الرئيسية بلوق الصفحة 53

كلمة حول ” الحكمة من وجوب الوضوء من خروج الريح “

كلمة حول ” الحكمة من وجوب الوضوء من خروج الريح ”

السؤال:

ما هو الهدف من الوضوء بعد أن يقوم المرء بإخراج غازات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوضوء من خروج الريح واجب لمن أراد الصلاة، وقد ثبت ذلك في صحيح السنَّة، وأجمع عليه علماء الإسلام قاطبة.

عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. رواه البخاري ( 135 ) ومسلم ( 225 ).

عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْد أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: ( لَا يَنْفَتِلْ – أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ – حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا ). رواه البخاري ( 137 ) ومسلم ( 361 ).

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر، وكذلك المرأة، وخروج المني، وخروج الريح من الدبر، وزوال العقل بأي وجه زال العقل: أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء.

” الإجماع ” ( ص 29 ).

 

ثانيًا:

والمسلم يعتقد أن ما شرعه الله تعالى فيه الحكمة البالغة، ومن مقتضى الإيمان به تعالى: تعظيم أوامره ونواهيه، واعتقاد أنه لم يشرع إلا ما فيه حكمة بالغة، ولم يتوقف المسلم في تنفيذ أمره تعالى والابتعاد عن نهيه معرفته بحكمة التشريع، بل يكفيه أن يعلم ما شرع الله فيسارع إلى تنفيذه.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمرَ على عِلةٍ تُضعِف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل، بل يُسَلِّمُ لأمرِ الله تعالى وحُكمه، ممتثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه: حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه جملة، كما حمل ذلك كثيرًا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوف، فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامة لذكره، واستعمالا للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كل منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد، فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية.

” الوابل الصيب ” ( ص 35 ).

 

ثالثًا:

ومن حكمة التشريع: التفريق بين الخارج من الجسم، فليس كله له الحكم نفسه، ومن أراد الطعن في التشريع فألزم بالوضوء من الجشاء والبلغم كما أوجب الشرع الوضوء من خروج الريح: فهو يحكم على نفسه بالجهل والحماقة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما قوله ” وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبُر وبين الجشوة فأوجب الوضوء من هذه دون هذه “: فهذا – أيضًا – من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين البلغم الخارج من الفم وبين العذرة في ذلك.

ومَن سوَّى بين الريح والجشاء: فهو كمن سوَّى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس، وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة، فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة.

ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم: فهو فاسد العقل والحس. ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 107 ، 108 ).

ولذا لمَّا كان خروج الريح من الدبر، وكان ذلك موضعًا للنجاسة لم يكن بعيدًا عن الحكمة أن يُؤمر المسلم بالوضوء من خروج الريح من الدبر، ولذا فإن الشريعة المطهَّرة تفرِّق بين الخارج من السبيلين والخارج من غيرهما، فإلحاق الريح بحكم الغائط ليس مما يُستغرب، وخاصة أنه قد يخرج في كثير من الأحيان نداوة ورطوبة مع تلك الريح، مع التنبيه على أن إيجاب الوضوء من ذلك الخارج لا يعني بالضرورة أنه نجس.

قال القفال الشاشي – رحمه الله -:

وكان أصل الأحداث: ما خرج من السبيلين من غائط وبول ونحوهما؛ لأن كل ما خرج منهما أو من أحدهما لاحقٌ بجملة ما يُستقذر ويُجتنب, ثم كان زوال العقل مما يزول معه التكليف في الحال ويخرج من سبيليْ صاحبه ما يتجاوز مخرجه ويجتنبه, وينبغي التنظف منه,  وأقل ذلك الريح الخارجة من الدبر؛ لأنها في كثير من الأحوال لا تخلو من أن تقترن بها نداوة ورطوبة فيتعذر التحفظ من ذلك، فحسَم الباب، وألحَق ما خرج منه بمعنى الغائط والبول إذ كانت الريح مقدمة لهما.

” محاسن الشريعة ” ( 1 / 169 ).

 

رابعًا:

ونقول في هذا الباب أيضًا: إنه لو لم يكن خروج الريح ناقضًا للوضوء للزم من ذلك جواز إخراج الريح في المساجد أثناء حضور خطبة الجمعة، وفي الجماعات أثناء أداء الصلاة، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة المطهرة، فحُسمت مادة أذية المصلين بتلك الروائح الكريهة بالمنع من إخراج الريح أثناء الصلاة، وجعل خروجه ناقضاً للوضوء.

وكذلك يقال فيما لو صلَّى المسلم وحده بين يدي ربه تعالى، فإن مقتضى إجلال الله تعالى أن يحافظ المسلم في صلاته على أن يكون في أحسن حال، من حيث اللباس، والرائحة، وطهارة المكان، وهذا يتنافى مع إباحة إخراج الريح، وجعلها غير ناقضة للوضوء.

وبكل حال فإن الوضوء عبادة، وإن تشريع أسباب نواقض الوضوء فيه الحكَم البالغة، والمسلم الحق هو الذي يعتقد في ربه تعالى أنه حكيم، وأن تشريعاته فيها الحكمة البالغة، وها نحن نرى في عالم البشر من يتناول دواءه في أوقات محددة، وطرق مبيَّنة، وكميات محدَّدة، وهو يلتزم ذلك دون سؤال عن ” كيف ” و ” لماذا “، وما ذاك إلا لثقته بعلم الطبيب الذي وصف له الدواء وطرق تناوله، فلمَّا ترسَّخ له الثقة بعلمه لم يسأل عن ” الحكمة “، ولله المثل الأعلى فإنه العليم الحكيم، ومن آمن بربه تعالى وأثبت له العلم فلا يجد غضاضة في الاستجابة لأوامره ولو لم يدرك الحكمة، فكيف لو وقف على شيء من تلك الحكَم بعد تلك الاستجابة؟!.

 

والله أعلم.

 

 

لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء في بيت المقدس بأرواحهم دون أجسادهم

لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء في بيت المقدس بأرواحهم دون أجسادهم

السؤال:

عندما أسري بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس أمَّ الأنبياء، فهل أُحيوا من قبورهم للصلاة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أمَّ إخوانه الأنبياء في رحلته إلى بيت المقدس.

  1. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( … وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ – يَعْنِي : نَفْسَهُ – فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ. رواه مسلم ( 172 ).
  2. عن ابن عباس قال: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي فَالْتَفَتَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ.

رواه أحمد ( 4 / 167 ) وفي إسناده كلام، لكن يشهد له ما قبله.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء هل كانت تلك الصلاة قبل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أم بعد أن هبط منها، والراجح: الأول.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال عياض: يُحتمل أن يكون صلَّى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس ثم صعد منهم إلى السماوات مَن ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضًا… .

والأظهر: أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج .

” فتح الباري ” ( 7 / 209 ).

 

 

 

 

ثالثًا:

يجب على المسلم أن يعتقد أن الحياة البرزخية لا تجري عليها سَنن الحياة الدنيوية، وإذا كانت حياة الشهداء البرزخية عند ربهم كاملة: فإن حياة الأنبياء أكمل، لذا فعلى المسلم الإيمان بهذه الحياة دون التعرض لكيفيتها وحقيقتها إلا بنصوص من الوحي المطهَّر.

قال تعالى – في حياة الشهداء -: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/ 169- 171.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ ). رواه أبو يعلى في ” مسنده ” ( 3425 ) وصححه محققه.

وصححه الشيخ الألباني في ” سلسلة الأحاديث الصحيحة ” ( 621 ).

وفي ” عون المعبود ” ( 3 / 261 ):

قال ابن حجر المكي: وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون ويصلون في قبورهم مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة: أمرٌ لا مرية فيه، وقد صنَّف البيهقي جزءً في ذلك…. .

وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد: فكيف بالأنبياء والمرسلين. انتهى.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا.

هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادِّعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية! قال: يأكل و يشرب ويجامع نساءه!!، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى. ” السلسلة الصحيحة ” ( 2 / 120 ).

رابعًا:

وهل كان التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء بأجسادهم مع أرواحهم، أم بأرواحهم دون أجسادهم؟ قولان لأهل العلم.

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، وأجيب: بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة تشريفًا له وتكريمًا.

” فتح الباري ” ( 7 / 210 ).

والراجح: أنه التقى أرواحهم متشكلة بصور أجسادهم، باستثناء عيسى عليه السلام حيث رُفع بروحه وبدنه، وثمة خلاف في ” إدريس ” عليه السلام والراجح أنه ملتحق بباقي إخوانه الأنبياء لا بعيسى عليه السلام.

فالأنبياء عليهم السلام أبدانهم في قبورهم، وأرواحهم في السماء، فما قدَّره الله تعالى لهم من اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بأرواحهم المتشكلة بصورة أجسادهم الحقيقية، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب وآخرون.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما رؤيته – أي: رؤية موسى عليه السلام – ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى في السادسة وإبراهيم في السابعة أو بالعكس: فهذا رأى أرواحَهم مصوَّرة في صور أبدانهم.

وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا ليس بشيء. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 328 ).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلام: إنما هو أرواحهم، إلا عيسى، فإنه رفع بجسده إلى السماء. ” فتح الباري ” ( 2 / 113 ).

وهو ترجيح أبي الوفاء بن عقيل كما نقله عنه الحافظ ابن حجر، والظاهر أنه قول الحافظ نفسه، وقد ردَّ على بعض شيوخه في تبنيهم للقول الآخر، حيث قال – رحمه الله -.

اختلف في حال الأنبياء عند لقي النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ليلة الإسراء هل أسري بأجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرواحهم مشكَّلة بشكل أجسادهم كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل؟ واختار الأول بعض شيوخنا، واحتج بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رأيت موسى ليلة أسري بي قائماً يصلِّي في قبره ) فدل على أنه أسري به لما مر به، قلت: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء. ” فتح الباري ” ( 7 / 212 ).

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس باستطاعة بدن موسى عليه السلام ولا غيره أن ينتقل من مكان لآخر، بل هذا حال الروح، فلذا عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام يصلِّي في قبره، ثم رآه في بيت المقدس، ثم في السماء السادسة: فليس ذلك الانتقال إلا لروحه عليه السلام دون بدنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومعلوم أن أبدان الأنبياء في القبور، إلا عيسى وإدريس، وإذا كان موسى قائمًا يصلِّي في قبره ثم رآه في السماء السادسة مع قرب الزمان: فهذا أمر لا يحصل للجسد. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 526 ، 527 ).

قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

والأظهر من القولين عندي: أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد، خلا عيسى عليه السلام؛ وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين التقى بالأنبياء وصلُّوا معه صلى الله عليه وسلم:

– إما أن يُقال: صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحُهم في السماء.

– وإما أن يُقال : هي بالأرواح فقط ؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.

ومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى عليه السلام إلى السماء رَفْعًا حيًّا، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائمًا ولا وجود لهم في القبور: هذا لا دليل عليه، بل يخالف أدلة كثيرة: أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.

فمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا: أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.

ومن قال بخلافه قال: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.

وهذه الخصوصية لابدَّ لها من دليل واضح، وكما ذكرتُ فالدليل التأمُّلي يعارضه.

وعلى كلٍّ: هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط رقم 14 ).

 

وللعلم: فإن صورة الروح هي صورة الجسد نفسه، فأرواح الأنبياء التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم لإخوانه الأنبياء كانت على صورتهم الحقيقية.

 

 

 

قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

الروح شكلها شكل الجسد، بمعنى: لو فُصِلَتْ روحك عنك صارت الصورة واحدة، يكون الجسد للجثمان، والروح مخلوق، الله عز وجل أعلم بحقيقتها، لكن من حيث الصورة: واحدة.

ويدل عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ) – متفق عليه -، ومعلوم أنّ الرائِي للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام إنما يرى روحه؛ لأن جسده صلى الله عليه وسلم مدفون، وإذا كان رأى روحه: فإنه يرى روحه على صورة جسده صلى الله عليه وسلم الذي كان يعيش في الدنيا بروحه وجسده.

لهذا الروح صورتها صورة الجسد، الروح والجسد نفس الصورة، الروح تدخل في الإنسان، يعني في النفخ فيه حينما يكون جنينًا، وتتشكل مع الجسد، هيئة الروح هي هيئة الجسد، والله أعلم بحقائق الأشياء.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط رقم 14 ).

 

* وما قاله الشيخ صالح حفظه الله هنا مؤيد بما قاله قبله العلماء.

قال السيوطي – رحمه الله -:

روح الإنسان إنما هي على صورته ومثاله وشكله.

” الديباج على مسلم ” ( 4 / 483 ).

 

والله أعلم.

حكم استعمال ما يسمى ” خلطة الرومي ” لعلاج السحر والعين والأمراض

حكم استعمال ما يسمى ” خلطة الرومي ” لعلاج السحر والعين والأمراض

السؤال:

قرأت في كثير من المنتديات عن ” خلطة الرومي “، وأن كثيرًا من الفتيات استفادوا منها, وهي عبارة عن كيلو من: ( ملح خشن ، سدر ، شبة بيضاء ) ومقسمة إلى سبعة أجزاء، يضاف إليها الماء، ويُغتسل بها ما بين العصر والمغرب.

ما رأيكم بهذا؟ وهل هو صحيح؟ هل يمكن استعمالها للفتاة اللتي لم تتزوج ولم يسبق أن تقدم لها أحد، أو يكون كلام فقط ثم لا يأتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذه الخلطة تنسب للشيخ ” محمد بن إبراهيم الرومي “، وهو من معبري الأحلام المشهورين، وقد ثبتت عنه هذه الوصفة بصوته في شريط ” الرؤى الخرجية ” – في الدقيقة 35 فما بعدها – وقد سماها ” الوصفة الذهبية “!، وطريقة استعمالها كما سبق في السؤال، وقد ذكر أنها تستخدم لعلاج ( السحر, العين, المس, العقم, البهاق, الاكتئاب، الشلل, الهموم، الغموم، وجميع الأمراض، ولا تستعملها الحامل، ولا من به جروح ظاهرة ).

واشترط أن يتم التصدق في كل يوم تستعمل فيه العلاج، ولو بريال واحد، واشترط عدم وجود تماثيل في البيت، وعدم وجود صور معلقة، أو خادمة كافرة – لمن يسكن في جزيرة العرب -.

 

ثانيًا:

وما يحدث مع الأخت السائلة من كونه لم يأتها أحد يخطبها يحتمل أن يكون ذلك مجرد ابتلاء من رب العالمين ليرى صبرها فيكتب لها عظيم الأجور، ويحتمل أن يكون ذلك لأسباب مادية تتعلق بعدم معرفة الناس بها أو لوجود أسباب عند أهلها أو في بيئتها تمنع الخطاب من التقدم لها، كما يحتمل أن يكون ذلك نتيجة سحر أو عيْن، فنوصيها بالصبر والاحتساب، ودعاء الله تعالى أن يرزقها زوجًا صالحًا وذرية طيبة، وإن كانت ترى أن ما عندها قد يكون نتيجة سحر أو عيْن وتريد استعمال تلك الوصفة في العلاج: فلا مانع من فعل ذلك، ولا أفضل لها من الرقية الشرعية، وإن كانت تعرف من أصابها بعين أن تأخذ غسله – أو غسلها – وترشه على نفسها.

وفي جواب بينّا كيفية التخلص من السحر، واستعمال ماء زمزم في علاجه، وتجدين شروط الرقية الصحيحة.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص الوصفة الوارد ذكرها في السؤال: فالظاهر جواز استعمالها، مع عدم اشتراط الالتزام بالوقت بين العصر والمغرب، ولا بالعدد سبعة، ومثل ذلك التحديد للوقت والعدد لا تأثير له في النفع، والشروط الأخرى المذكورة شرعية والأصل التزامها حتى لمن ليس به مرض، فقد وقفنا على فتوى للشيخ عبد الله الجبرين يجيز استعمال الوصفة الواردة في السؤال، وقد سئل عنها تحديدًا من قبل متخصص في علم الرقى.

فقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين – رحمه الله -:

عن أحد الإخوة المعروفين بتأويل الرؤى، رأى أنه ينفع لعلاج السحر أن يؤخذ كيلو من السدر المطحون، وكيلو من الملح الخشن ( الصخري ) المطحون، وكيلو من الشبه المطحونة، ويخلط خلطًا جيدًا، ثم يوزع على سبعة أكياس، بحيث يتم استخدام كل يوم كيس من السبعة أجزاء، يوضع في جالون ماء يقارب خمسة لترات، وتخض جيدًا، ويغتسل بها المسحور لمدة سبعة أيام، بحيث يكون استخدام الكمية لتلك الأيام المذكورة، وقد جرب ذلك الأمر فنفع مع بعض الحالات، ولم ينفع مع البعض الآخر، فهل يجوز استخدام ذلك؟.

أفتونا مأجورين، وجزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

لا بأس باستخدام هذا الدواء على وجه التجربة؛ فإن هذه الأدوية لا محظور في استخدامها على الصفة المذكورة، ولا تدخل في الشعوذة، ولا الأعمال الشيطانية، وحيث أنها قد جربت ونفعت: فنرى أنه لا بأس باستخدامها في علاج السحر ونحوه، والله أعلم.

” فتوى مطبوعة صادرة عن ” مكتب الشيخ ” رحمه الله، برقم ( 4298 )، تاريخ 5 / 8 / 1422 هـ.

وكان السائل للشيخ والناشر لفتواه هو الأخ أسامة بن ياسين المعاني صاحب كتاب ” الموسوعة الشرعية في علم الرقى “، وتجدين هذه الفتوى مع تعليق الأخ أسامة على الوصفة تحت هذا الرابط:

http://www.ruqya.net/forum/showthread.php?t=157

 

والله أعلم.

متى تقوم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل؟ وما الفرق بين الشهادة والرواية؟

متى تقوم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل؟ وما الفرق بين الشهادة والرواية؟

السؤال:

هل تساوي شهادة المرأتين شهادة الرجل الواحد في كل الأحوال؟ وإذا كانت كذلك: فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟.

وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر ( على سبيل المثال: كثير من الأحاديث المتعلقة بالعلاقات الزوجية ).

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أ. قصر جمهور الفقهاء قبول المرأتين بدلًا من رجل على الشهادة على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والحقوق المالية، كالخيار، والأجل, وغير ذلك.

ب. وأضاف إليه الحنفية: شهادتهما على النكاح والطلاق والنسب.

قال ابن حجر – رحمه الله تعالى -:

وقول الله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال، وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء فمنعها الجمهور، وأجازها الكوفيون.

” فتح الباري ” ( 5 / 266 ).

مع التنبيه على أن مذهب الحنفية والرواية عن أحمد أن لا تكون الشهادة كلها من نساء، بل يشترطون وجود رجل فيها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وعن أحمد أنه قال: ” إذا تزوج بشهادة نسوة: لم يجز، وإن كان معهن رجل: فهو أهون “، فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك، وهو قول أصحاب الرأي، ويروى عن الشعبي؛ لأنه عقد معاوضة، فانعقد بشهادتهن مع الرجال كالبيع.

” المغني ” ( 7 / 337 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 227 ):

وقال الحنفية: ما يقبل فيه شاهدان، أو شاهد وامرأتان: هو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالا أم غير مال، كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة والوصاية. انتهى.

ج. وأكثر أئمة العلم – ومنهم الأئمة الأربعة – على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، فلا تقوم المرأتين مقام الرجل، وخالف فيه الظاهرية، والشيخ عبد الرحمن السعدي، فهو يرى – رحمه الله – قول الظاهرية أن شهادة المرأتين تقوم مقام شهاد الرجل في كل شيء، كما تجده في ” المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد السعدي ” ( 4 / 188 ، 189 ) ولقولهم وجه قوي.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 37 ):

ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) إلى اشتراط الذكورة في شهود الزنى، فلا بد أن يكونوا رجالا كلهم، للنصوص السابقة.

ولا تقبل شهادة النساء في الزنى بحال؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفي به بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص: ( أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى ) البقرة/ 282، والحدود تدرأ بالشبهات.

وقال ابن عابدين: لا مدخل لشهادة النساء في الحدود. انتهى.

والراجح في كل ما سبق: أن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شيء إلا في الحدود، وهو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو قول الشيخ العثيمين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقال بعض أهل العلم: بل إن المرأتين تقومان مقام الرجل إلا في الحدود؛ من أجل الاحتياط لها، واستدل هؤلاء بعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ( أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ) – متفق عليه – وأطلق ولم يفصل، ثم إن الله تعالى ذكر العلة في اشتراط العدد في النساء، وهي: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولم يذكر أن العلة المال، بل العلة: أن تقوَى المرأة بالمرأة فتذكِّرَها إذا نسيت، وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال، إلا ما سُلِكَ فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل، وهذا القول هو الراجح، فالقول الصحيح: أن المرأتين تقومان مقام الرجل مطلقًا، إلا في الحدود؛ للاحتياط لها؛ لقوله تعالى: ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) النور/ 4، فهو نص صريح في وجوب الذكورية. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 453 ).

