وسائل التَّبليغ المُباحة، ولا يحضُرُون الدُّرُوس، ولا يدرُسُون العلم الشَّرعي، فأنا أُبلِّغُهُم من هذهِ الطَّريقة، هذهِ أيضاً وُجهة نظر، وإنْ كُنت أنا مع وجهة النَّظر الأُولى، أنا لا أغشى هذهِ الأماكن، ولا أُبلِّغ في غير ما كان عليهِ سلفُ هذهِ الأُمَّة، ويُوجد أيضًا من يجتهد اجتهاد آخر، واللهُ جلَّ وعلا يعذرهم على قدر نِيَّاتِهِم، والأُمُور بمقاصدها.

” ضوابط تبليغ العلم “، من موقع الشيخ حفظه الله:

http://khudheir.org/ref/1588

 

والله أعلم.

 

تبنَّته أسرة بسبب فساد أهله، ونسبوه لهم، فماذا يترتب على ذلك التصرف؟

تبنَّته أسرة بسبب فساد أهله، ونسبوه لهم، فماذا يترتب على ذلك التصرف؟

السؤال:

عمري 15 سنة، وقد تبنتني عائلة أفغانية عندما كان عمري ستة أشهر، وذلك بسبب أن والداي كانا فاسدين، ولم يكونا يصلحان لتربيتي، وتم تغيير اسمي، ولكنني لم أرضع من والدتي التي تبنَّتني، فهل يعني هذا أنها ليست محرَمًا لي، وأنه يجب أن لا تظهر عليّ؟ وما هي الأحكام المتعلقة بحالتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان التبني أول أمر الإسلام جائزًا، وكان يُنسب المتبنَّى إلى من تبنَّاه، ثم حرَّمه الله تعالى، وأمر بأن يُنسب كل أحدٍ لأبيه، ومن لم يُعلم له أب: فيُنسب بالولاية، والأخوَّة.

قال الله تعالى: ( … وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا ) الأحزاب/ 4، 5.

ولا يُعرف خلاف بين العلماء في هذا الحكم.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 121 ، 122 ):

حرَّم الإسلام التبنِّي، وأبطل كل آثاره، وذلك بقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ )، وقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ).

وقد كان التبنِّي معروفًا عند العرب في الجاهلية، وبعد الإسلام، فكان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلَدَه، وظَرْفَه ضمَّه إلى نفسه، وجعل له نصيب ابنٍ مِن أولاده في الميراث، وكان يُنسب إليه فيقال: فلان بن فلان، وقد تبنَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة قبل أن يشرِّفه الله بالرسالة، وكان يُدْعى ” زيد بن محمد “، واستمر الأمر على ذلك إلى أن نزل قول الله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) إلى قوله: ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وبذلك أبطلَ الله نظام التبنِّي، وأمرَ مَن تبنَّى أحدًا ألا يَنسبه إلى نفسه، وإنما يَنسبه إلى أبيه إن كان له أب معروف، فإن جُهل أبوه: دُعيَ ” مولى “، ” وأخا في الدين “، وبذلك مُنع الناس من تغيير الحقائق، وصِينت حقوق الورثة من الضياع، أو الانتقاص. انتهى.

وعليه: فيجب على تلك الأسرة المبادرة لإصلاح ما أفسدوه، وعليهم إبطال نسبك إليهم في الأوراق، والوثائق الرسمية، وعليهم إرجاع الأمور لنصابها الشرعي، وذلك بالشهادة على نسبك الحقيقي، وتثبيت ذلك في الوثائق، وفساد الأسرة ليس عذرًا في نفي النسبة إليهم، ومن نسب ذلك للشرع: فقد افترى إثمًا مبينًا.

 

ثانيًا:

وبما سبق يُعلم الجواب عن أصل السؤال، وهو أن الأسرة التي تتبنى ذكرًا، أو أنثى: فإنه ليس بينهم علاقة نسب بذلك التبني، وعليه: فهم أجانب، لا يحل معاملتهم كما تُعامل الأسرة في الأحكام، فالمرأة التي تبنتْك: أجنبية عنك، ولا يحل لك رؤيتها، فضلًا عن مسِّها، وتقبيلها، ولا تكون محرَمًا لها، ولا لبناتها.

والنبي صلى الله عليه وسلم تزوج بزوجة ابنه المتبنَّى ” زيد ” – وهي زينب بنت جحش – بعد تطليق زوجها له، وهذا تطبيق عملي لتحريم التبني، فليست هي زوجة ابنه على الحقيقة، وإلا لكان تزوجه بها محرَّمًا، وفي ذلك إبطال لآثار التبني جميعها.

