الرئيسية بلوق الصفحة 93

كان يتصدق على الناس فخرج من عمله وكثرت ديونه فهل يطلب ممن أعطاهم مساعدته؟

كان يتصدق على الناس فخرج من عمله وكثرت ديونه فهل يطلب ممن أعطاهم مساعدته؟

السؤال:

كنت موظفًا بشركة كبيرة، وكان راتبي ودخلي مرتفعًا جدًّا، وكنت قد نويت أن أخرج مبلغًا ماليًّا شهريًّا من راتبي، وبالفعل كنت أقوم بذلك بطريقة معينة، يعني: كنت أستدين مبلغًا كبيرًا من المال، وأسدده بالتقسيط من راتبي، ولم يكن ذلك يزعجني، وقد كنت أستدين حتى تكون مساعدتي للفقير مجزية، كأن أزوِّج أحدًا، أو أساعد إحدى العوائل في شراء منزل، وهكذا، واستمررت على هذه الطريقة مدة 5 سنوات، وفي آخر مرة اضطررت لأن أترك العمل، فلم أستطع تسديد ديوني بالشكل المتناسق الذي كنت قد تعودت عليه، فبدأ الدائنون يطالبوني بالمال، وعندما علم أهلي بذلك أنبوني على أن ما فعلته لا يجوز، وأنه يجب عليَّ أن أطالب من ساعدته ببعض المال حتى أسدد ديوني، وأنا لا أريد فعل ذلك، وأريد أن أسددها بنفسي، ولكن مع الوقت، فهل عليَّ إثم إذا أخرت سداد الدين لبعض الوقت، مع العلم أني أمر بضائقة مالية كبيرة في الوقت الحالي؟ فما يجب عليَّ أن أفعل؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يعوضك خيرًا مما أنفقت، وأن يعجل لك ذلك في دنياك قبل أخراك، ونسأله تعالى أن لا تلقاه وعليك ديْن لأحد.

ولا نخفيك أن ما فعلتَه فيه صواب، وفيه خطأ، أما الصواب: فهو نيتك الطيبة في إعانة الآخرين، ورجاحة عقلك في أن تكون الأعطية مجزية، وبخاصة أن يتعلق ذلك بفرج تعفه، أو أسرة تستر عليها بمسكنٍ، وأما ما أخطأتَ به: فهو استدانتك من أجل ذلك الفعل الجليل وهو إعانة الناس، وكان يسعك أن تبذل من مالك ما تجود به نفسك عندما يكون راتبك في يدك، دون أن تستدين من قبل أن تقبض راتبك.

* وفي قضيتك هذه مسائل وأحكام:

  1. أنك تذكر من نفسك عجزًا عن سداد ديونك، فأنت غير واجد لمال الناس، فلستَ ظالمًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ). رواه البخاري ( 2166 ) ومسلم ( 1564 ).

 

 

 

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني: ظلم، وحرام، ومطل غير الغني: ليس بظلم، ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور. ” شرح مسلم ” ( 10 / 227 ).

  1. كما أنه لا يحل للدائنين الطعن فيك، ولا عقوبتك؛ لأنك لا تجد ما تقضي به ديْنك.

عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ). رواه أبو داود ( 3628 ) والنسائي ( 4689 ) وابن ماجه (2427 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– اللَّي: الامتناع والمماطلة في سداد الدين.

– عِرْضه: شِكَايَته.

– وَعُقُوبته: تعزيره، وحَبْسُه.

  1. الواجب على الدائنين إمهالك حتى تكون قادرًا على قضاء الدَّين.

قال تعالى: ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: وإن كان الذي عليه الدين معسرًا، لا يقدر على الوفاء: وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح: أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه – بإسقاط الدين كله، أو بعضه -: فهو خير له.

” تفسير السعدي ” ( ص 959 ).

  1. والبشرى لك في أن الله تعالى قد وعد بأن من يأخذ مال الناس يريد أداءه: أنه تعالى يعينه على سداده في الدنيا، أو يؤديها عنك في الآخرة، بإسقاط الإثم، وإرضاء المدين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ).

رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن بشرى للإنسان: أنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها: أدى الله عنه، وإذا أخذها يريد إتلافها: أتلفه الله، فإذا أخذت أموال الناس بقرضٍ، أو ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو غير ذلك، وأنت تريد الأداء: أدَّى الله عنك، إما في الدنيا يعينك حتى تسدد، وإما في الآخرة، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما المتلاعب بأموال الناس، والذي يأخذها، ولا يريد أداءها، ولكن يريد إتلافها: فإن الله يتلفه، والعياذ بالله.

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 32 ).

 

ثانيًا:

وأما ما اقترحه عليه أهلك من مطالبة مَن كنت ساعدته في سالف الأيام: فهو اقتراح في غير محله، وهو دلالة لك على سبيل من سبل الإثم، فاحذر من الاستجابة لمطلبهم، وأنت كنتَ تريد ما عند الله من الأجور والثواب ببذلك ذلك المال، ولم تعطه لهم قاصدًا المنَّة، ولا هو بقرضٍ تطلب منهم سداده، والعائد في هبته التي بذلها مرتكب لإثم، وحاشاك أن تكون ممن يفعل ذلك.

قال تعالى مبيِّنًا حال المؤمن عند الإنفاق: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورا ) الإنسان/ 9.

ومطالبة أولئك الذين أحسنتَ إليهم بشيءٍ مما بذلته لهم: هو من الأذى الذي نهيتَ عنه، والذي يسبب بطلانًا للصدقة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ) البقرة/ من الآية 264.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على مَن أعطوه، فلا يمنُّون على أحد، ولا يمنُّون به، لا بقول، ولا فعل.

وقوله: ( وَلاَ أَذَى ) أي: لا يفعلون مع مَن أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 693 ).

ولا يحل لمن بذل صدقة في سبيل الله أو أهدى هدية أن يرجع بها، ولا أن يشتريها.

عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّاب أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَقَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ( لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَمٍ ( ولا تعُد في صدقتك ) فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ).

رواه البخاري ( 1419 ) و ( 2841 ) ومسلم ( 1620 ) و ( 1622 ).

 

– واستعن بالله ربك على أداء ديونك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

 

 

والله أعلم.

حكم الصلاة، والأذكار، والقرآن، مع القراءة الصامتة من غير تحريك اللسان

حكم الصلاة، والأذكار، والقرآن، مع القراءة الصامتة من غير تحريك اللسان

السؤال:

سؤالي هو: هل قراءة القرآن بالعين يعتبر قراءة، ويؤجر عليها؟ وهل يجوز لي ختم القرآن بهذه الطريقة؟ فأنا – يا شيخ – يحصل لي تدبر، وفهم، واستيعاب، وأتأثر أكثر عند القراءة بالعين، ولا أستوعب إلا قليلا جدّا، وأحيانا أبدًا، إذا قرأت بصوت، أو بترتيل! فالمقصود من القرآن تدبره، وهذه الحالة – يا شيخ – ليست فقط في قراءة القرآن، بل حتى قراءة الكتب، بل وفي الدراسة أيضا، فأنا لا أستوعب المادة التي أدرسها إذا درستُها بصوت، ولكن يحصل عندي حفظ، وفهم، وتدبر، أكثر عند الدراسة بدون صوت! فما توجيهك يا شيخ؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بخصوص الكتب المدرسية، وكتب أهل العلم، كالفقه، وغيرها:  لا فرق بين القراءة بالعين – أو ما يسمَّى بالقراءة الصامتة -، وبين القراءة الجهرية؛ لعدم وجود ما يمنع في الشرع، بل يفعل كل قارئ ما يراه مناسبًا لفهمه، واستفادته.

ثانيًا:

وأما إن تعلق الأمر بقراءة القرآن، والأذكار الشرعية: فالأمر يختلف عن السابق، وهو على وجهين:

  1. أن يتعلق الأمر بقراءة القرآن، وتلاوة الأذكار، خارج الصلاة.

