الرئيسية بلوق الصفحة 99

هل إجابة الدعاء دليل أنّ الله لا يريد سماع صوتها؟

هل إجابة الدعاء دليل أنّ الله لا يريد سماع صوتها؟

السؤال:

أعلم أن هناك حديث قدسي يقول أن الله يخبر جبريل عليه السلام عندما يدعوا عبد والله يحب هذا العبد يؤخر الإجابة حتى يسمع الدعاء أكثر وأكثر وإن كان لا يحبه يلبي له دعاؤه حتى لا يسمع صوته؟ ها هذا في كل حال أم هناك استثناء ( هل إجابة الدعاء من أول مرة دليل على عدم حب الله للعبد ) والموقف هكذا: أذنبت ثم تبت إلى الله وأرسل رسائل عبر الإنترنت في العقيدة والفقه والتذكير بالإسلام والمواعظ وأحافظ على الأذكار دائمًا بفضل الله وأدعوا لنفسي وللآخرين ولاحظت أن الدعاء يستجاب لي فورًا ولكن أشعر بالخوف أن يكون الله غاضب علي وهو يستجيب لي لأنه لا يريد أن يسمع صوتي هذا الموضوع يقلقني جدا انني أستخير في كل شيء حتى ولو صغير حتى ولو كنت أريد الذهاب إلى السوق ….

 

الجواب:

الحمدلله

أولًا:

ورد الترغيب في الشرع في الإكثار من الدعاء، وعدم الاستعجال، وذلك لأن الدعاء عبادة عظيمة محبوبة لله تعالى، بل ورد الترهيب من ترك الدعاء؛ لأن تركه يدل على الاستكبار.

قال الله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم   داخرين } [ غافر / 60 ].

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي “. رواه البخاري ( 5981 ) ومسلم ( 2735 ).

وعن أبي سعيد  الخدري رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر “.

رواه الترمذي ( 3573 ). والحديث: صححه الترمذي وغيره.

 

ثانيًا:

وأما الحديث الذي ذكره السائل فهو حديث ضعيف جدًّا وهو مرويٌّ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إن العبد يدعو الله وهو يحبه فيقول الله عز وجل: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخِّرها فإني أحب أن اسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول الله عز وجل: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وعجلها فإني أكره أن اسمع صوته “. رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 8 / 216 )، وفيه إسحق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك كما في  ” مجمع   الزوائد ” ( 10 / 151 ).

– وإذا تبين أن الحديث ضعيف جدّاً فلا يصلح للاحتجاج به.

ثالثَا:

لا شك أن العبد إذا وجد من نفسه أن الله يستجيب له فهي نعمة عظيمة تستوجب الشكر والحمد وملازمة الأعمال الصالحة وتقوى الله؛ فهي من أعظم أسباب سرعة استجابة الله لعبده وهي نعمة إذا صحت يغبط عليها السائل، فكل مسلم يتمنى أن يكون دعاؤه مستجابًا، وهذا – إن شاء الله-  دليل صلاح الرجل وصدقه وإخلاصه فعليه أن يداوم على تقوى الله والأعمال الصالحة واجتناب المحرمات فهذه كما ذكرنا من موجبات سرعة الاستجابة، والله يحب أن يلح العبد بالدعاء وإذا دعا المسلم فإما أن يستجيب الله له أو يؤخرها له في الآخرة أو يدفع عنه من السوء مثلها كما جاء في الحديث المذكور، وسرعة الاستجابة دليل إن شاء الله على محبة الله لعبده.

 

رابعًا:

ما ذكره السائل من نشره للخير والدعوة إلى الله: فيه خير له إن شاء الله في الدنيا والآخرة وهي من أنواع البر التي تنفعه في الدنيا والآخرة فنسأل الله له التوفيق وأن يسدد خطاه وأن يعينه على ذلك وأن يجزيه خير الجزاء.

 

خامسًا:

ما ذكره السائل من أنه يستخير الله في كل شأن من شؤون حياته ولو كان صغيرًا: فهذا من الأفعال الحسنة، وهو دليل على اتباع السنة إن شاء الله، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يعلم الصحابة الاستخارة في كل الأمور وكان يعلمهم دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن كما صح عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: ” اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ( ويسمِّي حاجته ) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر  ( ويسمِّي حاجته ) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: في عاجل أمري وآجله – فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني “. رواه البخاري ( 1113 ).

لكن لا ينبغي أن يكون ذلك سبباً للوقوع في الوسوسة والهم والغم، وهذا ما لعله قد وقع من السائل من قوله إنه يستخير إذا أراد أن يذهب إلى السوق!

لذا فإننا نرى أن تكون الاستخارة حيث يريد شراء شيء تتعلق به مصلحة عظيمة، أو زواج، أو سفر، أو ارتحال من مكان إلى مكان، وما شابه ذلك.

 

والله أعلم.

كم عدد ركعات صلاة التراويح؟

كم عدد ركعات صلاة التراويح؟

السؤال:

لقد سألت هذا السؤال من قبل وأرجو الإجابة عنه بما يفيدني فإنني تلقيت إجابة غير مرضية والسؤال عن التراويح هل هي 11 ركعة أم 20 ركعة. فالسنة تقول 11 والشيخ الألباني رحمه الله في كتاب القيام والتراويح يقول 11 ركعة وبعض الناس يذهبون للمسجد الذي يصلي 11 ركعة والبعض الآخر يذهبون للمسجد الذي يصلي 20 ركعة وأصبحت المسألة حساسة هنا في الولايات المتحدة فمن يصلي 11 يلوم الذي يصلي 20 والعكس وصارت فتنة حتى في المسجد الحرام يصلون 20 ركعة.

  • لماذا تختلف الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي عن السنة.
  • لماذا يصلون التراويح 20 ركعة في المسجد الحرام والمسجد النبوي؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا نرى أن يتعامل المسلم مع المسائل الخلافية بين أهل العلم بمثل هذه الحساسية، وما يبنى على تبني مسألة من هجر وقطيعة واتهام للنيات يدل على جهل عظيم عند هذا الصنف من الناس.

وقد قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله عند الكلام على مسألة من يصلي مع الإمام عشر ركعات ثم يجلس وينتظر وتره، قال:

ويؤسفنا كثيرًا أن نجد في الأمة الإسلامية المتفتحة فئة تختلف في أمور يسوغ فيها الخلاف، فتجعل الخلاف فيها سببًا لاختلاف القلوب، فالخلاف في الأمة موجود في عهد الصحابة، ومع ذلك بقيت قلوبهم متفقة.

فالواجب على الشباب خاصة، وعلى كل الملتزمين أن يكونوا يدًا واحدةً ومظهرًا واحدًا؛ لأن لهم أعداءً يتربصون بهم الدوائر. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 225 ).

وقد غلا في هذه المسألة طائفتان، الأولى أنكرت على من زاد على إحدى عشر ركعة وبدَّعت فعله، والثانية أنكروا على من اقتصر على إحدى عشر ركعة وقالوا: إنهم خالفوا الإجماع.

ولنسمع إلى توجيه من الشيخ الفاضل ابن عثيمين حفظه الله حيث يقول:

وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط، فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنَّة، وينكر أشدَّ النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ.

وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثمًا عاصيًا وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، ولم يحدد بعدد، ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأن من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس ممن خدم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد: عُلم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلِّيَ مائة ركعة ويوتر بواحدة.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” فهذا ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سردًا، وإنما المراد: صلوا كما رأيتموني أصلي في الكيفية، أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده.

وعلى كلٍّ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع، حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا مَن يبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة، ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ” من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة ” وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتنقطع الصفوف بجلوسهم، وربما يتحدثون أحيانًا فيشوشون على المصلين.

ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهدٍ يكون مصيبًا.

والطرف الثاني: عكس هؤلاء، أنكروا على من اقتصر على إحدى عشرة ركعة إنكارًا عظيمًا، وقالوا: خرجتَ عن الإجماع قال تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا }، فكل من قبلك لا يعرفون إلا ثلاثًا وعشرين ركعة، ثم يشدِّدون في النكير، وهذا أيضًا خطأ.

” الشرح الممتع ” ( 4 / 73 – 75 ).

أما الدليل الذي استدل القائلون بعدم جواز الزيادة في صلاة التراويح على ثمان ركعات فهو حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: ” كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر قال يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي “.

رواه البخاري ( 1909 )  ومسلم ( 738 ).

فقالوا: هذا الحديث يدل على المداومة لرسول الله في صلاته في الليل في رمضان وغيره.

وقد ردَّ العلماء على الاستدلال بهذا الحديث بأن هذا من فعله صلى الله عليه وسلَّم، والفعل لا يدل على الوجوب.

وكذلك أن هذا من قول عائشة وهي حدَّثت بما علمت، وقد نقل ابن عباس رضي الله عنه أنه صلَّى ثلاثة عشر ركعة كما في الصحيحين.

ومن الأدلة الواضحة على أن أمر العدد في صلاة التراويح ليس مقيَّدًا: حديث ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله عليه السلام: ” صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى “.

رواه البخاري ( 946 ) ومسلم ( 749 ).

ونظرة إلى أقوال العلماء في المذاهب المعتبرة تبيِّن لك أن ما قاله الشيخ الفاضل الألباني لم يُسبق إليه، ونعني: قوله ببدعية صلاة عشرين ركعة، وعدم جواز الزيادة على إحدى عشر ركعة.

قال السرخسي:

فإنها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا، وقال مالك رحمه الله تعالى السنة فيها ستة وثلاثون. ” المبسوط ” ( 2 / 145 ).

وقال ابن قدامة:

والمختار عند أبي عبد الله، رحمه الله، فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحا مولى التوأمة، قال: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس.

ولنا، أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب، وكان يصلي لهم عشرين ركعة، وقد روى الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني، فإذا كانت العشر الأواخر تخلف أبي، فصلى في بيته، فكانوا يقولون: أبق أبي رواه أبو داو، ورواه السائب بن يزيد، وروي عنه من طرق، وروى مالك، عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وعن علي، أنه أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة. وهذا كالإجماع، فأما ما رواه صالح، فإن صالحا ضعيف، ثم لا ندري من الناس الذين أخبر عنهم؟ فلعله قد أدرك جماعة من الناس يفعلون ذلك، وليس ذلك بحجة، ثم لو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر، وأجمع عليه الصحابة في عصره، أولى بالاتباع، قال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة، فإن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات، وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأحق أن يتبع.

” المغني ” ( 1 / 457 ).

وقال النووي:

( أما حكم المسألة ) فصلاة التراويح سنة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات وتجوز منفردا وجماعة. ” المجموع ” ( 3 / 527 ).

وقال:

مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح مذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء، وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع، وقال مالك التراويح تسع ترويحات وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا، وعن نافع قال: أدركت الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث.

واحتج أصحابنا بما رواه البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: ” كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وكانوا يقومون بالمائتين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام ” وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة، رواه مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان ورواه البيهقي، لكنه مرسل، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر، قال البيهقي: يجمع بين الروايتين بأنهم كانوا يقومون بعشرين ركعة ويوترون بثلاث، وروى البيهقي عن علي رضي الله عنه أيضا قيام رمضان بعشرين ركعة، وأما ما ذكروه من فعل أهل المدينة فقال أصحابنا: سببه أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافا ويصلون ركعتين ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة. فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة وأوتروا بثلاث فصار المجموع تسعا وثلاثين والله أعلم. ” المجموع ” ( 3 / 528 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: عشرين ركعة أو: كمذهب مالك ستا وثلاثين، أو ثلاث عشرة، أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 344 ).

وقال ولي الدين العراقي:

( الثالثة ) لم يبين في هذا الحديث عدد الركعات التي صلاهن النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليالي في المسجد وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ” ما زاد النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ” فالظاهر أنه كذلك فعل في هذا المحل لكن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على صلاة التراويح في شهر رمضان مقتدين بأبي بن كعب صلى بهم عشرين ركعة غير الوتر وهو ثلاث ركعات وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وروى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في زمن عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة وفي رواية بإحدى عشرة قال البيهقي يجمع بين الروايات بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم قاموا بعشرين وأوتروا بثلاث ويزيد بن رومان لم يدرك وبهذا أخذ أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد والجمهور ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر وعلي وأبي وشكيل بن شكل وابن أبي مليكة والحارث الهمداني وأبي البختري قال ابن عبد البر وهو قول جمهور العلماء وهو الاختيار عندنا انتهى وعدوا ما وقع في زمن عمر رضي الله عنه كالإجماع وفي مصنف ابن أبي شيبة وسنن البيهقي عن ابن عباس قال ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة والوتر ” ضعفه البيهقي وغيره برواية أبي شيبة جد ابن أبي شيبة واختار مالك رحمه الله أن يصلي ستا وثلاثين ركعة غير الوتر وقال: إن عليه العمل بالمدينة وفي مصنف ابن أبي شيبة عن داود بن قيس قال أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان  يصلون ستا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث وقال صالح مولى التوأمة أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس قال ابن قدامة في ” المغني “: وصالح ضعيف ثم لا يدري من الناس الذين أخبر عنهم فلعله قد أدرك جماعة من الناس يفعلون ذلك وليس ذلك بحجة ثم لو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر رضي الله عنه وأجمع عليه الصحابة في عصره أولى بالاتباع انتهى.