نعم ، لو أن تلك المرأة المتبنية قد أرضعت الطفل المتبنى وهو دون السنتين، خمس رضعات: لصار ابناً لها في الرضاعة، ولصار زوجها – صاحب اللبن – أباً له في الرضاعة، ولصار أولادهم جميعاً إخوة له وأخوات في الرضاعة، وبما أن ذلك لم يكن -بحسب قولك -: فتكون تلك المرأة أجنبية، وعليها الاحتجاب عنك، ولا يحل معاملتها المرأة من أرحامك، بل تعامل كما تعامل الأجنبية في الأحكام، ولها أن تبرَّ تلك الأسرة، وتعتني بأحوالهم، وتتفقد أمورهم؛ لما لهم من يدٍ عليك – مع وقوعهم في إثم التبني إن كانوا يعلمونه -، وأما أن يكونوا أسرة لك: فلا، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.

 

والله أعلم.

 

 

هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

السؤال:

هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مصطلح ” أهل السنَّة والجماعة ” يعدُّ تزكية للمنتسب إليه، ويكفي المسلم شرفًا بعد إسلامه أن يكون على اعتقاد خير القرون، ومنهجهم، يلتزم الكتاب والسنَّة في الاستدلال على اعتقاده، وينضم للجماعة التي اجتمعت على ذلك، من الصحابة إلى من يبقى على ذلك إلى آخر الزمان.

ثانيًا:

وأهل السنة والجماعة هم طائفة واحدة، سارت على طريق الصحابة الكرام في الاعتقاد، والمنهج، لم يتخذوا غير الكتاب والسنَّة أدلة على ما يعتقدون، فاستحقوا بذلك لقب ” أهل السنَّة “، ولم يأتوا بما يفرِّق المسلمين من الأقوال والآراء، فاستحقوا لقب ” الجماعة “، فكانوا أحق بذلك اللقب من غيرهم ممن اتخذ العقل أو الذوق أو المنامات أدلة له في اعتقاده، ومنهجه.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نصٌّ في الكتاب، ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم رضي الله عنهم أئمَّة، وقد أُمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يُحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسنَّة، واعتقادها، مما لا مرية في وجوبه.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

ومما لا شك فيه أن ” الأشعرية ” من الفرق التي تنكبت طريق الهداية، فخالفت مجمل اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، حتى إنك لو جمعت مدارس الأشعرية ومذاهبهم: لما رأيتهم يشتركون مع أهل السنَّة إلا في ” عدالة الصحابة ” مع بعض الاختلاف في التفاصيل.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله -:

من خلال استعراضي لأكثر أمهات كتب الأشاعرة: وجدت أن موضوع ” الصحابة ” هو الموضوع الوحيد الذي يتفقون فيه مع أهل السنة والجماعة، وقريب منه موضوع ” الإمامة “، ولا يعني هذا الاتفاق التام، بل هم مخالفون في تفصيلات كثيرة، لكنها ليست داخلة في بحثنا هنا؛ لأن غرضنا – كما في سائر الفقرات – إنما هو المنهج والأصول. ” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ).

* وكتاب الشيخ هذا قد زكاه طائفة من أهل العلم، منهم الشيخ العثيمين رحمه الله، حيث قال:

لكن الأشاعرة، مِن خير ما رأيت فيما كتب عنهم رسالة صغيرة للشيخ سفر الحوالي، تكلم فيها بكلام جيد، وبين فيها مخالفتهم لـ ” أهل السنة والجماعة ” في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي الوعيد، وفي أشياء كثيرة، مَن أحب أن يطلع عليها: فإنه يستفيد. ” لقاء الباب المفتوح ” (10 / السؤال رقم 14 ).

 

ثالثًا:

وما قاله الشيخ سفر حفظه الله، وأيده عليه الشيخ العثيمين رحمه: يؤكِّد أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنَّة والجماعة؛ لمخالفتهم للكتاب والسنَّة وإجماع السلف في مسائل كثيرة في الاعتقاد، ومن ذلك:

  1. المخالفة في القرآن:

أهل السنة يعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة، تكلم الله عز وجل فيه بحرف، وصوت، سمعه جبريل، فبلَّغه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

والأشاعرة يعتقدون أن هذا القرآن ليس هو كلام الله تعالى، بل هو ” عبارة عن كلام الله “، وقال بعضه : ” حكاية عن كلام الله تعالى “، أما كلام الله تعالى عندهم فهو الكلام النفسي، لذا فعندهم: لم يسمع جبريل عليه السلام القرآن من الله تعالى، وليس هو حروف، ولا أصوات.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن قال ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد، وورق، أو حكاية، وعبارة: فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمَّد صلى الله عليه وسلم هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف – على الوجه الذي يعرفه الناس – له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء، وكذلك مَن زاد على السنَّة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة: فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف، ولا بصوت: فإنه أيضا مبتدع، منكرٌ للسنَّة.  ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 403 ).

  1. علو الله تعالى واستواؤه على عرشه:

وأهل السنَّة والجماعة يعتقدون بعلو الله تعالى على خلقه، وباستوائه على عرشه، استواء يليق بجلاله تعالى.

أما الأشاعرة: فيعتقدون إنكار العلو، وأن الله تعالى ليس في جهة العلو! ويقولون: ليس بداخل، ولا خارج، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال!، وعند التأمل: يتبين أنه ليس لله عندهم وجود حقيقي؛ لأن هذا الوصف الذي يعتقدونه لا يصدق إلا على المعدوم

  1. الصفات الذاتية، والفعلية.

واعتقاد أهل السنَّة والجماعة أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه ما نفاه الله تعالى عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يفرقون في هذا بين العزة والرحمة والعلم، وبين الاستواء والغضب، وبين اليد والوجه.

وأما الأشاعرة: فينفون الصفات الفعلية – وهي المتعلقة بالإرادة والمشيئة، كالاستواء، والغضب -، وينفون الصفات الخبرية – كاليد والوجه -، ولم يكتفوا بالنفي حتى أضافوا إليه تحريف معناها بما أطلقوا عليه اسم ” التأويل “، ولا يثبتون من الصفات الذاتية إلا سبع صفات! – وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع ، والبصر، والكلام النفسي – وهم غير موافقين لأهل السنَّة حتى في هذا الإثبات؛ لأنهم أثبتوها لله تعالى بدليل العقل، لا بدليل الكتاب والسنَّة.

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

وأما الإجماع: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرناه عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع، أو منسوب إلى بدعة.

والإجماع حجة قاطعة؛ فإن الله لا يُجمع أمة محمد عليه السلام على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير، والتأويل، وأمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب به السمع؛ لعدم العلم بما سواه، وتحريم القول على الله تعالى بغير علم، بدليل قول الله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

ومن وجه آخر هو: أن اللفظة إذا احتملت معاني فحملها على أحدها من غير تعيين: احتُمل أن يُحمل على غير مراد الله تعالى منها، فيصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، ويسلب عنه صفة وصف الله بها قدسه ورضيها لنفسه، فيجمع بين الخطأ من هذين الوجهين، وبين كونه قال على الله ما لم يعلم، وتكلف ما لا حاجة إليه، ورغبته عن طريق رسول الله، وصحابته، وسلفه الصالح، وركوبه طريق جهنم، وأصحابه، من الزنادقة الضلال. ” ذم التأويل ” ( ص 38 – 40 ).

 

 

 

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

وينبغي أن يتأمل قول الكُلاَّبية، والأشعرية، في الصفات، ليُعلم أنهم غير مثبتين لها في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها، ويخالفونه. ” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 35 ) الشاملة.

  1. تقديم العقل على النقل.

وأهل السنة والجماعة – كما سبق – لا يقدمون شيئا على الكتاب والسنَّة، وإنما استعمال العقول لفهم نصوص الوحي.

ومن معتقد الأشاعرة: أنهم يقدمون العقل على النقل إذا ما ظهر لهم تعارض بينهما، ويعتقدون أنهم بذلك ينصرون الدين وخاصة في ردهم على المعتزلة.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

ولا خلاف أيضاً في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين، ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يسمَّى محدِثاً ، بل يسمَّى سنيًّا، متبعًا، وأن مَن قال في نفسه قولًا، وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يُلتفت إليه لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم: يستحق أن يسمَّى محدِثًا، مبتدعًا، مخالفًا، ومَن كان له أدنى تحصيل: أمكنه أن يفرِّق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ، 10 ) الشاملة.

ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا يسمى محدثا بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علماً وعقله موجب للعلم، يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا أ.هـ

انتهى.

  1. الإيمان.

والإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول، وعمل، قول القلب، واللسان، وعمل القلب ، واللسان، والجوارح، وهو يزيد وينقص.

وأما الإيمان عند الأشاعرة: فتصديق القلب، وإقرار اللسان، وهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وهم بذلك يوافقون المرجئة.

 

 

 

  1. القدر .

والأشاعرة غالبهم جبرية في القدَر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والأشعرية الأغلب عليهم: أنهم مرجئة في باب ” الأسماء، والأحكام ” – أي: الإيمان -، جبرية في ” باب القدر “، وأما في ” الصفات “: فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 55 ).

