الرئيسية بلوق الصفحة 75

حكم لبس موضة الشباب التائه الجديدة: ” الميني عقال “!

حكم لبس موضة الشباب التائه الجديدة: ” الميني عقال “!

السؤال:      

إن مما لفت انتباهي خلال تجولي في عالم الانترنت: انتشار موضة ” الميني عقال “، وهي عبارة عن أساور يلبسها البنات، والشباب، وعلى حد زعمهم: أنها تعبِّر عن الهوية السعودية؛ لأنها تأخذ شكل العقال، وفي طرفه قطعة صغيرة من قماش الشماغ! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل لبس هذا النوع من الأساور يجوز أم لا يجوز؟.

أرجو الإجابة، جزيتم أعالي الجنان.

http://www.alweeam.com/news/news-action-show-id-930.htm

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نأسف أن يصل الحال بالشباب الممتلئ نشاطًا وحيوية ما نراه في شوارعنا، وأسواقنا، وجامعاتنا، في لبسهم، وهيئتهم، ومشيتهم، فضلًا عن سلوكهم وأخلاقهم، مما في كل ذلك من مخالفة للشرع المطهَّر، فاللباس يكاد يسقط من وسطهم! والثوب يكشف عن كل ما تحته! والشَّعر يقف كأنه صواريخ معدَّة للإطلاق! وتخنث في المشية، والكلام، عدا عن أشياء أخرى لم تعد خافية على أحد ينظر ويسمع حوله.

وقد عُرف عن الشباب الخليجي لباسهم المميز من الثوب الساتر، والشماغ – أو الغترة – التي تغطي الرأس، وغالباً ما يُلبس ” العقال ” ليثبت الذي على الرأس، وعندما يكون الفراغ الروحي مسيطرًا على طائفة من أولئك فإنهم يبتدعون ما يظنونه يملأ ذلك الفراغ، فترك طائفة منهم لبس الثوب، واجعل بدلا منه البنطال، وتركوا الشماغ والعقال وكشفوا شعورهم وقد أغرقوه بالجل! ونصبوا شعيرات منه تقف هنا وهناك!.

وفي آخر ما ابتدعوه أنهم صغَّروا ” العقال ” و ” الشماغ ” جدًّا، وبدلًا من أن يكونا على الرأس: صارا أسورة في أيديهم! وأطلقوا عليه ” الميني عقال ” – أي: العقال الصغير -، حتى يجمعوا بين لبس البنطال – الضيق أو الساحل – وبين لبس العقال، والعجيب أنهم جعلوا لذلك اللباس التافه شعار ” أقدر “! ظانين أنه يصب في ” تشجع الشباب على البحث عن ذاتهم، وقدراتهم، وطاقتهم الداخلية “!! وكتبوا عليه أيضًا ” اعقل وتوكل ” ! فصار هذا ” الميني عقال ” علامة على أن لابسه من الشباب، وأنه يمتلئ حيوية، وأنه يفعل ما يشاء، وبعض من سوَّق له أراد أنه يحمل رمزًا وطنيًّا! ظانّاً أنه بذلك يحمي نفسه ولابسه من التعرض له، ونقده، حتى قال بعض الحمقى منهم إننا نتعرف على لابسه أنه من ” السعودية “! إن رأيناه في بلد أجنبي، فيكون ذلك وسيلة للتقارب بيننا! ثم انتقل إلى دول خليجية أخرى، فادعوا أنه شعار ليعرف بعضهم بعضاً أن لابسه ” خليجي “! وهذا يعمق مفهومًا غير شرعي، ويقوي التعصب لما لم يشرعه الله تعالى، بل لما ذمه من التفرق ، والتشتت.

وهلا كان تميزهم بالانتساب إلى بلدهم، أو إقليمهم: لباسهم الشرعي القديم الذي تخلوا عنه لأجل موافقة الغرب؟! وهلاَّ كان تميزهم بدينهم، وصلاتهم، وحسن أخلاقهم؟! لا ندري كيف وصل بهم الحال إلى هذا، لكنه وصل، ولا بد له من علاج.

فعلى الخطباء والمدرسين والآباء أن يقوموا بدورهم في إنقاذ هؤلاء الشباب مما هم فيه من ضياع، وليس الأمر مقتصرًا على ” الميني عقال ” فقط، بل إن لبسه صار علامة على تردي الحال الذي وصل إليه أولئك.

 

ثانيًا:

وأما من حيث حكم لبسه الشرعي: فهو حرام، ولا شك في ذلك؛ لأن المعصم لا توضع فيه الزينة للرجال، بل هو من زينة النساء، ففاعل ذلك متشبه بهن، وهذا من كبائر الذنوب.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ “.

رواه البخاري ( 5546 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أمّا السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك: فهذا نحرِّمه من وجهٍ آخر، وهو التشبه بالنساء، والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 108 ).

كما أن في لبس ” الميني عقال ” محذورًا آخر: وهو تجذير التعصب، وهو نوع من إحياء الجاهلية، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بما فيه خير الناس، فجمعت الناس على إله واحد، ونبي واحد، ودين واحد، وقرآن واحد، وقبلة واحدة، وأذابت ما فيه تعصب للون، والجنس، والعِرق؛ لأن في ذلك الإحياء لهذه الأشياء تهييج لأفعال الجاهلية المذمومة، كما أن في الاجتماع على البلد الواحد تهوينًا من الولاء والبراء مع كفار ذلك البلد، كما ستكون المحبة لغير الله، بل للوطن.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إن الواجب – يا إخواني – ألا نكون وطنيين، وقوميين، أي: ألا نتعصب لقومنا، ولوطننا؛ لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن، والمسلم، والفاسق، والفاجر، والكافر، والملحد، والعلماني، والمبتدع، والسنَِّي، وطن يشمل كل هؤلاء، فإذا ركزنا على الوطنية فقط: فهذا لا شك أنه خطير؛ لأننا إذا ركزنا على الوطنية: جاء إنسان مبتدع إلى إنسان سنِّي، وقال له: ” أنا وإياك مشتركان في الوطنية، ليس لك فضل عليَّ، ولا لي فضل عليك “!، وهذا مبدأ خطير في الواقع، والصحيح هو التركيز على أن نكون مؤمنين.

ونبيِّن – أيضًا – أن التعصب للوطن، وكون الجامع بيننا هو الوطنية: ليس بصحيحٍ أبدًا، ولا يستقيم الأمر إلا أن يكون الجامع بيننا الإيمان: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الحجرات/ 10، والآية نزلت في المدينة، وكان في المدينة يهود قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ومع ذلك فلم يدخلوا في الآية مع أنهم مواطنون؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي

فهذه مسألة خطيرة، فالمبدأ الصحيح أن الذي يجمع بيننا هو الإسلام، والإيمان، وبهذا نكسب المسلمين في كل مكان.

أما احتجاج بعض دعاة الوطنية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة: (إنكِ أحب البقاع إلى الله ): فلا حجة لهم في ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: ” إنك أحب البلاد إليَّ “، بل قال: ( أحب البقاع إلى الله )، ولذلك قال: ( ولولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ )، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من أجل الوطنية، وإنما من أجل أن مكة أحب البقاع إلى الله تعالى، وهو صلى الله عليه وسلم يحب ما يحبه الله  . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 48 / السؤال رقم 6 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

ظاهر منها فظنت نفسها مطلَّقة فتزوجت عرفيًّا وجامعها ثم تبين لها أنها غير مطلقة!

ظاهر منها فظنت نفسها مطلَّقة فتزوجت عرفيًّا وجامعها ثم تبين لها أنها غير مطلقة!

السؤال:      

بالله عليكم أفيدوني، أنا خائفة من عقاب الله، أنا متزوجة من سنين، وعندي ثلاثة أطفال، وزوجي خائن، وزانٍ، وأنا كنت أصلي، وقريبة من الله، وحلَّفته، قلت له: احلف بالطلاق إنك ما تكلم فلانة، وحلف، وبعد ذلك كلمها، وهو متعمد، والثانية: اتصل بأخي وقال له: أختك طالق، والثالثة: قال لي: ” تبقَّى طلقة مني، ومحرمة عليَّ مثل أمي، وأختي لو زنيتُ، أو تزوجتُ عليكِ “، وفعلاً اكتشفت – وهو اعترف – أنه زنا، المصيبة الكبيرة: أنني أصررت على الطلاق منه أكثر من مرة، ولا يريد أن يطلقني، مصيبتي: أني أحببتُ شخصاً متزوجًا، وكانت المصيبة أني أخذت في بالي أني مطلقة، وكتبنا أنا وهو ورقة، عرفيًّا! ومارسنا الجنس معًا، وهو متدين، وبعد تلك المصيبة: ذهبت إلى دار الإفتاء، والمفاجأة أن الشيخ قال: إني لست محرمة عليه، عشت لأجل عيالي، وتبت إلى الله، وتركت هذا الشخص، وقطعت الورقة، لكن والله كنت متأكدة أني محرمة على زوجي هذا.

