أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (10)
كارثة الطوفان ( 10 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “2”
الحمد لله
١. ما ذكرناه سابقا من نوعي الجهاد (الطلب والدفع) يستوي فيهما القول في أنه يطلب فيهما تحقق المصلحة وانعدام المفسدة، بالنظر في قوة المسلمين إعدادا وقتالا، وقوتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فنحن نعيش في زمان غير الزمان الأول؛ فكان لوجود هذه القوى الأهمية الكبرى في تحقيق النصر على العدو.
فلا يصلح الدخول في قتال مع العدو دون تأمين مال لتصنيع أو شراء السلاح، ودون تأمين المدنيين وتجنيبهم الهلاك، ودون توفير مستلزمات الاستمرار في القتال من الطعام والشراب والدواء والعلاج، وهذا بدهي في عالم القتال لا يحتاج لتنبيه، و بمقدار ما يتخلف شيء من ذلك تكون له عواقب وخيمة، وللأسف كل من قاتل المسلمين في ديارهم حقق هذه الأمور -وفي كثير منها برجال ومال المسلمين وللأسف- وتُرك المسلمون يَدفعون الكافر الظالم وحدهم، بعد أن نجح العدو بقطع الصلة بينهم وبين الراغبين بنصرتهم بقوة السلاح والسياسة والاقتصاد.
قال ابن تيمية رحمه الله:
“ولا ينبغي للإمام أن يقدم على قتال إلا بقوة وعدة، فإن كان العدو أكثر وأقوى، فالحذر الحذر من مقاتلته؛ فإن ذلك إضاعة لحقوق المسلمين، وتعريض لهم للفناء.” “السياسة الشرعية” (ص ١٣٨).
وفيه:
١. أن القتال لا يجوز أن يكون تهّورًا أو دون استعداد.
٢. إذا كان العدو أقوى، فعلى الإمام أن يتأنّى ويتحسّب، وألا يُعرّض المسلمين للفناء والهلاك.
٣. هذا من فقه السياسة الشرعية، ومراعاة المصلحة والمفسدة.
وهذا من أقوال ابن تيمية التي تُظهر توازنه بين القوة والحكمة، والجهاد والرحمة.
٢. والأصل في الإسلام الحفاظ على قواهم جميعا وخاصة القوى البشرية والزيادة المستمرة في إعدادهم عقيدة وعبادة وسلوكا، وقوة في نفسه وقوة في سلاحه قال تعالى: {وأعِدُّوا لهم ما استَطَعْتُم مِن قُوّة} الأنفال/٦٠، فجعل القوة نكرة في سياق الشرط فتكون عامة لتشمل كل أنواع القوة، ومنها قوة الرمي، قال النبي صلى الله عليه وسلم “ألاَ إنّ القوّةَ الرميُ (ثلاثا)” رواه مسلم، فيشمل رمي الرصاص والقنابل والصواريخ، حتى يصل الأمر للقوة النووية! ولولا وجود هذه القوة النووية عند (باكستان) لابتلعتْها (الهند) ، ولولا وجودها في (كوريا الشمالية) لاقتُلعت من الأرض من زمن، وهذا هو الأصل في القوة التي أمر بها المسلمون في إعدادها أنها (ترهب بها الأعداء ومن وراءهم ممن يدعمهم)، ولم يتجرأ أعداء الله على غزو بلاد المسلمين واحتلالها ونهب ممتلكاتها إلا بعد أن منعوهم من صناعة أسلحتهم بأيديهم، بل وتقييد الحصول على المتطور الفعال منها.
وكل نقص في الإعداد والقوة يؤثر سلبا على القتال أيا كان المقاتل، ويغفل عن هذا كثير من المنظرين فيكتبون أن الإعداد وإن قل وفي جانب دون باقي الجوانب كفيل بتحقيق النصر على العدو! وهذا خلل أدى إلى زوال كثير من الإعداد الذي بذلت فيه أموال وجهود وأرواح، وأدى إلى مزيد احتلال وسجن وتشريد وهدم.
ومنه تعرف الحكمة البالغة في عدم تشريع الجهاد (الدفع ومن باب أولى الطلب) أول الإسلام لما في المسلمين من ضعف وقلة عدد وعدة، وكان الأمر بالصبر في تلك المرحلة هو المأمور به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر يعذبون أشد العذاب ولا يجد أكثر من تصبيرهم والوعد لهم بالجنة، ومن طلب القتال من القادرين عليه كان يؤمر بـ {كفوا أيديكم}، وكان الرجل منهم يريد نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والبقاء معه في مكة فيقول له ألا ترى حالنا ارجع لقومك حتى تسمع عن قوتنا فتلحق بنا.
وإذا علم الحاكم أن العدو أكثر عددا من الضعف جاز له أن لا يخرج لقتاله وإذا تفاجأ بعددهم أو نقص المسلمون لما دون ضعف الكفار جاز لهم الفرار من الزحف، قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
وروى مسلم عن النواس بن سمعان – في قصة قتل عيسى عليه السلام للدجال- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان (أي لا قدرة) لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج …”.
قال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: معناه لا قدرة ولا طاقة.. وكأن يديه معدومتان … ومعنى (حرزهم إلى الطور) أي: ضمهم واجعل لهم حرزاً. “شرح مسلم”.
هذا على اعتبار العدد وحده مع تقارب الأسلحة وأما مع الاختلاف والفرق الكبيرين فإنه يحسب حساب هذا في المعركة، ويمكن فهم ذلك من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهم واحد، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للفرس سهمين باعتباره سلاحا في المعركة، فالعدو الذي يتفوق بطائراته الحربية قصفا وتدميرا مع مسلم لا يملك مضادات لها لا ينظر لمعركته هذا للعدد بحد ذاته.
قال العز بن عبد السلام -رحمه الله- :
انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة، لكنه جائز إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين، مع التقارب في الصفات؛ تخفيفاً عنهم؛ لما في ذلك من المشقة، ودفعا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين. “قواعد الأحكام”.
كما يمكن للمسلمين إن كانوا أقل من الكفار بكثير وملكوا أسلحة تعوض نقص عددهم أو تحكموا في مكان المعركة كاستيلائهم على مكان الماء (كما حصل في ” بدر” ) أو ضيقوا الخناق على عدوهم في جغرافية المعركة – استثمار الوديان وجبل الرماة- لئلا يستفيدوا من عددهم (كما حصل في دفع الكفار في” أحد”) فيحسب لهذا حسابه ويستحب لهم الثبات أو يجب بحسب حال المعركة وقادتها.
٣. وسواء كان الجهاد جهادَ طلب أو دفع فإنه ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، فإن كانت المصلحة أكبر من المفسدة فيُمضى في نوعي الجهاد، وإن غلبت المفسدة على المصلحة والضر على النفع تأجل جهاد الطلب، وسلكت سبل أخرى غير القتال إن كان جهاد دفع غير متعين، بخلاف من نفى ذلك من مشايخ العصر وقال إنها قاعدة إبليسية! بل كلامه أقرب لمراد أعداء الإسلام الذين يُدخلون المسلمين في معارك ليسوا أهلا لها ليقضوا على البقية الباقية منهم، أو يقضوا على ما تم إعداده من سلاح وعقول وتنمية وتربية، وللأسف الشديد أن مثل هذا يُفرح بفتواه الشاذة ويُسوّق مقطعُه على أنه انتصار للمتحمِّسين المحمِّسين وأنه رد على المثبطين المخذلين، فمن الذي يريد الخير للإسلام والمسلمين، الذي يأمر بمزيد إعداد وصبر حتى تتهيأ الظروف المناسبة أم الذي يلقي الأمة في التهلكة بقرار ينسق فيه مع أعداء الله الرافضة الخونة؟.
ولو كانت المعركة بين مقاتلين ومقاتلين، ليس فيها مدنيون، وفرضت على المسلمين فرضا لهان الخطب وقلنا إنهم قد أخذوا بالأسباب في الإعداد والحماية لأنفسهم في خنادق يقاتلون منها ويحمون أنفسهم من العدو، لكن عندما يفرض المسلم المعركة على العدو المجرم ويتترس بالمدنيين ويكلهم لمروءة وخلق عدوهم أو يكلهم للأمم المتحدة لتحميهم وللعدو نفسه أن يقدم لهم الخدمات! فهنا يقف المرء مندهشا من هذا التفكير وهذه المعركة.
٤. ومعارك المسلمين وجهادهم للكفار ليس فيها القتال فحسب، بل فيها كذلك:
– طلب المسلمين وقف القتال.
– الهدنة، تكون أثناء الحرب، ولو طالت أكثر من عشر سنين.
– المعاهدة، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة.
– الصلح، كما حصل في “صلح الحديبية”.
– بل ودفع المال للعدو في حال عدم القدرة على صده، أو لمنعه من غزو بلاد المسلمين حفاظا على الأرواح والأعراض، وهذه ضريبة مؤلمة يتجرعها الأحرار بسبب تفرق المسلمين وذلهم واحتياجهم للغرب في طعامهم وسلاحهم وعموم حياتهم.
فقد يكون المسلمون المحاربون ضعفاء ويكون الأعداء أقوياء، فالمكابرة لا تغير الحقائق، ولا تجعل الضعيفَ قويًّا، والقويَّ ضعيفًا، وليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة.
حرر يوم الإثنين 16/1/1446 هـ الموافق 22/7/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (11)
كارثة الطوفان ( 11 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “3”
الحمد لله
١. توثيقا لما اختتمت به كلامي في الحلقة (١٠) أنقل عن فقيه هو مرجعية علمية عند المخالفين، وهو الشيخ القرضاوي رحمه الله، وكل النقولات من كتابه “فقه الجهاد” :
قال القرضاوي -رحمه الله- :
فماذا يفعل المسلمون حين تجري عليهم الأقدار، وتدور بهم الأيام، فينكسرون ويهزمون أمام أعدائهم؟ أو حين يرون أعداءهم أقوى بكثير منهم، وأنهم لا قِبَل لهم بهم، ولا طاقة لهم بحربهم؟ هنالك لا مفر من الاعتراف بالواقع فالمكابرة لا تغير الحقائق، ولا تجعل الضعيف قويًا، والقوي ضعيفا، وليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة.
فإذا رأت قيادة المسلمين- بعد التشاور في الأمر، كما هو واجب – أن هناك خطرا عليهم من استمرار القتال، وجب وقف القتال، سواء طلب العدو إيقافه أم لم يطلبه. انتهى.
وقال:
أما إذا كان الجهاد جهاد دفع، أي جهاد مقاومة للعدو الغازي، فهذا جهاد اضطرار، لا جهاد اختيار، هو جهاد مقاومة للوقوف في وجه العدو حتى لا يدخل أرض الإسلام، أو لطرده منها إذا دخل، وفي هذا الجهاد تُبْذل المُهَج والأرواح حفاظًا على الأرض والعِرض، ودفاعًا عن الحرمات والمقدسات، ولكن ليس إلى حدِّ تعريض الجماعة كلِّها للهلاك.
فليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة، وهذا من واقعية هذه الشريعة، التي تتعامل مع الحقائق على الأرض، ولا تحلِّق في مثاليات ليس تحتها طائل، إنها تعمل أبدًا على جلب المصلحة، وتوقِّي المفسدة. ولها في ذلك فقه رحب عميق، سمَّيناه (فقه الموازنات). انتهى.
وقال:
وقال الإمام ابن القيم في فقه غزوة الحديبية من “الهدي النبوي” ، حيث ذكر: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى مصلحة المسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم.
ثم يستدل بقصة غطفان في غزوة الأحزاب: وقال في [بداية المجتهد]: (كان الأوزاعي يجيز أن يصالح الإمام الكفار على شئ يدفعه المسلمون إلى الكفار، إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة ، أو غير ذلك من الضرورات). انتهى.
وقال :
وقد تنتهي المعركة بين المسلمين وأعدائهم بالصلح والمسالمة، إذا جنح إلى ذلك، وطالب المسلمين بالصلح والمهادنة، وكف الأيدي عن القتال، ومعنى الهدنة كما قال ابن قدامة: أن يعقد (أي الإمام) لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدَّة، بِعوض أو بغير عوض، وتسمى: مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز بدليل قوله الله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) [التوبة:1]، وقال سبحانه وتعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) [الأنفال:61]، وروى مروان والمسور بن مخرمة: أن النبي –صلى الله عليه وسلم– صالح سهيل بن عمرو (ممثل قريش) بالحديبية، على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين: إما بأن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يُطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح ….. بل ذهب الإمام ابن القيم إلى أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شرٌّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وهذا ذكره استنباطًا من فقه صلح الحديبية وما فيه من فوائد فقهية.
وإذا كان بعض الفقهاء لا يجيزون المعاهدة [الصلح مع المشركين] لأكثر من عشر سنين فهناك من أجاز الهدنة لما هو أكثر من ذلك وفق مصلحة المسلمين وهذا ما أرجحه. انتهى.
٢. وتتمة لما سبق في الحلقة (١٠) أود التنبيه على ما قد يُفهم غلطا وخاصة ممن يقرأ ليشغِّب لا ليستفيد: أن الشرع لا يحرّم مواجهة مجاهدي المسلمين لجيش الكفار إذا كان الكفار أضعاف عددهم -وبذلك يبطل الاستدلال بكثير من الحوادث جيء بها للرد على ما نقول- وأكثر معارك المسلمين كانت كذلك أصلا مثل القادسية واليرموك وأعظم منهما معركة “ملاذكرد”، وإنما الذي نبهنا عليه هو أن لا تكون أعدادهم وأسلحتهم (تبيد المسلمين أو توقعهم أسرى، أو تكون هزيمة من غير نكاية موجعة للعدو).
– ففي (جهاد الطلب وهو جهاد اختيار) لا يواجهون الكفار بل ينسحبون، وإذا حصل هذا أثناء القتال فيباح لهم الفرار، فالأمر يدور بين (عدم وجوب المواجهة) و (إباحة الفرار).
قال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:
إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا: استُحب لنا الثبات، وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية: وجب علينا الفرار؛ لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أو بنكاية فيهم: استُحب الفرار. “مغني المحتاج”.
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب: فقد ألقى بيده إلى التهلكة. “السيل الجرار”.
وفي (جهاد الدفع وهو جهاد اضطرار) يبذل المسلمون جميعا ما يقدرون عليه، وإنما التوقف في حال كون القتال يسبب إبادة جماعية فيُتصرف بما ذكرناه سابقا من طلب وقف الهجوم أو وقف القتال مقابل هدنة أو صلح أو مال يُدفع لهؤلاء الكفار.
قال ابن تيمية – رحمه الله-:
فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم … وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. “الاختيارات الفقهية”.
وللأسف فهذا لا ينطبق على الحرب على غزة التي كتبنا هذه الحلقات من أجلها، فالمقاتلون هم من بدأوا المعركة جاءوا بالأسرى والسبايا! فأدخلوا العدو للبلد بنفس خبيثة نازية للانتقام الشديد فطبقوا تعاليم دينهم المحرف في قتل النساء والأطفال، واشتدوا في الوحشية إهانة وقتلا وتعذيبا، حتى احتلوا غزة كلها، فبدلا من تحرير الأقصى أضعنا غزة المحررة أصلا، وتُرك المدنيون في مواجهة الأسلحة المدمرة حتى وصل عدد الشهداء ل (٥٠ ألفا) و الجرحى (ل ١٠٠ ألف) -مع الاستمرار وعدم التوقف لهذه اللحظة- مع تدمير شامل للمساجد والجامعات والمؤسسات والبيوت، والمقاتلون في خنادق ليسوا في مواجهة مع العدو، وهذه الصورة لم يذكرها العلماء في جهاد الدفع، بل العكس هو ما كان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من وضع النساء في حصن وكان هو والصحابة في مواجهة العدو في الأحزاب، ولما بعث حذيفة بن اليمان بينهم قال له (لا تَذْعرهم علينا) وتمكن حذيفة من قتل أبي سفيان لكنه لم يفعل استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه المعركة لم يؤمن جانب النساء والأطفال وتم إذعار العدو علينا، والحجة الفارغة أنهم كانوا سيدخلون البلاد لا ترقع للأمر، فمن يعلم بقرب دخول عدوه عليه فإما أن يدفعه بالقوة الشديدة في الاستعداد، وإما أن يمنعه من الدخول بالكلية أو يؤخره قدر الاستطاعة لا أن يعجل بدخوله دخولا نازيا متوحشا.