ثانيًا:

وأما قول الأخ السائل ” فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟ “: فالجواب عليه: أن هذا مثل: شهود رجل واحد على آخر بالقتل، ومثل: شهود ثلاثة رجال على آخر بالزنى، فكيف سنعاقب المشهود عليهم؟! بل في الحالة الثانية نعاقب الشهود الثلاثة بحد القذف! فاشتراط العدد أو الذكورية في الشهادة يوجب على القاضي عدم اعتماد شهادة اختل شيء من شروطها، والإسلام لا يحرص على عقوبة الناس حتى يأتي مثل هذا الاستدراك، بل إنه ليدرأ الحدود بالشبهات.

ثالثًا:

وقول الأخ السائل ” وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر “: فيه عدم ضبط لمسألة مهمة، وهي ” الفرق بين الشهادة والرواية ” فهو يريد تطبيق قواعد الشهادة على الرواية فلا تُقبل رواية امرأة إلا وأت تؤيَّيد برواية امرأة معها! وهذا خطأ بيِّن، فبين الشهادة والرواية فروقات كثيرة أوصلها السيوطي رحمه الله إلى واحد وعشرين فرقًا.

ومما قاله رحمه الله:

وأما الأحكام التي يفترقان فيها – ( أي: الشهادة والرواية ) – فكثيرة، لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر:

الأول: العدد، لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وقذ ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورًا، أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور، الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد، الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقًا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع.

الثالث: لا تشترط الحرية فيها، بخلاف الشهادة مطلقًا.

” تدريب الراوي ” ( 1 / 332 ) وانظر الكتاب إن أردت الفائدة.

وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني – رحمه الله -:

أن عماد الرواية الصدق ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في الشهادة وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة، تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو ضرر على عدوه كما يأتي، بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها. ” التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ” ( 1 / 218 ).

وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – قبلهما:

قد يخالف الشهادات في أشياء ويجامعها في غيرها.

قلت: وأين يخالفها؟.

قلت: أقبل في الحديث: الواحد، والمرأة، ولا أقبل واحدًا منهما وحده في الشهادة، وأقبل في الحديث: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسا، ولا أقبل في الشهادة إلا: سمعت، أو رأيت أو أشهدني. ” الرسالة ” ( ص 372 ، 373 ).

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية سؤالًا مطابقًا لسؤالك، وأجابو بنحو ما أجبنا أعلاه، وننقله لك للفائدة:

فقد سئلوا:

لماذا نسلِّم بقبول رواية امرأة واحدة للحديث مع أننا في الشهادة في الحالات العادية نطبق قول الله عز وجل: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) البقرة/ من الآية 282، وفي علم الحديث يُطلب التثبت أكثر، وخاصة أن هناك أحاديث كثيرة جدًّا في الصحيحين عن عائشة، فهل يعتمد مثلا قول ابن حجر في تجريح رجل ولا يؤخذ قول الله عز وجل: ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ).

نسأل الله عز وجل أن يوفقكم في الرد الشافي على هذا الموضوع الذي يراودني دائما ولا أحدث به أحدًا؟.

فأجابوا:

أولًا: الصحيح أنه لا يشترط في قبول الرواية العدد، بل يكفي في أداء الحديث وقبوله: واحد، سواء كان رجلًا أو امرأة، إذا كان عدلًا ضابطًا مع اتصال السند وعدم الشذوذ والعلة القادحة؛ لاكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ بإرسال واحد كمعاذ بن جبل إلى اليمن، ودحية الكلبي بكتابه إلى هرقل، ونحو ذلك، وكعلي بن أبي طالب إلى مكة في السنة التاسعة من الهجرة لينادي الناس في موسم الحج ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان، وأما النساء: فقد أمر الله تعالى نساءَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغن ما يُتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، فقال تعالى: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) الأحزاب/ 34، ولولا قبول روايتهن للقرآن والسنَّة لما أمرهن بالبلاغ، وقد كانت إحداهن تشترك أحيانًا مع أخرى في البلاغ، وتنفرد به أحيانًا، كما هو واضح لمن تتبع الروايات عنهن، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ عليهن، ولا على من أخذ عنهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم، فكان قبول الرواية عنهن وعن إحداهن ثابتًا بالكتاب وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابته رضي الله عنهم، واستمر على ذلك العمل في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخير وفيما بعدها، بل أجمع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على قبول رواية المرأة مطلقًا، منفردة، ومشتركة مع غيرها كالرجل، إذا توفر فيها شروط القبول.

ثانيًا: ليست الشهادة والرواية على حدٍّ سواء من كل وجه، بل تفترقان في أمور منها: أن الرواية إخبار عن أمر عام للراوي وغيره لا ترافع فيه إلى الحكام، بخلاف الشهادة فإنها في قضايا عينية تخص المشهود عليه وله، يترافع في مثلها إلى الحكام غالبًا.

ومنها: أن الرواية لا يشترط في قبولها العدد كما تقدم، بخلاف الشهادة فقد يشترط فيها أربعة من الرجال كما في حد الزنا والقذف، وقد يشترط رجلان كما في القتل عمدًا، وقد يكتفى برجل وامرأتين كما في الحقوق المالية، وقد يُكتفى بامرأة واحدة، كقول المرضعة في ثبوت الرضاع.

ومنها: أن الشهادة لكونها خاصة بالمشهود عليه والمشهود له لا تتعداهما إلا بالتبعية المحضة ردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، بخلاف الرواية فإنها يكفي فيها ما يغلب على الظن صدق المخبر من العدالة والضبط، سواء كان الراوي رجلًا أم امرأة، واحدًا أم أكثر.

ومنها: أن بين كثير من المسلمين عداوة قد تحمله على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم في الجزء الأول من ” بدائع الفوائد “:

الفرق بين الشهادة والرواية: أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا تتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة، فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية، وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يُفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط، ولما كان النساء ناقصات عقل ودين: لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك: قويت المرأة بمثلها؛ لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها. اهـ.

ثالثًا: الذين قاموا بنقد رواة أحاديث دواوين السنة ودواوين السيرة والتاريخ تعديلًا وجرحًا جماعة من أئمة الحديث معروفون، لهم بصيرة ثاقبة في ذلك، عاصروا من نقدوهم وحكموا فيهم بما عرفوا عنهم، ولم يفرقوا في منهج نقدهم بين رجل وامرأة، بل هما سواء لديهم في الجرح والتعديل، أما من جاء بعدهم ممن لم يعاصر أولئك الرواة كابن حجر العسقلاني رحمه الله: فإن شأنه مع أولئك الرواة نقل أقوال من عاصرهم من الأئمة فيهم، ومناقشة سندها إليهم، والترجيح بينها إذا تعارضت، ونحو ذلك، تعديلهم أو تجريحهم؛ لعدم معاصرته إياهم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 360 – 364 ).

 

والله أعلم.

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

السؤال:

اعتدت أن أكون  فردًا من أفراد ” جماعة التبليغ “، وقالوا لي أشياء جعلتني في حيرة، فأعلموني إن كانوا على صواب أم لا.

على سبيل المثال: قالوا لي: إني إذا رفعتُ الأذى من الطريق فسوف أنال الحور العين في الجنة، وكذلك لو قمت بالتصفير فإني أنادي على الشيطان، بل قالوا لابن أخي إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه.

فهل هذه الأشياء صحيحة؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد سبق لنا الحديث حول هذه الجماعة، وأشرنا إلى بعض ما لها وما عليها.

 

ثانيًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله إنك ” إذا رفعتَ الأذى من الطريق فسوف تنال الحور العين في الجنة “: إنما هو اعتمادًا منهم على حديث غير صحيح، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا علي! أعط الحور العين مهورهن: إماطة الأذى عن الطريق، وإخراج القمامة من المسجد، فذلك مهر الحور العين ).رواه الديلمى في ” مسند الفردوس ” ( 5 / 328 ) من غير إسناد، والكتاب من مظنة الأحاديث الضعيفة.

ولإماطة الأذى عن الطريق فضائل:

أ. فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ).

رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) – واللفظ له -.

ب. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لشكر الله تعالى لفاعله، ولمغفرة ذنوبه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ).

رواه البخاري ( 624 ) ومسلم ( 1914 ).

 

 

ج. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لدخول الجنة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ).

رواه مسلم ( 1914 ).

وفي رواية:

( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ).

د. وإماطة الأذى عن الطريق من العمل النافع:

عن أَبي بَرْزَةَ الأسلمي قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: ( اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ). رواه مسلم ( 1915 ).

قال النووي – رحمه الله -:

هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق، سواء كان الأذى شجرة تؤذي، أو غصن شوك، أو حجرًا يعثر به، أو قذرًا، أو جيفة، وغير ذلك.

وإماطة الأذى عن الطريق من ” شُعَب الإيمان ” – كما سبق في الحديث الصحيح – وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررًا.

قوله صلى الله عليه و سلم ( رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق ) أي: يتنعم في الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة.

” شرح مسلم ” ( 16 / 171 ).

ثالثًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لك إنك ” لو قمتَ بالتصفير فإنك تنادي على الشيطان “: فهذا لا أصل له في كتاب ولا سنَّة.

وفي التصفير خلاف بين العلماء فمن قائل بالتحريم، ومن قائل بالجواز، والقول الثالث: الكراهة، وهو ما رجحناه.

رابعًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لابن أخيك ” إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه “: قول باطل، ولا أصل له في الشرع.

وتغطية الرأس ترجع لعرف الناس، فإن تعارف أهل البلد على أن الرجال يغطون رؤوسهم فيصير الكاشف له بينهم فاعلا لخارم من خوارم المروءة، وستره في الصلاة حينئذ أفضل؛ لأنه يكون من الزينة، وليس في عدم تغطيته إثم، وإن تعارفوا فيما بينهم على كشف رؤوسهم فلا حرج في كشفه، والأمر في ذلك واسع.

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الأعراف/ 31: تبيَّن لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة، أما إذا كُنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة: فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضل، ولا إنَّ كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: ” أنه كان يُصلِّي في العِمامة “، والعِمَامة ساترة للرَّأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 2 / 166 ).

وليس ثمة نص نبوي يوجب ولا يستحب تغطية الرأس لا في الصلاة ولا في دخول الخلاء.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ستر رأس الرجل في الصلاة ليس واجبًا، والأمر في ذلك واسع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 170 ).

وقالوا:

لا يجب تغطية الرأس على الرجل في الصلاة، ولا في غيرها، ويجوز الإئتمام بمن لا يغطي رأسه؛ لأن الرأس بالنسبة للرجل ليس بعورة.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 171 ، 172 ).

وقالوا:

تغطية الرجل رأسه في الصلاة ليست من سننها.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 172 ).

وكل الفتاوى السابقة مذيلة بأسماء العلماء:

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

وإننا نوصي جماعة التبليغ أن يلتزموا ذكر الصحيح من الأحاديث، وأن يجتنبوا الضعيف والموضوع – وما أكثره عندهم -، وقد يسَّر الله من سبل العلم ما تقوم به الحجة عليهم، فها هي الكتب بين أيديهم محققة، وها هم العلماء يملؤون الأرض وقد يسر الله سبل الاتصال بهم بأدنى تكلفة، وها هي الأقراص العلمية، والمواقع الموثوقة، كل ذلك يجعلهم غير معذورين في نشر الأحاديث الضعيفة والقصص المنكر والتأويلات الشاذة لآيات القرآن، فعسى أن نجد فيهم صحوة علمية، وعقلاء يدعونهم إلى هذا الخير.

 

والله أعلم.

 

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

السؤال:

مقدمة السائل غير واضحة تمامًا، ولكنه يتحدث عن قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها وقصة زواجها بزيد بن حارثة رضي الله عنه، ثم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل ويقول:

  1. إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟.
  2. إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟.
  3. طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟.

أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان زيد بن حارثة رضي الله عنه في أول أمر الإسلام ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبنِّي، وكان يُدعى ” زيد بن محمد “، وقد زوَّجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته ” زينب بنت جحش ” رضي الله عنها، فلمَّا أبطل الله تعالى التبنِّي نسب زيدٌ لأبيه ” حارثة ” ولما كان هذا الأمر عليه ثقيلًا أن ينزع عنه النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله تعالى بأن خصَّه بميزة تفرد بها عن المسلمين جميعًا بأن ذكر الله تعالى اسمه في القرآن في آية تتلى إلى قيام الساعة، ثم إن ” زيدًا ” رضي الله عنه اشتكى لنبينا صلى الله عليه وسلم من زوجته ” زينب “، والنبي يصبِّره ويذكره بتقوى الله تعالى، وبعد ذلك الإبطال للتبني يوحي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زوجته وأنها ستكون زوجة له! فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر – وهو تزوجه بزينب مستقبلًا – عن الناس ولم يبده لأحد، ولم يكن وحيًا مأمورًا بتبليغه، وإنما خبر سيتحقق، وقد حصل فعلًا أن طلق زيد زوجته زينب، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فقه الصحابية الجليلة عائشة رضي الله عنها أن قالت إن محمَّدًا لو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم آية العتاب هذه التي عاتبه بها ربه تعالى، وهي قوله تعالى: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

فليس في قصة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدح بمقامه، ولا ينزل من قدره، وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعيف ومردود.

قال القرطبي – رحمه الله -:

قال ابن العربي: فإن قيل لأي معنى قال له: ( أمسك عليك زوجك ) وقد أخبره الله أنها زوجُه؟.

قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له ” زيد ” من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها.

فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا تناقض؟!.

قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحُكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه، وتقبلوه.

” تفسير القرطبي ” ( 14 / 190 ).

ثانيًا:

وأما جواب السؤال الأول وهو ” إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟ “: فهذا لا يرِد على من فقه معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومن أعظمها في هذا الباب اسم الله تعالى ” الحكيم “، وصفته ” الحكمة “.

إن التطبيق العملي للأحكام الشرعية يختلف في قوته وأثره عن الواقع النظري، وخاصة فيما يتعلق بأمرٍ مشتهر في الجاهلية ويُراد القضاء عليه، أو بأمر يوقع على الناس الحرج لو لم يُرى في الواقع العملي، ولنضرب على ذلك أمثلة:

  1. إفطار النبي صلى الله عليه وسلم عمليًّا استعدادًا للقاء العدو.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ” كُرَاعَ الْغَمِيمِ ” فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: ( أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ). رواه مسلم ( 1114 ).

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

وإنما رفع الإناء ليراه الناس فيقتدوا بفعله … ولما كان مقصوده بإفطاره إفطار الناس: لم يكن لأحد أن يخالفه، فلما صام قوم أطلق عليهم اسم ” العصاة “.

” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 719 ).

 

  1. أكل النبي صلى الله عليه وسلم من أجرة الرقية.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب فلم يَقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن – أي: سورة الفاتحة – ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ).

رواه البخاري ( 5404 ) ومسلم ( 2201 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واضربوا لي بسهم ): فإنما قاله تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث ” العنبر “، وفى حديث أبى قتادة فى حمار الوحش مثله.

” شرح مسلم ” ( 14 / 188 ).

ومن هذا الباب: التزوج فعليًّا بزوجة الابن بالتبنّي بعد تطليقها، أو الوفاة عنها؛ لتحقيق أنها ليست زوجة ابن، وأنه ليس ابنًا في شرع الله تعالى، وتطبيق ذلك عمليًّا من نبي هذه الأمة له أعظم الأثر في القضاء على التبني وآثاره، وفي ذلك يقول تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ) أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك: لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: ” زيد بن محمد “، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ )، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23؛ ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.

وقوله: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 426 ).

 

 

وأوضح منه فيما نريده ما قاله الطاهر بن عاشور رحمه الله حيث قال:

وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دَعِيِّه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكَمْ أَبْنَاءَكَم ) الأحزاب/ 4: أكَّد إبطاله بالفعل؛ حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: ” إن ذاك وإن صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال “، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعيّ من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

والجمع بين اللام وكي: توكيد للتعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك.

” التحرير والتنوير ” ( 22 / 39 ).

فما حصل من تزوج زيد رضي الله عنها بزينب، ثم تطليقه لها، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها: كل ذلك كائن لا محالة، وكل ذلك قد قدَّره الله تعالى أزلًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ربُّه بالتزوج من زينب رضي الله عنها أول الأمر فكيف سيتزوجها؟ فلما قضى الله تعالى ذلك وأمره به: سارع إلى تنفيذ الأمر، فكان زواجه منها تزويجًا له من ربِّه تعالى، وفي ذلك يقول تعالى ( زَوَّجْنَاكَهَا )، ولذلك كانت زينب رضي الله تعالى تفتخر على ضرائرها بذلك – وحقَّ لها أن تفعل – بأن أهاليهن قد زوجوهن، وأما هي فقد زوَّجها ربُّها تعالى من النبي صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه: ” فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ” رواه البخاري ( 6984 ).

فكيف لتلك الأحكام والفضائل أن تظهر لولا وقوع التبني فعليًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزويجه لابنه في التبني من ابنة عمه، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم منها بعد إبطال التبني؟!.

ثالثًا:

قول السائل ” إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟! “: يدل على وقاحته وعلى أنه ليس بمسلم، وأنه كذب في تعبئة بياناته أنه مسلم، وليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها مثل هذا التصرف، ونحن إن أجبنا هؤلاء فلما نرجوه من الخير لهم، ونجيب حتى لا يكون في ذهن المسلم أي شبهة في دينه، والمسلم يعظم نبيه غاية التعظيم، ويعتقد أن القرآن كله كلام الله، ومما يدل على جهل هذا السائل وحقده على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل عن إمكانية كونه صلى الله عليه وسلم – حاشاه – قد اختلق هذه الآية! وعلى العكس تمامًا كان كلام أهل العلم والعقل حيث جعلوا هذه الآية دليلًا على أنه عبدٌ يوحى إليه وأنه بلَّغ ما أنزل عليه، وأنه لو كان صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية! لما فيها من عتاب الله له أنه أخفى ما سيبديه ربه تعالى، وأنه خشي من المنافقين وأهل السوء أن يطعنوا به عندما يتزوج من مطلَّقة ابنه بالتبني! فيأتي هذا ويسأل ذلك السؤال السخيف والذي يدل على حقد وغيظ على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ.

رواه البخاري ( 6984 ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قولها: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ). رواه مسلم ( 177 ).

وزينب رضي الله عنها ليست غريبة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي ابنة عمته، ولو أراد التزوج بها – حتى من قبل تزوج زيد بها – لما كان ثمة عائق يحول دون ذلك، فأي حاجة لاختلاق آية ينسبها لربه تعالى ليتزوجها بها؟! إن مثل هؤلاء السائلين يفكرون بمنطق قساوستهم وأحبارهم وأسيادهم – إن كانوا رافضة -، فهؤلاء المحرفون لدين الله والمفترون على الله تعالى ما لم يشرعه صدر ويصدر منهم كثير من مثل هذا، فيأتي هذا السائل الأخرق ليسأل مثل هذا السائل ظانًّا أنه يمكن التوصل به للطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنَّى له ذلك.

رابعًا:

وقول السائل ” طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنَّى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟ “: هو من باب التشكيك في الشرع ومحاولة النيل من أحكامه، فهو يعلم أن زوجة الابن من الصلب لم يقل أحد بجواز التزوج بها بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وأنها تصير محرَّمة على والد الزوج بمجرد العقد إلى يوم القيامة، كما قال تعالى في سياق ذِكر المحرَّمات في النكاح: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23، فهذا نصٌّ واضح صريح في المسألة وهو تحريم زوجة الابن من الصلب، وذاك نص صريح في جواز التزوج من زوجة الابن الذي كان متبنَّى، فأي حاجة لمثل ذلك السؤال الأخرق؟!.

خامسًا:

وقول السائل ” أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها “: مما يُتعجب منه، لكن إن علمنا أنه غير مسلم – كما هو الظاهر من وقاحته في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – زال العجب، فهل الإيمان بالله تعالى ووحدانيته يتوقف على هذه المسألة؟! وهل الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة يتوقف على هذه المسألة؟! ولو أن السائل قال إنه ” كافر ” وإن هذه الشبهات تقف حائلًا بينه وبين الإسلام لاحترمنا صدقه ولأجبنا عليه مقدِّرين له سؤاله واستفساره عن ديننا، ولأثنينا عليه، كما نفعل عادة مع من يصدق معنا، وأما أن يكون الإنسان مسلمًا أصلًا فهذا لا تقف هذه المسألة حائلًا دون استمراره على دين الله، فأي حاجة تدعو هذا ليكذب علينا أنه مسلم ثم يأتي ويطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة الأسئلة الماكرة؟!.

