الرئيسية بلوق الصفحة 130

أظهر أنه مسلم وعقد عليها عرفيًّا وأنجبت منه، فما حكم فعلها وحال ابنها؟

أظهر أنه مسلم وعقد عليها عرفيًّا وأنجبت منه، فما حكم فعلها وحال ابنها؟

السؤال:

أنا فتاة مسلمة عمري ( 27 عامًا ), كنت لا أعرف شيئًا عن الالتزام، أو حتى الطريق إليه، المهم أنني أحببت شابًّا نصرانيًّا، وأخبرني بأنه أسلم ليتزوجني، ولكنه لا يستطيع إشهار إسلامه الآن, حتى لا تقتله الكنيسة، وكتبنا ورقة بما يسمى ” بالسفاح العرفي “، أو النكاح – كما يسمونه -, ولم أكن أعرف وقتها معنى ” نكاح “، ودخل بي بدون علم أهلي، وكنت سعيدة جدًّا بإسلامه من أجلي، وحملت منه، وانتظرت أن يعلن الأمر، ولكنه كان خسيسًا، وفاجأني بأنه لم يسلم، ولن يشهر زواجي، وسافر إلى أمريكا، وبعدها أحسست بأن نهايتي قد اقتربت، وأن الله سوف ينتقم مني جراء ما فعلت، ولكن فعلًا ستر الله كان أعظم، حاولت أن أنزل هذا الجنين بكل الطرق، فلم أستطع، وهربت من البيت قبل موعد الولادة، وولدت الجنين، وأخذته، وتركته مع أناس فقراء، وأعطيتهم ما يكفي من المال للإنفاق عليه، ووالله، ثم والله إني تبت إلى الله من كل ذنب، ولبست النقاب، وأصوم، وأصلي كل الأوقات، وتقدم لي بعدها بأربع سنوات شاب ملتزم جدًّا، فصارحته بالحقيقة، وكانت المفاجأة أنه لم يتركني، ووقف بجانبي، وستر عليَّ، وتزوجته، وهو الآن يعاملني معاملة طيبة جدًّا؛ لأنه متدين، وحياتنا الآن مليئة بالإيمان، والتقوى، والدين، والآن لا أعرف ما حكم هذا الطفل، وهل هو ابني فعلاً أم ماذا؟ وكيف ذلك؟ وما هو الحكم الشرعي لحالتي هذه؟ وهل هو أخ لأبنائي من زوجي الحالي؟.

جزاكم الله خيرًا، أغيثوني إني في حيرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مثل هذه القصص والحكايات التي تحدث مع المخالفين للشرع تعزز ثقتنا بأحكام الإسلام التي جاءت بما فيه صلاح الإنسان والمجتمع، فالعلاقات المحرَّمة بين الجنسين جرَّت ويلات على المجتمعات، فترك بعضهم دينه بسببها، وآخرون تركوا التزامهم وفقدوا استقامتهم، وإذا كانت هذه السائلة قد احتفظت بابنها عند أسرة: فإن غيرها قد باشر قتل الجنين وهو في بطنها، أو حتى عندما تلده، فإنه يهون عليها حتى تباشر قتله، وقد تكون طرقهم في القتل غاية في الشناعة، كإلقائه في حاوية قمامة يموت من البرد والجوع والاختناق، ثم الكبس والتقطيع بالآلات المخصصة للقمامة! وكل ذلك من شؤم المعصية التي تهاون بها أولئك حتى جرَّت تلك الفظائع والآثام.

ومن أحكام الإسلام الحكيمة جعل موافقة ولي الزوجة شرطًا في صحة عقد الزواج، فالولي أقدر على حسن الاختيار من المرأة التي تغلب عاطفتها – غالبًا – على عقلها وحسن تصرفها، ولا تستطيع تمييز الماكر من الرجال من الصادق، فجُعل الولي شرطًا في عقد النكاح لمصالح جليلة، وها نحن نرى مخالفة الناس لهذه الأحكام، وانظر ماذا يعقب تلك المخالفة من أسى بالغ، وندم قاهر، وحزن عميق.

ثانيًا:

” الزواج العرفي ” له صورتان:

الصورة الأولى: تزوج المرأة في السرّ، ودون موافقة وليها، أو دون شهود ولا إعلان، وإذا كان كذلك: فهو عقد محرّم، وباطل؛ لأن موافقة الولي من شروط صحة عقد النكاح، وكذا الشهود أو الإعلان، وهو ما يسمى ” نكاح السر “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما ” نكاح السر ” الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحدًا: فهو باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح، قال الله تعالى:( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ).

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 158 ).

والصورة الثانية:

التزوج بموافقة الولي، مع شاهدين، ولكن دون إشهار أو إعلان، أو توثيق في المحاكم، وهذا وإن كان زواجاً صحيحاً من حيث الشروط والأركان، لكن يترتب عليه مفاسد كثيرة، مَن وقف عليها جزم بالمنع منه، وبخاصة مسألة ” التوثيق “.

والذي ظهر لنا أن عقد السائلة هو النوع الأول، وأنه قد تمَّ زواجها والدخول بها بناء على ما يسمَّى ” العقد العرفي ” بالمعنى الأول، وهو عقد باطل، وما تمَّ بينهما فهو زنا، وسواء كان من يسمى ” الزوج ” مسلمًا أو نصرانيًّا فالحكم سواء، والولد الذي جاء من حملها: يُنسب لها ولا يُنسب لغيرها، إلا أن تكوني أنتِ أو هو تعتقدان أنه نكاح صحيح، فيمكن هنا جعل الوطء وطء شبهة، فينسب الولد حينئذٍ لصاحب النطفة، وأما إن كنتما تعتقدان أنه ليس نكاحاً موافقاً للشرع: فلا يُنسب إلا لكِ.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن رجل تزوج امرأة ( مصافحةً  ) على أقل صداق، خمسة دنانير، كل سنة نصف دينار، وقد دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إذا رزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحد أم لا؟.

فأجاب :

الحمد لله

إذا تزوجها بلا ولي، ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه ( لا نكاح إلا بولي )، ( وأيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل )، وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك يوجب إعلان النكاح .

و ” نكاح السرِّ ” هو من جنس نكاح البغايا، وقد قال الله تعالى: ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) [ النساء / من الآية 25 ]، فنكاح السر من جنس ذوات الأخدان، وقال تعالى: ( وأنكحوا الأيامى منكم ) [ النور / من الآية 32 ]، وقال تعالى: ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) [ البقرة / من الآية 221 ]، فخاطب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن المرأة لا تنكح نفسها، وإن البغي هي التي تنكح نفسها، ولكن إن اعتقد هذا نكاحًا جائزًا: كان الوطء فيه وطء شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه، وأما العقوبة: فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد .” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 102 ، 103 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم ولد الزنا بالاعتراف, هل يرث أم لا؟ بمعنى: إنسان زنى بامرأة، وحملت، واعترف هذا الإنسان بأنه هو فاعل، فهل هذا الولد يرثه أم لا؟.

فأجابوا:

ولد الزنا إذا استلحقه شخص زنا بأمه على أنه ابنه: فإنه لا يلحق به، وإنما ينسب إلى أمه؛ لحديث عائشة في قصة عبد بن زمعة وغيره؛ ولأنه ولد من غير نكاح شرعي، ولا شبهة نكاح، فلم يجز أن يلحق به.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر بن أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 515 ، 516 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضًا -:

ما حال ولد الزنا في الإسلام في عصرنا هذا؟

فأجابوا:

حكمه حكم أمه، فهو تابع لها، على الصحيح من قولي العلماء، فإن كانت مسلمة: فهو مسلم، وإن كانت كافرة: فهو كافر، وينسب إليها، لا إلى الزاني، ولا يضره ما جرى من أمه ومَن زنا بها؛ لقول الله سبحانه: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 343 ).

فالخلاصة لما سبق:

أ. إن كان العقد العرفي على الصورة الأولى: فهو باطل، والابن يُنسب لأمه، إلا مع وجود اعتقاد عندكما أو عند أحدكما بكونه عقدًا شرعيًّا، فيُنسب الابن حينئذٍ لأبيه.

ب. وإن كان العقد العرفي على الصورة الثانية: فهو صحيح، ويُنسب الابن لأبيه.

 

ثالثًا:

وما فعله الزوج الثاني أمر يُشكر عليه، ويُرجى أن يكون من المستور عليهم في الدنيا والآخر؛ لوعد الله تعالى بذلك لمن ستر على مسلم.

ويجب عليكِ أيتها السائلة أن تسارعي بإحضار ابنك من تلك الأسرة، وأن تثبتي اسمه ونسبه لزوجك الأول إن كان العقد على الصورة الثانية، وتنسبينه لك إن كان على الصورة الأولى، فإن لم يمكنك ذلك: فيُعطى اسماً مركباً عشوائيًّا؛ حتى تسير معاملاته، وتستخرج له أوراق ثبوتية، وهو ابن لكِ، وهو أخ لأولادك من زوجك الثاني، فهو وهم يشتركون في أم واحدة، فهم جميعاً إخوة لأم.

وعلى الزوج الفاضل أن يكمل معروفه بتشجيعك على إحضار ابنك، وعلى رعايته والعناية به، ونسأل الله أن يعظم له الأجر، وأن يزيده من فضله.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في نسب ولد الزنا إن كانت أمه متزوجة أو غير متزوجة

تفصيل القول في نسب ولد الزنا إن كانت أمه متزوجة أو غير متزوجة

السؤال:

هل يجوز إثبات نسب ولد المغتصبة؟ مع بيان ذلك عند الجمهور، ثم بيان حكمه في مذهب الحنفية، طبقًا للراجح من أقوالهم وسنده؛ لكونه المذهب المعمول به في المحاكم المصرية عند خلو النص القانوني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الاغتصاب جريمة منكرة، وفاعله متوعد بأغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة، والمرأة المغتصبة لا تسمَّى زانية، ولذا فلا إثم عليها, ولا حدّ.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

في الرجل يستكره المرأة، أو الأمة يصيبها: أن لكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا حدَّ على واحدة منهما، ولا عقوبة. ” الأم ” ( 3 / 294 ).

* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

ولا نعلم خلافاً بين العلماء أن المستكرهة لا حد عليها، إذا صح استكراهها.

” الاستذكار ” ( 7 / 146 ).

ثانيًا:

والمرأة التي تُنجب ولداً ناتجًا من اغتصاب، أو نتيجة علاقة زنا مع أجنبي برضاها: لا تخلو من حالين: إما أن تكون فراشًا – أي: زوجة -، وإما أن لا يكون لها زوج.

أ. فإن كانت فراشًا، وأنجبت ولدًا من علاقة محرَّمة – أو من اغتصاب -: فإن الولد يلحق بصاحب الفراش – وهو الزوج إن كانت حرَّة، والسيد إن كانت أمَة -، ولا ينتفي الولد في هذه الحال إلا بنفي الزوج له باللعان، وهذا كله في حال أن يُنجب الولد بعد عقد الزوجية، وإمكان الحمل عند الجمهور، أو تحقق الوطء عند ابن تيمية وابن القيم.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ولدٍ يولد على فراشٍ لرجل: لاحقًا به على كل حال، إلى أن ينفيه بلعانٍ على حكم اللعان.

وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرةَ فراشٌ بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل: فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبداً بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه، إلا باللعان.

” التمهيد ” ( 8 / 183 ).

وعمدة المسألة: حديث ” الولد للفراش وللعاهر الحجر “، ونصُّه:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: ” هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ “.

رواه البخاري ( 1948 ), ومسلم ( 1457 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله: ” الولد للفراش ” معنيان: أحدهما هو: له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له – كاللعان -: انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش، والعاهر: فالولد لرب الفراش.

قلت: والثاني منطبق على خصوص الواقعة، والأول: أعم.

” فتح الباري ” ( 12 / 35 ، 36 ).

ب. وإن لم تكن المرأة فراشاً، وأنجبت ولداً نتيجة علاقة محرَّمة – أو اغتصاب – ولم يستلحقه الزاني – والاستلحاق هو الإقرار بالنسب -: فلا خلاف في أنه لا يلحق به، وأما إذا استلحقه: فهنا ثمة خلاف بين العلماء، فقد ذهب الأئمة الأربعة، والظاهرية، إلى أن الولد لا يُلحق بالزاني، بل يُلحق بأمه، ويُنسب لها، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

وخالف في ذلك: إسحاق بن راهويه، وقال بأنه يلحق بالزاني إن شاء استلحاقه به، وأيده: شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله -، وهو الذي يفتي به الشيخ العثيمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولدًا لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُه نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟.

قيل: هذه مسألة جليلة، اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدَّعيه صاحبه، وادعاه الزاني: أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبي صلى الله عليه وسلم:” الولد للفراش ” على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها فقال: يُجلد، ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار، ذُكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يَدَّعِ ذلك الغلامَ أحد: فهو ابنُه. ” زاد المعاد ” ( 5 / 425 ).

* ومن قبلُ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن استلحق ولده من الزنا، ولا فراش: لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 508 ).

وعمدة القائلين بأن الزاني يُلحق به ابن المزني بها إن شاء استلحاقه: حديث جريج، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ, فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ, فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي “.

رواه البخاري ( 1148 ), ومسلم ( 2550 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي: مَن أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي.

– وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ.

” زاد المعاد ” ( 5 / 426 ).

وردَّ عليه بوجوه، أبرزها وجهان:

* قال النووي – رحمه الله -:

قد يقال: إن الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين:

أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقه، والثاني: المراد مِن ماء مَن أنت؟ وسمَّاه أبًا مجازًا. ” شرح مسلم ” ( 16 / 107 ).

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش والعاهر الحجر ” نصٌّ في أن العاهر ليس له إلا الخيبة، أو الرجم، وأنه لا يُلحق به من تخلق من مائه الفاجر.

 

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: 

فكانت دعوى ” سعد ” سببُ البيان من الله عز وجل، على لسان رسوله، في أن العاهر لا يُلحق به في الإسلام ولد يدَّعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال. ” الاستذكار ” ( 7 / 163 ، 164 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

حكم ولد الزنا إذا اعترف والده، وليست أمه متزوجة؟.

فأجابوا:

لا يثبت بالزنا نسب الولد للزاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “، ويجوز للزاني أن يتزوج الزانية بعد انقضاء العدة، والتوبة النصوح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 387 , 388 ).

وهذه فتوى أخرى في حال وجود ولد نتيجة اغتصاب:

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ثبت اعتداء ( صياح … ) على ( عبده … ) بفعل الفاحشة قهرًا، فحملت منه، وأنجبت طفلًا سمي ( سعد )، وطلب ( صالح ) حضانة الابن المذكور، ووافقت والدته، وحكم قاضي ” ينبع ” بالموافقة على ذلك، ويرى فضيلة قاضي ” ينبع ” أن يكون اسم والد اللقيط ( عبد الله )، ويطلبون إصدار فتوى عامة بهذا الخصوص؛ لتكون قاعدة عامة بالنسبة للحالات المماثلة لهذه.

فأجابوا:

حيث ولد هذا الولد من زنا: فإنه لا يصح إلحاقه بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “, رواه أصحاب السنن وغيرهم.

ولا يصح أن ينسب إلى من حضنه؛ لئلّا يترتب على ذلك اختلاط هذا المنسوب في أولاد المنسوب إليه، وينسب إلى قبيلة أمه؛ لأنه منسوب إلى أمه، كما في الحديث السابق، وأما التسمية لأبيه بعبد الله: فجائز.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن “, رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.

الشيخ إبراهيم آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 15 , 16 ) .

وهذا هو المفتَى به في ” دار الإفتاء المصرية “!، وقد وجدنا في موقعهم جواباً مطابقاً لما ذكرناه ورجحناه، وهو قولهم:

” من حملت باغتصاب حملًا غير شرعي: فهو ابنها ينسب إليها؛ لأنه تكوَّن من بويضتها، وولدته من بطنها، ولا يجوز نسبته إلى أحد إذا كانت غير متزوجة، وعليها أن ترعاه رعاية كاملة إذا وضعته. انتهى.

وللتنبيه:

فإنه قد نقل ابن قدامة – رحمه الله – عن أبي حنيفة أنه يقول باستلحاق ولد الزنا بالزاني، وقد ذكر بعض المعاصرين هذا قولا لأبي حنيفة؛ اعتمادًا على كلام ابن قدامة، وهذا غير المعروف عنه، وغير المنقول عن كتب الحنفية.

وبعض المعاصرين يقيِّد هذا النسب للزاني بأن يتزوج من المزني بها، وهو محتمل الفهم من كلام أبي حنيفة المنقول عنه – إن ثبت – وإن كان مرجوحا من حيث الفقه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: لا أرى بأسًا إذا زنا الرجل بالمرأة فحملت منه: أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها، والولد ولد له.

” المغني ” ( 7 / 130 ).

والذين كتبوا في هذه المسألة من المعاصرين – بل وحتى من المتقدمين غير ابن قدامة – لم ينقلوا عن أبي حنيفة – رحمه الله – أنه يخالف الجمهور في هذه المسألة، بل هو موافق لهم، ولو صحَّ هذا عنه, لكان أولى بالذكر من إسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وسليمان بن يسار، رحمهم الله جميعًا.

ثالثًا:

ولسنا بحاجة إلى بيان حكم ” إثبات نسب المغتصبة ” بالطرق الحديثة؛ لأنه على قول الجمهور – وهو الراجح – لا يثبت نسب ولد الزنا للزاني ولو اعترف الزاني، وهو أقوى في الدلالة من الطرق الحديثة، وعلى القول الآخر يكفي أن يستلحقه الزاني ليلحق به، ولو يذكر أنه زنا بأمه، وأما جعل الطرق الحديثة في الإثبات تُلزم الزاني بأن يلحقه ولد المزني بها: فلا؛ لثبوت الإجماع على عدم استلحاق ولد الزنا بالزاني إذا لم يستلحقه.

 

– ونسأل الله تعالى أن يطهر أعراض المسلمين من كل دنس وقذر.

 

والله أعلم.

نصائح وتوجيهات للمسلمين في ” فنلندا ” الإجابة الثانية.

نصائح وتوجيهات للمسلمين في ” فنلندا ”

السؤال:

نحن أفراد الجالية الإسلامية البالغ عددها حوالي ( 35 ألفًا – 40 ألفًا )، والمكونة من فِرق متعددة، المكلفون بعمل الإحصاءات هنا لا يفرِّقون بين شيعي، وبهائي، وحبشي، وسنِّي! واندمج هؤلاء المسلمون مع مواطني الدولة المسيحية البالغ عدد سكانها حوالي ( 5 مليون نسمة )، حتى علم الدولة محتوي على رمز المسيحية، ألا وهو الصليب.

خلال الأشهر الماضية قام جماعة من المنتمين حديثًا للإسلام ( سنَّة ) بتشكيل حزب سياسي، وجعلوا من بين أهدافهم: محاولة منع بيع الخمور في المحلات، بل ذهبوا لأبعد من ذلك بإعلانهم عن رغبتهم في إقامة الشريعة في هذه الدولة المسيحية! لا بدَّ أن تأخذوا في الاعتبار أن المسلمين هنا لا يتمتعون بالحقوق العادية، كالحق في أن يكون لديهم مقابر خاصة، أو الحق في إظهار شعائر معينة، كذبح الأضاحي، وما إلى ذلك.

كان لدينا مقابر خاصة، ولكنها امتلأت، وبسبب حدوث بعض الأخطاء في تنظيمها، والخلاف بين الفرق المختلفة على مسك زمام المسئولية، استفادت السلطات هنا من الخلاف، وجعلوا الأمر صعبًا جدًّا على المسلمين، ولم يمكنوهم من امتلاك مقابر خاصة بهم، ولذلك إذا مات أحد المسلمين هنا: يُدفن بجوار المسيحي، والملحد!.

تلك الجماعة من المنتمين حديثاً للإسلام يحاولون أن يتوحدوا، ويبتعدوا عن حزبية وقبلية الصوماليين، وعن محادثات العرب، الآن تركز وسائل الإعلام هنا على الإسلام والمسلمين بصورة سلبية، وذلك عن طريق مناقشة موضوعات مثل:

– الطلاق في الإسلام بيد الرجل، ولا تستطيع المرأة أن تحصل على حقوقها كاملة، وعلى حريتها إذا ما أرادت أن تنهي زواجها.

– العقاب البدني للأطفال في البيوت، فضرب الأبناء في هذه الدولة يعدُّ جريمة يعاقب عليها القانون.

– تقوم العائلات المسلمة بعزل أبنائهم عن المجتمع، وحرمانهم من الاشتراك في ممارسة السباحة ( بنات، وأولاد معًا ) ، ويقومون أيضًا بحرمانهم من حضور دروس الموسيقى.

وأيضًا يناقشون ( ماذا يريد المسلمون هنا، أن يتبعوا شريعتهم أم نظام الدولة؟! ).وهدف الإعلام من ذلك هو تشويه صورة الإسلام، وزرع الكراهية في قلوب عامة الناس تجاه الإسلام والمسلمين، الناس هنا عمومًا يشتكون أن المسلمين يتمتعون بأموالهم، والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، والآن يضاف إلى قائمة الشكاوى أن المسلمين يريدون أن يقيموا الشريعة على أرض الدولة، بينما بلدانهم الأصلية لا تطبق الشريعة، علماً بأن من يقومون بأداء الواجبات الدينية هنا من المسلمين: أقلية، بينما الأغلبية اندمجت تمامًا في المجتمع.