وقال بعض أهل العلم: وإنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة فإن أهل مكة كانوا يطوفون سبعا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات وقال الحليمي من أصحابنا في ” منهاجه “: فمن اقتدى بأهل مكة فقام بعشرين فحسن ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكة في الاستكثار من الفضل لا المنافسة كما ظن بعض الناس قال ومن اقتصر على عشرين وقرأ فيها بما يقرؤه غيره في ست وثلاثين كان أفضل لأن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود قيل والسر في العشرين أن الراتبة في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت فيه لأنه وقت جد وتشمير انتهى.

ولما ولي والدي رحمه الله إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين واستمر على ذلك عمل أهل المدينة بعده فهم عليه إلى الآن، وكان الأسود بن يزيد يصلي أربعين ركعة يوتر بسبع رواه ابن أبي شيبة، وقال الشافعي رحمه الله: وليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه لأنه نافلة فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن وهو أحب إلي وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن.

” طرح التثريب ” ( 3 / 98 ، 99 ).

 وسئل ابن حجر الهيتمي هل صح أو ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى التراويح عشرين ركعة؟

فأجاب بقوله: لم يصح ذلك بل الأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير ذكر عدد، وصلاته صلى الله عليه وسلم بهم صلاة لم يذكر عددها ليالي ثم تأخر في رابع ليلة خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها، وأما ما ورد من طرق أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، وفي رواية زيادة ( في غير جماعة ) فهو شديد الضعف اشتد كلام الأئمة في أحد رواته تجريحا وذما … . ” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 1 / 195 ، 196 ).

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية:

عدد ركعات التراويح:

قال السيوطي: الذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان الأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح عشرين ركعة، وإنما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها، ثم تأخر في الليلة الرابعة خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها. وقال ابن حجر الهيثمي: لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح عشرين ركعة، وما ورد أنه ” كان يصلي عشرين ركعة ” فهو شديد الضعف. واختلفت الرواية فيما كان يصلى به في رمضان في زمان عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه -: فذهب جمهور الفقهاء – من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية – إلى أن التراويح عشرون ركعة، لما رواه مالك عن يزيد بن رومان والبيهقي عن السائب بن يزيد من قيام الناس في زمان عمر – رضي الله تعالى عنه – بعشرين ركعة، وجمع عمر الناس على هذا العدد من الركعات جمعا مستمرا، قال الكاساني: جمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على أبي بن كعب – رضي الله تعالى عنه – فصلى بهم عشرين ركعة، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا منهم على ذلك. وقال الدسوقي وغيره: كان عليه عمل الصحابة والتابعين. وقال ابن عابدين: عليه عمل الناس شرقا وغربا. وقال علي السنهوري: هو الذي عليه عمل الناس واستمر إلى زماننا في سائر الأمصار وقال الحنابلة: وهذا في مظنة الشهرة  بحضرة الصحابة فكان إجماعا والنصوص في ذلك كثيرة. وروى مالك عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وروى مالك عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، قال البيهقي والباجي وغيرهما: أي بعشرين ركعة غير الوتر ثلاث ركعات، ويؤيده ما رواه البيهقي وغيره عن السائب بن يزيد – رضي الله تعالى عنه – قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في شهر رمضان بعشرين ركعة قال الباجي: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة، يقرأ القارئ بالمئين في الركعة; لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك أمرهم بثلاث وعشرين ركعة على وجه التخفيف عنهم من طول القيام، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات. وقال العدوي: الإحدى عشرة كانت مبدأ الأمر، ثم انتقل إلى العشرين. وقال ابن حبيب: رجع عمر إلى ثلاث وعشرين ركعة وخالف الكمال بن الهمام مشايخ الحنفية القائلين بأن العشرين سنة في التراويح فقال: قيام رمضان سنة إحدى عشرة ركعة بالوتر في جماعة، فعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم تركه لعذر، أفاد أنه لولا خشية فرضه عليهم لواظب بهم، ولا شك في تحقق الأمن من ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم فيكون سنة، وكونها عشرين سنة الخلفاء الراشدين، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ” ندب إلى سنتهم، ولا يستلزم كون ذلك سنته؛ إذ سنته بمواظبته بنفسه أو إلا لعذر، وبتقدير عدم ذلك العذر كان يواظب على ما وقع منه، فتكون العشرون مستحبا، وذلك القدر منها هو السنة، كالأربع بعد العشاء مستحبة وركعتان منها هي السنة، وظاهر كلام المشايخ أن السنة عشرون، ومقتضى الدليل ما قلنا فيكون هو المسنون، أي فيكون المسنون منها ثماني ركعات والباقي مستحبا. وقال المالكية: القيام في رمضان بعشرين ركعة أو بست وثلاثين واسع أي جائز، فقد كان السلف من الصحابة – رضوان الله عليهم – يقومون في رمضان في زمن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ثم صلوا في زمن عمر بن عبد العزيز ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر. قال المالكية: وهو اختيار مالك في المدونة، قال: هو الذي لم يزل عليه عمل الناس أي بالمدينة بعد عمر بن الخطاب، وقالوا: كره مالك نقصها عما جعلت بالمدينة. وعن مالك – أي في غير المدونة – قال: الذي يأخذ بنفسي في ذلك الذي جمع عمر عليه الناس، إحدى عشرة ركعة منها الوتر، وهي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي المذهب أقوال وترجيحات أخرى. وقال الشافعية: ولأهل المدينة فعلها ستا وثلاثين; لأن العشرين خمس ترويحات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، فحمل أهل المدينة بدل كل أسبوع ترويحة ليساووهم، قال الشيخان: ولا يجوز ذلك لغيرهم . . وهو الأصح كما قال الرملي لأن لأهل المدينة شرفا بهجرته صلى الله عليه وسلم ومدفنه، وخالف الحليمي فقال: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا. وقال الحنابلة: لا ينقص من العشرين ركعة، ولا بأس بالزيادة عليها نصا، قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا أحصي، وكان عبد الرحمن بن الأسود يقوم بأربعين ركعة ويوتر بعدها بسبع.  قال ابن تيمية: والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل. وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل. وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك. وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره. قال: ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ.

” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 142 – 145 ).

 

وبعد فلا تعجب أخي السائل من صلاة التراويح عشرين ركعة وقد سبقوا من أولئك الأئمة جيلا قبل جيل، وفي كلٍّ خير.

 

 

والله أعلم.

هل صلاة النافلة في البيت أفضل؟

هل صلاة النافلة في البيت أفضل؟

السؤال:

أسلمت منذ سنة، لكن هناك أمر حيرني.  لقد أخبرني أحدهم بأنه من الأفضل للمسلم أن يصلي صلاة الفريضة جماعةً في المسجد, ويصلي السنن في المنزل.  لكن هذا الشخص لم يقدم أي دليل على قوله ذاك.  أرجو أن تقدم لي الدليل من الكتاب والسنة.

