الرئيسية بلوق الصفحة 72

حكم التسبيح باستعمال برنامج ” المسبحة الإلكترونية “!

حكم التسبيح باستعمال برنامج ” المسبحة الإلكترونية “!

السؤال:

انتشرت في المنتديات المسبحة الإلكترونية للتسبيح، وطريقتها سهلة، وهي تساعد على ذكر الله، وبصراحة فقد أعجبتني، وصرت هذه الأيام كلما فتحت الجهاز فتحت البرنامج، وقعدت أسبح، وأهلل، وأكون ملزمة نفسي، ولا أغلق الصفحة إلا حين أنتهي، وبدون ما أنظر: أنشغل، وأنسى، أنا أعرف أن التسبيح باليد أفضل، لكن أنا أكون مشغولة على ” النت “، هذه عندي أفضل، وردت أسال عن حكمها؛ لأني سمعت أنهم يقولون إنها من الصوفية, وأنا ما قصدت أقلدهم، أنا أذكر الله وفقط.

أتمنى أعرف الحكم، الله يعافيك، علمًا أني استفدت منها كثيرًا، وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– اختلف العلماء في حكم ” السبحة “، فقال بعضهم إنها بدعة، وقال آخرون: إنها ليست كذلك، لكنهم لم يختلفوا فيها في مسائل، منها:

  1. أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو التسبيح باليد، فهو السنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وعدُّ التسبيح بالأصابع: سنَّة، كما قال النبي للنساء ( سبِّحنَ واعقدن بالأصابع؛ فإنهن مسؤولات، مستنطَقات ). ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 506 ).

  1. أن التسبيح باليد هو الأفضل، والأولى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله – أي: بأصابعه -؛ لأنهن (مستنطقات ) كما أرشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 173 ).

  1. أن اتخاذها من باب التعبد بذاتها: لا يجوز.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

المسبحة إذا اتخذها الإنسان يعتقد أن في استعمالها فضيلة، وأنها من وسائل ذِكر الله عز وجل: فهذا بدعة، أما إذا استعملها الإنسان من باب المباحات، أو ليعد بها الأشياء التي يحتاج إلى عدها: فهذا من الأمور المباحة، أما اتخاذها دينًا، وقربة: فهذا يعتبر من البدع المحدثة.

انظر كتاب ” البدع والمحدثات وما لا أصل له ” ( ص 434 ).

  1. أن إظهار التسبيح بها رياءً: محرم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما اتخاذه – أي: التسبيح بالمسبحة – من غير حاجة، أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك: فهذا إما رياء للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأول: محرم، والثاني: أقل أحواله الكراهة؛ فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة، كالصلاة، والصيام، والذِّكر، وقراءة القرآن: من أعظم الذنوب. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 506 ).

  1. أن التسبيح بها بالأصابع مع غفلة القلب واللسان عن الذِّكر: تسبيح باطل، لا أجر لصاحبه، وأما مع غفلة القلب وحده: فتسبيح ناقص عن الكمال.

* قال المناوي – رحمه الله -:

أما ما ألفهُ الغَفَلَة البَطَلَة، من إمساك سُبحة، يغلب على حباتها الزينة، وغلو الثمن، ويمسكها من غير حضور في ذلك، ولا فِكر، ويتحدث، ويسمع الأخبار، ويحكيها وهو يحرك حباتها بيده، مع اشتغال قلبه، ولسانه بالأمور الدنيوية: فهو مذموم، مكروه، من أقبح القبائح. ” فيض القدير ” ( 4 / 468 ).

هذه مما نرجو أن تكون مواضع اتفاق بين علمائنا المختلفين في حكم التسبيح بها، وقد سبق أن نقلنا في جواب آخر عن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ العثيمين رحمهما الله أنها ليست بدعة، وأنها خلاف الأولى، ونقلنا عن الشيخ الألباني قوله ببدعيتها.

 

ثانيًا:

وقد اطلعنا على البرنامج المشار إليه في السؤال فرأينا أن القول بالمنع من استعماله في الذِّكر هو الأولى، والأقرب للصواب؛ لأسباب:

  1. أن العلماء الذين أجازوا استعمال ” السبحة ” إنما أجازوها لضبط العدد، وليس ثمة ذِكر في الشرع محدَّد بعدد أكثر من مئة مرة، فأي حاجة لبرنامج يحصي أعداد أذكار لم يأتِ فيها نص من الشرع على عدد محدَّد، كمثل ما في البرنامج من الاستغفار، وقول ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” و ” سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ” و ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين “.

وفي البرنامج اثنا عشر ذِكرًا كلها لم يأت فيها نص في الشرع على الذكر بها بعدد محدد، إلا اثنين ، وهما: ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير “، و ” سبحان الله وبحمده “؛ وعليه: فالتزام عدد معيَّن لذكر الله به دون ورود ذلك في الشرع: بدعة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الأصل في الأذكار والعبادات: التوقيف، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، وكذلك إطلاقها، أو توقيتها، وبيان كيفياتها، وتحديد عددها، فيما شرعه الله من الأذكار، والأدعية، وسائر العبادات مطلقًا عن التقييد بوقت، أو عدد، أو مكان، أو كيفية: لا يجوز لنا أن نلتزم فيه بكيفية، أو وقت، أو عدد، بل نعبده به مطلقاً كما ورد، وما ثبت بالأدلة القولية، أو العملية تقييده بوقت، أو عدد، أو تحديد مكان له، أو كيفية: عبدنا الله به، على ما ثبت من الشرع له …

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 21 / 53 )، و ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 178 ).

  1. وما جاء عن العلماء الذين أجازوا استعمال السبحة لضبط العدد إنما هو للعاجز عن الضبط بيده، لا لكل أحدٍ.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين  رحمه الله -:

السبحة ليست بدعة دينية؛ وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة، وليس مقصودة. ” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 173 ).

ولعلَّ الذين يعجزون عن ضبط هذا العدد بأيديهم أقل من القليل، وهذا الأقل لا نظنه يعجز عن العد بيده ويتقن استعمال الحاسوب، والدخول على مواقع الإنترنت.

* قال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله -:

ليس في الشرع المطهر أكثر من ” المائة ” في عدد الذِّكر المقيد بحال, أو زمان, أو مكان, وما سوى المقيد : فهو من الذِّكر المطلق, والله سبحانه وتعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ) الأحزاب/ 41، إلى غيرها من الآيات, كما في: آل عمران/ 41, والأنفال/ 45, والأحزاب/ 35.

فتوظيف الإِنسان على نفسه ذِكرًا مقيَدًا بعددٍ لم يأمر الله به، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم هو: زيادة على المشروع, ونفس المؤمن لا تشبع من الخير, وكثرة الدعاء، والذِّكر, وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده، في حدود ما شرعه الله من الأدعية، والأذكار المطلقة بلا عدد معين, كلٌّ حسب طاقته، ووُسعِه, وفَرَاغه, وهذا من تيسير الله على عباده, ورحمته بهم، وانظر لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعداد لا دليل على تحديدها: وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعاً، من اتخاذ السُّبَح, وإلزام أنفسهم بها, واتخاذها شعارًا، وتعليقها في الأعناق, واعتقادات متنوعة فيها رغبًا, ورهبًا, والغلو في اتخاذها, حتى ناءت بحملها الأبدان, فَعُلِّقَتْ بالسقوف, والجدران, وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها, وانْقَسَمَ المتعبدون في اتخاذها: نوعًا، وكيفيةً, وزمانًا، ومكانًا, وعددًا, ثم تطورت إلى آلة حديدية مصنعة, إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله، ورسوله، والمؤمنون.

فعلى كل عبد ناصح لنفسه: أن يتجرد من الإِحداث في الدِّين, وأن يقصر نفسه على التأسي بخاتم الأنبياء والمرسلين, وصحابته رضي الله عنهم، فَدَع السُّبْحَة يا عبد الله, وتَأَسَّ بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في عدد الذكر المقيَّد, ووسيلة العد بالأنامل, وداوم على ذكر الله كثيرًا كثيرًا، دون التقيد بعدد لم يدل عليه الشرع, واحرص على جوامع الذكر, وجوامع الدعاء.

” السبحة، تاريخها، وحكمها ” ( ص 102، 103 ).

  1. والبرنامج أسوأ من ” السبحة ” لمن ربط ذِكره لله تعالى باستعمال ذلك البرنامج؛ لعدم تيسر البرنامج كل حين، لكل أحد، ومن المعلوم أن ما يقضيه المسلم بعيدًا عن جهازه – غالبًا – أكثر مما يقضيه أمامه، فكيف له أن يذكر ربه وهو بعيد عن جهازه المذكِّر له؟! وهكذا يقال فيمن لا يملك أجهزة حاسوب، وهم أعداد كبيرة جدًّا من المسلمين.
  2. والبرنامج يحتسب على كل ضغط على ” الكيبورد ” عدداً جديدًا، فكيف لهذا الذاكر! أن يحتسب هذا العدد على ربه تعالى وهو مشغول في كتابة مقال، أو ممارسة لعبة بالضغط على مفاتيح ” الكيبورد “؟!.

* قال ابن الحاج العبدري – رحمه الله -:

وبعضهم يمسكها – أي: السبحة – في يده ظاهرة للناس، ينقلها واحدة واحدة، كأنه يعدُّ ما يذكر عليها، وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال، وما جرى لفلان، وما جرى على فلان، ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد، فعدُّه على السبحة على هذا: باطل؛ إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر، واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار، فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة، والرياء، والبدعة. ” المدخل ” ( 3 / 205 ).

  1. وفي البرنامج أيقونة عنوانها ” أسماء الله الحسنى “، وبتأملنا في مادتها: وجدناها تحتوي على أسماء ليست لله تعالى، وكأن من اخترع البرنامج قد اغتر برواية الترمذي الضعيفة، والتي فيها سياق الأسماء التي زادها أحد الرواة من كيسه.
  2. فتحُ الباب لاختراع وسائل يُذكر فيها الله تعالى مع ورود النص الشرعي بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم: فتح باب لشرٍّ كبير، وقد جرَّ التساهل في هذا الباب لربط المسلم نفسه بهذه الاختراعات، غافلًا عن الوسيلة التي خلقها الله معه، لا تفارقه البتة، وهي يده.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

استقرت السنة على عقد الذكر العَدَدِيِّ بالأنامل ثم حصل التحول إلى وسيلة أخرى لِعَدِّ الأذكار في مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: عَدُّ الذكر بالحصى، أو النوى

المرحلة الثانية: عَدُّ الذكر به منظوماً في خيط: ” السُّبْحَة “.

المرحلة الثالثة: عَدُّ الذكر بآلة حديثة مُصَنَّعة .

فإِلى بيان التحول في مراحله الثلاث.

” السبحة، تاريخها، وحكمها ” ( ص 12 – 14 ).

وينبغي أن يضاف إلى تلك المراحل: المرحلة الرابعة، وهي عد الذِّكر باستعمال برنامج على الحاسوب! والله أعلم ماذا يكون بعد ذلك!.

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا للتحذير من استعمال البرنامج في عد ما جاءت الشريعة بتحديد عدد معين له، وأولى بالتحذير ما جاء الذِّكر فيه مطلقًا من غير تحديد عدد معين، وليعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يعد التسبيح بيده، وأن العلماء كافة متفقون على الأولى، والأفضل، وهو التسبيح باليد، ولا يمكن أن يخالف في ذلك أحد وقد عُلم أن هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم العملي.