وهنا يقال: الأذكار الشرعية، والأدعية، وقراءة القرآن، كل ذلك من العبادات التي لا يؤجر أصحابها إن لم يحركوا ألسنتهم بها، وأنهم لو نظروا في المصحف، أو في كتاب أذكار، من غير تحريك لسان: فليس لهم الأجور المترتبة على قراءة ذلك، وإنما لهم التدبر والتفكر، فيما ينظرون إليه، ولا يعد العلماء مثل هذا النظر الخالي من حركة اللسان قراءة؛ لأن القراءة هي حركة اللسان، قال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) القيامة/ 16 – 18، ولذلك أجاز مَن منع من العلماء الجنبَ، مِن قراءة القرآن أن ينظر في المصحف، ويمرر القراءة على قلبه، ولو كان فعله ذاك قراءة: لما أجازوا له النظر بالعين، والتمرير على القلب.

* قال النووي – رحمه الله -:

اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة، وغيرها، واجبة كانت، أو مستحبة: لا يُحسب شيء منها، ولا يُعتد به حتى يتلفظ به.

” الأذكار ” ( ص 10 ).

* وقال – رحمه الله -:

ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه: لا يكون قارئا، مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. ” شرح مسلم ” ( 4 / 103 ).

  1. أن يتعلق الأمر بقراءة القرآن، وتلاوة الأذكار، داخل الصلاة.

وهنا يقال: يجب على المصلي أن يجهر بقراءة الواجب من القرآن – كالفاتحة -، والواجب من الأذكار – كتكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع، والسجود –، فإن أسرَّ ذلك في نفسه، ولم يحرك لسانه بتلك القراءات: كانت صلاته باطلة، مع الإثم.

ثالثًا:

وهل يجب أن يُسمع القارئ نفسه، أم يكفيه تحريك اللسان؟ فيه خلاف بين العلماء، والأرجح أنه لا يشترط إسماع نفسه ، وهو قول المالكية، خلافًا لما عليه الجمهور.

* سئل الشيخ محمد صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الناس في الصلاة يقرءون الفاتحة، والأذكار، بالقلوب، ولا يقرؤونها باللسان، فهل تجزئهم؟.

فأجاب:

لا يصلح أن يقال ” قرأ فلان ” إلا بنطق، فأما إذا أمرَّها على قلبه: فهذا لم يقرأ، ولا تجزئه في الصلاة؛ لأنه ترك الفاتحة في الحقيقة، وترك التسبيح، وترك التكبير، لكن اختلف العلماء هل يشترط أن يُسمع نفسه، بمعنى: أن يكون لحركات لسانه، وشفتيه، صوت يَسمعه، أو لا يشترط؟ والصحيح: أنه لا يُشترط أن يُسمع نفسه، لكن يُشترط أن ينطق. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 16 / السؤال رقم : 17 ).

* وسئل – رحمه الله -:

هل يلزم تحريك الشفتين في الصلاة، والأذكار، والقراءة، أم يكفي أن يقرأ بدون تحريك الشفتين؟.

فأجاب: لا بد من تحريك الشفتين في قراءة القرآن في الصلاة، وكذلك في قراءة الأذكار الواجبة، كالتكبير، والتسبيح، والتحميد، والتشهد؛ لأنه لا يسمَّى قولًا إلا ما كان منطوقًا به، ولا نُطق إلا بتحريك الشفتين، واللسان، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يَعلمون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم باضطراب لحيته – أي: بتحركها – ولكن اختلف العلماء هل يجب أن يُسمع نفسه، أم يَكتفي بنطق الحروف؟ فمنهم من قال: لا بد أن يُسمع نفسه، أي: لا بد أن يكون له صوت يَسمعه هو بنفسه، ومنهم من قال: يكفي إذا أظهر الحروف، وهذا هو الصحيح. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 20 / السؤال رقم : 2 ).

 

والله أعلم.

التعليق على حديث أم سلمة في رؤيا منام للنبي صلى الله عليه وسلم في مقتل الحسين

التعليق على حديث أم سلمة في رؤيا منام للنبي صلى الله عليه وسلم في مقتل الحسين

السؤال:

أتساءل عن حديث روي لأم سلمة رضي الله عنها وكانت تبكي فسئلت عن ذلك فقالت: إنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فسألته : ما هذا يا رسول الله؟  فقال لها: لقد ذهبت إلى المكان الذي استشهد فيه الحسين. أخرجه الترمذي  باب مناقب أهل البيت ( 218 ).

يزعم البعض – استنادا إلى هذا الحديث الشريف – أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون شاهدا لما يحدث في عالمنا، ويمكن أن يأتينا حتى بعد مماته، فهل هذا حديث صحيح ؟ وإن كان صحيحاً، فما التفسير الأرجح له؟

أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحديث الوارد في السؤال روي عن سَلْمَى، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَعْنِي فِي الْمَنَامِ – وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: شَهِدْتُ قَتْلَ الحُسَيْنِ آنِفًا. رواه الترمذي ( 3771 ).

والحديث ضعيف، قال الترمذي رحمه الله بعد أن رواه ” حديث غريب “، يعني: ضعيف، وسبب ضعفه: جهالة ” سلمى ” الراوية عن أم سلمة رضي الله عنها.

قال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -: ” وقد وهم ” القاري ” وهما شنيعا فقال: “سلمى ” هذه هي زوجة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قابلة إبراهيم بن نبي الله صلى الله عليه وسلم “. هذا الحديث ضعيف؛ لجهالة ” سلمى “. انتهى من ” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 188 ).

و” القاري ” المقصود في كلام الشيخ المباركفوري هو الشيخ ” الملا علي القاري ” رحمه الله، وكلامه في ” سلمى ” قد ذكره في كتابه ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح “. والحديث ضعفه – كذلك – الشيخ الألباني رحمه الله في ” ضعيف الترمذي “.

وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -: ” هذا حديث غير صحيح؛ في إسناده ” سلمى ” هذه المجهولة التي لا تُعرف، وهذه رؤيا رأتْها أم سلمة، ومعلوم أن رؤيا غير الأنبياء ليست بوحي، فرؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا غيرهم ليست كذلك، والقصة من حيث الإسناد ما ثبتت لأن فيها من هو مجهول وهي هذه المرأة التي تروي عن أم سلمة “. انتهى من ” شرح سنن الترمذي ” ( شريط رقم 408 ).

ثانيا:

ومع ضعف الحديث، وكونها رؤيا ليست وحيا، ومع أن الرؤيا لا يؤخذ منها أحكام شرعية، ومع كون الرؤيا ليس فيها أن النبي صلى الله عليه هو الذي وضع على لحيته ورأسه التراب – بل الواضح منها أنه شهد معركة الحسين مع أعدائه الذين قاتلوه وقتلوه -: إلا أننا نجد بعض أهل الأهواء يستدلون بهذا الحديث على جواز التمرغ بالتراب في وقت المصائب ومناسبات الأحزان! ويعتقد ذلك دِينا، وهو فعل أهل الجاهلية، ونظرة واحدة إلى هؤلاء يتبين معها مدى ضلالهم وانحرافهم، ولينظر العقلاء إليهم في هاتين الصورتين:

http://cache.daylife.com/imageserve/00S7ckg5lp3Xo/610x.jpg

http://cache.daylife.com/imageserve/0dCddFqf0Ub5k/610x.jpg

 

قال البخاري – رحمه الله -:

” باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ “.

وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: ” دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ ” .

وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ.                  وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ.

” صحيح البخاري ” ( 1 / 433 ).

– وأبو سليمان هو الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: ” وضع التراب على الرأس مكروه في المعتاد؛ لما كانت تفعله الجاهلية عند المصائب، والنوائب. “.

انتهى من ” التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ” ( 1 / 390 ).

