حلف بالطلاق من أمها إن هي لم تخلع نقابها فماذا تصنع؟

السؤال

صديقتي فتاة منتقبة , وحدث لها بعض التعثر في دراستها , فاتهم والدها أن سبب ذلك هو ارتداء النقاب , وحلف على والدتها بالطلاق إن لم تخلعه , فما تفعل ؟ . جزاكم الله خيراً  .

الجواب

الحمد لله

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت صديقتك على الحق ، وأن يهدي والدها ويلهمه رشده .

أولاً:

يجب على المرأة أن تستر وجهها عن الأجانب ؛ لأدلة كثيرة ، وقد سبق بيانها في أجوبة كثيرة.

ثانياً:

يجب على ذلك الأب أن يتقي الله سبحانه وتعالى  , وأن لا يمنع ابنته من لبس النقاب , وقد فعلت ابنته ما أوجبه الشرع عليها ، وهو علامة الاستقامة ، والعفاف ، وأي شيء أغلى من هذا يمكن أن تقدمه الفتاة لنفسها ، وأهلها ؟! .

ولبس النقاب ليس سبباً للتعثر في دراسة ، أو غيرها ، وإلقاء اللوم على لبس النقاب دليل ضعف إيمان الأب , وتهديد ابنته بتطليق أمها لا شك في خطئه ؛ فإنه لا علاقة للأم بهذا ، ولم يوجد منها ما يقتضي طلاقها ، فتعليق الطلاق على بقاء النقاب على وجه ابنته : دليل عجز ، وضعف ، فأي عاقل يمكن أن يهدم بيته وأسرته من أجل التزام ابنته بلباسها الشرعي ، ومنع الرجال الأجانب من النظر إليها ؟! .

ثالثاً:

وأما الحلف بالطلاق : فقد اختلف أهل العلم في حكمه ، فذهب أكثرهم إلى أنه في حكم الطلاق المعلَّق ، وليس يميناً ، وأن الحالف به إذا حنث فيه : وقع الطلاق على امرأته ، ورأى آخرون أن الحلف بالطلاق في حكم اليمين ، ويرون أنه إن قصد به اليمين : فهو في يمين ، وإن قصد به الطلاق : فهو طلاق .

* فصار والدك – على هذا – إن كان قاصداً إيقاع الطلاق بالفعل : فيقع طلاقه بغير خلاف .

رابعاً:

وهل يُطاع الأب في خلع النقاب ، أم تبقى الأخت الفاضلة على نقابها ولو أدى لطلاق أمها ؟ فنقول : الطاعة إنما تكون في المعروف , ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، كما جاء في الحديث عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ( لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) . رواه البخاري ( 7257 ) ومسلم ( 1840 ) .

والذي نفتي به ها هنا : هو التفصيل ، فإن كانت هذه هي الطلقة الأولى ، أو الثانية ، للأب : فنرى أن لا تطيعه تلك الابنة ، ولتقع من والدها طلقته ، وإن كانت طلقته هي الثالثة : فنرى أن هذا في حكم الاضطرار لفعل تلك المعصية – إن كانت هي ترى وجوب النقاب – ، وأنها في حكم المكرهة على ذلك الكشف ، فتكشف عن وجهها ، وتحاول الستر قدر الاستطاعة ، وأن لا تخرج من بيتها لغير ضرورة ، إلى أن ييسر الله لها الخروج لبيت الزوجية ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 1662 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لو قال الأب لابنه : خذ يا بني هذه العشر ريالات اشتر لي بها ” علبة ” دخان ! فهل يلزمه طاعته ؟ .

الجواب :

لا ، لا يلزمه طاعته ، بل يحرم عليه ؛ لأن الله تعالى قال ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) لقمان: من الآية15 .

إذا قال له : اشتر لي وإلا طلقت أمك ! – والمسألة هذه تقع من بعض السفهاء ! يلجئ الولد إلى هذا – فهل هذا ضرورة؟.

الظاهر : أن هذا ضرورة ؛ لأنه ربما يتجرأ هذا الغشيم ( الأب ) ويطلِّق الأم ، وتكون هذه آخر ثلاث تطليقات ، فتنفصم عرى الأسرة .

فالمهم إذاً : إذا دعت الضرورة إلى ذلك : فهو كغيره من المحرمات التي تبيحها الضرروة ، أما إذا لم تكن ضرورة فيجب عليه أن يعصي والده في ذلك .

” شرح بلوغ المرام ” ( كتاب البيوع ، شريط رقم 2 ) ، ” فتح ذي الجلال شرح بلوغ المرام ” ( 3 / 472 ) المكتبة الإسلامية.

خامساً:

والنصيحة للأخت الكريمة أن تلجأ إلى الله تعالى بالدعاء أن يهدي والدها ، ويصلحه ، ويلهمه رشده , وتخص بالدعاء أن يكون في أوقات الإجابة .

ثم إن عليها أن تترفق في إقناعه أن النقاب ليس له دخل في تعثر الدراسة , وأن لبسه إنما هو سبب لحصولها على مرضاة الله , وتحاول إقناعه أنها ستبذل جهدها في تحسين أدائها الدراسي , ولو استعانت في إقناعه بأولي الأحلام والنهى من أهلها ، أو أقاربها ، أو من بطانته : لكان أفضل .

ثم عليها بعد ذلك أن تبحث عن أسباب تعثرها في الدراسة , وأن تعمل على حلها ، وتجاوزها , وتستعين بالله في ذلك ، مع بذل الأسباب من الجد ، والاجتهاد .

والله نسأل أن يهدي والد صديقتك ، وأن يصلحه ، وأن يثبت الأخت الكريمة على طاعة الله ، والعمل بمرضاته .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة