هل يجعل زوجته تلد في مستشفى بريطاني؟
السؤال
أدرس في بريطانيا, وزوجتي حامل. فهل يجوز أن تضع مولودها في أحد المستشفيات هنا؟ فأغلب العاملين هم من غير المسلمين. أم أن ذلك لا يجوز؟
وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يحل لك – أخي في الله – أن تقيم في دول الكفر لما في ذلك من مظنة التأثر بسلوك الكافرين وأخلاقهم، أو الركون لهم والتعود على موادتهم وحبهم لأن من طبع البشر أنهم يتأثرون بمن يحيطهم وكما يقول المثل السائر: الإنسان ابن بيئته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة: توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 220 ).
وقد ركز القرآن الكريم على هذا وركز عليه الحديث الشريف وكلام العلماء فيه كثير معلوم.
فمن القرآن:
قول الله تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا } [ النساء / 97 ].
قال القرطبي:
وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي، وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها }. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 346 –347 ).
ومن الحديث:
عن جرير بن عبد الله: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا يا رسول الله ولم قال لا ترايا ناراهما “.
رواه الترمذي ( 1604 ) – واللفظ له – والنسائي ( 4780 ) وأبو داود ( 2274 ).
والحديث: قال الألباني في ” صحيح الجامع ” رقم (1461): حسن.
والنتيجة: أن السكنى في بلاد الكفر ما تحل إلا لضرورة قصوى، وليس هذا مجال بحثنا في هذه المسألة.
ثانيًا:
أما سؤالك عن توليد زوجتك في مستشفى أغلب العاملين فيه من غير المسلمين فنقول:
أما تطبيب الكافر للمسلم فأصل المسألة في هذا: هو الجواز، أي: يجوز استخدام غير المسلم ليعالج المسلم وإن كان الأولى استخدام الطبيب المسلم، إلا ألا يجد المسلم طبيبا مسلما مثله فيجوز، وفي حالتنا هذه فالأولى للمرأة المسلمة ألا تلد إلا في مستشفى يكون العاملات فيه من المسلمات الثقات، وإن كان استخدام الكافرات جائز مع وجود المسلمات، ولكن إن تعذر وجود الطبيبة المسلمة: جاز اتخاذ غير المسلمة.
قال الإمام ابن القيم:
وقال مالك: تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة، قال القائلون بشهادتهم:
قال الله تعالى: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [ آل عمران / 75 ] فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال. ” الطرق الحكمية ” ( ص 261 ).
في قوله رحمه الله تعالى أنه يجيز شهادة الطبيب غير المسلم على حال المسلم المريض: كأن يشهد له بالحرج في فطر رمضان أو التيمم وترك الماء فمن باب أولى أنه يفهم من كلامه جواز اتخاذ الطبيب الكافر.
وقال الحافظ في الفتح:
…… قاله الخطابي مستدلا بأن الخزاعي الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عينا له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافرا قال وإنما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم والاختلاط بهم والاطلاع على أسرارهم قال: ويستفاد من ذلك جواز قبول الطبيب الكافر. ” فتح الباري ” ( 5 / 352 ).
وقال الزركشي:
حكى الخطابي وجها أنه يجوز العدول عن الوضوء إلى التيمم بقول الطبيب الكافر كما يجوز شرب الدواء من يده وهو لا يدري أهو داء أم دواء حكاه الرافعي في باب الوصية وهو يرد قول النووي في ” المجموع “: واتفقوا على أنه لا يقبل خبر الكافر. ” خبايا الزوايا ” ( 1 / 61 ).
وقال الشربيني:
ويجوز استيصاف الطبيب الكافر واعتماد وصفه كما صرح به الأصحاب على دخول الكافر الحرم. ” مغني المحتاج ” ( 1 / 357 ).
هذا إن لم يكن في معالجة الكافر للمسلم ضرر بحاله كأن يعمل الكافر على إفساد صحة المسلم، أو أن تعمل الكافرات على جعل المسلمة التي تلد على أيديهن عقيما فإن علم هذا وغلب الظن على مثله لم يجز.
أما إن كان هذا المستشفى لا يعمل على الضرر بالمسلمين فلا بأس لا سيما عند تعذر وجود المسلمات.
أما استخدام الرجال لعلاج النساء واستخدام النساء لعلاج الرجال فلا يجوز إلا في حال الضرورة مع أمن الفتنة فإن لم تجد المرأة النساء: طبَّبها من تأمن منه الشر.
والدليل على جواز ذلك:
عن الربيع بنت معوذ قالت: ” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة “. رواه البخاري ( 2726 )، ومثله عند مسلم ( 1810 ).
فقولها: ” نداوي الجرحى ” دليل واضح على جواز تطبيب النساء للرجال.
وعليه: فيكون الحكم في تطبيب الرجال للنساء وذلك بشرط أمن الفتنة كما قدمنا.
قال الحافظ – يشرح الحديث المتقدم -:
وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة، قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس. ” فتح الباري ” ( 6 / 80 ).
وقال رحمه الله تعالى :
….. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات. ” فتح الباري ” ( 6 / 80 ).
وعن جابر: أن أم سلمة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجامة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طيبة أن يحجمها.
– قال: حسبت أنه قال كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم -. رواه مسلم ( 2206 ).
– قال ابن حزم – يرد قول الراوي بأنه كان أخًا لأم سلمة من الرضاع أو أنه لم يكن من ذوي الحلم-:
وأما قول الراوي: ” حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم “: فإنما هو ظن من بعض رواة الخبر ممن دون جابر، ثم هو أيضا ظن غير صادق لأن أم سلمة رضي الله عنها ولدت بمكة وبها وَلدت أكثر أولادها، وأبو طيبة غلام لبعض الأنصار بالمدينة فمحال أن يكون أخاها من الرضاعة وكان عبدًا مضروبًا عليه الخراج كما روينا من طريق مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: ” حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو طيبة فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا من خراجه “.
ولا يمكن أن يحجمها إلا حتى يرى عنقها وأعلى ظهرها مما يوازي أعلى كتفيها.
” المحلى ” ( 10 / 33 ).
وهذا كله يجوز بشرط عدم مقدرة المريضة أو زوجها على استئجار الطبيبة التي تقوم بعلاجها حتى ولو كانت أجرتها أعلى سعرًا من الطبيب الذي يتواجد في المستشفيات العامة، فما دام هذا الزوج قادرًا على دفع ما يصون به عِرضه: فإنه يجب عليه اتخاذ الطبيبة الخاصة، وإن كان غير قادر: أجيز له استخدام الطبيب.
ونذكِّر أن هذه الإباحة للتطبب عند الطبيب إنما تباح عند الضرورة القصوى الملحة ولا يعني هذا أنه كلما أصابت المرأة وعكة خفيفة استعانت بالطبيب، ولعل الولادة – في بعض حالاتها – من الحالات التي يجوز فيها الذهاب إلى الطبيب لما فيها من الخطورة على حياة المرأة وولدها.
وننبه على ضرورة عدم كشف ما لا يحتاجه الطبيب عند القيام بالمعالجة.
وننبه على ضرورة وجود محرم مع المرأة ، وعدم جواز تمكين الطبيب من الخلوة بالمريضة.
وإذا استطاع الطبيب أن يقوم بمعرفة العلة والداء عن طريق السؤال أو عن طريق رؤية بنات جنسها لعورتها: فلا يحل له أن ينظر كما أنه لا يحل لها أن تمكنه من النظر إلى موضع العورة.
قال العدوي المالكي:
هذا إذا كان الطبيب لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا برؤيته بنفسه، وأما لو كان الطبيب يكتفي برؤية النساء ويصفنه له فلا أظن أن أحدا يقول بجواز رؤية الرجل فرج المرأة. ” حاشية العدوي ” ( 2 / 537 ).
والخلاصة:
قال الشربيني:
والضرب الخامس: النظر للمداواة كفصد وحجامة وعلاج، ولو في فرج ، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها فقط؛ لأن في التحريم حينئذ حرجًا، فللرجل مداواة المرأة، وعكسه، وليكن ذلك بحضرة محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة إن جوزنا خلوة أجنبي بامرأتين وهو الراجح، ويشترط عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة وعكسه كما صححه في ” زيادة الروضة “، وأن لا يكون ذميا مع وجود مسلم، وفيه – كما قاله الأذرعي – أن لا تكون كافرة أجنبية مع وجود مسلمة على الأصح، ولو لم نجد لعلاج المرأة إلا كافرة ومسلما: فالظاهر أن الكافرة تقدم لأن نظرها ومسها أخف من الرجل، بل الأشبه عند الشيخين أنها تنظر منها ما يبدو عند المهنة بخلاف الرجل، وقيد في ” الكافي ” الطبيب بالأمين، فلا يعدل إلى غيره مع وجوده، وشرط الماوردي أن يأمن الافتتان ولا يكشف إلا قدر الحاجة. ” الإقناع ” ( 2 / 69 ).
والله أعلم.