والمجاهدون لهم أعمال بطولية لا تنكر، ومن رأى مقاطعهم لم يشك في صدقهم وبيع أنفسهم لله والرغبة في النكاية بالعدو المجرم، لكن لم يبق في القلب مجال للفرح بقتل يهود مع عظيم الحزن والألم لما أصاب المدنيين من هدم وقتل وتشريد وجوع وعطش، وعدم تأثير القتل بهم مع وجود مرتزقة كثر، ولا في آلياتهم مع وجود دول تدعمهم بأضعافها، والمشكلة أن القادة -والمنظرون لهم في الخارج- لا يزالون يرون صحة فعلهم وأنهم سيكررونها مرارا! فأين هو دفع العدو الصائل الذي أدخلتموه بلدكم؟ ولا نرى إلا معركة شرسة نازية بين جيش وشعب أعزل، مع تغني القادة السابق مرارا بتحدي هذا الجيش أن يدخل بريّا وأنه سيغرق في رمال غزة، وأنه سيندم ويهلك، مع ما سمعناه من الخرافات السمجة في “مؤتمر وعد الآخرة”، مع ما قاله (هنية) أنه أوصى نجارين لصناعة منبر جديد للمسجد الأقصى! والواقع المعلوم لكل عاقل أنه لا مقارنة بينكم في العدة والعتاد، واليهود حلفاؤهم كل كافر نجس في الأرض يبغض الإسلام ويتمنى زواله، وأنتم ليس لكم حلفاء إلا إيران المجوسية الخائنة وهي لا تقل كفرا وخبثا ووحشية عن حلفاء اليهود، ولو كانت المعركة (لا سمح الله) معها لرأينا النتائج الكارثية أضعافا مضاعفة، سيأتي مزيد بيان لهذا، إن شاء الله.
٣. وكون عدد الكفار -الذي يمنع وجوب المواجهة ويبيح الفرار- ضعف عدد المسلمين لا يراد لذات العدد بل لأنه مظنة القوة، فيكون مثله -بل وأولى منه- إذا تفوق العدو بأسلحة الدمار ولا يملك المسلم مثلها ولا أقل منها بكثير، وذكر العدد هو مع تقارب العتاد والسلاح، والمسألة وإن كان فيها خلاف بين المتقدمين إلا أن فقهاء المذاهب المعاصرين لا أظنهم يختلفون مع ما يرونه من تفاوت القوة في السلاح.
قال السرخسي- رحمه الله – :
ثم خفف الأمر فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله {فإن يكن منكم فئة صابرة يغلبوا مئتين}، وهذا إذا كان بهم قوة القتال بأن كانت معهم الأسلحة، فأما من لا سلاح له فلا بأس بأن يفر ممن معه السلاح، وكذلك لا بأس بأن يفر ممن يرمى إذا لم يكن معه آلة الرمي.
ألا ترى أن له أن يفر من باب الحصن، ومن الموضع الذي يرمى فيه بالمنجنيق لعجزه عن المقام في ذلك الموضع؟ وعلى هذا لا بأس بأن يفر الواحد من الثلاثة، إلا أن يكون المسلمون اثنى عشر ألفا كلمتهم واحدة، فحينئذ لا يجوز لهم أن يفروا من العدو وإن كثروا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة، ومن كان غالبا فليس له أن يفر”. “شرح السير الكبير”.
وما قاله السرخسي هنا -وهو مذهب الحنفية- من تخصيص الحديث لعموم الآية غلط:
أ. فعندهم -وليس راجحا عندي- لا يَنسخ الآيةَ إلا قطعي الثبوت -القرآن والخبر المتواتر- والحديث هذا من الآحاد بل ولا يصح أصلا!
ب. نص الحديث «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ ألْفاً مِنْ قِلَّةٍ». رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
قال أبو داود في” سننه”: والصحيح أنه مرسل.
وقال في” المراسيل” : قد أُسند هذا، ولا يصح، أسنده جرير بن حازم وهو خطأ.
وأشار الترمذي لإرساله.
وعلله الدارقطني وأبو حاتم الرازي وقال: المرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
– والحديث كان صححه الشيخ الألباني رحمه الله ثم تراجع وضعفه.
ج. وهذا هو الصحيح أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والواقع يغلطه، فقد هزم المسلمون في معارك كانوا فيها أكثر من ذلك العدد.
د. ولو صح الحديث فمعناه: أن الهزيمة لا تكون من جهة العدد بل من أشياء أخرى.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
إذا قاتل المسلمون الكفار وهم اثنا عشر ألفا فإنهم لن يغلبوا، لكن لن يغلبوا باعتبار الكمية أما باعتبار الكيفية فلو اجتمع اثنا عشر مليون هزموا….
فالحاصل: أن الحديث (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة) هذا لو أننا صدَقنا اللهَ، أما ونحن الآن لا نريد إلا شبع البطون وشهوة الفروج ولذة الفرش فسنغلب لو كنا اثني عشر ألف مليون، نعم . انتهى.
والله أعلم.
حرر يوم الأربعاء 18/1/1446 هـ الموافق 24/7/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (12)
كارثة الطوفان ( 12 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “4”
الحمد لله
١. كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة قوته وضعفه في ابتداء القتال، وانتقام المسلم من الظالم من أشد الأشياء طلبا، ومع ذلك فما كان ليغامر بالمسلمين ويفرط بأرواحهم في سبيل التشفي والانتقام.
ومن أعظم ما أحزنه في حياته صلى الله عليه وسلم حادثة (بئر معونة) (٤ هجري) حيث قَتل الطفيل بن عامر -من بني عامر- بالتآمر مع قبائل (عُصيَّة ورِعل وذَكوان من بني سُلَيم) – سبعين من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا من صفوة أهل العلم، بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجد لدعوتهم لدين الله فقتلوهم غدرا، وحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحزن، قال أنس رضي الله عنه: (فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَدَ (حزن) على شيء ما وجد عليهم) رواه البخاري، وقد كان عددهم يساوي عدد شهداء أُحُد، وقد قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا في الصلوات الخمس يدعو على هذه القبائل.
وكانت (ديار بني عامر) ذاك تبعد عن المدينة المنورة (١٨٠) كيلا.
ولأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه للتو قد خرجوا من غزوة أحد وما حصل فيها لم يقو على الانتقام لأصحابه.
ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قُتل رسوله إلى (بُصرى) الصحابي الحارث بن عمير الأزدي من قبل شرحبيل بن عمرو الغساني وكان قد لقيه في “مؤتة” جهز النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مقاتل لتأديب شرحبيل وعصابته، وفي المكان نفسه، وكانت تبعد عن المدينة (١٠٠٠) كيلا!، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في قوة إذ كان في صلح مع قريش في “الحديبية” وكان الناس يدخلون في دين الله، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليبعث هذا العدد إلا لأولئك العصابة وليس في باله تدخل الروم لنصرة شرحبيل ولم يكن يعلم ذلك وقد تفاجأ الصحابة بهم عند المواجهة، وحصل ما حصل مما هو معلوم، ومن عظيم نتائج هذه الغزوة المباركة فتح مكة! فقد فرحت قريش بهزيمة المسلمين وظنت زوال هيبتهم وقوتهم فنقضت العهد بنصرة قبيلة (بني بكر) على (قبيلة خزاعة) حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشه وفتح مكة وكان فتحا مبينا، والشاهد من هذا واضح بيّن، وهو مراعاة قوة وضعف الدولة والطائفة والجماعة، وأنه لا يغامر بانتقام لقائد قتل أو أسير مضرب عن الطعام مات أو لانتقام من خنزير صهيوني، بما يسبب قتلا وتدميرا ثم البحث عن وسيط لوقف إطلاق النار (احمونا)، ولا نجني إلا مزيدا من الخسائر في الأنفس والبنيان، وبعض المغامرين كان يريد الانتقام من مؤسسة أمنية بالتسبب بكارثة عظيمة جدا يقتل فيها الألوف من أجل انتقامٍ لاعتقالٍ سابق فيها أو تعذيب، وللأسف أن يولى مثل هؤلاء قدرات وحماسات أسلحة وأموال تذهب في مثل هذه العبثيات.
٢. وطبيعة النفس البشرية أنها تؤثر فيها مشاهد القتل والأشلاء للمدنيين – وخاصة النساء والأطفال- أكثر من تأثرها بالعسكريين؛ لما للفرق الذي لا يخفى بينهم، والشريعة الإسلامية راعت هذا الأمر، ولنتأمل هذه الآية وتفسيرها،
قال تعالى { هُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡیَ مَعۡكُوفًا أَن یَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالࣱ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءࣱ مُّؤۡمِنَـٰتࣱ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۖ لِّیُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ لَوۡ تَزَیَّلُوا۟ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} الفتح/ ٢٥.
