زوجها يطالبها بالاعتراف بماضيها لا سيما في وقت سفره وغيابه
السؤال
زوجي يسافر كثيرًا في أعمال له وهو يغيب لأوقات طويلة وفي أول حياتنا الزوجية عاملني بطريقة سيئة تجاهلني وأساء إلي نفسيًا وجنسيًا ولقد أحضر أخاه ( 19 عامًا ) ليعيش معنا رغم اعتراضي وقد صار أن كنا أنا وأخيه بمفردنا في البيت وحدث بيننا شيء يسير لكنني تبت عنه، فهل يحمل زوجي وزرًا في هذا لأنه هو الذي خلق هذا الموقف؟ ثم حدث أن اكتشف زوجي ما حدث عن طريق الضغط البدني والنفسي وبرر لي محاولاته للمعرفة بأن له الحق في أن يكتشف خيانتي له. كل ما أريد أن أعرفه هو هل له الحق في التفتيش في ماض ذهب وليس لديه ما يثير شكوكه أو اعتقاده أن هذه العلاقة ما زالت مستمرة أجيبوني جزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
- من سوء ما نرى من معصية الله تعالى أن الله تعالى حذر على لسان نبيه من الأحماء وهم أقارب الزوج، ولكن قلَّ من يستجيب، ولو اتبع الناس كلام الأنبياء لأراحوا واستراحوا.
عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت “.
- ولا يجوز لزوجك أن يبحث عن الماضي وسوئه، بل يجب عليه أن يستر كما ستر الله، خاصة بعد التوبة عن مثل هذا، لأن قلبه من بعدها لن يصفو، وسيفسر كل عمل يراه منكِ بعد ذلك على أنه من هذا القبيل.
- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد أن رجم الأسلمي فقال : ” اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألَمَّ فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يُبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله تعالى عز وجل “.
رواه الحاكم في ” المستدرك على الصحيحين ” ( 4 / 425 ) والبيهقي ( 8 / 330 ).
والحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن.
انظر: ” التلخيص الحبير ” ( 4 / 57 ) و” خلاصة البدر المنير ” لابن الملقِّن ( 2 / 303 ).
- وقد جرى الزنا هذا مع ماعز رضي الله عنه، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم أعرض عنه وأراد منه ألا يعترف بجرمه.
عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيتُ – يريد نفسه – فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَه، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا به فارجموه. رواه البخاري ( 6430 ) ومسلم ( 1691 ).
* قال الحافظ ابن حجر:
ويؤخذ من قضيته: أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز.
وأن مَن اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ” لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك “، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه، فقال: أُحبُّ لمَن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر.
وفيه: أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها، ولا يخبر بها أحدًا ويستتر بستر الله، وإن اتفق أنه يخبر أحدًا: فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، وقد أخرج قصته معهما في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلة، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه. ” فتح الباري ” ( 12 / 124، 125 ).
- وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجهر بالمعاصي، وأمر بالستر.
عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه ويصبح يكشف ستر الله عنه “. رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ).
* قال ابن حجر معلقًا على هذا الحديث:
قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 487 ).
وعليه:
فليس للرجل حق في البحث عن الماضي الذي قد تابت عنه زوجته لما قدمنا، ولا ينبغي للمرأة أن تصارح زوجها بما قد حصل في الماضي وتابت منه، ولتستتر بستر الله.
والله أعلم.


