الرئيسية بلوق الصفحة 3

نقد فقهي لفتوى وقوع الطلاق على الأجنبية، كانت طلقت قبل الدخول

#من_أجوبة_الواتس
نقد فقهي لفتوى وقوع الطلاق على الأجنبية، كانت طلقت قبل الدخول
السؤال:
ما التعليق العلمي على الفتوى الواردة في المقطع، والتي تخص رجلا طلق زوجته قبل الدخول، ثم أرجعها بفتوى خاطئة وعاش معها سنتين، وخلالها طلقها مرتين، فأفتاه المفتي بأنها طلقت ثلاثا ولا تحل له؟
​الجواب:
الحمد لله
​فإن الفتوى المذكورة في المقطع تضمنت تخريجا فقهيا فيه نظر ومخالفة للقواعد الأصولية والفقهية المقررة، والتعليق العلمي عليها يتلخص في النقاط الآتية:
​١. أما حكم الطلقة الأولى قبل الدخول: فقد أصاب الشيخ -حفظه الله- في تقرير أن الطلاق قبل الدخول يقع بَائِنًا في الحال، ولا عِدَّةَ فيه، ولا تصح فيه المراجعة القولية، بل لا بد لرجوعها من عقد جديد ومهر جديد وولي وشهود، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} الأحزاب/ ٤٩.
​٢. وأما حكم المساكنة بعد الطلقة الأولى: فبما أن الرجل استفتى شيخا -وإن كان قد دلس عليه- وعاد إليها بناء على تلك الفتوى، فإن هذه المعاشرة تُكيف فقهيا على أنها “وطء شُبْهَة”، وليست زِنًى صَرِيحًا يُقام به الحد، وذلك لدرء الحدود بالشبهات.
​٣. وأما الخلل الفقهي الكبير في فتوى الشيخ في المقطع: فهو اعتباره أن الطلقتين اللتين وقعتا خلال السنتين -فترة وطء الشبهة والنكاح الباطل- محسوبتان لكي يكمل بهما الثلاث! وهذا استدلال متناقض؛ فكيف يقرر الشيخ أن المراجعة باطلة وأن المرأة ليست زوجة له، ثم يوقع عليها طلاقا؟!
والقاعدة الفقهية المجمع عليها تنص على أنه “لا طلاق إلا في نكاح صحيح”، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ”، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وهو حديث حسن أو صحيح.
وبما أن المرأة بعد الطلقة الأولى كانت أجنبية عنه -لبطلان المراجعة-، فإن أي طلاق يصدر منه تجاهها بعدها هو طلاق لَغْو لا يقع ولا يُحسب.
​٤. وأما النتيجة الشرعية الصحيحة للحالة: فإن الرجل يملك الآن طلقة واحدة فحسب، وهي الأولى التي وقعت قبل الدخول، وأما الطلقتان اللاحقتان فهما والعدم سواء لأنهما صادفتا غير محل – وقعت على أجنبية-.
والصواب أن يُقال له: تب إلى الله من تدليسك على المفتي الأول، والمرأة بانت منك بينونة صغرى، وتَحِلُّ لك الآن إذا رغبتما بالرجوع، ولكن بِعَقْد جَدِيد، ومَهْر جَدِيد، بِحُضُور الوَلِيّ وَالشُّهُود.

​والله أعلم
​✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٥ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م

العبرة بسلامة التوحيد لا بفخامة البناء.. تنبيه حول زيارة “كربلاء” من بعض إخواننا السنّة

#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
زار بعض الإخوة من أهل السنة “كربلاء” وتحديدا مسجد وقبر من يزعمون أنه مدفون فيه الحسين بن علي رضي الله عنه.، وجعل يتغزل بجمال هذا الصرح الشركي بأضوائه وكتاباته ورخامه، بل وما فيه راحة وسكينة! مع وجود القبور خلفه تدعى من دون الله ويتمسح بها.
وقد نشر مقطعه هذا في الفيسبوك، ماذا يمكن أن نكتب تعليقا على فعله وتنبيها للناس ؟

الجواب:
الحمد لله
الانبهار بالزخارف المعمارية والفنون الدنيوية لا يجوز أن يُغفل المسلم الموحد عن حقيقة المخالفات العقدية في هذه الأبنية:
​١. إن العبرة في الإسلام بسلامة العقيدة، وليست بفخامة البناء وتزيين الجدران بالذهب والمرايا.
والمكان الذي يُدعى فيه غير الله وتُصرف فيه العبادة للمخلوقين هو مكان مخالف لأصل الدين، والله تعالى يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} الجن/ ١٨.
​٢. لقد تواتر النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر أيام حياته عن البناء على القبور وتعظيمها، كما في الحديث الصحيح: “لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
وهذا الصرح مبني على مخالفة هذا الهدي النبوي الصريح.
​٣. إن ما يُمارس في مثل هذه الأضرحة من الاستغاثة بالموتى، وطلب المدد منهم، والطواف بقبورهم، هو من الشرك الذي يناقض كلمة التوحيد وإخلاص الدين لله، ولا يجوز لمسلم أن يُعجب بمكان تُنتهك فيه أعظم حقوق الله وهو إفراده بالعبادة والدعاء.
​٤. قيام شخص متعلم – مثل الطبيب الفاضل- بنشر مثل هذه المقاطع والتغزل بجمال المكان، يُعَدُّ تَرْوِيجًا لِهَذِهِ المزارات، وتَغْرِيرًا لِعَوَامِّ المسلمين الذين قد ينبهرون بالصورة ويغفلون عن فساد المعتقد، والواجب على المسلم إنكار المنكر لا الترويج لمواطنه.
​٥. ما ذُكر في المقطع من الصلاة على “التربة” المأخوذة من الأرض هو من البدع المحدثة التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، والأرض كلها جُعلت لأمة محمد مَسْجِدًا وَطَهُورًا.
​٦. الواجب عليك حذف المقطع الترويجي هذا، والدين النصيحة.

​والله أعلم
​✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م

قصة خيالية “مش بحب الشاي من غير نعناع يا رب”!

#من_أجوبة_الواتس
قصة خيالية “مش بحب الشاي من غير نعناع يا رب”!
السؤال:
ذكر بعض القصاصين حكاية هو قال عنها “أغرب من الخيال”! أمير سعودي يمشي وحده في الظلام، يجد رجلا وحيدا، يطلب لحما فيأتيه فورا، يطلب مخدة فيأتي حجاج مغاربة يفرشون بجانبه، يطلب هواء فتهب نسمة، يطلب سيارة فتأتي سيارة دورية للحج… فما هو التعقب العلمي عليها ؟

الجواب:
الحمد لله
فإن هذه القصة التي يكثر تداولها في سياق الوعظ، تشتمل على مخالفات شرعية وعقلية ومنهجية واضحة، ونفصل القول فيها عبر النقاط الآتية:
١. القصة تصور مقام الولاية والصلاح على أنه ترك للأخذ بالأسباب، وهذا مخالف لهدي الأنبياء والمرسلين، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب في هجرته وحروبه، وكان يلبس الدرع ويعد العدة، وقد قال الله تعالى لحجاج بيته: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة/ ١٩٧.
والتوكل الحقيقي هو اعتماد القلب على الله مع بذل السبب، كما في الحديث: “لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً”، فالطير تغدو وتروح بحثاً عن الرزق ولا تنتظر في عشها.
٢. القصة تظهر الرجل وكأنه يطلب طلبات من قائمة مطعم وينتظر التوصيل (اللحم، الشاي بالنعناع، المخدة، النسمة الباردة).
ورغم أن الله يحب أن يسأله العبد كل شيء، إلا أن هذه الطريقة الجازمة التي تخلو من التذلل والافتقار لا تليق بمقام العبودية، بل فيها نوع من “الإدلال” على الله، كأنه يرى لنفسه حقّا واجبا على ربه أن يلبيه فورا وبنفس التفاصيل.
بل وفيها من سوء الأدب مع الله تعالى الحديث معه كأنه قد ينسى ما يحبه هذا الطالب الداعي! فيذكّره بأنه لا يحب الشاي إلا بالنعناع!
٣. الحاج في تلك المشاعر العظيمة يكون مشغولا بطلب المغفرة والعتق من النار وسؤال الجنة.
والانشغال بتفاصيل رفاهية البطن والراحة في مقام الشعث والغبرة يتنافى مع التذلل المطلوب في الحج، كما جاء في الحديث: “إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولُ لَهُمْ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثا غُبْرا”.
٤. إذا كان هذا الرجل مستجاب الدعوة بهذه السرعة العجيبة، فأين هو من دماء المسلمين المسفوكة وأعراضهم المنتهكة؟ أليست نصرة المظلومين ودحر المعتدين أولى من طلب نسمة هواء أو كوب شاي بنعناع؟ هذا يدل يقينا على أن القصة من نسج خيال لا يدرك فقه الأولويات الشرعية ولا يحمل همّا لأمة الإسلام.
٥. الأولياء الصالحون أشد الناس إخفاءً لحالهم، وأكثرهم خوفا من الرياء وسقوط المنزلة.
أما في القصة، فإن الرجل يستعرض كراماته بوضوح، ويؤكد قدرته على استجابة الدعاء قائلا ما معناه “لو أردت شيئا لطلبته من ربي”، ويشير إلى أنه من رجال معروفين في السماء.
هذا الاستعراض يخالف سمت الصالحين الذين يكرهون الشهرة ويزدرون أعمالهم.
٦. القصة مليئة بالصدف السينمائية المبالغ فيها جدّا؛ أمير يمشي وحده في الظلام، يجد رجلا وحيدا، يطلب لحما فيأتيه فورا، يطلب مخدة فيأتي حجاج مغاربة يفرشون بجانبه، يطلب هواء فتهب نسمة، يطلب سيارة فتأتي سيارة دورية للحج.
هذا التلفيق الواضح هو من صنيع القصاصين الذين حذر منهم السلف؛ لأنهم يفسدون عقائد العوام بالخرافات لاستدرار العواطف والمشاهدات.
٧. وأخيرا:
العقيدة والدين يبنيان على الكتاب والسنة والأثر الصحيح، لا على حكايات القصاصين التي تزرع في نفوس العوام مفاهيم مغلوطة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م