كفار قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدُّوكم يوم “الحديبية” عن دخول المسجد الحرام، ومنعوا الهدي، وحبسوه أن يبلغ مَحِلَّ نحره، وهو الحرم. ولولا رجال مؤمنون مستضعفون ونساء مؤمنات بين أظهر هؤلاء الكافرين ﺑ”مكة”، يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم لم تعرفوهم؛ خشية أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم، فيصيبكم بذلك القتل إثم وعَيْب وغرامة بغير علم، لَكُنّا سلَّطناكم على المشركين؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء فيَمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر، لو تميَّز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات عن مشركي “مكة” وخرجوا من بينهم، لعذَّبنا الذين كفروا وكذَّبوا منهم عذابًا مؤلمًا موجعًا. “التفسير الميسر”.
قال الشيخ عبد الوهاب الطريري -حفظه الله-:
عند قول الله عز وجل {لَوۡ تَزَیَّلُوا۟} أي: لو تميّز هؤلاء المؤمنون عن الكفار ففارقوهم وانفصلوا عنهم {لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} أي: لحلّت العقوبة الماحقة في هؤلاء الكفار، ولكنّ الله عز وجل لم يشأ أن يعذبهم بعذاب عامّ يستأصلهم؛ رحمةً بالمؤمنين المستضعفين بينهم.
إن الله عز وجل قادر على أن يعاقبهم عقابا أليما خاصّا يستأصلهم ولا ينال المؤمنين ضرره، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فهو قادر على أن ينزل عقوبة تخص الكافر وينجو منها المؤمن، ولكنّ الله عز وجل كفّ يد نبيه؛ رعاية لسُنّة الأسباب التي جعلها نظاما لهذا الكون، فكانت رعاية نظام الأسباب والسنن التي جعلها لهذا مقدمةً على إحداث معجزة خارقة يموت فيها الكافر ويبقى المسلم.
ولذلك عندما يرتفع التكليف ويُرفع القرآن تأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين وتترك الكفار يتهارجون تهارج الحُمُر؛ لأن التكاليف ارتفعت ونظام الكون يوشك على الانتقاض لقرب قيام الساعة، أما في زمن التكليف فكل شيء يسير وفق قانون الأسباب الذي جعله الله نظاما لهذا الكون.
فانظر -يا رعاك الله- كيف كفّ الله يد نبيه وخيرة الخلق معه مع شدة شوقهم لمكة وقد وصلوا مشارفها محرِمين بالعمرة، والهدي معهم معكوفا أن يبلغ محله: ثم يعودون وهم يكابدون شوقهم ولهفتهم وحسرة قلوبهم.
وأن ذلك كله كان حفاظا على أرواح فئة قليلة من المؤمنين مستخفية بإيمانها ببطن مكة.
فأي صيانة لأرواح المسلمين ورعايةٍ لحرمة دمائهم أبلغ من هذا؟ وأين هذا الهدي الرباني في تعظيم شأن أرواح المسلمين وصيانتهم من التعرض لأسباب التهلكة من هذه المجازفات باسم الجهاد والتي يكون أول ضحاياها هم المستضعفون العزل من المسلمين الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}؟! فإذا هم بعد السكينة في دورهم، والتعبّد في مساجدهم، والتعلم في مدارسهم: قد صاروا أشلاء ممزقة، قضت عليهم أشد أسلحة الدمار فتكا، ومن نجا منهم تفرقوا بددا بين الملاجئ والمنافي.
والأعجب ألا تسمع بعد ذلك كلمة ندم، أو اعترافا بخطأ، ممن تسبب عليهم بذلك، وإنما التبرير والتعذير والتنصل من كل مسؤولية، والمتاجرة بدمائهم، والمزايدة بمصائبهم، حتى سمعنا بعض هؤلاء المحرضين يهوّن من كل ذلك قائلا: وكم الذين ماتوا ضحايا حوادث السيارات؟ وكم الذين ماتوا من نزلات البرد؟ أو ضربات الحر؟ ولا أدري هل يتقبل هذا المستهتر بالدماء هذه الحجة لو قُتل ولدُه أو والدُه ثم قيل له: افترض أن سيارة قد دهسته؟ .
أي منطق وأي تبرير هذا؟ وهل نلوم أعداءنا بعد ذلك إذا استهانوا بدماء إخواننا المسلمين بعد أن استهنّا نحن بها وعرضناها لهذه الهلكات؟ لقد هانوا علينا فهانوا على أعدائنا. “سنام الإسلام”.
واستدل بعضهم بموت الناس بالزلازل والفيضانات فقال موت هؤلاء على يد اليهود أفضل! فاستدل على مغامراته بالأحكام الكونية التي لا إرادة للعبد بها ولا يُسأل الله عما يفعل، وترك مخالفة الأحكام الشرعية والتي منعت الجهاد مع العجز وقسوة النتائج، وتغافل عن أن الله تعالى سائله عما قال وفعل.
والله المستعان.
حرر يوم الخميس 19/1/1446 هـ الموافق 25/7/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (13)
كارثة الطوفان ( 13 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “5”
الحمد لله
١. يكتب منظرون أنه طالما كنا نحن على الإسلام وأصحاب حق وكان عدونا كافرا وهو صاحب باطل، وكنا وإياهم في معركة وقتال: فهذا كفيل بتحقق النصر لنا! ويضيفون -افتراء على الله- أنه تعالى وعدهم بذلك! وهذه مصيبة عظمى في فهم الشرع وتبليغه للعامة أن معهم من الله تعالى لذواتهم وعدا بالنصر! ولو صح هذا الكلام لما صارت هزيمة “أحد” ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولما هُزم المسلمون في معركة.
فالانتصار في كل قتال لم يحصل للأنبياء والمرسلين فضلا عن غيرهم من الأولياء والصالحين، ولكنها أوهام تسوّق للناس افتراء على الله تعالى وشرعه.
وقد استدل “هرقل” على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الحديث (المتفق عليه) في حواره مع أبي سفيان؟ وفيه قوله “وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ”.
قال المهلب:
وإنما يبتلى الله الأنبياء ليِعظم لهم الأجر والمثوبة ولمن معهم، ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خرق العادة لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حتى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم، ويأتوا يوم القيامة مكلومين شهداء في سبيل الله، ظاهري الوسيلة والشفاعة. انتهى من “شرح صحيح البخاري” لابن بطال.
قال ابن القيم -رحمه الله-في كلامه عن “غزوة أحد”، وما وقع فيها من هزيمة المسلمين، وحِكم الله العظيمة في ذلك-:
ومنها: أن حكمة الله وسنَّته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميَّز الصادقُ من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا، لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة.
فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، ليتميز من يتَّبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصةً. “زاد المعاد”.
٢. وقد ذكر أهل العلم أن النصر المؤكد في المعارك مع الكفار في أشياء محددة، وهي :
أ. المعارك مع كفار قريش بعد بيعة الرضوان وصلح الحديبية (وهذه قطعية، وتذكر في علامات النبوة).
قال تعالى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح/٢٢، ٢٣.
والمعنى : لو كان حصل قتال وقتها بينكم وبين كفار قريش لانتصرتم عليهم، والمعنى الثاني: لن يحصل قتال بعد تلك البيعة وذاك الصلح إلا وتكون الغلبة لكم.
فهي خاصة بتلك الواقعة، أو خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في قتالهم مع كفار قريش تحديدا، وبعد ذلك الصلح تحديدا كذلك.
قال ابن عطية -رحمه الله- :
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾، إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ ومَن والاها في تِلْكَ السَنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي هَذا تَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما الإشارَةُ إلى العَدُوِّ الأحْضَرِ. “المحرر الوجيز”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-في الآية ومثيلاتها-:
وكان كذلك، فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون.
“الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.
ب. المعارك الفاصلة العظيمة بين الإيمان والكفر، لا بين مسلمين وكفار، بمعنى لا يمكن أن يسلط عدو على المسلمين جميعا فيستبيح بيضتهم.
– قال ابن كثير -رحمه الله-:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أَيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ، مَا تَقَابَلَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ فِي مَوْطِنٍ فَيْصَلٍ إِلًا نَصَر اللَّـه الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، فَرَفَعَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَاطِلَ، كَمَا فَعَلَ تَعَالَى يَوْمَ (بَدْرٍ) بِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قِلَّةِ عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعددهم . “تفسير القرآن العظيم”.
– وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
في معنى هذه الآية أوجه للعلماء: منها: أن المراد بأنه لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم؛ كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان أنه قال:”وإني سألت ربي ألا يُهلك أمتي بسنَة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا” . “أضواء البيان”.
– ومن قال (من المتأخرين) بعموم الآية ربط ذلك بتحقيق الصبر والتقوى.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ قاتَلُوا أوْلِياءَهُ لَوَلّى الكُفّارُ الأدْبارَ غَيْرَ مَنصُورِينَ، وأنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ قَبْلَهُمْ، ولا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قاتَلُوهم يَوْمَ أُحُدٍ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ ولَمْ يُوَلُّوا الأدْبارَ؟.
قِيلَ: هَذا وعْدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو الصَّبْرُ والتَّقْوى، وفاتَ هَذا الشَّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، وتَنازُعِهِمْ وعِصْيانِهِمُ المُنافِي لِلتَّقْوى، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ. “زاد المعاد”.
وقد جمع بين المعنيين الطاهر بن عاشور، فقال -رحمه الله -:
والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ تَعالى {والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقالَ {والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى} .
وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ (بَدْرٍ)، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ (أُحُدٍ) وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: “اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ”؟ وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وليُعلم أن الكذب على الشرع ضلال مبين وإثم عظيم ويزداد هذان بالاستدلال على ذاك الكذب بأدلة من الشرع، كمن يجيز الاستغاثة الشركية أو التوسل المبتدع أو التحريف في أسماء الله تعالى وصفاته، وحتى في المسائل العملية، ويضاف إلى آثامهم تغرير العامة وتشكيكهم بدينهم بعد انقضاء المعركة على غير ما سوقوا لها، وهو ما جعل بعضهم يرتد عن الدين، كما سبق أن بيناه في مقالات سابقة لما أقسم هؤلاء المفترون على الله بحتمية انتصار صدام حسين في معركته مع التحالف بعد غزوه للكويت.
– ويستدل هؤلاء لباطلهم بأدلة، منها:
أ. قوله تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} الأعراف/١٣٧.
والرد على ذلك أن يقال لهم:
إن بشارة موسى عليه السلام لقومه {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف/١٢٨، لم يدركها في زمانه، بل مات وأخوه هارون عليهما السلام في صحراء التيه، وأدرك البشارةَ الجيلُ الذي بعده من أتباع موسى عليه السلام، قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا … } الأعراف/١٣٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
يبين هذا أن في هذا الدعاء -يعني الوارد في آخر سورة البقرة- سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أن هذا ليس حاصلاً لكل واحد من أفراد الأمة، بل منهم من يدخل النار، ومنهم من يُنصر عليه الكفارُ، ومنهم من يُسلب الرزق؛ لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا. “مجموع الفتاوى”.
ب. ويستدل هؤلاء أيضا:
بقوله تعالى {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء/ ١٤١.
وفيها ثلاثة أقوال:
أحدُها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة.
والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم الظاهرون، والعاقبة لهم.
والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة. يعني: فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار.
[وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار] .
ولو جعلنا المعنى الثاني هو المراد -كما يفعله كل من يقيم قتالا ضد الكفار- فلن يخلو الأمر من وجوب تحقيق شروط النصر من الإعداد والصبر والتقوى والنية في نصرة الدين، مع عدم مخالفة الشرع.
يقول ابن القيم -رحمه الله- :
الآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون: يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسبّبوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم (أُحُد) بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. انتهى. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.
ويقول العلامة الطاهر بن عاشور -رحمه الله- :
فإن قلت: إذا كان وعدا: لم يجز تخلفه، ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بيّنا، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد؟.
قلت: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصة: فالإشكال زائل؛ لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، فلم يلبثوا أن ثُقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا، ودخلت بقيتهم في الإسلام، فأصبحوا أنصارا للدين.
وإن أريد العموم: فالمقصود من المؤمنين: المؤمنون الخُلَّص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا. ” التحرير والتنوير”.
– وللحديث بقية في نقض استدلالاتهم.
حرر يوم الخميس 26/1/1446 هـ الموافق 1/8/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (14)
كارثة الطوفان ( 14 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “6”
الحمد لله
١. د. ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.
وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك بإثبات حججهم.
والثاني: بإهلاك عدوهم.
والثالث: بأن العاقبة تكون لهم.
قال ابن الجوزي – بعد ذكره الأقوال الثلاثة-:
وفصل الخطاب: أن نصرهم حاصل لابد منه، فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر، وأظهر محمدا ﷺ على مكذبيه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بإنجاء الرسل وإهلاك أعدائهم، كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد، فإن الله منجيهم من العذاب. “زاد المسير”.
– [وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار].
قال ابن كثير -رحمه الله-:
أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } سؤالا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين.
أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.
الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم. “تفسير القرآن العظيم”.
وفي تفسير الألوسي:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب المحكى من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر رسلنا وأتباعهم { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر. انتهى.
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
الله تعالى قد يُديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين .. وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهرًا عليهم: كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانهم بتعدِّي الحدود باطنًا وظاهرًا. “مجموع الفتاوى”.
وقال -أيضا-:
ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديا منصورا بنصرة الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون} “. “مجموع الفتاوى”.
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
والله سبحانه قد بيَّن في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهذا كثير في القرآن، وقد بيَّن سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدوٍّ، أو كسرٍ، وغير ذلك، فبذنوبه. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.
وقال -أيضا-:
وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه: فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه. المصدر السابق.
٢. وفي النهاية فإن الله أمر بالقتال في عالم الأسباب وسنن الحياة الجارية، ومن علم بحصول الهزيمة لمعارك فيها أنبياء وأولياء، وعلم أن بعض النبيين قد قتل، وجب عليه الأخذ بأسباب القوة كلها، وهو يرى بعينه كيف ينتصر القوي في معاركنا المعاصرة، وها هو العدو يسرح هنا وهناك في اليمن وسوريا ولبنان قتلا واغتيالا وقصفا بما امتلكه من أسباب القوة، ولا يزال العاطفيون يتنقلون بين مقطع فيديو ومنشور وملصق يجاهدون من يخبرهم بالحقيقة وأنه قد كاد بهم أهل الشر وجعلوهم يعيشون أوهاما وخيالات لا واقع لها ولا أساس، وما أن يكتب الواحد منهم منشورا بأي وهم وخيال ويرد على مخالف، حتى يعلق عليه العاطفيون بالدعاء والثناء والنفخ في الحال فيصدق نفسه أنه أنجز إنجاز من فجر دبابة أو قتل جنودا، فينام قرير العين نومة الأبطال! وتعيش الضحايا لهذه الحرب العبثية الإيرانية في همها وغمها ونزوحها وجوعها وعطشها.
وإن القلب ليحزن على هذا البناء في تلك السنوات للجامعات والمشافي والسلاح والعقول والشباب والحفظة والأسر المتعففة التي تسعى على رزقها لولادة مولود أو لزواج ابن وبنت أو لتخرج وعمل، ثم يضيع كل هذا فيصير من الذاكرة وتباد المدينة ويفنى الحجر والشجر والبشر، على معركة خاسرة، كانوا قد جربوا مثلها من قبل في حروب عدة (٢٠٠٨ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١) وفي مسيرات العودة (٢٠١٨) ، فما وجدوا غير القتل والهدم، والله المستعان.
وكان الواجب على المجاهدين الصادقين استثمار الاستقلال النسبي، ووجود العقول والأموال، في الإعداد الحقيقي لأسلحة فعّالة مدمّرة كما عند العدو، بقدر الاستطاعة، فإن لم توجد فلا نستعجل المعركة ولا نذعر عدونا ليحقق مقصوده.
والعجيب أن (حماسا) نفسها كانت تمنع “حركة الجهاد” و “كتائب أبو علي مصطفى” من إطلاق النار والصواريخ على اليهود! وتصادر منصات صواريخهم وتعتقل مقاتليهم! فما هو السبب في هذا المنع؟ هم قالوا (عدم استدراجها لحرب أخرى) (الصواريخ التي تهدف إلى إعطاء الاحتلال [إسرائيل] ذريعة لمواصلة العدوان)، وهذا عين العقل والحكمة، فهل بعد ذلك صرتم مهيئين لتحرير الأقصى؟! والله إنكم وقعتم في خدعة وخيانة من الإيراني البغيض، وإنه ورطكم في هذه الحرب ووقف يتفرج ويستمتع بالمشاهد، فأرجو من الله أن يَخرج صادقون ويعترفون بالحقيقة لئلا يقلدكم أناس آخرون فيهلكون الحرث والنسل مستدلين بفعلكم وبتنظير المشايخ لكم واستدلالاتهم البعيدة كل البعد عن الحق والصواب.