أنت تقوم بعمل رائع, فاستمر فيه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما بالنسبة لصلاة الفريضة في المسجد جماعة: فحكمها الوجوب، وقد أجمع على ذلك الصحابة رضي الله عنهم كما ذكر ابن القيم في ” حكم تارك الصلاة ” ( ص 153 )، وهو قول: عطاء والحسن البصري والأوزاعي وإسحاق وأحمد وأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ونصَّ عليه الشافعي في ” مختصر المزني “، وعليه علماؤنا المعاصرون ابن باز والألباني وابن عثيمين وكثيرون غيرهم، وعلى ذلك أدلة كثيرة، منها:

  • قال الله عز وجل { وإذا كنت فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك }.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وفيها دليلان:

أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.

الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر: كاستدبار القبلة، والعمل الكثير فانه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم.

قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة: لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة.

” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 227 ).

  • عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء “. رواه البخاري ( 618 ) ومسلم ( 651 ).

والحديث: بوَّب عليه البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.

قال الشوكاني:

والحديث: استدل به القائلون بوجوب صلاة الجماعة لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه.

” نيل الأوطار ” ( 3 / 151 ).

  • عن أبي هريرة قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب.

رواه مسلم ( 653 ).

قال ابن المنذر:

فدلت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له، فمما دلَّ عليه: قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير ” لا أجد لك رخصة “، فإذا كان الأعمى لا رخصة له: فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة. ” الأوسط ” ( 4 / 134 ).

  • عن عبد الله بن مسعود قال: مَن سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادَى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سننَ الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم ( 654 ).

قال النووي:

قوله: ” يهادى ” أي: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الأولى ” إن كان المريض ليمشي بين رجلين “، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها.

” شرح مسلم ” ( 5 / 156 ، 157 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عيه وسلم إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض وصلاة الضحى ونحو ذلك: كان منهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه كما قال له الأعرابي ” والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه، فقال: أفلح إن صدق “، ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجبًا على الأعيان …” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 230 ).

 

 

ثانيًا:

وأما بالنسبة لصلاة النافلة: فإن الأفضل أن تكون في البيت، وهذا الحكم لمطلق النوافل، وقد جاءت السنة بأفضلية أداء بعض النوافل في المسجد مثل صلاة الكسوف، وعلى ذلك بعض الأدلة، ومنها:

  • عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا “. رواه البخاري ( 422 ) ومسلم ( 777 ).
  • عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة أو حصيرًا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضَباً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. رواه البخاري ( 5762 ) ومسلم ( 781 ).

قال الحافظ ابن حجر:

ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بـ” المكتوبة “: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية كذا قال بعض أئمتنا، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يشرع في البيت وفي المسجد معا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بـ”المكتوبة “: ما تشرع فيه الجماعة.

” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).

  • عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا “.

رواه مسلم ( 778 ).

وفرَّق بعض العلماء بين نافلة الليل ونافلة النهار في الأداء في البيت، لكن السنة الصحيحة ترد هذا التفريق.

قال النووي:

فيه استحباب النوافل الراتبة في البيت كما يستحب فيه غيرها، ولا خلاف في هذا عندنا، وبه قال الجمهور وسواء عندنا وعندهم راتبة فرائض النهار والليل.

قال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها، وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت.

ودليلنا: هذه الأحاديث الصحيحة وفيها التصريح بأنه  صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الصبح والجمعة في بيته وهما صلاتا نهار مع قوله صلى الله عليه وسلم ” أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “، وهذا عام صحيح صريح لا معارض له فليس لأحد العدول عنه.

” شرح مسلم ” ( 6 / 9 ، 10 ).

 

وأما صلاته صلى الله عليه وسلم الكسوف في المسجد، فقد ثبت ذلك في السنة الصحيحة، ويدل تحريه صلى الله عليه وسلم صلاتها في المسجد أنها أفضل من أدائها في البيت:

  • عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلَّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ، فإذا رأيتموهما فصلُّوا وادعوا حتى يُكشف ما بكم. رواه البخاري ( 993 ).
  • عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي إن الصلاة جامعة. رواه البخاري ( 998 ) ومسلم ( 910 ).

قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم ” فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة “: هذا عام في جميع النوافل المرتبة مع الفرائض المطلقة، إلا في النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح فإنها مشروعة في جماعة في المسجد، والاستسقاء في الصحراء، وكذا العيد إذا ضاق المسجد. ” شرح مسلم ” ( 6 / 70 ).

 

والله أعلم.

 

جواب ثانٍ

 

الجواب:

         الحمد لله

أولًا:

نحمد الله سبحانه وتعالى الذي كتب لك الهداية للدخول في دين الإسلام فهذه نعمة عظيمة تستوجب حمد الله وشكره.

ثانيًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن الصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، وهي الفاصل بين المسلم والكافر كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة  “. رواه مسلم ( 82 ).

ثالثًا:

اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم صلاة الجماعة على أقوال عدة:

أصحها: أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة، وعليه تدل الأدلة الشرعية.

وهو قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري والأوزاعي وأبي ثور، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه، ونص عليه الشافعي ” مختصر المزني ” فقال: وأما الجماعة  فلا أرخص تركها إلا من عذر ورجحه: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء.

وأما الأدلة على الوجوب فكما يلي:

  1. قال الله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } [ النساء / 102].

قال ابن المنذر:

ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف: دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب.

” الأوسط ” ( 4 / 135 ).

وقال ابن القيم:

ووجه الاستدلال بالآية من وجوه:

أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقول { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك }، وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، ولو كانت الجماعة سنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية: لسقطت بفعل الطائفة الأولى، ففي الآية دليل على وجوبها على الأعيان، فهذه على ثلاثة أوجه: أمره بها أولًا، ثم أمره بها ثانيًا، وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف.

” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 137 ، 138 ).

  1. قوله تعالى:{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } [ البقرة / 43 ]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة، وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها، والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها كما سماها الله سجودًا وقرآنًا وتسبيحًا، فلا بد لقوله { مع الراكعين } من فائدة أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين والمعية تفيد ذلك، إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال؛ فإن قيل فهذا ينتقص بقوله تعالى:{ يا مريم اقتني لربك واسجدي واركعي مع الركعين } [ آل عمران / 43 ]، والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله:{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين }، ومريم كانت لها خاصية لم تكن لغيرها من النساء؛ فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد وكانت لا تفارقه، فأمرت أن تركع مع أهله ولمَّا اصطفاها الله وطهَّرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء قال تعالى: { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العلمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } [ آل عمران / 42 و 43 ].

فإن قيل: كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [ التوبة / 119]  فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ولا تستلزم المقارنة فيه، قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد أمرًا زائدًا على المشاركة ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صلِّ مع الجماعة أو صليتُ مع الجماعة، لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة. ” الصلاة وحكم تاركها ” ( 139 – 141 ).

  1. عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ” والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مِرْمَاتين حسنتين لشهد العشاء “.

رواه البخاري ( 618 )، ومسلم ( 651 ).

– عرْق: العظم.

– مرماتين: ما بين ظلفي الشاة من اللحم.

وعن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” إن اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار “. رواه البخاري ( 626 )، ومسلم ( 651 ).

قال ابن المنذر:

وفي اهتمامه بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم: أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول صلى الله عليه وسلم مَن تخلف عن ندب، وعما ليس بفرض. ” الأوسط ” ( 4 / 134 ).

وقال الصنعاني:

والحديث دليل على وجوب الجماعة عينًا لا كفايةً، إذ قد قام بها غيرهم فلا يستحقون العقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم. ” سبل السلام ” ( 2 / 18، 19 ).

  1. عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة. رواه أبو داود ( 552 ) وابن ماجه ( 792 ).

والحديث: قال عنه النووي: إسناده صحيح أو حسن.

” المجموع ” ( 4 / 164 ).

قال ابن المنذر:

فإذا كان الأعمى لا رخصة له: فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة.

” الأوسط ” ( 4 / 134 ).

وقال ابن قدامة:

وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى.

” المغني ” ( 2 / 3 ).

  1. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من سرَّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من سنن الهدى وأن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.

وفي لفظ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  علَّمَنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. رواه مسلم ( 654 ).

قال ابن القيم:

فوجه الدلالة: أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم؛ وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه، ومن استقرأ علامات النفاق في السنَّة: وجدها إما ترك فريضة، أو فعل محرم، وقد أكد هذا المعنى بقوله: ” من سرَه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن ” وسمَّى تاركَها المصلي في بيته متخلفًا تاركًا للسنَّة التي هي طريقة رسول الله التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته، وليس المراد بها السنَّة التي مَن شاء فعلها ومَن شاء تركها؛ فإن تركها لا يكون ضلالًا، ولا من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس.

” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 146 ، 147 ).

  1. إجماع الصحابة:

قال ابن القيم:

إجماع الصحابة رضي الله عنهم ونحن نذكر نصوصهم: 

قد تقدم قول ابن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: من سمع المنادي فلم يجب بغير عذر فلا صلاة له.

وعن علي رضي الله عنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قيل: ومَن جار المسجد؟ قال: مَن سمع المنادي “.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر.

وعن علي رضي الله عنه قال: من سمع النداء من جيران المسجد وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له.  ” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 153 ).

والأدلة كثيرة اكتفينا بما سبق، ويمكن الرجوع إلى كتاب ابن القيم ” الصلاة وحكم تاركها ” ففيها زوائد وفوائد.

 

 

 

رابعًا:

أما صلاة النافلة: فإن الأفضل أن تصلى في البيوت، اللهم إلا إن كان يسن لها الاجتماع في المسجد كصلاة الكسوف، أو ثبت الترغيب بأدائها في المسجد مثل التنفل قبل صلاة الجمعة، وقد ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، ومن الأدلة على ما قلنا:

  1. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا “. رواه البخاري ( 422 ) ومسلم ( 777 ).

قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم ” اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا “: معناه: صلُّوا فيها، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، والمراد به: صلاة النافلة، أي: صلوا النوافل في بيوتكم. ” شرح مسلم ” ( 6 / 67 ).

  1. عن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال: من  حصير  – في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “.

رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).

قال الحافظ ابن حجر:

ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتى التحية، كذا قال بعض أئمتنا.

ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: ما يشرع في البيت وفي المسجد معا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة.

” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).

– والاحتمال الذي ذكره الحافظ أقرب إلى الصواب.

  1. عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه فقالت كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. رواه مسلم ( 730 )، ونحوه من حديث ابن عمر في الصحيحين.

قال النووي:

فيه استحباب النوافل الراتبة في البيت كما يستحب فيه غيرها، ولا خلاف في هذا عندنا، وبه قال الجمهور وسواء عندنا وعندهم راتبة فرائض النهار والليل.

قال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها.

وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة اليل في البيت.

ودليلنا: هذه الأحاديث الصحيحة، وفيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الصبح والجمعة في بيته وهما صلاتا نهار مع قوله ص أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وهذا عام صحيح صريح لا معارض له فليس لأحد العدول عنه والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 6 / 9 ، 10 ).

  1. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا “.

رواه مسلم ( 778 ).

قال المناوي:

” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده “: يعني: أدى الفرض في محل الجماعة، وخص المسجد لأن الغالب إقامتها فيه، ” فليجعل لبيته “: أي: محل سكنه، ” نصيبا “: أي: قِسما، ” من صلاته “: أي: فليجعل الفرض في المسجد والنفل في بيته لتعود بركته على البيت وأهله كما قال ” فإن الله تعالى جاعل في بيته من صلاته “: أي: من أجلها وبسببها، ” خيرًا ” : أي: كثيرًا عظيمًا، كما يؤذن به التنكير، لعمارة البيت بذكر الله وطاعته، وحضور الملائكة، واستبشارهم، وما يحصل لأهله من ثواب وبركة.

وفيه: أن النفل في البيت أفضل منه في المسجد ولو بالمسجد الحرام …

” فيض القدير ” ( 1 / 418 ).

والأدلة على ذلك أكثر من هذا، فصلاته صلى الله عليه وسلم الرواتب، وقيام الليل، والضحى كل ذلك كان في بيته صلى الله عليه وسلم، وقد تركنا ذلك اختصارًا وفيما سبق كفاية، وقد ذكر بعض العلماء لذلك حِكَمًا:

قال ابن قدامة:

والتطوع في البيت أفضل … ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانية والسر أفضل.

” المغني ” ( 1 / 442 ).

وفيه أيضًا: تذكير الناسي، وتعليم الجاهل من أهل البيت أو من يراه.

وأما دليل صلاة الكسوف في المسجد:

  1. عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم. رواه البخاري ( 993 ).

 

 

 

وأما دليل التطوع قبل صلاة الجمعة في المسجد:

  1. عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيبٍ، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت: غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى “.

رواه البخاري ( 868 ).

 

والله أعلم.

هل اليانصيب من القمار؟

هل اليانصيب من القمار؟

السؤال:

هل شراء تذاكر اليانصيب يعد من القمار المحرم؟ وماذا تقول لمن يدعي بأنه لا يقامر إلا نادرًا؟

 

الجواب:

الحمد لله

  • * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

عمليات اليانصيب التي تنظمها بعض الهيئات الخيرية لتمويل أوجه نشاطها في المجالات التعليمية والعلاجية والخدمات الاجتماعية، هل هي جائزة شرعًا؟

فأجاب:

عمليات اليانصيب عنوان لعب القمار، وهو الميسر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، كما قال الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }.

ولا يحل لجميع المسلمين اللعب بالقمار مطلقًا سواء كان ذلك المال الذي يحصل بالقمار يصرف في جهات بر أو في غير ذلك؛ لكونه خبيثًا محرَّمًا لعموم الأدلة؛ ولأن الكسب الحاصل بالقمار من الكسب الذي يجب تركه والحذر منه، والله ولي التوفيق. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 442 ).

  • * وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين:

ما حكم الاشتراك باليانصيب، والاشتراك هو يدفع الشخص تذكرة ثم إذا حالفه الحظ حصل على مبلغ كبير، علمًا بأن هذا الشخص ينوي أن يقيم بهذا المبلغ مشاريع إسلامية، ويساعد بذلك المجاهدين حتى يستفيدوا من ذلك؟

فأجاب:

هذه الصورة التي ذكرها السائل: أن يشتري تذكرة ثم قد يحالفه الحظ – كما  يقول – فيربح ربحًا كبيرًا: هذه داخلة في الميسر الذي قال الله تعالى فيه: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن وقع بينكم العداوة في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أن على رسولنا البلاغ المبين }[ سورة المائدة / الآيات: 90 – 92 ].

فهذا الميسر – وهو كل معاملة دائرة بين الغُنم والغُرم -: لا يدري فيها المعامِل هل يكون غانمًا أو يكون غارمًا، كله محرَّم، بل هو من كبائر الذنوب، ولا يخفى على الإنسان قبحه إذا رأى أن الله تعالى قرنه بعبادة الأصنام وبالخمر والأزلام، وما نتوقع فيه من منافع : فإنه مغمور بجانب المضار، قال تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [ سورة البقرة / الآية : 219 ].

وتأمل هذه الآية حيث ذكر المنافع بصيغة الجمع، وذكر الإثم بصيغة المفرد، فلم يقل ” فيهما آثام كبيرة ومنافع للناس ” بل قل: { إثم كبير }، إشارة إلى أن المنافع مهما كثرت ومهما تعددت فإنها مغمورة بجانب هذا الإثم الكبير، والإثم الكبير راجح بها، فإثمهما أكبر من نفعهما مهما كان فيهما من النفع الحاصل بهما ..

” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 441 ).

  • وأما قوله إنه لا يقامر إلا نادرًا فهذا كمن قال إنه لا يزني إلا نادرًا، ولا يسرق إلا نادرًا، ولا يكذب إلا نادرًا، فهل يعفيه ندرة القيام بالحرام من اكتساب الإثم وتعرضه للسخط، ثم ما يدريه أن هذا النادر لن يتطور فيصبح هو الغالب حتى يصبح حياته؟ بل إن هذا هو الغالب خاصة لمن ابتلي بلعب القمار والميسر، فإن اللعب يجر غيره إلى أن يسيطر على حياته.

– فعليه: أن يتقي الله عز وجل وليترك ما حرَّم الله عليه.

 

 

والله أعلم.

هل تتحمّل ذنب من يأخذ نصائحها ويحرّفها لإضلال المسلمين؟

هل تتحمّل ذنب من يأخذ نصائحها ويحرّفها لإضلال المسلمين؟

السؤال:

إنني أرسل رسالات بالبريد الإلكتروني إلى أناس أعرفهم وفي هذه الرسالات أكتب ما أعرفه عن الإسلام وأركانه وما ينبغي أن يفعل المسلم وبعض الأحاديث والآيات وتفسيرها وكيفية الصلاة والصيام وما شبهه ولكن لأنهم في البريد الإليكتروني فأخاف أن أحداً قد يغير في المعلومات الموجودة ويرسلها خاطئة ويضل قوم بها فهل يقع إثم ذلك علي جزاكم الله خيرًا وهل تفضلون أن أفعل ذلك؟ والسلام.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جزاك الله خيرًا – أخي في الله – وبارك الله فيك لحرصك على إرسال الرسائل للتعريف بدين الله وأحكامه، ووفقني الله وإياك إلى طاعته والدعوة في سبيله.

ثانيًا:

لا تجعل للشيطان سبيلًا ليصدك عن الدعوة إلى الله تعالى، ولا تتوقع ما ليس كائنًا، ولا تبالغ في توقع ما ليس بحادث؛ فإن حبائل الشيطان كثيرة ومصائده قاتلة خفية، فلا يثبطنك عن نشر الدعوة إلى الله تعالى.

وقد قال تعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعـذ بالله إنه هو السميع العليم} [ سورة فصلت / 36]

وقد يكون هذا من الوساوس التي قد يظنها الناس أنها من كمال التقوى وما هي كذلك ، بل هي مكايد الشيطان .

روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا  من خلق كذا، حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ” رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ).

وكثيرًا ما يحدث مثل هذا الوسواس لبعض المصلين فيصلي بدل الركعة عشر ركعات وهو يظن أنه لم يصلِ إلا ركعة واحدة حتى يمل من كثرة الصلاة فيترك الصلاة.

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: قلت:  يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبّسها عليّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثًا”. رواه مسلم (2203 ).

وقد بلغ ببعض الناس من الوسواس أنه من كثرة إعادته للطهارة شتم الدين وترك الصلاة، فليست الحيطة التي في غير موضعها من الصلاح بل هي غلوٌ مفرط وهي من مكايد الشيطان لتجعلك تترك الدعوة إلى الله تعالى.

 

 ثالثًا:

أما إن كنت متيقنًا من تلبيس أعداء الله وتحريفهم للذي تنشره وترسل به أنت بالذات، وأن لك أعداءً تعرفهم يترصدون بك وبدعوتك الدوائر، ورأيت أن ضررهم عليك وعلى دعوتك كبير بحيث يجعلون الحق باطلاً والباطل حقًا: فحاول معالجة ذلك بالأسلوب الذي ترى وبالطريقة التي تناسب.

 

فإن استعصى ذلك عليك، وكان الضرر كبيرًا بحيث يقلب الموازين: فدعك مما أنت فيه واسلك في الدعوة سبيلا أنجح وأصلح وأسلم فإن أساليب الدعوة كثيرة ومتعددة.

وما هذا البريد الإلكتروني إلا محدث جديد لم يعرفه الناس ممن هم قبلنا، وكانوا يدعون إلى الله، بل كانوا أنهض بالدعوة منا مع أن أساليبهم الدعوية عادية وقد قال تعالى { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } [ البقرة / 286 ].

– والدعوة إلى الله لا تجب إلا على المستطيع.

 

 

والله أعلم.

هل يثاب على اتباع الرسول حتى في الأمور الدنيوية؟

هل يثاب على اتباع الرسول حتى في الأمور الدنيوية؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

أنا محتار بخصوص السنة. فعندنا في أمريكا رجلان من أهل العلم وقد خالف قول كل واحد منهما قول الآخر. لقد سمعت أن السنة هو فعلٌ إذا قام الفرد به, أثيب عليه, وإن لم يفعله, لم يأثم لتركه.  وفيما يخص تتبع أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) بحذافيرها كالجلوس على الأرض لتناول الطعام, فقد طُرح السؤال على شخصين وهما من أهل العلم, فقال أحدهما بأنه إذا جلس الفرد على الأرض لتناول الطعام وهو ينوي بذلك متابعة فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم), فإنه يثاب على ذلك. بينما قال الآخر بأنه لا يثاب على ذلك العمل لأن ذلك الموضوع هو موضوع دنيوي. فما هو الرأي الصحيح؟ الأمر يهمني لأنه إن لم يكن هناك ثواب على الجلوس على الأرض لتناول الطعام؛ لأنه موضوعا دنيويا بحتا, فأنا أفضل الجلوس على الطاولة لتناول الطعام, وأن أرتدي الملابس التي ليست على السنة.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

  1. المسلم مطلوب منه أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو القدوة والأسوة الصالحة لهذه الأمة.
  2. اختلف العلماء في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على عدة أقسام:
  • هواجس النفس والحركات البشرية كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فهذا الأمر لا يتعلق به أمر اتباع ولا نهي.
  • مالا يتعلق بالعبادات ووضع فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود ونحوهما فليس فيه تأس ولا به اقتداء ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور.
  • ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف وهيئة مخصوصة كالأكل والشرب واللبس والنوم وخصوصا إذا وقع فيه الإرشاد إلى بعض هيئات الأكل أو الشرب أو اللباس أو النوم فهذا على الصحيح أنه داخل في التشريع وهو مذهب الشافعي ورجحه الشوكاني في كتابه ” إرشاد الفحول “، ويدخل في هذا القسم ما سأل عنه السائل.
  • ما علم اختصاصه به صلى الله عليه وسلم كالوصال في الصيام والزيادة على أربع في الزواج فهو خاص به لا يشاركه به غيره إلى غير ذلك من التقسيمات.

” إرشاد الفحول ” للشوكاني ( ص 160 ).

  1. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل على الأرض.

وورد عنه أنه قال: ” آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد “.

رواه أبو يعلى ( 8 / 318 ). والحديث: صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 544 ).

وورد أيضا من حديث  أنس بن مالك قال: ” ما أكل النبي  صلى الله عليه وسلم  على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق، قلت لقتادة: على ما يأكلون قال على السفر “.

رواه البخاري ( 5099 ).

– والخِوان: ما يوضع عليه الطعام.

– سكرجة: إناء يوضع فيه المشهيات.

فمثل هذا الأمر لا يجب على المسلم أن يتأسى به وله أن يقتدي به صلى الله عليه وسلم، فإذا أكل المسلم على الطاولة لا يأثم.

وأما اللباس فإنا مأمورون أن نخالف أهل الكتاب وعموم الكفار في لباسهم، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتحذيره من ألبسة الكفار.

قال صلى الله عليه وسلم: “من تشبه بقوم فهو منهم “. رواه أبو داود ( 4031 ).

– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 49 ).

وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ” هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها”. رواه مسلم ( 2077 ).

ولأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عتبة بن فرقد بقوله له : ” إياك وزي أهل الشرك”. رواه ومسلم ( 2069 ).

 

والخلاصة:

أنه يستحب للمسلم أن يتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم بما ذكره السائل من الأكل والشرب على الأرض ولا إثم على من أكل على طاولة وأما اللباس فإن المسلم مأمور أن يلبس زي المسلمين وأن يخالف زي المشركين.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز اشتراط عدم الإنجاب في عقد الزواج أو الاتفاق على ذلك؟

هل يجوز الاتفاق على عدم الإنجاب أو اشتراط ذلك في عقد الزواج؟

السؤال:

هل يجوز الاتفاق على عدم الإنجاب أو اشتراط ذلك في عقد الزواج؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد بيَّنا حكم ” زواج المسيار ” في جواب سابق وذكرنا أنه عقد صحيح إذا استوفيت شروطه وأركانه وخلا من الموانع، وأنه خلاف الأولى لما فيه من أضرار ومفاسد قد ذكرناها هناك.

ثانيا:

وأما بخصوص اتفاق الزوجين على عدم الإنجاب فإن هذا إما أن يكون لأمدٍ أو يكون لأبد، وأما الحالة الأولى وهو أن يتفقا على عدم الإنجاب لفترة مؤقتة فهو أمر لا حرج فيه، وأما أن يكون اتفاق الزوجين على عدم الإنجاب للأبد فمحل خلاف بين العلماء، فمِن قائل بالجواز، ومن قائل بالتحريم والمنع، وإذا جُعل هذا شرطا في عقد النكاح فمن العلماء من يرى بطلان العقد ومنهم من يرى صحة العقد وبطلان الشرط، وهذا هو الصواب، فالمنع من الإنجاب بالكلية مخالف للشرع الذي أوصى بالتكاثر والتناسل، وجعل ذلك من مقاصد الزواج، وفي الوقت نفسه ليس ذلك بمبطل لعقد النكاح بل هو شرط باطل إذا جُعل في عقد النكاح، فيصح العقد ويبطل الشرط ولا يجوز الالتزام به من قبَل أي طرف من الطرفين.

قال شرف الدين الحجاوي – رحمه الله -:

إذا شرطا أو أحدهما الخيار في النكاح أو في المهر أو عدم الوطء أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما أو شرط عدم المهر أو النفقة أو قسمة لها أقل من ضرتها أو أكثر أو أن أصدقها رجع عليها أو يشترط أن يعزل عنها … : بطَل الشرط وصح العقد.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 3 / 193 ).

ثالثا:

وننبه إلى صورة مسألة وحكمها تتعلق بموضوع السؤال، وهو ما يفعله بعض الأزواج من تعليق استمرار عقد النكاح على إنجاب الزوجة فإذا أنجبت طلقها، وهو زواج فاسد محرَّم.

 

 

وقد قال علماء ” المجمع الفقهي الإسلامي ” في ” رابطة العالم الإسلامي “، في الدورة الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما نصُّه:

  1. ” الزواج المؤقت بالإنجاب ” وهو عقد مكتمل الأركان والشروط إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أنه إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما أو أن يطلقها، وهذا الزواج فاسد لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن التوقيت بمدة معلومة كشهر، أو مجهولة كالإنجاب يصيِّره متعة، ونكاح المتعة مجمع على تحريمه.

انتهى.

قرار رقم : 106 ( 5 / 18 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز الدعاء بـ ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك “؟!

هل يجوز الدعاء بـ ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك “؟!

السؤال:

عندما كنتُ في أحد المساجد بخطبة الجمعة في بلدي: سمعت دعاء الإمام قائلا: ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك!”، فهل يصح هذا الدعاء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الدعاء منكر، وفيه اعتداء، حيث يريد الطالب أن يجعل ستر الله تعالى عليه كستر الله تعالى نفسه عن خلقه، فيريد ما اختص الله تعالى نفسه أن يجعله له! وهذا وجه النكارة.

عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ ) رواه أبو داود ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

ورد هذا الدعاء على ألسنة بعض الناس وهو: ” اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك “، هل هذا صحيح يُدعى به، أفيدونا أثابكم الله؟.

فأجاب:

ما ورد هذا الدعاء، قوله: ” الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد “: هذا خاص بالله، وهو أنه لا يُرى في الدنيا، وأنه دون الأنوار، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فلا ينبغي أن يَشرك الربَّ سبحانه وتعالى في هذا النور أحدٌ أو في هذا الستر، فله أن يدعو أن يستر الله عورته، وأن يؤمِّن روعته، كما ورد ذلك في حديث: ( اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي )، فأما سترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد: فلم يرِد مثل هذا.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط 62 ) و ( 3 / 160 ) – ترقيم الشاملة – .

 

 

والله أعلم.

هل يجوز للداعي أن يقول: ” يا رحمن يا الله ” أو ” يا تواب يا الله “؟

هل يجوز للداعي أن يقول: ” يا رحمن يا الله ” أو ” يا تواب يا الله “؟

السؤال:

أثناء الدعاء بأسماء الله الحسنى هل تصح هذه الصيغة ” اللهم يا رحمن يا الله، يا رحيم يا الله، يا غفور يا الله، يا تواب يا الله ” تكرار لفظ الجلالة مع كل اسم من أسماء الله الحسنى؟ هل يعتبر ذلك من الاعتداء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نرى مانعًا شرعيًّا بأن يدعو المسلم ربه تعالى، وأن يتوسل بأسمائه الحسنى بذِكر أحد أسمائه، ثم يعقبه بلفظ الجلالة ” الله “؛ لأن هذا هو ما يسمى ” ذِكر العام بعد الخاص “، فاسم الله تعالى ” الله ” يدل على جميع أسمائه تعالى، فمن دعا الله أو توسل بأسمائه الحسنى، فذكر اسمًا من أسمائه دون غيره، أو ذكر أكثر من واحد، أو ذكرَ واحدًا ثم أعقبه باسم الله تعالى الجامع لكل الأسماء وهو ” الله “، أو اكتفى باسم الله تعالى ” الله “: فكل ذلك جائز، ولا نرى مانعًا منه، ولا حرجًا في فعله، على أن يُحسن اختيار الاسم المناسب لحاجته، فالرحمن، والغفور، والتواب: يُدعى بها في حال طلب المغفرة، والعفو عن الزلات، والقوي، والقهار، العزيز: يُدعى بها في حال طلب النصرة، وهكذا.

* قال الشيخ ابن باز – رحمه الله -:

وهكذا استعمال ” يا لطيف “، أو ” يا الله “، أو نحو ذلك بعدد معلوم يَعتقد أنه سنَّة: لا أصل لذلك، بل هو بدعة، ولكن يُشرع الإكثار من الدعاء بلا عدد معين، كقوله: ” يا لطيف  الطف بنا، أو اغفر لنا، أو ارحمنا، أو اهدنا “، ونحو ذلك.

وهكذا يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا غفور، يا حكيم، يا عزيز، اعف عنا، وانصرنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، وما أشبه ذلك؛ لقول الله سبحانه: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر/ 60، وقوله عز وجل: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة/ 186.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 26 / 176 ، 177 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز وضع علامات على القبر؟

هل يجوز وضع علامات على القبر؟

السؤال:

العادة عندنا أن القبر يوضع فيه حجر أو السمنت أو وتد من قصب في جهة رأس الميت وفي رجله وأحيانا في رأسه فقط, فما حكم الإسلام في ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

حرَّم الشرع البناء على القبور، وأمر بهدم ما بني عليها، وأجاز وضع علامة على قبر الميت يتعرف من خلالها أهله وأصحابه عليه، ولا ينبغي أن تكون هذه العلامة بناءً أو شيئًا آخر منع منه الشارع.

  1. أما تحريم البناء على القبور فدليله:

عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجَصَّصَ القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه. رواه مسلم ( 970 ).

– التجصيص: الطلاء بالجص وهو الكِلس.

قال الشوكاني:

قوله ” وأن يُبنى عليه “: فيه دليل على تحريم البناء على القبر.

وفصَّل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. ولا دليل على هذا التفصيل.

وقد قال الشافعي: رأيتُ الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى.

ويدل على الهدم حديث علي المتقدم.

” نيل الأوطار ” ( 4 / 132 )، وقول الشافعي في ” الأم ” ( 1 / 277 ).

وحديث علي رضي الله عنه المشار إليه: هو الآتي في الفقرة التالية.

 

  1. وأما الأمر بهدم ما بني على القبور، فقد ثبت ذلك في السنة.

عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أن لا تدع تمثالا إلا طمستَه ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيتَه.

رواه مسلم ( 969 ).

قال الشوكاني:

قوله ” ولا قبرًا مشرفًا إلا سويتَه ” فيه: أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا مِن غير فرقٍ بين مَن كان فاضلا ومَن كان غير فاضل.

والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك.

والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في ” الغيث ”  لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني.

ومِن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًّا: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك.

” نيل الأوطار ” ( 4 / 130 ).

 

  1. وأما جواز تعليم القبر بشيء مباح، فقد جاء في السنة ما يبين ذلك.

عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدُفن؛ أَمَر النبي  صلى الله عليه وسلم  رجلا أن يأتيه بحجَرٍ فلم يستطع حملَه، فقام إليها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وحسر عن ذراعيه – قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: – كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي.

رواه أبو داود ( 3206 ). والحديث: حسَّن إسنادَه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 133 ).

قال ابن قدامة:

ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة، قال أحمد: لا بأس أن يعلِّم الرجل القبرَ علامةً يعرفه بها، وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم قبرَ عثمان بن مظعون.

” المغني ” ( 2 / 191 ).

 

 

والله أعلم.