الرئيسية بلوق الصفحة 79

تريد دعوة رافضي للإسلام وتسأل عن ” الوطنية ” وعلاجها عنده

تريد دعوة رافضي للإسلام وتسأل عن ” الوطنية ” وعلاجها عنده

السؤال:

أعرف رجلًا إيرانيًّا شيعيًّا, وهو مستعد لأن يكون سنيًّا, وهو رجل وطني للغاية, وأنا أتساءل دائمًا: هل هو مهتم بالإخوة الإسلامية كما هو مهتم بإخوانه المنتمين لبلده؟ وأنا أعتقد أن المسلم يجب أن تكون أولويته في الحب لإخوانه المسلمين أكثر من أي حب آخر, هذا فضلًا عن محبة الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم, وأريد أن أقول له ذلك الأمر إلا أنني أخشى فأكون من الذين يقومون بعمل تفرقة بين الناس.

أرجو بيان هذا الأمر, فهل اعتقادي صحيح أم لا؟ اذا كان صحيحًا: أرجو من فضيلتكم بيان كيفية إخبار هذا الرجل بهذا الأمر, كيف أخبره أن محبة الإسلام والمسلمين أولى من محبة أبناء الوطن خصوصًا الشيعة؟ وهل يجوز دفع الزكاة للشيعي – لأنهم ليسوا كلهم كفرة -؟.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الجواب لا بدَّ من تحذير وتنبيه الأخت السائلة من إثم وخطر علاقة المرأة بالرجال الأجانب، فالإسلام يحرِّم تلك العلاقات بين الطرفين إذا لم يربط بينهما رابط شرعي، وللشيطان طرقه في الإيقاع بعباد الله حتى من طريق الدعوة إلى الله؛ وذلك بتزيين مثل تلك العلاقة أنها نافعة للهداية إما للإسلام، أو للطاعة.

 

كما أن الرجل – ولدينا كثير من الحالات – يوهم المرأة أنه قريب من دينها، ومنهجها، وأنه لا تبعده عن ذلك إلا خطوات؛ من أجل أن يجد مجالًا للحديث معها، والإيقاع بها، وقد يُعلن في الظاهر أنه على دينها ومنهجها، ثم سرعان ما يتركها بعد أن يحقق مأربه.

 

وإنما نذكر هذا نصيحة وتحذيرًا للمسلمات أن ينتبهن لأنفسهن، وأن يحذرن من تغليب العاطفة على الشرع، والعقل.

 

وفي حالتنا هذه: يمكن أن توكل مهمة دعوة ذلك الرافضي لرجل من أهل السنة، من أهلك، أو ممن يوثق به من أهل العلم والحكمة ممن هو قريب منكِ، ليتولى هو أمر دعوته والكلام معه، وإذا هداه الله ووفقه فيُكتب ذلك في ميزانك إن شاء الله.

ثانيًا:

وقد أحسنتِ في قولك إن محبة الإسلام والمسلمين مقدَّمة على حب الوطن، وأبناء الوطن، فالوطنية مصطلح خبيث في أصله؛ إنما جاءنا من دول الكفر من أجل التفرقة بين أبناء الإسلام، فرابطة الإسلام أوسع وأوثق، فجاء المستعمر الخبيث فقسَّم الدول الإسلامية إلى دويلات، ثم ربط أبناء كل دولة بعضهم ببعض؛ ليقطع أواصر العلاقة الكبيرة المتينة بين أبناء الإسلام، فصارت الرابطة الوطنية، والتي تجمع أبناء البلد الواحد بغض النظر عن دينه ومنهجه وخلُقه، فنجح في ذلك – وللأسف – نجاحًا كبيرًا، فصار الحب لأبناء الوطن مقدَّمًا على الحب لأبناء الإسلام، وصار القتال في سبيل الوطن، لا في سبيل الله، ولا من أجل الإسلام، وها نحن نعيش أثر ذلك في أيامنا هذه، فاليهود الآن يقتِّلون المسلمين في فلسطين، فتقصف طائراتهم ، وتدمر بارجاتهم، وتقذف مدافعهم، المسلمين المستضعفين في ” غزة ” – تحديدًا – والدول العربية والإسلامية لا تحرِّك ساكنًا؛ لأن القتال ليس في ” أوطانهم ” و ” بلدانهم “.

 

ومما كذبه الكاذبون على نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ما نسبوه إليه من قوله ( حُبُّ الوَطَن من الإيمان )! وهو حديث مكذوب لا أصل له.

 

وما قلناه لا يعني منع حب الإنسان لبلده، ووطنه، بل هو شيء فطري لا انفكاك للإنسان منه، وإنما أردنا التحذير من أن تكون رابطة ” الوطنية ” هي المقدَّمة على رابطة ” الإسلام ” في الولاء، والمحبة، والنصرة، وأردنا التنبيه على أن المسلم الأعجمي الذي يعيش في أقصى الأرض أقرب وأحب إلينا من أبناء وطننا ممن ليس مسلمًا، وأما الحب للأرض التي يولد فيها المسلم، أو يعيش: فهذا لا يُتنازع في أنه مشروع، لكن من قاتل دفاعًا عن وطنه فينبغي أن يكون ذلك دفاعًا عن الإسلام الذي في وطنه، لا عن الأرض مجردًا.

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن: لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر؛ لأنه أيضًا يقاتل من أجل وطنه ، والذي يُقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط: ليس بشهيد

ولكن الواجب علينا – ونحن مسلمون، وفي بلد إسلامي ولله الحمد ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك -: الواجب أن يقاتل من أجل الإسلام في بلادنا .

 

 

 

 

انتبه للفرق! نقاتِل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، سواء كان في أقصى الشرق أو الغرب، فيجب أن تصحَّح هذه النقطة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، ندافع عن الإسلام الذي فيه.

أما مجرد الوطنية: فإنها نية باطلة، لا تفيد الإسلام شيئًا، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم، والإنسان الذي يقول إنه كافر إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن .

وما يُذكر من أن ( حب الوطن من الإيمان ) وأن ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكذب .

حب الوطن إن كان إسلاميًّا: فهذا تحبه لأنه إسلامي، ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد عن بلاد المسلمين، كلها وطن إسلامي يجب أن نحميه

على كل حال: يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، لا لمجرد الوطنية.

أما قتال الدفاع: أي لو أحدًا صال عليك في بيتك يريد أخذ مالك، أو أن ينتهك عرض أهلك مثلًا: فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي عليه الصلاة والسلام .

فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: ( لا تعطه ) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ( قاتله )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ( إن قتلك فأنت شهيد )، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ( إن قتلتَه فهو في النار )؛ لأنه معتد ظالم، حتى وإن كان مسلمًا، إذا جاءك المسلم يريد أن يقاتلك من أجل أن يخرجك من بلدك، أو من بيتك: فقاتله، إن قتلته: فهو في النار، وإن قتلك: فأنت شهيد .. .

والحاصل: أنه لابد من تصحيح النية، ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نرى في الجرائد، والصحف: ” الوطن “، ” الوطن “، ” الوطن “، وليس فيها ذكر للإسلام، وهذا نقص عظيم، يجب أن توجَّه الأمة إلى النهج، والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا، ولكم التوفيق لما يحب ويرضى.

” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 65 – 69 ) مختصرًا.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص إيصال هذه الرسالة لذلك الرافضي: فنرى أن الرفض دين فاسد احتوى على مظاهر كثيرة من الشرك، والزندقة، والجاهلية، وليست هذه المسألة بالتي ستحول بين هداية ذلك الرافضي وبين الإسلام، فإن المطلوب منه أن يتخلى عن التعلق بالقبور، وأهلها، ومطلوب منه أن يُفرد الله تعالى بالتوحيد، وأن يعتقد بعدم تحريف القرآن، وأن يثبت إسلام الصحابة جميعهم، ويشهد لهم بالخير، وخاصة من ورد في فضله نصوص صحيحة، وهذه كلها – وغيرها مثلها – هي التي تحول بين الرافضي وبين الإسلام، ولو تخلى عنها، واعتقد ما يعتقده أهل السنة: لهان الخطب بخصوص ” الوطنية ” التي عنده؛ فإنه يمكن علاجها بإيقافه على النصوص القرآنية والنبوية التي تجعل الإسلام هو الرابطة بين المسلمين، دون الجنس، واللغة ، والوطن، ونبين له أنه لا مانع في الشرع من محبة الإنسان لبلده، لكن ليس على حساب الشرع، وأحكامه، وليس على حساب محبة المسلمين ممن يعيشون خارج بلدك، وإذا صار مسلمًا: أوقفناه على حقيقة الولاء والبراء بين المسلمين، وأن المسلم لا يقدِّم محبة أحدٍ من أهله حتى لو كان أقرب الناس منه، ولا وطنه وبلده، ولا مالَه، على محبة الله ورسوله ودينه، كما قال تعالى: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) التوبة/ 24، ونبيِّن له: أن الإيمان الذي يقبله الله ليس في قلب صاحبه مودة لكافرٍ، ولو كان أقرب الناس منه، كما قال تعالى: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة/ 22.

 

فهذا هو الدين الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وختم به الرسالات، يُعرض على ذلك الرجل بالطريقة المناسبة لعقله، وفهمه، والهداية بيد الله، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليقم أحدٌ من الرجال بعرض هذه الأحكام عليه، واحذري من كيد الشيطان ومكره أن تجعلي من دعوته سبباً لعلاقة غير مشروعة، ونشكر لك حرصك على هداية الضال عن سبيل الله، وحبك لعمل الخير.

 

رابعًا:

وأما بخصوص دفع الزكاة للشيعة – الرافضة -: فقد سبق تفصيل القول فيها وبيان عدم جواز ذلك.

وهذا من حيث الأصل، أما إن كان السؤال عن ذلك الشخص القريب من الإسلام: فيجوز إعطاء الزكاة لغير المسلم طمعًا في إسلامه، ويصدق عليه أنه من ” المؤلَّفة قلوبهم “.

 

والله أعلم.

كتب وبحوث حول السياحة وزيارة الآثار

كتب وبحوث حول السياحة وزيارة الآثار

السؤال:

أود أن أستفسر من حضراتكم عن كتب، أو دراسات، أو مراجع، أو بحوث، تحدثت عن أحكام زيارة المتاحف، والأماكن السياحية، وما هي أحكام من يعمل في هذه المتاحف، إن وجد لديكم ما يسعفني فمدّوني به، جزاكم ربي خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لعلك تجد مفاتيح هذه المباحث في بعض أجوبتنا في الموقع:

– حول مفهوم السياحة، وأنواعها، وأحكامها.

– والذهاب إلى دول الكفر، ودول الفسق والفجور، بقصد السياحة، والنزهة المجردة: وأنه محرَّم، فلينظر.

 

ثانيًا:

ومما وقفنا عليه مما يتعلق بموضوعات سؤالك، أو أكثرها:

  1. كتاب ” أحكام السياحة وآثارها، دراسة شرعية مقارنة “.

تأليف: هاشم بن محمد بن حسين ناقور. طبعه دار ابن الجوزي.

وقد تكلم المؤلف عن: مفهوم السياحة ، وأحكام الرخص فيها, والسياحة في بلاد المسلمين والكفار, والأماكن المخصوصة، وآثار السياحة، ووسائل جذب السياح، وحكم سياحة الكفار في بلاد المسلمين، وحكم دخولهم إلى المساجد، وغير ذلك.

  1. كتاب ” أحكام السياحة ونصائح وتوجيهات للسائحين والسائحات “.

للشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله.

ومعه:

فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حول ” حكم تعظيم الآثار “.

قام على طبعهما ونشرهما:

الشيخ سليمان الخراشي.

وفي الكتاب مسائل مهمة تتعلق بكثير من أحكام السياحة، ومتعلقاتها، وفي كلام الشيخ ابن باز تجد بغيتك فيما يتعلق بالآثار، سواء ما كان فيها بالعراء، أو في متاحف.

وانظره هنا:

http://www.saaid.net/book/open.php?book=4246&cat=82

 

  1. كتاب ” أحكام السائح غير المسلم في الجزيرة العربية، دراسة مقارنة “.

بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في السياسة الشرعية، من جامعة الإمام محمد بن سعود، ” المعهد العالي للقضاء “.

إعداد الطالب: عبد المحسن بن عبد العزيز الغيث.

وهو غير مطبوع، فيما نعلم.

– وانظر نبذة عن البحث، وموضوعاته، تحت هذا الرابط:

http://file12.9q9q.net/Download/41213951/seyaha1.doc.html

 

  1. كتاب ” السياحة في الإسلام “.

إعداد الطالب: عبد الله الخضير.

وهو بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير، من جامعة الإمام محمد بن سعود، ” المعهد العالي للقضاء “.

وهو غير مطبوع، فيما نعلم.

وانظر نبذة عن البحث، وموضوعاته، تحت هذا الرابط:

http://file12.9q9q.net/Download/81524411/seyaha.doc.html

 

والله الموفق.

أضاف لقيطًا لنسبه ومات، واللقيط يريد أن يزوج أخته باعتباره وليًّا لها!

أضاف لقيطًا لنسبه ومات، واللقيط يريد أن يزوج أخته باعتباره وليًّا لها!

السؤال:

لي ابن عم توفي، وله بنت واحدة فقط، ولقيط كان قد ربَّاه منذ الصغر، ولكنه ارتكب خطأ كبيرًا – عفا الله عنه – عندما أضاف هذا اللقيط في حفيظة النفوس، واستخرج له بطاقة أحوال، على أنه ابن شرعي له حسب النظام، والمشكلة الآن: أن البنت قد تقدم لخطبتها رجل صالح، وحيث أنه لا يجوز شرعًا أن يعقد هذا اللقيط لهذه البنت، لكنه حسب النظام هو أخوها، وله الحق في ذلك، وهو الولي لها، فهل يجوز أن يعقد هذا اللقيط لهذه البنت في المحكمة، ثم أقوم أنا بالعقد لهذه البنت على نفس الرجل في البيت بصفتي الولي الشرعي للبنت ، حيث أنني اقرب الناس لها من جهة أبيها، فهي ابنة ابن عم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما فعله ابن عمك هو من كبائر الذنوب، وقد بينا حرمة إضافة اللقيط إلى نسب أسرة من يقوم على رعايته والعناية به، وأن هذا من التبني المتفق على حرمته، وأن له مفاسد كثيرة لا تخفى، وها نحن نرى مفاسد جراء ذلك الفعل، وهو أن هذا اللقيط يشاهد أجنبية، ويقبلها، ويخلو بها، على أنها أخته! والواقع أنه أجنبي عنها، وهي أجنبية عنه، وها هو يريد أن يكون وليًّا لها في زواجها، وهو ليس كذلك، مما يترتب عليه بطلان العقد، وغير ذلك كثير من المفاسد، وقعت، وستقع، إن لم يُتدارك الأمر، ويُعلن عن الحقيقة، ويُجهر بها، وما يترتب على إظهار الحقيقة من مضار نفسية لا يقارن بمفاسد الواقع المزيَّف، والتي يتعلق بوجوده أحكام شرعية كثيرة، تتعلق بالنسب، والميراث، والزواج، والمحرمية، وغير ذلك.

لذا وجب على العارف بهذا الواقع أن يبادر فورًا ودون تأخير لإعلان الحقيقة، ونفي نسب ذلك الرجل الذي أُدخل في نسب ابن عمك، ولا يحل لكم كتمان الأمر، وهذه شهادة ستسألون عنها يوم القيامة، وأنتم تتحملون آثاماً كثيرة بذلك الكتمان.

وعلى ذلك الرجل أن يقدِّر الأمر، وأن يرض بما قسم الله له، وليحتسب مصيبته عند ربه، وليصبر على ما أصابه، وعندما تهدأ نفسيته ستبين له أن الحقيقة وإن كانت مرة إلا أنها في مصلحته، ومصلحة غيره، وسيلومكم أشد اللوم – وحقَّ له ذلك – على كتمان الأمر عليه طيلة تلك الفترة.

 

وليَعلم هذا الرجل أن من هو خير منه كان منتسبًا إلى أشرف خلق الله، ونعني به ” زيد بن حارثة ” الصحابي الجليل، فقد كان منتسبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يُدعى لفترة ” زيد بن محمد ” فلما حرَّم الله تعالى التبنِّي نُسب لوالده ” حارثة “.

وها هو ” سالم ” الصحابي الجليل، والذي رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه، قراءة وتعلُّمًا، كما روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ) رواه البخاري ( 3595 ) ومسلم ( 2464 ).

هذا الصحابي الجليل كان منتسبًا لأبي حذيفة، فلما حرَّم الله تعالى التبني ولم يُعرف له أب: نسب إلى أبي حذيفة بالولاية، فصار يقال له ” سالم مولى أبي حذيفة “، تنفيذًا لقوله تعالى: ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الأحزاب/ 5.

ولم يكن ذلك يعيبه، ولا يقدح بعدالته، ودينه، وها هو النبي صلى الله عليه يكرمه بذلك القول الذي يستحقه، وقد كان الصحابة يكرمونه، ويجلونه.

ثانيًا:

وابن ابن العم يكون وليًّا للمرأة إذا لم يكن من هو أحق منه وأولى.

* ففي ” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” لموسى الحجاوي رحمه الله ( 3 / 172 ):

ثم أخوها لأبوين، ثم لأبيها، ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا، ثم العم لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا. انتهى.

* وفي ” روضة الطالبين ” للنووي رحمه الله ( 7 / 59 ):

ثم الأخ من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم العم من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل. انتهى.

ومع هذا فإننا لا نقول لك أن تجعل ذلك الغريب الأجنبي يقوم بتزويج ابنة ابن عمك في المحكمة، ولا في غيرها؛ لأن فعله غير جائز أصلًا، وهو من اتخاذ آيات الله هزوًا، والإثم في ذلك ليس عليه، وعلى قريبتك، ولا عن من زوجهما، بل هو عليك، وعلى من علم بالحال وسكت عليه.

فالواجب عليكم الجهر بالحقيقة، وإصلاح ما أفسده ابن عمك، وعدم التأجيل في ذلك، كما يجب عليكم فصل ذلك الغريب عن قريبتكم، وعدم تمكينه من لقائها، والسكن معها، وعليكم بتحمل تبعات ذلك، وإن شق عليكم ذلك، والسكوت عنه سيولد مشكلات لا حصر لها، وستتداخل الأنساب بعضهما ببعض، وستحدث مفاسد لا حصر لها، لا يسعكم إلا هذا، ولا نفتيكم إلا بهذا الإصلاح لذلك الفساد، ونسأل الله أن يعفو عن ابن عمك، وأن يغفر له فعله، وأن يعينكم على إصلاح ما أفسده.

 

والله أعلم.

هل يجوز الالتحاق بالجيش الإسباني في ” سبتة ” و ” مليلة “؟

هل يجوز الالتحاق بالجيش الإسباني في ” سبتة ” و ” مليلة “؟

السؤال:        

في إسبانيا توجد مدينة مسماة ” مليلية “، الموجودة في شمال إفريقيا، والتي كانت تابعة للأندلس مدة من الزمن، نود أن نسأل: هل إذا اعتمدنا على الفتوى التي تقول بجواز عمل المسلم في جيش هذه المدينة – الجيش الإسباني -، علما أن هؤلاء المسلمين ازدادوا فيها، أي: ليسوا مهاجرين، وأن اسبانيا ليست في حرب مع المسلمين، وأن هؤلاء الإخوة يدخلون للجيش فقط بحثًا عن لقمة العيش، وليس لأي سبب آخر بسبب هذا العمل هناك مجموعة في هذه المدينة تقوم بتكفير كل شخص يلج في الجيش، نطلب منكم أن تجيبونا؛ لأننا نود معرفة الحكم الإسلامي، ولا ندري ماذا نفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مدينتا ” سبتة ” و ” مليلية ” تتبعان ” المغرب ” في الأصل، وهما الآن محتلتان من قبَل ” إسبانيا “، ولهما موقع مميز على البحر المتوسط، وتقابلان الأراضي الإسبانية، ولا تزال إسبانيا ترفض إرجاعهما إلى مملكة المغرب؛ لأنها تعتبرهما أراضٍ إسبانية.

 

والوجود السكاني فيهما هو وجود إسلامي من حيث الأصل، ولمحاولة طمس ذلك الوجود، واستبداله بآخر من جنس دولتها: رغبت أسبانيا سكانها الأصليين بالتحول لتلك المدينتين، مقبلا إغراءات ماليَّة، ووظيفية، كما رغَّبت المسلمين المغاربة بالحصول على الجنسية الإسبانية؛ لإذابة أولئك المسلمين في ثقافتها، وحضارتها.

 

ثانيًا:

وهذا الواقع للمسلمين فرض على الدولة الأسبانية تضييق الخناق عليهم في دينهم، وعبادتهم، فمنعت من الجهر بالأذان، ومنعت بناء مساجد جديدة، وحرمت مَن لم يتجنس بجنسيتها مِن حقوق كثيرة، ومِن تنازل عن جنسيته المغربية وحصل على الأسبانية فإنها تعتبره مواطنًا مِن الدرجة الثانية!.

 

وقد فرضت الحكومة رقابة صارمة على المسلمين هناك، وخاصة من التحق منهم بالجيش، وبالأخص بعد أحداث تفجيرات ” أمريكا “، فلذا لا يستطيع المسلم داخل ذلك الجيش إظهار عاطفته تجاه المسلمين في العالَم، فضلًا عن إظهار ما هو أكبر من ذلك، من النصرة، والدعاء لهم، حتى وصل الأمر إلى أن أوقفت السلطات هناك منتسبًا للجيش اتصل بقناة فضائية مشهورة فقط ليسأل عن الحكم الشرعي في الانخراط بذلك الجيش! مما دفع بعض المنتسبين للجيش من المسلمين لتقديم استقالته، والخروج بكرامته.

 

ثالثًا:

وإنما قدَّمنا بهذه المقدمة لنقف بالقارئ عامة، والسائل خاصة, على حقيقة الحال، وأن التجنس بتلك الجنسية، والالتحاق بجيش تلك الدولة: ليس فيه إلا الذل والهوان للهوان للمسلم، وليست العبرة بما كانت عليه حال تلك المدينتين، بل العبرة بحالها وواقعها الآن، وهو أنها محكومة من قبَل دولة كافرة.

 

وهذه الدولة لا تتوانى في نصرة أعداء الإسلام في حربهم على المسلمين، وغزوهم بلادهم، فقد اشترك جيشها في غزو العراق واحتلاله، واشترك في غزو أفغانستان واحتلالها، ومكنت هذه الدولة دولة الاستعمار ” أمريكا ” من اتخاذ أراضيها قاعدة عسكرية لغزو بلاد المسلمين، والتنكيل بهم في سجونها السرية.

 

ولذلك لا يكون منا بعد هذا إلا القول بحرمة التحاق المسلم بذلك الجيش، والذي يساهم في معركة – مع دول كافرة أخرى – شرسة مع المسلمين في أنحاء العالَم، ولا ينبغي القول إن من يلتحق بذلك الجيش أنه يستطيع التدرب، والاستفادة من خبرته لنصرة المسلمين، وقد سبق بيان واقع الأمر؛ قطعًا للطريق على القائل بمثل هذا، مع توفر دول إسلامية كثيرة تمتلك أسلحة متطورة، وخبرات ميدانية عالية، فلا حاجة للمسلم أن يلتحق بمثل ذلك الجيش لهذه الغاية.

 

وليُعلم أن من يدخل الجيش الأسباني فإنه سيقسم قسم الولاء للدولة! وسيواليها في حربها وسِلمها، فيحارب معهم، ولو كان المحارَبون من المسلمين، ومن لم يباشر الحرب معهم: فإنه يسد عنهم ثغرة في بلده، فهي إعانة في كل الأحوال.

 

كما أنه سيقوم بتعظيم رؤسائه من النصارى، وإلقاء التحية عليهم، مع تعظيمه للعلَم الإسباني، ومع حلقه للحيته، وعدم قدرته على القيام بشعائر دينه.

 

وبعض هذه الأسباب تكفي للقول بحرمة الالتحاق بذلك الجيش، فكيف بها مجتمعة؟! بل بعض هذه الأسباب كانت سببًا لأن يفتي بعض أهل العلم المعاصرين من حرمة الالتحاق بالجيش ولو كانت الدولة مسلمة، فكيف أن تكون كافرة؟!.

 

* فقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز الدخول في أمر يتطلب الدخول فيه حلق اللحية وعدم التمكن من تأدية بعض الصلوات في أوقاتها وطاعة الأوامر العسكرية فيما حرم الله؟.

فأجابوا:

لا يجوز للمسلم أن يدخل في أمر يستلزم هذه الأشياء أو بعضها؛ لأنها معاص لله ورسوله، وإن أجبر بدون اختياره وأدخل بقوة السلطان فالأمر ليس إليه، ونرجو أن يجعل الله له فرجًا ومخرجًا، فهو القائل سبحانه: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } والقائل سبحانه: { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا }. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 1 / 534 ).

وإعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم.

* وسئل الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

هل تجوز المشاركة في الجيش في الغرب لتعلم المبادئ الحربية، أو المشاركة في المنظمات العسكرية في الغرب، لكي أصبح عسكريًّا قويًّا، ونيتي هي: التهيؤ للجهاد؟ لأنني سمعت بأنه لا يجوز لي أن أشارك في الجيش في الغرب، والسبب: أنه لا يجوز تكثير عددهم، لذلك فأنا أريد الدليل من القرآن والسُّنة، ومِنْ فَهْمِ السلف على جواز المشاركة في الجيش في بلاد الغرب للتحضير للجهاد أم لا؟.

فأجاب:

لا يجوز التدرب في بلاد الكُفَّار إلا عند الحاجة، فإذا لم تتوفر المعلومات التي يحتاج إليها الجنود – في التدرب، وتعلم المبادئ الحربية – في البلاد الإسلامية: جاز أن يُتَدَرَّبَ عليها في بلاد الغرب أو الشرق، أما إذا وُجدت في البلاد الإسلامية: فإنه لا يجوز؛ لما فيه من تكثير عدد الكُفَّار؛ لأن الله تعالى حرَّم البقاء مع الكُفَّار، وفرض على المُسلمين الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كما قال تعالى: ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيرًا وَسَعَةً) النساء/ من الآية 100، وقال الله تعالى: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) العنكبوت/ من الآية 56، وتوعد الله الذين لم يخرجوا من بلاد الكُفر، وقُتلوا بأيدي المُسلمين، بالعذاب في قوله: ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) النساء/ من الآية 97، ولَكَنَّ الله عذر المُستضعفين الذين لا يجدون حِيلَةً ولا يهتدون سبيلًا.

 

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لاَ تَنْقَطِع الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ )، وإذا كان كذلك: فقد ذكر العلماء أنه لا يجوز البقاء في بلاد الكُفَّار، ولا السفر إليها إلا إذا كان قادراً على إظهار دينه، وآمنًا من الفتن، وسالمًا من الجهل، ونَقْصِ الدين، وكان هناك حاجة تحمله على البقاء هناك، كالتدرب، والتعلم، وفي هذه الأزمنة تُوجد أماكن لتعلم المبادئ الحربية في بلاد الإسلام، ويُسْتَغْنَى بذلك عن التعلم في بلاد الغرب، والله أعلم. انتهى من موقع الشيخ، والفتوى رقمها: ( 3598 ).

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=3598&parent=3096

 

والله أعلم.

وقفات نقدية مع كتاب ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” لعبد الحليم أبو شُقَّة

وقفات نقدية مع كتاب ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” لعبد الحليم أبو شُقَّة

السؤال:

لقد استعرت من مسجد مدينتنا كتابًا بعنوان ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” للكاتب عبد الحليم أبو شقة، والكتاب على أجزاء، عندي حاليّاً الجزء الثالث، والخامس، وهو عبارة عن حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية، وبصراحة أنا لم أنتهِ بعدُ من قراءة الجزأين اللذين معي، ولكني أجد ما قرأت إلى هذه اللحظة ما يقنعني جدّا في أهمية مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية. فما رأي حضراتكم بهذا الكتاب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مؤلف كتاب ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” هو أحد شيوخ الأزهر، وقد ولد في القاهرة عام 1924 م، وتوفي عام 1995 م، واسمه ” عبد الحليم أبو شُقَّة “.

وقد أقيم في القاهرة مؤتمر بعنوان ” تحرير المرأة في الإسلام “، وذلك يوم السبت 22 / 2 / 2003 م من قبَل ” اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل “، بالتعاون مع ” دار القلم ” – القائمة على طباعة الكتاب – مؤتمراً تحت عنوان ” تحرير المرأة في الإسلام ” للإشادة بكتاب أبي شُقَّة، ونشر أفكاره، والثناء على جهوده! في تحرير المرأة!.

وإذا عُلم أن الذين قدَّموا للكتاب هما: القرضاوي، والغزالي: عُلم ما يمكن أن يحتويه هذا الكتاب من التمييع في مسائل الشرع، ولا عجب أن يكون ” محمد عمارة ” من المشاركين في المؤتمر، والمثنين على الكتاب، حتى إنه دعا شيخَ الأزهر لطباعة الكتاب طبعة شعبية لتيسير حصول أكبر قدر من الناس على الكتاب، فاستجاب شيخ الأزهر الذي كان حاضرًا في المؤتمر، فساق بشرى! للناس بتبني الأزهر لطباعة الكتاب طبعة شعبية لتيسر للناس شراءه والاستفادة منه.

وفي هذا المؤتمر تحدث أحمد كمال أبو المجد عن علاقته الوطيدة بأبي شُقَّة، وأخبر الناس أنه كان لا يرى جواز المعازف، حتى كان بعد سنوات أن اتصل أبو شقَّة على الدكتور أحمد كمال ليمده بآلات موسيقية! فالله المستعان.

ثانيًا:

والكتاب أراد مؤلفه بيان دلالة السنَّة النبوية على خروج النساء من بيوتهن، ومشاركتهن للرجال في الأماكن العامة، والمشاركة في التنظيمات، والأحزاب، ولم يخل ذلك من محاربة التستر الكامل للمرأة، والطعن في الأحكام التي تدعو للعفاف والبعد عن مواضع الريبة والفتنة.

* وللشيخ سليمان الخراشي وفقه رد على كتاب أبي شقَّة، وسننقل بواسطته بعض المواضع السيئة، والتي لا يحتاج كثير منها لتعليق:

  1. يقول أبو شقة ( 2 / 16 ): ” إن لقاء النساء والرجال بآدابه الشرعية! هو ما يمكن أن نطلق عليه حسب التعبير الشائع الآن ” الاختلاط المشروع “، وهو ظاهرة صحية”!!.
  2. في ( 2 / 347 ) اختار أبو شقة للمرأة أن تكون عاملة نظافة!! محتجًا بحديث المرأة السوداء التي كانت تنظف مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم!.
  3. وفي ( 2 / 348 ) اختار للنساء أن يعملن ” مضيفات “!.
  4. واختار للنساء أن تستقبل إحداهن في بيتها ” العمال الذين يقدمون لإصلاح، أو صيانة بعض أدوات المنـزل “، كما في ( 2 / 70 ).
  5. ومن أعجب اختيارات الرجل: اختياره في ( 2 / 258 ) جواز أن تفلي المرأة رأس الضيف!!! واسمع قوله – متعجبًا- ” إن هذا المستوى من الرعاية الحانية! وما يتخلله من قرب! ولمس للبدن مشروع! ما دامت الفتنة مأمونة، ولا تؤمن الفتنة هنا عادة إلا في حالات خاصة، كما هو واضح من النصوص، وهذه الحالات تندرج تحت ظاهرة اجتماعية مشهودة تعين على أمن الفتنة وتشجع على قبول هذا المستوى من الرعاية الحانية! هذه الظاهرة تشير إلى أن طول العشرة بين المسلمين الصالحين تولد في نفوس المتعاشرين مشاعر خاصة نبيلة تَضْمُرُ معها الشهوة، وما كان لهذه المشاعر أن تولد لولا طول العشرة … ومع هذه المشاعر تخف الشهوة الفطرية نحو الجنس الآخر حتى تكاد أن تنمحي “.
  6. ولكي يهون أبو شقة معصية ” الاختلاط “، ولكي يشجع المرأة ويغريها على ملاقاة الرجال: قال – وبئس ما قال – ( 3 / 21 ) : ” نحب أيضاً أن نلفت الانتباه إلى أهمية دور الإلف والعادة في الصلات الاجتماعية؛ فإن الإلف يعين على تخفيف الحساسية عند رؤية الجنس الآخر، وذلك مما يجعل الأمر هيِّناً نوعًا عند الطرفين، فالمرأة إذا لم تتعود وتألف لقاء الرجال: فلابد أنها تشعر بحساسية وحرج بالغ إذا دعت الحاجة إلى لقاء الرجال، وسيشعر بالحرج أيضًا زوجها، أو أبوها، أو أخوها، وعندها يفضل الجميع – دفعًا للحرج – التضحية بالحاجة، وما وراءها من خير، مهما كانت أهمية تلك الحاجة، ومهما كان قدر الخير الذي وراءها، سواء للمرأة، أو للمجتمع، وكذلك الحال مع الرجال، فالذي تعود منهم وألف لقاء النساء والاجتماع بهن عند الحاجة بين حين وآخر: لن يحس في دخيلة نفسه ما يمكن أن يحسه رجل آخر لم يألف ذلك ثم دعته الحاجة إلى لقاء النساء “.

 

 

 

ومن أبلغ ما فيه رد على هذا الهراء: ما قاله ابن القيم رحمه الله حيث قال:

* قال ابن القيم:

ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء، في الأسواق، والفرج ومجامع الرجال، قال مالك رحمه الله ورضي عنه: ” أرى للأمام أن يتقدم إلى الصياغ في قعود النساء إليهم، وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده : فإني لا أرى بذلك بأسا ” انتهى.   

فالإمام مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )، وفي حديث آخر ( باعدوا بين الرجال والنساء )، وفي حديث آخر أنه قال للنساء: ( لكن حافات الطريق ) ….

وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهم في الطريق.   

فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك ….   

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بليَّة وشرّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة، والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة ….  

فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات، متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدِّين: لكانوا أشد شيء منعًا لذلك.    

” الطرق الحكمية ” ( ص 406 – 408 ).

فقارني – أختنا السائلة – بين كلام أهل السنَّة وبين كلام غيرهم؛ لتقفي على الصواب، وأن من دعا إلى اختلاط النساء بالرجال فهو داعٍ لفتنة، وموتٍ عام.

  1. اعترف أبو شقة على استحياء بأن لقاء المرأة بالرجال قد يحدث ميلًا للجنس الآخر لا مفك من ذلك، ولكنه هوّن من هذا الأمر، وعدَّه أمرًا فطريًّا لا حرج منه! يقول أبو شقة في ( 3 / 54 ): ” إن قدرًا من الميل والأنس والاستراحة للحديث والكلام يحدث عادة بصورة عفوية نتيجة لقاء الرجل المرأة، أي: أنه يحدث دون قصد؛ لأنه أمر فطري ابتلى الله به بني الإنسان، فإذا لم يسترسل كل منهما في مشاعر الميل والأنس، وشغلهما الأمر الجاد الذي التقيا من أجله: عندئذ فلا حرج على المؤمن والمؤمنة، ولكن عليهما ضبط مشاعرهما، وتوجيه اهتمامهما إلى تحقيق الهدف من المشاركة واللقاء “!!.
  2. ويقول أبو شقة في ( 3 / 203 ) بأن المسرفين! ” ألزموا المرأة بستر وجهها دائمًا، وفي ذلك تضييق على ما منحها الله من قوة الإبصار! وتضييق حريتها في تنفس الهواء! “.

وقد أقرَّ في ( 4 / 295 ) بأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الواجب عليهن تغطية وجوههن، وهو إجماع، فيلزمه على هذا أن يقول بأن الله قد ” ضيَّق عليهن قوة الإبصار التي منحهن وتنفس الهواء! .

  1. وليت الأمر عنده وصل إلى الأقارب المحارم، بل تعداه إلى الأجانب، ويريد كشف وجوه النساء لتتعرف المرأة على الأجانب، ويتعرفون عليها، وتودعهم في المطار عند السفر ويستقبلونها فيه! فيقول في ( 4 / 152 ): ” كشف الوجه يعين على تعارف الأقارب وذوي الأرحام وتواصلهم: فيتعرف الشاب على بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وتتعرف الفتاة على أبناء أعمامها وعماتها وأخوالها وخالاتها، وأيضًا: يتعرف الشاب على زوجات الأعمام والأخوال، وتتعرف الفتاة على أزواج العمات والخالات، وكذلك يتعرف الرجل على أخوات زوجته, وتتعرف المرأة على إخوة زوجها.

أما إذا عمَّ ستر الوجه، وتبعه الاحتجاب من كل الرجال غير المحارم: فكيف يتواصل، ويتواد الأقارب وذوو الأرحام؟ كيف يعود بعضهم بعضًا عند المرض؟ كيف يودع بعضهم بعضًا أو يستقبل بعضهم بعضًا عند السفر؟ هل يذهب الرجل ليصل ابنة عمه أو خاله المتزوجة فيلقى زوجها ويجالسه ويتبادل معه المشاعر النبيلة ولا يلقى ابنة خاله وهي المقصودة بالزيارة، والصلة والمودة؟!  “.

انتهى – مختصرًا ومهذَّبا وبإضافات يسيرة – من رد الشيخ سليمان الخراشي، وتجدين الكتاب هنا:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=88&book=577

 

ثالثًا:

فأين ما في هذا الكتاب السيئ من إقناع في مشاركة المرأة في الجوانب الاجتماعية؟! هل يكون في تفلية شعر ابن العم إذا جاء للزيارة؟ أم تفلية شعر زميل العمل إذا عاد من السفر وكان متعبًا؟! وهل المناظر المقرفة في المطارات للمحجبات فضلا عن غيرهن هي لائقة بالمسلمة العفيفة حيث المصافحة والتزين والتقبيل بشوق وحرارة؟! إن هذا الكتاب السيئ بنسبته ذلك الفحش والضلال لدين الله تعالى قد ارتكب كاتبه والمقدمون والمطبلون له إثمًا عظيمًا، وهو داخل في سلسلة الكيد للمرأة المسلمة لنزع حيائها، وكشف سترها، وهتك عفافها، بخلطتها مع الرجال الأجانب, وليت الأمر وقف عند الأقارب بل تعداه إلى عمال الصيانة الذين يدخلون البيوت، وتعداه إلى المسافرين في الطائرات، حيث ستكون المرأة مضيفة، كما يفتي لها أبو شقة وزمرته! بل وعاملة نظافة في الشارع تقم القاذورات، وتضعها في الحاويات، وهذه قيمة المرأة عند هؤلاء المميعين، يريدونها مضيفة، وعاملة نظافة، وممثلة، وسائقة، ومغنية، يتحرش بها أسافل الناس، ويخدشون حياءها بالكلمات الجارحة، وكل ذلك ليرضى عنهم الغرب الكافر الملحد الذي نزع كل فضيلة، وهتك كل حياء، ولوَّث كل فطرة سليمة، والعلماء الأجلاء الذين انطلقوا في فتاواهم من النصوص الشرعية، والقواعد الكلية، ولم يهملوا ما في زماننا هذا من فساد حتى وصل إلى هتك أعراض المحارم!: إنما أفتوا بما يوافق الشرع ، وفيه أعظم المصلحة للمرأة نفسها، ولأهلها، والشرع إنما جعل – في الأصل – المرأة بمثابة الملكة، ينفق عليها زوجها، ولو كانت غنية، وتقوم في بيتها بأجلِّ الأعمال وأعمها شأنًا، وإنما انطلق أولئك من الانهزامية في قلوبهم، ومن البحث عما يرضي الغرب، والحمد لله أن كشف الله عوارهم، وها هم الغرب قد سخطوا عليهم، فمنعوهم من دخول بلادهم! وطردوهم منها شر طردة، بحثوا عن رضاهم في سخط الله، فسخط الله عليهم، وأسخط عليهم الناس، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَن التَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنْ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأَسْخََطَ عَلَيْهِ النَّاسَ ). رواه ابن حبان في صحيحه ( 1 / 501 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2311 ).

فالواجب التحذير من الكتاب المشار إليه، وعدم ترويجه، وتنبيه الآباء من إدخاله في بيوتهم؛ فهو كتاب فتنة، يجرأ البنت على أهلها، والمرأة على زوجها، ولا يعلم إلا الله كم يجر مثل هذا من الفساد إلى بيوت الناس، والحمد لله أنه قطع رأس هذا الكتاب، فلا يكاد يُعرف بين عامة الناس، ومن قرأه من أصحاب الصلاح والعفاف لم يرض ما فيه لابنته، ولا لامرأته، وبقي صرخات أولئك الكتبة والمروجين له في وادٍ، ولم ينفعهم شهرة المقدِّمين له، ولا منزلة المروجين.

وفي موقعنا – بفضل الله – فتاوى متعددة في حرمة الاختلاط, وبيان مفاسده، وتحذير عقلاء الغرب منه، واعترافات كثيرات بما تعرضن له بسببه، وفيه فتاوى متعددة في حرمة النظر إلى الأجنبيات، وبيان مفاسد النظر المحرم، وبينا في فتاوى أخرى وجوب تغطية المرأة وجهها عن الأجانب، وغير ذلك، ما فيه نقض، وهدم لكل ما في كتاب أبي شقة من سوء، وتركنا نقله خشية الإطالة، ونحيلك على بعض تلك الفتاوى.

 

والله أعلم.

فعل اللواط بشاب وتاب من فعله ويريد أن يتزوج أخته فهل يحل له؟

فعل اللواط بشاب وتاب من فعله ويريد أن يتزوج أخته فهل يحل له؟

السؤال:

لا أعرف كيف أبدأ بسؤالي، ولكن أتمنى بأن تقبل سؤالي بكل صدر رحب، أنا شاب أبلغ من العمر 25 سنه، وعملت اللواط مع أحد أقربائي قبل 10 أو 11 سنة تقريبًا، والحمد لله تبت من هذا الفعل.

سؤالي: هل يجوز بأن أتزوج شقيقة الملاط فيه؟ علمًا بأنه تقدم والدي لخطبة البنت لي، ولكن خطبة غير رسمية، ووالدي ووالدتي يرغبون بأن أتزوجها، وأنا رافض لهذا السبب. وأرجوا من فضيلتكم بالرد على سؤالي، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن تكون توبتك صادقة، وأن يكون عندك من الندم ما تمتنع معه من معاودة تلك الفاحشة القبيحة، ومن العزم الأكيد ما تجزم به أنه لن يتكرر ذلك الفعل الشنيع، وفاحشة اللواط جريمة كبرى، وعقوبتها القتل، وقد عذَّب الله تعالى قوم لوط بما لم يعذِّب به أحداً من العالَمين، فقد قلب ديارهم عليهم، وخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم.

ثانيًا:

وأما بخصوص نيتك التزوج بأخت قريبك ذاك الذي فعلتَ معه الفاحشة: فإن فعلك المحرَّم لا يحرِّم عليك الزواج بها، ولا نعلم خلافاً في ذلك بين أهل العلم، وإنما الخلاف بين العلماء هو هل تحل لك أمه وابنته أم لا، ومن حرَّم ذلك فقد جعل للوطء المحرم حكم النكاح، ولذا حرَّموا الأم والبنت، واختلف هؤلاء في الوطء المحرَّم هل هو الزنى، أم يشمل اللواط كذلك؟ وهؤلاء القائلون بهذا والمختلفون فيه هم الحنفية والحنابلة، والحنفية ذهبوا لأبعد من هذا فقالوا: من نظر إلى فرج امرأة لشهوة لم يحل له نكاح أمها، ولا ابنتها!.

وأما المالكية والشافعية فقد قالوا: إن الحرام لا يحرِّم الحلال، فأباحوا نكاح الأم والابنة للمزني بها، ومثله للملوط به، وهو القول الراجح.

مع التنبيه على أن الابنة ليست هي المتخلقة من ماء زناه؛ فهذه يحرم عليه التزوج بها.

وأما مسألتك هذه فتختلف عما ذكرناه مما وقع فيه اختلاف بين العلماء؛ لأن المانعين السابقين لو جعلوا اللواط له حكم النكاح فإنهم يجوزون نكاح الأخت، بخلاف الأم وابنتها؛ لأن تحريم الأم والابنة يثبت على من تزوج ودخل بالمرأة على التأبيد، دون الأخت والتي يحرم فقط الجمع بينها وبين أختها.

 

فصار تجويز نكاح أخت الملوط به محل إجماع بين الفقهاء، ولا نعلم فيه مخالفًا.

 

والله أعلم.

ابن الزنى إلى من يُنسب؟ وهل لو تزوج الزاني بالمزني بها يُنسب إليه؟

ابن الزنى إلى من يُنسب؟ وهل لو تزوج الزاني بالمزني بها يُنسب إليه؟

السؤال:

إلى من يُنسب الطفل الذي جاء عن طريق الزنا، هل إلى أبيه أم إلى أمه؟ أم أنه يُنسب لا إلى شخص بعينه؟ وهل زواج الأب بالأم فيما بعد يُثبت لهذا الطفل نسبه إلى أبيه؟.

وما هو الاسم المناسب – في رأيكم – لتسمية هذا الطفل، هل مثلًا اسم ” سلام ” مناسب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس ثمة ” أب ” لابن الزنا، على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن ماء الزاني ماء سفاح، وإنما يكون الرجل أبًا إن كانت نطفته من نكاح.

* والمزني بها إما أن تكون زوجة، أو بلا زوج:

أ. فإن كانت زوجة: فقد أجمع العلماء على عدم نسبة ابن الزنا للزاني.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

فلما جاء الإسلام أبطل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمَ الزنى، لتحريم الله إياه، وقال ( لِلْعَاهِرِ الحَجَرُ ) فنفى أن يُلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك، نقلًا عن نبيِّها صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ولد يولد على فراشٍ لرجل: لاحقاً به على كل حال، إلى أن ينفيه بلعان، على حكم اللعان.

وقال:

وأجمعت الجماعة من العلماء: أن الحرَّة فراش بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل: فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه، إلا باللعان.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 8 / 183 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وأجمعوا على أنه إذا وُلد على فراش، فادَّعاه آخر: أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا وُلد على غير فراش. ” المغني ” ( 7 / 130 ).

ب. وإن كانت غير ذات زوج: ففي المسألة خلاف، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُنسب للزاني، ولو استلحقه، وادعاه، وأنه إنما يُنسب لأمه، وتترتب عليه أحكام البنوة بالنسبة لها كاملة، وهو القول الصحيح الراجح.

وذهب آخرون – ومنهم إسحاق بن راهويه، شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم – إلى أن الزاني إن استَلحق ابنه من الزنا: فإنه يُلحق به.

ولا خلاف بين العلماء إلى أن ابن الزنى لا يُلحق بالزاني إن لم يستلحقه بنسبه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن استلحق ولده من الزنا، ولا فراش: لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 508 ).

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو ما يفتي به علماء اللجنة الدائمة.

وعمدة هذا القول:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاش، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَة.

رواه البخاري ( 1948 ) ومسلم ( 1457 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِر الحَجَرُ ) نصٌّ في أن العاهر ليس له إلا الخيبة، أو الرجم، وأنه لا يُلحق به من تخلق من مائه الفاجر.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

فكانت دعوى ” سعد ” سببُ البيان من الله عز وجل، على لسان رسوله، في أن العاهر لا يُلحق به في الإسلام ولد يدَّعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال.

” الاستذكار ” ( 7 / 163، 164 ).

ثانيًا:

والنسبة للأم في زماننا هذا قد تكون متعذرة ؛ لما في قوانين أكثر الدول – إن لم يكن كلها – من اشتراطهم النسبة للأب، وعليه: فقد أفتى أهل العلم بسبب هذا إلى جواز تسمية ابن الزنى هذا اسمًا عامًّا، ولا يكون فيه نسبةً لأحدٍ بعينه من الناس.

واسم: ” سلام ” لا بأس به.

– وانظر جملة من الآداب في تسمية المولود في أجوبتنا الأخرى.

 

ثالثًا:

وزواج الزاني بمن زنى به لا يخلو من أن يكون أثناء حملها منه – إن كانت غير متزوجة – أو بعد وضعها.

فإن تزوجها وهي حامل منه – أو من غيره -: فالنكاح باطل؛ لأنه لا يحل نكاحها حتى تضع حملها.

وإن تزوجها بعد وضعها للحمل: جاز ذلك، لكن لا بدَّ أن يكون ذلك بعد توبتهما من فعلتهما، وإلا كان الزواج باطلًا.

وفي كلا الحالتين – سواء تزوجها وهي حامل منه، أو بعد الوضع -: لا يستفيد الزاني شيئًا من زواجه بالمزني بها؛ لأنه لا يكون بالزواج منها جواز نسبة ابنه من الزنا إليه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم عقد الزواج على امرأة ثيب حامل من الزنا في شهرها الثامن، هل يعتبر العقد باطلًا أو فاسدًا أو صحيحًا؛ فإنه قد تنازع في ذلك عندنا عالِمان فأبطل أحدهما العقد، وصححه الآخر إلاَّ أنه حرُم على من تزوجها الوطء حتى تضع الحمل؟.

فأجابوا:

إذا تزوج رجل امرأة حاملًا من الزنا: فنكاحه باطل، فيحرم عليه وطؤها؛ لعموم قوله تعالى: ( ولا تعزموا عقد النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله )؛ وقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن )؛ وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ) رواه أبو داود ، وصححه الترمذي، وابن حبان؛ ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا توطأ حامل حتى تضع ) رواه أبو داود، وصححه الحاكم، وبذلك قال مالك، وأحمد رضي الله عنهما، وقال الشافعي، وأبو حنيفة – في رواية عنه -: يصح العقد غير أن أبا حنيفة حرم عليه وطأها حتى تضع الحمل؛ للأحاديث المتقدمة، وأباح الشافعي له وطأها؛ لأن ماء الزنا لا حرمة له، ولا يلحق الولد بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وللعاهر الحجر )، كما أنه لا يلحق بمن تزوجها؛ لأنها صارت فراشاً بعد الحمل.