٣. والمشاهَد من أكثر قادة الطوفان الساسة وبعض العسكر الولاء لإيران المجوسية المحتلة لبلاد المسلمين والمتسلطة عليهم سجنا وتعذيبا وتشريدا، مع شرك ووثنية في الاعتقاد وبغض لأهل السنة شديد، مع تكفيرهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم واتهامهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مع اعتقادهم بتحريف القرآن، فلا أدري -والله- كيف يُطلب النصر من الله مع هذا الحليف الوثني القذر، بل وأضافوا لها الباطنية من النصيرية والذين لا يقلّ إجرامهم وكفرهم عن إخوانهم المجوس [والقول أن العلاقة مع إيران لضرورة السلاح سأفرد له حلقة خاصة، فهب أننا صدقنا هذا وعذرناهم فما علاقة هذا بالتحالف مع البعث السوري والثناء عليه؟] فيصرح قائد المعركة في كل مناسبة بالثناء على إيران و التصالح مع النصيريين والتنسيق معهم في (حرب واحدة)، وسرى ذلك إلى قاعدة المجاهدين فصار بعضهم (يُهدي) عملياته الجهادية لتلك العصابات القذرة في اليمن ولبنان والعراق.
وبياناتهم في التعزية فيها وهب منقبة (الشهادة) لمجرمي وقادة التعذيب والقتل لأهل السنة، كل ذلك من أجل دراهم حرام معدودة سرقوها من البلاد السنية التي احتلوها، وتعدى بعض قادتهم بالولاء المطلق للمجوس فصار ينال بالسب والشتم لكل من فرح بقتل مجرمهم الأكبر سليماني.
فأي ذنوب اقتُرفت في هذه المعركة أعظم من هذه حتى يأتي (منظر) أو (عاطفي) فينزّل آيات الله تعالى في الكبار الأطهار عليهم، وهم يعلمون ما حصل في (أحد) من بعض الرماة في جيش كامل مع نبيهم لم يقترفوا شيئا ومع ذلك دارت عليهم الدائرة وجرح النبي صلى الله عليه وسلم وشج رأسه وكسرت بعض أسنانه، فكيف سيكون الحال مع هذه المعصية العظيمة والتي لبسوا فيها على عموم المسلمين بتبييض صفحة أولئك المجوس وأنهم حطوا رحالهم في الجنة في منازل الشهداء!.
مع ما نراه في أثناء المعركة في وضعهم الأسرى بين المدنيين للتسبب بقصفهم من اليهود المجرمين، مع تخفي بعضهم الآخر بين المدنيين في خيامهم ومراكز الإيواء وإطلاق نار على يهود فيهلك يهودي فيتسببون بقتل عشرات المسلمين ونزوح الألوف في حال شديد الموت أرحم منه، كما حصل في رفح والنصيرات والمواصي و”مدرسة خديجة” و “مدرسة دلال المغربي” وغيرها، ولا تزال مستمرة،وليست هذه روايات صهيونية كما قاله بعض (الموتورين) ممن يستحقون العلاج النفسي، بل هي رؤية عين لأهل تلك المناطق أو اعترافات مقاطع قتل اليهود، ولولا كشف أمر الأسرى الذين حررهم اليهود لأنكر أولئك الرواية وقالوا هي صهيونية، وهذا والله فعل منكر وإثم عظيم.
[إن التسبب في عدوان العدو أو إغرائه بمزيد من البطش والعنف هو مشاركة في العدوان والبغي، وتحمل لمسؤولية ما يجري بعد ذلك على الأمة من ضرر، فقد نهى الله عن سب أصنام المشركين ومعبوداتهم حتى لا يكون ذلك سببا لتعديهم في سب الله بغيا وعدوا، فقال تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فلم يكن النهي عن سب معبودات المشركين تعظيما لها، ولكنه نهي للمسلمين أن يتسببوا بذلك، ونهي عن استثارة المشركين ببغي لا يستطيع المسلمون دفعه وهو سب الله عز وجل.. .
وهكذا فالتسبب في استثارة عدوان العدو هو في حقيقته عدوان على الأمة، والتسبب بإغرائه بمزيد من البطش والبغي على العزّل من الضعفة المدنيين، هو في حقيقته بغي عليهم وبطش بيد العدو بهم.
إن ترْك القيام بالأسباب خلل في العقل، وإن الاعتماد على الأسباب خلل في العقيدة، وقد أُمر المسلمون باتخاذ الأسباب، وذلك لا ينافي الإيمان بالقدر، وقدوتهم في ذلك نبيهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، وحادثة هجرته أنموذج حي لفعل الأسباب مع صدق التوكل]. “سنام الإسلام”.
٤. ومع هذا كله تأسف أشد الأسف أن ترى قادة ومنظرين اغتروا بأنفسهم وهوّنوا من عدوهم فكانوا سببا في هذا الدمار، فقال كبير لهم (لا يجرؤ جندي صهيوني واحد على دخول غزة! ولا يجرؤون على أن يلقوا قذيفة أو قنبلة! وأن أمريكا لن تقف معهم!) وكثير منهم تحدوا العدو بالدخول البري!.
وشاركهم قوم آخرون ممن جزم بأمور الغيب المطلق فحدووا لهم (زوال إسرائيل) بتاريخ معين عابثين بكتاب الله تعالى بأرقام سوره وآياته، فصدقوهم ولم يأخذوا بأسباب القوة (لأن نبوءة أولئك أنها تزول بدون قتال!) فعقدوا مؤتمر السذاجة (وعد الآخرة) برعاية (القائد) ليناقشوا العملة الجديدة ومصير مفاعل ديمونة! وكيفية التصرف مع السلطة الفلسطينية ودول الجوار،وغير ذلك من المواضيع الهزلية، بينما كان عدوهم يخطط وينسق ويصنع السلاح ويرسم المخططات لاحتلال غزة والسيطرة على الحدود البرية مع مصر ومنابع الغاز البحرية، وحشر المجتمع الغزي في الجنوب، فتصير (غزة الشمالية) و (غزة الجنوبية) ، والله المستعان .
والله الموفق.
حرر يوم السبت 28/1/1446 هـ الموافق 3/8/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (15)
كارثة الطوفان ( 15 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “7”
الحمد لله
وفي خضم تورط (الذراع الإيراني) في (الطوفان الكارثي) فقد ورطوا غيرهم للاستدلال على صحة فعلهم والرد على المخالفين، فحصل عبث كبير وكثير في نصوص الوحي استدلالا باطلا بها من جهة، وردا لما تدل عليه من جهة أخرى، وفي كل يوم نرى لهم من هذا العبث، ليس في القتال فحسب بل في الانتخابات والعمليات والتحالفات والتبرعات وغيرها.
ونذكر في ذلك أمثلة، منها:
١. قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} من سورة البقرة/١٩٥، فقد قالوا إن لفظ (التهلكة) لا يشمل ما حدث في الطوفان وإنما التهلكة في الآية هي في ترك الجهاد والانشغال بالدنيا والزرع، وقصروا الآية على ذلك ولم يقولوا بغير تلك المعاني من المغامرة بالأرواح والتفريط بها في معارك خاسرة غير متكافئة بالمرة.
واستدلوا لذلك بقول أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه -لمّا حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة- : “إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلُم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)” رواه الترمذي بسند صحيح.
والجواب من ثلاثة وجوه :
الأول:
أنه قد جاء عن غير أبي أيوب رضي الله عنه من الصحابة أن لها سببا آخر في نزولها، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : “نزلت في النفقة”.
والمقصود ترك النفقة في سبيل الله،كما جاء موضحا في رواية أخرى، “هو تركُ النفقة في سبيل الله مخافةَ العَيْلَة(أي:الفقر)”.
الثاني:
إن أكثر العلماء نصوا على أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وهذا يعني أن الآية وإن نزلت في سياق معين -وهو الانشغال بالدنيا، وترك النفقة الواجبة- فإنها تشمل كل ما يؤدي إلى الهلاك، سواء في الدنيا أو الآخرة، فالتهلكة في الآية لا يقتصر معناها على ترك الجهاد والانشغال بالزرع، وترك النفقة في الجهاد، بل تشمل جميع أنواع التهلكة، ومما تشملها فعل المعاصي المؤدي للتهلكة في الآخرة.
وهذا هو فهم الصحابة رضي الله عنهم :
أ. (ابن عباس -رضي الله عنهما-) ، قد جاء عنه أن معناها (عذاب الله) وهو الذي مال إليه الإمام الطبري، لعلاقة النهي بالأمر قبله بالنفقة، موافقا في ذلك لما قاله حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
قال الطبري -رحمه الله- :
غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا -أيها المؤمنون- في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي. انتهى.