أنا أخاف الله، ونادمة على ما فعلته من الفاحشة  وقربت من الله، لكني ما زلت أكره زوجي، وهو ما زال طريقه غلطًا، ولم يتغير، وخائفة من عقاب الله؛ لأني دائما أفكر في هذا الشخص لدرجة أني لما أصلي صلاة الاستخارة لزواجي يأتي لي هو في المنام.

ربنا يبارك لكم، ماذا أعمل في مصيبتي هذه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الله المستعان على ما وصلت إليه أحوال من لا يتقي الله تعالى في نفسه، ولا في غيره، ولا ندري بمن نبدأ اللوم، بك أم بزوجك؟! وتنكرين على زوجك الخيانة، وتتهمينه بالزنا: ثم تقعين في هذا؟! ومع من، مع من تزعمين أنه متدين؟! فأي دين هذا يجعل مثل هذا الأمر جائزًا، أن تأتي إليه امرأة وتسلم نفسها له، ويكتبان ورقة! يتمكن فيها من جماعها، ثم يكون انتهاء العلاقة بتمزيق الورقة؟! ألا سألها عن عدتها! بل ألا سألها هل هي متزوجة أم لا! هل هذا دين الله تعالى؟! هل نتكلم عن عقد إيجار لشقة، أم لسيارة؟! إنها أعراض المسلمين أصبحت مجالًا للعبث بمثل هذه الافتراءات المنسوبة لشرع الله تعالى المطهَّر، فزواجك الثاني من ذلك المتدين المزعوم باطل، وهو زنا!، والطلاق ليس على هواك وخاطرك حتى تحسبين نفسك مطلقة أو لا، بل الشرع هو الذي يحكم بطلاقك، ويوثَّق هذا الطلاق في أوراق شرعية، ورسمية، ولو كان هذا الأمر مرده للمرأة: لفعلت كثيرات مثل فعلك، وكل ما في الأمر أن تحكم لنفسها بأنها مطلقة، ثم تذهب تمارس الجنس مع أجنبي بكتابة ورقة لزواج عرفي، لا ولي، ولا شهود، ولا استبراء من عدة، ولا غير ذلك من متعلقات وأحكام الزواج!.

ولو فُرض أنك كنتِ مطلقة: فإن زواجك الثاني باطل!؛ إذ كل عقد ليس فيه ولي للمرأة: فهو باطل، وها أنتِ تذكرين أنه قد انتهت العلاقة بتمزيق الورقة بعد الانفصال عنه، أهكذا هو الطلاق الشرعي؟! فتزوجك منه باطل، وهو زنا في الحقيقة، وإن كان لك عذر عند الله فسيبين يوم القيامة، والمهم أنه لا قيمة له في الشرع، وأن عليكما التوبة والاستغفار من عظيم فعلكما، وسيء عملكما.

ثانيًا:

ولو صحَّ ما تقولين أنه صدر من زوجك: فإنه فعلاً لستِ مطلَّقة! فإن ما حصل من زوجك في المرة الثالثة هو ” ظهار “، وليس طلاقًا، فتحريم الزوج زوجته على نفسه، وجعلها مثل أمه، أو أخته: ليس طلاقًا، بل ظهار، وهو منكر من القول، وزور، وعلى قائله: التوبة والاستغفار منه، وعليه كفارة صيام شهرين متتابعين، فإن كان عاجزًا عنه لعذرٍ شرعي: فعليه إطعام ستين مسكينًا، ويحرم على الزوج أن يجامع زوجته قبل أدائه لتلك الكفارة.

فنرجو أن تكوني قد استبرأتِ من جماع الرجل الثاني لك بحيضة، وأن لا يكون حصل جماع مع الأول قبل ذلك الاستبراء؛ فإن ذلك إثم آخر يضاف لسجل آثامك! كما يجب أن تعلمي أنه لا يحل لك أن تمكني زوجك من جماعك إلا بعد الصيام، أو الإطعام إن كان عاجزًا عنه، فقد حرَّم الله تعالى عليكما الجماع إلا بعد الكفارة.

وإن بقي زوجك على حاله من فعل المنكرات، وترك أداء كفارة الظهار، وبقي على إصراره في عدم تطليقك: فيمكنك اللجوء للمحاكم الشرعية لمخالعته، وهو أمر متيسر عندكم، وبلادكم رائدة في هذا تنفيذ الحكم، بحق، وباطل!.

ثالثًا:

وما ذكرناه لك من أحكام الطلاق والظهار: إنما هو في حال أن يكون زوجك من المصلين، فإن كان تاركاً للصلاة: فالعقد باطل من أصله، وعليك التخلص من المكث معه باللجوء إلى أهلك، أو المحاكم الشرعية إن كانت تهتم بمثل هذا الأمر والحكم، وإن كان مصليًّا: فيجب عليه أن يتقي الله تعالى أن يبوء بسخط الله وعقابه بما يفعل من منكرات وآثام، من التعرف على الأجنبيات، والزنا، وليعلم أنه مستحق للرجم بالحجارة حتى الموت إن ثبت عليه الزنا، كما يجب عليه أن يؤدي الكفارة التي أوجبها الله عليه قبل أن يجامع امرأته، وليعلم أنه قد بقي له طلقة واحدة، فليحافظ على بيته وأسرته من التفرق والتشتت بإيقاعها إن كان قد أصلح حاله، وإن لم يفعل: فليطلق امرأته، وليحررها، فليس من المروءة أن يبقى الرجل زوجاً لامرأة لا تطيق العيش معه.

 

والله أعلم.

 

 

تزوجها دون علم زوجته الأولى فاكتُشِفَ سرُّه وهو لا يزال لا يعطيها حقها في المبيت!

تزوجها دون علم زوجته الأولى فاكتُشِفَ سرُّه وهو لا يزال لا يعطيها حقها في المبيت!

السؤال:

أنا متزوجة من 4 سنوات من رجل متزوج ولديه بنت، وقال لي أن يبقى سرًّا على زوجته ووالده، إلى أن يعرفوا من الناس، وليس منه، فوافقته، ومن يوم أن تزوجنا: لم ينم عندي سوى أسبوع، على أنه مسافر، وبعد ذلك: لم ينم عندي في البيت، وكنت أعيش وحدي، وكان يأتي كل يوم، وحملتُ منه، وأنجبت طفلة، وعمرها الآن سنتان، وحتى هذا اليوم لم يسجلها باسمه! خوفًا من أن تعرف زوجته، وأنا طول الوقت صابرة، وأقول: ” لا بأس “؛ لأنه بصراحة: زوجي إنسان لامثيل له، ويحبني، ولكن بعد مرور 3 سنين ونصف: عرفت زوجته، ووالده، فطلبتْ منه أن يطلقني، وهو رفض أن يطلقني، أو يطلقها، ولكن إلى هذا الوقت لم يعدل بيننا، ولم ينم معي، ومع ابنتي أبدًا، ولم يسجِّل ابنته باسمه، لا أعرف لماذا، وحتى يوم الجمعة صار صعباً أن يأتي ويزورنا؛ حتى ولو مرضتْ ابنتي بالليل لا أستطيع أن أخبره وكنت دائما أنا آخذها إلى المستشفى.

ولا أعرف ماذا أفعل، والله دائماً أدعو الله أن يصبرني؛ لأنني تعبت طوال هذه السنوات، ولا أعرف إلى متى، مع العلم أن زوجي يخاف الله، ولا يقطع صلاة، ويعمل الخير دائمًا، وكل ما أتناقش معه يقول لي: ” كل شيء بوقته حلو، وأنتِ صبرتِ كثيرًا، لستِ قادرة تصبري زيادة؟ “.

أرجو منكم مساعدتي؛ لأنني حقًّا غير قادرة على الظلم أكثر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

رضا المرأة بأن يُخفى أمر زواجها من رجل متزوج له آثار سيئة، ونتائج غير مرضية، ومن أهمها: عدم قدرة ذلك الزوج على العدل بين الزوجتين؛ حيث لا يستطيع وضع جدول ثابت يمشي عليه بكل طمأنينة، بل سيكون قلقاً إن جاء للثانية فإنه يفكِّر في أمر الرجوع للأولى دون كشف أمره، وإن أطال المكث عند الأولى: ظلم الزوجة الثانية بتأخره عليها، وهكذا سيحسب حساب لباسه، وقضاء شهوته، وسلوكه طرقًا لا يراه فيها أحد من طرف الزوجة التي أخفى عليها أمر زواجه، وهكذا ستكون حياته جحيمًا لا يُطاق، وفيه أثناء تنقله بين الزوجتين سيكون ظالمًا متعديًّا شرع الله فيما أوجب عليه من العدل في المبيت، وهذا مثال واضح بين أيدينا لما نقوله، ولا نظن أحدًا ينازع في صدق قولنا، ومطابقته لأحوال من نذكرهم، ونتكلم عنهم، وكم خربت بذلك بيوت، وتسبب الزوج بظلم لزوجته، أو أولاده، وذلك بالتفريط في حقهم، وعدم القيام على شئون تربيتهم، ورعايتهم.