* وقال الشيخ عبد البسَّام – رحمه الله – في فوائد حديث عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) رواه البخاري ( 1235 ) ومسلم ( 103 ) -:

  1. تحريم التسخط من أقدار الله المؤلمة، وإظهار ذلك بالنياحة أو الندب أو الحلق أو الشق أو غير ذلك كَحَثي التراب على الرأس.
  2. تحريم تقليد الجاهلية بأمورهم التي لم يقرهم الشارع عليها، ومن جملتها: دعاويهم الباطلة عند المصائب. ” تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ” ( 1 / 448 ).

ثالثا:

وليس في الحديث – لو صح – ما يدل على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لما يَحدث في العالَم؛ فإن هذا لا يستطيعه لو كان على قيد الحياة فكيف وقد غاب عن العالَم بالموت؟! وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب وكيف يكون هذا وقد نصَّ في حياته أنه لا يعلم الغيب أفيعلمه بعد موته؟!.

ولا نمنع أن يُطلع الله تعالى نبيَّه في عالَم البرزخ على أشياء من أحداث الدنيا لكن هذا لا نثبته بمجرد الهوى بل بالإسناد الصحيح لقائله ومدعيه، ولا يخرج هذا عن تلاقي روح الميت مع روح النائم وقد ثبت في شرعنا هذا الأمر فليس هو بمستنكر، وفي هذا اللقاء ليس ثمة ما يمنع من إطلاع الله تعالى لروح الميت على أشياء مما فعله أهل الدنيا، وبه تكون البشارة والنذارة من روح الميت إلى روح الحي النائم ليبلغها بعد استيقاظه أو ليطمئن قلبه بها ويفرح برؤيتها، وقد ثبت كثير من هذا فيما رآه الصالحون والعلماء، ومنه ما رآه عثمان رضي الله عنه – وفي إسناده ضعف لكنه ليس بضعف شديد ومثله يستأنس به – في منامه، حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأمروه بالصبر! وأنه يُفطر عندهم الليلة القابلة، فكان ذلك، وهو ما رواه أحمد في مسنده ( 1 / 545 ) عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ” أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْتَقَ عِشْرِينَ مَمْلُوكًا، وَدَعَا بِسَرَاوِيلَ فَشَدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلْبَسْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا لِي : اصْبِرْ، فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا الْقَابِلَةَ، ثُمَّ دَعَا بِمُصْحَفٍ فَنَشَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُتِلَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ “.

وأقوى منه إسنادا – وهو في موضوع قتل الحسين رضي الله عنه – ما رواه أحمد في ” مسنده ” ( 4 / 59 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَتَبَّعُ فِيهَا شَيْئًا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: ( دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمَ ).

قَالَ عَمَّارٌ: ” فَحَفِظْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ “.

قال المحققون: إسناده قوي على شرط مسلم.

فهذا الحديث أصح من حديث أم سلمة رضي الله عنها وفيه ما يدل على ما ذكرناه آنفاً من أن هذه رؤيا منام وأنه لا يُستنبط منها أحكام شرعية وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا – قطعا – لمقتل الحسين ببدنه وأنه لم يشاهدْه أحدٌ من القاتلين ولا من المقتولين، وأن ذلك كان في الحياة البرزخية التي لا ندري كنهها وحقيقتها، وأن تلك الأرواح ما تقوله وتفعله إنما هو بأمر الله تعالى.

رابعا:

وأما ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم يطَّلع بعد وفاته على ما تفعله أمته – أو الخلق عموما – فهو بعيد عن الصواب، وقد جاء النص منه صلى الله عليه وسلم على نفيه وإبطاله وهو حديث الحوض وفيه قول الملائكة عليهم السلام له ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم أنه كان شهيدا عليهم ما دام فيهم فلما توفاه الله تعالى انقطعت هذه الشهادة، وبهذا استدل العلماء على تكذيب الورقة التي تنشر منذ عشرات السنين وتنسب لمن زُعم أنه خادم الحجرة النبوية، وفي الورقة ما يُخبر به أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأنه أطلعه على بعض تفصيلات أحوال الناس!.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ثانيا: إخباره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له ” أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي والملائكة ” فإنه من الزور والأخبار المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أحوال أمته بعد وفاته، بل لا يعلم منها أيام حياته في الدنيا إلا ما رآه بنفسه أو أخبره به من اطلع عليه من الناس، أو أظهره الله عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا )، ثم قرأ إلى أن قال ( ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) رواه البخاري.

وعلى تقدير أنه يعلم أحوال أمته بعد وفاته: فلا يلحقه بذلك حرج، ولا يصيبه من وراء كثرة ذنوبهم ومعاصيهم إثم ولا خجل، وقد ثبت في حديث الشفاعة العظمى أن أهل الموقف كفاراً ومسلمين يستشفعون بالأنبياء واحدا بعد آخر حينما يشتد بهم هول الموقف فيعتذر كل منهم عن الشفاعة لهم عند الله ثم ينتهي أهل الموقف إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند الله، فيستجيب لهم ولا يمنعه من الشفاعة لهم كثرة معاصيهم أو كفر الكافرين منهم ولا يخجل من ذلك، بل يذهب فيسجد تحت العرش ويحمد ربه ويثني عليه بمحامد يعلمه إياها حتى يأمره أن يرفع رأسه وأن يشفع لهم، وبعد ذلك ينصرفون للحساب والجزاء، ولم يمنعه شيء من ذلك من لقاء ربه ومقابلة الملائكة، ولم يلحقه منه عار.

الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 109 – 111 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

– ويدل على كذبها وبطلانها – سوى ما تقدم – أمور كثيرة:

الأول منها: قوله فيها ” لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام ” لأن هذا من علم الغيب, والرسول صلى الله عليه وسلم قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته, وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته؛ لقول الله سبحانه ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) الآية الأنعام/ 50، وقوله تعالى ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) النمل/ 65، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول: يا رب أصحابي أصحابي, فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 1 / 197 ، 198 ).

والعبد الصالح هو عيسى عليه السلام، وما قاله قد جاء في روايات أخرى وهو ما قاله الله تعالى عنه ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة/ 117.

خامسا:

وأما ما يستدل به بعضهم على صحة دعواه بحديث ( حيَاتِي خَير لَكُم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم، وَوَفَاتي خيرٌ لكُم تُعرض عليَّ أعمالُكم فَمَا رَأَيْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمدتُ الله عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ شَرِّ استغْفَرْتُ الله لَكُم ) فالجواب عنه من وجهين:

الأول: أنه حديث ضعيف، وانظر تخريجه في ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” للشيخ الألباني  ( 975 ).

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن أعمال أمته تُعرض عليه لا أنه يشاهدها، وليس في هذا ما يُستنكر، ولا شك أن الحديث لو صح فسيكون المعنى الأحوال العامَّة لا تفصيلات أعمال كل فرد في أمته.

 

والله أعلم.

 

هل كان عبد الله بن أبي سرح يحرِّف بعض الآيات في القرآن؟ وهل الحروف السبعة خارجة عن المصحف؟

التفريق بين عبد الله بن أبي سرح وغيره ممن ارتد وادَّعى أنه كان يحرِّف الوحي

السؤال:

عبد الله بن أبي السرح هو شخصية إسلامية جدلية في التاريخ الإسلامي حيث كان من كتَّاب الوحي ثم ارتد عن الاسلام، هل كان يحرِّف بعض الآيات في القرآن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثمة خلط عند كثيرين بين شخصيتين ارتدتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومما جعل الأمر كذلك اشتراكهما في كتابة الوحي، ووقوع الردة منهما، إلا أن الحقيقة أنهما شخصيتان مختلفتان، فالأول هو ” عبد الله بن سعد بن أبي سرْح “، والثاني هو رجل نصراني لا يُعرف اسمه، والأول كان ارتد ثم رجع إلى الإسلام في ” فتح مكة “، والثاني بقي على ردته ومات ولفظته الأرض وكان آية للناس، والثاني هو الذي زعم أنه كان يغيِّر في كتابة الوحي ليس الصحابي الجليل عبد الله بن أبي السرح.

ثانيا:

أما الأول: فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أبو يحيى القرشي العامري، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه، ثم استأمن له عثمان فأمَّنه النبي صلى الله عليه، وأسلم وحسن إسلامه.

عَنْ سَعْد بن أبي وقَّاص قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْنُ أَبِي سَرْحٍ، قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ) فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ ( إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ ). رواه النسائي ( 4067 ) وأبو داود ( 2683 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وقد ولاَّه عثمان رضي الله عنه على ” مصر “، وهو الذي قاد معركة ” ذات الصواري “، وقد غزا إفريقية ففتح كثيراً من مدنها، واعتزل فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم خرج إلى ” الرملة ” في ” فلسطين “، فلما كان عند الصبح قال ” اللهم اجعل آخر عملي الصبح ” فتوضأ ثم صلَّى فسلم عن يمينه ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، وكان ذلك في سنة تسع وخمسين.

قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله:

لم يتعدَّ، ولا فعل ما يُنقم عليه بعدها – أي: بعد فتح مكة -، وكان أحد عقلاء الرجال وأجوادهم. ” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 34 ).

– ولينظر ” الاستيعاب في معرفة الأصحاب ” لابن عبد البر ( 3 / 52 )، و ” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 4 / 110 ).

– ولم نقف على رواية صحيحة الإسناد أن عبد الله بن أبي سرح كان يحرِّف الوحي، وإنما في قصته أنه ” أزلَّه الشيطان “.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي ( 4069 ) وأبو داود ( 4358 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

ثالثا:

أما الثاني: فهو الرجل الذي كان نصرانيًّا ثم أسلم وارتدَّ على عقبه، وكان يقول إنه كان يغيِّر ما كان يلقيه عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كلام، فأهلكه الله تعالى هلاكا يكون فيه عبرة لغيره من الشاتمين للرسول صلى الله عليه وسلم والطاعنين في دينه.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ . رواه البخاري ( 3421 ) ومسلم ( 2781 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا، وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامَّة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد؛ إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن طعن عليه وسبَّه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 122 ).

وقد اختلف العلماء في توجيه ما كان يفعله ذلك المرتد وقت إسلامه من التحريف، وأقوى ما قيل في ذلك: أنه لم يكن كاتباً للوحي المنزل من السماء، إنما كان كاتباً للنبي صلى الله عليه وسلم في رسائله للملوك والأمراء، وهذا ترجيح أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، ويرجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما كان يظنه تغييرا إنما هو حرف آخر من القرآن، ولا يمكن لأحدٍ أن يجرؤ على تحريف القرآن وهو يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، ولم يكن القرآن محصوراً في أوراق فقط وعند شخص واحد.

قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله -:

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الذي في هذا الحديث ليس من ذلك المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب، وذلك أن المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب هو في القرآن لا في غيره، والذي في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب قد يحتمل أن يكون فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمليه على ذلك الكاتب من كُتبه إلى الناس في دعائه إياهم إلى الله عز وجل وفي وصفهم له ما هو جلَّ وعز عليه من الأشياء التي كان يأمر ذلك الكاتب بها ويكتب الكاتب خلافها مما معناها معناها إذا كانت كلها من صفات الله عز وجل، فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء من ذلك ولا اختلاف، والله عز وجل نسأله التوفيق. ” بيان مشكل الآثار ” ( 8 / 55 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والأشبه والله أعلم هو الوجه الأول، وأنَّ هذا كان فيما أنزل القرآن فيه على حروف عدة، فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث وقراءات الصحابة: أن المصحف الذي جمع عثمانُ الناسَ عليه هو أحد الحروف السبعة، وهو العرضة الأخيرة، وأن الحروف السبعة خارجة عن هذا المصحف، وأن الحروف السبعة كانت تختلف الكلمة مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 131 ).

 

والله أعلم.

ما هو المنفوس؟ وهل له علاج؟.

ما معنى كلمة ” المنفوس  ؟ وهل له علاج؟

السؤال:

ما هو المنفوس؟ وهل له علاج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– كلمة ” المنفوس ” تُطلق ويراد بها:

  1. الإنسان عموما.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ – أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ – ( مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِى عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهْىَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ ). رواه مسلم ( 2538 ).

  1. المولود حديثا قبل أن تطهر أمه من نفاسها.

قال ابن سِيده – رحمه الله -:

ويسمَّى الدم الذي يسيل من النُفَساء: ” نَفْسا “، وهو مُذكّر ثابت، والولد: ” منفوس ” ما دام صغيرا. ” المخصَّص ” ( 1 / 48 ).

ومنه ما جاء في كتب الفقه من عبارات مثل: ” لا يَرِثُ المَنْفوسَ حتى يَسْتَهِلَّ صارِخا “.

  1. الشيء النفيس المرغوب به.

قال الفيروزآبادي – رحمه الله -:

وشيءٌ نَفِيسٌ ومَنْفُوسٌ ومُنْفِسٌ كمُخْرِجٍ: يُتَنَافَسُ فيه ويُرْغَبُ.

” القاموس المحيط ” ( ص 745 ).

  1. المُصاب بالعيْن أو الحسد – والحسد أعم من العين -.

قال أبو بكر الأنباري – رحمه الله –:

والنفس: العين، يقال: قد أصابت فلاناً النفسُ إذا أصابته العين، ويقال للفاعل ” نافِسٌ “، وللمفعول ” منفوس “. ” الزاهر في معانى كلمات الناس ” ( 2 / 60 ).

وفي ” المعجم الوسيط ” ( 2 / 940 ) – جامعا كل ما سبق -:

( المنفوس ) المولود، والمحسود، أو من أصابته العين، ويقال: شيء منفوس: نفيس مرغوب فيه. انتهى.

ولعلَّ السائل يريد المعنى الأخير، والذي يصيب الناس بعينه ونفسه الخبيثة يقال له ” النَّفوس ” و ” النافس ” و ” العائن “، ويقال للمصاب بها ” معيون ” و ” منفوس “.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ ( نَعَمْ ) قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. رواه مسلم ( 2186 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وقوله ( مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ ) قيل: يُحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي، وقيل: يُحتمل أن المراد بها العين؛ فإن النفس تطلق على العين، ويقال ” رجل نفوس ” إذا كان يصيب الناس بعينه كما قال في الرواية الأخرى ( مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ ).

” شرح مسلم ” ( 14 / 170 ).

ثانيا:

ولا شك أنه علاج لما أصيب بالعين من صاحب عين معجَبة لم يصحبها دعاء بالبركة، أو من صاحب عين حاسدة، ولا يخلو الأمر إما أن يُعرف النافس والعائن أو لا يُعرف، فإن عُرف فإنه يؤمر بالغسل أو الوضوء أو غسل شيء من بدنه ليؤخذ هذا الماء فيُغسل به الشخص المنفوس، ولا بأس بأن يؤخذ شيء من ملابس ذلك النافس والعائن مما باشرت بدنه كالطاقية أو القميص الداخلي أو الشماغ فتُغسل بماء ويوضع الماء على بدن المنفوس، وإن لم يتيسر هذا ولا ذاك فلينظر أي شيء لمسته يد أو رِجل ذلك النافس – كمنديل أو بساط – فيُغسل بماء ويُصب على بدن المنفوس، ويستوي في هذا الحكم النافس والعائن من الكفار والمسلمين.

وفي حال أن النافس أو العائن لا يُعرف بعينه أو لم يتيسر الحصول على غسل أو وضوء أو شيء من أثره: فيكون العلاج بالرقى والأذكار الشرعية.

 

 

والله أعلم.

