هل من حق الزوج التدخل في علاقة زوجته بصديقاتها؟
السؤال
أريد معرفة هل للزوج الحق في التدخل في اختيارات زوجته لصديقاتها شرعاً؟ وهل هناك دليل في القرآن والسنَّة؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
من الطبيعي أن يكون للمرأة المتزوجة قبل زواجها صديقات وصاحبات ، وليس في شرع الله تعالى مطلقاً أنها تمتنع عن صحبتهن وصداقاتهن إلا أن يأذن الزوج بذلك ، بل الأصل بقاء ما كان على كان ، فيكون لها صديقاتها من السابق ويزرنها في بيتها وتكرمهم، وهكذا كان الأمر مع الصحابيات الجليلات وعلى رأسهن أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا . رواه البخاري ( 909 ) ومسلم ( 892 ) .
فهذه عائشة أم المؤمنين تزورها صديقاتها بل ويغنين في بيتها وبحضور زوجها وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر الذي أنكر غناءهنَّ ، وهذا من حسن الخلق في التعامل مع الضيوف ، وهو لبيان إباحة فعلهن في الأصل .
وعن أُمِّ سَلَمَةَ قالت : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ . رواه البخاري ( 1233 ) ومسلم ( 834 ) .
وهذه أم سلمة رضي الله عنها يدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها فيجد صديقاتها عندها ، ثم ذكرت رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى ركعتين قضاء لسنَّة الظهر .
والأدلة كثيرة ، ويكفي منها ما سبق ، بل والأصل أن الزوج يُكرم صديقات زوجته حتى لو كان ذلك الإكرام بعد وفاة زوجته ! وبهذا جاءت السنَّة الصحيحة .
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ، وَمَا رَأَيْتُهَا ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِى صَدَائِقِ خَدِيجَةَ ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِى الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلاَّ خَدِيجَةُ ، فَيَقُولُ ( إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ ، وَكَانَ لِى مِنْهَا وَلَدٌ ) . رواه البخاري ( 3607 ) ومسلم ( 2435 ) .
– صدائق : جمع صديقة .
ثانياً:
وما ذكرناه آنفاً لا يخالف وجوب طاعة الزوجة زوجَها إذا أمرها أن تقطع علاقتها بصديقة لها أو منع إحداهن أن تزورها ؛ لأن الزوج له القوامة في البيت على المرأة وهو الراعي والمسئول عن رعيته ، قال تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/ 34 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .
والزوج الذي يمنع صديقة زوجته أن تزورها أو يمنع زوجته من زيارة صديقة لها قد يكون رأى – أو علم – في تلك الصديقة ما يقتضي قطع العلاقة بينها وبين زوجته حفاظاً على الأمانة التي استرعاه الله تعالى إياها ، ولا يخفى أنه قد يوجد في بعض صديقات الزوجة من الشر والكيد والفتنة ما يوجب على الزوج أن يتخذ مثل هذا القرار حفاظاً على أسرته ، ولتعلم الزوجة أن سكوته عن تلك العلاقة بينها وبين وصديقتها تلك يعد من الغش في النصيحة ومن التفريط في حفظ الأمانة .
والزوجة ليس لها أن تُدخل أحداً في بيت زوجها إن كان الزوج ممانعاً لدخوله بيته ، وليس للزوجة أن تخرج من بيت الزوجية إلا بإذن زوجها ، ولو منعها من زيارة أهلها فعليها أن تمتنع ، وقد يكون ظالماً في قراراته تلك فيأثم ، وقد يكون مصيباً فيؤجر ، وفي كل الحالات يجب على الزوجة أن تطيع زوجها في هذا الباب ، والمرأة العاقلة لا تقدِّم صداقة امرأة على بقائها زوجة تسعد مع زوجها وأولادها في بيت الزوجية .
عن جابر قال : قال صلى الله عليه وسلم ( فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَلَكم عَلَيهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ ، فَإِن فَعَلنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ ، وَلَهُنَّ رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ ) رواه مسلم ( 1218 ) .
والله أعلم.


