الرئيسية بلوق الصفحة 169

حكم ترداد أذكار الصباح والمساء مع أو خلف برامج الأذكار في القنوات الفضائية وغيرها

حكم ترداد أذكار الصباح والمساء مع أو خلف برامج الأذكار في القنوات الفضائية وغيرها

السؤال:

أعلم بأنه من المفترض أن نقوم بقول أدعية الصباح والمساء ( الأذكار ) بين الفجر والشروق، وبعد العصر، فهل هناك بأس في تشغيل اسطوانة كمبيوتر للأذكار ( التي هي من السنَّة ) بمنزلنا والاستماع إليها وأحيانًا القول معها ؟ لن يكون هذا بدعة أليس كذلك؟.

 

الجواب:      

الحمد لله

” أذكار الصباح والمساء ” – وتُسمَّى: ” أذكار اليوم والليلة ” و ” أذكار طرفي النهار “: هي من الأذكار والأدعية التي يقوم بها العبد المسلم منفردًا بينه وبين ربِّه تعالى، ولم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه الاجتماع عليها، وعليه: فإن ذكرها جماعيًّا من البدع المذمومة، وصور الاجتماع المبتدع عليها له:

  1. أن تقال مع مجموعة بصوت واحد.
  2. أن تقال بقيادة، فيقولها قائد المجموعة ويرددها وراءه الحضور، أو يؤمِّنون على أدعيته إذا دعا.

ولا يختلف الحكم فيما لو كان الذِّكر صادرًا من شخص أو صادرًا من ” مسجل ” أو ” راديو ” أو ” فضائية ” – وقد انتشرت برامج ” أذكار الصباح والمساء ” في كثير من القنوات الإسلامية! ووجب عليهم تنبيه الناس لحكم الترديد معها أو خلفها -.

عن أبي البختري قال: أخبر رجلٌ ابنَ مسعود رضي الله عنه أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبِّروا الله كذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوه كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتَهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فلما جلسوا أتاه الرجل، فأخبره، فجاء عبد الله بن مسعود فقال: والذي لا إله إلا غيره، لقد جئتم ببدعة ظلمًا، أو قد فضلتم أصحاب محمد علمًا، فقال عمرو بن عتبة: نستغفر الله، فقال: عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينَا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا.

رواه الدارمي ( 1 / 68 ، 69 ) وابن وضاح في ” البدع ” ( ص 8 – 10 ) من طرق عدَّة عن ابن مسعود، وأورده السيوطي في ” الأمر بالاتباع ” ( ص 83 ، 84) وقال محققه: ” والأثر صحيح بمجموع طرقه “.

 

 

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

وِرد الصباح والمساء من الأدعية والأذكار المرتبة في الزمان، فعلى العبد المسلم التقيد بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصفة التي ثبتت: يُورد به منفردًا على وجه التضرع والإسرار؛ لهذا فإن ما يُضاف إلى ذلك من قراءة الوِرد الشرعي جماعيّاً، أو يقرؤه واحد والبقية يتلقونه، أو يؤمنون، مع التمايل، أو وهم وقوف: كل هذه بدع إضافية، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).

” تصحيح الدعاء ” ( ص 349 ).

ويُستثنى مِن المنع مَن يستمع أذكار الصباح والمساء مِن ” اسطوانة ” أو من ” فضائية ” إذا كان بقصد ضبط اللفظ والتعلم، على أن يلتزم ذلك لفترة ثم يتركه إذا انتهى من بغيته.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

وأختار للإمام والمأموم أن يَذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة ويخفيان الذكر، إلا أن يكون إمامًا يجب أن يُتعلم منه فيَجهر حتى يَرى أنه قد تُعلِّم منه ثم يسِرُّ؛ فإن الله عز وجل يقول ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) الإسراء/ 110 ، يعنى – والله تعالى أعلم – : الدعاء،( ولا تجهر ) ترفع، ( ولا تخافت ) حتى لا تسمع نفسك. ” الأم ” ( 1 / 127 ).

 

والله أعلم.

حكم بيع سلَع ليست في ملك البائع وطرق تصحيح المعاملة

حكم بيع سلَع ليست في ملك البائع وطرق تصحيح المعاملة

السؤال:

أنا أعيش في بلد أجنبي، والوضع المادي ضعيف جدًّا، والزوج لا يعمل، فقررت أن أساعد زوجي, فأصبحت أقدم خدماتي عبر النت لأي أخت ترغب في شراء منتجات من البلد التي أسكن بها، تطلب بضاعة معينة, فأبحث عنها، ثم أرسل للمشترية صورة البضاعة، فإذا تم الموافقة أحسب لها ثمنها مع إيصالها إليها، وأطلب المال لأشتري البضاعة، ومن ثم أرسلها إلى المشترية. كانت الأوضاع جيدة وسعيدة بعملي إلى أن جاء يوم وطلبتْ مني أخت تاجرة بضاعة – وهي أحضرت المواقع – ولما حسبتُ لها البضاعة وحوَّلتْ لي الفلوس – وكانت ( 670 دولار ) أمريكي – ولما اشتريت البضاعة وانتظرت وصولها لم تصلني، ولما اتصلنا بالموقع الذي اشترينا منه البضاعة ما يرد أحد، ولما بحثنا تبين أنها شركة وهمية ووقعنا ضحية نصب، ينشئون مواقع لأجل سرقة الفلوس، ولما أخبرت الأخت بما حدث ما صدقتني وقالت أني كذابة وحرامية، وأنا حلفت لها وقلت لها أول ما تسمح لي الظروف أجمع لك المبلغ من حساب زوجي وأبعثهم لك، لكن الآن الموضوع له سنة أو أكثر ولم أستطع حتى الآن أن أجمع المبلغ.

هل عليَّ إعادة المال لها مع العلم أن المال أخذته الشركة الوهمية والأخت تطالبني بالمال؟ فما حكم الشرع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن المعاملة التي تسألين عن حكمها أنها غير شرعية، وهي مخالفة للشرع من حيث إنك تبيعين ما لا تملكين، وتبيعين ما ليس عندك مما هو في غير مقدورك ضمانه وتسليمه للمشتري فصار بيع غرر ومعاملة قمار، ويترتب على العمل بهذه المعاملة مجالات للخصومة والنزاع، فقد تتفاجئين بارتفاع سعر البضاعة عما بعتِها به، كما قد تكون البضاعة غير متوفرة، وها هو محذور آخر قد ظهر في معاملتك وهو عدم وجود التاجر أصلًا! لذا لم يجز لأحد بيع سلعة معينة ليست عنده في ملكه، ولا حتى موصوفة في الذمة عند غيره – إلا ما استُثني من بيع السلَم -.

عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي، أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنْ السُّوقِ؟ فَقَالَ: ( لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )-. رواه الترمذي ( 1232 ) وأبو داود (3503 ) والنسائي ( 4613 ) وابن ماجه (2187)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ).

رواه الترمذي ( 1234 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3504 ) والنسائي (4611).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

” فاتفق لفظُ الحديثين على نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظُ مِن لفظه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتضمن نوعًا مِن الغَرَرِ؛ فإنه إذا باعه شيئًا معيَّنًا ولَيس في ملكه ثم مضى لِيشتريه، أو يسلمه له: كان مترددًا بينَ الحصول وعدمه، فكان غررًا يشبه القِمَار، فَنُهِىَ عنه ” انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 808 ).

* وقال – رحمه الله – أيضا – في بيان أنواع بيع المعدوم -:

” معدومٌ لا يُدرى يحصُل أو لا يحصُل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكونُ المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارعُ بيعَه، لا لِكونه معدومًا بل لكونه غَرَرًا، فمنه صورةُ النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمرو رضي الله عنهما؛ فإن البائعَ إذا باعَ ما ليس في مُلكه ولا له قُدرة على تسليمه، ليذهب ويحصله ويسلِّمه إلى المشتري: كان ذلك شبيهًا بالقمار والمخاطرة مِن غير حاجة بهما إلى هذا العقدِ، ولا تتوقَّفُ مصلحتُهما عليه “. انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 810 ).

ولو كان شراؤكِ من تلك المواقع شرعيًّا صحيحًا لما جاز لكِ بيع البضاعة وهي في محلِّها من غير أن تحوزيها، وهذا سبب آخر يجعل معاملتكِ غير شرعية – وانظري جواب السؤال رقم ( 39761 ) -.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ ).

رواه أبو داود ( 3499 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – بعد أن ذكر الأحاديث الثلاثة السابقة -:

” ومِن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضًا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق أمر لا يجوز؛ لما فيه من مخالفة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما فيه من التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه “. انتهى من ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ( 19 / 52 ، 53 ).

 

ثانيًا:

– وطريقة تصحيح معاملتكِ حتى تكون موافقة للشرع:

  1. أن تعرضي البضاعة على الراغب بشرائها عرضًا يرفع الجهالة ويقطع الخصومة، وتحددي سعرها الذي ستبيعينه به في حال تملكك لها، ويَعِدُ المشتري بشرائها بالثمن نفسه، على أن لا يكون ثمة إلزام لك بالبيع ولا لهم بالشراء بل لكلٍّ من الطرفين الخيار في التعاقد أو عدمه؛ فإذا ملكتِ السلعة ملكًا شرعيًّا ثم تعاقدتِ مع المشتري على البيع: أصبح العقد لازمًا للطرفين ويأخذ أحكام البيع المعروفة، ويسمى هذا ” بيع المواعدة “.
  2. أن تبيعي البضاعة المعروضة للزبائن ” بيع سلَم ” ومن شروط هذا البيع: تعجيل الثمن كاملًا، وضبط مواصفات البضاعة بما يرفع الجهالة، وتحديد الكمية، وتحديد موعد التسليم، والقدرة على تسليم البضاعة في وقتها.

جاء في قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” رقم 107 ( 1 / 12 ): ” إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل: فهذا يتم بإحدى طريقتين:

أ. أن يعجِّل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم ” السلَم “، فيجوز بشروطه المعتبرة شرعًا، المبينة في قرار المجمع رقم 85 ( 2 / 9 ).

ب. إن لم يعجِّل المستورد الثمن بكامله عند العقد: فإنَّ هذا لا يجوز؛ لأنه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين، وقد صدر قرار المجمع رقم 40 و 41 المتضمن أن المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه، فيكون البيع هنا من بيع الكالىء بالكالىء.

أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين أو لكليهما: فتكون جائزة، على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم، والله أعلم ” انتهى من ” مجلة المجمع ” ( العدد الثاني عشر ج 2 ، ص 391 ).

  1. أن تبيعي البضاعة للراغب بشرائها بعمولة مقطوعة أو بنسبة محددة على الثمن، فتعرضين البضائع على الناس وتحددين مبلغًا مقطوعًا كعشرة دولارات – مثلًا – على كل صفقة، أو نسبة 2 % – مثلًا – على فاتورة الشراء، فيكون هذا المبلغ أو تلك النسبة لقاء جهدك وتعبك من المبلغ المدفوع لك لشراء البضاعة.

وكما يمكن أن تكوني سمسارة للمشترين فيمكن أن تكوني سمسارة كذلك للبائعين.

وبخصوص المال المدفوع لك من قبَل تلك المرأة: فيجب عليكِ إرجاعه لها؛ لأنه حق لها، فأنت ترجعين على أصحاب الموقع بالمطالبة بمالك عن طريق الشرطة أو غيرهم، وتلك المرأة ترجع عليك بالمطالبة بمالها، وعسى أن تقدّر ظرفك فتصبر وتنتظر إلى ميسرة، أو تسقط حقَّها وهو خيرٌ لها عند ربِّها، قال تعالى ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280.

ونسأل الله تعالى أن يكتب لك أجر إعانتك لزوجك وقيامه بتحمل أعباء الحياة معه، ونسأله تعالى أن يرزقك رزقًا حسنًا طيبًا.

 

والله أعلم.

 

حكم القروض التي تشتمل على رسوم إدارية وعلى عقد تأمين على الحياة

حكم القروض التي تشتمل على رسوم إدارية وعلى عقد تأمين على الحياة

السؤال:

نحن من أهالي إقليم كردستان العراق، نعاني من مشكلة تتعلق بالعقارات السكنية ( سلفة العقارات ) ملخصها:

حكومة الإقليم تعطي مبلغا قدره ( 15000000 مليونًا ) لمدة معينة دون الزيادة – أو الفائدة – (هذه بعد ما جرى عليها تعديلات ) ولكن هناك مشكلة أخرى وهي:

أ. يقبضون مبلغًا قدره (300,000 دينارًا ) باسم ” رسومات ” أو أوراق المعاملات في الدوائر، وهذه الرسومات تزداد وتنقص حسب مبلغ العقارات، قبل ذلك كانت السلفة عشرة ملايين وهم يقبضون ( 200,000 دينارًا ), وعندما زادت السلفة إلى (15,000000 مليونًا ) زادت معها الرسومات إلى ( 300,000 دينارًا ) عراقيًّا.

ب. يقبضون قبل استلام العقار مبلغًا قدره ( 567,000 دينارًا ) للتأمين على الحياة! فإذا توفي صاحب العقار سحب باسمه ليوفّى عنه.

علمًا أن هناك فتوى بحلها بحجة تفشي هذه الظاهر في كل الدول الإسلامية, ولكننا غير مطمئنين, فنرجو أن ترسلوا إلينا بجواب صريح ومقنع بحكمها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القروض الربوية هي التي تجر منافع على أصحابها ولو كانت يسيرة قليلة، والقاعدة في ذلك ” كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا “.

وتحتال بعض المؤسسات لأخذ هذه الزيادة الربوية عن طريق غطاء أطلقوا عليه ” رسوم إدارية ” أو ” رسوم معاملة “، وتحريم هذه الرسوم يتحقق بتحقق أمرين أو أحدهما:

الأول: أن تزيد قيمة تلك الرسوم على الخدمات الفعلية المقدمة من الجهة المعطية للقرض.

الثاني: أن تزيد القيمة – أو النسبة – بزيادة طول المدة، أو تزيد تبعاً لحجم المبلغ.

فإذا تحقق الأمران أو أحدهما في معاملة قرض: كان قرضًا ربويّا، وأما إذا كانت الرسوم حقيقية فعلية، ولم تزد بزيادة القرض: كان قرضًا حسنًا يجوز أخذه.

وهذا قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” في هذا الشأن:

بخصوص أجور خدمات القروض في ” البنك الإسلامي للتنمية “:

أولًا: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية.

ثانيًا: كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا.

” مجلة المجمع ” عدد 2، ( 2 / ص 527 )، وعدد 3 ( 1 / ص 77 ).

 

ثانيًا:

وعقود التأمين التجاري كلها محرَّمة؛ لأنها تجمع بين المقامرة واشتراطها في القرض الحسن – إن كان فعلا كذلك – وجعْل المستفيد منها صاحب المال: لا يجعلها حلالًا ولا يجعل القرض مباحًا.

 

وعليه: فلا يجوز لكم أخذ تلك القروض؛ لوجود ما يجعلها قروضًا ربويَّة، والواجب عليكم تركها استجابة لشرع الله تعالى.

 

– ونسأل الله تعالى أن يبدلكم خيرًا منها وأن يعوضكم بدلًا منها رزقًا حسنًا في الدنيا وثوابًا وأجرًا في الآخرة.

 

والله أعلم.

 

حكم التعامل بـ ” الرهن العقاري ” في بلد غير مسلم

حكم التعامل بـ ” الرهن العقاري ” في بلد غير مسلم

السؤال:

نعيش في مجتمع غربي ونعيش في بيوت إيجار لنتجنب الربا، وقد عرفنا مؤخرًا أنه لا يوجد بيوت للإيجار فهناك نسبة ( 96 % ) من السوق تعتمد على ” الرهن العقاري “، وجميع البيوت معروضة للبيع فقط، وقد أخبرني بعضهم أنه يجوز لي في هذه الحال أن أشتري بيتًا عن طريق ” الرهن العقاري “، والأكثر من ذلك أن ذلك من الممكن أن يجري بالحصول على الرهن عن طريق اسم ائتمان العائلة، فلا يقوم الفرد بدفع الفائدة أو الرهن وإنما يدفعه الائتمان، فهل يجوز الرهن العقاري باسم الائتمان؟ بينما أنت وأفراد آخرون أمناء أو مستفيدون ولا تتصلون بشكل مباشر بالبنك ويقوم المحامي بالتواصل مع الرهن نيابة عنك؟.

– أرجو أن تنصحونني إن كان ذلك جائزًا أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

” الرهن العقاري ” – Mortgage – معاملة ربوية محرَّمة تقوم على الإقراض بفائدة ربوية، ويرهن بها صاحبُ المال العقارَ الذي يقترض المقترض من أجله حتى يتم سداد الدَّين مع فوائده الربوية، وفي حال تأخر المدين عن السداد فإن من حق صاحب المال أن يبيع العقار ويستوفي ماله.

ويقوم بهذه المعاملة: البنوك الربوية، أو شركات الرهن العقاري، وتتم المعاملة هذه بأن يأتي الراغب باقتناء بيت إلى شركة الرهن العقاري – أو إلى بنك ربوي – ليعرض عليهم شراء ذلك البيت ويتم تقسيط المبلغ عليه مع زيادة ربوية متفق عليها، فيجتمع ممثل عن الشركة – أو البنك – مع صاحب البيت والطرف الثالث وهو المقترض، فيتم في المجلس دفع ثمن البيت كاملاً لصاحبه – وفي بعض الأحيان يدفع المقترض جزءً من الثمن – ويتم توقيع عقد مع المقترض بالمبلغ المدفوع لصاحب البيت مضافاً إليه الفوائد الربوية، ويتم رهن البيت لصالح شركة الرهن العقاري – أو البنك – التي دفعت المال لصاحب البيت، وفي حال تخلف المقترض عن سداد شيء من أقساط قرضه فإن من حق شركة الرهن العقاري بيع البيت لصالحها لاستيفاء باقي أموالها التي في ذمة المقترض.

وهذه المعاملة من الربا الواضح الصريح، وقد حرَّم الله تعالى الربا وتوعَّد آكليه بالعقوبات الغليظة، قال تعالى ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 275.

وهذه المعاملة الربوية لا تحل في ديار المسلمين ولا في ديار الكفار، ولا تحل من أجل امتلاك البيوت ولا من أجل امتلاك المحلات.

وقد أباح بعض المعاصرين هذه المعاملة الربوية إن كانت في ديار الكفار، وكانت من أجل تملك بيت يُسكن، ونسب ذلك الجواز إلى المذهب الحنفي، واستدل له ببعض أدلة، وقد تصدى لهذه الفتوى كثير من أهل العلم، ومنهم الشيخ صلاح الصاوي حفظه الله في كتابه ” وقفات هادئة مع فتوى إباحة القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية “، وقد قدَّم للكتاب: الشيخ علي السالوس حفظه الله، ومما قاله في مقدمته للكتاب:

لقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا وموكله، وقال ( هم سواء )، وفي حديث آخر في الربا ( الآخذ والمعطي فيه سواء )، فإذا قال أحد – كائنًا من كان – إنهما ليسا سواء: أفنأخذ بقوله أم بقول الله تعالى في بيانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟!.

والاقتراض بالربا لتملك مسكن يعني أن المقترض يريد الإقامة الدائمة! بل وجدناه يتجنس بجنسيتها! ويصبح محاربًا في جيشها! أفيصبح المسلم هو نفسه حربيًّا يحل ماله للمسلم غير المقيم؟!.

إذن: على المسلم المقيم في أوروبا أو أمريكا أن ينتبه لخطورة هذه الفتوى، وأن هذه البلاد لو اعتبرها دار حرب فلا يجوز له أن يقيم فيها، ويجنس بجنسيتها، ويصبح جنديًّا في جيشها، وعليه أن يترك البيت الذي تملكه، سواء أكان بالربا، أم كان بغير ربا

إن بعض من وقفوا وراء الفتوى – مثل فضيلة الشيخ القرضاوي – بينوا من قبلُ أن مثل هذه الفتاوى الشاذة لا يؤخذ بها! فعندما ظهرت فتوى إباحة فوائد البنوك الربوية تصدى لها الشيخ القرضاوي بقوة، ولا يزال، ومما ذكره: أن ” مجمع البحوث الإسلامية ” في مؤتمره الثاني أفتى بتحريم هذه الفوائد، وشارك في المؤتمر علماء من خمس وثلاثين دولة، وذكر أسماء بعض العلماء الكبار الأفذاذ الذين شاركوا في إصدار هذه الفتوى، ثم قال: ” الاجتهاد الجماعي لا ينقض، وإذا جاز أن ينقض فلا ينقض إلا باجتهاد جماعي أكبر منه، أو مثله على الأقل “.

قلت: وذلك المؤتمر هو نفسه وفي الفتوى ذاتها قال: ” الإقراض بالربا محرم، لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا حرام كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة “، فذكر في الاقتراض الضرورة شأن كل حرام لذاته، ولم يذكر الحاجة.

ومجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي قرر بالإجماع ما يأتي: ” إن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، ويجب أن يوفَّر بالطرق الشرعية بمال حلال، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها من الإقراض بفائدة – قلَّت أو كثرت – هي طريقة محرَّمة شرعًا لما فيها من التعامل بالربا “.

وورد إلى المجمع أسئلة من ” المعهد العالمي للفكر الإسلامي ” بواشنطن، منه سؤال حول شراء منزل السكنى، وسيارة الاستعمال الشخصي، وأثاث المنزل، بواسطة البنوك والمؤسسات التي تفرض ربحًا محدودًا على تلك القروض: فأجاب المجمع: بأن هذا لا يجوز شرعًا، ولم يذكر أن المسلمين بواشنطن في دار حرب مثلًا.

مقدمة ” وقفات هادئة مع فتوى إباحة القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية ” ( ص 3 ، 4 ) – ترقيم الشاملة -.

وكان لنا في هذا الموقع مساهمة في الرد على القائلين بإباحة تلك المعاملة الربوية، وقد ذكرنا أدلتهم والرد عليها وعلى الاستدلال بها بالتفصيل فلتراجع.

 

والله أعلم.

حكم التصرف في المال الموقوف على المساجد إقراضًا واقتراضًا

حكم التصرف في المال الموقوف على المساجد إقراضًا واقتراضًا

السؤال:

ما هو حكم من يقترض أو يُقرض أحدًا من المال المتعلق بالمسجد والذي يُجمع للقيام بما يحتاجه المسجد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأموال التي تُجمع للقيام على المساجد بما تحتاجه هي أموالٌ وقفية لا يحل للقائم عليها أن يقترض منها لنفسه، ولا أن يُقرض منها لأحدٍ غيره، فهو مؤتمن على هذه المال لتصريفه فيما أوقفه عليه واقفه وهي – هنا – احتياجات المسجد، فليس له التصرف فيه إقراضه أو اقتراضه.

* قال الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله -:

( ليس للناظر أخذ شيء من ) مال ( الوقف على وجه الضمان فإن فعل ضمنه ولا يجوز ) له ( إدخال ما ضمنه فيه ) أي: في مال الوقف؛ إذ ليس له استيفاؤه من نفسه لغيره ( وإقراضه إياه ) أي: مال الوقف ( كإقراض مال الصبي ).

” أسنى المطالب في شرح روض الطالب ” ( 2 / 472 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

شُرِط ( كون مقرضٍ يصح تبرعُه ) فلا يُقرض نحو ولي يتيم من ماله، ولا مكاتَب، وناظر وقف منه. ” شرح منتهى الإرادات ” ( 2 / 100 ).

 

والله أعلم.

 

حكم التأجير المنتهي بالتمليك لدى ” البنك العربي الإسلامي ” في الأردن

حكم التأجير المنتهي بالتمليك لدى ” البنك العربي الإسلامي ” في الأردن

السؤال:

يوجد عندنا في ” الأردن ” بنك يسمى بـ ” البنك العربي الإسلامي “، وقد قام ” البنك العربي الإسلامي ” بطرح عقد يسمَّى بـ ” التأجير المنتهي بالتمليك ” على الطريقة الإسلامية، ولقد أفتت دائرة الإفتاء بجواز التعامل مع البنك بهذا العقد، وهذا رابط هذه الفتوى وصورة عن العقد.

الرجاء أن تفيدوننا بصحة هذا العقد، وهل يجوز أن أتعامل مع ” البنك العربي الإسلامي ” بموجب هذا العقد علمًا بأن رأس مال هذا البنك من بنك آخر ربوي؟.

 

الرابط:

http://www.aliftaa.jo/index.php/ar/fatwa/show/id/932

 

الجواب:

الحمد لله

معاملة ” الإيجار المنتهي بالتمليك ” قد كثر الكلام حولها، فألِّفت فيها بحوث ومؤلفات، وصدرت في حكمها فتاوى وقرارات، وقد سبق في موقعنا نقل فتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في حكم هذه المعاملة، كما نقل قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” في بيان صور الجائز من تلك المعاملة والممنوع منها.

ومن خلال النظر في البحوث والمؤلفات والفتاوى والقرارات تبيَّن لنا مجموعة من الضوابط والشروط يجب تحققها حتى يصير عقد الإجارة المنتهية بالتمليك عقدًا شرعيًّا جائزًا، وعلى رأس هذه الشروط والضوابط : أن تكون الإجارة فعليَّة، وليست ساترة للبيع، وهذا هو عمدة الضوابط والشروط، وقد رأينا مخالفته في عقد ” البنك العربي الإسلامي “، فحقيقة هذا العقد أنه بيع متستر بستار الإجارة، ومما يدل على ذلك:

أ. قولهم ” سداد كامل قيمة العين المؤجرة “!.

ب. قولهم ” يلتزم الفريق الأول بأن يرد للفريق الثاني ما يوازي حصته في العين المؤجرة “!.

ج. جاء في العقد – البند ” العشرون ” – كذلك ما نصه ” يلتزم الفريق الثاني بدفع كافة الضرائب والرسوم التي تتحقق على العين المؤجرة سنويًّا مهما كان نوعها أو تسميتها!.

والمستأجر لا علاقة له بالرسوم والضرائب التي تفرضها الدولة على عين العقار، وإنما ذلك على مالكها، والمستأجر إنما يملك منفعة العقار لا عينه، ولذلك كان من الضوابط المهمة في تصحيح عقد الإجارة المنتهي بالتمليك أنه ” يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة، وأحكام البيع عند تملك العين “.

والملاحظ في هذا العقد أنهم يعاملون الفريق الثاني أحيانًا بصفته مستأجرًا وأحيانًا أخرى بصفته مالكًا، وهذا سبب قوي لمنع العقد لاشتماله على عقدين في عقد واحد، فهو بيع تستر بصفة الإجارة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذا يسمَّى عندهم بـ ” التأجير المنتهي بالتمليك “، وهو عقد محرم فيما نرى؛ وذلك لأنه عقد جمع بين عقدين، فهذا الذي بيده السيارة هل هو مالك أو مستأجر؟ لا، عندهم أنه مالك ومستأجر، إذا كان مالكًا وقدِّر أن السيارة تلفت بأمر قدري فضمانها على من؟ عليه هو؛ لأنه مالك، وإذا قدِّر أنه مستأجر وتلفت بأمر قدري فضمانها على المؤسسة، إذاً توارد الضمان وضد الضمان على عين واحدة، وهذا لا يستقيم.

” اللقاء الشهري ” ( 56 / 13 ).

وفي ” قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 1 – 174 ( ص 191 ):

ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحد على عين واحدة في زمن واحد. انتهى.

د. قولهم ” وإذا هلكت العين المؤجرة دون تعد أو تقصير من جانب الفريق الثاني فتكون تبعة الهلاك على الفريقين بحسب حصصهما! “.

وهذا باطل ولا شك، فالمستأجر لا يضمن عين العقار إذا هلك من غير تعد أو تفريط منه، وهنا يلزمونه بمقدار حصته! وقد انطبق على الحالة هنا ما ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله من اجتماع الضمان وعدم الضمان على عين واحدة، فضمان الهلاك من غير تعد ولا تفريط إنما يكون على المالك لا على المستأجر، فإن كان هو مالكًا فالبنك لا يضمن، وإن كان البنك هو الضامن فالمستأجر لا يضمن، فكيف جُعل ضامنًا وغير ضامن؟!.

هـ . عدم وجود عقد بيع جديد للعقار بعد انتهاء مدة الإجارة! بل جعلوا الملكية تنتقل للمستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة،  فقد قالوا: ” وحيث أن الفريق الأول قد وافق على شراء العين الموصوفة بناء على وعد الفريق  الثاني له باستئجارها منه إجارة منتهية بالتمليك لمدة ( … ) شهرًا ( شهرًا ميلاديا )، وبحيث تنتقل ملكيتها للفريق الثاني بعد انتهاء مدة الإجارة وفقًا لشروط العقد بعد سداد بدل الإجارة المتفق عليه لكل سنة إيجارية وصولًا إلى سداد كامل قيمة العين المؤجرة بالإضافة للعوائد المتفق عليها “.

قلنا:

وهذا مخالف لما جاء في قرار ” مجمع الفقه الإسلامي “، حيث جاء فيه:

من صور العقد الممنوع: 

عقد إجارة ينتهي بتملك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة المحددة دون إبرام عقد جديد بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعا تلقائيًّا. انتهى.

وكل ما سبق واضح في أن المعاملة عقد بيع للعقار، وقد جعلوا لها ستارًا وهو عقد الإجارة، وثمة مخالفات أخرى في العقد تركنا التعليق عليها، مع اعترافنا بأنه ثمة مخالفات في عقود أخرى عند غيره قد تلافاها البنك في صيغته الحالية.

 

والله أعلم.

حقيقة ” بيع السَّلَم ” وشروطه

حقيقة ” بيع السَّلَم ” وشروطه

السؤال:

أنا رجل أعمل في تجارة البلَح حيث أشتري ” جوال البلح ” بـ ( 120 جنيهًا )، وأقوم بتخزينه، جاءني أحد الشباب فقال لي: أقرضني ثمن جوال ( أي : 120 جنيهًا ) على أن أردَّها لك جوالاً من البلح بعد شهرين، علمًا بأن أسعار البلح متذبذبة، فهل هذه المعاملة شرعية أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما سأل عنه الأخ السائل إن كان سيتم بطريق ” القرض ” فتدفع المال للشخص الآخر على أن تسترد منه ” جوال بلح ” بعد شهرين: فهي معاملة محرَّمة؛ لأنه لا يجوز لمن اقترض منك مبلغًا ماليًّا أن يردَّ بدلاً منه طعامًا أو عقارًا أو ما شابه ذلك، بل ذمة المقترض مشغولة بذلك المبلغ الذي أقرضته إياه دون غيره، وجعْل ذمة المقترض مشغولة بـ ” جوال بلح ” يعني جهالة قيمة القرض، فلا يُدرى كم يكون ثمنه وقت القضاء، وقد يكون ثمنه وقت السداد زائداً عن مبلغكَ الذي أقرضتَه إياه فيصير قرضك جارّاً لك منفعة فيكون رباً، لذا فإن ذمة المقترض مشغولة بالمبلغ الذي أقرضته إياه لا غير.

 

ثانيًا:

ويمكن للمعاملة أن تكون حلالًا إن تمَّت بطريق ” السلّم ” – أو ” السَّلَف ” -، وأصل هذه المعاملة ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ( مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ). رواه البخاري ( 2125 ) ومسلم ( 1604 ).

وخلاصة المعاملة: أن تشتري من الشخص الآخر ” جوال بلَح ” معيَّن الوصف ومحدد الكيل ومعروف الوقت الذي سيوفيك إياه، فتعجِّل له ثمن الكمية ويؤخر دفعَها لك في وقتٍ معلوم.

 

 

 

 

* وحتى تتم المعاملة على وجهها الشرعي فينبغي تحقيق شروط هذا السلَم، وهذه الشروط هي:

الشرط الأول: أن يكون المسلَم فيه ديْناً موصوفًا في الذمة.

وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأنه لا يصح السلَم إذا جُعل المسلَم فيه شيء معيَّنٌ بذاته.

الشرط الثاني: أن يكون المسلَم فيه معلوم الجنس والنوع.

وهذا – أيضًا – لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأنه يُشترط لصحة بيع السلَم أن يكون المسلَم فيه معلومًا مبيَّنًا بما يرفع الجهالة عنه ويسد الأبواب إلى المنازعة بين المتعاقدين عند تسليمه.

ففي حالتكم يجب تحديد نوع البلح ولونه وحجمه بما لا يوقع النزاع بينكما عند دفعه لك.

الشرط الثالث: بيان قدْر المسلَم فيه كيلًا أو وزنًا أو عددًا.

لقوله عليه الصلاة والسلام (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ).

فيجب ضبط الكمية المتفق عليها من البلح في الذمَّة ديْناً بصورة لا تدع مجالاً للمنازعة عند الوفاء، فيجب ضبط كمية البلح إما بالوزن أو بالكيل المنضبط، ولا بأس أن يكون ضبطه بـ ” الجوال ” إذا عُلم أن هذا الجوال يسع كمية محدودة معروفة، وهذا هو الغالب المعروف من ” الجوالات ” التي يوضع فيها الأرز والسكر والطحين، فتكون معلومة الكيل في الأسواق.

الشرط الرابع: أن يكون المسلَم فيه مؤجلًا.

وهو ما اشترطه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وعندهم أنه لا يصح السلَم الحالّ، وحجتهم في اشتراط الأجل قوله صلى الله عليه وسلم ( إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ).

الشرط الخامس: أن يكون الأجل معلومًا.

وقد اتفق الفقهاء على أن معلومية الأجل الذي يوفى فيه المسلم فيه شرط لصحة السلم، لقوله صلى الله عليه وسلم ( إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ) ، فقد أوجب معلومية الأجل.

ويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلَّة نحو أول شهر رجب أو أوسط محرم أو يوم معلوم منه، أو بتحديده بالشهور الشمسية المعروفة عند المسلمين والمشهورة بينهم مثل أول شباط وآخر آذار أو يوم معلوم منه، أو بتحديد وقت محل المسلم فيه، كأن يقال: بعد ستة أشهر أو شهرين أو سنة ونحو ذلك.

 

 

 

الشرط السادس: أن يكون المسلَم فيه مقدور التسليم عند محله.

ومقتضى هذا الشرط: أن يكون المسلَم فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل، وهذا شرط متفق عليه لصحة السلم بين الفقهاء؛ وذلك لأن المسلَم فيه واجب التسليم عند الأجل، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورا عليه حينذاك، وإلا كان من الغرر الممنوع.

الشرط السابع: قبض الثمن كاملاً وقت السلَم قبل التفرق.

فيجب قبض رأس مال السلَم في مجلس العقد كاملاً، فإن تفرقتما قبل القبض: بطل العقد، وهو قول جمهور العلماء. انظر هذه الشروط وتفصيلها في ” المغني ” لابن قدامة (4/338 – 362 ) ، و” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 206 – 215 ).

 

ثالثًا:

وثمة معاملتان أخريتان جائزتان يمكنك عقد إحداهما مع ذاك الشاب الراغب بتلك الكمية من ” البلح “:

  1. لك أن تقرضه كمية البلَح تلك على أن يردَّ مثلها في وقت تتفقان عليه.
  2. لك أن تبيعه تلك الكمية من البلَح بسعر يومها – أو أكثر على اعتبار طول مدة السداد وهو ما يسمَّى ” بيع التقسيط “.

 

والله أعلم.

جعَل خالَه وكيلًا له في الزواج بحضور أخيه ووافقتْ المرأة ووليُّها فهل صحَّ النكاح؟

جعَل خالَه وكيلًا له في الزواج بحضور أخيه ووافقتْ المرأة ووليُّها فهل صحَّ النكاح؟

السؤال:

هل صيغة العقد التي سأذكرها إن شاء الله شرعية أم لا؟

صحبتُ والدي ووالدتي وأخي وخالي إلى بيت العروس، قال خالي إلى أبي العروس: هل تقبل أن تعطي ابنتك فلانة إلى ابننا فلان؟ قال الأب: قبلتُ أن أعطيه، وكررها أكثر من مرة، وسأل ابنته فقبلت، وقلت: أنا أيضًا قبلت، والشهود: أخي وخالي، مع العلم أن صيغة ” أعطيتك ” في عرفنا تعني ” زوجتك “، وهذا العرف، ولكن بالرغم من ذلك بقي عندي شك، فطلبت من خالي أن يعيد عليه مرة أخرى فقال والد العروس: ” أعطيناكم “، وكررها أكثر من مرة، لكن لم يذكر المهر؛ لأن المهر عندنا عند إتمام العقد المدني والبناء.

وأنا أعرف أن هذا الأمر ليس هيِّناً فأردت أن أسألكم ويطمئن قلبي، وهل هي زوجتي الآن أم لا؟ مع العلم أنها تبعد عني قرابة ( 250 كلم )، وأنا أردت إتمام العقد الشرعي كي أستطيع أن أتكلم معها وربي عليَّ راض، وهذا كل غرضي.

 

الجواب:

الحمد لله

– أولًا:

يتم العقد الشرعي بالإيجاب من ولي الزوجة – عند جمهور العلماء – ثم القبول من الزوج، أو من وكيله، فإذا تمَّ هذا بحضور شاهدي عدل، أو بوجود إشهار للعقد: كان ذلك العقد صحيحًا مستوفيًا لشروطه وأركانه.

وعقد زواجك تمَّ الإيجاب فيه من وكيلك وهو خالك، وتمَّ القبول من ولي الزوجة ! ثم قبلتْ الزوجة، ثم قبلتَ أنتَ! وعدم كون الإيجاب من الزوج أو من وكيله والقبول من ولي الزوجة منع منه الحنابلة، ولم يصححوا العقد لأجله! والصواب: ما ذهب إليه الشافعية والمالكية – والحنابلة في قول – من أنه ” يستوي عندهم أن يتقدم القبول على الإيجاب أو يتأخر عنه ما دام قد تحدد الموجب والقابل، فلو قال الزوج للولي: زوجني أو تزوجت بنتك كان قبولًا، ولو قال الولي بعد ذلك: زوجتك أو أنكحتك كان إيجابًا، وانعقد النكاح بذلك، إلا أن المالكية قالوا : يندب تقدم الإيجاب ” – كما في ” الموسوعة الفقهية ” ( 41 / 234 ) -.

والحنفية لا يخالفون ما ذهب إليه الشافعية والمالكية ” فالإيجاب عندهم هو ما يصدر أولًا، سواء أكان المتقدم هو كلام الزوج أم كان كلام الزوجة أو وليها، والقبول هو ما يصدر مؤخرًا سواء أكان صدوره من الزوج أم كان من الزوجة أو وليها ” – كما في ” الموسوعة الفقهية ” ( 41 / 234 ) -.

فالعبرة في ذلك إذًا: هو محصِّل العقد الشرعي: وهو رضا الزوجة وموافقة وليها، ووجود الإشهاد – أو الإشهار – وهو ما تمَّ في عقدك، فقد طلبتَ أنت عن طريق وكيلك، ووافقتْ الزوجة ووافق وليها، وكان أخوك وخالك من الشهود على العقد، وبه يكون العقد صحيحاً ولا داعي للشك فيه والريب منه.

– ثانيًا:

واعلم أن شروط صحة النكاح: رضا الزوجين، والولي، والإشهاد أو الإعلان.

  1. أما رضا الزوجين: فقد تمَّ بحسب ما ذكرتَ لنا في سؤالك.
  2. وأما موافقة وليها: فقد وافق على الزواج وكان ذلك برضاه بل بتزويجه.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليٍّ ). رواه الترمذي ( 1101 ) وأبو داود ( 2085 ) وابن ماجه ( 1881 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يعزرون من يفعل ذلك، اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة منهم يقيمون الحد في ذلك بالرجم، وغيره . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 21 ).

  1. وأما الشهود: فوجود أخيك وخالك كافٍ في ذلك، خلافًا لمن منع أن يكون أحد أصول الزوج أو فروعه شهودًا في النكاح.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

القول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون الشاهدان أو أحدهما من الأصول أو من الفروع، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ لأن شهادة الأصول والفروع ممنوعة حيث كانت شهادة للإنسان؛ خشية التهمة، أما حيث تكون شهادة عليه وله كما هو الحال في عقد النكاح: فلا تمنع.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 99 ، 100 ).

– على أننا نوصيك بالإعلان عن النكاح ليتم العقد بأعلى صور الصحة.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

فالأحوال أربعة:

الأول: أن يكون إشهاد وإعلان، وهذا لا شك في صحته، ولا أحد يقول بعدم الصحة.

الثانية: أن يكون إشهاد بلا إعلان، ففي صحته نظر؛ لأنه مخالف للأمر ( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ) – رواه أحمد وهو حديث حسَن -.

الثالثة: أن يكون إعلان بلا إشهاد، وهذا على القول الراجح جائز وصحيح .

الرابعة: ألا يكون إشهاد ولا إعلان، فهذا لا يصح النكاح؛ لأنه فات الإعلان، وفات الإشهاد  ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 96 ، 97 ).

 

– ثالثًا: والصحيح أن أي لفظ يدل على معنى ” التزوج ” يصح العقد به، وقد جاء في السنة ألفاظ كثيرة في التزويج كـ ” زوَّجتُكها ” و ” أنكحتكها ” و ” ملَّكتها ” وليس هذا للحصر، بل كل ما دلَّ عليه العرف أنه لفظ تزويج انعقد به النكاح.

* سئل علماء اللجنة الدائمة :

سمعتُ كثيرًا من صيغ العقد، منها كلمة ” أنكحتُك “، و ” ملَّكتك ” و ” زوَّجتك “، فما هو الصحيح؟.

فأجابوا:

كل ما يدل من الصيغ على عقد النكاح : يصح عقد الزواج به، كالصيغ المذكورة وما في معناها في أصح قولي العلماء، وأصرحها: ” زوَّجتك ” و ” أنكحتُك “، ثم ” ملَّكتُك “. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 82 ، 83 ).

– رابعًا: وعدم تسمية المهر لا يؤثر في صحة عقد النكاح، فقد دل الكتاب والسنَّة والإجماع على جواز عقد النكاح بدون تقدير مهر.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 151 ، 152 ):

المهر واجب في كلّ نكاح؛ لقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) النساء/ 24، فقد قيَّد الإحلال به، إِلّا أَنَّ ذِكرَ المهرِ في العقد ليس شرطًا لصحّة النّكاح، فيجوز إخلاء النّكاح عن تسميته باتّفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) البقرة/ 236، فحكم بصحّة الطّلاق مع عدم التّسمية، ولا يكون الطّلاق إلّا في النّكاح الصّحيح ….

وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يستحب تسمية المهر للنّكاح، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يُخلِ نكاحاً عنه، ولأنّه أدفعُ للخصومة. انتهى.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدِّر لها مهرًا: صح النكاح، ووجب لها المهر إذا دخل بها، وإن طلَّقها قبل الدخول: فليس لها مهر بل لها المتعة بنص القرآن . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 62 ، 63 ).

– وبه يتبين أنه لا غبار على عقد نكاحك، وتمتع بما أحلَّ الله لك، واحرص على أمرين:

الأول: أن يتم إعلان النكاح للناس.

الثاني: أن تتجنب الدخول في زوجتك قبل إعلان البناء؛ لما يترتب عليه من مفاسد.

 

والله أعلم.

تزوج اثنتين بغير توثيق نكاحه بطريق رسمي وتزوج الثالثة ووثق عقدها!

تزوج اثنتين بغير توثيق نكاحه بطريق رسمي وتزوج الثالثة ووثق عقدها!

السؤال:

لدي زوجتان تزوجتهما بالطريقة التقليدية المعروفة لدى الجميع، ثم بعد ذلك تزوجت زوجة ثالثة ولكن هذه المرة بالقانون العلماني، وهو القانون الرسمي للبلاد التي أنا فيها – أمريكا -، فيكف أقسِّم أملاكي بينهن لأن القانون لا يُقر لي إلا بالزوجة الثالثة، أي: التي تزوجتها وفقا لقانونهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لعلَّه من الأولى لو كان التعبير عن الزواج من الزوجتين الأوليين بلفظ ” بالطريقة الشرعية ” لا ” التقليدية “.

والذي يعيش من المسلمين في بلاد تحارب تعدد الزوجات وتمنع منه ويكون هو من المعددين: فإن عليه أمرين:

الأول أن يوثِّق أمر تزوجه بنسائه جميعاً بوثيقة شرعية يشهد عليها ثقات من المسلمين، وتكون متجددة باستمرار؛ خشية حصول طلاق أو زيادة في العدد.

الثاني: أن عليه إخبار الزوجة التي وُثِّق عقد زوجها في البلاد رسميًّا بأنه متزوج من غيرها، ويسمِّي لها الزوجات، ويذكر تاريخ زواجه، ويذكر عناوينهن.

وفي ذلك الذي ذكرناه:

  1. حفظ لنسب الأولاد، ورفع للتهمة عن الزوجات، وجمع لأفراد الأسَر للتقارب بينها.
  2. حفظ لحقوق تلك الزوجات اللاتي لم يستطع الزوج توثيق عقد نكاحه بهنَّ بسبب القوانين الظالمة الجائرة والتي تحرس ” تعدد العشيقات ” وتمنع ” تعدد الزوجات “.

ونعني بحفظ الحقوق: حفظ حقوقهن في المهر والنفقة، وكذا حفظ حقوقهن في الميراث فيما لو حصلت وفاة للزوج، فإنه من المحكوم به في شرع الله تعالى أن زوجاته جميعًا يشتركن في ربع تركته إن لم يكن له ولد – ذكرًا كان أو أنثى – من أيِّ زوجة، ويشتركن في الثمن في حال كان له ولد – ذكرًا كان أو أنثى – من أيِّ زوجة.

وتوثيق العقود بالطرق الرسمية لا شك أن له منافع عديدة، وعدمه فيه مفاسد كثيرة، ويكفي أن يكون من منافعه رفع التهمة عن الزوجة وإثبات نسب أولاده، وقد كانت الحقوق المالية هي السبب في ابتداء أمر توثيق عقود الزواج.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم يكن الصحابة يكتبون صداقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخَّر بل يعجلون المهر وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول ويُنسى: صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 131 ).

وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله قصة رائعة قريبة مما نحن بصدده، وفيها عبرٌ وعظات.

* قال – رحمه الله -:

بلغني أنه كان ببغداد رجل ” بزاز ” – البز: نوع من الثياب – له ثروة، فبينا هو في حانوته أقبلت إليه صبية فالتمست منه شيئًا تشتريه، فبينا هي تحادثه كشفت وجهها في خلال ذلك، فتحير، وقال: قد والله تحيرت مما رأيت، فقالت ما جئت لأشتري شيئًا إنما لي أيام أتردد إلى السوق ليقع بقلبي رجل أتزوجه وقد وقعتَ أنتَ بقلبي ولي مال فهل لك في التزوج بي؟ فقال لها: لي ابنة عم وهي زوجتي وقد عاهدتُها ألا أغيِّرها ولي منها ولد، فقالت: قد رضيتُ أن تجيء إليَّ في الأسبوع نوبتين، فرضي، وقام معها، فعقد العقد، ومضى إلى منزلها، فدخل بها ثم ذهب إلى منزله فقال لزوجته: إن بعض أصدقائي قد سألني أن أكون الليلة عنده، ومضى فبات عندها، وكان يمضي كل يوم بعد الظهر إليها.

فبقي على هذا ثمانية أشهر فأنكرت ابنة عمه أحواله، فقالت لجارية لها: إذا خرج فانظري أين يمضي، فتبعته الجارية، فجاء إلى الدكان، فلما جاءت الظهر قام، وتبعته الجارية وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت تلك المرأة، فجاءت الجارية إلى الجيران فسألتهم لمن هذه الدار؟ فقالوا: لصبية قد تزوجت برجل تاجر ” بزاز “، فعادت إلى سيدتها فأخبرتها، فقالت لها: إياكِ أن يعلم بهذا أحد، ولم تُظهر لزوجها شيئًا.

فأقام الرجل تمام السنَة، ثم مرض ومات، وخلَّف ثمانية آلاف دينار، فعمدتْ المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقه الولد من التركة – وهو سبعة آلاف دينار – فأفردتها، وقسَّمت الألف الباقية نصفين! وتركت النصف في كيس وقالت للجارية: خذي هذا الكيس واذهبي إلى بيت المرأة وأعلميها أن الرجل مات وقد خلف ثمانمائة آلاف دينار وقد أخذ الابن سبعة آلاف بحقه وبقيت ألف فقسمتها بيني وبينك وهذا حقك وسلميه إليها!.

فمضت الجارية فطرقت عليها الباب ودخلت وأخبرتها خبر الرجل وحدثتها بموته وأعلمتها الحال، فبكت، وفتحت صندوقها وأخرجت منه رقعة وقالت للجارية: عودي إلى سيدتك وسلِّمي عليها عنِّي وأعلميها أن الرجل طلَّقني! وكتب لي براءة، وردِّي عليها هذا المال فإني ما أستحق في تَرِكته شيئاً، فرجعت الجارية فأخبرتها بهذا الحديث. ” صفة الصفوة ” ( 2 / 532 ، 533 ).

فنوصي النساء والأولياء بشدة عدم قبول الزوج مهما كان دينه واستقامته إذا لم يكن باستطاعته  توثيق عقد نكاحه بالطرق الرسمية بعد حصوله شرعًا؛ لما يترتب على عدم توثيقه من مفاسد سيتجرع مرارتها المرأة وأهلها قبل غيرهم.

 

والله أعلم.

 

 

 

تريد الطلب من زوجها أن يُسافر بها وأولادها دون والديْه فهل في ذلك حرج؟

تريد الطلب من زوجها أن يُسافر بها وأولادها دون والديْه فهل في ذلك حرج؟

السؤال:

هل من حقي أن أطلب من زوجي أن يكون سفرنا هذا العام أنا وزوجي وأولادي دون صحبة والديه بسبب ظروفي النفسية؟ مع العلم أن أغلب سفري مع والديه، وهما يسكنان في بيت مستقل، وأولادهما موجودون عندهما باستمرار.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

في السفر إلى البلاد السياحية مفاسد كثيرة ووقوع في محظورات متعددة، وبخاصة إذا كان السفر بالزوجة والأولاد.

فالذي نوصي به من أراد السفر للترويح عن النفس أن يكون سفره داخل بلده في أمكنة لا يعرِّض فيها نفسه وأهله للفتنة ولا يقع بسببها في المعصية، ولا حاجة لسفر الانتقال من بلد لآخر إلا أن يكون البلد الآخر بلدًا محافظًا ليس فيه ما يغضب الله من المعاصي الظاهرة.

ثانيًا:

وبما أن الأخت السائلة من ” المملكة العربية السعودية ” فإنه يتوفر في بلادكم من الأماكن السياحية المحافظة الشيء الكثير، فيمكن الذهاب إليها من غير حرج، ولو كان الذهاب إلى مكة والمدينة لكان الاختيار حسنًا صوابًا؛ فتجمعون بين تغيير الأجواء البيتية وتروحون عن أنفسكم وتحصلون من الأجور والثواب الشيء الكثير العظيم.

فإذا كان الأمر كذلك واخترتم المكان الشرعي للذهاب إليه ترويحًا عن النفس: فلا حرج عليكِ أن تطلبي من زوجك أن يكون سفركما من غير صحبة أهله؛ إذ ليس واجبًا على الابن السفر بوالديه كلما أراد سفرُا مع زوجته وأولاده، وليس ذهابهما من دونهما من العقوق في شيء، والأمر قائم على ما يراه الزوج العاقل من ظروف ملائمة ليصحبهما معه، كأن يُتركا وحيديْن، أو يكونا متعلقيْن بأولاده غاية التعلق، فهنا لا نرى على الابن أن يتسبب في إيذائهما بابتعاده عنهما أو إبعاد أولاده عنهما.

أمَا والأمر كما قالت الأخت السائلة أنها تحتاج لنفسيتها أن تكون في سفرها من غير صحبة والديه، وأن والديه يعيشان في بيت مستقل، وأن لهما من الأولاد غيره من يقوم على رعايتهما والنظر فيما يحتاجونه : فنرى أن سفر الزوج بزوجته وأولاده من غير صحبة والديْه أفضل؛ لما في ذلك من تقوية العلاقة بين الزوجين، ولما فيه من تقوية الرابط الأسري بين الأبوين وأولادهم، وهذه مقاصد عظيمة في الحياة الزوجية يُسعى إليها ويُبذل من أجلها الغالي والنفيس.

وقد ثبت في السنَّة النبوية المطهرة إقراع النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه في السفر فأيتهما خرجت قرعتها سافر بها، ولا نحفظ في السنَّة أنه صلى الله عليه وسلم كان يسافر بأهاليهن معهن، بل الظاهر أنه لم يكن يفعل ذلك.

 

والله أعلم.