والدها يتحرش بها والأم تخاف على ابنتها فكيف تتصرفان؟

والدها يتحرش بها والأم تخاف على ابنتها فكيف تتصرفان؟

السؤال:

أب يتحرش بابنته، وشكت البنت للأم والأم تراقبه دائمًا، والأم خائفة على ابنتها، وهذا الزوج لم يقرب الأم منذ ثلاثة شهور ولم يطلبها بالمرة، فماذا تفعل هذه المسكينة؟

 

الجواب:

الحمد لله

إنه ليحزننا أن نسمع أو نقرأ مثل هذه الحكايات، فالذي من المفترض أن يكون حامياً لعرضه باذلاً الغالي والنفيس للدفاع عنه نراه هو من ينتهكه ! وهذا الفعل غاية في الفحش والإثم، وإذا كان التحرش بالأجنبية محرَّما مجرَّما فالتحرش بالابنة أشد تحريماً وأشد تجريماً، ولذا فلا ينبغي السكوت عليه من قبَل الابنة ولا من قبل أمها.

وقد ذكر الفقهاء أن المحرم الذي يكون له مثل أقل من هذه الأفعال فإنه يعامل معاملة الأجنبي من الرجال، وهذا الفعل الخسيس من الأب أولى وأحرى أن يكون سبباً ليُتعامل معه بصفته رجلا أجنبيًّا، فلا تمكنه من النظر إليها ولا تجعله يختلي بها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد اتفق العلماء على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 415 ).

وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمِّه أو أخته، وزمنه خير من زمننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرم نظر شهوة يرددها.

” الاستذكار ” ( 8 / 388 ).

وقال – رحمه الله – أيضا -:

وأجمعوا أنه لا يجوز أن ينظر أحد إلى ذات محرم منه نظر شهوة، وأن ذلك حرام عليه، والله يعلم المفسد من المصلح، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

” الاستذكار ” ( 8 / 432 ).

وإذا كان هذا هو حكم النظر إلى ذات المحرم بشهوة فكيف ما هو أكثر من ذلك كالتحرش بها لمساً وتقبيلاً وغير ذلك؟!.

وعليه: فالمطلوب فعله من الأم أن تعظ زوجها وتنصحه وتخوفه بالله تعالى ربِّه أن يكفَّ عن فعله المشين وأن يحفظ عرضه لا أن ينتهكه، فإن استجاب واستقام وندم على ما فات: فهذا هو المطلوب على أن لا يوثق به مباشرة بل يُعطى فترةً ليتأكد من صدق توبته.

وإذا لم يتب ولم يرعو من فعله القبيح ذاك : فلا يجوز للابنة البقاء في البيت، وعليها أن تغادره إلى مكان يكون آمناً لعرضها كبيت أخيها أو أختها أو قريب لها من محرمها، على أن تُحسن اختيار المكان ليكون بالفعل آمناً لها على عرضها، ونرى أن يُستر على فعل أبيها معها فلا يقال عن فعله لأحدٍ حتى يُعطى فرصة للتوبة الصادقة، وحتى لا يتسبب لها ذلك بالطعن في عرضها واتهامها بما ليس فيها، إلا إن عرف له أخ أو قريب عاقل حكيم له عليه تأثير فيمكن أن يُخبر لكي ينصحه أو يعنفه، على أن يلتزم هذا القريب بالستر على الابنة، وإذا سأل أحد عن سبب خروجها من بيت أبيها فلا بأس أن يقال إنه ثمة خصومة بين الابنة وأبيها، ويستمر ذلك الابتعاد حتى يقضي الله خيراً إما بتوبته فترجع لبيت أبيها أو تتزوج فتنتقل لبيت زوجها.

 

والله أعلم.

نصائح مهمة للزوجين بخصوص الحوار بينهما

نصائح مهمة للزوجين بخصوص الحوار بينهما

السؤال:

عندما نتحاور أنا وزوجتي على أمر ما فهي تناقشني في ذلك الأمر وأنا لا أحب المناقشة ولو كانت على صواب؛ وذلك يؤدي لزعلها ويصبح في الأخير خناقات، ومع ذلك لا أعترف بالذنب حتى تأتي هي لتراضيني، مع العلم بأنها تعرف أنني المذنب, فأرجو التوجيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الواجب عليك أيها الزوج الفاضل أن تُحسن عشرة زوجتك، ومن حُسن العشرة حسن الاستماع لها لما تقول، وحسن الإجابة، فالحق والصواب ليس حصرا على الأزواج حتى لا يكون منهم إنشاء لحوار مع زوجاتهم، فقد يُجري الله تعالى الحق على لسانها فتنطق به، وقد يكون الصواب في رأيها، وقد تكون مسددة في اقتراحها، فأي شيء يمنعك أن تنشئ حوارا تستمع فيه وجهة نظرها وتحاورها بالتي هي أحسن؟! وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يستمع لمشورة زوجه أم سلمة رضي الله عنها ويأخذ بها في أمر جلل، وذلك في حادثة صلح الحديبية المشهورة، فقد أشارت عليه بأن يخرج ولا يكلم أحدا من أصحابه حتى ينحر هديه ويحلق شعره، وقد فعل نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم كما أشارت عليه زوجه رضي الله عنها، وكان في ذلك خير عظيم.

لذا نوصيك – أخي الزوج الفاضل – أن يكون منك إنشاء لمجالس حوار بينك وبين زوجتك، وأن يكون منك اتساع في صدرك لما تقول، مع حسن استماع وإنصات، فإمّا أن تقبل كلامها مع شكرها، أو ترفضه بتلطف مع شكرها أيضا، ولا تنس أنها شريكتك في الحياة الزوجية، والقائم معك على تربية أولادك، وتدبير منزلك، فلا يصلح أن تكون أبواب الحوار مغلقة معها، ولا ينبغي لك الاعتداد برأيك والشعور بعدم حاجتك لحوارها ورأيها، ولا تغفل عن قول نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ( خَيرُكُم خَيْرُكُم لِأَهْلِهِ ) رواه الترمذي ( 3895 )، مع أمر الله تعالى قبل ذلك في قوله ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) النساء/ 19، ومن شأن مجالس الحوار بين الزوجين أن تزيد في الألفة بينهما، وأن تقوي علاقتهما ببعضهما، كما أنه من شأنها أن تسدد الرأي فيما يتعلق بالحياة الزوجية وأمور البيت وشئون الأسرة.

وليس من صفات الزوج العاقل الناضج أن يجعل ترضيته في حال خطئه من قبَل زوجته، بل يبادر هو للاعتراف بخطئه والاعتذار عنه وترضية زوجته، وهي عليها واجب ترضية زوجها في حال كان الخطأ من قبَلها، وبمثل هذا تستقيم الحياة الزوجية، وتدوم الألفة، وتقوى المحبة بين الزوجين، قال أبو الدرداء رضي الله عنه لامرأته: ” إذا رأيتِني غضبتُ فرضِّني، وإذا رأيتكِ غضبتِ رضَّيتُكِ، وإلا لم نصطحب “.

 

ثانيا:

وأما بخصوص الزوجة فقد وقفنا على كلام غاية في السداد لامرأة تنصح بنات جنسها فيما يتعلق في حوارها مع زوجها، فتقول الأستاذة ” شيخة الدهمش ” وفقها الله:

وحتى يكون حواركِ ناجحا مع زوجكِ في تلك اللحظة وفي كل لحظات حديثك أذكرك ببعض الأمور:

  1. اختاري الوقت المناسب لفتح الحوار معه فلا تحدثيه وهو قادم للتو من عمله، ولا إذا كان مريضا، ولا إذا كان متوترا ومتضايقا من شيء ما حتى ولو لم يكن منك، ولا تحدثيه أمام الأبناء، ولا أثناء وقوع خلاف واشتعال نار الغضب، وكل امرأة تعرف متى يكون زوجها هادئا، ولو تأخر فتح الموضوع، المهم: الحصول على نتيجة، ولعل أفضل الأوقات أوقات الليل المبكرة إذا كان مقبلا عليك.
  2. تكلمي معه بصوت منخفض وهادئ ورقيق وناعم، وكلما رققته أكثر كان لك أعظم أجرا عند الله وأكثر وقعا على قلبه.
  3. لا تشيري أثناء الحديث بيديك بانفعال وكأنك في حلبة ملاكمة، وإنما أشغلي يديك بالقبض على يده والمسح على جسده والمسح على الجسد يهدئ نفسيته ويهيؤها لك.
  4. قبل أن تفتحي حديثك أكدي له مسألة حرصك على رضاه، وأنه مهما اختلف رأيك عن رأيه فلن يكون في الأخير إلا ما يرضيه ولو على حساب نفسك.