 

والله أعلم.

هل ينظر الإسلام لغير المسلمين بعين الرحمة والعطف؟

هل ينظر الإسلام لغير المسلمين بعين الرحمة والعطف؟

السؤال:

ما نظرة الإسلام إلى البشرية؟ هل يحث على حب وتقدير الآخرين ككائنات بشرية، بغض النظر عن أديانهم، أو أعراقهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن نظرة الإسلام إلى البشرية ملؤها الرحمة، والعطف، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ لأن الدين الإسلامي آخر الأديان التي شرعها الله تعالى، وأمر الناس كافة بالدخول فيه، كما أنه تعالى أوحى بهذا الدين، وأنزله على قلب أرحم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله عز وجل ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/ 107.

– ونستطيع أن ندلل من القرآن، والسنَّة، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ما يؤكد هذا المعنى، ويتجلى ذلك في صور كثيرة، منها:

  1. الدعوة إلى الإسلام، وإنقاذ الناس من الشرك والكفر.

وفي ذلك جاءت الأوامر في القرآن والسنَّة للمسلمين بدعوة الناس إلى توحيد الله، وبذل الأموال، والأوقات، والأنفس في سبيل ذلك؛ وما ذلك إلا رحمة بالعالَمين؛ لإنقاذهم من عبادة العبَاد إلى عبادة رب العبَاد، ولإخراجهم من ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة.

قال تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران/ 104، وقال تعالى: ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 257.

  1. برُّ الوالدين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين.

بل وإن كان يجاهدان في سبيل صد أولادهم عن الإسلام، وأمرهم بالشرك والكفر!، وفي هذا يقول الله تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/ 14، 15.

  1. الوصية بالجيران، ولو كانوا من غير المسلمين.

ولعلك لا ترى دِينًا، ولا منهجًا، ولا قانونًا، يدعو الناس إلى العناية بالجار، والاهتمام به، والوصية بحفظه، ورعاية حقه، وحرمته، مثل الإسلام، قال الله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) النساء/ 36.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال نوف الشامي: ( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ) المسلم، ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) اليهودي، والنصراني.

قلت: وعلى هذا: فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلمًا كان، أو كافرًا، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة دونه، روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )، وروي عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: ( الذي لا يأمن جارُه بوائقَه )، وهذا عام في كل جار، وقد أكَّد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الكامل من أذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه، وحضَّا العباد عليه. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 183، 184 ).

  1. البر والقسط في التعامل مع الكافر غير الحربي.

وفي ذلك يقول تعال: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة/ 8.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: لا ينهاكم الله عن البرِّ، والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط، للمشركين، من أقاربكم، وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدِّين، والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تَصِلُوهم؛ فإن صلتهم في هذه الحالة: لا محذور فيها، ولا مفسدة. ” تفسير السعدي ” ( ص 856 ).

  1. تحريم قتل المعاهد من الكفار، والوعيد الشديد في ذلك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا).

رواه البخاري ( 2995 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم.

* وقال – رحمه الله -:

والمراد بهذا النفي وإن كان عامًّا: التخصيص بزمان ما؛ لما تعاضدت الأدلة العقلية، والنقلية: أن مَن مات مسلمًا، ولو كان من أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه، غير مخلد في النار، ومآله إلى الجنة، ولو عُذِّب قبل ذلك.

” فتح الباري ” ( 12 / 259 ).

  1. تحريم ظلم المعاهَد ، وتكليفه فوق طاقته.

وقد جاء في ذلك الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه أبو داود ( 3052 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعملٍ، أو تجارة، وسُمح له بذلك فهو: إما معاهَد، أو مستأمن: فلا يجوز الاعتداء عليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أن من قتل معاهَدًا لم يرح رائحة الجنة )، فنحن مسلمون، مستسلمون لأمر الله عز وجل، محترِمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد، والأمان، فمَن أخلَّ بذلك : فقد أساء للإسلام، وأظهره للناس بمظهر الإرهاب، والغدر، والخيانة، ومَن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق: فهذا هو الذي يُرجى خيرُه، وفلاحه.

” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 25 / 493 ).

  1. تحريم الاعتداء، ووجوب العدل.

وفي ذلك يقول تعالى: ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ )، وقال تعالى: ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ).

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تُعامل مَن عَصى الله فيك: بأن تُطيعه فيه.  ” أضواء البيان ” ( 3 / 50 ).

* ونكتفي بهذا القدر، ولو شئنا التفصيل فيما سبق، والزيادة عليه: لطال بنا المقام.

 

 

ثانيًا:

ومع ما سبق بيانه فإنه ينبغي التوكيد على حقائق مهمة، وهي:

  1. ما يُرى في العالَم مما يخالف ما سبق ذِكره إنما هو من جرَّاء أفعال أصحابه، ولا ينبغي نسبته للإسلام، وفي كل دين يوجد من يخالف تعاليمه، ولا يلتزم بأحكامه.
  2. أن ما رأته الأرض وأهلها من ” الكفار ” لا يقارن البتة بما فعله المسلمون، فالحربان العالميتان اللتان راح 70 مليون شخص فيها كانت ” نصرانية ” بامتياز!، ومئات الملايين من المسلمين قتلوا على أيدي: النصارى، والشيوعيين، واليهود، والهندوس، والسيخ، والتفصيل يطول، لكن ليس ثمة من ينكر هذا إلا من عطَّل عقله، واحتلال بلاد المسلمين، وسلب خيراتها كان ولا يزال على أيدي ” الكفار ” من جميع الملل، فليكن هذا على البال أثناء الحديث عن نظرة الإسلام للبشرية، وعن الحب، والعطف، وليقارن المنصفون من أهل التاريخ بين فتوحات المسلمين للبلاد الأخرى، مع الحملات الصليبية – مثالًا – كيف كان حال كلٍّ منهما، ليرى الفرق واضحاً جليًّا، بين الرحمة والقسوة، بين الحب والبغض، بين الحياة والموت.
  3. وما ذكرناه سابقًا عن الإسلام ونظرته للكفار وما جاء فيه من أحكام غاية في الحب، والعطف، والرحمة: لا يعني التبرؤ مما فيه من أحكام قد يطمسها بعض المميعين لديننا، ومن ذلك:

أ. في الإسلام تحرم المودة القلبية، والموالاة، للكفار، ومن يعقل يستطيع التمييز بين البِرِّ، والقِسط، والعطف، والرحمة، التي أمرنا بها تجاه الكافر غير الحربي، وبين المنع من المودة القلبية، والتي منعنا منها تجاه أولئك الكفار بسبب كفرهم بالله رب العالمين، وعدم إسلامهم.

ب. لا يحل لنا تزوج بناتنا وأخواتنا لأحدٍ من الكفار كائنا ما كان دينه، بينما يجوز لنا التزوج – فقط – من الكتابيات العفيفات من اليهود والنصارى؛ ولا شك أن للعقيدة والتوحيد دورها الرئيس في هذا الحكم، فإسلام المرأة الكتابية المتزوجة من واحد من المسلمين قريب، وممكن، وفتنة نسائنا عن دينها بتزوجها من غير مسلم ممكن وقريب، وهذا الحكم موافق جدّاً للرحمة التي جاءت بها أحكام هذا الدين العظيم، الرحمة بالكتابية لعلها تسلم، وبالمسلمة أن لا تترك دينها.

ج. ليس في الإسلام إجبار للكافر أن يدخل في الإسلام؛ لأن الإخلاص، والصدق، من شروط قبول الإسلام، لكن من دخل في هذا الدِّين: فإن من الأحكام الثابتة القطعية فيه: أن ارتد عنه: فإنه يستتاب ليرجع إليه، فإن تاب وإلا قُتل، وما ذاك إلا حفاظًا على دين الناس من التشكيك فيه، وحفاظًا عليه من دخول العابثين وخروجهم استهزاء وسخرية، وما من دولة إلا وفيها قانون يجرم ” الخيانة العظمى ” لتلك البلاد، وعادة ما يكون الجزاء هو القتل، وليس الدين بأهون من الدول حتى يحافظ عليها دونه.

د. وفي الإسلام رجم للزاني المحصَن، وقطع ليد السارق، وجلد للقاذف للعرض الغافل، ولسنا نخجل من هذه التشريعات، بل نعتقد جازمين أن الأرض كلها بحاجة لأن تطبقها، ومن فعل ذلك عاش أهل تلك البلاد آمنة أعراضهم، وأموالهم، ونفوسهم، من التعرض لها بما يسوؤها، ومن تأمل من العقلاء هذه الأحكام علم أن تشريعها هو للمنع – ابتداء – من أن يتجرأ أحد على فعلها، ومن تأمل حال الغرب الكافر، ورأى انتشار الاغتصاب، وكثرة السرقات، وتفشي القتل: علم أن الحاجة ماسَّة لإيقاف هذا، وها هم جربوا غير أحكام الإسلام فماذا نفعهم هذا غير زيادة شقائهم أكثر فأكثر؟!.

وبعد:

فهذه نتف مما ينبغي التنبيه عليه، والتذكير به، ولعلَّ السائل أن يكون قد اطلع على ما لم يكن يعرفه من قبل، ولعله أن يحتاج لزيادة المعرفة في بعض ما ذكرناه سابقًا، ونحن على أتم استعداد لتلقي ذلك منه، وطبيعة الموقع أنه سؤال وجواب يقتضي منا الإيجاز، والاختصار، من احتاج الزيادة زدناه، راجين من غير المسلمين الذين سيطلعون على هذا الجواب أن يعيدوا النظر فيما هم فيه من حال، وأن يعلموا أن الله تعالى قد أمرهم بالدخول في الإسلام، وأن النبي محمَّدًا صلى الله عليه وسلم هو رسولٌ للأرض جميعًا، وليس للعرب وحدهم ، فليحرص كل من يقرأ هذا على النجاة بنفسه قبل فوات الأوان، وليعلن توحيده لرب العالَمين، والشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وسيرى تغيُّرًا في حياته عند أول نطقه بالشهادتين، ليدخل عالَم السعادة الدنيوية والأخروية، وليفوز برضا ربه تعالى، ويتجنب سخطه وعذابه.

 

والله أعلم.

كانت رافضية فمنَّ الله عليها بالهداية وأهلها يمنعونها من التزوج برجل من أهل السنَّة

كانت رافضية فمنَّ الله عليها بالهداية وأهلها يمنعونها من التزوج برجل من أهل السنَّة

السؤال:

أنا فتاة أبلغ من العمر32 سنة، ولم يسبق لي الزواج، والآن أتى رجل صالح، وأهلي رافضون هذا الشاب لأنه سني، علمًا بأن أهلي شيعة! وأنا متسننة منذ الصغر، هل يجوز الزواج من غير رضا الأهل، والأم؟.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى أن أخرجك من الظلمات إلى النور، وأن بصَّرك بالحق، وجعلك من تابعيه، والدعاة إليه، وهي نعمة جليلة اصطفاك الله لها، فاحرصي على شكرها، بالتمسك بها، والدعوة إليها، وتعظيمها.