وبكل حال: فنحن ندعو هذا السائل لأن يراجع نفسه، ويعلم أن دين الله تعالى قائم ومنصور، وأنه إن اهتدى فلنفسه، وإن ضلَّ فعليها، وليعلم أن هذه الحادثة قد مضى عليها حوالي خمسة عشر قرنًا ولم تكن سببًا في خروج أحدٍ من دين الله تعالى، وإنما كانت – فقط – مجالًا للطعن من المنافقين واليهود وأتباعهم، وبحمد الله قد أجاب أهل العلم على إشكالاتها، وبينوا ما في رواياتها من ضعف ونكارة، وكل من يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويقف على أحواله وأخلاقه لا تخطر بباله هذه الوساوس، ولا يعلق إيمانه عليها؛ لما يعلمه من حقائق تقضي على تلك الشبهات وتمنع من حدوث ريبة في أفعاله أصلًا.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

السؤال:

سمعت أن من مات بسبب السرطان أو حرقًا أو غرقًا فإنه يدخل الجنة، فهل هذا صحيح؟ فإني أعرف شخصًا قضى حياته مدخنًا ثم مات بسبب سرطان في الحلق، ولكن الأطباء لم يقولوا إن السرطان الذي أصابه هو بسبب التدخين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت في صحيح السنَّة أنواع من الشهداء لهم منازل الشهداء في الآخرة، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ).

وعن جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ ) قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ. وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ. وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ. وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ ). رواه أبو داود ( 3111 ) والنسائي ( 1846 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة، تَفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء. ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

وقد جعل بعض العلماء ” المرض ” داخلًا في تلك الأنواع، ولم يصحَّ في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما استدلوا به فهو ضعيف جدًّا أو موضوع، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ ).

رواه ابن ماجه ( 1615 ) وحكم عليه ابن الجوزي والألباني بالوضع، كما في ” السلسلة الضعيفة ” ( 4661 ).

 

 

ثانيًا:

ومن مات بمرض ” السرطان ” فإنه يدخل في أنواع الشهداء الوارد ذكرهم في الحديث بشرطين:

الأول: أن يكون موضع السرطان في ” البطن “، فيصدق عليه أنه ” مبطون “.

سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل يدخل من يموت بالسرَطان في ” المبطون “؟.

فأجاب:

لا؛ لأن السرطان لا يكون دائمًا في البطن، فقد يكون في غير البطن.

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 230 ).

وبما أن صاحبك كان موضع السرطان في ” حلقه ” فهو غير داخل في أي نوع من أنواع أولئك الشهداء.

الثاني: أن لا يكون ذلك المرض بسبب تناوله الدخان أو المخدرات أو الخمور، وغيرها من المحرمات، إلا أن يكون قد تاب من ذلك توبة نصوحًا، وامتنع عن تناول تلك المحرمات.

وهذا الشرط عام في كل من ذُكر في الحديث، فالحامل من زنا وتموت في الطلق ليست من الشهداء، والغريق إذا ركب البحر لمعصية أو فجور ومات غرقًا ليس من الشهداء، وهكذا من تهدم عليه حائط وهو يزني أو يشرب الخمر لا يكون من الشهداء، وقد ذكرنا في جواب سابق عن علماء اللجنة الدائمة أن مات نتيجة حادث سيارة وهو داخلها أنه يدخل في ” صاحب الهدم ” فيكون شهيدًا بإذن الله، لكن ذلك لا ينطبق – قطعًا – على من أولئك الشباب المتهورين الذين حصل معهم هذا وهم ” يفحطون ” بها ، ولا على أولئك المتسابقين في ظروف صعبة في الجبال والأودية وعلى الثلوج.

وفي جواب سابق نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغريق العاصي في ركوبه البحر لا يكون شهيدًا.

وقال – رحمه الله – في موضع آخر:

ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 381 ).

وقال السيوطي – رحمه الله -:

قال القرطبي: وهذا والذي قبله – أي: صاحب الهدم والغريق – إذا لم يغررا بنفسيهما، ولم يهملا التحرز، فإن فرَّطا في التحرز حتى أصابهما ذلك: فهما عاصيان. ” الديباج على مسلم ” ( 4 / 508 ) .

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 273 ، 274 ):

واستثني من الغريب: العاصي بغربته، ومن الغريق: العاصي بركوبه البحر، كأن كان الغالب فيه عدم السلامة، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي، ومن الطلْق: الحامل بزنى. انتهى.

وإذا كان شهيد المعركة الذي يُقتل بالسيف إن كان قاتل عصبية أو حمية أو رياء لا يكون له فضل الشهداء ولا مرتبتهم، فأولى أن لا يكون لأولئك ذلك الأجر الجزيل.

 

والخلاصة:

مرض السرطان بحد ذاته لا يدخل الميت بسببه في أنواع الشهداء إلا أن يكون المرض في بطنه, ومن كان مرضه بسبب الدخان أو غيره ومات منه قبل التوبة فلا يكون شهيدًا ولو كان موضع المرض في بطنه، فإن كان المرض في بطنه ولم يكن بسبب فعل محرَّم كان له منزلة الشهداء في الآخرة إن شاء الله.

 

والله أعلم.

 

 

 

نصرانية تبحث عن الحق وتسأل عن حكم النقاش في مسائل الاعتقاد وعن الردة

نصرانية تبحث عن الحق وتسأل عن حكم النقاش في مسائل الاعتقاد وعن الردة

السؤال:

أنا امرأة أمريكية، مسيحية، أمضيت عدة سنوات في تلقي معلومات زائفه عن الإسلام، ولكنني مؤخرًا أخذت على كاهلي مهمة البحث والتعلم بنفسي.

إنها فكرة رائجة في أوساط المسيحيين من الأمريكان أن الإسلام لا يقبل النقاش في أمور العقيدة، ويصف ذلك بالردة والانتكاس، ولا أظن أن هذه هي القضية، فكيف؟ ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ وما هي الردة بمعناها الصحيح؟ ومن هو المرتد حقًّا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحن نحيِّي فيك روح الجد والبحث والاجتهاد في التعرف على الحق، وقد أحسنتِ غاية الإحسان في نبذك للمصادر التي تكتب معلومات زائفة عن الإسلام، وإن أصول البحث العلمي المنصف تقتضي أن تؤخذ المعلومة عن الشيء من مصادره، لا من مصادر شانئيه وأعدائه، وقد أحسنتِ في مراسلتنا للبحث عن المعلومة الصحيحة عن الإسلام، ولن نألوا جهداً في الرد على استفساراتك، والسير معك في بحثك عن الحق، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تسلكي الطريق المنجي لك في الآخرة، وهو طريق الأنبياء والمرسلين، والذين بعثهم الله تعالى ليدلوا الناس على الصراط المستقيم الذي يوصلهم لرضوانه تعالى وجنته.

ثانيًا:

وأما الزعم بأن الإسلام لا يقبل النقاش في مسائل العقيدة، وأنه يعد ذلك ردَّة: فهو من الافتراءات العديدة عن الإسلام، والتي يروجها أعداؤه؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين الذي ختم الله تعالى به الأديان، وليسيئوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسله الكرام، وأرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا.

واعلمي أيتها السائلة أنه يحسن بنا أن نجلي الأمر لك على أتم وجه، فنقول:

  1. ينقسم السائلون والمناقِشون لمسائل الاعتقاد في الإسلام إلى قسمين:

الأول: يسأل ويناقش باحثًا عن الحق، أو طالباً لإزالة الشبهة من قلبه، أو راغباً في تقوية الحق الذي هو عليه، أو مستفسرًا عن شيء يجهله.

فمثل هذا السائل أو المناقش يُسمع له، ويُجاب عن أسئلته، ويزال ما عنده من شُبَه، بالعلم المؤصل بالأدلة الشرعية من القرآن والسنَّة.

وإنما يتولى هذه الإجابات لأولئك السائلين والمناقشين: أهل العلم، وقد أمر الله تعالى مَن جهل شيئًا بدينه أن يسأل أهل العلم، وقد توعد الله تعالى كل من يُسأل عن شيء يعلمه فكتمه بالوعيد الشديد، فمن حق الجاهل بالشرع أن يسأل، ومن واجب العالِم أن يجيبه.

فقولك أيتها السائلة: ” ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) النحل/ 43، والسؤال هنا إنما هو مسألة اعتقادية، وهي كون رسل الله تعالى كانوا رجالًا، وهي آية عامة تشمل السؤال عن مسائل العقيدة وغيرها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الله تعالى أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) الأنبياء/ 7، وواضح أننا نسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسلَ رجالٌ : هو من العقيدة، ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

وقولك: ” فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) يونس/ 94.

وهذه الآية خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به أتباعه، فلا هو بالذي شك، ولا بالذي سأل، وأما نحن فمن شكَّ منَّا في شيء فليسأل أهل العلم ليزيلوا له إشكاله.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

التحقيق: أن الخطاب في قوله: ( إِنْ كُنْتَ فِي شّكٍّ ) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به: من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.

” أضواء البيان ” ( 7 / 165 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإذا كان هذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يَشُكَّ: فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين: فنرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب، أي: إلى أهل العلم؛ لنأخذ بما يقولون، وهذا عام يشمل مسائل العقيدة.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

 

 

الثاني: يناقش من أجل المماراة ، والمجادلة الفارغة، ومن أجل تشكيك المسلمين بدينهم واعتقادهم، ولإدخال الشبَه في قلوبهم وعقولهم.

وهذا الصنف من الناس يمكن للعالِم أن يتجاهله ولا يناقشه، وقد يجب عليه أحياناً تجاهله إن رأى في ذلك ردعاً له وتبكيتًا، ومثل هؤلاء يضيعون الأوقات الثمينة، ويتسببون في فتنة الناس وتشكيكهم في أصول دينهم، ولو كانوا باحثين عن الحق لوجب احترامهم، وللزم العالِم أن يجيبهم على مسائلهم، ولكنهم ليسوا كذلك.

  1. وتنقسم المسائل العقيدية في الإسلام إلى قسمين:

الأول: مسائل قطعية لا شك فيها، ثبتت باليقين، ولم يختلف فيها علماء الإسلام، كوحدانية الله تعالى، والإيمان بالملائكة، والنبيين، واليوم الآخر، وغير ذلك مما هو مثلها.

وهذه المسائل لا مجال للنقاش فيها، ولا مجال لرأي آخر فيها، ومن حق السائل أن يعلم حكم الله تعالى فيها، وليس له أن يعترض عليها أو ينقضها أو يتبنى قولاً آخر فيها.

الثاني: مسائل ظنية الثبوت، اختلف فيها علماء الإسلام، وحصل فيها بينهم نقاش، ومدارسة، للوصول إلى الصواب من القولين.

 

ومثل هذه المسائل لا مانع من النقاش فيها، والاختلاف حولها، وقد اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، فالنقاش فيها ليس كالنقاش في القسم الأول، ومن أمثلتها: اختلاف العلماء في عذاب القبر هل هو على البدن أو على الروح؟ والاختلاف في الذي يوزن يوم القيامة هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟ واختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه في المعراج هل رآه بعينه أو رآه بقلبه؟ فكل تلك المسائل – ومعها غيرها مثلها – مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء، وليس كونها من مسائل العقيدة أنه يمنع النقاش فيها، والحوار حولها، ويعبِّر بعض العلماء عن هذه المسائل بمصطلح ” فروع العقيدة “، بينما يطلق على القسم الأول مصطلح ” أصول العقيدة “، ولا يهم التسمية، وإنما المهم أنه يوجد في الإسلام مسائل في العقيدة، ويُقبل فيها النقاش والأخذ والرد، وأما مسائل القسم الأول فيَسأل عنها مَن كان جاهلًا بها، وإذا عرف قدرها في الشرع ومنزلتها لم يسعه إلا التسليم والاعتقاد.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وأما الردَّة فنلخص أمرها لكِ في نقاط:

  1. الردة هي: الخروج من الإسلام بفعل أو ترك يوجب ذلك، وقد تكون بالقلب أو اللسان أو العمل.
  2. ليس كل مسلم وقع في الكفر يكون كافرًا مرتدًا، فهناك أعذار قد يعذر بها المسلم ولا يحكم بكفره ، منها الجهل، والتأويل، والإكراه، الخطأ .
  3. المرتد لا يقتل مباشرة بعد وقوعه في الردة، لا سيما إذا كانت ردته بسبب شبهة حصلت له، بل يُستتاب ويعرض عليه الرجوع إلى الإسلام وتزال شبهته – إن كان عنده شبهة – فإن أصر على الكفر بعد ذلك: قُتل .
  4. وقد تسألين لمَ شُرعت الردة في هذا الدِّين؟ فنجيبكِ:

جاءت هذه الشريعة المطهرة لإصلاح الفرد والمجتمعات إلى يوم القيامة، وفي ضمن ذلك كان فيها من الأحكام ما يحفظ على الناس دينهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وأموالهم، فشرع حد السرقة وهو قطع اليد حفظًا لأموال الناس، وشرع تحريم الانتحار حفظًا لأبدانهم، وشرع حد القذف وحد الزنا حفظًا لأعراض الناس، وشُرع حد الخمر حفظاً لعقولهم، وشرع حد الردة حفظاً لدينهم! وقد تتساءلين كيف هذا؟ فنقول: إنه لو كان يجوز لكل أحد يدخل الإسلام أن يخرج منه باختياره: لكان في ذلك تشكيك للناس في دينها، وزرع للريبة في قلوبهم، ولكان في مقدور طائفة من الحاقدين على الإسلام أن تعلن إسلامها، وتبين جوانب عظمة الإسلام للناس، ثم تعلن بعد أيام أنها وجدت الإسلام دين تخلف وإرهاب – على حد زعم المبغضين لهذا الدين -، وهكذا في كل مرة يتفق مجموعة من أعداء الإسلام على الفعلة نفسها، وقد جاء في القرآن الكريم ما بيَّن الله تعالى به ذلك على لسان أعداء الإسلام، فقال تعالى عنهم ( وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دِين المسلمين، ولهذا قالوا: ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ).

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 59 ).

 

 

 

أرأيتِ كيف يكيد أعداء الإسلام للإسلام والمسلمين؟ أرأيت كيف حفظ الله دينه بهذا التشريع الجليل – حد الردَّة -؟ فالإسلام لا يتعرض لغير المسلمين المحاربين بالقتل، ولا يجيز ذلك، ولهم أن يختاروا ما يشاؤون من الأديان، لكنهم إن دخلوا في الإسلام فيجب عليهم الالتزام بأحكامه وتشريعاته، ومن ضمن ذلك حد الردة، وفي نهاية الأمر هو لصالح الإنسان نفسه، فإن بقاءه في الإسلام فيه الخير له، وليس كل أحدٍ يوفَّق للدخول في الإسلام، لكنَّ الله تعالى وعد بأن يدلَّ الراغب بالحق على طريقه، وأن يهديه ويوفقه، وما نراكِ إلا من هؤلاء، فنسأل الله تعالى أن يهديكِ وأن يوفقك للاستقامة على دين الله تعالى، ونحن على أتم الاستعداد لإجابتك عما تريد معرفته حول الإسلام وأحكامه وتشريعاته.

 

والله أعلم.

 

التعليق على ما يسمى ” رابطة الرقاة ” وبيان حال صاحب فكرتها

التعليق على ما يسمى ” رابطة الرقاة ” وبيان حال صاحب فكرتها

السؤال:

وجدت هذا الموقع للرقية، واسمه ” رابطة الرقاة “.

http://www.alroqia.info/RabitatAlroqat.htm

ومن هذا الموقع ما يلي:

كيفية الانضمام للرابطة:

يكون الانضمام لرابطة الرقاة بالتوجه بنية صادقة لله بالدعاء التالي: ( اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ ووكيلي، سجل اسمي عندك في رابطة الرقاة ووجه من الآن وحتى مماتي ذِكري وعبادتي لجلالك، إلى حيث توجه رقية ” رابطة الرقاة ” لتحرق السحرة والشياطين وأئمة الكفر والظالمين ).

وهذا التسجيل يتم مرة واحدة في العمر، ولا داعي لتكراره؛ لأن الله لا يغفل ولا ينسى، وحيث أن الله لا يعين على الشرك ولا على الضلال: لذلك فلا خوف مع توكيل الله المطلع على الأسرار في توجيه الرقية لتحرق الشياطين وأئمة الكفر.

ماذا تكسب بانضمامك إلى رابطة الرقاة:

تكسب طاقة عالية جدًّا ناتجة عن مجموع طاقة ” رابطة الرقاة ” أثناء الرقية العالمية مما يجعل قدرتك على هزيمة الشياطين المسلطين عليك أسهل، ومع نظام العلاج بالتقوى والقرآن نتحدى بعون الله الكثير من الأمراض.

( اطلب نسختك المجانية بالإيميل من كتيب ” العلاج بالتقوى والقرآن الكريم ” ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يُعرف كاتب ” برنامج الرقاة ” والداعي إلى الانضمام إلى ” رابطة الرقاة”، وهو يعرِّف نفسه بأنه ” أبو عمر ” مهندس طاقة، وهذا لا يرفع جهالته، وقد رأينا منه جهلًا وضلالًا وابتداعًا، أما الجهل: فواضح أنه لا يُحسن الإملاء فضلًا عن النحو، فثمة أخطاء كثيرة من ذلك في كتاباته التي تتبعناها في أكثر من موقع، وانظر الدعاء الذي من أهل الأرض أن يرددوه وهو ” اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ “! وصواب العبارة: ” اللهم يا عالماً بمكاني وسامعاً دعائي وشاهداً عليّ”، وسيأتي ذِكر نماذج أخرى، ومن يجهل مبادئ الكتابة الإملاء فهو لغيره أجهل.

وأما ضلاله: فهو طعنه بالسلف وأتباعهم من العلماء السلفيين، وقد سماهم بـ ” المرجفين “! وأنهم من جنود ” إبليس واليهود والصليبيين “! ومن أخطر ما قال – عليه من الله ما يستحق ” أن قول ” كل بدعة ضلالة ” هو من ” المفاهيم الشيطانية “! وهذا يدل على تعمقه في الضلال بما يوصله إلى الكفر، وقد تعدى كثيرًا حتى أخبر الناس أن حكم أولئك ” المرجفين ” في شرع الله هو القتل! وله غير ذلك من أوابد تدل على ضلاله وانحرافه عن السنَّة، ومثل هذا الضال لا يكون أهلاً للتكلم في دين الله تعالى، فضلًا أن يكون منظِّراً لمسائل جليلة من الشرع.

وهذه بعض عباراته بالنص:

  1. ” وأقوى آلية يستخدمها هذا الثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” هم المُرجفون.
  2. ” والمُرجفون هم قوم ممّوهون بالثوب الإسلامي، يدّعون أنهم أتباع السلف وأهل السنَّة والجماعة “.
  3. ” وخدمةً للثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” هاجم المرجفون كل مُجاهد، أو ذاكر لله تعالى، فما تركوا مُجاهد – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – لليهود أو للصليبيين إلا وتعدوا عليه، وشاعوا الفساد في الأرض، وأقاموا الحروب على قراءة القرآن الجماعية، وصلاة التراويح، والتهليل الجماعي يوم العيد “.
  4. ” وتأملوا كل فتوى وكل عمل منهم تجدوه – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – يصب في كفة ميزان ثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين “.
  5. والمُرجفون جُلُّ همهم بث الوساوس في الدين بمفاهيم شيطانية هي: ” كل بدعة ضلالة “.
  6. ” والمُرجفون يحملون نفس صفات الثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” فهم يُصعقوا – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – بالجهاد أو بِذكر الله تعالى وخاصة جماعة .
  7. ولقد أخبرنا الغالي الحبيب صلى الله عليه وسلم عن المُرجفين، بل وأصدر حكم – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – بقتلهم.

وكل ما سبق – وله غيره من مثله –  يدل على ضلال الرجل، وشدة بغضه للسنَّة وأهلها، ولا ندري كيف لرجل يريد جهاد المفسدين في الأرض وحرق الشياطين وهو يخفي اسمه؟!.

وأما ابتداعه: فيدل عليه ما جاء من أذكار وأوراد مبتدعة، فقد اخترع أورادًا وجعل لها عددًا معيَّنًا، وتقال في وقت معيَّن، وفضَّل أن يكون ذكرها جماعة!، وبدعته الكبرى هو ما سماه ” رابطة الرقاة “! ودعا فيها الراغبين في محاربة الشياطين أن يسجلوا اسمهم فيها، وعند من يتم التسجيل؟ إنه عند الله!! فطلب مخاطبة الرب تعالى والطلب منه أن يسجل اسم هذا الراقي عنده في ” الرابطة “! وهذا من الاستهزاء العظيم بالرب تعالى، وعدم تقدير الله حق قدره، فضلًا عن الابتداع في الدين.