 

رابعًا:

وبعد ما سبق ذِكره لا يبقى أدنى تردد في الحكم على فرقة الأشاعرة بأنها من الفرق الضالة، وأنهم لا يمكن أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله – بعد ذِكر طائفة من مخالفاتهم في العقيدة:

بعد هذه المخالفات المنهجية في أبواب العقيدة كلها، وبعد هذا التميز الفكري الواضح لمذهب الأشاعرة، إضافة إلى التميز التاريخي: هل بقي شك في خروجهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السلف الصالح؟! لا أظن أي عارف بالمذهبين – ولو من خلال ما سبق هنا – يتصور ذلك.

” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ) الشاملة.

وننبه إلى أن الأشاعرة لا يحل لهم حتى الانتساب لأبي الحسن الأشعري، فهو قد تبرأ من مذهب الاعتزال الذي كان، وانتقل إلى مذهب ابن كُلاَّب، والأشاعرة إنما يتبعونه في مرحلته الثانية هذه، وبعض المحققين يرى أنه رحمه الله قد انتقل إلى مذهب السلف انتسابًا، وحقيقة، ومنهم من قال إنه رجع إلى مذهب السلف انتسابا بلا شك كما في كتابه ” الإبانة ” لكن لم يكن على قولهم في كل شيء، وهذا أقرب، فيقال هو على مذهب السلف في الجملة.

* قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله -:

فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافعة، والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.

قيل له:  قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون، ولما خالف قولَه مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.

” الإبانة ” ( ص 20، 21 ) وهو من أواخر كتبه رحمه الله.

خامسًا:

أما علاقة الأشعرية بالتصوف: فله سبب عام، وآخر خاص، أما العام: فإن ما يهم الأشاعرة هو موافقتهم فيما يقولون به من المسائل السابقة، وغيرها، ومن كان منهم له اتجاه آخر مع تلك العقائد: فيستطيع نشرها، وهذه عادة تلك الفرق قديمًا، والأحزاب حديثًا، فالمهم عند الجميع: موافقتهم في أصولهم، وليكن عندك بعدها أي اعتقاد، أو توجه، فهو أمر لا يهمهم.

وأما الأمر الخاص: فهو تطبيق ما سبق ذِكره عمليًّا، وهو دخول أساطين التصوف في الأشاعرة، بموافقتهم فيما يقولون، مع إدخال التصوف الذي يعتقدونه على هذه العقيدة التي تتيح المجال لكل من أراد إدخال تصوراته فيها، ونذكر هنا شخصيات من الأشاعرة، تبنت العقيدة الأشعرية، وهي تعتقد التصوف، وتتخذه منهجًا لها، ومن هؤلاء: أبو القاسم القشيري، وأبو حامد الغزالي.

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله -:

أما دور القشيري في المذهب الأشعري وتطويره فتمثل في جانبين:

أحدهما: دفاعه عن الأشاعرة وقت المحنة التي مرُّوا بها، وقد فاق في دفاعه عنهم أقطاب الأشاعرة في زمنه، وكتب رسالته ” الشكاية ” يبث فيها أشجانه، ويدافع عن الأشعري، وعن الأشاعرة، ويرد على التهم الموجهة إليهم، ويصوِّر الأمر وكأنه ليس في الأمَّة الإسلامية إلا الأشاعرة، والمعتزلة، وأن قول الأشاعرة إذا بطل لا يبقى إلا قول المعتزلة فهل يكون هو المعتمد؟!…..

وبهذا الدفاع الذي جاء بأسلوب بث الشكوى: برز القشيري كعلَم من أعلام الأشاعرة، وكان لذلك دوره في تبني ما كان عنده من تصوف.

الجانب الآخر: إدخال التصوف في المذهب الأشعري، وربطه به، وذلك حين ألف القشيري رسالته المشهورة في التصوف، وأحواله، وتراجم رجاله المشهورين، فذكر في أحد فصول الرسالة، وفي ثناياها أن عقيدة أعلام التصوف هي عقيدة الأشاعرة فنسب إليهم أنهم يقولون: ” إنه أحدي الذات، ليس يشبه شيئًا من المصنوعات، ولا يشبه شيء من المخلوقات ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرَض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة، ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، … “.

ويركِّز على نفي أن الله في جهة العلو، ثم يقول في أواخر الرسالة: ” فإذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول، ومشايخهم أكبر الناس، وعلماؤهم أعلم الناس: فالمريد الذي له إيمان بهم: إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم: فهو يساهمهم فيما خُصوا به من مكاشفات الغيب!، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة، وإن كان مريدًا طريقة الأتباع وليس بمستقل بحاله، ويريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه وليجر على طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى به من غيرهم “.

فهو يرى أن من أراد دخول طريقة التصوف: كوشف مع شيوخه، ومن لم يرد دخول طريقة التصوف: فعليه بتقليدهم في العقائد؛ لأنهم أولى من غيرهم.