إن هذه العبارات تقطع ظنونه ووساوس الشيطان على قلبه فلا يعتقد – كما يعتقد الكثير من الرجال – بأنك تريدين فرض رأيك عليه، أو إلصاق المعائب والتهم به.

  1. ابدئي حديثك معه بذكر الإيجابيات والصفات الحسنة في شخصيته، واشكريه وشجعيه عليها قبل فتح الموضوع، فهي طريقة رائعة ومجربة في التأثير عليه مثلا قولي: أنت طيب القلب، وكريم اليد، ولم تقصر معنا في شيء قط و…… و……
  2. ادخلي في موضوعك بتدرج، ولا تحكمي عليه بالخطأ والاعتداء، وإنما اتركيه يفهمها هو بنفسه من خلال ضربك للمثل، مثلا تقولين: لو جاءك شخص وقال لك كذا وكذا …. وأنت تحب هذا الشخص كثيرا وفعلت ذلك بقصد كذا وكذا ما رأيك في تصرفه وكيف تحكم عليه … وهكذا.
  3. حاوريه ولا تجادليه، وكلما قال أمرا فقولي: نعم، معك حق، كلامك صحيح وفوق رأسي – حتى ولو لم تكوني ترينه صحيحاً – ولكن ما رأيك لو نجرب فكرة أخرى أو رأيا آخر، واحكم أنت عليه فإن أعجبك وإلا فارفضه، وصدقيني من تجربة أقول لك سيعجبه لا محالة.
  4. لا تدخلي مع موضوعك موضوعات أخرى مدفونة أو قديمة سبق وأن أشبعت بالطرح.
  5. لا تذكريه بأخطائه السابقة كلما فتحت معه موضوعًا.
  6. لا تحاولي تشبيهه في أخطائه بأحد كأن تقولي: أنت مثل أبيك، أو أخيك.
  7. حاولي أن تنظري للموضوع من وجهة نظره هو لا من وجهة نظرك أنت، فلعله له وجهة نظر صحيحة وأنت لا تعلمين.
  8. استمعي له كلما تحدث بإعجاب – حتى ولو لم تكوني حقًّا معجبة – ولا تقاطعيه أبدا أثناء الحديث، حتى ولو لم يعجبك حديثه، وإنما اصبري حتى ينهي حديثه ثم ابدئي مداخلتك، إنك كلما احترمتيه أثناء الحديث بادلك احتراما مثله.
  9. لا تسخري منه أثناء حديثه ولا من آرائه ولا تعيريه ولا تسخري من أهله كذلك حتى ولو كان مقتنعًا بخطأ أهله أو سوء تصرفهم.
  10. أغلقي الحوار إذا رأيت أنه سيتطور إلى الأسوأ وأجلِّيه إلى وقت لاحق.

* وأخيرًا قبل أن أغلق ملف الخلافات الزوجية أذكر بأمور:

  1. احذري الهجر بعد الخلاف؛ فإنه يبني حواجز رهيبة في نفس الزوجين، يصعب هدمها وربما لن تشعري بأثرها إلا مع امتداد الزمن وتكرر الهجر.
  2. الخلاف إذا شب بين الزوجين كان شرارة صغيرة فإذا جعلتِه يخرج خارج حدود المنزل سيصبح حرائق، فإياك أن تشتكي لأحد إلا لأهل الاختصاص فقط.
  3. لا تدعي الخلاف يستمر حتى اليوم التالي: وتعودا دائما أن لا تناما إلا متصافيين، وقد كان هذا نهج عائشة رضي الله عنها مع حبيبها صلى الله عليه وسلم، فكانت تقول ” كنت أهجره ولكن لا أهجر إلا إلى الليل “.
  4. إياك ثم إياك الذهاب إلى منزل أهلك؛ لأن في ذلك تكبيرا لشرارة الموضوع وكسرا لكرامة زوجك لن تجبريه ولو عدت إليه مرة أخرى.

” كيف تؤثرين على زوجك ” شيخة الدهمش ( ص 33 – 35 ) – ترقيم الشاملة – .

ويمكنك الاستفادة من كتاب ” أربعون نصحية لإصلاح البيوت ” وهو موجود في قسم الكتب من موقعنا.

– ونسأل الله أن يهديك وزوجتك لما يحب ويرضى، وأن يجمع بينكما على خير.

 

والله أعلم.

 

مشكلة عائلية مع زوجته النصرانية

السؤال:

منذ أشهر قليلة وضعت زوجتي النصرانية طفلاً، ومنذ ذلك الحين زاد التوتر بيننا فهي تصر على أن تغنّي أغاني خفيفة لتهدئة الطفل، وتبذل جهداً لتستعيد رشاقة قوامها وذلك من خلال ممارسة لعبة رياضية عنيفة (ملاكمة وركل) عن طريق تلقي دروس فيها، ولقد حاولت كثيراً في إفهامها أن الأغاني شر وأن الرياضة هذه باطلة؛ لأن المعلم وبعض الطلاب ذكور ويديرون الموسيقى أثناء الدروس ويرتدون ملابس لا تليق، ومع ذلك فهي تقول إن هذا هو اعتقادها ولا تفهم كيف تكون الأغاني حراماً (شراً) وهي لها تأثير إيجابي على الطفل لتهدئته حال توتره،(وزوجتي قضت وقتاً طويلاً في الغناء في جوقة الكنيسة -كل حياتها- وهي تجيد ذلك وترى أن ذلك أسلوب لحمد الله)، ولا تدري كيف تكون دروس الرياضة شراً بينما هي تشعر بصحة أفضل وهذه الدروس تعطيها قوة أكثر وقواماً أفضل، ولكونها من العالم الغربي فإن أفكارها عن الزوج والزوجة وأدوارها تختلف عن أفكاري؛ ولذا عندما أمنعها من هذه الأعمال فإنها تقول بالرغم من أنها تقدر وتحترم أفكاري فإنها تتخذ القرارات النهائية طبقاً لتفكيرها هي.

لقد أصبحتُ مُحبطاً إلى درجة كبيرة وأخشى على زواجنا، فهل يمكنكم إرشادي إلى الأسلوب الملائم الذي ينبغي أن أتبعه؟ شكراً لكم على وقتكم الثمين.

 

الجواب:

الحمد لله:

لا بد للمسلم الذي يخالف أمر الله، أو يفعل خلاف الأولى أن يرى أثر فعله ذاك في حياته، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بأن تُنكح ذات الدين؛ لأن دينها سيمنعها من مخالفة أمر الشرع، وكذلك ستعين زوجها على تربية أولاده التربية الصحيحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنهم: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك”. رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ) .

– تربت يداك: دعاء بالفوز والفلاح.

ونحن لا نقول بحرمة الزواج من الكتابيات، ولكن إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بنكاح ذات الدين من المسلمات فهل تظن أن نكاح الكتابية موافق لهذه الوصية أم مخالف لها؟

 

 

– قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

يجوز التزوج من الكتابية إذا كانت محصنة ليست مسافحة؛ لأن الله اشترط في ذلك المحصنات، فإذا كانت الكتابية معروفة بالعفة والبعد عن وسائل الفواحش: جاز؛ لأن الله أباح ذلك، وأحل لنا نساءهم وطعامهم.

لكن في هذا العصر يُخشى على مَن تزوجهن شرٌّ كثير؛ وذلك لأنهن قد يدعونه إلى دينهن، وقد يسبِّب ذلك تنصُّرَ أولاده، فالخطر كبير، والأحوط للمؤمن ألا يتزوجها؛ ولأنها لا تُؤمن في نفسها في الغالب من الوقوع في الفاحشة، وأن تعلق عليه أولاداً من غيره.