 

 

 

وهذه بعض عباراته بالنص:

  1. ” يكون الانضمام لرابطة الرقاة بالتوجه بنية صادقة لله بالدعاء التالي: ( اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ ووكيلي ) سجِّل اسمي عندك في رابطة الرقاة “!!.
  2. ” اقرأ مع رابطة الرقاة كل ليل جمعة ” وهو الليل المحصور بين نهار الخميس والجمعة ” بعد صلاة العشاء: الرقية من الأمراض والشياطين وأئمة الكفر، وفي وسطه وعندما تصل إلى الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والفلق والناس والصلاة على الحبيب – صلى الله عليه وسلم – كرر ما استطاعت، وإذا لم تستطع فاقرأ: الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والفلق والناس ثم: ” اللهم صلِ وسلم وبارك في كل لمحةٍ ونفَسٍ بعدد كل معلومٍ لك على عبدك وحبيبك سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وأتباعه. ” كرر ما سبق قدر استطاعتك ، والتدبر خير من التكرار “.
  3. ” كما نرجو من الراقي الالتزام بموعد الرقية الجماعية الأسبوعي وهو الساعة 9 بتوقيت مكة ليل كل جمعة ” هو الليل المحصور بين نهار الخميس ونهار الجمعة “، ولقد حاولنا جمع الناس على موعد مشترك لأن القراءة الجماعية بها طاقة أعلى! والله المستعان “.
  4. ” والرقية هي قراءة مئة مرة الفاتحة ثم مئة مرة آية الكرسي ثم مئة مرة الإخلاص ثم مئة مرة الفلق ثم مئة مرة الناس ثم مئة مرة ” اللهم صلِ وسلم وبارك في كل لمحة ونفس بعدد كل معلوم لك على عبدك وحبيبك سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وأتباعه “
  5. ” حِزْبُ الِوقَايَةِ لِمَنْ أرَادَ الِولاٰيَةَ “:

بِسْمِ اللهِ الرَحْمٰنِ الَرحِيمِ

اَلَلٰهُمَ يَاَ حَيُ يَاَ قَيُومُ بِكَ تَحَصّنْا فَاحْمِنِا بِحِمَاَيَةِ كِفَايَةِ وقَايَةِ حَقيِقَةِ بُرْهَانِ حِرْز آَمَانِ بِسْمِ اللهِ، وأَدْخِلْنِا يَا أَوّلُ يَا آَخِرُ مَكْنُون غَيِب سرّ دَاِئرِة كنْزِ مَا شَاَءَ اللهُ لاَ قوَّةَ إِلاَ بِاللهِ، وَأسْبُلْ عَليَّنا يَا حَلِيمُ يَا سَتَارُ كَنَفَ سِتْرِ حِجَابِ صِيَانِة نَجَاَةِ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ، وَابْنِ يَا مُحِيُط يَا قَاَدِرُ عَلَيَّنا سُوَر أَمَانِ إحَاطِة مَجْدِ سُرَادِقِ عِزّ عَظَمةِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللهِ ….

وله غير ذلك من البدع والإحداث في الدين كثير، واقتصرنا على ما يبين للمسلمين حال الرجل وحكمه في شرع الله.

فالرجل جاهل بالشرع، ضال في الفكر، ومبتدع، ومثله يجب التحذير منه، ولا ينبغي لأحدٍ الاغترار بما يكتبه في كل مكان من مواقع الشبكة العنكبوتية، ولن يجد المسلم العاقل عناء في تبين حال الرجل إذا اطلع على بعض ما نقلناه عنه، فكيف إذا اطلع عليه كله؟!.

 

ثالثًا:

وله مزاعم بنى عليها أصل ضلاله وابتداعه، ومن أهمها:

  1. زعمه بوجود طاقة عند قراءة القرآن، وهذه الطاقة يمكن تخزينها، ومن ثم توجيهها للمفسدين في الأرض من الجن والإنس!.

قال:

” ولتبسيط الفكرة فإن القرآن الكريم يُنتج طاقة يمكن توجيههًا وتخزينها  – والله على كل شيء قدير – ولا يوجد أي ضرر بأن يقرأ المرء القرآن متوكلا على الله في توجيه طاقة القرآن إلى حيث يعلم الله، ذلك أن التوكل على الله حصن، فالله لن يُعين على شرك أو ضلال أو فساد ”  انتهى.

وهذا زعم ليس له أساس من الصحة، وأثر القرآن لا يُنكر، لكن ليس بتلك الصورة التي يصورها ذلك الرجل.

فهو قد صوَّر المسألة على أنها ” حرب “! فالرقاة منهم الأسلحة، وعلى الرب تعالى أن يوجه تلك الأسلحة للمفسدين في الأرض!! والتأثر بالرسوم المتحركة واضح في هذه الفكرة التي اخترعها ذلك الرجل!.

  1. زعمه أن الرقية الشرعية مِن جميع مَن في الرابطة ينتفع بها الرقاة جميعًا، وأهليهم، وذرياتهم! مستفيدين من الطاقة القرآنية التي تجتمع من قراء الرابطة!.

كما أنه يبشِّر الرقاة في الأرض والمجاهدين في سبيل الله في أي مكان أنه سيصلهم من فوائد رقية أعضاء الرابطة!.

قال:

أ. ” ويستفيد المرتبط بالرابطة بأنه يكون تحت الرقية على مدار الساعة؛ ذلك لأن كل عبادة – من ذِكر أو صلاة أو غيرها – من أي راقي بالرابطة ترقي كل فرد بالرابطة ! فالكل يرقي الكل، وبهذا يكون بحالة وقاية دائمة من الشياطين والأمراض “.

ب. ” ورابطة الرقاة هي رابطة تعتمد بالمطلق على قدرة الله وحوله وقوته حيث يوجه ويجمع الله طاقة قراءة الرقاة، ويوجهها بعلمه وحوله وقوته إلى حيث يعلم هو سبحانه ، بحيث يتم رقية أعضاء رابطة الرقاة ووالديهم وأزواجهم وذرياتهم وأزواج ذرياتهم وأرزاقهم ومصالحهم، وكل راقي على وجه الأر ، وأي مجاهد في سبيل الله هو وذويه … “.

والرقية الشرعية ليست بتلك الصورة الساذجة التي يدعيها، فهي لا تكون عامَّة، بل موجَّهة للمريض نفسه.

ومن أراد الرقية الشرعية على أحد فلا تكون عبر شريط تسجيل، ولا تكون عامَّة حيث يوجد مريض، بل تُقرأ مباشرة على المريض نفسه، وبنية علاجه بالقرآن.

 

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الرقية بفتح جهاز التسجيل: خلاف الأصل الشرعي، فالرقية بواسطة جهاز التسجيل: أمرٌ محدثٌ، لا يجوز شرعًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 85 – 87 ).

وقالوا:

الرقية لا بد أن تكون على المريض مباشرة، ولا تكون بواسطة مكبر الصوت، ولا بواسطة الهاتف؛ لأن هذا يخالف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وأتباعهم بإحسان، في الرقية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 91، 92 ).

  1. زعمه أن قراءة القرآن تنفع في القضاء على المفسدين في الأرض وعلى الظالمين!.

قال:

أ. ” … وكل أئمة الكفر، وبالاتكال على الله الذي قال: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ) الإسراء/ 82، فإنه يتم شفاء المؤمني، وتدمير الظالمين، ولفظ الظالمين هو لفظ يشمل ظلمة الكفار والمسلمين ”

ب. ” فما المانع من توكيل الله في توجيه طاقة الرقية إلى حيث يعلم ؛ لقتل الشياطين، وأئمة الكفر؟ “.

وقراءة القرآن ليس لها أثر في القضاء على المفسدين في الأرض، وإنما العمل بالقرآن هو الذي له أثر في ذلك، فالقيام بدعوة المفسدين، ونصحهم، وتذكيرهم، وإقامة الحجة عليهم: هو الذي له أثر في هدايتهم، وتغيير حالهم بإذن الله، كما أن جهادهم وقتالهم له أثر كذلك إن لم ينفع وقف إفسادهم إلا به، وأما مجرد قراءة القرآن للقضاء على المفسدين في الأرض فهو فكرة ساذجة تخديرية تصب في نهاية المطاف في صالح أولئك المفسدين حيث لا يأتيهم ناصح ولا يجاهدهم مجاهد، كما أن قارئ القرآن يعتقد أنه أدَّى ما عليه تجاه أولئك المفسدين بقراءته المجردة! وهذا هو الذي يخدم الثالوث! لا ما نقوله نحن.

  1. والزعم بأن الجن يحترق بالقراءة هو زعم يزعمه بعض الرقاة، ولا أصل له في الشرع، وهو غيب لا يستطيع أحدٌ منهم أن يثبته، فالجن عالَم يرانا ولا نراه، فمن أين لهم أنه احترق برقيتهم وقراءتهم؟.

 

* سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:

هل ثبت في السنَّة الصحيحة أن القرآن يحرق الجن؟ وكذلك الجني الذي يصرع الإنسان إذا أُمر بالخروج فلم يخرج هل يحرقُه القرآن؟.

فأجاب:

لا أعلم شيئًا من هذا في السنَّة أن تلاوة القرآن تحرق الجنيَّ المتلبس بإنسان، لكنَّ الذي نعلمه أن القرآن الكريم – كما قال رب العالمين – ” فيه شفاء للناس “، و ” هو شفاء لما في الصدور “… – وذكر حديثاً في إخراج النبي صلى الله عليه وسلم جنيّاً من طفل مجنون -.

فهذا ثابت في السنَّة أن القرآن يفيد في إخراج الجني المتلبس بالإنسان ، وهذا حديث شاهد على ذلك ، ….

أما أن القرآن يحرق الجني: فهذا شيء ما سمعتُ به، ولا عرفتُه، ولا أظنه أنه يمكن أن يصح. ” فتاوى جدة ” ( شريط رقم 16، وجه أ ).

 

فالواجب الحذر من كتابات ذلك المهندس الذي يُكنى ” أبو عمر “، وعدم الالتفات لدعاواه ودعواته، وليلزم المسلمون غرز علمائهم الثقات الأثبات الذين يعرفونهم، ولا ينبغي تقديم مثل هؤلاء الجهلة المجاهيل عليهم.

 

 

والله أعلم.