ودعوى القشيري أن هذه عقائد شيوخ الصوفية ليست مسلَّمة، وليس هذا موضع مناقشة ذلك، ولكن الذي حدث هو تبني أعلام الأشاعرة للتصوف، وتمثل ذلك بشكل واضح في ” الغزالي “، ومن جاء بعده.

على أنه يجب أن لا يغيب عن البال هنا أن هناك من الأشاعرة من سبق ” القشيري ” إلى نوع من الارتباط بالتصوف، فـ ” المحاسبي الكلابي ” تصوفه مشهور، وكذلك كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الأشعري ” بندار ” خادمه، و ” عبد الله بن خفيف ” وكانا من المتصوفة المشهورين.

وعبد القاهر البغدادي ذكر أنه: ” قد اشتمل كتاب ” تاريخ الصوفية ” لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية، ما فيهم واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنَّة! سوى ثلاثة “، والبغدادي يقصد بأهل السنَّة: الأشاعرة، ولكن الذي تميز به القشيري أنه ذكر قواعد التصوف وأصوله، وأحوال المريدين، وآداب الصوفية، ودعا إلى سلوك طريقتهم، وفي أثناء ذلك نسب إليهم العقائد الأشعرية، وأنهم يخالفون المعتزلة، والمشبَّهة.

وقد يظن البعض أن تصوف القشيري كان تصوفًا سنيًا، بعيدًا عن شطحات وبدع الصوفية، ولكن المتمعن في كتبه يجد غير ذلك ….

” موقف ابن تيمية من الأشاعرة ” ( 2 / 593 – 596 ).

 

سادسًا:

فالصحيح في انتساب الأشاعرة أن يكون: ” كُلاَّبية “، وليس ” أشعرية “، فضلًا أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “، وأنهم لو استقاموا على ما جهر به إمامهم في آخر حياته، وما التزم الاعتقاد به: لما وُجدت هذه الفرقة، والحكم عليهم بأنهم أهل بدع وأهواء هو حكم أئمة الإسلام الذي لا ينبغي قول غيره.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وقال – أي: ابن خويزمنداد المالكي – في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: ” لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء”: قال:

أهل الأهواء عند مالك، وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم: فهو مِن أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان، أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها: استتيب منها.

* قال أبو عمر – أي: ابن عبد البر -: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله، أو نحوه: يُسلَّم له، ولا يناظر فيه. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 195 ).

وبه يتبين أن أهل السنَّة والجماعة هم طائفة واحدة، وهي أسعد الناس بشرف هذا الانتساب؛ لما تعْلمه من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تعتقد ما يعتقده الصحابة الكرام.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله، وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها، وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعا لهًا، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 347 ).

– ونسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى سواء السبيل.

 

والله أعلم.

 

 

هل للزوج أن يمنع زوجته من الإنترنت مع توفير كافة وسائل طلب العلم؟

السؤال:

هل للزوج أن يمنع زوجته من الإنترنت مع توفير كافة وسائل طلب العلم؟

 

الجواب:

الحمد لله

 

لا شك فيه أن ” الإنترنت ” يحتوي على مفاسد جمَّة، ولا يمكن لعاقل أن يقارن بين موجودات الشر التي فيه، مع الخير؛ فإنه وعاء حوى الشر كلَّه: الكفر، والفسق، والبدعة، وفيه ما يُقرأ، وما يُسمع، وما يُشاهد، ويسهل جدا الوصول إلى الشر، كما يسهل على أهل الشر الوصول لمن دخل هذا العالَم، وفي ذلك الوعاء من البهرجة، والفتنة، ما يسحر أولي الدين، والعقول، فيوقعهم في معاصٍ متعددة، موبقات متنوعة.

 

ومما لا شك فيه أن هذه الشبكة العنكبوتية أشد خطراً من ” الفضائيات “؛ فإذا أمكن حصر عدد القنوات الفضائية: فما في الشبكة يصعب حصره، وإذا كانت الفضائيات يُتلقى منها دون محاورة: فما في الشبكة يمكنك التحاور والتخاطب مع الطرف الآخر، كما يمكنك تخزين المواد الفاسدة للاطلاع عليها خارج الشبكة، وهي متجددة في وقت، وحين.

 

وهذا كله يجعلنا نجزم أنه من سلم من هذه الشبكة فقد سلم من شرٍّ كبير وعظيم، ولا يعني هذا أنه ليس فيها فائدة، ولا نفع، فما نحن فيه الآن هو من النفع الذي لا يُنكر، فنحن جزء من ذلك العالَم، والمقصود أن من حرص على النفع الذي في الشبكة من غير الحاجة لولوجها: فقد أحسن صنعًا، وخاصة إذا كان المنع للشباب المراهق، أو لعموم الإناث، والنساء.