وبه تعلمين: أنكِ رضيتِ بما يحدث معك الآن؛ لأنك وافقتِ على أن يكون زواجكِ بزوجك بهذه الحال، وتلك الكيفية، وكان الأصل أن لا ترضين بهذا، بل تصرِّين على الإشهار، والإعلان، أمام زوجته الأولى؛ لئلا تُظلمين، أما وأنكِ لم تفعلي: فعليك تحمُّل ما جرى لك من جهة، وعليك السعي لإصلاحه من جهة أخرى.

ثانيًا:

وإذا كان زوجك له وجه عذر – عندك لا في الشرع – قبل اكتشاف أمر زواجه بكِ: فإنه لا عذر له الآن، فالواجب عليه العدل بينك وبين زوجته الأولى في المبيت، فما يمكثه هناك من الليالي فعليه أن يمكث قدرها عندك، ولك مطالبته بهذا الحق الذي أوجبه الله عليه، وجعله لكِ، فإن أصرَّ على الرفض: فأنتِ بالخيار، إما أن ترضين بحياتك معه مع ما فيها من ظلم لك، وإما أن تختاري فراقه.

وننصح – وقد انكشف الأمر – أن توسطي من يتصف بالعلم، والعقل، بينكما، لحلِّ قضيتك معه، وإلزامه بما ألزمه الله به: من العدل بينك وبين زوجته الأولى، ومن تسجيل ابنتكما في الأوراق الرسمية، ولا ندري – حقيقة – عذره في هذا التأخير، وهو يعلم أن الأمر جد خطير، ولا ترضى دول العالم كلها بمثل هذا التصرف الأرعن، فكيف رضي هذا لابنته أن تكون بلا قيد، ومجهولة في عالَم يتمتع بأيسر الحقوق الشخصية، وهو الحصول على إثبات وجود في هذا الدنيا باسم خاص؟! فأين استقامته، وخوفه من الله، والتي تقولين إنه يتمتع بهما؟! وكيف يعمل الخير للناس وينسى أقرب الناس إليه وهما زوجته، وابنته؟! وإن كان لنا أن نثني عليه بشيء: فهو بإصراره عليك زوجة، وعدم تطليقك، كما طلبته منه زوجته الأولى، وهي لا شك آثمة بفعلها هذا.

فالأمر الآن عندك: تنصحينه، وتذكرينه بالله تعالى، فإن لم يجدِ: فتوسطين عقلاء من أهلك، أو من أهلك وأهله، ليتم نصحه وإلزامه بما أوجب الله عليه، من العدل بين الزوجتين، ومن تسجيل ابنته في القيود الرسمية، فإن لم يستجب لهذا: فأنتِ بالخيار إما أن ترضين بحياتك معه، وتصبرين، كما طلب منك، أوتطلبين الطلاق.

واسألي الله تعالى التوفيق، والهداية، لك، وله، ونسأل الله تعالى أن يجمع بينكم على خير، وييسر أمركم لما فيه رضاه تعالى.

 

 

والله أعلم.

 

 

هل يجوز ترجمة لفظ الجلالة ” الله ” بكلمة ” God “؟ وحكم التقاط أوراق فيها اسم الله

هل يجوز ترجمة لفظ الجلالة ” الله ” بكلمة ” God “؟ وحكم التقاط أوراق فيها اسم الله

السؤال:

جزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من أعمال الخير للإسلام والمسلمين، ثم أما بعد، فسؤالي هو: أنا أعيش في بلد أجنبية، وعملتهم بالدولار، وهم يكتبون عليها ” اسم الله ” بالإنجليزي مثل الصيغة هذه ( in god we trust ) فما هو حكم النقود الموجود عليها مثل الصيغة التي كتبتها آنفًا؟ وهل إذا كانت ملقية على الأرض هل يجوز أن أتركها، أو آخذها لكوني أخشى أن يكون معنى اسم الله ملقى على الأرض وهي هذه الكلمة ( god )؟ وهل إذا تركتها أكون آثمًا؟ وكذلك إذا كانت ملقية – أعزكم الله – في المرحاض هل أنا آثم إذا لم أرفعها؟.

أفيدونا، أفادكم الله في الدنيا والآخرة، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لفظة ” God ” ليست تعني ” الله “، بل هي بمعنى ” إله “، وثمة فرق كبير بينهما، ولا يُصلح معناها ما يفعله بعضهم من زيادة حرف ” a ” قبلها، أو جعل الحرف الأول منها ” كبيرًا “.

* ومما يدل على خطأ تلك الترجمة للفظ الجلالة أمور:

  1. أنه بها لا يستطيعون ترجمة شهادة التوحيد ” أشهد أن لا إله إلا الله ” إلا بقولهم:

”  no god only allah”، وهو يدل على اختلاف اللفظين، وعدم قيام أحدهما محل الآخر، ويدل على ما قلناه من أن معنى اللفظة الأجنبية أنه ” إله “، وليس ” الله “.

 

  1. أن لفظ الجلالة ” الله ” من أسماء الأعلام، وأسماء الأعلام لا تترجم، بل تُنطق كما هي.

 

  1. أن اللفظة الأجنبية يستعملها أهل كل دين بإطلاقها على ربهم، وإلههم، فهي لا تدل على ذات الله العليَّة، بل تدل على آلهة متعددين، مختلفين، من البشر، والحجر، ونحن نعلم أنه ليس بقولنا ” الله ” ندحر الشرك ونقيم التوحيد، ونعلم أنه يوجد من يستعملها وهو غير موحِّد، لكنَّ شركه سيكون في معناها، وفي أفعاله، وأما هي بذاتها فإنها تدل على الله الذي لا معبود بحقٍّ سواه.

ولذلك فقد انتقد أهل الاختصاص مَن ترجم معاني القرآن باللغة الإنجليزية والتي ذكروا فيها تلك اللفظة بدلًا من اسم الجلالة ” الله “، كما فعله ” محمد أسد ” و ” عبد الله يوسف ” وغيرهما – مع وجود ملاحظات أخرى على ترجمتيهما -.

 

فالأصل: وجوب النطق باللفظ الذي ارتضاه تعالى لنفسه، ومن عجز عن النطق به: فينطقه بلغته.

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز لنا أن ندعو الله بأسماء لم ترد في القرآن، كما دعاء الإنجليز بـ  GOD )  ) معتبرين أنه ترجمة اسم الله؟.

فأجابوا:

قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )، فالله يدعى بأسمائه، وصفاته، الثابتة في الكتاب، والسنَّة، ولا يُدعى بغيرها مما لم يرد في الكتاب والسنَّة، وإذا أمكن النطق بها باللفظ العربي: فهو واجب؛ لأنها لغة القرآن، والسنَّة، وإن لم يمكن: جاز باللغة التي يستطيعها؛ لقوله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 235، 236 ).

– وقد بينّا سابقًا جواز ترجمة معاني أسماء الله لتعليم معناها، لا لإثبات هذا الاسم المترجم.

 

ثانيًا:

وبما ذكرناه سابقًا يُعلم الجواب عن العبارة المكتوبة على ” الدولار “، وأنه ليست تعني ” الله ” جلَّ جلاله، كما أن النصارى مختلفون في تحديد ” الرب ” عندهم، فبعضهم يقول أنه عيسى عليه السلام، وبعضهم يجعل الرب والد عيسى، والعياذ بالله، فليست إهانة تلك الأوراق إهانة لشيء فيه ذكر الله تعالى.

 

هذا ولا يُعلم عن الناس أنهم يُلقون تلك الأوراق النقدية؛ لأن لها قيمة يمكنهم الشراء بها، فليست هي أوراق ملونة قيمتها في ورقها، بل هي أوراق نقدية، يحرص الناس على جمعها، وحفظها، بل وتعظيمها – إلا من رحم الله -.

 

 

 

ولو فُرض أن ما فيها هو ” ذِكر الله ” واسمه تعالى: فليس يجب على المسلم تجميع كل ورقة فيها ذِكر الله في الشارع، وهو لا يؤاخذ إلا بما يتعلق بأوراقه هو، والتفريط في حفظها، أو تعريضها للمهانة، وليس يُلزم بالتقاط الأوراق التي عليها اسم الله من الشارع، ولم يكلفه ربه تعالى بهذا، إلا أن يجد منها شيئاً يستطيع تخليصه من المهانة دون مشقة.