بهذا يتبين سبب الخلاف بين الشيخين، وأن كلًا منهما قال بالحكم الذي قال به من قلده، ولكن الصواب: الأول؛ لعموم الآيتين، والأحاديث الدالة على المنع.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 153 ).

 

والله أعلم.

من فاته سماع بعض جُمَل الأذان فلا يشرع له قولها

من فاته سماع بعض جُمَل الأذان فلا يشرع له قولها

السؤال:

إذا كان المؤذن يؤذن ولم أسمعه إلا في نهاية الأذان – مثلًا – وهو يقول ” حي على الفلاح ” – مثلًا- ، فهل أبدأ وأقول من بداية الأذان بشكل سريع ثم أكمل مع المؤذن، أم هذا غير صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر لنا أن من فاته شيء من الأذان فلم يسمعه: أنه لا يقوله، وأن له أن يجيب المؤذن من حيث سمع، دون ما فاته؛ لأن ظاهر الحديث أن إجابة المؤذن معلقة بسماعه، وهذا القول هو الصحيح ، خلافاً لمن قال بجواز ذلك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ ).

رواه مسلم ( 384 ).

 

* قال النووي:

مَن رأى المؤذن، وعلِم أنه يؤذن، ولم يسمعه، لبُعد، أو صمم: الظاهر أنه لا تُشرع له المتابعة؛ لأن المتابعة معلقة بالسماع، والحديث مصرح باشتراطه، وقياسًا على تشميت العاطس، فإنه لا يشرع لمن يسمع تحميده.” المجموع ” ( 3 / 127 ).

 

* وسئل محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله -:

إِذا لم يسمع إِلا بعض الأَذان، أَو رأَى المؤذن ولا سمعه: فهل يجيبه؟.

فأجاب:

إِذا أَدرك بعض الأَذان: فالمرجح عند كثير من الأَصحاب أَنه يبدأُ بأَوله حتى يدركه، والقول الآخر: أَنه لا يجيب إِلا ما سمع، وأَنه يفوت لفوات محله، ولعل هذا أَرجح، والظاهر أَن هذا تقرير شيخنا الشيخ سعد – أي: الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله -.

ومَن قال إِنه يبدأُ بأَوله: فإِن أَقام دليلا ترجح قوله، وإِلا فظاهر ( إِذا سَمِعْتمْ ) يتعلق بما سمع، وإِن صار مانع.

ثم هنا مسأَلة: إِذا كان يرى المؤذن، ولا يسمع صوته، أَو يسمع الصوت ولا يفهم ما يقول: فقيل: يجيب في الأَخيرة خصوصًا؛ لعموم ( إِذَا سَمِعْتمْ )، ومنهم من يقول: لا يجيب، وهو أَولى؛ وذلك أَنه لا يهتدي إِلى أَن يقول مثل ما يقول وهو لا يسمع، إِلا أَنه يعلم أَنه يؤذن. ” فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ” (  2 / 134، 135 ).

ومن سمع المؤذن وامتنع عن إجابته لعذر شرعي كأن يكون في صلاة، أو يقضي حاجته: فلعل الأقرب أنه يقضي الإجابة بعد انتهائه من عذره، ولا يقاس عليه من كان لاهيًا غافلًا أثناء الأذان عن إجابته.

 

* سئل الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ذكروا رحمهم الله أن يسنّ للمصلي والمتخلي قضاء إجابة المؤذن, هل يقاس عليهما الغافل لحديث, أو فِكرٍ, أو نحوه؟.

فأجاب:

لا يقاس عليهما لوجهين:

أحدهما: أنه لو كان يقضيه الغافل لنبّهوا عليه , فلمّا اقتصروا على المصلي والمتخلي: علِمْنا أن الغافل ليس كذلك.

الثاني: أن الغافل عن الإجابة إذا تنبّه بعد فوات ذلك يقال في حقّه: سنة فات محلّها فلا يشرع قضاؤها, وأما المصلِّي، والمتخلي فلمّا كان من نيته لولا مانع الصلاة، والحاجة: الإجابة: فحيث زال المانع له عن الإجابة: استُحب له تدراك إجابة ما كان ناويًا له.

على أنّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى أنّه يشرع للمصلي إجابة المؤذن وهو في صلاته, والمذهب: أولى من قول الشيخ رحمه الله؛ لأن الأذان تطول الإجابة ( له ), ويشتغل بها عن صلاته، وهذا بخلاف من عطس في صلاته, فإن الصحيح أنه يستحبّ له الحمد, لا كما قاله الأصحاب, ومن حصل له نعمة جديدة, استحبّ له أن يحمد الله تعالى, فهذه أشياء لا تشغل عن الصلاة, وتفوت مصلحتها إذا فاتت, بخلاف إجابة المؤذن.  ” الأجوبة السعدية عن الأجوبة القصيمية ” ( 14 / 15 ).

 

والله أعلم.

ذِكر الخلاف بين الحنفية والجمهور في ابتداء وقت صلاة العصر والراجح من القولين

ذِكر الخلاف بين الحنفية والجمهور في ابتداء وقت صلاة العصر والراجح من القولين

السؤال:

أي المذاهب الإسلامية أكثر صحة في مسألة وقت صلاة العصر؟ لأن صلاة العصر عند الأحناف تبدأ بعد المذاهب الأخرى, فأي المذاهب أصح؟ ومتى تبدأ فعلا صلاة العصر؟. جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يختلف العلماء في ابتداء وقت الظهر، وهو الزوال، لكنهم اختلفوا في نهايته، فذهب الجمهور إلى أن نهايته: حين يصير كل شيء مثله، وذهب الحنفية إلى نهايته حين يصير كل شيء مثليه.

وعليه: فقد اختلفوا في ابتداء وقت صلاة العصر متى يكون، فذهب الجمهور إلى أنه ابتداء وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، وذهب الحنفية – ووافق صاحبا أبي حنيفة الجمهورَ – إلى أن ابتداء وقت صلاة العصر يكون حين يصير ظل كل شيء مثليه.

والراجح من القولين في المسألتين: هو قول الجمهور، وأنه بنهاية وقت الظهر – وهو حين يصير كل شيء مثله -: يبدأ وقت العصر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ ). رواه الترمذي ( 151 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وقت العصر من حين الزيادة على المثل أدنى زيادة، متصل بوقت الظهر، لا فصل بينهما، وغيرُ ” الخِرَقي ” قال: إذا صار ظل الشيء مثله: فهو آخر وقت الظهر، وأول العصر، وهو قريب مما قال ” الخرَقي “، وبهذا قال الشافعي.

” المغني ” ( 1 / 417 ).

* واستدل الجمهور على ما رجحوه في وقت صلاة العصر بأحاديث صحيحة صريحة، منها:

  1. عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ.

وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ). رواه الترمذي ( 149 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال الشيخ بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” حين كان ظله مثلَيه ” وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة؛ لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله: يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وهو رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري، وإسحاق. ” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 239 ).

  1. وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: ( صَلِّ مَعِي ) فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. رواه النسائي ( 149 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
  2. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.

رواه البخاري ( 525 ) ومسلم ( 621 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

والمراد بهذه الأحاديث وما بعدها: المبادرة لصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين، وثلاثة، والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا صلَّى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ” شرح النووي ” ( 5 / 122 ).

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. رواه البخاري ( 523 ). ومسلم ( 621 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وإخراج المصنف لهذا الحديث مشعرٌ بأنه كان يرى أن قول الصحابي ” كنَّا نفعل كذا “: مسندٌ، ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الحاكم، وقال الدارقطني، والخطيب وغيرهما: هو موقوف.

والحق: أنه موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لآن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتح الباري ” ( 2 / 27 ، 28 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

وقوله ” كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر “: قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم، وزروعهم، وحوايطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم: تأهبوا للصلاة، بالطهارة، وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى.

وفي هذه الأحاديث وما بعدها: دليل لمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه، مع حديث ابن عباس رضي الله عنه في بيان المواقيت، وحديث جابر، وغير ذلك.

” شرح مسلم ” ( 5 / 122، 123 ).

وقد تم ذِكر جميع الأحاديث في المسألة، والتي أشار إليها النووي رحمه الله، وهي واضحة الدلالة لمذهب الجمهور، وهو أن بداية وقت العصر يكون بمصير ظل كل شيء مثله.