الخلاف في تجسيم الكعبة لتعليم الصغار المناسك

ستقيم المدرسة التي يدرس فيها أطفالي حفلا للاحتفال بموسم الحج يوم الجمعة ، وقد طلبوا مني في المدرسة أن أكسو أولادي ثيابا بيضاء ، كي يعلموهم كيفية أداء مناسك الحج والطواف حول الكعبة ، ولكنها ستكون كعبة مصطنعة للتعليم فقط ، فهل هذا جائز ؟، وهل ينبغي أن أرسل أولادي للمدرسة في هذا اليوم ؟

حكم استغلال حاجة الناس للسيولة وفرض عمولات فاحشة على سحب الأموال في غزة

#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
نشرتم فتوى تؤصل لجواز أخذ عمولة على سحب الأموال من المحافظ الإلكترونية باعتبارها أجرة مقابل منفعة، ولكن اعترض بعض الإخوة في غزة بأن الصرافين والتجار هناك يأخذون نسبا تصل إلى (٥٠٪) من المبلغ مستغلين حاجة الناس الماسة للسيولة النقدية بسبب ظروف الحرب، وبعض هؤلاء التجار فرح بالفتوى واعتبرها تأييدا لفعله.
فهل ما يفعلونه شرعي؟ وكيف نرد عليهم؟