 

ونحن نشكر الأخ السائل على ” غيرته “، وعلى ” حرصه “، فهو يغار على زوجته، وهذا يدل على خير ودين، كما أننا نرى أنه حرص على أمرين، وكلاهما خير، فالأول: أنه حرص على حفظ أهله، ووقايتها من الفتنة، والثاني: أنه حرص على تعليم زوجته، وتيسير سبل طلبها للعلم، بمواد مقروءة، ومسموعة، متنوعة، لذا فنحن نرى أنه قد فعل ما هو حق له، بل ما هو واجب عليه، تجاه أهله، وعموم أسرته، ونرجو أن يكتب الله الأجر، والنجاح في مسعاه، وقد فعل ما أمره الله تعالى به، وأدى النصح لرعيته خير أداء.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ ).رواه البخاري ( 4892 ) ومسلم ( 1829 ).

 

ونرجو من الزوجة الفاضلة أن تشكر لزوجها غيرته، وحرصه، وأن تعينه على أداء رسالته تجاه أسرته، ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

 

أسلما حديثًا وتهدده إن أتلف صورها أن تغادر البيت مع أولادها، فكيف يتصرف؟

أسلما حديثًا وتهدده إن أتلف صورها أن تغادر البيت مع أولادها، فكيف يتصرف؟

السؤال:

تزوجت من ملحدة بينما كنت أنا في ضلال، وهداني الله أنا وزوجتي للإسلام منذ أعوام، لكن حين تزوجنا: التقطنا صورًا كثيرة، وزوجتي كانت لا ترتدي حجابًا، ثم احتفظنا بهذه الصور في ” المستودع “، وحاولت أن أتخلص من هذه الصور، وقامت بيني وبين زوجتي مشادات عنيفة، كادت تصل للطلاق، وهددتني بأخذ الأولاد، وأنا أخشى أن يشبوا على الكفر – لا قدر الله – فهل وجود صورة كبيرة، أو صغيرة في المنزل يمنع دخول الملائكة؟ وهل إذا نسختها على الجهاز بدلًا من تعليقها جائز؟ وهل أنا آثم؟ وماذا لو احتفظنا بهذه الصور في بيت أسرتها الكفار؟.

أرجو بيان الحكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله – بدايةً – أن هداك وزوجتك للإسلام، وتلك نعمة عظيمة منَّ بها رب العالمين عليكما، ومن حقه عليكما شكره، وذِكره، وحسن عبادته، فنسأل الله أن يوفقكما لذلك.

 

ثانيًا:

من الخطأ البيِّن أن تتسبب في فراق زوجتك من أجل صوركما، وخاصة أنها هددتك بأخذ الأولاد، وهي بذلك ستذهب لأهلها الكفار، وستكون الصور معها – سواء تلك التي عندها، أو ما تحصل عليه من صديقاتها -، فماذا استفدتَ؟ هي خسارات ولا شك، خسارة الزوجة، والأولاد، والاحتفاظ بالصور وتعليقها!.

لذا عليك – أخي السائل – لزوم الحكمة في تصرفك معها، وعدم التعجل في أمر لك فيه سعة، ولن تندم إن شاء الله على الحكمة والتمهل، بل الندم – غالبًا – على التعجل، والتهور.

مما لا شك فيه أن تلك الصور التي لزوجتك وهي متبرجة أنها منكر، ويجب إتلافها، وسنعمل معك على ذلك بالتي هي أحسن، من غير خسائر، فإن نجحنا فبتوفيق الله، وإن لم ننجح فتكون بذلت جهدك، وسييسر الله لك ما لا يخطر لك ببال من وسائل إتلافها.

 

 

 

* والذي ننصحك به لتسلكه مع زوجته أن تتبع الخطوات التالية:

  1. أن تحرص على عدم تعليق صوركما على جدر المنزل، وتحرص على عدم وصول الأيدي لها، من أهلها، وأقربائكما، أو صديقاتها؛ خشية من أخذ بعضها، ونشره.
  2. أن تقوِّي جانب الإيمان فيها، فتخوفها بالله تعالى، وتصبغ على حياتكما معالم الاتباع للكتاب والسنَّة، وأن تحرص لها على الصحبة الصالحة من الأخوات المستقيمات على الدين، وأن توقفها بين الحين والآخر على حكم الصوَر، والتصوير، وبالأخص حكم صور المرأة وهي كاشفة عن زينتها، وأن بقاء الصور يمنع من دخول ملائكة الرحمة والاستغفار لبيتكما، وينبغي أن تولي ذلك اهتماماً بالغًا، وعناية كبيرة؛ لأن من شأن ذلك كله أن يجعلها هي التي تبادر بتمزيق تلك الصور وحرقها، بل ستطلب من كل من يحتفظ بصورة لها أن يأتي بها لها لتفعل بها كما فعلت بصورها التي تملكها، والمهم في ذلك أن يقوى جانب الإيمان، والخوف من المعصية، والرجاء للثواب، ويكون ذلك بالقراءة في كتاب الله، وفهم مراد الله من الآيات، وبالاطلاع على أمور الحياة الأخروية، والنهايات الحسنة والسيئة للناس، كما أن قناعتها -دون ضغط – بحكم تلك الصور، وأنه لا يحل لها الاحتفاظ بها: من شأنه أيضًا أن يتسبب في مبادرتها بتمزيق الصور، وحرقها.
  3. ولو فرضنا عدم نجاحك في الأمر السابق، أو تأخر ذلك: فإنه يمكنك إقناعها بنسخ تلك الصور على جهاز ” الحاسوب ” خاصتكم، والتخلص من الصور الأصلية، ولا شك أن هذا أفضل؛ لما نريد أن نصل به للمرحلة بعدها.
  4. وبقاء تلك الصور في جهازكم الخاص يجعل الأمر محصورًا بينكما، ولعلك تتذرع بعد فترة من الزمان بتلف كل ما جهازك بسبب ” فيروس “، أو ” فرمتة “، على أن يكون الأمر حقيقيًّا، لا تمثيلًا، بمعنى أن تظهر ” حزنك ” على ضياع ” ملفات ” لك خاصة، وتكون محتفظًا بنسخة عنها أصلًا! وعلى أن يكون ذلك بعد فترة من الزمان؛ حتى لا يتطرق لقلبها شك في تعمد ذلك منك.
  5. ولو فرضنا عدم نجاح أيٍّ مما سبق ذِكره: فالذي نرى فعله: هو أن تبدأ بالتخلص من تلك الصور شيئًا فشيئًا، ولتكن البداية بالصور الأكثر سوءً، فتأخذها لتتلفها أولًا بأول، ودون إشعار أحد بذلك، مع الاستمرار بتربية زوجتك على الالتزام بشرع الله.

 

 

 

 

 

 

ثالثًا:

واعلم أن الحكم الشرعي في مسألتك أنك تمزق تلك الصور التي تظهر فيها زوجتك، ولا يبقى منها شيء، وأن الملائكة لا تدخل بيتك.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز التصوير، لا بالآلة الفوتوغرافية، ولا بغيرها من غير ضرورة؛ لعموم النهي عن التصوير، والوعيد الشديد عليه، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها، وإتلافها، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة، كالصور التي في حفائظ النفوس، وجوازات السفر، والبطاقات الشخصية، ورخص القيادة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284، 285 ).

 

لكننا مع هذا: نراعي في تطبيق الحكم بالنظر في المصالح والمفاسد، ولم نقل إننا نستثنى زوجتك من الحكم، فيكون الجواز هو حكم احتفاظها بصورها، بل نقول: إننا نريد سلوك طريق آمنٍ للوصول إلى تلك الغاية، ونحن نعلم أن القوامة للرجل، لكن قد وصلنا منك أنك لو فعلتَ ذلك مباشرة لترتبت مفاسد كثيرة غالبًا، أو شبه يقين؛ لذا نصحناك بما فيه تحقيق لتلك الغاية، ولو طال أمد الفترة التي تتوصل بها لمقصودك، وقد شجعَنا على ذلك: عدم تعليق الصور أما الناس، بل حفظها في “مستودع “.

 

وإننا لنعتقد أن الله تعالى لن يخيب مسعاك، بل سييسر لك تحقيق مبتغاك، وإن لم يكن فيما ذكرناه لك آنفًا: فسيكون بسبب لم يخطر لك ببال، فجنود الله تعالى لا تُحصى، وتقديراته لا يحيط بها أحد علمًا، فما عليك إلا الصبر، والتأني، وعدم التعجل، وأدم الدعاء لها، ولأولادك بالهداية، والتوفيق، والرشاد، واختر من الأوقات أفضلها له، وهو الثلث الأخير من الليل، ومن الحالات أقربها للاستجابة، وهو حال الجود في الصلاة.

 

– ونسأل الله لك التوفيق، والصلاح، لك، ولأسرتك.

 

والله أعلم.