* ومن أدلة أبي حنيفة التي استدل بها على امتداد وقت الظهر إلى حين يصير ظل كل شيء مثليه، وأنه هو وقت ابتداء صلة العصر:

  1. عن عَبْدِ الله بنِ عمَر أَنَّهً سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ). رواه البخاري ( 7029 ).

قالوا:

دل الحديث على أن مدة العصر أقل من مدة الظهر، ولا يكون ذلك إلا إذا كان آخر وقت الظهر المثلين  . ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

 

* وقال ابن رشد القرطبي – رحمه الله -:

وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا، وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث: فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامَة، وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر.

” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

* وردَّ عليهم ابن حزم رحمه الله، فقال:

وليس كما ظنوا، وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى: تسع ساعات، وكسر. انظر: ” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

والحديث مساق لأجل بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، ولبيان فضل صلاة العصر بالإشارة، وليس فيه تعرض لوقت صلاة العصر، لا في ابتدائها، ولا في انتهائها، وما ذكرناه من أدلة للجمهور هي نصوص في ذات المسألة، ولبيان الوقت ابتداء وانتهاء.

  1. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 3086 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 512 ) ومسلم ( 615 ).

قالوا:

والإبراد لا يحصل إلا إذا كان ظل كل شيء مثليه، لا سيما في البلاد الحارة، كالحجاز. ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

* وهذا الاستدلال بعيد عن الصواب، فالتأخير هنا إنما:

  1. هو للصلاة، لا للأذان، ولا يلزم من دخول الوقت الصلاة، والرخصة في الحر الشديد إنما تؤخَّر بها الصلاة، لا الأذان.
  2. والتأخير هو في صلاة الجماعة في المسجد، في البلاد الحارَّة، على الراجح.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وخصَّه بعضُهم بالجماعة، فأما المنفرد: فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، والشافعي أيضًا، لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين، أو كانوا يمشون في كنٍّ: فالأفضل في حقهم التعجيل. ” فتح الباري ” ( 2 / 16 ).  وهو قول بعض الحنابلة أيضًا.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قالوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر، أو متوسطة .

– ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط .

وكذلك قال ابن عبد الحكم، وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردًا .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 3 / 66 ).

  1. والإبراد هذا هو في وقت شدة الحر، لا في العام كله.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومفهومه: أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد.

” فتح الباري ” ( 2 / 16 ) .

* وقد ثبت بقين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد صلوا في شدة الحرِّ:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو – هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ – قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ “. رواه البخاري ( 540 ) ومسلم ( 646 ).

فلا مجال بعد هذا للاستدلال بأحاديث الإبراد بوجه من الوجوه.

 

وبه يتبين أن قول الجمهور هو الصواب، سواء في وقت صلاة الظهر، أو في وقت صلاة العصر.

 

والله أعلم.

 

حكم استعمال القطران في آنية الشرب، والرد على خرافة في فك السحر

حكم استعمال القطران في آنية الشرب، والرد على خرافة في فك السحر

السؤال:

في بلدي يستعمل الناس مادة ” القطران ” في آنية الشرب، هل هو مكروه لأنه يضر بالملائكة؟ وما علاقته بالجن؟.

سألت في ” منتدى الخير للرقية الشرعية ” عن رجل نعتبره طالب علم عن السحر فأخبرنا أنه يجوز استعمال فأس قديمة، وذلك بحرقها، والتبول عليها! فأجابوني: بأنها قد أجازها أحد علماء السلف، فما قولكم في ذلك جزاكم الله خيرًا على خدمتكم للإسلام، والمسلمين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القطِران: طلاء يُستخرج من حرق الحطب، وكانت العرب تستعمله لطلاء ماشيتها؛ حمايةً لها من البَرد، والحشرات، ودواءً لها من الجرَب، كما يُستعمل في طلاء الآنية، ويسمَّى ” القار ” و ” الزفت “، وقد جاء النهي عن الانتباذ في الآنية التي تُطلى به؛ لما يكون معه تغير الطعم بسببه، وقد يصل لحد الإسكار، . ومعنى الانتباذ: أن يوضع الزبيب، أو التمر – مثلًا – في الماء ، في ذلك الإناء، ويشرب نقيعه، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة باسم ” المُقيَّر ” و ” المُزفَّت “.

عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إِنَّ لِي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لِي نَبِيذٌ، فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا فِي جَرٍّ إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ، فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ ، فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لهم: (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: مَا انْتُبِذَ فِى الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ – وفي رواية (والمُقيَّر ) – ). رواه البخاري ( 53 ) ومسلم ( 17 ).

الحنتم: الجرار الخضر المدهونة أو المصنوعة من الخزف.

الدباء: القرع – اليقطين – إذا يبس اتخذ وعاء.

المزفت: الإناء المطلى بالزفت.

النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ويجوف فيتخذ منه وعاء.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما المُقَيَّر: فهو المزفَّت، وهو المطلي بالقار، وهو الزفت، وقيل: الزفت نوع من القار، والصحيح: الأول؛ فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: المزفَّت هو المقيَّر. ” شرح مسلم ” ( 1 / 185 ).

 

 

* وقال – رحمه الله -:

وأما معنى النهى عن هذه الأربع: فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها، وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو، ويُشرب، وإنما خُصت هذه بالنهى لأنَّه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حرامًا نجسًا، وتبطل ماليته، فنهى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه.

” شرح مسلم ” ( 1 / 185 ).

ثم صحَّ نسخ هذا النهي إلى الإباحة، على قول جمهور أهل العلم، على أن ينتبه المنتبذ أن لا يصل النبيذ إلى درجة الإسكار بطول المكث.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ).

رواه مسلم ( 977 ).

وفي لفظ: ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ ).

رواه النسائي ( 5654 ) وابن ماجه ( 3405 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

* قال النووي – رحمه الله -:

ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نسخ بحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا ) رواه مسلم في الصحيح.

هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا: هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابي: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم. ” شرح مسلم ” ( 1 / 185، 186 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وسر المسألة: أن النَّهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، إذِ الشرابُ يُسرع إليه الإسكارُ فيها، وقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وأن الشراب يُسكر فيها، ولا يُعلم به، بخلاف الظروف غير المزفَّتة، فإن الشرابَ متى غلا فيها وأسكر: انشقت، فيُعلم بأنه مسكر، فعلى هذه العِلَّة يكون الانتباذ في الحجارة، والصُّفر: أولى بالتحريم، وعلى الأول: لا يحرم، إذ لا يُسرِعُ الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة، وعلى كلا العِلَّتين: فهو من باب سدِّ الذريعة، كالنهى أولًا عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشِّركِ، فلما استقر التوحيدُ في نفوسهم، وقويَ عندهم: أذِن في زيارتِها، غير أن لا يقولوا هُجرًا، وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية: أنه فطمهم عن المسكر، وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه؛ إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلمَّا استقر تحريمُه عندهم، واطمأنت إليه نفوسُهم: أباح لهم الأوعية كُلَّها، غير أن لا يشربوا مسكرًا، فهذا فِقه المسألة، وسِرُّها. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 607 ).

وبما سبق: يُعرف الجواب عن مسألتك الأولى، وأنه لا حرج عليكم من الشرب من آنية طليت بالقطران، على أن تنتبهوا حين يكون الشراب نبيذًا يطول مكثه.

ولا علاقة للقطران بالجن، ولا بالملائكة، ولم نقف على شيء من المنع من استعمال تلك الآنية لغير ما سبق ذِكره، ثم جاء النص بالإباحة، والذي نعتقده أن ما ذكرته إنما هو من اعتقادات العامة المبنية على الجهل والخرافة.

 

ثانيًا:

وأما ما ذكرتَه من التبول على فأس قديم محماة بالنار، من أجل فك السحر: فهذه من الخرافات التي لا تليق بموحِّد، وقد اطلعنا على الموقع الذي أحلت عليه، ورأينا من أجابك هناك بجواز هذا الفعل، وهو لم ينسبه لعالم من علماء السلف، بل نسبه لابن القيم رحمه الله، وقد أعيانا البحث عن الموضع الذي ذكر فيه ابن القيم الجواز، وهو – رحمه الله – ليس من السلف المتقدمين، ولو كان كذلك، وقال بالجواز: فقوله يحتاج لمستندٍ شرعي، ولا نظنه يثبت عنه، ولا عن غيره، وهو أقرب لفعل المشعوذين، والسحرة الزنادقة.

 

والله أعلم.