 

ومن التقط ورقًا عليه ذِكر الله تعالى، واسمه: فهو بالخيار بين الاحتفاظ بها في مكانٍ أمين، مناسب، أو حرقها ، أو دفنها في مكان طاهر، وفي حفرة عميقة، ولو تمزيقها بآلات التقطيع الدقيقة.

 

* قال الشيخ ابن باز – رحمه الله -:

هذه الأوراق التي فيها ذكر الله: يجب الاحتفاظ بها، وصيانتها عن الابتذال، والامتهان، حتى يفرغ منها، فإذا فرغ منها، ولم يبق لها حاجة: وجب دفنها في محل طاهر، أو إحراقها، أو حفظها في محل يصونها عن الابتذال، كالدواليب، والرفوف، ونحو ذلك. ” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( 6 / 394 ).

 

 

والله أعلم.

 

 

اعترفت له بماضيها، فصار يعيِّرها، ويشتمها، فهل يكون قاذفًا؟

اعترفت له بماضيها، فصار يعيِّرها، ويشتمها، فهل يكون قاذفًا؟

السؤال:

بحتُ لزوجي بأسرار من الماضي بعد إلحاح، وإصرار منه، أنا تبت، والتزمت 3 سنوات قبل الزواج منه، ولازلت الآن – بفضل من الله تعالى -، لكن يؤرقني تأنيبه، وتشبيهي بأمثال الفاسقات، وأنني قليلة التربية، أنا راضية بقدري، وأحب زوجي، وأدعو الله أن يهدينا، ويصلح بالنا، ويبعد عنَّا شياطين الجن والإنس.

و سؤالي: هل بأغلاطي، وذنوبي التي ارتكبتها في الماضي لا يجب أن يقال عنِّي طاهرة، وعفيفة، وأخت فاضلة، ومحصنة؟ وهل زوجي يأثم لسوء ظنه بي، وشتمه لي؟ وهل يعتبر ممن يقذف محصنة؟ أم لا يجوز أن يقال لأمثالي محصنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

طلب الزوج من زوجته أن تبوح له بماضيها يدل على حمقه، وإلحاحه عليها وإصراره: يدل على قلة دينه، واستجابتها لطلبه في الحالتين: فعل سوء ستدفع ثمنه باهظًا، هذا ما يجب أن يعرفه كل زوج وزوجة، فالحذر الحذر أيها الأزواج من هذا الفعل السيء فإنكم تفعلون ما لا يحل لكم شرعًا، وليس هذا من فعل العقلاء الشرفاء، واحذرن أيتها الزوجات، واستترن بستر الله تعالى، ولا تفضحن أنفسكن في لحظة حمق يعيشها الزوج معكن، يطلب منكن أن تبحن بماضيكن من أجل التسلية؛ فإنهم لن يمرروها بسلام، حتى يكون هذا البوح بمثابة بري قلم للتوقيع على وثيقة الطلاق، أو الخلع.

 

ثانيًا:

وكل رجل لا بدَّ أن يؤثر عليه ماضي زوجته إن سمعه من الناس، فكيف أن يسمعه من زوجته نفسها؟! وأحيانًا تبلغ السخافة بالزوج أن يطلب تفاصيل تلك العلاقة! وهل تتوقع النساء أنه لن يتخيل زوجته – بعد ذهاب سكرته – وهي تقبِّل ذلك العشيق، أو وهي في أحضانه؟! وإن هذا الجهر بتلك المعاصي التي سترها الله تعالى على الزوجة من شأنه أن يشكك الزوج في تصرفات زوجته اللاحقة، ويُدخل الشيطان عليه أشكالًا من الريبة في حديثها، وهيئتها، ومن هنا نرى كثيرًا ممن فقدوا معنى الرجولة، وقلَّ دينهم، يعيِّر زوجته بماضيها، بل ويقذفها، ويشتمها، بعد أن أعطاها الأمان لتقول له صفحات ماضيها السيئة.

 

 

ولا نملك إلا تذكير النساء بتحريم فعل ذلك، ولو ألح الزوج وأصر، بل لا يكون منكن إلا نفي أي ماضٍ سيء، بل الإصرار على العفة، والطهر، ولا تفضحن ما ستر الله عليكن إن كان لكن ماضٍ سيء، وأنتم أيها الأزواج اتقوا الله في أسرتكم، واعلموا أنه لا يحل لكم الطلب من نسائكم أن تذكر ماضيها لكم، ولا تغتر بنفسك أنه لن يؤثر عليك، بل سيؤثر، ولا بدَّ أن ترى أثره السيء على نفسك، وفي حياتك الزوجية، عاجلًا، وقد أُمرت بالستر على من تراه يفعل المعصية، فكيف أن تنبش ماضٍ لم تشهده لتشهد عليه سماعًا، ومن امرأة تأتمنها على فراشك، وبيتك؟! فاتقوا الله في أنفسكم، وأزواجكم.

 

ثالثًا:

وأنتِ أيتها الأخت السائلة: توبي إلى الله مما قلتيه لزوجك؛ فهو معصية، ما كان لك أن تفعليها، واعلمي أنه بتوبتك عن ماضيك فأنتِ كمن لم يعص الله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم يقول: ( التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ ) رواه ابن ماجه ( 4250 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح ابن ماجه “، بل نرجو الله تعالى أن يكون بدَّل سيئاتك حسنات؛ لقوله تعالى- بعد أن ذكر الوعيد على فعل كبائر الذنوب -: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 70، 71، فأنتِ عفيفة، وطاهرة، ولستِ فاسقة، ولا أمثال الفاسقات.

 

رابعًا:

ولا يحل للزوج أن يعيرك بماضيك، ولا أن يشتمك، فإن فعل: أثم؛ لأذيته للك، ووقوعه في إثم السب والشتم، وكل ذلك محرَّم على المسلم تجاه أخيه المسلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ). رواه البخاري ( 5697 ) ومسلم ( 64 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

السبُّ في اللغة: الشتم، والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق فى اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة.

وأما معنى الحديث: فسبُّ المسلم بغير حق: حرامٌ بإجماع الأمَّة، وفاعله: فاسق، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

” شرح مسلم ” ( 2 / 53، 54 ).

 

 

 

وقد جاء النهي عن ” الأذية ” و ” التعيير ” بالذنب، و ” طلب العورة ” في سياق حديث واحد، وفيه وعيد شديد لمن فعل ذلك.

عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ). رواه أحمد ( 37 / 88 ) وصححه محققوه.

 

* وأما إن كان سبُّه وشتمه يحوي قذفًا – أي : اتهاماً بفعل الزنى -: ففيه تفصيل، تبعًا لما فعلتيه في ماضيكِ، وأظهرتيه له:

  1. 1. فإن كان ونرجو المعذرة – قد وقع منك ” زنى “، وأقررتِ له به: فلا يكون قاذفًا إن تكلم من العبارات ما فيه ” قذف “؛ لسقوط الإحصان بإقراركِ.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالًا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ – وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا …

رواه البخاري ( 6440 ) ومسلم ( 1697 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وهذا قذف منه للمرأة، إلا أنها لمَّا اعترفت بالزنى: سقط حكم قذفها.

” الاستذكار ” ( 7 / 482 ).

ولا يعني أنه لا يكون قاذفًا أنه لا يأثم، ولا يُعزَّر، بل يأثم؛ للأذية، وللفحش في قوله، وعليه التعزير بما يراه الحاكم مناسبًا، ولا يحل له تكرار القول، والقاعدة في هذا: ” مَن لا يجِب عليه الحد لعدم إحصان المقذوف: يُعزَّر؛ لأنه آذى من لا يجوز أذاه “. انظر” الموسوعة الفقهية ” ( 33 / 19 ).

* هذا من حيث الأصل، وهنا مسألتان:

أ. هل يكون قاذفاً إذا قذفكِ بالزنى المعتَرف به منكِ، وبغيره؟.

الراجح: أنه يكون قاذفًا إن قذفك بزنى مبهم، أو بزنى غير معترف به منك.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 33 / 19 ) – فيمن ثبت زناه ببينة، أو إقرار -:

وحكي عن إبراهيم – أي: النخَعي – وابن أبي ليلى: أنه إن قذفه بغير ذلك الزنا، أو بالزنا مبهمًا: فعليه الحد؛ لأن الرمي موجب للحد، إلا أن يكون الرامي صادقًا، وإنما يكون صادقًا إذا نسبه إلى ذلك الزنا بعينه، ففيما سوى ذلك: فهو كاذب، مُلحق للشيْن به. انتهى.

 

 

 

ب. وهل لا يكون قاذفًا حتى لو كان بعد الزنى توبة؟.

الراجح: أن من تاب من زناه: فكمن لم يزنِ، في الدنيا والآخرة؛ لحديث ( التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ )، خلافًا لمن قال من الشافعية إنه كذلك فقط في الآخرة، وعليه: فإن تكلم بما فيه قذفك بعد توبتك: فهو قاذف، ولو أقررتِ له بتلك الفعلة منك.