ثانيًا:

ليس للمرأة أن تزوج نفسها، بل لا بدَّ أن يزوجها وليها، وإلا كان عقد زواجها باطلًا، وهو مذهب جمهور العلماء، بل لا يُعرف بين الصحابة في المسألة خلاف.

ثالثا:

وإذا كان الحال كما تقولين، ولا يوجد مِن أهلك مَن هو على الحق في اعتقاده، وكانوا يعتقدون تحريف القرآن، وتكفير الصحابة، وعصمة أئمتهم، وقذف عائشة، وغيرها من الاعتقادات الكفرية، وكانوا يمنعونك من التزوج برجل صالح من أهل السنَّة: فإنه تسقط بذلك ولايتهم عليك؛ لاختلاف الدِّين بينك وبينهم من جهة، ولعضلهم لك مِن التزوج بكفء، وأحدُ السببين كافٍ لإسقاط ولايتهم في تزويجك، وعليه: فيمكنك التزوج دون رضاهم، لكن لا بدَّ أن يكون ذلك على يدٍ قاضٍ شرعي، يقوم مقام الحاكم؛ لإنشاء عقد الزوجية، فينظر القاضي فيمن تتحقق فيه شروط الولي ممن هم أبعد من أهلك المقربين، فإن لم يجد: فيكون هو وليك الشرعي، وينظر في المتقدم لخطبتك، فإن رآه كفؤًا: فإنه يعقد لكما عقد الزواج الشرعي.

 

والله أعلم.

خطيب الجمعة يأمرهم بما يخالف الشرع فهل هذا مسوِّغ لترك الجمعة بالكلية؟

خطيب الجمعة يأمرهم بما يخالف الشرع فهل هذا مسوِّغ لترك الجمعة بالكلية؟

السؤال:

في الفترة الأخيرة صار حضور صلاة الجمعة في مسجدي – وفي مساجد أخرى من منطقتي – بالأمر الصعب على نفسي، فقد صرت لا أود أن أشهد صلاة الجمعة فيها؛ فلقد طلب منا الأئمة الابتهال، والدعاء، والصلاة، من أجل ” الولايات المتحدة الأمريكية “، وإبداء الرفض للمجاهدين، حتى أنه طُلب منَّا احترام أعياد الكافرين! وأعرف أن صلاة الجمعة فرض، ولكن ما جدواها إن لم يقع منها النفع؟ وليرض عنك ربك، والسلام عليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

صلاة الجمعة من الواجبات العينية على المكلفين من الرجال، وهي من شعائر الإسلام الظاهرة، وهي عيد المسلمين الأسبوعي المتكرر، فليس للبالغ، القادر، الصحيح، المقيم، الخالي من الأعذار: أن يتخلف عن صلاة الجمعة بسبب ما في الخطبة من كلام مخالف للشرع، إلا أن يترك الصلاة في مسجده ليذهب لمسجد آخر يقيم فيه صلاة الجمعة.

وقد أُمرنا بالذهاب للمساجد يوم الجمعة حين يُنادى بها؛ لشهود الخطبة، والصلاة، وعند ذلك النداء تحرُم كل معاملة أثناءه، وبعده، حتى تؤدى الصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الجمعة/ 9، 10.

وقد جاء الوعيد الشديد في ترك صلاة الجمعة مع عدم العذر.

وعليه: فما تذكره – أخي السائل – مما يطلبه منكم الخطيب يوم الجمعة: بعضه منكر، ومحرَّم، كالطلب منكم احترام أعياد الكفار، ورفض المجاهدين، وبعضه محتمل، وهو حفظ البلاد التي تعيشون فيها، فإن كان المراد: حفظ البلاد من القحط، والزلازل: فجائز الطلب، وجائز الدعاء، وإن كان المراد: حفظها في حروبها على المسلمين، واحتلالها لبلادهم: فلا يجوز الطلب، ولا الدعاء، بل هو دعاء بإثم، وظلم، لا يحل فعله، ولا الرضا به، وكل ما سبق لا تعلق لوجوده من خطيبكم بحضورك صلاة الجمعة، وإقامتها في المسجد، ولا تكون معذورًا بترك الصلاة فيه، إلا أن تترك ذلك للحضور في مسجد آخر يخلو من مثل تلك المنكرات.

ولا شك أن كثيرًا من المسلمين يعانون من سوء خطَب الجمعة، وجهل الخطباء، ونشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة على المنابر، والدعوة لإقامة البدع، ولم يكن مثل هذا عذرًا عند أهل العلم للإفتاء بترك صلاة الجمعة في تلك المساجد، وقد وُجد مثل هذا في زمن الصحابة رضي الله عنهم، فقد كان خطيبهم – أحيانًا – ” الحجاج الثقفي “! ولم يكن ليفتي أحدهم بالتخلف عن صلاة الجمعة والحال هو ذاك.

وهذه المسألة مبحوثة عند العلماء في باب الصلاة خلف المبتدع، والفاسق، ولا يخرج عامة الخطباء المشار إليهم سابقًا عن هذا، ولا يجوز عند أهل السنَّة – على التحقيق – ترك الصلاة خلفهم، لا جمعة، ولا جماعة، إلا لمن أراد تركهما ليصلي عند أهل السنَّة الذين لم يتلبسوا ببدعة، ولا بفسق ظاهر.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ولو علِم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه, كإمام الجمعة، والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك: فإن المأموم يصلِّي خلفه، عند عامة السلف، والخلف، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم, ولهذا قالوا في العقائد: ” إنه يصلِّي الجمعة والعيد خلف كل إمام، بَرّاً كان، أو فاجرًا “, وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد، فإنها تصلَّى خلفه الجماعات؛ فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده, وإن كان الإمام فاسقًا، هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل، والشافعي، وغيرهما, بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد, ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر: فهو مبتدع عند الإمام أحمد، وغيره من أئمَّة السنَّة، كما ذكره في رسالة ” عبدوس “، و ” ابن مالك “، و ” العطار “.

مجموع فتاوى ابن باز – (2 / 329).

والصحيح: أنه يصليها، ولا يعيدها؛ فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة، والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون، كما كان ابن عمر يصلِّي خلف الحجَّاج, وابن مسعود، وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر، حتى أنه صلَّى بهم مرة الصبح أربعًا، ثم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ولهذا رفعوه إلى عثمان.

وفي صحيح البخاري أن عثمان رضي الله عنه لمَّا حُصر صلَّى بالناس شخصٌ, فسأل سائل عثمان, فقال: إنك إمام عامة, وهذا الذي يصلِّي بالناس إمام فتنة، فقال: ” يا ابن أخي إن الصلاة مِن أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا: فأحسن معهم، وإذا أساءوا: فاجتنب إساءتهم “، ومثل هذا كثير.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 328، 329 ).

بل وحتى في زمن الفتن، والوصية بلزوم البيت: فليس معناه ترك صلاة الجمعة والجماعة في بيوت الله تعالى.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

رجل لا يحضر الصلاة بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد أصحابه: ( كن جليس بيتك ) ما رأي علمائنا في ذلك؟.

فأجابوا:

لا يجوز ترك صلاة الجماعة في المسجد إلا لعذر شرعي، من مرضٍ، أو خوفٍ، وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من الحث على لزوم البيوت: فالمراد به: اعتزال الفتن، والشرور، وليس المراد به ترك الجمعة، والجماعة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 191، 192 ).

فلا يسعك – أخي السائل – سوى حضور صلاة الجمعة، واعلم أنك لا تُعفى من الإنكار على الخطيب، وغيره، ممن يقع في معصية الله، القولية، والفعلية، وما يعتقدونه من عقائد مخالفة لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة، ولعلَّ حُسن عرضك للحق أن يكون مثمرًا، وترى نتيجة ذلك أمام ناظريك، وإن لم يحصل: فحسبك الأجور المترتبة على دعوتك لهم، وإنكارك عليهم، وحسبك براءة ذمتك من ذلك.

 

والله أعلم.

العلاقة بين آية ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) مع حديث (لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا)

العلاقة بين آية ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) مع حديث (لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا)

السؤال:

أتعتقد أن هذا الحديث له علاقة بما نمر به هذه الأيام من تنامي نفوذ الشيعة؟ وإذا كان الجواب بلا: فما تفسير الحديث: حدثنا ابن بزيع البغدادي أبو سعيد قال ثنا إسحاق بن منصور عن مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: ” لمَّا نـزلت ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) كان سلمان إلى جنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استُبدلوا بنا؟, قال: فضرب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على منكب سلمان, فقال: ( مِن هذا وَقَومِه, والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث رواه الترمذي ( 3261 )، وفي إسناده مقال، لكن له طرق كثيرة يكون بها حسنًا، أو صحيحًا، وصححه ابن حبان ( 16 / 62 )، والألباني في ” صحيح الترمذي “، والأرناؤط في تحقيق ” صحيح ابن حبان “.

والقطعة الأخيرة من الحديث رواها البخاري ( 4615 ) ومسلم ( 2546 ) ولفظها: ( لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ – أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ – حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ ).

وأما اللفظ الآخر وهو: ( لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ ): فقد رواه أحمد في ” مسنده ” ( 13 / 331 ) وضعفه محققوه، وضعفه الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 2054 )، وفيها قوله: ” وجملة القول: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ: ” العلم “، وإنما الصحيح فيه: ” الإيمان “، و ” الدين “. انتهى.

والظاهر أن الأرجح رواية ( رجال ) وليس ( رجل ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ( لَنالَه رجال – أو رجل – من هؤلاء ) هذا الشك من سليمان بن بلال، بدليل الرواية التي أوردها بعده من غير شك، مقتصرًا على قوله ( رجال من هؤلاء )، وهي عند مسلم، والنسائي كذلك، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية ابن وهب عن سليمان بلفظ ( لَنالَه رجال من هؤلاء ) أيضًا بغير شك. ” فتح الباري ” ( 8 / 642).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الآية التي في الحديث، وعلاقتها به، وهي قوله تعالى: ( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) محمد/ 38: فإننا نبين الحقائق التالية:

  1. الحديث في ذاته ضعيف، ومن قَبَِله من العلماء فإنما فعل ذلك لتعدد طرقه، والطرق تختلف في أفرادها بعضها عن بعض.
  2. ولو فرضنا قبول الحديث بكليته: ففي الآية تأويلات ذكرها العلماء يحسن الوقوف عليها، ومنها:

أ. سياق الآية في الإنفاق، والقوم الذين سيأتون ليس مثل من يذهب الله بهم في الإنفاق، دون غيره.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

يقول: ثم لا يبخلوا بما أُمروا به من النفقة في سبيل الله، ولا يضيعون شيئًا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يُؤمرون به.

” تفسير الطبري ” ( 22 / 192 ).

ب. أن هذا من باب التخويف، وإلا فليس يوجد مثل الصحابة رضي الله عنهم.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وهو كقوله تعالى: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) وهو إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” تفسير القرطبي ” ( 18 / 194 ).

ج. لم يتفق العلماء والمفسرون على القوم الذين سيحلون مكان المتولين هم الفرس؛ وذلك إما لضعف الحديث عندهم، أو لعدم وصوله لهم، أو يرون أن ذِكر ” الفرس ”  لا ينفي غيرهم.

* قال الماوردي – رحمه الله -:

( يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) فيه ثلاثة أقاويل:

أحدها: أنهم أهل اليمن، وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد.

الثاني: أنهم الفرس – وذكر حديث أبي هريرة -.

الثالث: أنهم مَن شاء مِن سائر الناس، قاله مجاهد.

” النكت والعيون ” ( 5 / 307، 308 ).

د. أنه لو فرض – جدلًا – أن الآية في الردة، وأن المقصود بهم العرب، وأن القوم الذين سيحلون مكانهم هم ” الفرس “: فإنها تحوي علماً غيبيًّا فيها بشارة للمسلمين من أهل الفرس أنه لا يحدث فيهم ردة عن الدِّين، وفيه إشارة لاحتمال وقوعها من غيرهم، وهو ما حصل بالفعل.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وأقول: هو يدل على أن ” فارس ” إذا آمنوا: لا يرتدون، وهو من دلائل نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة، فيما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم.

” التحرير والتنوير ” ( 26 / 139 ).

 

ثالثًا:

وكما رأينا في الحديث والآية فإنه لا تعلق لهما بانتشار الرافضة في الأرض؛ لأن الكلام عن الفرس المسلمين، والرافضة الفرس ليسوا منهم، فإما أن يقال: لم يحصل تولي عموما لا عن الطاعة، ولا عن النفقة، فلم يحصل استبدال، أو يقال حصل التولي من بعض العرب فجاء الله تعالى بالبديل من مسلمي الفرس، فخدموا دين الله تعالى، وساهموا في نشره، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في ذلك.

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال القرطبي: وقع ما قاله صلى الله عليه وسلم عِيانًا، فإنه وُجد منهم – أي: من الفرس – من اشتُهر ذِكرُه من حفَّاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم فيه كثيرٌ من أحدٍ غيرهم. ” فتح الباري ” ( 8 / 643 ).

 

وإن أهل السنَّة للرافضة لبالمرصاد، وقد فضح الله خططهم، ودك عليهم قواعدهم، بما يسَّره من ليوث أهل السنَّة  الذين سخَّرهم الله تعالى لخدمة دينه، ونصرة كتابه، ونبيه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام.

 

والله أعلم.

تفصيل وافٍ لحديث نَفَسيْ جهنم، والرد على من كذبه من الزنادقة

تفصيل وافٍ لحديث نَفَسيْ جهنم، والرد على من كذبه من الزنادقة

السؤال:

دائما ما كنت أستغرب الحديث بأن الطقس إذا كان حارّا فإن هذا نفَس من أنفاس جهنم، فهل هذا الحديث ضعيف؛ لأنه وفقاً للحقائق التي سمعتها أننا نحصل على فصول السنة من خلال الشمس، وميل الأرض؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحديث المشار إليه في سؤال الأخ السائل هو في أعلى درجات الصحة، وقد اتفق على إخراجه الإمامان البخاري ومسلم، رحمهما الله.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ ).

رواه البخاري ( 3087 ) ومسلم ( 617 ).

وفي الباب حديث آخر، وقد اتفقا – أيضًا – على إخراجه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ).

رواه البخاري ( 512 ) ومسلم ( 615 ).

 

ثانيًا:

وهل كان كلام النار، وشكوتها، كان بلسان المقال أم بلسان الحال؟ أكثر العلماء على الأول، وله نظائر كثيرة في الشرع المطهَّر، وهو الصواب، بلا ريب.

* قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله في هذا الحديث: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضًا ) الحديث: فإن قومًا حملوه على الحقيقة، وأنها أنطقها الذي أنطق كل شيء، واحتجوا بقول الله عز وجل: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ) النور/ من الآية 24، الآية، وبقوله: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الإسراء/ من الآية 44، وبقوله: ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ) سبأ/ من الآية 10، أي: سبِّحي معه، وقال: ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإشْرَاقِ ) ص/ من الآية 18، وبقوله: ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق/ 30، وما كان من مثل هذا، وهو في القرآن كثير، حملوا ذلك كله على الحقيقة، لا على المجاز، وكذلك قالوا في قوله عز وجل: ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) الفرقان/ 12، و ( تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) الملك/ من الآية 8، وما كان مثل هذا كله.

وقال آخرون في قوله عز وجل: ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) و ( تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ): هذا تعظيم لشأنها، ومثل ذلك قوله عز وجل: ( جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) الكهف/ من الآية 77، فأضاف إليه الإرادة مجازًا، وجعلوا ذلك من باب المجاز، والتمثيل في كل ما تقدم ذكره، على معنى أن هذه الأشياء لو كانت مما تنطق، أو تعقل: لكان هذا نطقها وفعلها.

فمَن حمل قول النار وشكواها على هذا: احتج بما وصفنا، ومن حمل ذلك على الحقيقة: قال: جائز أن يُنطقها الله، كما تنطق الأيدي، والجلود، والأرجل يوم القيامة، وهو الظاهر من قول الله عز وجل: ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق/ 30، ومن قوله: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الإسراء/ من الآية 44 الآية، و ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ) النمل/ من الآية 18، وقال: قوله عز وجل: ( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) الملك/ من الآية 8: أي: تتقطع عليهم غيظًا، كما تقول: فلان يتقد عليك غيظًا، وقال عز وجل: ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) الفرقان/ 12، فأضاف إليها الرؤية، والتغيظ، إضافة حقيقية، وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك، واحتجوا بقول الله عز وجل: ( يَقُصُّ الْحَقَّ ) الأنعام/ من الآية 57.

ومن هذا الباب عندهم قوله: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) الدخان/ من الآية 29، و ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ  وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) مريم/ 90، و ( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) فصلت/ من الآية11، ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) البقرة/ من الآية 74، قالوا: وجائز أن تكون للجلود إرادة لا تشبه إرادتنا، كما للجمادات تسبيح وليس كتسبيحنا، وللجبال، والشجر سجود وليس كسجودنا.

والاحتجاج لكلا القولين يطول، وليس هذا موضع ذِكره، وحمْل كلام الله تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم على الحقيقة: أولى بذوي الدِّين، والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق تبارك وتعالى علوًّا كبيرا.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 5 / 11 – 16 ).

 

ثالثًا:

واختلف العلماء هل النفَسان اللذان لجهنم على الحقيقة، أم على المجاز، وأكثر العلماء على أن ذلك على الحقيقة أيضًا، والعلماء الذين حملوا كلام النار على حقيقته، وأنه كان بلسان المقال قالوا: بأن معنى كلامها على الحقيقة أيضًا.

 

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز: لم يُحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته: أولى، وقال النووي نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التوربشتى.

ورجح البيضاوي حمله على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضًا: مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها: مجاز عن خروج ما يبرز منها، وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة؛ لصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى، وتفسيرها، والتعليل له، والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط: بعيد من المجاز خارج عما أُلِف من استعماله. ” فتح الباري ” ( 2 / 19 ).

* وقال الزرقاني – رحمه الله -:

( أن النار اشتكت إلى ربها ) حقيقة، بلسان المقال، كما رجحه من فحول الرجال: ابن عبد البر، وعياض، والقرطبي، والنووي، وابن المنير، والتوربشتي، ولا مانع منه سوى ما يخطر للواهم من الخيال.

” شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ” ( 1 / 59 ).

وقد رأينا بعض أهل الزندقة والإلحاد يسخرون من هذا الحديث، ويعتقدون أنه مخالف للواقع الذي يعلمونه من أن اختلاف الفصول إنما يرجع للعلاقة بين الشمس والأرض، وراحوا يسخرون من الدين، ويطعنون في رواة الأحاديث، ومثل هؤلاء أقل من أن نتتبع سخافاتهم لنرد عليها، فهم رضوا لأنفسهم بالإلحاد، وشككوا قراءهم بوجود الله أصلا، فمن الطبيعي أن يكون هذا موقفهم مما هو دون التوحيد، مما جاء في الشرع.

وأما الرد القاصم لظهور أولئك الزنادقة، ومن طعن في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: فهو أسهل مما يتصورون؛ ذلك أن قولهم المأفون أن هذا الحديث يجعل تقلب الأرض في فصولها هو بسبب نَفَس جهنم: باطل من أصله؛ لوجهين:

الأول: أين في الحديث التعرض لفصل الربيع، والخريف؟!.

والثاني: أنه ليس في الحديث – أصلًا – إخبار الناس أن الصيف والشتاء هما من جراء نفَسي جهنم، بل فيهما التأكيد على وجود الفصلين ابتداء، وأن ” شدة الحر ” و ” شدة البرد ” هما من أثر نفَسَي جهنم، لا أنهما يكوِّنان ” الصيف ” و ” الشتاء “، بل في الحديث أن فصلي ” الصيف ” و ” الشتاء ” سابقاتن على شكوى جهنم، وهذا واضح بأدنى تأمل في الحديث.

 

 

 

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله: ( فأذن لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف ): فيدل على أن نفَسها في الشتاء: غير الشتاء، ونفَسها في الصيف: غير الصيف.

” التمهيد ” ( 5 / 8 ).

والإشكال عند من استشكل الحديث لا في تكوين الفصول بسبب نفسي جهنم، بل في شدة البرد والحر، وأن المعروف في ذلك أن السبب هو ” بُعد ” الشمس و” قربها ” عن رؤوس الناس، ونستطيع فهم الحديث النبوي الشريف وفق المعاني التالية:

  1. تفسير الحسن البصري:

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأحسن ما قيل في هذا المعنى: ما فسره الحسن البصري، قال: ” اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا فخفِّف عنِّي، قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نَفََسين، فما كان من بردٍ يُهلك شيئًا: فهو من زمهريرها، وما كان من سَموم يُهلك شيئًا: فهو من حرِّها “.

فقوله ” من زمهرير يُهلك شيئًا، وحرٍّ يهلك شيئًا “: يفسِّر ما أشكل من ذلك لكل ذي فَهم. ” الاستذكار ” ( 1 / 102 ).

  1. تفسير القاضي عياض:

* قال الزرقاني – رحمه الله -:

قال القاضي عياض: قيل: معناه: إنها إذا تنفست في الصيف: قوَّى لهبُ تنفسها حرَّ الشمس، وإذا تنفست في الشتاء: دفَع حرُّها شدة البرد إلى الأرض “.

” شرح الزرقاني ” ( 1 / 60 ).

وما قاله القاضي رحمه الله – أو نقله دون تعقب -: يجعل كلا النفَسين لجهنم: لهيبًا، وحرارة، فنفَس الصيف ونفَس الشتاء كلاهما صادر من ” نار جهنم ” أي: من حرارتها، ونيرانها، وسيأتي معنى آخر أليق منه.

  1. تفسير الحافظ ابن حجر:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد بالزمهرير: شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار: محلها، وفيها طبقة زمهريرية. ” فتح الباري ” ( 2 / 19 ).

  1. تفسير الشيخ العثيمين:

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: دليل على أن الجمادات لها إحساس لقوله: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضًا )، من شدة الحر، وشدة البرد, فأذن الله لها أن تتنفس في الشتاء، وتتنفس في الصيف, تتنفس في الصيف ليخف عليها الحرَّ, وفي الشتاء ليخفَّ عليها البرد, وعلى هذا فأشد ما نجد من الحرِّ: يكون من فيح جهنم, وأشد ما يكون من الزمهرير: من زمهرير جهنم.

فإن قال قائل: هذا مشكل حسَب الواقع؛ لأن من المعروف أن سبب البرودة في الشتاء هو: بُعد الشمس عن مُسامتة الرؤوس, وأنها تتجه إلى الأرض على جانب، بخلاف الحر، فيقال: هذا سبب حسِّي، لكن هناك سبب  وراء ذلك, وهو السبب الشرعي الذي لا يُدرك إلا بالوحي, ولا مناقضة أن يكون الحرُّ الشديد الذي سببه أن الشمس تكون على الرؤوس أيضا يُؤذن للنار أن تتنفس فيزدادُ حرُّ الشمس, وكذلك بالنسبة للبرد: الشمس تميل إلى الجنوب, ويكون الجوُّ باردًا بسبب بُعدها عن مُسامتة الرؤوس, ولا مانع من أنّ الله تعالى يأذن للنار بأن يَخرج منها شيءٌ من الزمهرير ليبرِّد الجو، فيجتمع في هذا: السبب الشرعي المُدرَك بالوحي, والسبب الحسِّي، المُدرَك بالحسِّ.

ونظير هذا: الكسوف، والخسوف, الكسوف معروف سببه, والخسوف معروف سببه.

سبب خسوف القمر: حيلولة الأرض بينه، وبين الشمس, ولهذا لا يكون إلا في المقابلة, يعني: لا يمكن يقع خسوف القمر إلا إذا قابل جُرمُه جرمَ الشمس, وذلك في ليالي الإبدار، حيث يكون هو في المشرق، وهي في المغرب  أو هو في المغرب، وهي في المشرق.

أما الكسوف فسببه: حيلولة القمر بين الشمس، والأرض, ولهذا لا يكون إلا في الوقت الذي يمكن أن يتقارب جُرما النيّرين, وذلك في التاسع والعشرين  أو الثلاثين، أو الثامن والعشرين, هذا أمر معروف , مُدرك بالحساب, لكن السبب الشرعي الذي أدركناه بالوحي هو: أن الله ( يخوّف بهما العباد ), ولا مانع من أن يجتمع السببان الحسي والشرعي, لكن من ضاق ذرعًا بالشرع: قال: هذا مخالف للواقع ولا نصدق به, ومن غالى في الشرع : قال: لا عبرة بهذه الأسباب الطبيعية، ولهذا قالوا: يمكن أن يكسف القمر في ليلة العاشر من الشهر! …. لكن حسَب سنَّة الله عز وجل في هذا الكون: أنه لا يمكن أن يَنخسف القمر في الليلة العاشر أبدًا.

” شرح صحيح مسلم ” ( شرح كتاب الصلاة ومواقيتها، شريط رقم 10، وجه أ ).

 

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا لتوضيح معنى الحديث، وأنه لا يمكن للشرع أن يخالف شيئًا محسوسًا في واقع دنيا الناس، وإنما أوتي الناس من جهلهم، إما بالشرع، وإما بواقع حال دنياهم، ولا يمكن أن يتعارض وحي مع وحي، ولا وحي مع واقع، البتة.

 

والله أعلم.

وقفات مع كتاب ” هرمجدون ” وبيان حقيقة الملحمة في آخر الزمان

وقفات مع كتاب ” هرمجدون ” وبيان حقيقة الملحمة في آخر الزمان

السؤال:

قرأت وأنا أتصفح أحد المواقع الإسلامية ما يسمَّى بـ ” هارمجدون ” – ” الحرب العالمية الثالثة ” – ومختصر المعلومات عنها أنها : ملحمة كبرى تكون بعد ” أرمجدون “، وفي أعقابها، ويمكن أن نميز ” أرمجدون ” بالآتي:

  1. هي حرب تحالفية عالمية يشترك فيها معظم أهل الأرض.
  2. الأرض الرئيسة للمعركة ” وادي مجيدو ” بفلسطين.
  3. هي حرب مدمرة تقضي على معظم أسلحة الدمار الشامل.
  4. وهي تمهيد للملحمة الكبرى، إذ يستعين الروم – أمريكا وأوربا – بالمسلمين للقضاء على الشر – الصين وروسيا وإيران ومن معهم -، ويتم لهم ما أرادوا, ثم يشحذوا سيوفهم للقضاء على المسلمين في الملحمة الكبرى، والتي تتميز بالآتي:
  5. تكون بعد ” أرمجدون ” العالمية، وفي أعقابها.
  6. هي لقاء مباشر بين الغرب الصليبي، والمسلمين.
  7. تكون في ” سوريا “, وتحديدًا في مكان بالقرب من دمشق.
  8. يكون قائد المسلمين فيها المهدي عليه السلام.
  9. هي حرب بالخيل، والسيوف.
  10. مدتها أربعة أيام.
  11. النصر في النهاية فيها للمسلمين.

ومن خلال قراءتي للموضوع لم أجد آية قرآنية مذكورة، أو حديث نبوي، يدل على تلك المعلومة.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ” هَرْمَجِدُّون ” ، أو: ” آرمجدون ” كلمة عبرية، مكونة من كلمتين: ” هار ” بمعنى ” تل “، و ” مجدُّو ” اسم مدينة في شمال فلسطين – ويطلق عليها ” مجيدو”-.
  2. ليس لهذه الكلمة وجود في ديننا، لا اسمًا، ولا وقوعًا، لا في أحاديث صحيحة، ولا ضعيفة, تسمية هذه المعركة ” هرمجدون “، وتحديد مكانها في فلسطين: ليس مأخوذًا إلا من التوراة والإنجيل.

أ. ففي ” التلمود ” – وهو عند اليهود أقدس من التوراة نفسها -: ” قبل أن يحكم اليهود نهائيًّا: لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم، ويبقون سبع سنين، يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر “.

ب. وجاء في ” الإنجيل ” –  سِفر رؤيا يوحنا 16 : 15 ، 16 – على لسان عيسى عليه السلام – على زعمهم – واصفًا مجيئه المفاجئ في آخر الزمان: ” ها أنا آتي كلص! طوبى لمن يسهر، ويحفظ ثيابه؛ لئلاَّ يمشي عريانًا، فيروا عريته، يجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية ” هرمجدُّون “.

  1. المعلومات التي في السؤال مصدرها: كتاب ” هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام “، للمدعو: أمين محمد جمال الدين، وهو كتاب سيئ، قد ردَّ عليه كثير من أهل العلم، وبينوا تخبطه، وجهله، ويكفي أنْ يُعلم أنَّ من مراجعه المعتمدة كتاب لكاهنٍ شهير، ولم يكتف بهذا، بل زعم أن هذا الكاهن نقل كهانته عن الإسلام!.

قال أمين!:

” ونقول: إن ما جاء به ” نوستراداموس ” هو من تراثنا المنهوب، وميراثنا المسلوب، الذي سقط منَّا، فالتقطوه، وجهلناه، وعلموه.

” هرمجدون ( ص 14 ).

وقد بان زيف ادعاءاته الممجوجة بمرور التواريخ التي ادَّعى فيها وقوع أحداث معينة، فقد ادَّعى صاحب الكتاب – مثلًا -: أن ” المهدي ” سيظهر بعد حكم ” طالبان ” لأفغانستان بست سنوات، أي: عام 2002 م، وقد بان كذب هذا، فقد راحت ” طالبان “، واحتُلت دولتها، ولم يظهر ” المهدي “، ونحن في أوائل العام 2009 م! – 1430 هـ -.

 

وملخص الكلام حول الكتاب فيما قاله ونقله الأستاذ حمدي شفيق:

* قال – حفظه الله -:

إن الكتاب المذكور كتاب خطير، مليء بالجهل، والافتراءات على نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنهجه مبني على تحريف كل شيء، وعلى لي أعناق النصوص لتوافق الواقع، إلى غير ذلك من أنواع الخطأ الكبير، والضلال المبين.

ويجب الحذر من هذا الكتاب، والتحذير من كاتبه، ومقاطعة كل ما يكتبه ويؤلفه بعدم الشراء؛ لأن ذلك يردعه هو، وأمثاله من أن يتاجر بدين الأمة، ومن أن يستخف بعقول المسلمين.

” العلماء يردون على أسطورة هرمجدون ” ( ص 24 ).

* وقال – حفظه الله – بعدها:

من أفضل وأشمل الردود على كتاب ” آخر بيان يا أمة الإسلام “: ذلك الرد العلمي الرصين، الذي كتبه الدكتور ” عبد العزيز دخان ” في مجلة ” الفقه السياسي “، ولأهمية هذا الرد الثري الرائع: نورده فيما يلى:

إن أخطر ما يمكن ملاحظته من سلبيات مثل هذا الكتاب هي:

  1. المبالغة، والتهويل، والإثارة، واستغلال العواطف في قضايا تحتاج إلى دراسة علمية هادئة، وليس المناداة بالويل، والثبور، وعظائم الأمور، فهذا منهج لم يخدم قضايانا بالأمس، ولن يخدمها فى الحاضر، أو المستقبل.
  2. الاعتداء على قواعد المحدثين، في توثيق النصوص، ونقد الأقوال، وتصحيح الأحاديث، وتوثيقها، والتلبيس على المسلمين فى بعض هذه القواعد، وتقريرها بشكل غير صحيح.
  3. الاعتماد على مراجع نبَّه العلماء المعتمدون على ضعف ما فيها من الأحاديث والأخبار.
  4. الخطأ في الاستدلال ببعض مواقف الصحابة في هذه المسائل والقضايا.
  5. نشر روح التواكل بين أبناء المسلمين، انتظارًا للقادم الذي يخلصهم مما هم فيه.
  6. الدعوة إلى العزلة، المذمومة، السلبية، التي لا تعني في النهاية سوى الهروب من الواقع، وإفساح المجال لأهل الفساد ليعيثوا في الأرض فسادًا. انتهى.

وينظر في الرد على الكتاب:

1. ” الحقائق المطموسة في كتاب هرمجدون ” لمجدي سعد أحمد.

  1. ” الرد الأمين على كُتب ” عُمر أُمّة الإسلام ” و ” ردّ السهام ” و ” القول المبين

” لحمدي شفيق.

ومن الردودات الصوتية:

1. ” التحذير من كتاب هرمجدون “، للشيخ محمد عبد المقصود.

2: ” الرد العلمي على كتاب هرمجدون “، للشيخ عادل يوسف العزازي.

وكلها متوفرة في موقع ” طريق الإسلام “.

  1. ثبت في صحيح السنَّة أنه سيقع في آخر الزمان ” صلح ” بين المسلمين والنصارى، ثم نقاتل وإياهم عدوًّا، ثم نقاتلهم في ” ملاحم كبرى “.

عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ذِي مِخْمَرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِهِمْ فَتَسْلَمُونَ وَتَغْنَمُونَ ثُمَّ تَنْزِلُونَ بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ فَيَقُومُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الرُّومِ فَيَرْفَعُ الصَّلِيبَ وَيَقُولُ أَلَا غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَقُومُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَكُونُ الْمَلَاحِمُ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْكُمْ فَيَأْتُونَكُمْ فِي ثَمَانِينَ غَايَةً مَعَ كُلِّ غَايَةٍ عَشْرَةُ ).

رواه أبو داود ( 4292 ) وابن ماجه ( 4089 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

والحديث – كما نرى  فيه قتالان، قتال مع النصارى ضد عدو غيره، وقتالنا ضد النصارى بعد ذلك، و ” هرمَجدون ” عند الكاتب هي المعركة الأولى، وهي الثانية عند أهل الكتاب! والحديث ليس فيه تعرض للعدو الذي نقاتله مع الروم، ولا فيه تعرض للمكان الذي ستقع فيه المقتلة، و ” هرمجدون ” عند أهل الكتاب هي قتالهم لنا نحن المسلمين، ومعنا الوثنيون!، وأرض المعركة عندهم هي: ” فلسطين “، وعليه: فمن زعم أن ” هرمجدون ” هي ” الملحمة ” الوارد ذِكرها في صحيح السنَّة”: فقد أخطأ، وثمة فروقات بين المقتلتين.

* قال الشيح محمد بن إسماعيل المقدَّم – حفظه الله -:

وهاك حاصلَ الفروقِ الأساسية بين ” الملحمة “، وبين ” هرمجدون “:

الأول: أن خبر الملحمة ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، كما تقدم، أما ” هرمجدون ” : فاصطلاح نصراني، إسرائيلي لا يُدرى مدى مصداقيته، ولا ثبوته، وهو مجرد اسم للموضع الذي يدَّعى أن المعركة ستقع فيه، في حين ثبت عنه صلى الله عليه وسلم تسمية موضع الملحمة بأنه ” الأعماق “، أو ” دابق ” – موضعان بالشام، قرب حلب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ ).

رواه مسلم ( 2897 ).

الثاني: ستقع الملحمة بين أهل الإسلام أتباع خير الأنام صلى الله عليه وسلم، وبين الروم النصارى الضالين، في حين يدَّعي أهل الكتاب أن معركة ” هرمجدون ” طرفاها:  قوى الشر، ممثلة – في زعمهم – في المسلمين، ومن حالفهم – من الوثنيين، ويدخل في هذا اللفظ عندهم: الصينيون، والكوريون، والفيتناميون، واليابانيون، والذين تسميهم التوراة: ” يأجوج ومأجوج ” -، وقوى الخير، وهم النصارى – في زعمهم -.

الثالث: ثبت أن الله عز وجلَّ ينصر المسلمين على أعدائهم في ” الملحمة “، في حين يدَّعي أصحاب ” هرمجدون ” أن الغلبة ستكون لهم على ” قوى الشر، وهم المسلمون – في زعمهم -.

الرابع: يحدد أهل الكتاب موعد ” هرمجدون “، وينتظرون فيه مسيحهم على رأس الألف، سواءً الأولى، أو الثانية، فإن طال الزمان فسينتظروا في الألف الثالثة، أما الأحاديث النبوية الشريف : فلم تحدد موعدًا للملحمة سوى أنها من أشراط الساعة

إن ” هرمجدون ” ضد السنن الكونية، والشرعية، و ” الملحمة ” متوافقة معها.

” هرمجدون  : يأس، وقنوط، والملحمة: بشر ، وأمل.

إن ” هرمجدون “: تحبِط، وتخذِّل، و ” الملحمة: تنعش الرجاء، وتبعث الأمل.

” هرمجدون “: تدعو إلى استحضار هزيمتنا كأمر واقع، و ” الملحمة ” تجعل انتصار المسلمين هو الأمر الواقع.

” خدعة هرمجدون ” ( ص 31 – 33 ) باختصار وتصرف يسير.

والذي أخطأ فيه الكاتب: أمور، منها:

أ. فيما يتعلق بـ ” هرمجدون “:

  1. إثباته لاسم معركة لم يرد في الكتاب ولا في السنَّة.
  2. إثباته للمكان الذي تحصل فيه المعركة، مما ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنَّة.
  3. تحديده للعدو المقاتَل من قبلنا بالاشتراك مع النصارى، مما لم يرد فيه وحي.

ب. وفيما يتعلق بـ ” الملحمة “:

  1. ادعاؤه أن قائد المسلمين هو ” المهدي “!، وهو ادعاء ليس عليه دليل من الكتاب، ولا من السنَّة، وقد سبق بيان كذبه في تحديد موعد خروجه، وأنه انقضى وراح.
  2. تحديده لمدة القتال بأربعة أيام، من غير دليل.
  3. لا يجوز الجزم بتنزيل الأحاديث الصحيحة على واقع يراه الباحث مناسبًا للحديث دون ضوابط، وهذا ليس صنيع المحققين من أهل العلم؛ إذ هو غيب لا يَدري عن حقيقته أحد، وما يراه الباحث من الوقائع مناسبًا في زمانه قد يأتي ما هو أنسب منه في زمانٍ بعده، فقول الكاتب إن العدو الذي يقاتله المسلمون والنصارى هم الصين وروسيا وإيران: هو من علم الغيب، ولا يحل لأحدٍ أن يجزم به، وهو ما وقع به مؤلف كتاب ” هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام “، المدعو: أمين محمد جمال الدين، حيث قال في ( ص 7 ): ” أستطيع أن أحلف، ولا أستثني: أن ملاحم آخر الزمان، والتي تبدأ بالحرب العالمية الثالثة، والأخيرة: قد كشرت عن أنيابها، وشمَّرت عن ساعديها، وكشفت عن ساقيها “. انتهى.

وقال في ( ص 48 ): ” لقد كنتُ حريصًا ألا أتورط في تنزيل الأحاديث على الواقع، ليس لعدم جواز ذلك!، كلاَّ، فإنه جائز!، بل يجوز الحلف بالله على غلبة الظن، وإنما منعًا للجدل، وتحرزًا عن الدخول في متاهات المشغبين! ممن لم تتسع دائرة علمهم، ولم ترسخ بعدُ في العلم أقدامهم، ولكن هيهات هيهات.

أما الآن: وبعد أن أصبح الناس كلهم – أو جلُّهم – يتوقعون حروبًا، وملاحم، تتجمع أسبابها، وتتسارع وتيرتها، وتكاد تدق الأبواب: فإنني لا أجد غضاضة، ولا حرجاً في ذِكر ما أعلم، وتنزيل الأحاديث على الواقع، بل أستطيع أن أقسم على ذلك!، ولا أظن أن أحدًا الآن يجرؤ على خلع برقع الحياء، فيجادل، أو يشغب، إلا من أراد أن يشتهر، أو يتكسب، فإن الأمر قد جدَّ جده، ولم يعد هناك وقت للتهريج “. انتهى.

وقد بان كذب ذلك المؤلف ولله الحمد، وقد حصل بعد كلامه ذاك حوادث وأشياء لم تكن في حسبانه، وبان أن قسمه من اليمين الفاجرة, وعُلم من المتكسِّب، ومن المهرِّج!.

وللوقوف على ضوابط تنزيل الأحاديث على الوقائع: ينظر:

أ. ” فقه أشراط الساعة ” ( من ص 253 – 293 ) للشيخ محمد إسماعيل المقدَّم.

ب. ” معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث ” للأستاذ عبد الله بن صالح العجيري.

وكلاهما متوفر على الشبكة العنكبوتية.

  1. وأخيرًا: إن التنصيص على معركة باسم ” هرمجدون ” هو اعتقاد للنصارى، وأما اليهود فلا يوافقونهم في هذا، بل هم يستثمرون بلههم، وجهلهم؛ ليمكنوهم من الاستقرار في فلسطين، ومن هدم ” المسجد الأقصى “، وإلا فإنهم ينتظرون ” الدجال “، فهو ملكهم، لا عيسى بن مريم الذي يكفرونه، ويزعمون أنه ابن زنا – قاتلهم الله -.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان تلاعب الشيطان باليهود -:

ومن تلاعبه بهم: أنهم ينتظرون قائمًا من ولد داود النبي، إذا حرك شفتيه بالدعاء: مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وُعدوا به! وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة ” الدجَّال “، فهم أكثر أتباعه، وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم عليه السلام يقتلهم، ولا يُبقي منهم أحدًا.

والأمم الثلاث تنتظر منتظرًا يخرج في آخر الزمان؛ فإنهم وُعدوا به في كل ملة، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء، لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعبَّاده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا.

” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ( 2 / 338 ).

* وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدَّم – حفظه الله -:

إن اليهود لا يوافقون النصارى بالطبع في مفهومهم عن الألفية، فالمعركة العظمى عندهم هي ” يوم غضب الرب “، وليس ” هرمجدون “، كما أن الذي سيظهر – طبقا لعقيدتهم – هو ” المسيح المنتظر ” الآتي للمرة الأولى ، وليس المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، وبالرغم من ذلك فإن اليهود يروِّجون لعقيدة ” هرمجدون ” في الفكر النصراني الغربي، بل ينفقون الأموال الطائلة لترسيخها في عقل الغرب الخاوي دينيًّا، لأنها تخدِم أهدافهم السياسية، في تكوين وطن قومي لهم في ” فلسطين ” من جانب، كما تساعدهم على تحقيق حلْمهم في السيطرة على العالم من جانب آخر، وهو ما يعني تسييس الدين في خدمة الأهداف القومية اليهودية، بل تنظم الدولة اللقيطة رحلات سياحية دورية لجذب المؤمنين بـ ” الهرمجدون ” من كل دول العالم وفي مقدمتها ” أمريكا “، لزيارة وادي ” هرمجدون ” مسرح العمليات المرتقبة، ومكان معركة نهاية البشر، التي يدَّعون أن من يدركها، أو يدرك العودة الثانية للمسي : فإن شبابه سوف يتجدد، ليبدأ حياة سعيدة، لمدة ألف سنة من السلام التام. ” خدعة هرمجدون ” ( ص 37 ).

 

والله أعلم.

 

أسرة ملتزمة تريد إدخال ” رسيفر ” ليس فيه إلا القنوات الإسلامية

أسرة ملتزمة تريد إدخال ” رسيفر ” ليس فيه إلا القنوات الإسلامية

السؤال:

ما حكم في إدخال ” ريسيفر ” 30 قناة إسلامية للمنزل لاستفادة الأهل منه؟ حاليًّا لا يوجد تلفاز في البيت، والأهل يجدون صعوبة في الاستماع للأشرطة السمعية، وتنزيلها من الإنترنت؛ لانشغالها مع الطفلة، وأمور البيت، ونرى أن استخدام الوسائل المرئية أسرع، خاصة أن المشايخ أصبحوا يظهرون على التلفاز، الذي يجعلنا أن نتردد في هذا الأمر هو وجود بعض الفتاوى القديمة للعلماء، كابن باز، والشيخ الفوزان، في أن الأفضل عدم إدخال الجهاز، فما رأيكم خاصة بعد الثورة المرئية الإسلامية التي لم تكن في وقتهم، رحمهم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يجزيكم خيرًا على حرصكم على تعلم العلم الشرعي، ونسأله تعالى أن يوفقكم لتحصيله، وطلب العلم واجب شرعي، لا يسع المسلم تركه، ولا التهاون فيه، وهو موعود بالمنزلة الرفيعة، والأجر الجزيل على سلوكه سبيل طلبه.

قال تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة/ من الآية11.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ ). رواه الترمذي ( 2646 ) وحسَّنه.