الجواب:
الحمد لله
حياك الله أخي الكريم، ونصر الله أهلنا في غزة وفرج كربهم، وانتقم ممن قتلهم وشردهم أو تاجر بآلامهم.
الجواب على هذا الإشكال يتلخص في الآتي:
أولا: الفتوى التي أصدرتها تتحدث عن الأحوال الطبيعية المستقرة، والتكييف الفقهي الصحيح للعمولة المعتادة هو أنها “أجرة مقابل منفعة وخدمة توفير السيولة”.
والأصل في الإجارة أن تكون مبنية على التراضي، وتخضع لـ “أجرة المثل” المعتادة في السوق، والتي تتناسب مع الجهد والمخاطرة الحقيقية للصراف.
ثانيا: ما يفعله بعض التجار والصرافين في غزة من اقتطاع نسب فاحشة تصل إلى نصف المبلغ أو قريبا منه، هو عمل محرم شرعا، وسحت، وأكل لأموال الناس بالباطل، وجريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة فقهية.
ولا يجوز لهم الاستدلال بفتوانا لتبرير جشعهم؛ لأن الفتوى تبيح “أجرة الخدمة المعتدلة” ولا تبيح “السرقة واستغلال المضطر”.
ثالثا: العلة الفقهية في التحريم القاطع لفعل هؤلاء التجار تعود إلى قاعدتين:
١. “الغبن الفاحش”: وهو الزيادة الفاحشة في السعر أو الأجرة بما يخرج عن العادة والعرف إخراجا صارخا.
٢. “استغلال حاجة المضطر”: فالشريعة الإسلامية تحرم استغلال ضرورة الناس وحاجتهم الماسة للغذاء والدواء والمال لفرض شروط مجحفة عليهم.
فالناس في غزة تحت القصف والحصار، والواجب الشرعي هو المواساة وإقالة العثرات، بل وبذل المال لهم مجانا، لا احتكار السيولة لمقاسمتهم في أرزاقهم وأموالهم.
رابعا: فرح هؤلاء الجشعين بالفتوى هو من باب “التلبيس في الدين” واتباع الهوى؛ فهم يأخذون من الفتوى ما يوافق أهواءهم ويتركون الضوابط الشرعية التي تحكم المعاملات من تحريم الغبن والاحتكار والاستغلال.
وقد توعد الله تعالى من يستغلون أزمات المسلمين لجمع الثروات بمحق البركة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٣٠ شوال ١٤٤٧ هـ – ١٨ نيسان ٢٠٢٦ م

أصول السياسة الشرعية وضوابطها الفقهية

#من_أجوبة_الواتس
أصول السياسة الشرعية وضوابطها الفقهية
السؤال: السياسة الشرعية، ما مرجعيتها وهل لها قواعد أم كلها اجتهادات شخصية حسب محبة فاعلها؟ هل فيها تجرد؟ وما هي الضوابط؟

الجواب:
هذا سؤال في غاية الأهمية، ومزالق الأقدام فيه كثيرة لمن لم يضبطه بضوابط الشرع الحنيف.
السياسة الشرعية ليست مَيْدَانًا للأهواء والتشهيات، ولا تُبنى على العواطف ومحبة الأشخاص أو بغضهم، بل هي باب عظيم من أبواب الفقه الإسلامي، ومبناها على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وفيما يأتي تفصيل القول في مرجعيتها وقواعدها وضوابطها:
أولا: مرجعية السياسة الشرعية مرجعية السياسة الشرعية هي الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما من إجماع وقياس، إضافة إلى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
قال ابن القيم رحمه الله:
“ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفةٌ للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسةً أمرٌ اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً، فهي من الشرع”.
فهي ليست عِلْمًا مُسْتَقِلًّا عن الشريعة، بل هي تطبيق دقيق لأحكامها في واقع الناس المتغير.
ثانيا: هل لها قواعد أم هي اجتهادات شخصية؟
السياسة الشرعية تحكمها قواعد أصولية وفقهية رصينة، وليست اجتهادات مبنية على هوى المتحدث أو حبه لجهة معينة.
من أمهات قواعدها:
– “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”: فلا يجوز للحاكم أو المسؤول أن يتصرف بناء على منفعته الشخصية.
– “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”: عند التعارض.
– “يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”.
– “ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما”.
فهذه القواعد تضبط الاجتهاد وتمنعه من الانفلات، والاجتهاد في السياسة الشرعية محصور في دائرة ما لا نص فيه، أو في تنزيل النص على الواقع.
ثالثا: وأما بخصوص مسألة التجرد، فالتجرد شرط أساسي في السياسة الشرعية.
والمسلم مطالب بالعدل والإنصاف حتى مع المخالفين والأعداء، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة/ ٨.
فتقويم المواقف والأحداث يجب أن يكون بِمِيزَانِ الشرع، لا بِمِيزَانِ التحزب أو التعصب للأشخاص والجماعات.
الحق يُعرف بدليله، والرجال يُعرفون بالحق، وليس العكس. رابعا: للخوض في السياسة الشرعية ضوابط دقيقة، من أهمها:
١. ألا تخالف نَصًّا شَرْعِيًّا قَاطِعًا، فلا سياسة في مورد النص الثابت الدلالة والثبوت.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ”، وهذا أصل عظيم في ضبط التصرفات السياسية.
٢. معرفة فقه الواقع، فلا يكفي في السياسة الشرعية معرفة الحكم الشرعي، بل لابد من الإحاطة الدقيقة بالواقع المراد تنزيل الحكم عليه؛ لئلا يؤدي تطبيق الحكم إلى مفسدة أعظم.
٣. النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، فقد يكون الفعل جَائِزًا في أصله، لكن يُمْنَعُ مَآلًا لما يترتب عليه من مفاسد.
٤. أن تصدر من أهل الحل والعقد والعلماء الراسخين، فالسياسة الشرعية والقضايا الكبرى للأمة ليست مَشَاعًا لكل متحدث، ولا لرواد مواقع التواصل، بل مردها لأهل العلم والبصيرة؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء/ ٨٣.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ شوال ١٤٤٧ هـ – ١٥ أبريل ٢٠٢٦ م

(الباطل لا يبرر الباطل)

(الباطل لا يبرر الباطل)

الحمد لله
١. الواجب على المسلم أن يزن الأمور بميزان الشرع ومآلات الأفعال، لا أن يزن الشرع بأهواء الرجال والتحزبات.
٢. ما صدر من تهنئة للنصارى بـ “عيد الفصح” هو مُنْكَرٌ ومخالف لإجماع علماء الأمة، وقد نقل الإمام ابن القيم الإجماع على تحريم تهنئة الكفار بشعائرهم، فالفعل مَذْمُومٌ ومَرْفُوضٌ.
٣. الثناء على الرافضة والترحم عليهم -وهم الذين يسبون الصحابة، وقد تلطخت أيديهم بدماء مئات الآلاف من أهل السنة- هو أَيْضًا مُنْكَرٌ عَظِيمٌ، وخلل جسيم في عقيدة “الولاء والبراء”.
٤. مكمن الخلل عند كاتب المنشور -وأراه وجماعته قد فرحوا لهذه المخالفة لأجل المماحكة-أنه ينطلق من عصبية حزبية؛ فهو لا يبحث عن الحق، بل يحاول استخدام انحراف فعل “التهنئة” كغطاء أو مبرر لانحراف حزبه وجماعته في “موالاتهم” للرافضة.
٥. منهج أهل السنة والجماعة قائم على العدل والقسط، فنحن نرد الباطل الأول، ونرد الباطل الثاني، ولا نداهن في دين الله أحدا.
٦. تنازل أي أحد في باب “التوحيد بتهنئة النصارى” لا يبرر تنازل غيره في باب” الولاء والبراء وموالاة الرافضة”، وكلاهما قد ضل عن سواء السبيل في هذه المسائل.
٧. كلا الفعلين انحراف عن المنهج الشرعي الصحيح.
٨. المقارنة بينهما من باب “المفاضلة بين السيئات”.
٩. تبرير أحدهما هو مسلك أهل الأهواء.
١٠ الواجب إنكار المنكريْن مَعًا، وتجريد المتابعة للحق بالدليل، لا بالتعصب للأشخاص أو الرايات.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ شوال ١٤٤٧
١٣ أبريل ٢٠٢٦

لا أملك سيولة نقدية.. هل تسقط عني الزكاة؟ (زكاة شركات التطوير العقاري )

#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
سائل يقول: رجل يملك شركة تطوير عقاري (يشتري الأراضي، يعمرها، ثم يبيعها)، ويقول إنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأنه لا توجد لديه سيولة نقدية تبقى حَوْلًا كَامِلًا، حيث يعيد استثمار الأموال فَوْرًا في شراء أراضٍ جديدة، ويزكي فقط عن أمواله التي عند العملاء. فهل قوله صحيح، أم تجب الزكاة في الأرباح وحسابات الشركة كَامِلَةً؟

الجواب:
الحمد لله
وجوب الزكاة هو الصحيح والموافق لأصول الشرع، وما يظنه صاحب الشركة من سقوط الزكاة عنه بسبب عدم بقاء السيولة النقدية لديه حَوْلًا كَامِلًا؛ هو فَهْمٌ خَاطِئٌ لأحكام زكاة عروض التجارة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولا: نشاط التطوير العقاري -شراء الأراضي بنية البناء عليها وبيعها للتربح- يُعد شَرْعًا من “عروض التجارة”.
وفي عروض التجارة، لا يُشترط أن يحول الحول على النقود بعينها، بل العبرة بحولان الحول على أصل رأس المال منذ بلوغه النصاب.
وتحول رأس المال من نقود إلى أراضٍ أو عقارات قيد الإنشاء، ثم إلى نقود مُجَدَّدًا؛ لا يقطع الحول، بل هو حقيقة التجارة.
ثانيا: الأرباح الناتجة عن البيع لا يُشترط لها حول مستقل، بل القاعدة الشرعية أن: “حول الربح هو حول أصله”.
فما ينتج من أرباح يُضم إلى أصل رأس المال، ويُزكى معه في نهاية الحول المالي للشركة.
ثالثا: وطريقة حساب الزكاة لشركات التطوير العقاري: أن يحدد صاحب الشركة يَوْمًا في السنة -نهاية حوله المالي-، ويقوم بعملية جرد وحساب كما يأتي:
١. يقيّم جميع الأراضي والعقارات، سواء كانت منتهية أو قيد الإنشاء، المعدة للبيع بسعر السوق الحالي، وليس بسعر التكلفة.
٢. يضيف إليها ما لديه من سيولة نقدية في الصندوق أو البنك، إن وجدت.
٣. يضيف إليها الديون المرجوة السداد، كالأقساط التي له عند العملاء.
٤. يطرح من المجموع الديون الحالّة التي على الشركة -التزامات، مستحقات مقاولين، أقساط أراضٍ… إلخ-.
٥. يخرج الزكاة عن الصافي بنسبة ربع العشر (٢.٥٪).
وعليه:
الزكاة واجبة في كل ما تملكه الشركة من أصول معدة للبيع، ولا يعفيه من الزكاة كونه يشتري أَرَاضِيَ جديدة بالسيولة المتوفرة. فعليه أن يتقي الله ويحسب زكاته وِفْقًا للقاعدة الشرعية لعروض التجارة لتبرأ ذمته، قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة/ ١١٠.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧
١٢ أبريل ٢٠٢٦

توجيه جملة “حسنات الأبرار سيئات المقربين”

#من_أجوبة_الواتس
توجيه جملة “حسنات الأبرار سيئات المقربين”
السؤال:
هل هذه العبارة صحيحة المعنى “حسنات الأبرار سيئات المقربين” ؟
الجواب:
هذه العبارة ليست حَدِيثًا نَبَوِيًّا، بل هي مقولة مشهورة عن بعض روّاد التزكية والسلوك، كأبي سعيد الخراز وذي النون المصري وغيرهما.
وأما من حيث المعنى؛ فهي صحيحة إذا فُهمت في سياقها الدقيق، ولها توجيه صحيح عند أئمة التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وتفصيل ذلك من وجوه:
أولا: المقصود بالعبارة ليس تحول الحسنة إلى سيئة حقيقية يعاقب عليها الإنسان، بل المعنى أن مقامات الناس في القرب من الله تتفاوت.
فما يعتبر إِنْجَازًا وعَمَلًا صَالِحًا لعامة الأبرار -كالاقتصار على الفرائض وترك المحرمات مع التوسع في المباحات-، قد يعتبره المقربون نَقْصًا في حقهم، وتَرَاجُعًا عن مقام الإحسان ودوام الذكر، فيعدونه كأنه ذنب يستغفرون منه.
ثانيا: أقرب مثال لتوضيح هذا المعنى هو قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ” أخرجه مسلم.
فالغيْن هنا ليس ذَنْبًا ولا مَعْصِيَةً، بل هو انشغال طارئ ببعض الأمور المباحة أو رعاية شؤون الأمة، وهو بالنسبة لغيره حسنة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لسمو مقامه وكمال قربه يعتبر هذا الانقطاع اليسير عن دوام الشهود كأنه تقصير يوجب الاستغفار.
ثالثا: لا يجوز أن يُفهم من العبارة أن الطاعات والحسنات الحقيقية التي يفعلها الأبرار تُعد سيئات للمقربين؛ فهذا باطل قَطْعًا.
فالطاعة طاعة في حق الجميع، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء/ ٤٠.
وعليه:
فالعبارة صحيحة المعنى إذا حملت على اختلاف المراتب، وأن ترك الأولى والأفضل بالنسبة للمقربين يُعد في ميزانهم العالي نَقْصًا يستوجب التوبة، بينما هو في ميزان غيرهم مباح أو حسنة.
والله أعلم.
✍️ كتبه:أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧
١٢ أبريل ٢٠٢٦

ما حكم انتشار عبارة (يا مُعطي لا تُبطي -يعني: لا تتأخر بالإجابة-) كدعاء، والترويج لها بِقُوَّةٍ؟

#من_أجوبة_الواتس
حكم قول “يا معطي لا تبطي” في الدعاء
السؤال:
ما حكم انتشار عبارة (يا مُعطي لا تُبطي -يعني: لا تتأخر بالإجابة-) كدعاء، والترويج لها بِقُوَّةٍ؟

الجواب:
الحمد لله
لا يجوز شَرْعًا الدعاء بهذه العبارة، وفيها من سوء الأدب مع الله تعالى والجهل بحكمته ما يوجب التحذير منها وعدم تداولها، وذلك من وجوه:
أولا: الاستعجال المنهي عنه؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال في الدعاء، وجعله سَبَبًا من أسباب المنع وحرمان الإجابة، قال صلى الله عليه وسلم: “يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي”.
وقول القائل: (لا تبطي) هو عين الاستعجال المذموم.
ثانيا: سوء الأدب مع الله جل جلاله؛ فإن الداعي عبد ذليل يطلب من رب عظيم، ومقام العبودية يقتضي التذلل والخضوع والافتقار، لا أن يضع العبد لربه شُرُوطًا، أو يأمره بألا يبطئ عليه، فالله سبحانه حكيم عليم، يعطي في الوقت المناسب بحكمته، لا باستعجال عبده.
ثالثا: الجهل بحكمة التأخير؛ فقد يؤخر الله الإجابة لحكمة عظيمة، كأن يدفع عن العبد سُوءًا، أو يدخرها له في الآخرة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وغيره أنه قال: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا”، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ:” اللَّهُ أَكْثَرُ”.
ولذلك ينبغي للعبد أن يرضى بتدبير الله، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة/ ٢١٦.
فهذه العبارة تعد من الاعتداء في الدعاء، ويجب الحذر منها وعدم الترويج لها، وينبغي للمسلم أن يلتزم بالأدعية المشروعة، وأن يدعو ربه بيقين مع تفويض الأمر لحكمته البالغة، وألا يستعجل الإجابة.
والله أعلم
= تتمة:
التفريق بين طلب التعجيل والاستعجال
ذكر بعض الإخوة إشكالين:
أ. إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بتعجيل السقيا بقوله: “عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ”، فكيف يجاب عن الاستدلال به مع ما ذكرناه من المنع؟
والجواب: الحديث فيه “طلب التعجيل” تضرعا وافتقارا، وهذا مشروع ومطلوب، خاصة في دعاء المضطر.
لكن هذا يختلف جِذْرِيًّا عن “الاستعجال” الذي يحمل معنى التذمر أو إصدار الأوامر، كقول القائل: “لا تبطي”.
​ وعبارة “عاجلا غير آجل” هي صفة للشيء المطلوب، أي: نسألك غَيْثًا عَاجِلًا، وهي رجاء من العبد.
أما عبارة “لا تبطي” فهي بصيغة النهي الموجه للخالق جل جلاله، وفيها إشعار باستبطاء فعل الله، وكأن العبد يقول لربه: “لقد تأخرت علي فلا تزد في التأخير”! وهذا يتنافى مع كمال الأدب والتذلل، ويدخل في باب الاعتداء في الدعاء.
ب. ذكر أن الاستعجال هو ترك الدعاء كما جاء مفسرا في الحديث.
والجواب: نعم، النص النبوي: “يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ” مفسر في الحديث نفسه بأنه الاستحسار وترك الدعاء، لقوله: “يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ” أخرجه مسلم.
ولكن، هذا الاستحسار إنما يبدأ شُعُورًا في القلب، وهو استبطاء الإجابة والضجر من تأخرها، ثم يترجم إلى فلتات على اللسان “مثل: لا تبطي”، ثم ينتهي بترك الدعاء. فالنهي عن هذه العبارة هو سد لذريعة الاستحسار، ومنع للقلب من التشكي من حكمة الله في التأخير.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧، ١٢ أبريل ٢٠٢٦