* قال المرداوي الحنبلي – رحمه الله -:

من تاب من الزنى، ثم قُذف: حُدَّ قاذفه، على الصحيح من المذهب.

” الإنصاف ” ( 10 / 171 ).

 

  1. 2. وإن لم يكن قد وقع منك تلك الفاحشة، لكنها علاقات محرمة، لم تصل لدرجة ارتكاب الزنى: فإن تكلم بما فيه قذفك: كان قاذفًا، وهو قد أثم إثمًا زائدًا على السب والشتم، وفعله كبيرة من كبائر الذنوب، وهو يوجب عليه حدَّ القذف، وهو الجلد ثمانين جلدة، ويُحكم عليه بأنه من الفاسقين، وترد شهادته؛ لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/ 4، وقال تعالى متوعداً القذفة في الدنيا والآخرة: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النور/ 23.

 

* والخلاصة:

أنه لا يحل له تعييرك بماضيك، وأنه قاذف بالطعن في عرضك فيما فيه اتهام بفعل الفاحشة إن لك يكن صدر منك فعل الفاحشة، وحتى لو صدر، فبما أنك تبتِ إلى الله: فهو قاذف، ومستحق للوعيد، والحد.

 

والله أعلم.

 

 

هل تُغطَّى رِجلا المحرِم الميت بكفنه كما يُغطَّى رأسه أم تُكشفان؟

هل تُغطَّى رِجلا المحرِم الميت بكفنه كما يُغطَّى رأسه أم تُكشفان؟

السؤال:

هل الميت المحرِم – حاج أو معتمر – تُغطَّى رِجله أم تبقى مكشوفة مثل رأسه ووجهه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

سبق منَّا تفصيل القول في حكم كشف المحرِم وجهه حال حياته، وبعد مماته، وبينّا هناك أن قول جمهور العلماء وهو: عدم وجوب تغطية المحرِم الذكَر وجهه حال حياته، وأنه لا يجب ستر وجهه بعد مماته، وبينا هناك أن الأرجح هو العكس من ذلك، احتياطًا، وخروجًا من الخلاف.

وأما الرِّجلان للمحرم الميت: فليس في السنَّة النبويَّة ما يدل على وجوب كشفهما، كحالهما حال الإحرام.

وعمدة المسألة: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ). رواه البخاري ( 1206 ) ومسلم ( 1206 ).

وتفرد ” مسلم ” بزيادة ” الوجه، فرواه مرة: ( وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ)، ورواه أخرى: ( وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ ).

– ( فوقصته ): من الوقص وهو كسر العنق.

– ( سدر ): ورق شجر، يدق ويستعمل في الغسل والتنظيف.

– ( ولا تحنطوه ): لا تضعوا له الحَنوط، وهو طيب يخلط للميت خاصة، وهو يدل على أن جميع أنواع الطيب لا تحل للمحرم.

وقوله صلى الله عليه وسلم بالمنع من تغطية رأس المحرِم الميت ووجهه: يدل بمفهومه أنه يُغطى سائر بدنه إلا هذين، وقد خَطَّأ حُذَّاق المذهب الحنبلي الرواية عن أحمد رحمه الله المانعة من تغطيتهما.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

واختلف عنه – أي: عن الإمام أحمد – في تغطية رجليه، فروى حنبل عنه: ” لا تُغطى رجلاه “، وهو الذي ذكره ” الخِرَقي “، وقال الخلاَّل: ” لا أعرف هذا في الأحاديث، ولا رواه أحدٌ عن أبي عبد الله غير حنبل، وهو عندي وهم من حنبل “.

والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه؛ لأن إحرام الرجل في رأسه، ولا يمنع من تغطية رجليه في حياته، فكذلك في مماته. ” المغني  ” ( 2 / 404 ).

 

ومذهب الشافعي رحمه الله أنه يُكشف رأس المحرِم فقط، وأنه حتى وجهه إنما ورد الأمر بكشفه لئلا يُستر شيء من الرأس الوارد النهي عن ستره.

وأما مذهب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله فهو: أن غسل المحرِم، وتكفينه هو كغسل وتكفين سائر الأموات من المسلمين، وعندهم أن حديث ابن عباس هو خاص بذلك الصحابي، وأن الله تعالى يمكن أنه أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إحرامه لم ينقطع، وأما سائر الناس المحرِمين: فإنه – عندهم – بموتهم ينقطع إحرامهم، وقد ردَّ عليهم العلماء، وبينوا تناقضهم، فهم قد استدلوا بالحديث على المنع من تغطية المحرِم وجهه حال الحياة، ثم امتنعوا عن الاستدلال به في المنع من تغطيته وتغطية رأسه حال الممات!.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 244 ، 245 ):

قال الشافعية والحنابلة: إذا مات المحرم، والمحرمة: حرُم تطييبهما، وأخذ شيء من شعرهما، أو ظفرهما، وحرُم ستر رأس الرجل، وإلباسه مخيطًا، وحرُم ستر وجه المحرمة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته فمات: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا).

وعند الحنفية والمالكية: يكفَّن المحرم، والمحرمة، كما يكفن غير المحرِم، أي: يُغطَّى رأسه، ووجهه، ويطيَّب، لما روي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المحرم يموت: ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود )، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال في المحرم: ” إذا مات انقطع إحرامه “، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به )، والإحرام ليس من هذه الثلاثة. انتهى.

* وللفائدة:

فحديث ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود ): رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 296 ) من طريق: علي بن عاصم عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

حديث لا يصح، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرف ” علي بن عاصم ” بالكذب، وكان أحمد: سيىء الرأي فيه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، قلت: بلى قد روى هذا مرسلًا.

” التحقيق في أحاديث الخلاف ” ( 2 / 5 ).

وروى الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 297 ) الحديث ذاته بلفظ آخر، وهو (خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتَاكُم وَلاَ تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ )، لكن أحد رواته أخطأ فرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في أصله مرسل، كما ذكره البيهقي رحمه الله في ” سننه ” ( 3 / 394 )، والحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 574 ) عن الإمام أحمد.

وضعفه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 3556 ).

 

* والخلاصة:

أنه لم يرد في تغطية رجلي المحرِم، وكشفهما حديث في السنَّة الصحيح، ومفهوم حديث الأمر بكشف الرأس والوجه – على الخلاف فيه -: يدل على أن المسكوت عنه أمره واسع، والمحرِم أصلًا لا يكشف قدميه، بل يلبس النعل، والأصل في الكفن أنه يُغطى به البدن جميعه، فعلى من كفَّن محرِماً أن يكشف رأسه ووجهه، ويغطي سائره، إلا المرأة فإنه يُغطى بدنها كله، محرِمة كانت، أو غير محرِمة.

 

والله أعلم.

 

حكم ممارسة فنون قتالية تحتوي على خرافات عقيدية ومخالفات شرعية

حكم ممارسة فنون قتالية تحتوي على خرافات عقيدية ومخالفات شرعية

السؤال:

كنت متحمسًا جدًّا لأكون ملمًّا بالمهارات، والفنون الحربية، لكن أصابني الفزع بعد ذلك من بعض الأشياء المتعلقة بهذا الفن نفسه، فالفن الذي أمارسه يقال إن منشأه في بلاد ” الماسونية ” ، فقد قرأت أن التثليث كان مشهورًا جدًّا في بلد المنشأ لمثل هذه الفنون،  فقد كانوا يستخدمون التثليث بحركة القدمين – الهرم بالعين -، وكانوا أيضًا يفعلون بعض الجروح على شكل زوايا، مستخدمين السيف، وفي نوع آخر من الفن الذي أود أن أمارسه كانوا يستخدمون حركة القدمين على شكل دوائر، ويفعلون بعض الجروح، ويقولون: إن تأثير هذه الأشياء تكون بالتوافق مع الطبيعة، – أعلم أن كل هذه المعتقدات ما هي إلا هراء وأكاذيب ليس لها أي أساس من الصحة -، وعلى الرغم من كل هذه الأشياء التي ذكرتها في أصول نشأة هذا الفن: فهل أظل أمارس مثل هذه الفنون التي ذكرتها؟ أم أن هذا سيكون من قبيل الشرك بالله؟ وأيضاً لو كانوا يركعون، ويقومون بالانحناء عندما كانوا يمارسون هذا الفن، وأنا لا أركع، ولا أنحني عندما أمارسه، فهل أستمر في ممارسته؟  فضلا التكرم بالإجابة، مع الدليل.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في التدرب على ممارسة الفنون القتالية: الجواز، وهو من إعداد النفس على الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلى تقوية الذات ضد أهل الفساد، والباطل.

وقد شاب بعض هذه الفنون ما يُخرجها عن حكم الإباحة، وبخاصة تلك المستوردة من ” آسيا ” حيث تعتمد في أصلها على الشعوذة، والخرافة، والعقائد البوذية، وعقائد الشرك والضلالة، فإن ثبت هذه فيها: حرم ممارستها تعلُّمًا، وتعليمًا.

