نصرانية تزوجت مسلماً بعد علاقة محرَّمة معه من غير ولي فهل يصح عقدها؟
السؤال
أنا امرأة مسيحية تزوجت مؤخراً برجل مسلم ، وقد قرأت بعض الفتاوى والمعلومات على موقعكم ولا أدري إن كان زواجنا صحيحاً أم لا ، فلقد تزوجت دون ولي ، لقد تولى تزويجي إمام المسجد ! وعلى الرغم من أنه لم يمض على زواجنا إلا أربعة أشهر إلا أننا أصبحنا نتكلم في الطلاق ، لقد خرج من البيت ولا أدري أين هو الآن ، ولكننا نتواصل عبر رسائل الموبايل ، تزوجته منذ أربعة أشهر بعد أن خرج من السجن ، ولكن في الحقيقة كنت على علاقة معه قبل دخوله السجن وقبل تمسكه بالإسلام، ولدينا أولاد من تلك العلاقة السابقة .
وعلى الرغم كذلك من أني لا أرى الطلاق حلاًّ ناجعاً إلا أنه خيار مطروح وبقوة، لقد اتفقت معه أن يكمل إجراءات الطلاق وفقاً للإسلام ، وأنا أتولى ذلك عبر الأوراق الرسمية وقانون الولاية التي نعيش فيها .
إن سبب مشكلتنا هي طريقة تفكيره ، فبعد أن خرج من السجن صار يرى كل شيء من وجهة نظره هو كمسلم ، وليس عندي بأس في ذلك ، فقد انصعت له في كثير مما يريد ، كالابتعاد عن الخمر والموسيقى وضرورة اللبس المحتشم ، وأعطيته صلاحية كاملة في أن يعلّم الأولاد الاسلام ، وغير ذلك من الأشياء ، بل إنه منعني من أن اتكلم مع معارفي من الرجال والذين أعرفهم منذ سنوات ، ومع ذلك فقد كان له ما يريد .
ومع هذا كله يبدو أنه غير راضٍ ، ويريد أن يدخلني الإسلام بالقوة ! إنّي أحترم الإسلام وأحب كثيراً من المفاهيم التي ينهض لها ، غير أن سلوك زوجي ينفرني ويجعلني أراجع حساباتي ، ولا أبالغ إن قلت إنه بأسلوبه هذا يعقّدني ويكرّهني في دينه .
أنا على قناعة إننا حتى وإن اختلفنا في الديانات فإنه لا بد وأن هناك سبيلاً للتعايش مع بعض كزوج وزوجة ، ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة له ، إنه يرى أنه لا كلام بيني وبينه ولن تستقيم الحياة الا إذا اعتنقتُ الإسلام ! لم يسبق لي وأن وعدته أني سأعتنق الإسلام ، ولا أظن أحداً سيفعل لو كان في مكاني ، بعد أن يُقابل بهذه الغلظة والحماقة في الدعوة ، إنه يمتنع أن يتحدث معي في أي موضوع ، ويقول : لا حديث لنا إلا فيما يتعلق بالإسلام ! .
إنه يعتقد أنني أكره الإسلام ، في حين أن الامر ليس كذلك ، لكن في الحقيقة لست مستعدة لاعتناقه ، على الأقل في الوقت الحاضر ، ولا أنكر أيضاً أنه قد سبق وأن تلفظت ببعض الكلمات التي لا تليق عن الإسلام ، ولكني أحمله المسؤلية في ذلك ؛ فقد كان يحتقرني ويسب ديني .
ولا أدري أي تديُّن هذا الذي يدّعيه ؟! إنه يتحدث مع النساء على ” الفيس بوك ” ، إحداهن امرأة كان على علاقة معها قبل أن يلتزم ، وقد اخبرته في ذلك فقال : إنه يدعوهن إلى الإسلام ! لكن الرسائل التي يتبادلونها تقول غير ذلك إنه يسألهن عما إذا كنّ متزوجات أم لا ، أي : إنه يبحث عن الزواج بإحداهن ، وقد وعد واحدة منهن أنه سيحضرها ويتحمل تكاليف سفرها إلى الولايات المتحدة .
إنه عاطل عن العمل ، ولا يكترث لي ولأولاده ، وهذا ما يدفعني أكثر ويبعدني عن الإسلام ، أي أنانية هذه التي يحملها ؟! وأي دين هذا الذي يمكن أن يملي عليه مثل هذه السلوكيات ؟! حتى في وقت الجماع نكون مع بعض ونمارس ما يمارسه الرجل مع زوجته ، وفجأة بعد أن يكون قد قضى ما يريد من شهوة يقوم وينصرف متجاهلاً حاجتي ورغبتي ، ويتحجج بأنه حان وقت الصلاة ! إنه يجرحني ويؤذي مشاعري باستمرار ، ومع هذا يقول إنه ليس بحاجة إلى أن يبرر لي تصرفاته طالما أني كافرة ! ألم يأمر الإسلام بالإحسان إلى الزوجات ؟! إنه يقول : إنه لا يمكنه أن يحبني طالما أني لست على ملته ، فهل هذا صحيح ؟! إنه يمنعني من أن أستشير أحداً في مشاكلنا هذه ، ويقول : إنها مشاكل زوجية لا ينبغي لأحد أن يطلع عليها ! لكن ما العمل وهو لا يريد أن يتحدث معي بخصوصها فكيف ستُحلّ إذاً ؟ .
إنني أنصحه أحياناً وألفت انتباهه إلى بعض الحقائق الإسلامية في كيفية التعامل مع الآخرين ، وأنا بذلك أنقل له ما تعلمته من موقعكم ، فيرد عليّ قائلاً : كيف يمكن لكافرة أن تعلمني الإسلام ؟! لا يحق لك أن تحدثيني عن الإسلام فلستِ سوى كافرة ختم الله على قلبك ، وستكونين وقوداً للنار ! .
– فهل لكم من كلمة أو نصيحة ؟ وأعتذر عن الإطالة .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
الذي يظهر لنا أن زواجك من ذاك الرجل المسلم غير صحيح أصلاً ؛ لأن من شروط صحة النكاح بالكتابية أن تكون عفيفة ، وأنت تقولين إنك كنت على علاقة محرمة معه بل قد جاء بسبب هذه العلاقة المحرمة أولاد ! فما لم تكن ثمة توبة من ذاك الفعل فلا يحل له تزوجك .
وأيضاً لم يكن زواجك بولي ، وإنما يصح تزويج إمام المسجد لمثلك لو أنك كنتِ محصنة عفيفة وثبت منع أوليائك جميعاً من تزويجك لذلك المسلم لكونه مسلماً لا لكونه غير كفؤ لك .
قال علماء اللجنة الدائمة :
الكتابية يزوجها والدها ، فإن لم يوجد أو وجد وامتنع : زوَّجها أقرب عصبتها ، فإن لم يوجدوا أو وجدوا وامتنعوا : زوَّجها القاضي المسلم إن وجد ، فإن لم يوجد : زوَّجها أمير المركز الإسلامي في منطقتها ؛ لأن الأصل في ولاية النكاح أنها للأب ثم للعصبة الأقرب فالأقرب ، فإذا عُدموا أو كانوا ليسوا أهلاً للولاية لأي مانع من الموانع أو امتنعوا بغير حق : انتقلت الولاية إلى الحاكم أو من ينيبه . الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 162 ، 163 ) .
وعليه : فالعقد بينكما فاسد ابتداءً ولا تترتب عليه آثاره ، ولستِ بحاجة لتطليق ؛ إذ العقد مفسوخ بينكما ، والأولاد لا ينسبون إليه بل ينسبون لكِ ، وهذا هو حكم أولاد الزنى .
وأنتِ بحاجة لإتمام معاملة الطلاق على الأوراق فقط ، وأما في شرع الله تعالى فليس لما جرى بينكما من عقد زوجية أي اعتبار .
ثانياً:
ونرغب منكِ أن تعلمي أنه ليس كل ما يفعله المسلمون فهو يُنسب إلى الإسلام ؛ فالإسلام يأمر بالعدل والإحسان والعفاف والصلة والتقوى ، ومن يخالف أوامر الإسلام فهو متبع لهواه لا تنسب أفعاله المخالفة للشرع للإسلام ، مع التنبيه أن المعاصي والآثام التي يرتكبها المسلم لا تقارن بما عليه غير المسلمين من سب الله تعالى والشرك به وادعاء الولد له عز وجل ! وهذه مناسبة ندعوك بسببها إلى التأمل فيما أنتِ عليه من اعتقاد بعدما عرفنا منكِ ما عليه زوجك – باعتبار الواقع لا باعتبار الشرع – من أخلاق ، فأنت في اعتقادك أن عيسى هو الله أو هو ابن الله ! وهذا من أعظم الشتم والسب لله تعالى ، فحريٌّ بمن يريد من الناس أن تكمل أخلاقهم أن يكون هو كذلك مع ربه عز وجل ، وهذا ما نرجوه منكِ ؛ فقد رأينا في ثنايا كلامك من العقل والحكمة ما نرجو معه أن تعيدي النظر فيما أنت عليه من اعتقاد وأن تعلني وحدانية الله تعالى وأنه لا شريك له ولا ولد وأن محمدا عبده ورسوله ، وها أنتِ قد علمتِ منَّا أن ما فعله ذلك الرجل من تعامل وما هو عليه من سلوك أخلاق أنه ليس من الإسلام في شيء ، فالإسلام أمر الزوج بالعشرة الحسنة مع زوجته ، وأمره بإكرامها والتلطف معها ، وأمره بالنفقة عليها طعاماً وكسوة ، ولو كانت تلك الزوجة نصرانية أو يهودية .
– ونسأل الله تعالى أن يهديك لما يحبه ويرضاه ، وأن يرزقك زوجاً مسلماً صالحاً .
والله أعلم.