ب. (البراء بن عازب رضي الله عنه) قد جاء عنه أنه قال: هو الرجل يُذْنِبُ الذنبَ، فيُلْقِي بيديه، فيقول: لا يغفرُ الله لي أبدًا.
قال ابن حجر في “فتح الباري”: أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح. انتهى.
وقد وجه الإمام الطبري قول البراء رضي الله عنه فقال :
الآيِسُ من رحمة الله لِذنبٍ سَلَفَ منه مُلْقٍ بيديه إلى التهلكة؛ لأنّ الله قد نهى عن ذلك، فقال: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ يوسف/٨٧. انتهى.
قال ابن عطية -رحمه الله- : الظاهر من لفظ (التهلكة) أنها عامّة في كل ما يؤدّي إلى الهلاك، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه فصاحة العرب. “تفسير ابن عطية”.
وقال القرطبي -رحمه الله-: الآية وإن كان سببها خاصًا فإن حكمها عام. “تفسير القرطبي”.
وقال البغوي -رحمه الله- : الآية نزلت في ترك الإنفاق في سبيل الله، ولكن معناها عام في النهي عن كل فعل يؤدي إلى الهلاك سواء كان الهلاك في الدنيا أو في الآخرة.
وقال الآلوسي -رحمه الله-: والظاهر من الآية أنها تشمل كل أنواع التهلكة، سواء كانت التهلكة في الدنيا أو في الآخرة، ولذلك قالوا إنها قاعدة عامة. “روح المعاني”.
قال ابن حجر -رحمه الله- : وأما قصرها عليه –يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله- ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ. “فتح الباري”.
قال الشوكاني رحمه الله :
والحق: أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. “فتح القدير”.
الثالث:
التفسير بالمقاصد الشرعية، وليس ثمة خلاف في أن أعظم مقاصد الدين هو (حفظ النفس والدين والمال والعرض والعقل)، ولذا قال العلماء إن كل ما يعرض النفس للهلاك أو يؤدي إلى فساد الدين يدخل تحت (التهلكة) .
قال ابن العربي المالكي – رحمه الله – : (التهلكة) كل ما يؤدي إلى فساد الدين أو الدنيا، وقال بعض العلماء: هي عامّة في كل ما يؤدّي إلى هلاك النفس أو المال أو الدين. “أحكام القرآن”.
وقال النووي -رحمه الله-:
(التهلكة) هي كل ما يؤدي إلى هلاك النفس أو الدين، وقد استدل العلماء بهذه الآية على تحريم كل ما فيه ضرر بالغ على النفس أو الدين. “شرح مسلم”.
– وبه يتبين أن الآية عامة في النهي عن كل اقتراف فعل يؤدي بصاحبه إلى تهلكة حسية أو معنوية، ولا يزال الفقهاء يستدلون بها على من أودى بنفسه أو بغيره في الهلكة، من غير نكير من أهل العلم، ومن أمثلته – ويرجى النظر في الحلقة رقم (١١) ففيها مزيد فائدة- :
قال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:
إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا: استُحب لنا الثبات، وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية: وجب علينا الفرار؛ لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أو بنكاية فيهم: استُحب الفرار. “مغني المحتاج”.
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب: فقد ألقى بيده إلى التهلكة. “السيل الجرار”.
وليست الآية هذه الوحيدة في النصوص الشرعية التي تحرم هذا الفعل حتى يخرج كتّاب الأوهام والخيالات والنصر الزائف ليشنعوا على المستدل بها في الإنكار على من قام بـ(الطوفان الإيراني الكارثي) بحجج واهية، وهم قد جربوا العدو فيما هو أقل مما فعلوه ورأوا تدميرا وتضييقا وقتلا، فماذا كانوا يتوقعون من عدو غاشم غير أضعاف ما قد فعل بهم سابقا؟.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أفتى لصحابي جريح بالاغتسال وعدم التيمم -مع كونه معذورا- (قتلوه قتلهم الله)، وفعليا هم لم يباشروا قتله قطعا لكنهم تسببوا بذلك لما أفتوه بغير علم فاغتسل فمات.
وهذا الدعاء يشمل كل من فعل مثل فعلهم، فكيف إذا كان التسبب بمقتل خمسين ألف وجرح أضعاف هذا العدد وتهديم واحتلال مدينة كاملة؟!.
– وهذا الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول ﷺ في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟) قال: يا رسول الله، ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وهذا من فقه هذا الصحابي الفقيه فقد استدل بعموم الآية التي تشمل قتل الإنسان نفسه مع أنها في قتل المسلم أخاه، وفي ارتكابه لما حرم الله عليه، كما أنه من فقهه جعل التسبب بالقتل في حكم القتل، وفيه موافقة للحديث السابق (قتلوه قتلهم الله).
– وكان بإمكانكم الاستدلال بالآية على معانيها الصحيحة من النهي عن ترك الجهاد والقعود عنه انشغالا بالدنيا، والاستدلال بها على وجوب النفقة في الإعداد للجهاد والاستعداد له حفاظا على الأموال والأنفس والأعراض، لكن لم يكن لكم ان تنفوا عنها النهي عن إهلاك النفس بمثل مغامرتكم القاتلة لألوف الأنفس.
– ومن قال إن الآية لا تشمل صاحب الجرأة والشجاعة في القتال فله أن يخترق صفوف الأعداء ولا يترك لهم شاذة ولا فاذة ولو قتل، وهذا من إلقاء النفس في التهلكة! : فنقول: لا بد من معرفة الحكم الدقيق لهذا ومعرفة حقيقة الصور التي أجازها العلماء وضوابطها، وينتظم ذلك في امرين مهمين:
الأول:
أن ما ورد في هذا في القتال هو (فردي) وبشروط منها : صدق النية والنكاية بالعدو وتشجيع غيره للقتال، وما لم يكن الأمر كذلك فهو من إلقاء النفس في التهلكة.
قال الطاهر بن عاشور -رحمه الله- :
وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي، عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو، فقال القاسم بن محمد من التابعين وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد من المالكية ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: لا بأس بذلك:
(١) إذا كان فيه قوة.
(٢) وكان بنية خالصة لله تعالى.
(٣) وطمع في نجاة.
(٤) أو في نكاية العدو .
(٥) أو قصد تجرئة المسلمين عليهم.
وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبيء ﷺ.
فإن لم يكن كذلك (كان من الإلقاء إلى التهلكة).
التحرير والتنوير”.
الثاني:
أن لا تتسبب هذه الشجاعة الجرأة والإقدام على إلحاق الضرر بغيره.
قال الشيخ خالد السبت -حفظه الله- :
يعني أن هذا الرجل حينما دخل في صف العدو لوحده، أو إذا خرج إلى العدو من غير درع، قالوا عنه: ألقى بيده إلى التهلكة، فهل هذا هو المراد؟.
يقال: الجواب لا؛ لأنه يجوز للإنسان في الجهاد أن يخرج من غير درع، ويجوز له أن يحمل على العدو لوحده ولو كان المظنون غالباً أنه يقتل (إذا كان لا يتحمل تبعة ذلك غيره من المسلمين بحيث يعود عليهم بالضرر) ، أما إذا كان تصرفه يفضي إلى ضرر يتحمله غيره فيقال له: (لا وألف لا)؛ لأنه يسع الإنسان في نفسه ما لا يسعه في غيره، وهذه قاعدة مهمة، فالإنسان يمكن أن يحمل نفسه على أمور من الورع، أو أمور تتصل بالجهاد أو نحو ذلك من الأمور التي فيها لون من المخاطرة بالنفس، لكن لا يتحمل تبعة هذا غيره، ولذلك عمر لم يكن يولي البراء بن مالك مع أنه من خيار الصحابة؛ وذلك لفرط جراءته، ففي (يوم اليمامة) -كما هو معلوم- طلب من الصحابة أن يجعلوه على ترس، ويُرفع على أسنة الرماح الطوال، ثم ألقوه في حديقة الموت في حصن أهل اليمامة، فنزل عليهم يضربهم بالسيف حتى فتح الباب، فهذا الأمر يمكن أن يفعله رجل واحد، وإن كان المتوقع غالباً أنه يموت، لكن لا يقدم على هذا إنسان يقود مجموعة من الجيش، ويحملهم على هذه الأمور بهذه الطريقة فيفضي بهم ذلك إلى هلكة وموت غالب، فهو يسعه في نفسه ما لا يسعه في غيره، وهذا إذا كان قتله بيد العدو، وهو بخلاف ما إذا كان موته بيده هو، فهذه قضية ثانية. “شرح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير”.