ومن استطاع أن يستل من تلك الفنون القتالية ما فيها من نفع وفائدة للبدن، وأن يخلصها مما فيها من شرك، وخرافة: جاز تعلمها، وتعليمها.

ويصدق على تلك الفنون القتالية ما يصدق على غيرها من الألعاب، من ضرورة الالتزام بالشروط الشرعية، والكف عن فعل ما يخالف الشرع أثناء ممارستها، فلا يجوز أثناء ممارسة تلك الفنون كشف العورات، وإضاعة الصلوات، كما لا يجوز الضرب على الوجه، ولا انحناء اللاعب للمدرب، لا للمسلم منهم، ولا للكافر، من باب أولى.

 

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

أجمع أهل العلم على أن الانحناء لا يجوز لأحد من المخلوقين؛ لأنه لا يكون إلا لله تعالى؛ تعظيمًا له سبحانه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه لغير الله، فقد سأله رجل كما في حديث أنس رضي الله عنه، فقال: ” يا رسول الله: الرجل منَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: ( لا ) ” رواه التزمذي وابن ماجه .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 130، 131 ).

* وقالوا – أيضًا -:

لا يجوز لمسلم أن يحني رأسه للتحية، سواءً كان ذلك لمسلم، أو كافر؛ لأنه من فعل الأعاجم لعظمائهم، ولأنه شبيه بالركوع، والركوع تحية، وإعظامًا: لا يكون إلا لله

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 116 ).

 

فعليك – أخي السائل – ترك الأفعال التي هي شرك -، أو خرافة -، وترك ما فيه مخالفة شرعية – كما ذكرناه من الانحناء -، ولا حرج عليك من الاستفادة من تلك الفنون القتالية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية في عموم الألعاب الرياضية، وغيرها.

 

وتجد تلك الضوابط – مع بيان بعض المخالفات في كثير من الألعاب الرياضية – في أجوبة الأخرى، فانظرها.

 

والله أعلم.

 

 

متى وُلد عيسى بن مريم؟ وهل في القرآن إشارة إلى أنه وُلد في الصيف؟

متى وُلد عيسى بن مريم؟ وهل في القرآن إشارة إلى أنه وُلد في الصيف؟

السؤال:

لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر ” كانون أول ” ، وخصوصًا أن موسم الرطَب هو في شهر الصيف، فما هو التاريخ التقريبي لميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مسألة تحديد وقت ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عليها تنبيهات:

  1. أنها من الغيب الذي لا يمكن لأحدٍ الجزم به، إلا أن يكون ممن يوحي لهم الله تعالى بوحيٍ من عنده؛ لأنه لا سبيل لمعرفة ذلك إلا به؛ لانقطاع الأسانيد بيننا وبين ذلك الزمان، ولاختلاف النقلة في تحديد وقت ميلاده عليه السلام.
  2. أن معرفة ذلك الوقت علم لا ينفع، والجهل به غير ضارٍّ، ولو كان في معرفة ذلك فائدة لجاءتنا النصوص به، ثم لو عرفنا وقت ميلاده: فما هو وقت ميلاد موسى، وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء والرسل؟! وما فائدة معرفة ذلك الوقت؟! وهذا يقودنا إلى التنبيه الثالث.
  3. ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أقرب من ميلاد عيسى بن مريم، وكان ابنًا في بيئة تتجه لها أنظار العالَم – مكة المكرمة -، وكان ابنا لشرفاء وسادة تلك البقعة، ومع ذلك كله لا يُعرف على التحديد وقت ميلاده صلى الله عليه وسلم، والخلاف في تحديده مشهور.

 

ثانيًا:

وجزم الأخ السائل بأنه ” لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر كانون أول “: في غير مكانه، وليس مع أثبت شيئًا أو نفاه أدلة يطمئن القلب لها، ولا هو بالشيء الذي يُجزم بحدوثه على التحديد.

وثمة اتجاهات في إثبات وقت ميلاد عيسى بن مريم عليه السلام عند النصارى، فضلًا عن المسلمين، فالنصارى يزعمون أنهم أتباع دينه، وهو ربٌّ لكثير منهم! أو ابن ربِّهم! ومع ذلك ليس ثمة اتفاق بينهم على تحديد ميلاده!.

ولا يختلف المسلمون عن النصارى في الخلاف في تحديد وقت ميلاد عيسى عليه السلام، إلا أن الخلاف عندنا منطلقه الفهم لآيات من كتاب الله تعالى فيها التصريح بوجود رطَب على شجرة نخيل عند ولادة عيسى عليه السلام، ومن ثَمَّ اختلف العلماء عندنا هل كان وقت ميلاده عليه السلام في ” الصيف ” لكون ذلك الوقت موسم تلك الثمرة، أو كان الأمر كرامة من الله تعالى في إيجاد تلك الثمرة في غير موسمها، كما أجرى الله تعالى الماء من تحت أمه مريم وقت ولادة ابنها عيسى عليه السلام، وكما أنطق الله تعالى ابنها وهو طفل صغير؟! خلاف بين العلماء، والأظهر – والله أعلم – هو القول الثاني.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ) لم يصرِّح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه، ولكنَّه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو: ط الرطَب الجني ” المذكور، والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه بـ ” السري “، كما تقدم، هذا هو الظاهر.

*وقال بعض العلماء:

إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به: كان جذعًا يابسا؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني.

* وقال بعض العلماء:

كان الجذع جذع نخلة نابتة، إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر، وجعله رطباً جنيّاً.

* وقال بعض العلماء:

كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجوداً.

* والذي يُفهم من سياق القرآن:

أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة، ولم يكن الرطَب، والنهر، موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابساً، أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر، وجعله رطبًا جَنيًّا، ووجه دلالة السياق على ذلك : أن قوله تعالى: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ) يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به، فوجود هذه الخوارق، من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود: تطمئن إليه نفسها، وتزول به عنها الربية، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسيًّا: لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت، كما هو ظاهر، وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود: لا غرابة فيه، وقد نص الله جل وعلا في ” آل عمران ” على خرقه لها العادة في قوله ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ).

* قال العلماء:

كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وإجراء النهر، وإنبات الرطب: ليس أغرب من هذا المذكور في سورة ” آل عمران “. ” أضواء البيان ” ( 3 / 397 ).

 

هذا هو الذي نراه راجحاً صحيحًا، وبه نعلم أنه لا يمكننا تكذيب من قال إن ميلاد عيسى عليه السلام في الشتاء، بل هو الأقرب للصواب؛ لأنه ليس موسمًا للرطَب، لكن هذا القول ليس متفقاً عليه عند النصارى، ولا عند المسلمين، وسنذكر فيما يلي عمَّن يرجِّح خلاف ما رجحناه، ويذكر الخلاف عند النصارى في تحديد ميلاد عيسى عليه السلام.

 

*قال الأستاذ محمد عزت الطهطاوي:

هل وُلد المسيح حقّاً في فصل الشتاء في 25 ديسمبر، كما يقول النصارى الغربيون، أو في يناير، كما يقول النصارى الشرقيون؟.

ورد في إنجيل ” لوقا ” حكاية عن ميلاد المسيح عليه السلام: ” وكان في تلك الكورة رعاة متبدين، يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب حولهم، فخافوا خوفاً عظيمًا، فقال لهم الملاك: ” لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم، يكون لجميع الشعب، إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح “. ( إنجيل ” لوقا “، إصحاح 2، عدد 8-9-10-11 ).

 

ومعنى ذلك: أن يكون الميلاد في وقت يكون الرعي فيه ممكناً في الحقول القريبة من ” بيت لحم ” المدينة التي ولد فيها المسيح عليه السلام، وهذا الوقت يستحيل أن يكون في الشتاء؛ لأنه فصل تنخفض فيه درجة الحرارة – وخصوصًا بالليل – بل وتغطي الثلوج تلال أرض ” فلسطين “، وجعْل عيد الميلاد للسيد المسيح في فصل الشتاء: لا أساس له إذًا، بل هو من مخترعات الوضاع يجعله في فصل الشتاء وفي هذه التواريخ المذكورة انفا.

 

* ولندلل على ذلك بالاتي:

1- يقول الأسقف ” بارنز “: غالبًا لا يوجد أساس للعقيدة القائلة بأن يوم 25 ديسمبر كان بالفعل ميلاد المسيح، وإذا ما كان في مقدورنا أن نضع موضع الإيمان قصة ” لوقا ” عن الميلاد مع ترقب الرعاة بالليل في الحقول قريباً من ” بيت لحم “؛ فإن ميلاد المسيح لم يكن ليحدث في الشتاء حينما تنخفض درجة الحرارة ليلاً وتغطي الثلوج تلال أرض اليهودية، ويبدو أن عيد ميلادنا قد اتفق عليه بعد جدل كثير ومناقشات طويلة حوالي عام 300 بعد الميلاد.