فالأحوط له – وإن ظهر أنها غير مسافحة وأنها محصنة – ألا يتزوجها، وأن يجتهد في تزوج المسلمة المؤمنة حسب الطاقة، لكن إذا احتاج إلى ذلك: فلا بأس حتى يعف بها فرجه، ويغض بها بصره، ويجتهد في دعوتها إلى الإسلام، والحذر من شرها وأن تجره هي إلى الكفر أو تجر أولاده. ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 172 ).

 

والمسلم في بيته هو الراعي، وليس عليه أن يتنازل لامرأته في أن تتصرف كيف تشاء، وإلا لحقته آثام كل ما تفعله امرأته؛ لأنه هو الراعي والمسؤول عن رعيته وأهله.

عن الحسن أنّ عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة”. رواه البخاري ( 6731 ) ومسلم ( 142 ).

 

عن عبدالله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” كلكم راع وكلكم مسؤول، فالإمام راع وهو مسؤول، والرجل راع على أهله وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول”. رواه البخاري ( 4892 ) ومسلم ( 1829 ).

 

وسماع الموسيقى حرام، وحضورها عند المعلم والطلبة لممارسة الرياضة أشد حرمة من الموسيقى؛ لما فيها من الاختلاط وكشف العورات والنظر إلى المحرمات.

فالواجب عليك عدم تمكينها من أفعالها هذه القبيحة وأن تأخذ على يدها، بالرفق والترغيب أولاً، فإن لم يجد ذلك نفعاً فبالشدة والترهيب.

 

ولها أن تغني من غير موسيقى أو تمارس الرياضة في بيتها من غير أن يراها الأجانب، فإذا كان همّها إعادة رشاقتها فيمكن أن يتم ذلك في بيتها بعيداً عن مواطن الريبة والفتنة والحرام.

 

وإذا لم تجد النصائح فيها فرأينا أن يكون الفراق بينكما وعندك طفلة خير من أن يكون فيما بعد وعندكما الكثير من الأطفال، فتزداد الحسرة والألم.

 

والله أعلم.

 

حكم النظر إلى صور النساء في الرسوم المتحركة

حكم النظر إلى صور النساء في الرسوم المتحركة

السؤال:

أنا أتابع أفلام الكرتون المسمَّاة بـ ” الإنمي ” بحرص، فلا أختار منها ما يخل بالعقيدة، ولا ما يحتوي على المجون والخلاعة، ولكن طرأ في بالي سؤال، هل حكم مشاهدة النساء اللّاتي في هذه الأفلام محرم؟ مِن المعلوم أن الحرة كلها عورة عدا وجهها وكفيها كما هو المقرر عند الشافعية، ولا ننسى أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى قد أفتى بحرمة النظر إلى وجه الأجنبية ولكن هل صور الكرتون تلحق بصور النساء الحقيقية فلا يجوز رؤيتها؟ حيث إنهن عبارة عن صور بعضها ليست صوراً لها علاقة بالواقع فالأعين التي تُرسم بها هذه الصور تأخذ ما يقرب من ربع مساحة الوجه، ولا وجود أحيانًا لأنف وما إلى ذلك من الاختلافات المتنوعة، فما حكم مشاهدتها مع الأمن من عدم إثارة الشهوة بإذن الله تعالى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد ذكرنا في أكثر من إجابة أن تصوير ذوات الأرواح من المحرمات، سواء كان ذلك بالنحت أو بالرسم اليدوي أو بالآلة الفوتغرافية أو بالكمبيوتر، ويدخل في ذلك الرسوم الكرتونية لذوات الأرواح سواء كانت متخيلة أو مشوهة.

 

ثانيا:

وقد ذكرنا في جواب سابق أن الصور غير كاملة الملامح والتي ليس فيها أنف ولا عيون أنها ليست داخلة في الصور المحرمة، ولا أصحابها داخلين في الوعيد؛ لأنه لا يصدق عليها أنها صورة؛ وليس في هذه الصور مضاهاة لخلق الله.

 

ثالثا:

وقد ذكرنا في جواب سابق عن الشيخ العثيمين رحمه الله الخلاف في إلحاق صور الرسوم المتحركة من حيث النظر إليها بالصور الحقيقية، وأن الشيخ رحمه الله يرى أن الأقرب أنها لا تُلحق بها.

وقد فرق الشيخ سعد الخثلان حفظه الله بين الرسوم المتحركة الموجهة للصغار فهي جائزة، وبين الرسوم المتحركة الموجهة للكبار فهي ممنوعة محرمة، وهو تفريق علمي دقيق.

إلا أن هذا لا يعني جواز ظهور الرسوم المتحركة للنساء – مثلا – عاريات – أو شبه عاريات – أو متكسرات أو بأشكال مثيرة؛ فإنه من المعلوم أن العبرة بما تثمره مشاهدة تلك الصور، ولا يُنكر عاقل أنها لتلك الرسوم أثراً سلبيًّا في تحريك الشهوة وإثارتها؛ لما صار من التقدم الكبير في رسمها وطريقة إخراجها، ومثل هذه الصور المثيرة لا يجيزها علماء التربية والسلوك لما لها من أثر سيء فأولى أن يمنعها علماء الإسلام، ولا فرق بين أن تكون تلك الرسوم في ألعاب إلكترونية أو على صفحات الجرائد والمجلات أو تُعرض بالطريقة التقليدية القديمة.

* يقول الدكتور محمد أبو فارس – وفقه الله – في مشاهدة الرسوم المتحركة التي تحتوي على بعض الشخصيات الخليعة:

على أي حال: النظر إلى الصور السافرة أو العارية التي تُكشف فيها العورات: محرّم شرعا، والواجب: أن يَغض الرجل والمرأة بصريهما عن ذلك؛ لقوله تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) النور/ 30 ، وقوله تعالى ( قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) النور/ 31 ، فمشاهدة هذه الصور الخليعة الفاسدة العارية أو شبه العارية: محرّمة شرعا.

http://www.fatawah.com/Fatawah/280.aspx

 

وقد ذكرنا في جواب سابق بعض المفاسد في قناة ” سبيس تون ” ومن ذلك:

العري واللبس الفاضح، كألبسة اللاعبين، والمصارعين، والسابحين، والإناث عموما. انتهى.

 

وعليه: فالجائز من النظر إلى الرسوم المتحركة إذا كانت لنساء أنها جائزة إن كانت رسوما ليست كاملة الملامح، وأنها غير جائزة إذا كانت رسومًا لنساء تثير الشهوة، وأما إذا كانت الرسوم لنساء متحجبات أو مستورات وليس فيها إثارة ففيها الخلاف المشهور، فعلماء اللجنة الدائمة لا يرونها جائزة، وقد أحلنا على فتاواهم في أول الجواب، والأقرب أنها جائزة، وهو قول الشيخ العثيمين رحمه الله بشرط أن لا تكون مثيرة ولا يصاحبها موسيقى.

 

 

والله أعلم.

 

هل الرجل الصالح لا يتزوج إلا امرأة صالحة؟

السؤال:

سمعت أن كل انسان يأخذ من يستحق ( زوج أو زوجة ) فإن كان صالحًا كان زوجه صالحًا ولم أجد أي حديث عن هذا الموضوع فما قولكم في ذلك.

  • سمعت أيضًا أنه إذا زنى المرء فإنه يعاقب بأن أحد من نساء قرابته ترتكب الزنا فهل هذا صحيح؟
  • كثير من الشباب المسلم يبحث عن شريك في الحرام فهل أخبرهم أن التقي ينال تقيًا إلا إذا ابتلاه الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن الرجل الصالح – على الأغلب – يتزوج صالحة لأن الله تعالى يوفقه لذلك، وييسر له ألا يقع على من ليست كذلك، بل إن الرجل الصالح لا يتزوج إلا صالحة ولا يرضى إلا بها؛ لأنه يعمل بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك “.

رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

فالمسلم الصالح لا يبحث إلا عن صالحة تقية.

وقد فسر بعض العلماء قول الله تعالى: { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } [ النور / 26 ]  فسروها بأن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين وهم لهن، والنساء الطيبات للرجال الطيبين، وهم لهن.

قال القرطبي في تفسير هذه الآية:

قال ابن زيد: المعنى: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.

وقال مجاهد وابن جبير وعطاء وأكثر المفسرين: المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.

قال النحاس في كتاب ” معاني القرآن “: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية، ودل على صحة هذا القول { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عائشة وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } [النور / 3 ] الآية، فالخبيثات: الزواني، والطيبات: العفائف وكذا الطيبون والطيبات.

– واختار هذا القول النحاس أيضا، وهو معنى قول ابن زيد.

{ أولئك مبرءون مما يقولون } يعني به: الجنس، وقيل: عائشة وصفوان فجمع كما قال: {فإن كان له إخوة } [ النساء / 11 ]، والمراد: أخوان قاله الفراء.

” تفسير القرطبي ” ( 12 / 211 ).

هذا إن كان معنى الآية أن الطيبات والطيبين أو الخبيثات والخبيثين هم الأزواج.

وقد يتزوج الطيب خبيثة، وتتزوج الطيبة خبيثا، كما تزوج النبيَّان الكريمان نوح ولوط عليهما السلام خبيثتين، وكما تزوجت آسية بنت مزاحم – وهي طيبة – فرعون الخبيث، وفي ذلك يقول الله تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } [ التحريم / 10  – 11 ].

فما سمعتَه من أنَّ الإنسان يتزوج من يشابهه أو يماثله في الصلاح والفساد غير صحيح، ويدل على ذلك:

أ. أن الشرع نهى عن تزويج الزاني من العفيفة، ونهى العفيف عن التزوج من زانية، وهو يدل على إمكان وقوع ذلك، بل قد وقع مثل هذا كثيرًا.

قال الله تعالى: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ النور / 3 ].

ب. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة قد تُزوج لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، وترغيبه صلى الله عليه وسلم بالتزوج من ذات الدين يدل أنه قد يقع غيره، فيتزوج الرجل ممن لا يماثله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك “.

رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

ج. أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأولياء بتزويج مولياتهم من أهل الدين يدل على أنه قد يقع خلافه.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض “.

رواه الترمذي ( 1084 ) وابن ماجه ( 1967 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1022 ).

د. وقوع الطلاق منذ تشريعه إلى آخر الزمان يدل على أنه ليس كل زواج تحصل فيه مماثلة.

 

 

 

ثانيًا:

أما هل يجازي الله أقارب العبد بما فعل من الزنى أو غيره، وهل أفعاله تؤثر عليهم؟

نقول:

إن كان العبد صالحا وفعله كذلك: فإن الله تعالى قد يبارك في أهله وقرابته بعمله هذا، وهذا معلوم في الكتاب والسنة، أما إن كان غير صالح يفعل الموبقات وغيرها وعمله كذلك فقد قال بعض العلماء بأنه قد يؤثر في قرابته ويجازون بشؤم معاصيه.

أما الأول: فنطق القرءان به في سورة الكهف: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا } [ الكهف / 82 ].

قال القرطبي:

ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه …… وعلى هذا يدل قوله تعالى { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين }.

” تفسير القرطبي ” ( 11 / 38 – 39 ).

وقال ابن كثير:

وقوله { وكان أبوهما صالحا }: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة.

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ” حُفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر لهما صلاحا وتقدم أنه كان الأب السابع، فالله أعلم.  ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 100 ).

وقال ابن رجب الحنبلي: 

كما قيل في قوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا }  أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: { وكان   أبوهما صالحا }، وقال عمر بن عبدالعزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه، وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإن الله يحفظه في تلك الحال.

” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 186 – 187 ).

وفي الحديث:

عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته “. رواه أبو داود ( 2522 ) والترمذي ( 1663 ).

قال الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” رقم ( 8093 ): صحيح.

فالآية تدل على أن الصالح ينفع أقاربه بما ينفعهم في الدنيا – على تفسير أن الكنز: هو المال وهو الظاهر -، وفي الحديث منفعة دينية.

ثالثًا:

أما الرجل غير الصالح فهل يتضرر به أهله وبعمله في الدين والدنيا؟.

نقول:

الذي يبدو أنهم يتضررون بعمله في أمور الدنيا وفي أمور الدين.

وأما كونهم يتضررون بعمله في أمور الدين والدنيا فقد يعصي الرجل ربه فيمنع عنه الرزق ويكون له أولاد يعيلهم فيتضرر أولاده بما جنى أبوهم، أو يقدر الله له عيباً في بدنه أو خلقه ويؤثر في بنيه وراثة، لأن الولد قد يشبه أباه، فهذا الإمام العظيم سعيد بن المسيب وهو خير التابعين وأعلمهم وأصلحهم يتأثر بما صنع جده:

عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: جلست إلى سعيد بن المسيب فحدثني: أن جده حَزَنًا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي حزَن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمَّانيه أبي.

قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد “. رواه البخاري ( 5840 ).

– والحزونة: هي الغلظة.

ففي الحديث أن شؤم المعصية التي جناها الجد قد تعدت إلى بنيه وبني بنيه من بعد.

قال ابن حجر:

وقال الداودي: يريد الصعوبة في أخلاقهم إلا أن سعيدًا أفضى به ذلك إلى الغضب في الله. وقال غيره: يشير إلى الشدة التي بقيت في أخلاقهم، فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد يعدم منهم. ” فتح الباري ” ( 10 / 575 ).

ولذا إذا زنى الرجل فقد يعاقبه الله تعالى في نسله أو في أقاربه فيتضرر أقاربه بشؤم معصيته.

 

رابعًا:

ليس في هذه المسألة دليل صحيح خاص بها.

أما حديث: ” ما زنى عبد قط فأدمن على الزنا إلا ابتلي في أهل بيته “: فقد قال الشيخ الألباني: موضوع. رواه ابن عدي ( 2 / 15 )، وأبو نعيم في ” أخبار أصفهان ” ( 1  / 278 ).

” االسلسلة الضعيفة ” ( 2 / 154 ) رقم ( 723 ).

وحديث:  ” من زنى زني  به ولو بحيطان داره “: قال عنه الشيخ الألباني: موضوع. رواه ابن النجار.

وعقب عليه رحمه الله -:

ومما يؤكد بطلان هذا الحديث أنه يؤكد وقوع الزنى من أهل الزاني، وهذا باطل يتنافى مع الأصل في القرآن: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ النجم / 39 ]، نعم إن كان الرجل يجهر بالزنى ويفعله في بيته فربما سرى ذلك إلى أهله والعياذ بالله تعالى، ولكن ليس بحتم كما أفاده هذا الحديث، فهو باطل.  ” الضعيفة ” ( 2 / 154 ) رقم ( 724 ).

ونقول: قول الشيخ صحيح من جهة ما سيراه أهله عليه من فعل الفاحشة، ومجاهرة بها ، وهو ما يمكن أن يجرأهم به على فعل الزنا، وهذا من شؤم معصيته.

كما أن بعض العلماء قد قرر أن الأقارب يصلهم من شؤم معاصي الرجل غير الصالح.

عن المسور بن مخرمة قال: إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح بنت أبي جهل. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد ، فترك علي الخطبة. ….”.

رواه البخاري ( 3523 ) ومسلم ( 2449 ).

قال ابن القيم – معلقا على حديث المسور بن مخرمة -:

وفيه: بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله ” بنت عدو الله ” فدل على أن لهذا الوصف تأثيرًا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة، وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا }.

” حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ” ( 6 / 55 ).

 

خامسًا:

أما عن الذين يشاركون النساء بالحرام فأخبرهم أن الله قد ييسر للتقي تقية تحفظه ويبتلي الفاسد من هي مثله، والأدلة على ذلك قد تقدمت.

 

والله أعلم.