التثليث عند النصارى هل له وجود في الإسلام؟

السؤال

في النصرانية فإن كلمة ” التثليث ” تستخدم على أنها الركن الأساس لذلك الدين ، فهل ورد ذكر لذلك الاعتقاد في القرآن؟ وإذا كان ذلك اعتقاداً صحيحاً ، أفلا يندرج ذلك تحت مقدمات الشرك؟

الجواب

الحمد لله

إننا لنعجب من هذا السؤال والذي يظن صاحبه أن الشرك الذي عند النصارى له وجود في دين المسلمين، وإنه لو كان موجودًا ما كان من ” مقدمات الشرك ” بل لكان هو الشرك بعينه.

والتثليث الذي اخترعه النصارى المتأخرون لا يستدل عليه بشيء من العقل والفطرة ولا بشيء من الكتب الإلهية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى.

قال ابن القيم:

وهذا شأن جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم، فجهَّال النصارى إذا ناظرهم الموحِّد في تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قالوا: الجواب على القسيس، والقسيس يقول: الجواب على المطران، والمطران يحيل الجواب على البترك، والبترك على الأسقف، والأسقف على الباب، والباب على الثلاثمائة والثمانية عشر أصحاب المجْمَع الذي اجتمعوا في عهد ” قسطنطين “، ووضعوا للنصارى هذا التثليث والشرك المناقض للعقول والأديان، ولعلهم عند الله أحسن حالًا من أكثر القائلين بأحكام النجوم الكافرين برب العالمين وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 148 ).

ومن حيث اللفظ فإنه لم يأت في القرآن ولا في السنة، بل جاء لفظ ” التثليث ” في كلام العلماء عند كلامهم على التثليث في ” الاستجمار بالحجارة، الوضوء، الغسل، غسل الميت، التسبيح في الركوع والسجود، الاستئذان للدخول للبيت، وغير ذلك.

والمعنى في كل ما سبق إنما هو فعل الأمر ثلاث مرات، ولا علاقة له بتثليث النصارى، والذي بيَّن الله تعالى أنه قولهم وأمرهم بتوحيده تعالى والاعتقاد بعيسى أنه رسول وليس بإله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

قال تعالى: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرًا لكم }، فذكر سبحانه في هذه الآية ” التثليث والاتحاد “، ونهاهم عنهما وبيَّن أن المسيح إنما هو { رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه }، وقال: { فآمنوا بالله ورسله }، ثم قال: { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرًا لكم }.

” الجواب الصحيح ” ( 2 / 15 ).

وقد ظن بعض النصارى – لجهلهم – أن لفظ التعظيم في القرآن نحو { إنا فتحنا لك }، { إنا أنزلناه } أنه يدل على عقيدتهم الفاسدة عقيدة التثليث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتها وخلفها: أن النَّبى صلَّى الله عليه وسلم سمع القرآن من جبريل، وجبريل سمعه من الله عز وجل، وأما قوله { نتلوا } و { نقص } { فاذا قرأناه }: فهذه الصيغة فى كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فاذا فعل أعوانه فعلًا بأمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه، والله تعالى رب الملائكة وهم لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم ، وهو غني عنهم، وليس هو كالملِك الذى يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه، فكان قوله لِما فعله بملائكته: نحن فعلنا: أحق وأولى من قول بعض الملوك.

وهذا اللفظ هو من ” المتشابه ” الذي ذكر أن النصارى احتجوا به على النبى صلى الله عليه وسلم على   التثليث لمَّا وجدوا فى القرآن { إنا فتحنا لك } ونحو ذلك، فذمَّهم الله حيث تركوا المحكَم من القرآن أن الإله واحد، وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره، والذى معه أعوانه الذين هم عبيده وخلقه، واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة، وهي فتنة القلوب بتوهم آلهة متعددة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 233، 234 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة