الرئيسية بلوق الصفحة 178

رأت الطهر ثم نزل عليها إفرازات, فماذا تفعل؟

السؤال:

هذا ما حدث في ثالث يوم من رمضان, فما الحكم؟ هل أقضي أم لا؟.

إن دورتي الشهرية ستة أيام, وفي اليوم السادس انقطع الدم طوال اليوم, وحاولت وضع منديل في المهبل لأتأكد، وكانت تخرج القصة البيضاء قليلًا، فاغتسلت وجامعني زوجي في تلك الليلة، وكان لدي جفاف شديد وأحس ببعض الجروح، ثم اغتسلت وصمت, وفي الظهر وجدت بعض الإفرازات أو بقية المني فيه شيء يسير جدًّا من الإصفرار أو الإحمرار، فلا أدري ما الحكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس عليكِ شيء لا فيما يتعلق بصيامكِ ولا بجماع زوجكِ لكِ؛ لأن المرأة تُعرف انتهاء حيضتها بخروج سائل أبيض معروف لديهن وهو القصَّة البيضاء.

فإذا كانت المرأة تَعرف انقضاء حيضها بسائل الطهر: فإنه يجب عليها أن لا تعجل حتى تراه، ولا يكفي انقطاع الدم ووجود الصفرة أو الكدرة.

فقد ” كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الكُرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلنَ حتى ترينَ القَصَّة البيضاء “.

رواه البخاري معلقًا – كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره – ومالك ( 130 ).

– ومعنى الدُّرجة: الوعاء التي تضع المرأة طيبها ومتاعها.

– الكُرسف: القطن.

ومن كانت – من النساء – لا تعرف هذا السائل أو أنه لا ينزل عليها: فإنه يُكتفى في حالتها انقطاع الدم انقطاعاً تامًّا، أو يكون السائل الأصفر هو علامة الانقطاع، فليس السائل الأبيض علامة مشتركة بين جميع النساء، وإن كان هو كذلك لأغلبهن.

سئل الشيخ ابن عثيمين  رحمه الله -:

امرأة إذا طهرت لا تنزل منها القصَّة البيضاء, بل يستمر نزول السائل الأصفر فما الحكم؟.

فأجاب:

إذا لم تر المرأة السائل الأبيض الذي يكون علامة على الطهر: فالماء الأصفر يقوم مقامه؛ لأن الماء الأبيض علاَمة، والعلامة لا تتعين في شيءٍ بذاته؛ لأن المدلول لا ينحصر في دليلٍ واحدٍ، فقد يكون له عدة أدلة، فعلامة الطهر في غالب النساء: القصة البيضاء، لكن قد تكون العلامة سوى ذلك، وقد لا يكون عند المرأة صفرة ولا بياض وإنما هو جفاف حتى الحيضة الأخرى، ولكل امرأة حكم ما يقتضيه حالها.

” فتاوى الحرم ” ( 3 / 247 ) .

ونزول بقايا المني لا يوجب الغسل مرة ثانية, بل يكفي فيه الوضوء.

 

والله أعلم.

هل يجب على هؤلاء الصوم؟ وهل يلزمهم القضاء؟

السؤال:

هناك صبي كان يصوم رمضان قبل أن يبلغ، وفي أثناء صومه في نهار رمضان بلغ, فهل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ وكذلك الكافر إذا أسلم؟ وكذلك الحائض إذا طهرت؟ وكذلك المجنون إذا أفاق؟ وكذلك المسافر إذا عاد وكان مفطرًا؟ وكذلك المريض إذا تعافى وكان قد أفطر؟ فماذا على هؤلاء من حيث الإمساك في ذلك اليوم والقضاء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس من ذُكر في السؤال على حكم واحد، ولذا فإن أحكامهم مختلفة من حيث الإمساك والقضاء، فبلوغ الصبي؛ وإسلام الكافر؛ وإفاقة المجنون لها حكم واحد، يلزمهم الإمساك ولا يجب عليهم القضاء.

وأما الحائض تطهر؛ والمسافر يقيم؛ والمريض يبرأ, فليس عليهم الإمساك ولا يستفيدون بإمساكهم شيئًا، ويجب عليهم القضاء.

والفرق بين المجموعة الأولى والثانية: أن المجموعة الأولى تجدد لهم سبب الوجوب فلزمهم الصيام، وكانوا معذورين قبل ذلك فلم يلزمهم القضاء.

وأما المجموعة الثانية فإنهم مخاطبون بالصيام؛ لذا كان واجباً في حقهم، لكن وُجد عندهم المانع وهو الحيض والسفر والمرض فعذروا في الإفطار، فإذا زالت موانعهم أثناء النهار لم يستفيدوا شيئًا من إمساكهم، ولزمهم القضاء بعد رمضان.

وفيما ذكرناه من المسائل خلاف بين العلماء – رحمهم الله –, لكننا نرى أن هذا هو الراجح من أقوالهم، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، وسنذكر فيما يأتي فتاواه في هذه المسائل.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى :

إذا قدم المسافر لبلد غير بلده فهل ينقطع سفره؟.

فأجاب بقوله:

إذا قدم المسافر لبلد غير بلده لم ينقطع سفره، فيجوز له الفطر في رمضان وإن بقي جميع الشهر، أما إذا قدم إلى بلده وهو مفطر: فإنه لا يجب عليه الإمساك، فله أن يأكل ويشرب بقية يومه؛ لأن إمساكه لا يفيده شيئًا لوجوب قضاء هذا اليوم عليه، هذا هو القول الصحيح، وهو مذهب مالك والشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله -, لكن لا ينبغي له أن يأكل ويشرب علنًا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 58 ).

 

وسئل الشيخ رحمه الله تعالى :

إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار هل يجب عليها الإمساك؟.

فأجاب بقوله:

إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار لم يجب عليها الإمساك، ولها أن تأكل وتشرب؛ لأن إمساكها لا يفيدها شيئاً لوجوب قضاء هذا اليوم عليها، وهذا مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “، يعني: من جاز له الفطر أول النهار جاز له الفطر في آخره.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 59 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

من أفطر في نهار رمضان لعذر شرعي, فهل يجوز له أن يأكل ويشرب بقية اليوم؟.

فأجاب بقوله:

يجوز له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر بعذر شرعي، وإذا أفطر بعذر شرعي فقد زالت حرمة اليوم في حقه، وصار له أن يأكل ويشرب، بخلاف الرجل الذي أفطر في نهار رمضان بدون عذر، فإنا نلزمه بالإمساك، وإن كان يلزمه القضاء، فيجب التنبه للفرق بين هاتين المسألتين.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 60 ).

وتعقيبًا على بعض أجوبة الشيخ – رحمه الله – السابقة:

سئل رحمه الله تعالى :

أشرتم إلى الخلاف في إمساك الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء النهار فهل من يستدل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوجب صوم عاشوراء أمر من كان أكل بعد أن أصبح بالإمساك استدلاله صحيح؟.

فأجاب بقوله:

ذكرنا أثناء بحثنا في الصيام أن المرأة إذا كانت حائضاً وطهرت في أثناء النهار: فإن العلماء اختلفوا هل يجب عليها أن تمسك بقية اليوم فلا تأكل ولا تشرب، أو يجوز لها أن تأكل وتشرب بقية اليوم، وقلنا: إن في ذلك روايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله -:

إحداهما: – وهي المشهور من المذهب – أنه يجب عليها الإمساك، فلا تأكل ولا تشرب.

والثانية: أنه لا يجب عليها الإمساك، فيجوز لها أن تأكل وتشرب، وقلنا: إن هذه الثانية هي مذهب مالك والشافعي – رحمهما الله -، وإن ذلك هو المروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – فإنه قال: ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “، وقلنا: إن الواجب على طالب العلم في مسائل الخلاف الواجب عليه أن ينظر في الأدلة، وأن يأخذ بما ترجح عنده منها، وأن لا يبالي بخلاف أحد ما دام أن الدليل معه؛ لأننا نحن مأمورون باتباع الرسل؛ لقوله تعالى: ( وَيَوْمَ يُنَـادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ) .

وأما الاحتجاج بما صح به الحديث حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء في أثناء اليوم، فأمسك الناس بقية يومهم، نقول: لا مستند لهم في هذا الحديث؛ لأن صوم يوم عاشوراء ليس فيه زوال مانع، وإنما فيه تجدد وجوب، وفرق بين زوال المانع وتجدد الوجوب؛ لأن تجدد الوجوب معناه أن الحكم لم يثبت قبل [ وجود ] سببه، وأما زوال المانع فمعناه أن الحكم ثابت مع المانع لولا هذا المانع ومادام هذا المانع موجوداً مع وجود أسباب الحكم، فمعناه أن هذا المانع لا يمكن أن يصح معه الفعل لوجوده، ونظير هذه المسألة التي أوردها السائل نظيرها: ما لو أسلم إنسان في أثناء اليوم، فإن هذا الذي أسلم تجدد له الوجوب، ونظيرها أيضاً: ما لو بلغ الصبي في أثناء اليوم وهو مفطر، فإن هذا تجدد له الوجوب فنقول لمن أسلم في أثناء النهار: يجب عليك الإمساك، ولكن لا يجب عليك القضاء، ونقول للصبي إذا بلغ في أثناء النهار: يجب عليك الإمساك، ولا يجب عليك القضاء، بخلاف الحائض إذا طهرت، فإنه بإجماع أهل العلم يجب عليها القضاء، الحائض إذا طهرت أثناء النهار أجمع العلماء على أنها إن أمسكت بقية اليوم لا ينفعها هذا الإمساك ولا يكون صوماً، وأن عليها القضاء، وبهذا عرف الفرق بين تجدد الوجوب وبين زوال المانع، فمسألة الحائض إذا طهرت من باب زوال المانع، ومسألة الصبي إذا بلغ أو ما ذكره السائل من إيجاب صوم يوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، هذا من باب تجدد الوجوب، والله الموفق.  ” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 60 ).

 

والله أعلم.

ما حكم تخصيص أدعية معينة لكل يوم في رمضان؟

السؤال:

ما حكم تخصيص أدعية معينة لكل يوم في رمضان, مثال: اليوم الأول دعاء، اليوم الثاني: دعاء آخر، وتكون أدعية قصيرة من سطرين إلى ثلاث أسطر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يشك أحد من المسلمين ما للدعاء من فضائل، وقد أمر الله تعالى به في مواضع من كتابه، فقال عز وجل: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [ غافر / الآية 60 ].

قال القرطبي – رحمه الله -:

فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة ووعد بأن يستجيب لهم.

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 309 ).

والدعاء في رمضان له أهمية خاصة، وقد ذكر الله تعالى الدعاء وإجابته له في خلال ذِكره لآيات الصيام، فقال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [ البقرة / الآية 186 ].

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 220 ).

والدعاء حتى يكون مستجاباً لا بدَّ أن يكون شرعيًّا، ولا يكون شرعيًّا إذا ابتدع فيه صاحبه كيفية أو كمية أو زماناً أو مكاناً أو صفة أو سبباً مما لم يرد في الشرع.

وما يفعله بعض الناس من تخصيص أدعية وأذكار معينة لكل شوط طواف في الكعبة من المحدثات المذمومة، ومنه ما جاء في السؤال وهو تخصيص أدعية معينة لكل يومٍ من أيام من رمضان.

عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد “.

رواه البخاري ( 2550 ) ومسلم ( 1718 ).

قال النووي –  رحمه الله -:

وفي الرواية الثانية: ” من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد “، قال أهل العربية: ” الرد ” هنا بمعنى المردود, ومعناه: فهو باطل غير معتد به.

وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام, وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات.

وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها, فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئًا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات, سواء أحدثها الفاعل, أو سبق بإحداثها … .

وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات, وإشاعة الاستدلال به. ” شرح مسلم ” ( 12 / 16 ).

وعليه: فلا يجوز لأحدٍ أن يلتزم دعاء ليس له أصل، ولا يجوز له أن يأتي إلى دعاء مشروع فيجعل له وقتا معينا أو عددا محدودا، ومنه ما جاء في السؤال من أدعية مخصوصة لكل يوم من رمضان.

 

والله أعلم.

هل التواصي على الصيام والاجتماع على الإفطار بدعة؟

السؤال:

رأيت أنا وبعض الأخوة أن نتعاون في صيام الست أيام من شوال فقررنا أن نصوم كل اثنين وخميس على أن نفطر كل مرة في بيت أحدنا بالتناوب، فلما سمع هذا الأمر بعض الأخوة من التيار السلفي أنكر هذا الأمر واعتبره بدعة وأنه لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة فعل هذا الأمر – ( صيام الست أيام من شوال والإفطار جماعة ) – وطالبنا بالدليل على جواز هذا الأمر.

أرجو أن توضح لنا الصحيح في هذه المسألة، ولكم منا جزيل الشكر ومن الله الأجر والثواب.

 

الجواب:

الحمد لله

صيام الست من شوال مستحب، وتذكير الناس به والتشجيع على فعله هو من باب النصيحة الشرعية والتعاون على البر والتقوى.

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر “.

رواه مسلم ( 1164 ).

– وتفطير الصائم مستحب وله مثل أجر من صام لا ينقص من أجورهم شيء.

عن زيد بن خالد الجهني قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء “. رواه الترمذي ( 807 ) وابن ماجه ( 1746 ). وصححه ابن حبان ( 8 / 216 ) والألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6415 ).

ومن قال إن فعلكم بدعة لم يُصب، والبدعة في مثل هذا الأمر هو المداومة على الاجتماع على فعل مشروع مما لم يرد فيه نص في الاجتماع، واتخاذ ذلك عادة وديدنًا، وما جاء في سؤالكم إنما هو عن صيام ست من شوال والإفطار فيها، فهو محدود وليس بمستمر دائم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

وأما الصلاة فيها ـ أي ليلة النصف من شعبان ـ جماعة فهذا مبني على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات والعبادات، فإنه نوعان: أحدهما: سنة راتبة إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين….

والثاني: ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل… فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة… لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع.

” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 133 – 134 ) باختصار.

على أننا لا نرى أن هذا من الاجتماع على العبادة، إذ العبادة هي الصيام ولا يُتصور الاجتماع عليها – مثل قيام الليل – مثلًا -.

ولعلماء اللجنة الدائمة جواب مختصر سديد على مثل مسألتكم، بل وما أضفناه واستدركناه، وهذا نص السؤال والجواب:

السؤال:

هناك جماعة من الجماعات العاملين في حقل الدعوة في معظم الجامعات الجزائرية يقومون بالإعلان كل يوم أحد على أنه سيكون إفطار جماعي، وهم يصومون الإثنين ثم يجتمعون في قاعة من القاعات ويفطرون معًا، فلما استفسرنا عن هذا العمل قيل لنا: إنه لصالح الدعوة، ونحن نريد أن نجمع صفوف المسلمين.

والسؤال هو حكم الشرع حول ذلك؛ هل هو من محدثات الأمور أم لا؟.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكر في السؤال فلا حرج في الاجتماع المذكور والإعلان عنه.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 10 / 382 ).

 

والله أعلم.

هل سيحصل كسوف وخسوف في رمضان قبل خروج المهدي؟

السؤال:

قرأت حديثًا عن علامات قدوم المهدي بأنه سيقع كسوف للشمس وخسوف للقمر في رمضان، وقد حصل هذا في هذه السنة ولم يحصل هذا من قبل.

( ويمكن التأكد من هذا عن طريق أي موقع فضائي معتمد )، فما هي صحة هذا الحديث؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الحديث موضوع كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أحاديث الرافضة، وهم أكذب الطوائف، وأجهلهم، وكذا هو كذب على آل البيت، فقد رواه الرافضة عن بعض أهل البيت، ولم يصح عنهم بإسنادٍ صحيح.

ومما جاء في كتبهم عن هذا الزعم:

عن ثعلبة الأزدي قال: قال أبو جعفر عليه السلام !: ” آيتان تكونان قبل قيام القائم: كسوف الشمس في النصف من رمضان، وخسوف القمر في آخره “، قال: فقلت: يا ابن رسول الله تكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف، فقال أبو جعفر عليه السلام!: ” أنا أعلم بما قلت: إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم”.

عن وردان أخي الكميت عن أبي جعفر الباقر عليه السلام! أنه قال: ” إن بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس تبقى، والشمس لخمس عشر، وذلك في شهر رمضان، وعنده يسقط حساب المنجمين “.

وعن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ” علامة خروج المهدي كسوف الشمس في شهر رمضان في ثلاث عشرة أو أربع عشرة منه.

أما ما ورد في كتب أهل السنة عن هذا الأمر: فقد روي عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: ” إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السماوات والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض “. رواه الدارقطني في ” السنن ” ( 2 / 65 ). وفي إسناده: عمرو بن شمَّر يروي الموضوعات، ويشتم الصحابة.

انظر ” الضعفاء والمتروكين ” ( 2 / 228 ).

وخسوف القمر يكون- عادة- بتوسط الأرض بين الشمس والقمر، وزمانه: وسط الشهر، وكسوف الشمس يكون- عادة- بتوسط القمر بين الأرض والشمس، وموعده: أواخر الشهر، وهو عكس ما جاء في تلك الآثار عن المعصومين عندهم!.

 

والله أعلم.

والداي لا يسمحان لي برفع إزاري، فهل أطيعهما أم لا؟.

السؤال:

والداي لا يسمحان لي برفع إزاري، فهل أطيعهما أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أمرنا الله تعالى ببر الوالدين في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، ومنها: قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ العنكبوت / 8 ].

وأعلى الحقوق وأعظمها هو حق الله تبارك وتعالى ثم من بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا } [ الإسراء / 23 ].

فطاعة الوالدين واجبة إلا إذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهما، وإسبال الإزار من كبائر الذنوب، فلا طاعة لهما إذا أمرا به، لكن يمكنك رفع إزارك إلى الحد الأدنى بحيث لا يلامس الكعبين، فلا تكون عصيت ربك بهذا الفعل، ولا تكون مخالفًا لرغبة والديك، فليس معنى تقصير الإزار أن يكون إلى نصف الساق بل المهم أن لا يلامس الإزار الكعبين.

سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ:

ما حكم الإسبال؟ وهل يجوز أن أطيع والدي إذا أرادوا مني إسبال ثيابي؟ جزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

الإسبال محرم، بل هو من كبائر الذنوب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “، وذكر الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وذكر منهم المسبل، فالمسبل عاص لله ومتعد لحدوده، فواجب عليه أن يتوب إلى الله، فإنه عوقب بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، وعوقب بتوعده بالنار، مما يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب مع أن الإسبال لا خير فيه، ففيه إفساد للملبس وربما سبب تعثر للمسبل في مشيه كما قال عمر رضي الله عنه للشاب الذي رآه مسبلًا- وقد عاد عمر في مرض موته-: ” يا غلام ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأطوع لربك “.

وأما طاعة الوالدين: فإن الوالدين لا يطاعان في معصية الله، فلو أمراك بالإسبال فاعصهما لأن الإسبال من كبائر الذنوب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ” فتاوى مجلة الدعوة ” العدد: ( 1741 ).

 

والله أعلم.

هل صح قراءة سورتي السجدة والملك بين المغرب والعشاء؟ وهل صح شيء في فضل قراءة ثلاث آيات من سورة الأنعام؟

السؤال:

هل ورد شيء بخصوص قراءة سورة السجدة والملك بين المغرب والعشاء، وكذلك قراءة ثلاثة آيات من سورة الأنعام بعد صلاة الفجر مباشرة؟

 

الجواب:

الحمد لله

الحديثان لا يصحان عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله، لكن صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه كان يقرأ سورتي السجدة والملك قبل أن ينام.

عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ { الم تنزيل } و { تبارك الذي بيده الملك }. رواه الترمذي ( 2892 ) و ( 3404 ). وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 585 ).

وأما الحديث الثاني: فقد روي من حديث ابن مسعود وابن عباس، وكلاهما لم يصحَّا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما حديث ابن مسعود فقد روي عنه أنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ” مَن صلَّى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من سورة الأنعام وكَّل الله به سبعين ملَكًا يسبحون الله ويستغفرون له إلى يوم القيامة “.

رواه الديلمي – كما في ” الدر المنثور للسيوطي ” ( 3 / 246 ) – وهو مظنة للأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولا يوجد الحديث في كتب السنة المشهورة.

وأما حديث ابن عباس: فقد قال المناوي:

وأخرج السِّلَفي بسند واه عن ابن عباس مرفوعًا: ” من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى { ويعلم ما تكسبون } نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم، ونزل إليه ملك من فوق سبع سموات ومعه مرزبة من حديد فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئًا من الشرِّ ضربه ضربة حتى يكون بينه وبينه سبعون حجابًا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: أنا ربك وأنت عبدي امش في ظلي واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب “.

” فيض القدير ” ( 2 / 97 ).

وقد ذكر الألوسي حديث ابن مسعود ونسبه للديلمي، وحديث ابن عباس ونسبه لحبيب بن محمد العابد عند أبي الشيخ، وقال:

وغالبها في هذا المطلب ضعيف، وبعضها موضوع، كما لا يخفى على  من نقَّر عنها. ” تفسير الأولوسي ” ( 4 / 76 ).

والفضائل لا تثبت إلا بأحاديث يحتج بها، ومِن فضْل الله تعالى أن جعل أجرًا على قراءة القرآن كله، ولا يجوز لأحدٍ أن يختص سورة أو آيات من سورة بالمداومة على قراءتها، كما لا يجوز إثبات فضيلة لسورة أو آيات إلا بنصٍّ صحيح.

 

والله أعلم.

متى يثبت التحريم من الرضاعة؟

السؤال:

ابن خالتي يكبرني بثلاث سنوات, رضعتُ من أمه مع أخته الصغيرة التي هي مثلي في العمر، ولم أرضع من أمه معه في نفس الوقت, فهل بذلك يكون هو أيضًا أخي في الرضاعة مع الفرق الزمني في الرضاعة من أمه؟.

أرجو الإجابة حتى أعلم إن كان يجب أن أجلس أمامه بالحجاب أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يشترط في أخ الرضاعة أن يكون متقارب السن مع إخوانه وأخواته في الرضاعة، فقد تكون بينهم سنوات كثيرة.

ولم نعلم من السؤال عدد الرضعات التي رضعتيها من خالتك، فإن كانت خمس رضعات فما فوق: فأنت ابنة لها في الرضاعة، وأبناؤها وبناتها إخوة وأخوات لكِ في الرضاعة.

وإن كانت الرضعات دون الخمس: فهي غير مؤثرة في التحريم، ويظل أبناؤها أجانب عنك، يجب عليكِ أن تحتجبي عنهم، وأن تعاميلهم معاملة الأجانب.

 

والله أعلم.

هل تُقبل شهادة مربي الحمَام ومعلمي الصبيان؟

السؤال:

لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام ( الحمام الزاجل وغيره )؟ كنت قد سمعت هذا مرة وأود التأكد من ذلك.

السؤال الثاني:

هل صحيح أنه لا يؤخذ بشهادة المعلمين ( المدرسين ) شرعًا ولماذا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تربية الحمَام من أجل الزينة، أو من أجل فراخها لأكلها، أو لاستعمالها في إرسال الرسائل – كما كانت تستعمل قديمًا -: لا حرج فيها، ولا إثم على فاعلها، بل هو من الأفعال المباحة.

وأما تطييرها والعبث بها وإيذاؤها بمنعها من الراحة والسكون: فهو من الأفعال المحرمة، لما فيه من الإيذاء، ولما يتسبب به ” المطيِّر ” من سرقة حمام الآخرين، ولما يطلع بفعله على عورات المسلمين، ومثل هذا هو من قال أكثر العلماء فيه أنه ترد شهادته ولا تُقبل.

قال الكاساني:

والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته, وإن كان يطيرها تسقط عدالته; لأنه يطلع على عورات النساء, ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات.

” بدائع الصنائع ” ( 6 / 269 ).

وقال ابن قدامة:

اللاعب بالحمام يطيرها, لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام ولا حمَّام; وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة, ويتضمن أذى الجيران بطيره, وإشرافه على دورهم, ورميه إياها بالحجارة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يتبع حمامًا, فقال: ” شيطان يتبع شيطانة ” – رواه أبو داود ( 4940 ) وهو في ” صحيح الجامع ”  ( 3724 ) -.

وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها, أو لحمل الكتب, أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس, لم ترد شهادته. ” المغني ” ( 10 / 172 ، 173 ).

قال ابن القيم:

وعليه أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس, فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم , والتطلع على عوراتهم.

 

قال الشوكاني:

قوله: ( فقال: ” شيطان . . . إلخ ) فيه دليل على كراهة اللعب بالحمام وأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه, وقد قال بكراهته جمع من العلماء, ولا يبعد على فرض انتهاض الحديث تحريمه; لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك, وتسمية الحمامة شيطانة إما لأنها سبب اتباع الرجل لها أو أنها تفعل فعل الشيطان حيث يتولع الإنسان بمتابعتها واللعب بها لحسن صورتها وجودة نغمتها.” نيل الأوطار ” ( 8 / 106 ).

 

ثانيًا:

وأما عدم قبول شهادة المعلم: فلا نظن أن له أصلًا، وما يروى عن بعضهم هو عدم قبول شهادة معلم الصبيان، وهو أيضًا مردود، فالتعليم أمر يشرِّف صاحبه ويرفع قدره، ومعلم الناس الخير يصلي عليه الرب تعالى والملائكة بل والنملة في جحرها والحوت في البحر، وهو نص حديث أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4213 ).

سئل ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:

رأيت منقولًا عن ” الخلاصة ” ما لفظه: ” ولا تقبل شهادة معلم الصبيان، فإن عقْل ثمانين معلمًا لا يساوي عقل امرأة واحدة في الأيام مع الصبيان وفي الليالي مع النسوان ” .ا.هـ . فهل هذا النقل صحيح ثابت فيها أو لا؟ وكيف الحكم في هذه المسألة؟.

فأجاب بقوله:

قد فتشت على هذا المذكور عن ” خلاصة ” الغزالي فلم أره فيها، ولا أظنه في شيء من كتب أصحابنا؛ لأنه إلى السفساف أقرب، وكم من معلم صبيان رأيناه يُستسقى به الغيث لبلوغه في النزاهة والعفة والعدالة والصلاح الغاية القصوى، فإن صحت تلك المقالة بإطلاقها عن عالم تعين تأويلها على معلم ظهرت عليه أمارات الجهل أو الفسق أو الجنون كما هو كثير الآن فيمن يتعاطى هذه الحرفة التي هي أشرف الحرف بنصه صلى الله عليه وسلم, والله سبحانه وتعالى أعلم.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 358 ).

 

والله أعلم.

بعض أحكام الجمع بين الصلاتين

بعض الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين :

الحمد لله
أولاً :
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في السفر .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما ، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب .
رواه البخاري ( 1060 ) ومسلم ( 704 ) .

ثانياً :
وثبت جواز الجمع في المطر .
وسيأتي ذِكر ذلك من حديث عبد الله بن عباس .
وقد ثبت عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – الجمع ومنهم ابن عمر .
عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم .
رواه مالك في ” الموطأ ” ( 333 ) .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
لا حرج في الجمع بين المغرب والعشاء ولا بين الظهر والعصر في أصح قولي العلماء للمطر الذي يشق معه الخروج إلى المساجد ، وهكذا الدحض والسيول الجارية في الأسواق لما في ذلك من المشقة . والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء
زاد مسلم في روايته : من غير خوف ولا مطر ولا سفر
فدل ذلك على أنه قد استقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن الخوف والمطر عذر في الجمع كالسفر …
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 291 ) .

ثالثاً :
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا مطر ولا سفر ، وقد فعل ذلك لكي لا يحرج أصحاب الأعذار من الجمع .
عن ابن عباس قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، قال – أي : سعيد بن جبير – : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته .
رواه مسلم ( 705 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة .
” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 293 ) طبعة مجمع الملك فهد .
والعذر الذي يجوز معه الجمع بين الصلاتين كثير ، ومنه :
من أراد أن يسافر وغلب على ظنه عدم استطاعته أداء الصلاة في طريق السفر ، فيجمع في بلده قبل خروجه من غير قصر .
المريض الذي يشق عليه دخول الخلاء أو الطهارة لكل صلاة .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
يجوز الجمع لمريض يلحقه بترك الجمع مشقة ، أي : تعب وإعياء ، أيَّ مرض كان ، سواء كان صداعاً في الرأس ، أو وجعاً في الظهر ، أو في البطن ، أو في الجلد ، أو في غير ذلك ، ودليل ذلك ما يلي :
1. عموم قول الله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة : من الآية 185 ] ، وقوله { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : من الآية 78 ] .
2. حديث ابن عباس : ” جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر ” قالوا : فإذا انتفى الخوف والمطر ، وهو في المدينة : انتفى السفر أيضاً ، ولم يبق إلا المرض ، وقد يكون هناك عذر غير المرض ، ولكن ابن عباس سئل لماذا صنع ذلك ؟ قال : ” أراد أن لا يحرج أمته ” أي : أن لا يلحقها حرج في عدم الجمع ، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع : جاز له أن يجمع ، ولهذا قال المؤلف : ” ولمريض يلحقه بتركه مشقة ” .
وفهم من قول المؤلف : أنه لو لم يلحقه مشقة : فإنه لا يجوز له الجمع ، وهو كذلك .
فإذا قال قائل : ما مثال المشقة ؟ قلنا : المشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرَّق الصلاتين ، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة ، والمشقات متعددة .
فحاصل القاعدة فيه : أنه كلما لحق الإِنسانَ مشقةٌ بترك الجمع : جاز له الجمع حضراً وسفراً.
” الشرح الممتع ” ( 4 / 390 ، 391 ) .
الطبيب الجرَّاح الذي لا يمكنه ترك المريض أثناء العملية .
ويجوز للمسلم أن يجمع بين الصلاة جمع تأخير للحاجة كأن خشي أن يفوته أمر مهم يترتب على تأخيره فساده أو مفسدة والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا حضر أحدَكم الأمرُ يخشى فوته فليصل هذه الصلاة “.
رواه النسائي ( 597 ) .
والحديث : صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1370 ) .
قال الشيخ ابن عثيمين :
فأسباب الجمع هي: السفر ، والمرض ، والمطر ، والوحل ، والريح الشديدة الباردة ، ولكن لا تنحصر في هذه الأسباب الخمسة ، بل هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدة عامة وهي : المشقة ، ولهذا يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين ، وبين العشائين لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة ، ويجوز الجمع أيضاً للإِنسان إذا كان في سفر وكان الماء بعيداً عنه ، ويشق عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضأ لكل صلاة ، حتى وإن قلنا بعدم جواز الجمع في السفر للنازل ، وذلك لمشقة الوضوء عليه لكل صلاة .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 393 ) .

رابعا:
هل يحتاج جمع الصلاتين للنية ؟ وماذا إذا صليت الصلاة الأولى دون أن أنوي الجمع ثم أردت أن أجمع لها الثانية ؟ وماذا لو حدث العكس أي : أني نويت أن أجمع الصلاتين ثم بعد أن صليت الأولى أردت أن أصلي الثانية في وقتها ؟ .
الجواب:
لا يحتاج الجمع بين الصلاتين في السفر ولا في الحضر إلى نية ، فإن نية كل صلاة تكون قبل تكبيرة إحرامها ، لا قبل تكبيرة إحرام التي قبلها .
ومن نوى الجمع فله أن يكتفي بالأولى منهما ، ولا يجمع معها الثانية ، ومن لم ينو الجمع فإن يستطيع أن يجمع الثانية مع الأولى .
ونية الجمع تكفي بعد التحلل من الصلاة الأولى قبل الإحرام بالثانية ، وليس شرطاً أن تكون عند تكبيرة الإحرام وقبل التحلل من الصلاة الأولى ؛ ولم يثبت هذا الاشتراط من قول للرسول صلى الله عليه وسلم ولا عمل لا في سفر ولا حضر ولا في حج أو غيره كما لم يعلم عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه اشترط نية لا في قصر ولا جمع .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فانه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر ولا يأمرهم بنية القصر ، ولهذا لما سلَّم من ركعتين ناسياً قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال : لم أنس ، ولم تُقصر ، قال : بلى قد نسيت ، وفي رواية ” لو كان شيء لأخبرتكم به ” ، ولم يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر .
كذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمَع قبل الدخول ، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضى الصلاة الأولى ، فعُلم أيضاً أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى كقول الجمهور ، والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك .
” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 21 ) .
وقال :
لم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه لا بنية قصر ، ولا بنية جمع ، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم ، مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام .
” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 104 ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – بعد أن ذكر الخلاف في المسألة – :
والصحيح : أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى ، وأن له أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى ، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجوداً .
مثال ذلك : لو أن الإِنسان كان مسافراً وغابت الشمس ، ثم شرع في صلاة المغرب بدون نية الجمع ، لكن في أثناء الصلاة طرأ عليه أن يجمع فعلى المذهب لا يجوز ، وعلى القول الصحيح يجوز ، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية .
ومثال آخر : لو سلم من صلاة المغرب ثم نزل مطر ، يبيح الجمع جاز له الجمع .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 397 ، 398 ) .
وهذا ما رجحه جمع من العلماء المحققين كالمزني وخرجًّه قولاً للشافعي ، كما قال به بعض أصحاب الشافعي ، وقواه النووي ، ورجحه السراج البلقيني ، وتبعه تلميذه ابن حجر العسقلاني .
انظر : ” مختصر المزني ” ( 8 119 ) ، و ” المجموع ” ( 4 / 374 ) ، و ” روضة الطالبين ” ( 1 / 397 ) و ” فتح الباري ” ( 1 / 18 ) .

خامسا:
يجوز للمسافر الجمع بين الصلاتين قبل السفر إذا كان سيشق عليه أداء الصلاة الثانية وهو في طريق سفره ، أما القصر : فلا .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
وليس للقصر أو الإقامة مدة معينة على القول الصحيح ما دمتم عازمين على الرجوع إلى أوطانكم , أما إن نويتم الإقامة المطلقة : فقد انقطع حكم السفر في حقكم .
وتبدأ أحكام السفر إذا فارق المسافر وطنه وخرج من عامر قريته أو مدينته ، ولا يحل لكم أن تجمعوا بين الصلاتين حتى تغادروا البلد إلا أن تخافوا أن لا يتيسر لكم صلاة الثانية أثناء سفركم .
” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 15 / 346 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
وإذا دخل وقت الظهر وأنت لم تبدأ السفر : فإنه يجب عليك أن تصلي صلاة الظهر تمامًا من غير قصر .
وأما صلاة العصر : فإن كان سفرك ينتهي وقت العصر ؛ فإنك تصلي العصر تامة في وقتها إذا وصلت ، أما إذا كان السفر يستمر من الظهر إلى بعد غروب الشمس بحيث يخرج وقت العصر وأنت في السفر ، ولا يمكنك النزول لما ذكرت من أن صاحب السيارة لا يوافق على التوقف : فلا مانع من الجمع في هذه الحالة ؛ لأن هذه حالة عذر تبيح الجمع ، ولكن مع الإتمام .
إذا صليت العصر مع الظهر جمع تقديم وأنت في بيتك ، وتريد السفر بعدها : فإنك تصلي الظهر والعصر تمامًا كل واحدة أربع ركعات ، ولا بأس بالجمع ؛ لأن الجمع يباح في هذه الحالة ، أما القصر : فإنه لم يبدأ وقته ؛ لأن القصر إنما يجوز بعد مفارقة البنيان الذي هو موطن إقامتك .
” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 62 ) .

والله أعلم.