 

ثانيًا:

وبخصوص إدخال القنوات الإسلامية للبيت: فإننا نرى أن ما يوجد منها في عالم الفضاء مما هو موثوق: يشجع على الحث على مشاهدتها، والاستفادة منها، ونذكر في هذا الخصوص:

” قناة الشيخ العثيمين “، ” قناة المجد العلمية “، ” قناة الحكمة “، ” قناة صفا “، وغيرها مما يظهر فيها دعاة أهل السنَّة، وتخلو – في الوقت ذاته – من المخالفات الشرعية، فلا تظهر فيها النساء، ولا يُسمع منها صوت معازف، ولا ضرب بالدف.

والذي نعلمه عن ” الريسيفر ” المشار إليه في السؤال أنه ينتقي القنوات بتلك المواصفات المذكورة آنفًا، حتى إنه ليستبعد بعض القنوات التي يظنها كثيرون صالحة لأن تكون ضمن باقة قنواته، وما كان استبعادها منه إلا بسبب تساهل القائمين على القنوات في الالتزام بالأحكام الشرعية، وإن كان لنا ملاحظة على اختياراته: فهي على قناة، أو قناتين فقط.

ولا شك أن طلب العلم عن طريق تلك القنوات، والالتزام بسلسلة برامجها العلمية فيه نفع كبير لمن حرص عليها، وبذل لها جهدًا.

وفي اعتقادنا أن طلب العلم، والاستفادة منها أكثر بكثير من الأشرطة، وفي كلٍّ خيرٌ، لمن أحسن الاستفادة منهما.

 

ثالثاً:

وأما بخصوص ترددك من حيث الحكم الشرعي: فإننا نشكر لك غيرتك، وحرصك على الاستقامة على هدي الإسلام، كما نشكر لك تقديرك لعلمائنا الكبار، وفي الوقت نفسه نطمئنك أن ما ننصحك به: لا يخالف شرع الله تعالى، ولا فتاوى أولئك العلماء الأجلاء، وبيان ذلك من وجوه:

  1. اعلم أن خطر ” الإنترنت ” ومفاسده أعظم من خطر ومفاسد القنوات الفضائية، وإذا كانت القنوات التي يمكن التقاطها بحدود الخمسمئة: فإن مواقع الفساد، والكفر، والبدعة: بمئات الملايين! ولذلك ننبه إخواننا إلى هذا الخطر العظيم الذي يتهاون فيه كثيرون، في الوقت الذي يتشددون في إحضار قنوات إسلامية موثوقة مشفرة، ويرون أن في هذا فتح باب لفساد عظيم ، ولو تأملوا لعلموا أن الفساد في ” الإنترنت ” أعظم وأكثر ، ومع ذلك تجد أكثرهم يتساهل فيه، ولا يخفى أنه حتى القنوات الفضائية التي امتنع من إحضارها لأهله: فإنها تُرى في ” الإنترنت ” هي وكثير من القنوات التي قد يصعب – أو يستحيل – التقاطها من بيته.

 

  1. أن المشايخ الأجلاء الكبار قد ظهر بعضهم في التلفاز المحلي، وشجعوا من عنده القدرة على الظهور فيه، والقنوات الفضائية الإسلامية لا تقارن بالمحطات المحلية، فهي أولى بأن يوافق عليها أولئك المشايخ الكبار لو تيسر لهم إدراكها.

* قال الشيخ محمد صالح المنجد – حفظه الله -:

” وفتوى مشايخنا، كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان ، والشيخ عبد الله بن جبرين: على إباحة خروج الدعاة في التلفاز المحلي، بل وحث بعضهم على ذلك، كما استفتيتهم، ووقفت على جوابهم بنفسي، من خلال سؤالهم، واستفتائهم “.

من ” لقاء شبكة الفجر مع فضيلته “.

http://www.saaid.net/leqa/12.htm

 

 

 

 

  1. وتشديد بعض العلماء الكبار – كالشيخ العثيمين رحمه الله – على المنع من إدخال القنوات الفضائية لبيوت المسلمين: إنما كان ذلك وقت عدم وجود قناة إسلامية واحدة في عالم الفضائيات! وكان معهم كل الحق في التشديد على المنع؛ لما في تلك القنوات الخبيثة من أثر سيء على المشاهدين لها، وخاصة أنها كانت في أول انطلاق رؤية الفضائيات في بيوت الناس.

وأما مع تغير الحال، ومع كثرة القنوات الإسلامية في عالم الفضاء، والتي تصدح بالحق، وتجهر باعتقاد أهل السنَّة والجماعة: فإنه من الطبيعي أن تتغير الفتوى تبعاً لتغير الحال، وقد تمنَّى الشيخ العثيمين رحمه الله وجود قناة فضائية إسلامية في عالم الفضائيات، تعلِّم الناس دينهم، وتحذرهم من الشرك، والمعاصي، وقد حقق الله أمنية الشيخ في باقة طيبة عطرة من القنوات الإسلامية، وليس بقناة واحدة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الذي أرى: أن يوجد قناة إسلامية يتكلم بها علماء راسخون في العلم, أهل عقيدة سليمة, ويبينون الحق، دون مهاترات، أو منازعات، أو سبٍّ للآخرين: فهذه إذا وُجدت: نفع الله بها, وأرجو الله عز وجل أن يحقق هذا؛ لأن بقاء الناس لا يشاهدون إلا ما ينشر في هذه الفضائيات المدمرة: ضرر عظيم, لكن إذا وجدت قناة إسلامية يتكلم فيها علماء راسخون في العلم، أقوياء في بيان الحق: فلكل سلعة مشترٍ, أهل الباطل يذهبون للباطل, وأهل الخير يذهبون إلى الخير.

وإذا كانت القناة الإسلامية هذه مشيقة في العرض، في طرح المسائل، وفي الإجابة عن الإشكالات: سوف ينصرف إليها أناس كثيرون، حتى ممن لا يريدون هذا, فأسأل الله أن يحقق هذا عن قريب، حتى يشتغل الناس به عن مشاهدة القنوات الفضائية الفاسدة المفسدة.  ” لقاء الباب المفتوح ” ( 211 / 1 ).

 

رابعًا:

وإذا تيسر لك إحضار تلك القنوات لبيتك: فإننا نوصيك بما يلي:

  1. ترتيب أوقاتكم – وخاصة الزوجة – لتتناسب مع البرامج العلمية النافعة فيها، فتمتنعون عن الخروج من المنزل، أو استقبال أحد، في وقت برنامج علمي يستحق المتابعة، وهكذا تصنعون لأنفسكم برنامجًا متكاملًا في اليوم والليلة ليتم الاستفادة من كل اليوم فيما ينفعكم عند ربكم تعالى، والحصول على برامج القنوات، ومعرفة النافع منها: سهل متيسر، ويمكن الاستعانة بمن سبقكم في المتابعة، أو بالدخول على مواقع القنوات في ” الإنترنت “.

 

 

  1. عدم نظر الزوجة إلى وجوه الرجال الأجانب في القنوات، والاكتفاء بالفائدة الصادرة بالصوت، وهذه هي الغاية التي تريدها النساء ، وكما حرَّم الله تعالى نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات: فإنه حرَّم نظر النساء إلى الرجال الأجانب.

قال تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور/ 30، 31.

 

  1. عدم الانشغال بالبرامج غير العلمية، والتي لا تنتفع الزوجة بها، كالتحليلات السياسية، وفقرات الدعايات التجارية، وفقرات الشباب الخاصة بهم – ولنا على بعضها ملاحظات شرعية -، وترك مشاهدة قنوات النشيد، والانشغال بما هو نافع ومفيد، ويفضل التنويع فيها، كأـن تستمع لبرنامج في الطب، وآخر في التربية، حتى لا تمل النفس من السماع في اتجاه واحد.

ونسأل الله أن ييسر أمركم، ويوفقكم لما فيه رضاه.

 

  1. ونوصيك أخيرًا بعدم إحضار ” رسيفر ” عامًّا، بل ما قلناه من الجواز هو خاص بالرسيفر الذي يحتوي على ” قنوات إسلامية ” فقط، وهو المشار إليه في السؤال.

 

والله أعلم.

 

 

 

لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟

لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟

السؤال:

مع بالغ احترامي للأئمَّة الفضلاء، إلا أنني أستغرب لماذا قضية ” التمذهب ” الموجودة في هذه الأيام، ألم تكن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، فلماذا الاختلاف إذًا؟ هذا حنفي، وهذا شافعي … الخ، ألم يكن يتبع هؤلاء الأئمة سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم  فمِن أين نشأ الخلاف؟ وهل يجب على المسلم أن يتبع مذهبًا محدَّدًا، أم أنه يكفيه أن يتبع الكتاب، والسنَّة، وكفى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بُعث النبي صلى اله عليه وسلم برسالة الإسلام الخالدة، وقد أُمر المسلمون باتباع ما جاء في كتاب ربهم تعالى، وبما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرتوون من هذين المصدرين، ولم يكونوا بحاجة لعلوم الآلة حتى يفهموا عنه الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم رضي الله عنهم قاموا بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم بمهمة تعليم الناس دينهم، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذا من كان منهم أحفظ كانت فتياه مطابقة للسنَّة، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب، وهكذا كان اختلافهم في الحفظ سببًا في اختلاف الفتيا، ثم إن النص الواحد قد يكون محفوظًا لكلا الصحابيين، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه غير ما فهم الآخر، ويكون النص محتملًا لهذا، وذاك، وكل واحد منهما يجتهد في فهم النص وفق مراد الشرع، والمصيب منهما واحد، وهكذا كان فهم النص من أسباب اختلافهم.

ثم انتشر العلم في الآفاق، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى، ومنهم الأئمة الأربعة، فأضيفت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما سبق، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص، وهو ما اصطلح على تسميته ” أصول الفقه “.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة، منها: أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد يخفى عليه ما علم غيره، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 178 ).

ثانيًا:

وبما سبق يتبين لك – أخي السائل – الحقائق التالية:

  1. أنه ليس في شرع الله ” حنفي “، و ” مالكي “، وغير ذلك من التصنيفات، والتسميات.
  2. أن الأصل في المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن، وما ثبت في السنَّة النبوية.
  3. أن الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب ” رفْع الملام عن الأئمة الأعلام ” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب ” أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك ” للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
  4. أن أئمة الدين ليسوا أربعة فقط، بل هم كُثر، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة الأربعة – وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -.
  5. أولئك الأئمة الأربعة مذهبهم هو اتباع النصوص، وتعظيمها، فمن رضيهم له أئمة: فليرض مذهبهم، وما كان لأحدٍ منهم مذهل البتة، بل كانوا متبعين لنصوص الوحي، ومعظمين لها، ولا عجب إن عرفنا بعد ذلك أنه قد يكون للواحد منهم أكثر من قول في المسألة، وأن من أبرز أسباب ذلك هو وقوفه على دليل لم يكن يعرفه من قبل، أو تبين له بالمناظرة والتدقيق صواب قولٍ لم يكن يتبناه من قبل، أو كان يخطئه.
  6. لم يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، وقد نزههم الله تعالى عن هذا، بل قد ثبت عنهم جميعًا التحذير من هذا الفعل، والوصية بالأخذ من الكتاب والسنَّة.
  7. الناس ليسوا سواء في الاطلاع على نصوص الوحي، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص، لذا رأينا طائفة كبيرة من ” العوام ” قد سلكت مسلك ” التقليد “، وبما أن الشهرة كانت لأولئك الأئمة الأربعة، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم: صرت ترى ذلك المقلد ” حنفيًّا “، أو ” شافعيًّا “، وغالبا ما يكون مذهب أولئك العوام مذهب شيخهم في مدينتهم، أو قريتهم، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله؛ لأنه مأمور بسؤال أهل العلم، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر، وليس له أن يفتي، ولا أن يتعصب لقول شيخه، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به، ولا يسعه غير ذلك.

– هكذا هي أصل المسألة، وهذا هو الحكم الشرعي فيها.

 

والله أعلم.

هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا؟

هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا؟

السؤال:

أرجو توضيح هذه المسألة لي؛ لكثرة ما قرأت فيها لأهل السنَّة، أنا أؤمن – بفضل الله – أن الله لم يكن معطلًا عن الفعل في أي وقت، ولكن الذي اختلط عليَّ عند قراءتي في ” العقيدة الطحاوية ” للشيخ صالح آل الشيخ أنه قال: إنه لا بدَّ من وجود مخلوقات تعبد الله.

ما أريده هو: هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا، أي: أنه يجب وجود أي مخلوق ليثبت الكمال لله، أي أثر الصفة لا بد أن يوجد لنثبت الكمال لله؟.

وأيضًا: للشيخ ابن عثيمين قرأت هذا في ” العقيدة السفارينية ” أنه يلزم وجود المفعول ما دام صفة الفعل أزلية.

الخلاصة: إذا افترضنا أن الله لم يخلق أي شيء، لا عالمنا، ولا أي مخلوقات أخرى، مع قدرته على الخلق، هل هذا يعدُّ نقصًا؟.

مع رجائي توضيح: هل هناك دليل على وجود مخلوقات قبل عالمنا أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 2):

المسألة الأولى:

أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله? بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب? سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:

المذهب الأول:

هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه? لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.

وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله? مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.

فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.

فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمًَا، فلما خَلَقَ سامِعًا لكلامه، خَلَقَ كلاما – عند المعتزلة والجهمية – فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.

كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 3).

 المذهب الثاني:

هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب? كان مُتَّصِفَا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنًا طويلا طَويلا مُعَطَّلًا عن الأفعال?.

له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئًا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.

فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله ? وخَلَقَ ? هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.

فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.

وقالوا هذا فِرارًا من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب?.

المذهب الثالث:

هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب ? أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته ( قديمة، يعني هو أوَّلٌ ( بصفاته.

وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته).

وأنّ صفات الرب? لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.

والرب? له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد (

فما أراده كونًا لابد أن يكون.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعًا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 4).

 

 

فجنس مخلوقات الله? أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله? وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته?.

فإنَّ أسماء الرب? وإنّ صفات الرب? لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.

فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ?فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ?1، فما أراده سبحانه كان.

وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا).

وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب?.

وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.

يعني أنَّ الله? كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب?، وهذا نسبة النقص لله? لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله ( كمالاته بصفاته.

أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضاً فيه وصف الرب? بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.

ومعلوم أَنَّ هذا العالم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريبًا.

فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال? (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)2?.

فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله? لا يَحُدُُّه زمان، فهو أول? ليس قبله شيء.

وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 5).

وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.

ولهذا نقول إن قول الأشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفًا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئًا إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زمانًا مطلقًا طويلًا طويلًا جدًا ولم يكن الرب? فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.

ولا بد أنَّ الله? له? من يعبده? من خلقه، ولا بد أن يكون له? مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.

بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.

وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله? يعلمها.

وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.

المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ?، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب? بكونه مُعَطَّلًا عن صفاته أو بكونه? مُعَطَّلَا أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.

 

إجابة أخرى:

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عقيدة أهل السنَّة والجماعة: أن الله تعالى له صفات الكمال سبحانه، أو الصفات العليا، أو المثل الأعلى، وكل هذه الألفاظ لأهل السنة، مردُّها أن الله له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.

ثانيًا:

ومن كمال الله المثبت له: أن يكون متصفًا بصفاته أزلًا، وأبدًا, ولتوضيح ذلك نقول:

” صفة الكلام “،  الله تعالى متصف بها, ولم يأت عليه وقت لم يتصف بها، على عكس  المخلوق الذي لم يكن قادرًا على الكلام – مثلًا – منذ ولادته، حتى تعلَّم بعد ذلك، فاستطاع الكلام.

وهذا ينسحب على سائر صفات الله تعالى كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ” وكما كان بصفاته أزليًّا: كذلك لا يزال عليها أبديًّا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق, ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري “. ” شرح الطحاوية ”  ( ص 131 ).

* وقال الإمام أحمد رحمه الله : بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق. انظر ” درء التعارض ” لابن تيمية ( 1 / 275 ).

* قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بـ ” الحُجة على تارك المحجة ” ( 1 / 301 ):

وكذلك قول من قال: ” إن الخالق لا يسمَّى خالقًا، والرازق لا يسمَّى رازقًا، حتى يَخلُق، ويَرزق، ويَحصل منه الخلق، والرزق “!!, وقالوا: ” إنما قلنا هذا لأن العقل، والمشاهدة ينكران أن يتسمَّى أحدٌ بأنه فاعل، أو يتحلى بالفعل، إذا خلا عن الفعل في الحال, وإذا صح هذا: صحَّ أن الله لا يتصف بالخالق، والرازق، ما لم يخلق، ويرزق “!! فيقيسون الخالق بالمخلوق، ويشبهونه به …. انتهى.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومعلومٌ عند مَن يعلم الكتاب، والسنَّة، وأقوال سلف الأمة، وأئمتها: أنه ليس في الكتاب، ولا السنَّة شيءٌ يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكناً له في الأزل، أو لم يكن الفعل، والكلام ممكنًا له في الأزل، أو أنه لم يزل معطلاًّ عن الفعل، أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلًا، ثم إنه صار قادرًا، فاعلًا، متكلمًا بعد أن لم يكن كذلك.

” الصفدية ” ( 2 / 163 ).

ثالثًا:

وقد قال أهل السنة: ” إن مِن صفات الكمال لله: دوام الفاعلية، كما قال الدارمي: ” الحي هو الفعَّال “. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).

ودوام الفاعلية يدل على دوام الفعل لله سبحانه وتعالى، ويلزم من دوام الفعل دوام المفعول.

* قال ابن أبي العز الحنفي: وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فإن كل حيٍّ فعَّال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: ” الحيُّ: الفعال “، وقال عثمان بن سعيد: ” كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله، من الكلام، والإرادة، والفعل.

ثم قال:

فإنه إذا لم يزل حيّاً قادرًا مريدًا متكلمًا – وذلك من لوازم ذاته -: فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل, ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه؛ فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).

رابعًا:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لم يقل أحد من سلف الأمة ولا أئمتها إن هذه السموات والأرض خلقتا وحدثتا من غير أن يتقدمها مخلوق, وهذا وإن كان يظنه طائفة من أهل الكلام، أو يستدلون عليه: فهذا قول باطل؛ فإن الله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء …. ” بيان تلبيس الجهمية ”  ( 1 / 459 ).

* وقال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:

وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ هَذَا الْعَالَمِ مَا هُوَ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) هود/ 7، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ – ( 3019 ) – وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ [ أَوَّلِ ] هَذَا الْأَمْر، فَقَالَ: ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ )، وَفِي رِوَايَةٍ: ( وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ )، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وَفِي لَفْظٍ: ( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ).

فَقَوْلُهُ: ( كَتَبَ فِي الذِّكْرِ ): يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ،، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) الأنبياء/ 105، يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الذِّكْرِ ذِكْرًا، كَمَا يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الْكِتَابِ كِتَابًا.

وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ دَائِمًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ إِحْدَاثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ، فَجِنْسُهَا وَأَعْيَانُهَا مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، وَأَنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ حَادِثٌ لَا فِي زَمَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الْأَزَلِ إِلَى حِينِ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ ولا كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمُرَادُ إِخْبَارُهُ عَنْ مَبْدَأ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ(2653) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». فَأَخْبَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَّ عَرْشَ الرَّبِّ – تَعَالَى – كَانَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ.

دَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْيَمَنِ”جِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ”، [ هُوَ ] إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مَشْهُودٍ مَوْجُودٍ، وَالْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ، أَيِ الَّذِي كَوَّنَهُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ بَدْءِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْجُودِ، لَا عَنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَالَ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ عَنْ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»، وَقَدْ رُوِيَ (مَعَهُ)، وَرُوِيَ (غَيْرَهُ)، وَالْمَجْلِسُ كَانَ وَاحِدًا، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَالَ أَحَدَ الْأَلْفَاظِ وَالْآخَرَانِ رُوِيَا بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُ الْقَبْلِ ثبتَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَفِي صحيح مُسْلِمٍ (2713)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ»، الْحَدِيثَ. وَاللَّفْظَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ بِلَفْظِ الْقَبْلِ، كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِابْتِدَاءِ الْحَوَادِثِ، وَلَا لِأَوَّلِ مَخْلُوقٍ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالُ: «”كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ”أَوْ”مَعَهُ”أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». فَأَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْوَاوِ، «وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» رُوِيَ بِالْوَاوِ وَبِثُمَّ، فَظَهَرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، لَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِمَا، وَذَكَرَ مَا قَبْلَهُمَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِابْتِدَاءِ خَلْقِهِ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا وَهَذَا، فَلَا يُجْزَمُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِذَا رَجَحَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرِدْ «كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ» مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى السِّيَاقِ الْمَذْكُور، ولَا يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ – تَعَالَى – دَائِمًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «”كَانَ اللَّهُ وَلم يكن شَيْءٌ قَبْلَهُ”، أَوْ”مَعَهُ”، أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لَا مَخْلُوقَ مَعَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» يَرُدُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ وَهِيَ: «كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» إِمَّا حَالِيَّةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ. شرح الطحاوية (56).

خامسا:

ما دام أن استناد هذه الحوادث إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك.

* كما قال الشنقيطي رحمه الله في كتابه “رحلة الحج إلى بيت الله الحرام”  ص51:

أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء؛ فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ؛ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزًا عن الإيجاد سبحانه وتعالى عن ذلك. وإيضاح المقام أنك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات؛ فإنك إن قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا:  ليس هناك أولى البتة، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى؛ فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات, وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء؛ فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعًا من الفعل قبل ابتداء الفعل، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له, وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء؛  فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل سبحانه وتعالى عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه,  وكل فرد منها كائنًا ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له, وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى.

فالملخص:  من لازم اتصاف الله  بالكمال دوام اتصافه بصفاته أزلا وأبدا ودوام الفاعلية له سبحانه والتي يلزم منها دوام الفعل, وما دام استناد حوادث لا أول لها إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك, ولم يقل أحد من أهل السنة أنه لم يتقدم السماوات والأرض خلق.

 

والله أعلم.