كتاب ” ظهور المسيحية ” للأسقف بارنز.

 

2- وهذا الرأي الذي ذهب إليه الأسقف ” بارنز ” قد استمده الذين كتبوا بيانات عن عيد الميلاد في ” دائرة المعارف البريطانية “، ودائرة ” معارف شاميرز “، فقد ورد في الطبعة الخامسة عشرة من المجلد الخامس في الصفحة ( 642 ، 643 أ ) من ” دائرة المعارف البريطانية ” ما يلي: ” لم يقنع أحد مطلقاً بتعين يوم أو سنة لميلاد المسيح – ولكن صمم آباء الكنيسة في عام 340 بعد الميلاد على تحديد تاريخ للاحتفال بالعيد – اختاروا بحكمة يوم الانقلاب الشمسي في الشتاء، الذي استقر في أذهان الناس، وكان أعظم أعيادهم أهمية، ونظرًا إلى التغيرات التي حدثت في التقاويم: تغير وقت الانقلاب الشمسي، وتاريخ عيد الميلاد بأيام قليلة “.

 

3- ورد في دائرة ” معارف شاميرز ” الآتي: ” كان الناس في كثير من البلاد يعتبرون الانقلاب الشمسي في الشتاء يوم ميلاد الشمس، وفي روما كان يوم 25 ديسمبر يحتفل فيه بعيد وثني قومي – ولم تستطع الكنيسة أن تلغي هذا العيد، بل باركته، كعيد قومي لشمس البر “.

 

4- يقول ” بيك ” من علماء تفسير الكتاب المقدس: ” لم يكن ميقات ولادة المسيح شهر ديسمبر على الإطلاق، فعيد الميلاد عندنا قد بدأ التعارف عليه أخيرًا في الغرب. ” تفسير الكتاب المقدس ” للدكتور بيك ( ص 727 ).

 

5- هناك دليل تاريخي ثابت موثوق به يوضح أن المسيح ولد في شهر أغسطس، أو سبتمبر، فقد كتب الدكتور جون د . أفيز في كتابه ” قاموس الكتاب المقدس ” تحت كلمة ” سنة “: أن البلح ينضج في الشهر اليهودي أيلول، كما ورد في صفحة (117) من كتاب ” تفسير الكتاب المقدس ” لـ ” بيك ” العبارة الاتية: ” إن شهر أيلول يطابق عندنا شهر أغسطس، وسبتمبر “.

 

6- ويقول الدكتور ” بيك ” في مناقشة ” جون ستيوارت ” لمدونة ” من معبد انجورا “: وعبارة وردت في مصنف صيني قديم، يتحدث عن رواية وصول الإنجيل للصين سنة 25 – 28 ميلادية، حيث حدد ميلاد المسيح في عام 8 قبل الميلاد، في شهر سبتمبر، أو أكتوبر، وحدد وقت الصلب في يوم الأربعاء عام 24 ميلادية.

 

* النتائج التي تستخلص مما تقدم:

1- ونخلص من كل ذلك طبقا للبحوث السابقة التي أجريت حاليًّا على أصول المسيحية: أن المسيح لم يولد في ديسمبر، أو يناير، ولكن في أغسطس، أو سبتمبر، ويكون حمْل السيدة مريم لم يبدأ في مارس، أو إبريل، كما يريد مؤرخو الكنيسة أن يلزموا الناس باعتقاده، بل بدأ حملها في نوفمبر، أو ديسمبر.

 

2- إن القران الكريم يُستخلص من تفسيره أن المسيح مولود في أغسطس، أو سبتمبر، وهذا يتفق مع الحقائق التاريخية، ومع رواية إنجيل ” لوقا “، وإن كان ذلك دون قصد، وأنه يظهر مما حكاه القرآن عن السيدة ” مريم “: أنها كانت ترقد عند ولادتها في سقيفة على مكان مرتفع من التل حيث تقف نخلة على منحدر منه، وكان من الميسور لها أن تصل إلى جذعها، وتهزه، وكثرة النخيل في ” بيت لحم ” واضحة في الكتاب المقدس في الإصحاح الأول من ” سِفر القضاة “، وكذلك ” قاموس الكتاب المقدس ” المؤلَّف بمعرفة الدكتور ” جونر يفنز “، كما أن حقيقة إرشاد السيدة ” مريم ” إلى نبع – كما ورد في القران الكريم – لتشرب منه: تشير إلى أن ميلاد المسيح قد حدث فعلًا في شهر أغسطس، أو سبتمبر، وليس في ديسمبر حيث يكون الجو باردًا كالثلج في كورة اليهودية، وحيث لا رُطَب فوق النخيل حتى تهز جذع النخلة فتساقط عليها رطبُا جنيًّا، قال تعالى: ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا )، والمعنى: أنه جعل قربَها جدولاً صغيرًا كان قد انقطع ماؤه، ثم جرى، وامتلأ، وسمي سريّا لأن الماء يسري فيه، وأنه في إمكانها أن تتناول من الرطَب الصالحة للاجتناء إذا أرادت أن تأكل، وإذا أرادت أن تشرب: أمكنها ذلك من جدول الماء، الذي كان يسري بجانبها. ” النصرانية والإسلام ” الأستاذ محمد عزت الطهطاوي ( ص 241 – 244 ) مكتبة النور.

 

* والخلاصة:

ليس في شرعنا ما يثبت تحديد ولادة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، لا السنة، ولا الشهر، ولا اليوم، ومن قال إن القرآن فيه إشارة إلى أن مولده كان في فصل ” الصيف “: فمردود، بما نقلناه من خلاف العلماء أولًا، وبما هو لائق من كون ذلك الإيجاد للرطَب كان في غير موسمه، وأما النصارى: فغالبهم يرى أن مولده كان في شهر ” ديسمبر “، أو ” يناير “، وكان فصل الشتاء، وثمة من نقد ذلك عندهم، وبيَّن أنه خطأ، وأن مولده عليه السلام كان في ” الصيف “.

 

 

وبكل حال: ليس ثمة ما يُجزم به، وليس هذا من العلم النافع، ولولا تعلق الإجابة بشرح آية من كتاب الله: لما تجشمنا الرد على السؤال، وإذا كان النصارى قد اختلفوا في أصل عيسى عليه السلام ما هو، واختلفوا في أصل الاعتقاد: فأنَّى لهم الاتفاق على ما هو دونه؟!.

 

والله أعلم.

طلقها زوجها مرارًا وتزوجت أخاه سرًّا ثم أُجبِرَ على طلاقها ورجعت للأول!

طلقها زوجها مرارًا وتزوجت أخاه سرًّا ثم أُجبِرَ على طلاقها ورجعت للأول!

السؤال:

لديَّ صديقة تعيش هنا في ” النرويج “, تزوجت منذ 13 سنة، ولها ثلاث أطفال، زوجها اعتاد على الزنا منذ أن تزوجها، وكان رجلاً لا يعرف الحقوق الزوجية أبدًا، فكان يضربها، ويشتمها، ويتلفظ بأقبح الكلمات، فصبرت المرأة، وكانت تقول: ” لعل الله يصلحه “، ولكن بدون جدوى، فطلقها مرارًا، حتى أصبحت لا تعرف عدد مرات الطلاق، ولكن أهلها كانوا يجبرونها على عدم تركه لأنه عيب! ولا يعيرون اهتماما للحرام التي تقع فيه ابنتهم، فبعد تسع سنوات ضاق بها العيش، وانفصلوا لأنه طلَّقها أمام الجميع هذه المرة، فوقعوا في الأمر الواقع – الأهل -، وقبلوا بالطلاق، فبعد مرور العدة تزوجها أخوه الأصغر، وبسريّة تامَّة عن الأهل، المشكلة أنه عندما عرف الزوج الأول بالزواج: عمل ما لا يعمله المجنون، إذ أمر – وبشدة – أخاه الأصغر بأن يطلق زوجته إجباريًّا، والثاني لم يكن موافقًا على الطلاق، ولكن ما كان باليد حيلة، وتزوجها زوجها الأول عند أحد الشيوخ الموجودين في ” النرويج “، وقال عند عقد القران – أي: عند الشيخ – بأن التي أتزوجها بنت عذراء! وخال البنت كان وكيلاً عليها.

الآن هي تذرف بدل الدموع دمًا، ولا تريد الزوج الذي أهانها خلال هذه السنين، ولم يعطها حقَّها بأي نوع من الأنواع.

هي تسأل فضيلتكم: ماحكم هذا الزواج، والطلاق؟.