عمُر أختها إحدى عشرة سنة وأمها لا تأمرها بالصلاة فهل عليها مسئولية؟

عمُر أختها إحدى عشرة سنة وأمها لا تأمرها بالصلاة فهل عليها مسئولية؟

السؤال:

يا شيخ أنا أختي لا تصلي, عمرها 11 سنة، وأنا أكرر الكلام على أمي لكي تحثها على الصلاة, لكن أمي تقول: ” ما عليكِ منها, فيه رب فوقها يحاسبها “، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( علموهم لسبع واضربوهم لعشر )، سؤالي الآن هو يا شيخ: هل عليَّ أمر أعمل به لهذا الأمر؟ شكرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

نسأل الله أن يكتب لك أجر اهتمامك بأختك، وحرصك على قيامها بالصلاة، ونسأله تعالى أن يهدي والدتك لأن تقوم بواجب دعوة ابنتها لأن تصلي، فإن أبت: فتضربها ضربًا تأديبيًّا؛ لتنقذها مما هي فيه من اتباعها هواها، ولأجل أن تربَّى على طاعة الله تعالى، كما نسأله تعالى أن يهدي أختك، وأن ييسر لك الاستقامة على أمره عز وجل.

 

ثانيًا:

ونص الحديث المذكور في السؤال هو:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ). رواه أبو داود ( 495 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

والمخاطَب بالأمر بالتعليم للصغير، وضربه: ليس هو الأب فقط، ولا الأم، بل هو كل من كان مسئولًا عن هذا الصغير، من الأولياء، والأوصياء، والأسياد، ومن غير شك أن الأب هو أول من يكون معنيّاً بهذا الخطاب؛ لأنه هو الراعي في البيت، والمسئول عن رعيته، وتشاركه الأم في المسئولية في حال غيابه، أو موته، أو تطليقه لها، وبقاء الصغير معها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويجب على كلِّ مطاعٍ أن يأمر مَن يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم يبلغوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ).

ومَن كان عنده صغير مملوك، أو يتيم، أو ولد: فلم يأمره بالصلاة: فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرًا بليغًا؛ لأنه عصى الله ورسوله، وكذلك من عنده مماليك كبار، أو غلمان الخيل، والجمال، والبزاة، أو فراشون، أو بابية يغسلون الأبدان والثياب، أو خدم، أو زوجة، أو سرِّيَّة، أو إماء: فعليه أن يأمر جميع هؤلاء بالصلاة، فإن لم يفعل: كان عاصيًا لله ورسوله.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 50، 51 ).

* وقال – رحمه الله -:

بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر. ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 360 ).

وعليه: فبوجود والدك، أو والدتك: فإن عليهما مسئولية تعليم أختك، وضربها إذا أكملت السنة العاشرة، وإن لم يكن والدك موجودًا، وكان لك أخ أكبر: فتنتقل المسئولية له، ولوالدته.

وعلى والدتك أن تنتبه لنفسها من أن تبوء بإثم كلمتها تلك؛ فإن الله تعالى لا يحاسب أختكِ على عدم صلاتها إن لم تبلغ، لكنه سيحاسبها على عدم دعوتها ابنتها، وعدم حثها على الصلاة، وضربها عليها، فالخطاب موجَّه للبالغين من الأولياء، والأوصياء، وأما مَن كان صغيرًا من الأولاد – ذكورًا وإناثًا – فهم ليسوا مكلَّفين، وإنما الحساب، واستحقاق العقاب على الوالدين، وعلى من كان مسئولًا عن أولئك الأولاد.

* قال الماوردي – رحمه الله -:

ولأن في تعليمهم ذلك قبل بلوغِهم إلفًا لها، واعتيادًا لفعلها، وفي إهمالهم وترك تعليمهم: ما ليس يخفى ضرره، من التكاسل عنها عند وجوبها، والاستيحاش من فعلها وقت لزومها، فأما تعليمهم ذلك لدون سبع سنين: فلا يجب عليهم، في الغالب لا يضبطون تعليم ما يُعلَّمون، ولا يقدرون على فعل ما يُؤمرون، فإذا بلغوا سبعًا ميزوا، وضبطوا ما علموا، وتوجه فرض التعليم على آبائهم، لكن لا يجب ضربهم على تركها، وإذا بلغوا عشرًا: وجب ضربهم على تركها ضربًا غير مبرِّح، ولا مُمْرِض، في المواضع التي يؤمَن عليهم التلف من ضربها، فإذا بلغوا الحلُم: صاروا من أهل التكليف، وتوجه نحوهم الخطاب، ووجب عليهم فعل الطهارة، والصلاة، وجميع العادات . ” الحاوي الكبير ” ( 2 / 314 ).

ولا يعني هذا إعفاءك من التوجيه، والنصح، والتذكير، لأختك، بل يجب عليك الاهتمام بذلك، وبذل المزيد من جرعاته، وتنويع أساليب دعوتها، وخاصة الترغيب، مع مداومة الدعاء لها بالهداية.

 

والله أعلم.