وتبني وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث نتائجها على رأي كل وأي شخص يمكنه الإجابة، والذي قد يكون جاهلًا، خصوصًا أن معظم الناس حاليًّا يجرون وراء الشهرة، والمكاسب الدنيوية، وقد فاض بهم الكيل من بلدانهم الأصلية التي لا يحصلون فيها على حقوق، ولا تقدرهم كمواطنين، ومن أجل الحصول على تقدير غير المسلمين لهم يفعلون أي شيء! فقد سمعنا حتى عن أفراد ارتدوا عن الإسلام، وأصبحوا مسيحيين!.

عندما نصح البعض رئيسَ ذلك الحزب الإسلامي بشأن الخطوات التي ينبغي عليه أن يتخذها قال: إنه فقط يسعى لعمل دعاية إيجابية للإسلام – هذا الشخص كان ناشطاً سياسيًّا في شبابه -.

الآن نطلب منكم نصيحة عامة للمسلمين في هذا البلد، وخصوصًا لأولئك مكوني الحزب السياسي من المنتمين للإسلام حديثًا، وأن تذكروننا بواجبنا تجاه البلد، وتجاه مواطني البلد الأصليين ومسئوليه، وأن تبينوا لنا الحدود التي لا ينبغي علينا تخطيها، حتى لا ندمر بيوتنا بأيدينا، أو على الأقل حتى لا نُحرم من الحقوق القليلة التي نتمتع بها في هذه الدولة، فليس كل مسلم هنا قادر على الهجرة إلى بلد إسلامي.

إذا أردتم المزيد من المعلومات حول الموضوع: فأرجوكم أن تراسلونا، وسنكون سعداء جدًّا بإرسال مزيد من التفاصيل إليكم، أرجوكم أن تردوا علينا بسرعة، حيث ما زال هناك المزيد من الوقت لغلق أبواب الفتنة، وقبل فوات الأوان.

وجزاكم الله خيرًا، قد يكون هناك بعض التعبيرات الخاطئة، نسمح لكم بحذف ما لا تجدونه ملائمًا للدعوة، ولكم الحرية في صياغة السؤال بالشكل اللائق، ما يهم هو أن تنصحونا.

 

الجواب:

الحمد لله

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ” رواه مسلم (49).

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟

فأجاب:( هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررًا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها ) شرح العقيدة الطحاوية(1/471).

* قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى -:

قوله  ( باليد ): واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى.

على كل حال نحن نقول: إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق ، لأنه لو جُعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكرًا منكرًا عنده ثم أتلف أموال الناس من أجل أنها منكر يرى بعض الناس أن الراديو منكر فمر برجلٍ قد فتح الراديو على أخبار مكة وهو يرى أنه منكر وقلنا غيِّر باليد ماذا يصنع بالراديو يكسِّره هل له حق أن يكسره؟

ليس له حق في وقتنا الحاضر أما في الوقت الذي مضى ما نعلم عنه ، لكن لو نهيناهم وصاروا صاحين لذهبوا يفجرون بنساء المسلمين ويأخذون أموالهم أيهم أعظم؟ الثاني أعظم دعهم يشربون الخمر ولا يعتدون على المسلمين، لكن في وقتنا الحاضر لو جُعل التغيير باليد لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى وتقاتل الناس فيما بينهم ولقد رأيتُ رجلًا منذ سنوات دخل المسجد إنسانٌ ومعه راديو فقام الرجل الحبيب الطيب الناهي عن المنكر أمام المصلين وقال والعياذ بالله يأتي أحدكم بالراديو مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد والذي جاء به حاج من الحجاج نحن كنا نشتغل في مطار جدة, من الحجاج أتى بهذا الراديو وهو فيه تسجيل لعله يسمع أخبارًا يسجلها تنفعه حاج يحب أخبار الحجاز وقام يتكلم كلامًا عظيمًا الحجاج انبهروا هذا حرام هذا حرام فجاءوا يسألون يقولون: هل هذا حرام؟ نحن ما أتينا للحج لنبحث عن الحرام فقلنا لهم: حلال اطمئنوا إن شاء الله ما فيه إلا العافية لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى هذا حرام أما الأخبار والقرآن والحديث فهذا ليس فيه شيء طيب القرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة.

فأقول: بعض الناس يظن ما ليس منكرًا منكرًا فلو قلنا غيِّر باليد كسَّر هذا الراديو أو المسجل الذي يرى أنه منكر؛ ولهذا نقول: الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لا يكون إلا من ذي سلطان والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحيةً في ذلك، وعلى هذا رجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة أليس كذلك؟ وبعض المواضع بالنسبة للمكان في بعض الأحيان بالنسبة للزمان.

 

 

 

قوله: ( فاصبر ): أمر بالصبر لأن المقام يحتاج إلى الصبر، ولهذا قال الله تعالى:{ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك}

[ لقمان / الآية 17 ].

فاصبر وزل باليد واللسان   لمنكرٍ واحذر من النقصان

هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذكرنا قبل أن هناك ثلاث مراتب:

  1. الدعوة.
  2. والأمر.
  3. والتغيير.

فلا تلتبس عليكم أو فلا يلتبس عليكم بعضها مع بعض.

1 – الدعوة.

2 – والثاني: الأمر والنهي

3 – والثالث: التغيير

الدعوة: أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل ترغيبًا وترهيبًا دون أن يوجه أمرًا معينًا لشخصٍ معين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شيءٌ موجه لشخص معين أو طائفة معينة أو ما أشبه ذلك لكن فيه أمر افعلوا اتركوا وأظنكم تعرفون الفرق، لو قام رجلٌ بعد صلاة الجمعة بعد صلاة الظهر أحسن لأن الخطبة بعد صلاة الجمعة فيها ما فيها لو قام رجل بعد صلاة الظهر يدعو الناس يرشدهم إلى الله يبين الحق يبين الباطل يحذر من هذا وهذا هل يقال هذا آمرٌ بمعروف ناهٍ عن منكر؟.

يقال: هذا داعٍ إلى الله

ولو رأينا رجلًا يقول: يا فلان افعل كذا اتق الله ، يا فلان اترك كذا اتق الله, هذا آمر وناهي.

التغيير أن يغير الإنسان المنكر بنفسه بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى هذا يغير يضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك، هذا التغيير قيده الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،قال:” والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولَتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْراً “.

لم يقل: إن استطعتم لكن قال:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه “.

إذن فالتغيير غير فنقول: التغيير فيه سلطة وقدرة ، الأب في بيته داعٍ آمر مغير لأن له سلطة، رجل الحسبة في المجتمع داعٍ وآمر ومغير لكن ليس التغيير لكل أحد ليس كل أحد يستطيع قد يغير ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله وقد يلحق غيره أيضًا ممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع، ولهذا نقول: غيِّر باليد فإن لم تستطع، قال: ( واللسان ): والمؤلف رحمه الله رتبها ترتيبًا محليًّا لا لفظيًّا يعني ما أتى بـ ( ثم ) الدالة على الترتيب أو بالفاء أو ما أشبه ذلك، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به “, مع أن الله قال:{ إن الصفا والمروة } [ البقرة  / الآية 158 ]، ولم يقل: ( إن الصفا ثم المروة ).

إذن الأول اليد الثاني اللسان، اللسان ليس أن تقول يا فلان اتق الله أن تنتهره وأن تريه سلطة وقدرة واستعلاءً، استعلاءً بالحق.

قوله: ( النقصان ): النقصان ما هو؟ أن تغير بالقلب لأنه أضعف الإيمان أن تغير بالقلب كيف التغيير بالقلب؟ هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب؟

يمكن بالكراهة وعدم المخالطة هذا التغيير بالقلب، الكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه، لقول الله تبارك وتعالى: { وقد نزل عليكم الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذن مثلهم }[ النساء / الآية 140 ].

فلو فرضنا مثلًا: أن قومًا يلعبون الشطرنج ومعهم رجلٌ صالح قال: يا قوم اتقوا الله هذا حرام لا يجوز، قالوا: لن ندع هذا فهل يجوز أن يجلس معهم؟ لا، لكنهم قالوا له : إن خرجت فنفعل بك كذا وكذا فجلس.

هل يأثم؟.

لا، لماذا؟ لأنه مكره على الجلوس، فإن قال: أنا لم أُكْرَه على الجلوس لكن أخشى إن ذهبتُ أن يقع بيني وبينهم عداوة ماذا نقول؟ نقول: وليكن إذا عاديتهم لله لا يضرك فإن قال: أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم، نقول: لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم صِلْهُم أنت، لأن صلة الرحم من قبلك ممكنة أو متعذرة؟ ممكنة وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تُسِفُّهُمْ الملّ كما جاء في الحديث، فالحاصل الآن أن التغيير له ثلاث مراتب ) شرح العقيدة السفارينية (2 / 84-81).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

في حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” من رأى منكم منكرًا … الخ “, هل الحديث على سبيل التخيير أم على سبيل الترتيب؟ وإذا كان على سبيل الترتيب، ما هو الضابط إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة من الإنكار؟

الشيخ: اقرأ الحديث من أجل تعرف.

السائل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )

فأجاب: ( هل هذا ترتيب أو تخيير؟

السائل: ترتيب.

الشيخ: إذاً هو على الترتيب.

السائل: لأن البعض يظن أن الإحراج الذي قد يتسبب له من إنكار المنكر كأن ينكر على فتاة …….

الشيخ: لا، انظر بارك الله فيك إنكار المنكر غير تغييره ، التغيير لا يكون إلا لسلطة، مثلًا أنا أقول للشخص: هذا غلط ، حرام ، منكر، لكن لا أقدر أن أغيره ، معه مثلًا ربابة فأنا أنكر عليه، ولهذا لم يأت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقيدًا بالاستطاعة لكن لا أستطيع أن أغيره، هل أقدر أن أكسرها؟ لا أقدر، فيجب ألا تختلط علينا الأمور، إنكار المنكر غير تغيير المنكر، ولذلك نقول في وقتنا الحاضر: لما كثرت الأهواء وكثر الجهل لا تغيير للمنكر باليد إلا من ذي سلطان.

هذا الضابط ، أنت ليس لك حق أن تغير المنكر باليد ، وذلك لأننا في الوقت الحاضر لما غلب الهوى والجهل؛ قد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، هناك أناس متشددون الآن، كل شيء عندهم منكر، كل شيء عندهم بدعة، لو أطلقنا العنان لهؤلاء ماذا يحصل من الفساد؟ يحصل من الفساد ما لا يعلم به إلا رب العباد ) لقاءات الباب المفتوح (213 / السؤال رقم 20)

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف، فما العمل معه؟

فأجاب: ( هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف .. ولكن العنف الذي لا يخدم المصلحة ، ولا يحصل به إلا ما هو أشر لا يجوز استعماله ، لأن الواجب اتباع الحكمة .. والعنف الذي منه الضرب والتأديب والحبس، إنما يكون لولاة الأمور، وأما عامة الناس فعليهم بيان الحق وإنكار المنكر، وأما تغيير المنكر ولا سيما باليد فإن هذا موكول إلى ولاة الأمور .. وهم الذين يجب عليهم أن يُغيروا المنكر بقدر ما يستطيعون لأنهم هم المسؤولون عن هذا الأمر .

ولو أراد الإنسان أن يغير المنكر بيده كلما رأى منكرًا لنتجت عن هذا مفسدة قد تكون أشد من المنكر الذي أراد أن يغيره بيده، فلهذا يجب إتباع الحكمة في هذا الأمر، إنك تستطيع أن تغير المنكر في البيت الذي ترعاه بيدك، لكن تغيير المنكر بيدك في السوق قد تكون نتيجته أسوأ من بقاء هذا المنكر، ولكن يجب عليك أن تبلغ من يملك تغيير هذا المنكر في السوق ) فتاوى إسلامية (4 / 361).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يغير المنكر باليد، ولمن يكون التغيير باليد، مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟

فأجاب: ( الله جل جلاله وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف

قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ التوبة / الآية 71 ].

وقال تعالى ]: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ آل عمران / الآية 104].

قال تعالى:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [ آل عمران / الآية 110 ].

والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، وما ذاك إلا لأهميته وشدة الحاجة إليه وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” صحيح مسلم الإيمان (49) فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور، والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها ، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده, يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلَّا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره ، كما نص على ذلك أهل العلم,  أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه, فيقول يا أخي: اتق الله هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن. ثم بعد اللسان القلب يعني يكره بقلبه المنكر، ويظهر كراهته، ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب )  مجموع فتاوى ابن باز (6 / 51 – 50).

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

( قال:” فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ “, والتغيير هنا أوجب التغيير باليد، وهذا مقيد بما إذا كان التغيير باليد مقدورًا عليه، وأما إذا كان غير مقدور عليه، فإنه لا يجب، ومن أمثلة كونه مقدورًا عليه: أنْ يكون في بيتك الذي لك الولاية عليه؛ يعني في زوجك وأبنائك وأشباه ذلك، أو في أيتام لك الولاية عليهم، أو في مكان أنت مسئول عنه، وأنت الولي عليه، فهذا نوع من أنواع الاقتدار، فيجب عليك هنا أن تزيله وأن تغيره، وإذا لم تغيره بيدك فتأثم، أما إذا كان في ولاية غيرك، فإنه لا تدخل القدرة هنا، أو لا توجد القدرة عليه؛ لأنّ المُقْتَدِر هو من له الولاية فيكون هنا باب النصيحة لمن هذا تحت ولايته، ليغيره من هو تحت ولايته والتغيير في الشرع ليس بمعنى الإزالة، التغيير اسم يشمل الإزالة، ويشمل الإنكار باللسان بلا إزالة، يعني أن يقال: هذا حرام، وهذا لا يجوز. ويشمل أيضًا الاعتقاد أن هذا منكر و محرم؛ ولهذا جاء في هذا الحديث بيان هذه المعاني الثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام:” فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ – التغيير بيده –  فَبِلِسَانِهِ ” يعني فليغيره بلسانه، ومن المعلوم أن اللسان لا يُزيل المنكر دائما، بل قد يزول معه بحسب اختيار الفاعل للمنكر، وقد لا يزول معه المنكر، تقول مثلًا لفلان: هذا حرام، وهذا منكر لا يجوز لك, قد ينتهي وقد لا ينتهي، فإذا أخبرت الخلق، أو المكلَّف الواقع في هذا المنكر، إذا أخبرته بأنه منكر وحرام فقد غيَّرْتَ، وإذا سكت، فإنك لم تغير، وإن كنت لا تستطيع باللسان، فتغيره بالقلب تغييرًا لازمًا لك لا ينفك عنك، ولا تُعذر بالتخلف عنه، وهو اعتقاد أنه منكر ومحرم، والبراءة من الفعل؛ يعني بعدم الرضا به، لهذا جاء في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال:” إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ كَانَ مَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ عملها، وكَانَ ممن شَهِدَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْهَا كَمَنْ فَعَلَها “, وهذا يعني أن الراضي بالشيء كفاعله ) شرح متن الأربعين النووية قسم الحديث (35 / 3).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

حديث (تغيير المنكر) هل المقصود: لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل ونكرهه وننكره بقلوبنا؟

فأجابوا: ( المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده كولي الأمر ومن ينوب عنه ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده والسيد مع عبده والزوج مع زوجته؛ إن لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك. ومنهم من يجب عليه إنكاره بالنصح والإرشاد والنهي والزجر والدعوة بالتي هي أحسن دون اليد والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن وانتشار الفوضى, ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذًا ولسانًا، وهذا أضعف الإيمان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” (1) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه ) فتاوى اللجنة الدائمة (12/ 334- 335).

الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.الشيخ عبد الله بن قعود

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما هو حكم الإسلام فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، والأحاديث والأثر المذكور، ومنهج السلف الصالح المتعلق بها، وموقف الراعي والرعية منها؟

فأجابوا:

( يجب على المسلمين أن يكون منهم جماعة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران / الآية 104 ].

وفي تحقيق ذلك صلاح الناس واستقامة أحوالهم، وتكون هذه الأمة كما أثنى الله عليها بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران / الآية 110 ].

وعلى القائم بذلك أن يعظ قساة القلوب بما تلين به أفئدتهم، وتطمئن به أنفسهم، وتقبل على طاعة الله وعبادته، وأن يجادلوا من لديه شبهة بالتي هي أحسن؛ حتى يتبصر ويتبين له الحق، فيهتدي إلى الصراط المستقيم، قال الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل / الآية 125 ].

والمسلمون في ذلك درجات: منهم من يدعو إلى المعروف ويتعاهد التنفيذ بيده، كولاة الأمور، العام منهم كالحاكم ونائبه، والخاص كالأب ومن يقوم مقامه، ومنهم من يدعو إلى الخير وينهى عن المنكر بلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، ومنهم من لا نفوذ له ولا سلطان ولا قوة بيان، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه، وقد ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان ”  فمن فرط فيما وجب عليه من ذلك أثم وكان فيه شبه بمن قال الله فيهم:

{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } [ المائدة / 78-80 ] , فتاوى اللجنة الدائمة (12 / 337- 338) الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

يريد السفر إلى السعودية لدراسة الشريعة وأهله الصوفيون يرفضون ذلك فماذا يصنع؟

يريد السفر إلى السعودية لدراسة الشريعة وأهله الصوفيون يرفضون ذلك فماذا يصنع؟

السؤال:

اسمي ” محمد هيسيام ” وأنا طالب في الدراسات العليا بجامعة ماليزيا الإسلامية الدولية، في الواقع إنني أسأل بعض الأسئلة بالنيابة عن أحد أصدقائي الطيبين ويُدعى ” أصلان ” ويبلغ من العمر ( 20 عامًا )، وهو طالب في جامعة ماليزيا الإسلامية الدولية، لكنه ملتحق بدورات تمهيدية في اللغة الإنجليزية وهو روسي وبالتحديد من ” أنجوشيا “، وهو ولله الحمد مسلم سنِّي.

وبداية فبناءً على كلامه: فإن غالبية المسلمين في ” أنجوشيا ” صوفيون يقومون باتباع البدع والخرافات وأعمال الشرك التي أصبحت من عاداتهم، كما أن والداه وإخوانه وحتى أصدقاؤه صوفيون، وهو يشعر بالحزن لذلك؛ حيث أنه الوحيد في عائلته الذي يتبع تعاليم السنَّة ومعتقداتها ومٍن ثَمَّ فهو يؤمن أنه حان الوقت لعمل شيء ما لتدارك الموقف، لذا فبعد إنهائه دراسة الإنجليزية في جامعة ماليزيا الإسلامية الدولية: فإنه يرغب في الحصول على درجة البكالوريوس في الدعوة من المملكة السعودية، حيث يؤمِن أنها أفضل مكان لتحقيق هدفه، إنه يتطلع لدراسة أفضل أساليب الدعوة وطرقها ومن ثَم يرجع إلى ” أنجوشيا ” ويمارس الدعوة هناك على الأقل فيما يتعلق بوالديه وإخوانه وأصدقائه قبل أن يعمل في مجال الدعوة على نطاق واسع ولكن المشكلة تكمن في اعتراض والده على ذهابه للمملكة العربية السعودية بحجة أن السعوديين كلهم وهابيون، وهم لا يحبونهم، ويبدو أن والداه يتحكمان في حياته، لذا فهو في حيرة شديدة بين تحقيق حلمه في دراسة الدعوة لتحقيق ما فيه الخير لنفسه وللناس حوله وبين طاعة والديه.

والسؤال الأول هو: ما الذي ينبغي عليه فعله في هذا الوضع؟.

السؤال الثاني: هل المملكة السعودية هي الخيار الأفضل لتحقيق هدفه؟.

السؤال الثالث: هل عصيانه لوالديه لكي يدرس الدعوة لتحقيق ما فيه الخير لوالديه والآخرين حرام في الإسلام؟.

السؤال الرابع: ما الخيارات الأخرى التي يمكنه المضي فيها لتحقيق حلمه دون مخالفته لأمر والديه؟.

إنني أرجو أن تأخذوا وقتكم للرد على أسئلتي، وأنا وصديقي ” أصلان ” نتطلع لمعرفة هذا الرد، وجزاكم الله خيرًا كثيرًا.

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نقدِّر لصديقك حبَّه للخير وتحريه في تعلم العلم النافع من مصدر موثوق، ونسأل الله تعالى أن يُحقق له مراده إن كان له فيه خير؛ فالمسلم يسعى نحو الأفضل في نظره ولكنه – بلا شك – لا يعلم العواقب، ولذا شرعت الاستخارة حتى يكل المسلم أمر الشيء الذي يريد فعله لربِّه تعالى ليختار له الأفضل في دينه ودنياه وأخراه، فنوصيه بصلاة الاستخارة، وأن لا يحزن إذا فاته مرغوبه فقد يكون بقاؤه في ماليزيا يطلب العلم خير له.

 

ثانيًا:

وسفر الطالب ليطلب العلم وهو يعيش عند والديه: لا يجوز إلا بإذنهما، إلا أن يكون هذا العلم مما يجب عليه تعلُّمه ولا يوجد إلا في تلك البلاد التي سيسافر إليها.

وبما أن والدي صديقك قد أذنا له بالدراسة في ” ماليزيا ” فلا يتعين عليه الذهاب إلى ” السعودية ” وخاصة أن ما يرغب بدراسته هناك هو ” أساليب الدعوة ” وهي مادة دراسية يستطيع تحصيلها قراءة وسماعاً لها وهو في بلده، أو وهو في ماليزيا، ولا يحتاج الأمر منه أن يدرس أربع سنوات في تخصص الدعوة ليعرف كيفية دعوة أهله وأهل بلده وهو يستطيع معرفة ذلك بسهولة ويسر دون الحاجة للسفر، ولو أن أهله يرضون له ذلك السفر ولا يمنعونه منه لشجعناه عليه ليحصِّل علومًا إسلامية مع ما يرغب بمعرفته من فنون الدعوة وأساليبها، أما وقد منعه أهله فلا نرى له السفر من غير إذنهم، وليسع لإقناعهم بما يتيسر له من وسائل ترفع عنهم الجهل بما يسمَّى ” الوهابية ” وإن كان هذا الأمر متعسِّرًا فليقنعهم بالسفر إلى هناك دون الحاجة لتغيير مفاهيم حول السلفية اعتقادًا ومنهجًا وهو ما يحاربه أهل التصوف والضلال وينبزون أتباعه بـ ” الوهابية “، فإن أبوا ذلك فليبحث عن مكان آخر يقوم فيه تعليم للكتاب والسنَّة دون اختلاط بين الطلاب والطالبات، وهو متوفر في بعض الجامعات وهي قليلة – للأسف – ولذا فإننا نرى أن أفضل خيار له هو الدراسة في المملكة العربية السعودية، كما يمكنه الدراسة في بعضها عن بُعد، أو يدرس عن بُعد – أيضًا – في ” الجامعة الأمريكية المفتوحة ” وهي جامعة موثوقة في منهجها، ولها فرع في ” القاهرة “.

 

 

 

فالخلاصة: لا نرى لصديقك جواز السفر إلى ” السعودية ” من غير إذن أهله، وليسعَ في إقناعهم بالموافقة على ذلك السفر، وإذا أصرُّوا على المنع فليقرأ ما يتيسر له من كتب مؤلفة في الدعوة وليستمع إلى الأشرطة المتعلقة بهذا الفن، أو ليلتحق بالدراسة عن بُعد، وليعجل بالرجوع إلى أهله فهو أحوج ما يكونون إليه؛ لهدايتهم، ونصحهم، وتعليمهم. ونسأل الله أن يهديَ أهله للسنَّة والعمل بها، ونسأله تعالى أن يوفقه لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

هل عليها دية بسبب الإجهاض الطبيعي؟

هل عليها دية بسبب الإجهاض الطبيعي؟

السؤال:

نرجو من سماحتكم إجابتي في أقرب فرصة، حيث إني قرأت أنه إذا أسقطت المرأة حملها عليها دية، ولكنني لم أسقطه بنفسي، الجنين نزل بنفسه، وحسب مراجعاتي للمشفى قيل لي: إن تكوَّن الجنين فيه خطب ما؛ لأنه لا يكبر حجمه مقارنة بعمر الحمل، وحين نزل كان عمر الحمل لديَّ ( 11 أسبوعًا ) أي: ثلاث أشهر، ولكن كان الجنين في طور الـ ( 6 أسابيع ) أي: أقل عن الشهرين ولا نبض فيه منذ أن تخلق، وقد قرر الأطباء إنزاله بأدوية لكني رفضت وقلت: سنصبر لعل الله يغير من حاله، فقالت لي الدكتورة: لأنك حملتِ من قبل حملًا سليمًا فإن الرحم الآن لن يتقبل هذا الحمل لأنه غير سليم وسيلفظه بنفسه، وبالفعل نزل الجنين بنفسه، ولكن قبل المدة التي حددت لي لإنزال الحمل أُصبتُ بالحمَّى ونُومت على إثرها في المشفى، وحين خرجت أعطيتُ موعدًا لإبرة تثبيت الحمل لكني لم أذهب للموعد، ولم آكل من حبوب التثبيت لأن إحساسي أخبرني بأن الحمل فاسد وسينزل بنفسه، فهل أُعتبر أني أنزلته بتعمد لأني لم آكل تلك الحبوب ليقيني إنها ستسبب لي الضرر لأن الحمل منذ البداية لم يكن سليمًا.

أرجو إيضاح ذلك لأني في حيرة من أمري؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر لنا أنه لا شيء عليك من إثم أو كفارة أو دية لسببين:

  1. أن إنزال الجنين كان بقرار الأطباء، وهذا أحد الأسباب التي تجوِّز الإجهاض قبل مرور أربعة أشهر على الحمل.
  2. أنك لم تتعمدي إسقاط جنينك، بل سقط بنفسه، وقد كنتِ خائفة عليه من تناول الحبوب، مع أنه يظهر لنا أنه كان حملًا فاسدًا، ويدل على ذلك كلام الأطباء من عدم وجود نبض فيه، ولذا قالوا لكِ إنه سيلفظه الرحم، وهو ما حصل فعلًا.

 

فالذي نراه أنه لا داعي للقلق من جهة الإثم، فضلًا عن الدية أو الكفارة، ونوصيك بالصبر والاحتساب، والدعاء بأن يخلف الله عليك خيرًا، ونسأل الله تعالى لك التوفيق وأن يرزقك الذرية الصالحة.

 

والله أعلم.

هل المنتحر يخلَّد في جهنم إلى الأبد؟ وكيف نوجِّه النصوص الواردة أنه كذلك؟

هل المنتحر يخلَّد في جهنم إلى الأبد؟ وكيف نوجِّه النصوص الواردة أنه كذلك؟

السؤال:

قرأنا في فتوى على موقعكم بعنوان ” شرح معنى مائلات مميلات ” للشيخ ابن باز – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – أن قاتل نفسه لا يكون خلوده في النار مثل خلود الكفار بل هو خلود له نهاية عند أهل السنة والجماعة.

سؤالنا أكرمكم الله هو: على ماذا استند علماء أهل السنة رحمهم الله في هذا القول؟ ونحن عندنا حديثه صلى الله عليه وسلم ( مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) – متفق عليه من حديث أبي هريرة -، وكذلك حديث (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) – متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله -، أفيدونا يرحمكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم النصوص الشرعية أنهم يجمعونها في سياق واحد، فما كان منها مطلَقا له ما يقيِّده أخذوا بالمقيِّد، وما كان فيها من عموم له ما يخصصه قدَّموا التخصيص على العموم، وكذا يقدون الناسخ على المنسوخ، ويأخذون بالصحيح من الأحاديث دون الضعيف، والأهم في هذا الباب: أنهم يردون المتشابه من النصوص إلى المحكم منها، ولم تقع الفرق الضالة – في مجملها – بما وقعت فيه من مخالفة للحق والصواب في الاعتقاد إلا لأنها نظرت إلى الأدلة بعين واحدة فأخذت ببعض النصوص وأعمت بصرها عن الأخرى، فنتج لنا الخوارج وقابلهم المرجئة، ونتج القدرية وقابلهم الجبرية، وهكذا.

ثانيًا:

والمسألة التي ذكرتها – أخي الفاضل – هي من المسائل الجليلة وهي واضحة المعالم في منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم نصوص الوحي، وعماد ذلك: أنه لا يكفر عند أهل السنَّة كفرًا مخرجًا من الإسلام ويستحق الخلود في جهنَّم إلا من جاء بما ينقض إسلامه باعتقاد أو قول أو فعل، وليس من ذلك فعله لمعاصٍ وذنوب يأثم بفعلها، أو يترتب عليه بفعلها حد أو كفارة، ولا ينقض بفعلها إسلامه وتوحيده، إلا أن يستحلَّ فعلها فيكفر بذلك حتى لو يفعلها.

وبالتأمل في النصوص المحكمة تجد أن قتل المسلم لنفسه لا يُخرجه عن كونه آثماً بفعله، ويستحق الوعيد بالنار، وفعله هذا ليس من نواقض الإسلام عند أحدٍ من علماء الإسلام من أهل السنَّة ولذا فلن يخلد في النار لمجرد فعله هذا كخلود فرعون وأبي لهب، ومما يدل على ذلك أمور، منها:

  1. النصوص المحكمة في أن المسلم إذا لقي الله تعالى بكل ذنب خلا الشرك الأكبر فإن ذنوبه قابلة للعفو عنها ومحو أثر بفضل الله تعالى ورحمته، مهما بلغت هذه الذنوب كثرة وعظمة، وقد نصَّ الله تعالى على ذلك بقوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) النساء/ 48، ولا شك أن قتل الإنسان لنفسه داخل فيما يمكن أن يغفره الله تعالى، وليس هو من الشرك عند أحدٍ من أئمة الإسلام.

* قال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة: ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله. ” التفسير ” ( 5 / 126 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 291 ، 292 ):

لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة؛ لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة – غير الشرك – لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون. انتهى.

  1. الواقع العملي لقاتل نفسه في الشرع المطهَّر: أنه يغسَّل ويصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويورَّث، ولو كان بفعله ذاك كافرًا فإنه لا تجري عليه أحكام الإسلام السابقة .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 292 ):

صرح الفقهاء في أكثر من موضع بأن المنتحر لا يخرج عن الإسلام، ولهذا قالوا بغسله والصلاة عليه كما سيأتي، والكافر لا يصلى عليه إجماعاً، ذكر في ” الفتاوى الخانية “: المسلم إذا قتل نفسه في قول أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلَّى عليه.

وهذا صريح في أن قاتل نفسه لا يخرج عن الإسلام، كما وصفه الزيلعي وابن عابدين بأنه فاسق كسائر فساق المسلمين، كذلك نصوص الشافعية تدل على عدم كفر المنتحر. انتهى.

ولا يرِد على هذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه؛ لأن هذا الترك ليس لأنه كافر خارج من ملة الإسلام بل هو لبيان تغليظ فعله، وليعتبر الأحياء بهذا، ومثله ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة – في أول الأمر – على المدين للأسباب نفسها، ولذا فإنه يشرع لخاصة الناس ترك الصلاة على قاتل نفسه -المنتحر – كما تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ترك الصلاة عليه بالكلية، بل يُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة.

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ الله عنْه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رواه مسلم ( 978 ) ،  وراه الترمذي ( 1068 )، وقال – بعده-:

واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يصلَّى على كل مَن صلَّى إلى القبلة وعلى قاتل النفس وهو قول الثوري وإسحق، وقال أحمد: لا يصلِّي الإمام على قاتل النفس ويصلِّي عليه غير الإمام .انتهى.

* قال أبو حفص بن شاهين – رحمه الله -:

وهذه الأحاديث التي ذُكر فيها امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على هؤلاء ليس أنه لا تجوز الصلاة عليهم، وإنما هو تغليظ من النبي صلى الله عليه وسلم ليُري الأحياء عِظَم الجنايات، والدليل على ما قلناه: قول النبي صلى الله عليه وسلم (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم ) فلو لم يجز الصلاة عليه لما أمرهم بالصلاة عليه، ….

وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمامُ على قاتل نفسه ولا على غالٍّ، ويصلِّي الناس عليه، وكذا قال مالك بن أنس: المقتول في القوَد يصلِّي عليه أهله غير أن الإمام لا يصلِّي علي .” ناسخ الحديث ومنسوخه ” ( ص 315 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

المَشاقص: سهام عِراض واحدها مِشقَص بكسر الميم وفتح القاف.

وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلِّى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله وصلَّت عليه الصحابة. ” شرح مسلم ” ( 7 / 47 ).

العزيز والأوزاعي – فإن الأمر عندهم ليس لكونه كافرًا بل الأمر كما نقله النووي عنهم أنه ” لعصيانه “، ولا نعلم أحدًا من أهل السنَّة يقول بأنه المنتحر قد خرج بفعله من ملَّة الإسلام.

ثالثًا:

وإذا تبيَّن لك صحة وقوة ما سبق في منهج أهل السنَّة والجماعة واعتقادهم هان عليك الأمر بعده، وسهل عليك الخروج من الإشكالات التي أوردتها، فالمحكم من النصوص والقطعي من الأحكام: أن المنتحر ليس يخرج من الإسلام بمجرد فعله، وعليه: فإن الخلود الذي ورد في حديث أبي هريرة ليس هو الخلود الذي للمشركين والمنافقين والكفار، وإن تحريم الجنة الذي ورد في حديث جندب ليس هو تحريمها على أبي لهب وأبي جهل، وإن لكل واحدة من اللفظين من التأويل ما يناسب مقام سياقها وفيمن وردت فيه، وهذا هو منهج أهل السنَّة المحكم في فهم النصوص، كما سبق في أول الجواب، وبيان ذلك:

  1. أن يقال إن ” الخلود ” خلودان: خلود مؤبَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكفر والشرك والنفاق، وخلود مؤمَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكبائر من المسلمين.

* قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله -:

معنى ” الخلود ” عند أهل السنة والجماعة في قوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) المكث الطويل، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤمَّد له أمد ونهاية، وهذا خلود عصاة الموحدين، وقد يطول مكث بعض العصاة لشدة وعظم جريمته كالقاتل وغيره، قد يطول، لكنه له نهاية ما دام على التوحيد والإيمان: فلا يخلد في النار. ” أجوبة مفيدة عن أسئلة عديدة ” ( ص 18 ) – ترقيم الشاملة -.

  1. وأما قوله صلى الله عليه وسلم عن ربِّه تعالى في حق قاتل نفسه ( حَرَّمْتُ عليه الجَنَّة ) فهو من الباب نفسه، فالتحريم تحريمان: تحريم مؤبَّد وهو تحريم الجنة على الكفار والمشركين والمنفقين فلا يدخلونها البتة، وتحريم مؤمَّد وهو تحريمها على العصاة من المؤمنين مع أول الداخلين، فهو تحريم لفترة من الوقت ثم يدخلونها وتكون مستقرًّا لهم، وقيل: إن المحرَّم هو جنَّة أرفع وأعلى من التي دخلها، وقيل إن التحريم هو تحريم مؤبَّد لكنه ليس لمجرد قتله نفسه بل لاستحلاله لذلك الفعل، وقيل إن هذا هو حكم المنتحر ما لم يتحقق عنده مانع من الخلود الأبدي ولا شك أن التوحيد هو يمنع من ذلك الخلود، وكل هذه التأويلات عند أهل السنَّة لا يهم ما يرجحه الباحث منها؛ لأن المهم هو أن مجرد المعصية بقتله نفسه لا تخرجه من ملة الإسلام وات توجب له الخلود الأبدي في النار كخلود الكفار والمنافقين والمشركين.

وهذا الوعيد لأولئك المسلمين المنتحرين لا شك أنه مما يمكن تخلف إيقاعه بفضل من الله تعالى ورحمة؛ وقد سبق في أول الكلام أن الذنوب كلها مما كان دون الشرك قابل لأن يغفره الله لعبده المذنب ويتجاوز عنه.

وكل ما قلناه في معنى الحديث ليتوافق مع المحكم من النصوص قاله أهل السنَّة خلافًا للخوارج الذين يرون أن قاتل نفسه مختوم له بكبيرة تخلِّده في النار.

* قال ابن خزيمة – رحمه الله -:

كلُّ وعيد في الكتاب والسنَّة لأهل التوحيد: فإنما هو على شريطة، أي: إلا أن يشاء الله أن يغفر ويصفح ويتكرم ويتفضل فلا يعذب على ارتكاب تلك الخطيئة؛ إذ الله عز وجل قد خبر في محكم كتابه أنه قد يشاء أن يغفر ما دون الشرك من الذنوب في قوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ).” كتاب التوحيد “(2/869).

* وقال ابن حبَّان – رحمه الله -:

هذه الأخبار كلها معناها: لا يدخل الجنَّة، يريد: جنَّة دون جنَّة، القصد منه: الجنة التي هي أعلى وأرفع، يريد: مَن فعل هذه الخصال أو ارتكب شيئًا منها: حرَّم الله عليه الجنَّة أو لا يدخل الجنة التي هي أرفع، التي يدخلها مَن لم يرتكب تلك الخصال؛ لأن الدرجات في الجنان ينالها المرء بالطاعات وحطّه عنها يكون بالمعاصي التي ارتكبها.” صحيح ابن حبان ” ( 11 / 240 ).

* وقال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

قوله ( حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةً ) فيتعلق به مَن يرى بوعيد الأبد، وهو مؤول عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فِعل ذلك مستحلاًّ فيكفر به ويكون مخلدًا بكفره لا بقتله نفسه.” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 437 ).

 

والله أعلم.

منهج السلف في صفات الله تعالى والرد على الاتحادية في فهم حديث ( كُنْتُ سَمْعَهُ )

منهج السلف في صفات الله تعالى والرد على الاتحادية في فهم حديث ( كُنْتُ سَمْعَهُ )

السؤال:

قال الله تعالى في الحديث القدسي ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ) كيف نجمع بين عدم الوقوع في الحلول وبين طريقة أهل السنة والجماعة في التعامل مع آيات الصفات؟ أرجو التوضيح أكرمكم الله فقد حاول بعض النفاة الطعن في مذهب السلف في الأسماء والصفات بدعوى أن إبقاء النص على ظاهره سيوقعنا في الحلول.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

منهج أهل السنَّة والجماعة في باب الصفات أن كلَّ صفةٍ يثبتونها لربهم عز وجل إنما يثبتونها بنصٍّ من كتابِ الله أو سنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم مع الجزم بنفي مماثلة الله تعالى لخلقه؛ لقوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) وهو ردٌّ على ” الممثلة ” – وبعض العلماء يطلق عليهم لفظ ” المشبهة ” – وقوله تعالى بعدها ( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى/ 11 فيه ردٌّ على المعطلة نفاة الصفات الذين اعتقدوا أن الاشتراك في الاسم يوجب المماثلة.

وقد ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في كتابه ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” قواعد نافعة في صفات الله تعالى تجدها تحت هذا الرابط:

http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_16822.shtml

وقد ذكر الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف إحدى وعشرين قاعدة في صفات الله تعالى، وذلك في كتابه ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة “، ويمكن تصفح الكتاب من موقعه تحت هذا الرابط:

http://dorar.net/book_view.asp?book_id=2939

ثانيًا:

ومن اعتقد أن ظاهر الصفات يوهم التمثيل فقد أخطأ في اعتقاده، وليس أحد من أهل السنَّة يقرأ آيات الصفات إلا وهو يثبت لها من المعاني ما يليق بجلال ربه تعالى، حتى جاء أهل البدعة والضلالة فادعوا أن الأخذ بظاهر آيات الصفات يوهم التمثيل – أو التشبيه – ومن ثمَّ قالوا إنه لا يجوز إبقاء تلك النصوص على ظاهرها وإلا شبَّهنا الله تعالى بخلقه! ولذا لجأوا إلى التعطيل والتحريف لمعانيها، وهذا لا شك باطل.

* قال الإمام الذهبي – رحمه الله -:

قد صار الظاهرُ اليومَ ظاهرين، أحدهما: حقٌّ، والثاني: باطلٌ، فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد، متكلم، حي، عليم، كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلَّم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنُمرُّه على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويلٌ يخالف ذلك.

والظاهر الآخر – وهو الباطل والضلال -: أن نعتقد قياس الغائب على الشاهد، ونمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضدَّ له، ولا نظير له، ولا مِثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي.  ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 449 ).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – رادًّا على ” البوطي ” -:

نقول له: ليس الأمر كما ذكرت، فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهمٌ توهمتَه أنتَ، وتوهَّمه غيرُك، وليس هو ظاهرها؛ لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص به، وصفات المخلوق تختص به. ” تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهبًا ” ( ص 32 ).

ثالثًا:

وأما الحديث الذي ذكره الأخ السائل فهو جزء من حديث رواه أَبو هُريرة رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ( إنَّ الله تَعالَى قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذنتُهُ بالحربِ وما تَقَرَّب إليَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمَّا افترضتُ عَليهِ ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الّذي يَسمَعُ بهِ وبَصَرَهُ الّذي يُبْصِرُ بهِ ويَدَهُ الَّتي يَبطُشُ بها ورِجْلَهُ الّتي يَمشي بِها ولَئِنْ سأَلنِي لأُعطِيَنَّهُ ولَئِنْ استَعاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ) رواه البخاري ( 6137 ).

وننبه إلى أن الذي جعله حجة له على اعتقاده الفاسد هم ” الاتحادية ” وليس ” الحلولية ” وقد قالوا إن الحديث يدل على اتحاد الخالق بالمخلوق إذا هو تقرَّب إلى الله تعالى بالفرائض، فيصير – والعياذ بالله – العبد هو عين المعبود يسمع كسمع الله ويبصر كبصره! يعني: اتحدَّ الخالق بالمخلوق فصارا شيئًا واحدًا! وهذا لا شك أنه كفرٌ مخرج من ملة الإسلام، والحديث الذي استدلوا به حجة عليهم ففيه إثبات خالق ومخلوق وعبد ومعبود ومحب ومحبوب وسائل ومجيب، وليس أنهما يصيران شيئًا واحدًا.

 

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله “كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ “، والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة:

منها: قوله ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ) فأثبت معادًيا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.

ومنها: قوله ( وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ ) فأثبت عبدًا متقرِّبًا إلى ربه وربًّا افترض عليه فرائض.

ومنها: قوله ( وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ) فأثبت متقرِّبًا ومتقرَّبًا إليه، ومُحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كله ينقض قولهم ” الوجود واحد “.

ومنها: قوله ( فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ) إلى آخره، فإنه جعل لعبده بَعد محبته هذه الأمور وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد.

” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 371 ، 372 ).

* وقال – رحمه الله -:

ثُمَّ قَالَ ( وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ) ففرَّق بين السائل والمسئول، والمستعيذ والمستعاذ به، وجعل العبدَ سائلًا لربه مستعيذًا به.

– وهذا حديث شريف جامع لمقاصد عظيمة.” مجموع الفتاوى ” ( 17 / 134 ).

 

والله أعلم.

ما معنى مصطلح ” الحرام لغيره “؟ وهل يحرم الطعام على مَن أكل بشماله؟

ما معنى مصطلح ” الحرام لغيره “؟ وهل يحرم الطعام على مَن أكل بشماله؟

السؤال:

أرجو من فضيلتكم توضيح معنى ” الحرام لغيره “, هل يعني – مثلًا – إذا أحدهم أكل الطعام بشماله يحرم ذلك الطعام عليه لكون الأكل بالشمال حرامًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أ. يقسَّم الحرام عند الأصوليين والفقهاء تقسيمات كثيرة، ومما يفيدنا هنا ذكره: تقسيم الحرام باعتبار الذوات، ويدخل تحته:

  1. الحرام لذاته، وهو ما حُرِّم لمفسدة خالصة، كالزنا، أو راجحة، كشرب الخمر.
  2. الحرام لغيره، وهو ما أذِنَ به الشارعُ، ومُنِع باعتبار آخر كالبيع والشراء بعد النداء للجمعة لما في مزاولته تفويت الجمعة، وخطبة الرجل على خطبة أخيه لما فيه من إيغار الصدور، فهذه الأمور إما في ذاتها مطلوبة، أو مباحة، ولكن اقترن بها ما يصيِّرها حرامًا.

ب. والفرقُ بين الحرام لغيره والحرام لذاته:

  1. 1. الحرام لذاته: الخلل في نفسه، والحرام لغيره: الخلل لوصف عارض طرأ عليه، لولاه كان جائزًا.
  2. الحرام لذاته: مشتمل على مفسدة ملازمة له، والحرام لغيره: متصف بمفسدة عارضة.
  3. الحرام لذاته: متعلق باعتبار واحد وهو التحريم، والحرام لغيره: متعلق به اعتباران، متى انفصل أحدهما تخلف التحريم.
  4. الحرام لذاته: قبيحٌ بعينه، كالزنا، والحرام لغيره: قبحُه بتعلق شيء عارض، كوطء الزوجة في حيضها.
  5. الحرام لذاته: يعود التحريم لماهيته وأفراده، والحرام لغيره: يعود التحريم لوصف خارج عن الماهية، كخطبة الرجل على خطبة أخيه.

ج. أسبابُ المحرم لغيره:

  1. المحرم للاقتران، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
  2. المحرم للذريعة، كتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية.
  3. المحرم للاشتباه، كتحريم الصيد إذا اشتبه بالميتة.
  4. المحرم للتغليب، كتحريم التطهر بالماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره وكان دون القلتين.
  5. المحرم للمآل، كتحريم بيع الرطب بالتمر.
  6. المحرم للجمع، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها.
  7. المحرم للتأديب، كتحريم أكل الإنسان متكئًا.
  8. المحرم للاعتبار، كتحريم النزول بأرض العذاب.
  9. المحرم للإرفاق، كتحريم الوصال.
  10. المحرم للتشبه، كتحريم الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها.
  11. المحرم للتنزه، كتحريم مسِّ الذكر باليمين.
  12. المحرم للإكراه، كتحريم الصدقة من آل البيت.
  13. المحرم للاستقذار، كرجوع الواهب في هبته.

وللعلم فما ذكرناه في بعضه خلاف في كونه حراماً والمقصود هنا ” النهي ” و ” المنع “، وأما التفاصيل فتُطلب في مظانها.

د. أقسام الحرام لغيره:

  1. الحرام لغيره لصفته؛ مثل تحريم الصلاة والصوم على الحائض، لمكان تلبسها بالحدث الأكبر المانع.
  2. الحرام لغيره الملازم له، كتحريم صوم يوم العيد؛ لما فيه الإعراض عن ضيافة الله.
  3. الحرام لغيره لأمر خارج عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
  4. الحرام لغيره لشرطه، كصلاة الرجل بالثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، ولبس الحرير محرمٌ على الرجال.

وكل ما سبق كان تلخيصًا لرسالة علمية بعنوان ” الحرام لغيره، دراسة نظرية تطبيقية ” للدكتور علي بن محمد باروم، وقد نشرت في ” مجلة جامعة أم القرى “، العدد ( 47 )، شهر رجب عام ( 1430 هـ )، ويمكن تحميلها ” مصوَّرة ” من الشبكة العنكبوتية، وهي مفيدة في الباب.

ثانيًا:

وأما بخصوص مسألة الأكل باليد الشمال فحرام لا يجوز، وقد ذكرنا في جواب سابق آداب الطعام، ومنها: الأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال، وذكرنا الحديث الصحيح والذي فيه أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله.

ومن خالف فأكل بشماله فلا يكون طعامه حرامًا عليه لانفكاك جهة المنع من الأكل بالشمال عن جهة الطعام نفسه، فالجهة منفكة فيكون حكمها حكم الصلاة في الأرض المغصوبة وما شابهها من المسائل، على أن جمهور العلماء يرون أن النهي عن الأكل بالشمال أنه نهي إرشاد فيكون تعمد الأكل بالشمال عندهم مكروها لا محرَّمًا، وبكل حال فعلى القول بالتحريم أو الكراهة لا يكون الطعام حراماً على من أكل بشماله.

* قال الإمام ابن عبد البر – رحمه الله -:

فمَن أكل بشماله أو شرب بشماله وهو بالنهي عالم: فهو عاصٍ لله، ولا يحرم عليه مع ذلك طعامه ذلك ولا شرابه؛ لأن النهي عن ذلك نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في النهي أن ما كان لي ملكاً فنهيت عنه: فإنما النهي عنه تأدب وندب إلى الفضل والبر وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا والفضل في الدين، وما كان لغيري فنهيت عنه: فالنهي عنه نهي تحريم وتحضير. والله أعلم . ” التمهيد ” ( 11 / 113 ).

ومن الباب نفسه عدم تحريم الشراب لمن تشبَّه بالفسَّاق فضرب كأسه بكأس آخر، أو تشبَّه بحركات شاربي الخمر، فمع وقوع الشارب في الحرام وهو التشبه بالفسَّاق فإن فعله لا يجعل شرابه المباح حرامًا.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

يحرم التشبُّه بشراب الخمر ويعزر فاعله وإن كان المشروب مباحا في نفسه فلو اجتمع جماعة ورتبوا مجلسا وأحضروا آلات الشراب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم فيأخذون من الساقي ويشربون ويجيء بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك وإن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في ذلك تشبها بأهل الفساد.” كشاف القناع ” ( 6 / 121 ).

ويمكن إدخال مسألتنا هذه في باب ” الحرام لغيره ” فيما نقلناه سابقًا في:

  1. ” أسباب المحرَّم لغيره ” وذكرناه منها: ” المحرم للاقتران، كالصلاة في الأرض المغصوبة ” وهي من المسائل التي تبحث فيما يعرف بـ ” انفكاك الجهتين “.
  2. ” أقسام المحرَّم لغيره ” وذكرنا منها: ” الحرام لغيره لأمر خارج عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة “.

 

والله أعلم.

كيف ترد على والدها الذي يعارض دراستها للشريعة ويقلل من أهمية دراسة اللغة العربية؟

كيف ترد على والدها الذي يعارض دراستها للشريعة ويقلل من أهمية دراسة اللغة العربية؟

السؤال:

أنا مقيمة في بريطانيا، وقد تخليت عن الدراسة الأكاديمية في الجامعة، وانصرفت لدراسة الإسلام والتعمق فيه عن طريق ” الجامعة الإسلامية المفتوحة “، أي: بالدراسة عن بُعد، وقد رفض أبي هذه الفكرة؛ لأنه يريدني أن أدْرس لأكون طبيبة أو ما شابه ذلك من التخصصات العلمية، ويقول: ” أي فائدة ستجنينها من دراستك للإسلام؟ لن يحترمك أحد “، فهل صحيح ما يقوله؟! إنني أنوي التعلم ونشر العلم، كما أن هذا التخصص أيضًا ليس مقصورًا على أمور الآخرة فقط، فسأحصل على شهادة أستطيع من خلالها التدريس في إحدى المدارس، وبهذه الطريقة أكون قد جمعت بين الدين والدنيا، كما يمكنني أيضًا التدريس في بعض المراكز النسائية، وبهذه الطريقة أكسب احترام من حولي، أليس كذلك؟.

كما أريد منكم أيضًا أن تذكروا لي مدى ضرورة تعلم العربية، أريد ذلك مدعّمًا بالدليل؛ لأن والدي يقول أيضًا: لماذا تتعلمينها؟ أي ميزة فيها؟ فهي لغة كباقي اللغات! كما أن العرب أنفسهم سيئون وفاسدون فلماذا تهتمين بها؟.

بالطبع أنا أختلف معه بالكلية، ولكن لا أدري كيف نصل إلى اتفاق نهائي فهو يعارضني دائمًا في هذه المسائل ويرى أن الإسلام مجرد شيء جانبي.

– فأرجو تزويدي بأكبر قدر من الأدلة لكي أعرضها عليه علّه يتفهم، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يمكن للطالب أن يُفلح في دراسة فنٍّ من الفنون ليس له به رغبة، ولذا فإن علماء الاجتماع يوصون الآباء بأن يكون اختيار التخصص الدراسي راجعًا للطالب نفسه لا لوالديه أو أحدهما، ولذا فإننا نعجب من الآباء الذين يُلزمون أولادهم بالتخصص في فنٍّ لا يرغبون دراسته، وإن هذا الإجبار – أو الإحراج – يسبِّب آلامًا نفسية للطالب، كما أن تحقيق رغبة الأهل في نوعية المادة المختارة للدراسة على حساب رغبة الطالب من شأنها أن لا تجعله ناجحاً مبدعاً فيها، ولو حقق الطالب رغبة الأهل في نوعية المادة الدراسية فإنه لن يعمل بها – غالبًا – بل سيختار عملًا آخر غير متوافق مع دراسته، وفي هذا تضييع للوقت والمال، وفي ذلك من المفاسد ما لا يخفى.

ولذا فإننا نرى أن اختيارك للدراسة الإسلامية في ” الجامعة الإسلامية المفتوحة ” هو اختيار موفق للغاية؛ وذلك لأسباب:

  1. أنكِ تخلصتِ بذلك من الدراسة في الجامعة والتي فيها من المخالفات للشرع الشيء الكثير.
  2. أنها دراسة عن بُعد، ففيها الستر والعفاف، والبُعد عن مخالطة الرجال والبعد عن تعرض سفهاء الناس لك بالقول أو الفعل.
  3. أن الدراسة تتعلق بأمر أوجبه الله تعالى على المسلمين وهو تعلم العلم الشرعي، ومن المعلوم أن الدراسة الأكاديمية فيها التزام بمناهج الجامعة مما يجعل طلب العلم جديًّا ومثمرًا.
  4. أن من شأن الدراسة الشرعية أن تجعل لكِ مكانة عند الناس، فطالب العلم يحتاجه الناس ليستفتونه في دينهم، وليوجههم في حياتهم نحو الأفضل، وإذا كان طالب العلم أنثى كانت الحاجة لها أشد وأكثر؛ لما تحتاجه بنات جنسها لمثلها في عرض مشكلاتهن الخاصة والأحكام التي تستحيي المرأة من ذِكرها أمام الرجال.
  5. أن فرص العمل المتاحة بعد الدراسة الشرعية لا تخالف الشرع – غالبًا -، فيمكنك التدريس في مدراس خاصة بالطالبات، أو في مراكز إسلامية نسائية، أو عن طريق الإنترنت، والمهم أن ظروف العمل الشرعية لتلك الدراسة متوفرة بكثرة.

ولذا فإننا معكِ في اختيارك لنوع الدراسة، ولمكان تلقيها، ونسأل الله تعالى أن يهديَ والدك لموافقتك فيما اخترته إذ لا نرى له وجهًا صحيحًا في معارضته تلك.

ثانيًا:

وأما اللغة العربية فيكفي لمعرفة منزلتها العالية أنها لغة القرآن الكريم، وأنها لغة نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب إما على الأعيان أو على الكفاية، ولا يمكن لأحدٍ أن يفتي في دين الله تعالى وهو لا يُحسن العربية، وهذا كله يدل على منزلة اللغة العربية وأهميتها في ديننا.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وأما النحو واللغة: ففرض على الكفاية أيضًا كما قدمنا؛ لأن الله يقول ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم ) إبراهيم/ 4 ، وأنزل القرآن على نبيِّه عليه السلام بلسان عربي مبين، فمن لم يعلم النحو واللغة: فلم يعلم اللسان الذي به بيَّن الله لنا ديننا وخاطبنا [ به ]، ومن لم يعلم ذلك: فلن يعلم دينه، ومن لم يعلَم دينه : ففرض عليه أن يتعلمه، وفرض عليه واجب تعلم النحو واللغة ولا بد منه على الكفاية كما قدمنا، ولو سقط علم النحو واللغة: لسقط فهم القرآن وفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سقط: لسقط الإسلام.

فمن طلب النحو واللغة على نية إقامة الشريعة بذلك وليفهم بهما كلام الله تعالى وكلام نبيه وليفهِّمه غيرَه: فهذا له أجر عظيم ومرتبة عالية لا يجب التقصير عنها لأحد، وأما مَن وَسم اسمَه باسم العلم والفقه وهو جاهل للنحو واللغة: فحرام عليه أن يفتي في دين الله بكلمة، وحرام على المسلمين أن يستفتوه؛ لأنه لا علم له باللسان الذي خاطبَنا الله تعالى به، وإذا لم يعلمه: فحرام عليه أن يفتي بما لا يعلم. ” رسائل ابن حزم ” (3/162).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن نفس اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية.

وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أما بعد فتفقهوا في السنَّة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي.

وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلَّموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم.

وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدِّين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنَّة هو الطريق إلى فقه أعماله. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 207 ).

وأما حكم والدك على العرب بأنهم سيئون وفاسدون: فهذا ظلم يحاسبه عليه ربُّه يوم يلقاه، ولو فُرض هذا فلا دخل لهذا بمنزلة اللغة وأهميتها، ولم يمنع كون العرب يعبدون الأصنام ويشركون بالله تعالى ويشربون الخمر أن ينزل القرآن بلسان عربيٍّ مبين، وها هم الغرب فيهم السيء والقاتل والمغتصب والمحتل ومع ذلك فهم يحافظون على لغتهم ويقدسونها، ولا نظن والدك يُنكر عليهم هذا، ولو رُبطت اللغة بأفعال بعض أهلها لصارت لغة الإشارة هي المتعينة ليخاطب الناس بعضهم بعضًا بها!. ونختم لوالدك بهذه الحقيقة:

 

 

 

* قال الشيخ تقي الدين الهلالي – رحمه الله -:

والحق: أن السبب الذي بغَّض الناس في اللغة العربية ليس إعرابها ولا صعوبة قواعدها ولكن خذلان أهلها لها، وعدم شعورهم بواجب خدمتها، فضيعوها كما ضيعوا غيرها من الواجبات. ” تقويم اللسانين ” ( ص 130 ).

 

والله أعلم.

 

مـا حُكْـم اسْتعمـال المُكالمـات المرئيَّـة في مُكالمـات “الهاتف الجوَّال” وغيره؟

حكم استعمال المكالمات المرئية في مكالمات الجوال

السؤال:

لديَّ سؤال وأود من المفتي أن يوافيني بالإجابة بأسرع وقت ممكن إن شاء الله، سؤالي بخصوص استخدام ” الاسكايب فيديو “، ولكن قبل أن أطرح سؤالي هناك خلفية مقتضبة عن الأناس الذين يتساءلون عنه، هم يرون العلماء كأناس ذي تقاليد قديمة ومسنِّين وليس لهم دراية بالتكنولوجيا ولذلك فهم غير قادرين على فهم كيف تعمل التكنولوجيا، كما أنهم غير قادرين على إدراك كيف أن العلماء يصلون للإسلام سؤال وجواب، كما أن اهتمامهم الرئيسي هو معرفة كيف نثق في هؤلاء العلماء، وكيف نعرف أن العلماء أنفسهم هم الذين يجيبون عن الأسئلة وليس أحدٌ غيرهم.

والسؤال يأتي هنا: هناك بعض الناس يقولون إنه من الممكن استخدام ” اسكايب فيديو ” لأن الصورة التي تبث غير مخزنة ولا مسجلة، وفي حال انتهت الجلسة يتم حذف الصورة في الحال، وبناء على هذه الحقائق فإنهم يستنتجون أنه من الممكن استخدام ” اسكايب فيديو ” أو وسائل أخرى مشابهة له.

وسوف أكون ممنونة إذا ما أفادني المفتي بتفسير واضح حول هذه القضية وليس فقط بمجرد التصريح بأن ” الاسكايب فيديو ” يمكن استخدامه أو لا، وإنما يقوم أيضًا بتوضيح هل يجوز استخدامه أو لا، وأن يبين أي جزء في التكنولوجيا يمكن استخدامه، وهكذا، وإذا لم يكن جائزًا فلماذا؟ وإذا ما حصل المفتي على مساعدة من شخص متخصص في مجال التكنولوجيا فهل يمكن أن تؤخذ أوراق اعتماد هذا الشخص في الاعتبار ليطمئن الناس؟ وسوف أكون ممنونة إذا ما استطاع المفتي أن يسأل أناسًا آخرين عن مكانة المفتي ( مُفتون من بلدان أخرى ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

العلماء الذين يفتون الناس لا يفتونهم في شيء لا يعرفونه، ومن لم يكن منهم على دراية بما يُسأل عنه فإنه لا يجيب بل يعتذر للسائل أو يحوِّل سؤاله إلى من عنده دراية بالمسئول عنه.

ثانيًا:

وأما ادعاء أن العلماء المفتين ليسوا على علم بالتكنولوجيا فيكذبه واقعهم، وها هي استعمالاتهم للتكنولوجيا الحديثة في الدعوة إلى الله ظاهرة للعيان، وها هي فتاواهم في مواقعهم وكتبهم تشهد على خطأ تلك الدعوى، ولسنا نقصد كل عالِم على وجه الأرض فهو كذلك، بل نقصد العلماء الذين يتصدون للفتوى في الفضائيات ومواقع الإنترنت، وليس يعيب أحدٍ منهم أن لا يعلم عن اختراع حديث أو تطور جديد، وإنما الذي يعيب هو أن يفتي أحد بشيء لا يعلم حقيقته وهذا الأمر ليس موجودًا في واقع هؤلاء العلماء الذين نثق بعلمهم ودينهم، كما أن العيب كل العيب هو في استعمال تلك التكنولوجيا في الأشياء المحرَّمة التي نهت عنها الشريعة وحذرت من الاقتراب منها أو من فعلها.

ثالثًا:

وبخصوص ” سكايب فيديو ” فالمقصود به: أن شركة ” سكايبي ” – skype – قد حدَّثت برنامجها للمخاطبات ما مكَّنت به مستخدمي بعض الجوالات الحديثة من التواصل مع الآخرين بمكالمات فيديو، وذلك من خلال شبكات ” 3G  ” و ” واي فاي “، إذا كان مع الطرف الآخر مثل نوعية جوال الطرف المتصل.

وأما حكم استعمال هذه التقنية الحديثة: فإنه يختلف باختلاف استعماله ومستعمله، فلا مانع من المحادثة المرئية بين الزوج وزوجته، والشخص وأسرته، والمرأة وصديقتها، ولا يجوز استعماله في نقل المشاهد المحرَّمة، كما لا يجوز استعماله من امرأة على رجل أجنبي عنها أو العكس، وقد سبق لنا أكثر من فتوى في تحريم المراسلات والمحادثات الصوتية بين الرجل والمرأة الأجنبيين، فتحريم المكالمات بالفيديو من باب أولى؛ لما فيه من الوقوع في زنا العين بالنظر المحرَّم بالإضافة إلى زنا الأذن بالسمع المحرَّم، ومن المعلوم أن للصورة الثابتة تأثيرًا لا يخفى فكيف أن تكون متحركة ومباشرة؟! لا شك أنها أولى بالمنع والتحريم من المحادثة الصوتية.

وإذا كنَّا قد ذكرنا جواز ظهور المرأة بمكالمات الفيديو – على ” سكايبي ” وما يشبهه – مع من يحل له أن يراها من الرجال والنساء فإنه لا بدَّ من التنبيه على الحذر من ذلك الظهور مع صديقات وزميلات قد يسجلن مكالمة الفيديو تلك، وقد يكون زوجها أو أخوها مشاركًا لها في النظر، فنحن نحذِّر وعلى كل امرأة أن تحسن انتقاء الطرف الآخر في مكالمتها، كما نحذِّر من تسجيل مكالمات الفيديو التي يجوز للمرأة أن تظهر فيها؛ خشية من وقوع هذا التسجيل في أيدي المخترقين – ” الهكرز ” – أو يضيع الجهاز فتقع ملفات الفيديو في أيدي فسقة مبتزين، والذي يدعونا لتينك التحذيرين والتنبيهين هو ما نعلمه من وقائع مؤسفة وأحداث عظيمة حصلت لأخوات مؤمنات غافلات تساهلن في هذا الأمر فوقعن في ورطات يصعب الخروج منها بسلامة تامة.

 

والله أعلم.