جماع الزوجة بعد العقد وقبل الدخول

السؤال

أنا من باكستان. والنكاح عندنا عادة ما يجرى قبل عدة أشهر إلى السنة أو السنتين من تاريخ حفل الزواج الحقيقي الذي يقوم فيه والدا العروس بتسليمها للعريس. والسبب في ذلك عادة هو أن الرجل قد يكون لما تستقر حياته (أموره) بعد، أو أنه يكون في ذلك الوقت ينهي دراسته. وقد وقع بيني وبين صديقتي الخلاف حول هذا الموضوع. إنها تقول بأنه في حالة كتلك، قبل أن يعطي الوالدان الفتاة لزوجها، فإنه يجوز للفتاة وزوجها أن يقيما العلاقة الحسية (الجماع). وإذا طلب الرجل ذلك من الفتاة، فإن عليها أن تقوم بذلك دون علم والديها. وأنا لا أوافقها الرأي، لأنه ما فائدة تسليمهما لابنتهما، إذن؟ أليس كل عمل يُفعل بعيدا عن أعين الناس يعد معصية؟ وأيضا، فإنه من خلال موافقة الطرفين فإن النكاح يتم مبكرا.

الجواب

الحمد لله

  1. يبدأ الزواج الشرعي الكامل بالرغبة من طرف الرجل لنكاح امرأة ما، فإذا وقعت الرغبة في قلبه وعيَّن المرأة فإنه يبدأ بالخطوة الثانية وهي النظر إلى المخطوبة، وفي هذه الفترة يتم السؤال من قبل الطرفين كل عن الآخر وتتم الاستخارة الشرعية، وتسمى هذه الفترة ” الخطوبة “، فإذا تمت الموافقة من قبل المرأة ووليها، فإن الزوج يبدي رغبته في النكاح بقوله، فتوافق المرأة ووليها ويشهد على ذلك الشهود العدول، وهذا هو الزواج الشرعي، فإن كانت ظروف الزوج متيسرة لأخذ زوجته إلى بيت الزوجية ولا فإنها تبقى في بيت وليها، وهذه الفترة تسمى ” الزواج قبل الدخول “.
  2. في فترة الخِطبة يحل لطالب النكاح أن ينظر إلى من يرغب في زواجها، وهذا الأمر مستثنى من التحريم؛ وذلك لمسيس الحاجة إليه، ويحرم عليه ما عدا ذلك من اللمس والخلوة وغيرهما.

* قال الشيخ صالح الفوزان:

ويجوز أن يكون نظره إليها عن اتفاق وبحضور أهلها من غير خلوة بها، أما ما وقع فيه كثير من المتساهلين من خلوة الخطيب مع خطيبته أو سفرها معه: فهذا لا يقره الإسلام ولا يجيزه الدين؛ لأنها لم تكن زوجة له، ولا هو محرم لها، فلا يجوز أن يخلو بها ولا أن يسافر بها، وإنما يكون ذلك في حدود الرخصة الشرعية التي ذكرها أهل العلم وبيَّنوا حكمها.

والأمر – ولله الحمد – واضح ليس فيه إشكال، ولا تستغل السنن أو الرخص استغلالًا سيئًا كما يفعله بعض الناس من التوسع في هذا، وخلوة الخطيب بخطيبته وفرها معه أو ما أشبه ذلك من تبادل الكلام الكثير والكلام المثير أو غير ذلك من أسباب الفتنة: فلا يجوز. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 241 ).

بل إن النظر نفسه ليس على إطلاقه عند العلماء، فقد اشترط جمهور الفقهاء – المالكية والشافعية والحنابلة –  لمشروعية النظر:

  • أن يكون الناظر إلى المرأة مريدا نكاحها.
  • وأن يرجو الإجابة رجاء ظاهرا.
  • أو يعلم أنه يجاب إلى نكاحها، أو يغلب على ظنه الإجابة.
  1. والنكاح قبل الدخول فترة شرعية معتبرة ينبني عليها أحكام معلومة مثل استحقاق الزوجة لنصف المهر في حال الطلاق، وعدم وجوب العدة أيضاً في حال الطلاق.
  2. لذلك فإنه وإن كانت هذه المرأة زوجة ترثه ويرثها في حال الوفاة، إلا أنه في حال عدم إعلان الدخول: فإننا لا ننصح أبدًا بدخول الزوج في زوجته قبل الإعلان عنه.
  3. ولو لم يكن هذا حكمًا شرعيًّا واضحًا لكان أجدر بأن يُفتى به لما يؤدي إليه من حفظ الأعراض عن الطعن بها، فإن المرأة إذا لم يكن ثمة إعلان عن دخول الزوج بها، وكان قد دخل بها قبل تسليم أهلها له، فإن حياتها معرضة لوجود طلاق أو وفاة، فإذا كانت المرأة حاملًا من هذا الدخول وحصلت وفاة لزوجها فكيف سيتم تثبيت هذا الحمل أنه شرعي؟ وإذا حصل طلاق وأنكر الزوج أنه دخل بها فكيف سيتم تثبيت هذا الحمل أنه شرعي؟ فلذلك وجب على الأهل عدم تمكين الزوج من الدخول وكذلك على المرأة أن لا تمكن الزوج – قبل إعلان الدخول – من نفسها سدًّا للذريعة وحفظاً للعرض والكرامة.
  4. وأمر آخر يعرف بالتجربة، وهو أن الزوج الذي تمكنه المرأة من نفسها قبل إعلان الدخول غالبًا ما يزهد فيها، ولذلك يترك الكثير منهم أولئك النساء ولا يحرص على تعجيل الدخول وإتمام الزواج وذلك لأنه قضى نهمته وحقق رغبته.

وعلى العكس من ذلك فإن الرجل الذي لا تمكنه الزوجة من نفسها في فترة ما قبل الدخول فإنه يظل مشتاقًا متلهفًا لوقت الدخول متشبثًا بامرأته راغبًا فيها.

  1. وهذا لا يعني أنه إن حصل دخول بها أنهما زانيَيْن، كلا، فإنها امرأته، لكن لما لم يكن إعلان عن الدخول فإنه يحل له منها كل شيء إلا الجماع، وذلك لترتب أحكام شرعية على الدخول، ولا تكون تلك الأحكام مترتبة ونافذة إلا بعد الإعلان عن الدخول.
  2. وقد جاء في السؤال كلمة ” صديقتي “! فإن السائل يعني أنه خطيبته  – أي: زوجته قبل الدخول كما يسميها عوام الناس خطأً – فلا بأس، وإن كان يعني غير ذلك فليعلم أنه لا صداقة بين الرجل والمرأة الأجنبية، وهذه اصطلاحات الكفار وأفعالهم وهي عندنا محرمة، فالصداقة التي تكون بين الرجل والمرأة الأجنبية يكون فيها كثير من المحرمات مثل الخلوة والمصافحة والممازحة، وأحيانًا السفر وحدهما والمبيت وحدهما، وهذه كلها محرَّمات فنربأ بالأخ المسلم أن يكون من أولئك الذين يقلدون الغرب الكافر المنحط في قيمه وأخلاقه.
  3. وليس كل عمل يُفعل بعيدًا عن أعين الناس يعد معصية، فكثير من الطاعات يفضل فيها البعد عن أعين الناس والاستتار عنهم، مثل قيام الليل، والصدقة على الفقراء والمساكين وما شابه ذلك.

وكثير من المعاصي تفعل – وخاصة في هذا الزمان – جهارًا نهارًا عِيانًا مثل وضع الأموال في البنوك، والتبرج، والاختلاط وما شابه ذلك.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة