حكم تصرف الزوج بمال زوجته وإحضار زوجة على بيت الأخرى من غير رضاها
السؤال
لديّ صديقة قام زوجها فتزوج امرأة ثانية ، الزوجة الجديدة لديها ولد من زواج سابق ، وصديقتي هذه لديها ولدان من زوجها الحالي ، إن صديقتي هذه تستلم مبلغاً ماليّاً من الحكومة كل شهر لتغطية المصاريف الأساسية ، والزوجة الثانية كذلك ، والمشكلة الآن هي أن الزوج يطلب من الزوجة الأولى أن تحوِّل هذا المبلغ باسمه لكي يتولى هو استلامه كل شهر ، ويحتج بأن الإسلام لا يسمح للمرأة أن تأخذ مالاً من الحكومة مباشرة، بينما لم يطلب من الزوجة الثانية هذا الطلب ، وعندما سألته الزوجة الأولى لماذا لا يطلب نفس الطلب من الزوجة الثانية قال : إنها كانت تستلم هذا المبلغ حتى قبل أن يتزوجها ، لذلك فلا يحق له أن يطالبها ، فما رأي الشرع في هذا؟.
مسألة أخرى:
في إحدى المرات لم تكن الزوجة الأولى في بيتها ، فقام الزوج فأحضر الزوجة الثانية إليه دون أن يستأذن من الأولى ، فعندما عادت وسألته عن سبب فعله لهذا الأمر رد عليها قائلاً : هذا بيتي ولي الحق أن أُدخل من أشاء ، وإن كان لديك دليل من الكتاب أو السنَّة بخلاف هذا فائتِ بها ، فما القول الصحيح في هذه المسألة أيضاً؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
الأصل فيما تملكه الزوجة من مال أنه لها لا لزوجها ، وسواء كان هذا المال من تجارة لها ، أو من ميراث أو كان من مهرها ، أو كان من الدولة : فكل ذلك لا يجعل للزوج فيه نصيباً ، بل هو ملك لها لا يحل له منه إلا ما تبذله له عن طيب نفسٍ منها ، ولو كان الزوج يملك مال زوجته لما جعل الله تعالى في مالها نصيباً لغيره بعد موتها ، ولكان مالها من حقه هو لا يشاركه فيه أحد ، وهذا لا وجود له في شرع الله تعالى المطهَّر ، فلها أن تبيع وتشتري وتتصدق وعليها الزكاة إذا بلغ مالها النصاب وحال عليه الحول ، وهكذا في أحكام كثيرة أدلتها محكمة .
ولذا فإن المال الذي يأتي لتلك الزوجة إعانة لها من الدولة هو ملك خاص بها ، ولا يحل له الاستيلاء عليه ، وما يزعمه أن الإسلام لا يسمح للمرأة أن تأخذ من الحكومة مباشرة لا أصل له في الشرع ، وها هو يرى بنفسه أن زوجته الأخرى تستلم مالاً من الحكومة قبل زواجها وبعد زواجها ! .
ثم إنه لو جاز له أن يأخذ مال زوجته الأولى لما كان ثمة فرق بينها وبين زوجته الثانية ، ولا نرى لما ادَّعاه من وجود فرق وهو أنها كانت تستلم مالاً قبل زواجها فليس لذلك أي تأثير في الحكم ، ولذا فليَعلم أنه لا يحل له من نسائه مما تبذله لهن الحكومة أو يأتيهن من أهاليهن أو يكون مال مهورهنَّ إلا ما تهبه إحداهنَّ له عن طيب نفسٍ منها ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/ 29 ، وقال تعالى : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) النساء/4 .
وتجب نفقة الزوج على زوجته ، ويكون ذلك بحسب وُسْعِه ومقدرته ، وليس له أن يحملها نفقة نفسها ولو كانت غنية إلا برضاها .
ثانياً:
* وأما المسألة الأخرى وهي هل من حق الزوجة أن يستأذنها زوجها في زيارة ضرتها : فنقول :
- إذا كان البيت ملكاً للزوجة فلا يجوز للزوج إحضار الضرة من غير استئذان زوجته صاحبة المنزل .
- إذا كان البيت ملكاً للزوج : فلا يظهر أن من حق الزوجة استئذانها إذا رغب الزوج بمجيء الضرة لبيته ، لكننا ننبه هنا إلى أمور :
أ. المسموح للزوج في هذه الحال أن يُدخل الضرة زائرة لا مقيمة ، وقد سبق أن ذكرنا أنه يُمنع من أن يُسكن أمَّه أو أخته في بيت الزوجية دون رضا الزوجة فلأن يُمنع من الضرة فهو أولى .
ب. ليس من حق الزوج أن يُطلع الضرة الزائرة على خصوصيات الزوجة الأولى كغرفة النوم أو الحمام الخاص بها ، وإنما لها المكان الذي يجلس فيه الزوار .
ج. ليس من حق الزوج أن يُجبر الزوجة على مقابلة ضرتها ، وهذا ينطبق على كل زائرة من طرف الزوج ، فلأن ينطبق على الضرة فهو أولى .
- يجوز للزوجة أن تمتنع زيارة بيت زوجها الآخر ولا تعد ناشزة ، وإنما تكون الزوجة ناشزة إذا كان للزوج بيتٌ مستقل يدعو إليه نساءه ، أما أن يكون بيتاً فيه ضرة لها فإن لها أن تمتنع عن الحضور ولا تأثم بذلك .
قال النووي – رحمه الله – :
يستحب للزوج أن يأتي كل امرأة في بيتها ولا يدعوهن إلى بيته ، لكن لو دعا كل واحدة في نوبتها إلى بيته : كان له ذلك وهو خلاف الأفضل ، ولو دعاها إلى بيت ضرائرها : لم تلزمها الإجابة ولا تكون بالامتناع ناشزة بخلاف ما إذا امتنعت من الإتيان إلى بيته؛ لأن عليها ضرراً في الإتيان إلى ضرتها. “شرح مسلم” ( 10 / 47).
والمقصود بقول النووي رحمه الله ” بيت ضرائرها ” لا أنه البيت الذي تعود ملكيته للضرة بل البيت الذي لزوجها لكنها تسكن فيه، وهو تعبير شائع في مسائل التعدد.
- للزوج أن يمنع الضرائر من الاجتماع إذا رأى المصلحة في ذلك ، وما حصل من اجتماع أمهات المؤمنين في بيت صاحبة النوبة إنما كان برضاهن واتفاقهن ورضا النبي صلى الله عليه وسلم.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعُ نِسْوَةٍ فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْعٍ فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا . رواه مسلم ( 1462 ) .
قال القاضي عياض – رحمه الله – :
وأما مجيئهن عند هذه : فبرضاهن واتفاقهن على هذا ، وإلا فمن حق صاحب القسم أن يمنعهن .” إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ” ( 4 / 664 ) .
وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله – :
وقوله ( فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا ) حجةٌ في أن الزوج لا يأتي غير صاحبة القَسْم ، فأما اجتماعهن عند صاحبة القَسْم في بعض الأوقات فباختيارهن ، ومن حق صاحبة القَسْم أن تمنعهن إن شاءت . ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 4 / 206 ) .
- الأفضل للزوج أن يبتعد عن كل ما يجرح مشاعر زوجته ويسبِّب نفرة بينها وبينه ويسبب فُرقة بينها وبين الزوجة الأخرى ، وعليه : فلا ننصح الأزواج المعددين بإحضار إحدى زوجاته إلى بيت زوجة أخرى دون رغبة من الزائرة أو المزورة ، وما يترتب على ذلك من المساوئ والمفاسد لا يخفى على عاقل .
وهذا سؤال في الموضوع وجوابه وفيه نصائح سديدة نرجو أن ينتفع بها الجميع :
سئل الشيخ سليمان الماجد – حفظه الله – :
هل من حقِّي أن يأخذ زوجي إذني عندما يدعو زوجته الثانية إلى منزلنا ؟ مع العلم أنه يقول : إن الأمر بيدي ، نفعنا الله بعلمكم .
فأجاب :
إذا كان هناك حرج لدى إحدى الضرتين في مقابلة الأخرى: فلا يجوز للزوج أن يرغمها على ذلك ، ولكن يَحسُن بالمرأة أن تجعل علاقتها مع ضرتها حسنة ، وأن تتواصل معها ولو بالحد الأقل من الصلة ؛ لأن القطيعة بينهما تؤدي غالبا إلى القطيعة بين الأولاد ، وحدوث القطيعة بين الأولاد يؤثر عليهم في دنياهم ودينهم : أما الدنيا : فبتضييع حق الإخوان وعدم الاستفادة مما عندهم ، وكذلك ذهاب البركة ، وقصر الأعمار بسبب القطيعة .
وأما في الآخرة : فهي عقوبة شديدة ، ولهذا ينبغي للزوجة أن تنظر إلى المستقبل البعيد وأن تتحمل لأجل هذه المعاني ما قد تجده من ضيق تجاه ضرتها ، وأن تتفهم مقصود الزوج ، وهو قيام الألفة بين أولاده ، وهذا لا يكون في الغالب إلا بحد أدنى من العلاقة بين الضرتين .
– ولا يحل للزوج أن يُلزم زوجته بما فيه حرج عليها.
والله أعلم.