شكوى من زوجة معدد، وبيان لطائفة من مسائل فقهية في التعدد

شكوى من زوجة معدد، وبيان لطائفة من مسائل فقهية في التعدد

السؤال:

أنا امرأة متزوجة منذ 20 سنة، ولي خمسة أبناء، وأقيم أنا وزوجي وأولادي في المدينة التي يعمل فيها زوجي، وهي بعيدة عن إقامة أهلي وأهله، حرمت نفسي كل هذه السنوات من معظم كماليات الحياة ( من لباس وطعام وحلية … ) من أجل أن يجمع زوجي المال الكافي لشراء سيارة نستطيع أن نسافر بها إلى أهلنا بدون عناء.

وبعد كل هذه المدة تزوج زوجي بامرأة ثانية تقيم بهذه المدينة، وأنجب منها ولدين، وأسئلتي في أمور مختلفة كالتالي:

  1. هل يجوز لزوجي أن يستعمل سيارتنا ليسافر مع زوجته الثانية والتجول معها وقضاء حاجياتها؟.
  2. هل يجوز له إن أردتُ الذهاب لزيارة أهلي أن يجعل هذا السفر بالتداول مع الزوجة الثانية، أي: أنه لا أستطيع السفر إلى أهلي مرة تلو الأخرى حتى يسافر معها في السيارة لأي غرض ما ثم بعد ذلك يأتي دوري في السفر، وهذا حتى ولو كنت مدعوة لوليمة أو زفاف أو غيرها من الأسباب، مع العلم أن الزوجة الثانية تقيم أمام أهلها وتزورهم متى شاءت، أما أنا فبعيدة عن أهلي، فهل هذا عدل؟.

والآن أصبح زوجي يرغمني على استعمال وسائل النقل العمومية للسفر مع أولادي الصغار، ولا يريد استعمال سيارتنا التي طالما ضحيتُ من أجل أن نشتريها لكي تسهل علينا شقاء السفر، ( وذلك ليتفادى المشاكل )، هل يجوز له ذلك؟.

  1. هل يحق لزوجي بأن يأخذ أشياء من بيتي لكي يستعملها في بيته الثاني، مع العلم أن هذه الأشياء أردنا في وقت ما أن نبيعها لنشتري أغراض أخرى تحتاج إليها العائلة؟ وهل يحق له أن يشتري آلات جديدة لزوجته الثانية دون أن يفكر في تغيير آلاتنا القديمة ( التي يومًا تعمل ويومًا لا تعمل ).
  2. هل عدلٌ من زوجي أنه عندما يشتري كمية من الطعام أو الفاكهة التي تكفي أسرته الثانية المتكونة من الأبوين و طفلان لم يتجاوزا 3 سنين فإنه يشتري نفس الكمية لأسرتنا المتكونة من الأبوين و 5 أشخاص يتراوح عمرهم بين سنتين و 23 سنة؟.
  3. هل يجوز لزوجي بأن يدخل زوجته الثانية في بيتي وهذا في غيابي وبدون موافقتي ويسمح لها بتغيير أشياء من موضعها؟.

وأخيرًا أشكركم على هذا الموقع الإسلامي، وعلى الفتاوى القيمة، وبارك الله فيكم.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر الأخت السائلة على ثقتها بموقعنا، وعلى حسن ظنها به، كما نشكر لها سؤالها عن دينها وتحريها حكم الله، وهو يدل – إن شاء الله – على دين وعقل رزقها الله إياهما، فنرجو الله تعالى أن يوفقها لالتزام حكمه، وأن يوفقها لما فيه رضاه، وأن يجمع لها بين سعادة الدنيا والآخرة .

ثانيًا:

وقوفك أيتها الزوجة السائلة مع زوجك، وتوفيرك للنفقات من أجل شراء سيارة: مما يُشكر لك، ويُثنى عليك من أجله ، لكن هذا لا يجعل السيارة التي اشتراها زوجك ملكًا لك، ولا هي شراكة بينك وبينه، وإنما يكون لك من الملكية فيها بقدر ما دفعتِ من ثمنها، ولم تذكري شيئاً من ذلك، فتكون السيارة ملكاً شرعيًّا لزوجك، وهو قبل أن يتزوج بأخرى لا بدَّ أنه كان يقضي بها حوائج لنفسه، ولا نظن أنك كنت تنكرين ذلك عليه بحجة أنك وفَّرت من كمال معيشتك لأجل شراء السيارة، والظاهر أنك لم تفعلي هذا إلا بعد أن تزوج! وهذا أمر نعرفه في عالم الزوجات.

وعليه: فالسيارة ملك له، ولا حرج من استعمالها في توصيل زوجته الثانية بها، وليس ثمة مجال للإنكار عليه.

ثالثًا:

سفر الزوج المعدِّد ليس فيه قسمة بين زوجاته، وهو على حالين:

الأول: أن يكون سفرًا مطلقًا، وهنا يجب عليه أن يُقرع بين نسائه اللاتي يرغبن بالسفر معه، واللاتي يمكنهن ذلك حقيقة، فمن خرجت قرعتها سافر بها، ولا يقضي للتي بقيت، ويفعل هذا في كل سفرٍ يسافره حتى لو تكرر خروج القرعة لواحدة بعينها أكثر من مرة.

الثاني: أن يكون سفرًا لحاجة إحدى نسائه، كأن ترغب في السفر إلى أهلها، أو للعلاج، أو لحاجة غير ذلك، فهنا يسافر بها، ويقضي للتي بقيت.

وإن سافرت وحدها – دون زوجها – لحاجتها: فلا تُحسب مدة سفرها لها، وليس عليه أن يقضي لها أيام سفرها لها إن رجعت.

وعليه: فليس للزوج أن يمتنع من السفر بك إلى أهلك إلا بعد أن يسافر بالزوجة الأخرى، فليس هذا من العدل الواجب عليه، بل إنه يجلب مضرة وظلمًا، فيسافر بك إلى أهلك إن استطاع وتيسر له ذلك، ويقضي للأخرى الأيام التي يقضيها معك في السفر، وإن أوصلك ورجع، أو سافرتِ مع أحدٍ غيره: فليس لك مطالبته بالأيام التي غبتِ فيها في سفرك ذاك.

والعدل الواجب على المعدِّد هو: أن يعدل في نفقته على نسائه، وفي المبيت، وفي السكن، وفي الكسوة.

رابعًا:

ولا يجوز لزوجك أن يسمح بسفرك مع أولادك الصغار فقط، وليس لك أن تفعلي ذلك؛ فسفرك إن لم يكن فيه معك محرَم من الرجال: كان سفرًا محرَّمًا، وأثمتِ فيه أنت زوجكِ.

خامسًا:

والأغراض التي في بيتك إن كان شيء منها لك تملكينه على الوجه الشرعي: فلا يحل لزوجك أخذه إلا بإذنك، وعن طيب نفسٍ منك، وأما إن كانت تلك الأغراض ملكًا له: فهو يتصرف بها كما يشاء، لكن لا يتصرف على وجه يكون فيه ظلم أو حيف، وليس من العدل أن يُنقِص من أغراض بيت لحساب بيته الآخر، بل ينبغي أن يكون تصرفه خالياً من الظلم والميل، ويكون وفق المصلحة وعلى حسب القدرة، ومن الطبيعي أن تكون أغراض البيت الأول أقدم من أغراض البيت الثاني بسبب قدَم الزواج الأول وحداثة الزواج الثاني، لكن لا يعني هذا أن لا يجدد أغراض البيت الأول إن تعينت الحاجة لذلك، ولا يعني أن يُنقِص منه ما يحتاجونه منها، وعلى كل حال: فالمسألة تحتاج لتقوى، لا لفتوى، ففروع هذه المسائل كثيرة ومتعددة، ومن كان من الأزواج المعددين صاحب تقوى: عرَف ما أوجبه الله عليه فالتزم به، وما نهاه عنه فانتهى وتصرف في أموره الأخرى وفق المصلحة وعلى حسب القدرة دون أن يكون في تصرفه ميلٌ لجهة دون أخرى، ولا هضم لحق واحدة على حساب الأخرى.

سادسًا:

ومما يجب على الزوج المعدد: النفقة على زوجاته باعتباره زوجًا، وعلى أهل بيته باعتباره أبًا، ونعني بالنفقة الواجبة: أن يُنفق على كل بيتٍ ما يحتاجه أهله، ولا شك أنه سيحصل تفاوت في تلك النفقة تبعاً لحجم الأسرة، وأعمار أفرادها، والمهم في ذلك أن يوفِّر لكل بيت حاجته من الطعام والشراب وضروريات الحياة، ولا مانع أن يزيد في النفقة لبيت دون الآخر بشرط أن يكون ثمة مسوغ لهذه الزيادة، كأن يكون استقبال ضيوفه في ذلك البيت، أو يكون أفراد الأسرة أكبر حجمًا، أو تكون الزوجة أو أولادها يطرق بابَهم زوارٌ كُثر يحتاجون لضيافة، وهكذا في أسباب كثيرة متعددة تجعل صاحب البيتين يقدِّر حاجة بعضهم أكثر من الآخرين.

وننصح الأخت السائلة أن تتعالى عن الفتش والبحث فيما يحضره زوجها لبيتها الثاني، وأن تطلب منه حاجة بيتها هي وأولادها، دون النظر إلى ما يأتي به للأخرى؛ فإن هذا أدعى لسلامة قلبها من المرض، ولعقلها من الانشغال بتوافه الأمور، وأدعى لتجنب المشكلات بينها وبين زوجها، وأنتِ قد ذكرتِ أن زوجته الأخرى يعيش أهلها بقربها، ألا تظنين أنه ثمة حاجة لأن يزيد زوجك في تلك النفقة من أجلهم ، أو من أجل أقربائها الذين يزورونها؟.

سابعًا:

وإذا أراد الزوج تجنب المشكلات في حياته الزوجية: فلا نرى أن يُدخل إحدى زوجتيه على بيت الأخرى إلا بإذنها، وأما أن يُدخلها ويجعلها تغيِّر في أثاث البيت وترتيبه: فليس له ذلك، وهو بفعله ذلك يكون ظالماً لصاحبة البيت؛ فالبيت هو مملكة الزوجة، وهي ترتبه وتعتني بها، فدخول ضرتها عليه دون علمها، وتغييرها في ترتيبه: يُنقص من قدرها، ويوقع الظلم عليها، فليتجنب الزوج فعل ذلك ولا يفتح على نفسه أبوابًا مغلقة من المشكلات مما هو في غنى عن الانشغال بها، ومما يوقع العداوة والبغضاء بين زوجتيه وقد يؤثر ذلك مستقبلًا على علاقة أولاده من كلٍّ منهما بعضهم  ببعض، فيحصل بينهم – لا قدَّر الله – عداوة وبغضاء.

ونسأل الله أن يصلح حالكم وبالكم، وأن يوفقكم لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.