حكم استخدام علاج للقلق ( مضادات الاكتئاب )
السؤال
أنا أعاني من فترات طويلة من القلق. فهل يجوز لي أن أتناول أدوية مضادة للقلق أو علاجات أخرى لمحاربة هذا المرض؟ أنا أشعر بالقلق باستمرار وبدون سبب، وذلك يؤدي إلى انهيار علاقتي بعائلتي. أظن أني أحتاج لعلاج طويل الأمد – هل هذا جائز إسلاميا ؟ بطبيعة الحال، فأنا أضع ثقتي في الله سبحانه وتعالى أولا وقبل كل شيء.
الجواب
الحمد لله
تناول العلاج للأمراض التي تصيب الإنسان لا حرج فيه ، وهو غير ممنوع ، لكن بشرط أن لا يسبب ذلك الدواء مضاعفات جانبية أكثر ضرراً وخطراً مما هو فيه .
وننصح المرضى – سواء كانوا مرضى روحيّاً – كالقلق والاكتئاب – أو جسديّاً – كالأوجاع المختلفة – أن يبادروا أولاً للعلاج بالرقية الشرعية ، وهي الآيات والأحاديث التي جاء الشرع بالتوصية بها وأن فيها علاجاً للأمراض .
ثم ننصح كذلك بأخذ العلاج من مواد الطبيعة التي خلقها الله مثل العسل والنباتات ، فإن هذه الأشياء جعل الله تعالى فيها خاصية لعلاج كثير من الأمراض ، وهي في الوقت نفسه ليس فيها آثار جانبية على متناولها . والذي نراه للأخت السائلة عدم تناول العلاجات المصنعة كيمياويّاً لمرض ” القلق ” فإن هذا المرض يحتاج صاحبه لعلاج روحي أكثر منه حاجة لعلاج كيميائي.
فهو يحتاج لزيادة إيمانه وثقته بربه تعالى وكثرة دعاء وصلاة ، فإذا فعل ذلك كان القلق أبعد ما يكون عنه ، وانشراح الصدر والقلب بالطاعات له أعظم الأثر على النفس في طردها لكثير من الأمراض النفسيَّة . قال تعالى : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } .
عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ” . رواه مسلم ( 2999 ) .
ولا ينبغي للمسلم أن تكون الدنيا هي أكبر همه ، ولا يجعل للقلق على رزقه مجالا للوصول إلى قلبه وعقله وإلا زاد ذلك من مرضه وقلقه .
عن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
” من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه و جمع له شمله و أتته الدنيا و هي راغمة و من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه و فرّق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له “. رواه الترمذي ( 2389 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6510 ) .
* قال ابن القيم رحمه الله: إذا أصبح العبد وأمسى وليس همّه إلا الله وحده تحمّل الله عنه سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كلّ ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره.. فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين } . ” الفوائد ” ( ص 159 ) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي :
ومتى اعتمد القلب على الله ، وتوكل عليه ، ولم يستسلم للأوهام ولا ملكته الخيالات السيئة ، ووثق بالله وطمع في فضله ، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم ، وزالت عنه كثير من الأسقام القلبية والبدنية ، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه ، والمعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب ، الدافعة لقلقه ، قال تعالى { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي : كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه .
فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام ، ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له ، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة ، فيثق بالله ويطمئن لوعده ، فيزول همه وقلقه ، ويتبدل عسره يسراً ، وترحه فرحاً ، وخوفه أمناً ، فنسأله تعالى العافية وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته بالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضير. ” الوسائل المفيدة للحياة السعيدة ” ( ص 12 ، 13 ) .
والله أعلم.