أفيدونا، أفادكم الله، وهي تنتظر الجواب بفارغ الصبر، وقد طلبت مني أن أرسل برسالتها إلى أحد الشيوخ بدلًا عنها لأنها لا تجيد الكتابة بالعربيَّة جيِّدًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن كان لنا عتب نذكره ابتداء: فهو على أهل تلك الزوجة، وذلك من وجوه:

  1. اختيارهم السكنى في بلاد كافرة منحلة، وتركهم المقام في بلاد إسلامية.
  2. سكوتهم على الظلم الذي كان يقع على ابنتهم، وعدم وضع الأمور في نصابها، وهو الذي لعله سبَّب تسلط ذلك الزوج على ابنتهم.
  3. قبولهم ببقاء ابنتهم عند زوج أغلب الظن – إن لم يكن يقيناً – أنه يعيش معها بالحرام؛ لأنه كما جاء في السؤال أنه طلَّقها مرارًا! فإن كانت الطلقات ثلاث فما فوق: فعقدهم باطل، وما كان يجري بينهم من علاقة فهي محرَّمة.

 

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الزوجة وعلاقتها مع زوجها: ففيها نوع غموض، وتحتاج لاستفصال من أصحاب العلاقة مباشرة، ولا يغني هذا عن ذهابها لواحد من أهل العلم تشرح له ما جرى بينها وبين زوجيها بالتفصيل، ونحن نذكر هنا أحكاماً عامَّة، قد تنطبق عليها بحسب فهمنا لحقيقة حالها:

  1. ذلك الزوج الأول الذي تقول إنه طلقها مرارًا: هي أدرى بعدد الطلقات، فإن كان طلقها مرتين: فهو طلاق يملك فيه الرجعة، وأما إن طلقها الثالثة – فما فوق -: فهو طلاق يجعلها أجنبية محرَّمة عليه، لا تحل له إلا أن تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة.

 

  1. زواجها الثاني ورد في السؤال أنه كان ” بسرية تامَّة عن الأهل “، فإن كان المقصود به أهله: فلا إشكال، وإن كان المقصود به أهلها: فالنكاح باطل، ولا تبنى عليه أحكام؛ لأنه تمَّ من غير ولي لها.

 

  1. وإن كان أهلها على علم بالزواج الثاني، وقد وافق وليها عليه: فهو نكاح صحيح، وإن ثبت أن زوجها الثاني أراد التزوج بها ليحلها لأخيه: فهو نكاح تحليل، يأثم به، هو ومن عرف بأمره، ولا تحل لزوجها الأول إن طلقها الثاني.

 

  1. إن كان أهلها على علم بالزواج الثاني، وقد وافق وليها عليه، ولم يكن ينوي تحليلها لزوجها الأول: فهو نكاح صحيح، وطلاقه لا يقع إن ثبت أنه كان بإكراه شديد من أخيه، خلافًا لأبي حنيفة القائل بوقوعه.

* قال أبو عمر ابن عبد البر – رحمه الله -:

اختلف العلماء في طلاق المكره، فذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إلى أن طلاق المكرَه لا يلزم، ولا يقع، ولا يصح، والحجة لهم: قول الله عز و جل ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن ) النحل/ 106، فنفى الكفر باللسان إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان، فكذلك الطلاق إذا لم يرده بقلبه، ولم ينوه، ولم يقصده: لم يلزمه، وروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في طلاق المكره: أنه لا يلزم، كما قال ابن عمر، وابن الزبير.

وبه قال شريح، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، والضحاك، وأيوب، وابن عون. ” الاستذكار ” ( 6 / 201، 202 ).

 

 

  1. وبناء على ما في النقطة السابقة: فالزواج الثاني يكون باطلًا؛ لأنه إن ثبث شرعًا أن أخاه كان قد طلَّقها تحت الإكراه الشديد: فوقوعه لاغٍ، ووجوده كعدمه، والزواج الثاني باطل، فتعتد منه بحيضة، وترجع للأول.

 

  1. وإن كان الطلاق في غير إكراه شديد، وكان يمكن للأخ أن يدفعه، ولم يبذل جهده في ذلك: فطلاقه واقع شرعًا، وتحل للأول – إن كان بغير نية التحليل – بعد العدة .

 

  1. وإن كان طلاق الثاني شرعيًّا: فزواجها من الثاني باطل من وجهين:

أ. أنه تمَّ من غير رضاها.

ب. أن خالها كان وليها في النكاح، والخال لا يكون وليًّا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب, كالأخ من الأم, والخال, وعم الأم, والجد أبي الأم ونحوهم.

نصَّ عليه أحمد في مواضع  وهو قول الشافعي, وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. ” المغني ” ( 7 / 13 ).

 

  1. كذب الزوج، أو الزوجة، أو الأولياء في بيان حقيقة حال الزوجة من كونها مطلقة، أو بكر، أو ثيب: إثم مبين، لكنه غير مؤثر في صحة العقد، إن كان الجميع يعلمون بحقيقة الحال لكنهم رضوا بكتابة غير الواقع.

 

هذا – تقريبًا – ما يمكننا قوله في قضية تلك الأخت المسئول عنها، وهو كما ترى قضية تحتمل وجوهاً متعددة من الأجوبة، وتحتاج لاستفصال من صاحب العلاقة مباشرة، ونرى أنه لا بدَّ من عرض قضيتها مباشرة على رجل من أهل العلم ليحكم فيها، وما ذكرناه هنا فلعله ينفعها أو ينتفع به غيرها.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

السؤال:

قرأت الفتاوى المتعلقة بعدم جواز مشاركة غير المسلمين في احتفالاتهم، ولكنني أريد أن أعرف ما حكم الاحتفال معهم في مناسبة مدرسية أو جامعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية مما لا يجب أن يُختلف في حرمته، على الأقل الأحوال، وقد سبق لنا في فتاوى متعددة بيان ذلك، والتحذير منه.

 

ثانيًا:

وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة – وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد -: فمنهم من رأى الجواز، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين، وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتحرم العيادة، والتهنئة، والتعزية لهم, كالتصدير، والقيام, وكمبتدع يجب هجره، وعنه- أي: عن الإمام أحمد -: يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة, كرجاء إسلام, اختاره شيخنا – أي: ابن تيمية –  ومعناه اختيار الآجري, وأنه قول العلماء: يُعاد، ويعرض عليه الإسلام، نقل أبو داود: إن كان يريد يدعوه إلى للإسلام: فنعم.

” الفروع و تصحيح الفروع ” ( 10 / 334 ).

 

* على أننا ننبه إلى شروط أخرى يجب توفرها حتى يقال بالجواز، ومنها:

  1. خلو بيئة التهنئة والزيارة من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، والأطعمة والأشربة المحرمة، فاحتفالات المسلمين غالبًا – وللأسف – لا تخلو من منكرات، فالحكم نفسه لاحتفالات غير المسلمين إن احتوت على منكرات.
  2. أن تخلو عبارات التهنئة من مخالفات شرعية، كابتدائه بالسلام، أو الدعاء له بالعز والبقاء.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى ، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم ” متَّعك الله بدينك “، أو ” نيَّحك فيه ” – أي: قوَّاك فيه -، أو يقول له: ” أعزك الله “، أو ” أكرمك “، إلا أن يقول ” أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به “، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.  ” أحكام أهل الذمة ”  ( 1 / 441 ).

 

  1. أن لا يهنَّأ ذلك الكافر – ولا المسلم كذلك – إن كان رجوعه من سفر معصية، أو حرب على المسلمين، أو لتولي وظيفة محرمة، كعمل في بنك، أو قضاء بين الناس بخلاف الشرع.

* قال ابن القيم -رحمه الله -:

فمن هنَّأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر: فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء؛ تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشرٍّ يتوقعه منهم، فمشى إليهم، ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق، والتسديد: فلا بأس بذلك. ” أحكام أهل الذمة ” ( 1 / 441، 442 ).

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وهو ممن يميل للمنع بالكلية -:

لا يجوز الذهاب إلى أحد من الكفار عند قدومه للتهنئة بوصوله، والسلام عليه؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

  1. تجنب تهنئة رؤوس الكفر كالقساوسة، والأحبار، وزعماء الكفر؛ لقطع الطمع في إسلامهم، ولما في تهنئتهم ومشاركتهم من عزٍّ لهم، وذل للمسلم، إلا أن يُطمع بأحد بعينه: فيجوز، كما في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب.

 

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن تهنئة ” قس ” بوصوله -:

وأما ذهاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهودي الذي كان مريضًا: فإن هذا اليهودي كان غلامًا يخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا مرض عاده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليعرض عليه الإسلام، فعرَضه عليه، فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسّاً ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل، أو صاحب هوى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

فالقول بالمنع من مشاركة الكفار في مناسباتهم الشخصية هو الأحوط، والجواز بشروط هو الأرجح دليلًا، وتعليلًا.

 

والله أعلم.