وهذا المنع لو تسبب في إلحاق الضرر بالجيش فكيف أن يلحق الضرر بالمدنيين العزل؟ كما حصل في (الطوفان الكارثي) حيث تسبب الفعل المتهور من تمكين العدو المجرم من المدنيين وصارت معركة الإبادة الجماعية، وكل ما ينظر به المنظرون في اختلاف القوة والعدد بين الطائفتين والإتيان بشواهد من الغزوات والمعارك فهو من الكذب المبين والتدليس القبيح على عامة المسلمين؛ إذ كل ما جاءوا به فهو بين جيش وجيش لا بين جيش ومدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، فهو قتال بين مدرب ومستعد مع عدوه لا أن تصنع معركة بين عدو غاشم ومدنيين أبرياء عزل ويتستر الجيش المدرب في الأنفاق لا يستطيع حمايتهم ولا الدفاع عنهم بعد أن تسبب في إبادتهم بل يتواقح أحد قادتهم أن حماية المدنيين ليست مسئوليتهم بل مسئولية الأمم المتحدة واليهود! وقد رأينا ذلك عمليا في عدم الشعور بالمسئولية ولا الاهتمام بالقتلى منهم في إيجاد المبرر للعدو في قصفهم مع نزوحهم، وذلك من خلال إطلاق الصواريخ من أماكن وجودهم ومن خلال وضع أسرى العدو بينهم.
والله المستعان.
حرر يوم الثلاثاء16/2/1446 هـ الموافق 20/8/2024 م
أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (16)
كارثة الطوفان ( 16 )
حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “8”
الحمد لله
ومما يكثر الاستدلال به من قِبل أصحاب المغامرات القتالية والحروب الكارثية العبثية الاستدلال بقوله تعالى {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة/٢٤٩.
وقبل الوقوف على تفاصيل معناها نبين أنه ثمة فرق بين الاستدلال بالوحي قبل الشروع بالفعل وبين الترقيع للفعل بعد القيام به، وهذا الثاني هو الذي فعله المنظرون والمحللون والمشايخ لكارثة (طوفان السنوار)، ولذلك عظُم إثم هؤلاء جميعا بأن جعلوا نصوص الوحي دليلا على الكوارث التي تسببوا بها، وهو ما كان -أيضا- سببا لوقوع كثيرين في الردة بسبهم لله عز وجل وسب دينه لمّا استدل أولئك بالوحي على عبثية فعلهم الذي تسبب بكوارث لا حصر لها حتى بلغ عدد من فقد حياته حتى كتابة هذا المقال حوالي (٥٠ ألف) إنسان، وبلغ عدد الجرحى حوالي (١٠٠ ألف)، مع تهديم حوالي ٨٠ ٪ من مباني غزة، وقد تواقح (خالد مشعل) قبل يومين بأن قال عن هذه الخسائر إنها (تكتيكية) بمعنى أنها لا شيء يُذكر ويُهتم له.
ومما يؤكد ما قلت أنك لو سألت خبيرا عسكريا عن احتمالية انتصار هذه الفئة المقاتلة في “غزة” على اليهود وتحريرهم الأقصى بها لسخر منك؛ لما يوجد من فروقات هائلة بين القوتين والإمكانيتين؛ ولما يوجد من فرق بين (الفئة المقاومة) و (الفئة المحرِّرة).
وأظن أن القوم يثقون بالمحلل العسكري اللواء (فايز الدويري) ، فلنتوجه بالسؤال له عن هذا الأمر، ولنستمع لما يقول:
وكذلك فإن القوم يثقون بالمحلل السياسي (عزمي بشارة) فلنتوجه -أيضا- بسؤاله ولنستمع إلى إجابته:
وهذا الذي قالاه هو الصواب، ومن قال غير ذلك -منهما أو من غيرهما- فهو يتكلم كما يريده غيره لا كما هو الواقع؛ لأنه لم يتغير شيء حتى تكون “حماس” بعد الطوفان صارت قوة تضاهي روسيا أو الصين لتدخل في حرب تحرير البلاد!.
واستمع لما قاله (اللواء الدويري) عن (حرب ١٩٦٧) :
وما قاله (اللواء الدويري) عن (حرب ١٩٦٧) وتسميتها (كارثة) وأنها (فخ) وقعوا فيه، وأنها لم تحقق أية إيجابية وأننا دفعنا ثمنا باهظا لأجلها: كل ذلك ينطبق – وزيادة هائلة لا يمكن المقارنة معها- على (كارثة السنوار)، وتحتاج أن تغير التاريخ وتغير الشخصيات، والبوق الإعلامي، فبدلا من (حرب ال ٦٧) ضع (طوفان الأقصى ٢٠٢٣)، وبدلا من (عبد الناصر) ضع اسم (السنوار) ، وبدلا من (أحمد سعيد) ضع (قناة الجزيرة).
ولذلك كان أقل ما تستحقه هذه الحرب العبثية أن أصفها بـ(الكارثة) وإلا فهي تستحق أن توصف بـ(الجحيم) فهي (إبادة جماعية) لشعب أعزل من طغمة نازية غاية في الإجرام، وأما ادعاء الانتصار فهو من الكذب الممجوج الذي تعودنا عليه من أولئك المنظرين وسحيجتهم، وهو انتصار في مواقع التواصل فحسب، كما اعترف بذلك (عزمي بشارة) :
وللوقوف على معنى الآية فلنقرأ ما كتبه الشيخ عبد الوهاب الطريري حفظه الله فيها؛ فقد أشبع القول فيها في كتابه ً”سنام الإسلام” حيث قال:
والله أعلم وهو الموفق لا رب سواه
وبذلك تنتهي هذه المجموعة الثانية في أحكام الجهاد وحِكَمه
وفي البال مجموعة ثالثة وأخيرة في أخطاء وكوارث القيادات الشرعية والعسكرية والسياسية والتي تسببت بهذه الكارثة العظيمة.
والله المستعان.
حرر يوم الجمعة 12/4/1446 هـ الموافق 11/10/2024 م
دَوْر العلماء في قيادة الأمَّة.
دَوْر العلماء في قيادة الأمَّة.
للدكتور/ ناصر بن سليمان العُمَر حفظه الله.
مقدمة تتضمن الإشارة إلى منزلة العلماء في الإسلام:
الحمد للّه الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله تعالى أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم.
ينفون عن كتاب الله تعالى تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله تعالى، وفي الله تعالى، وفي كتاب اللّه تعالى بغير علم. يتكلّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون الجهال بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
هذا ما قاله الإمام أحمد في مطلع الرد على الزنادقة، وقد رواه بعض أهل العلم بنحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه[1].
ولاشك أن مصابيح الدجى وأئمة الهدى قد أعلى الله منزلتهم، ورفع شأنهم، (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [المجادلة: من الآية11]، ومن يرفع الله فمن يخفض؟!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، و يعرف لعالمنا حقه[2].
وأنشد يوسف بن هارون –رحمه الله- لنفسه:
وأَجَلَّه في كُـلِ عيـنٍ علمُه فـرأى له الإجلالَ كلُ جليلِ
وكذلك العلماءُ كالخلفاءِ عنـ ـد الناسِ في التعظيمِ والتبجيلِ
والمجال لايتسع لذكر مكان أهل العلم، ولا لحشد النقول المأثورة في فضلهم، ولا يتسع لذكر ما لهم من حقوق، وقد صنف أهل الإسلام في ذلك المصنفات قديماً وحديثاً، وحسبي ههنا إشارات، قال الله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)، فانظر كيف سوت الشريعة بين الناس في العرق والجنس واللون ثم جعلت أصل التمييز مبنياً على العلم[3].
وهذا المعنى نظمه بعض أهل العلم -وينسب لعلي رضي الله عنه- فقال:
الناسُ من جهة التمثال أكـفاءُ أبوهـم آدمٌ والأمّ حــواءُ
فإنْ يكن لهمُ في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين و الـماءُ
ما الفضل إلاَّ لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وإذا تأملت قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل: 15]، بدا لك فضل العلم على كثير من نعم الحياة، قال السبكي: “فإن الله تعالى آتى داود وسليمان من نعم الدنيا والآخرة ما لا ينحصر، ولم يذكر من ذلك في صدر هذه الآية إلا العلم ليبين أنه الأصل في النعم كلها, فلقد كان داود من أعبد البشر كما صح في صحيح مسلم[4]، وذلك من آثار علمه. وجمع الله له ولابنه سليمان ما لم يجمعه لأحد, وجعل العلم أصلاً لذلك كله, وأشارا هما أيضا إلى هذا المعنى بقولهما: (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)، عقيب قوله: (آتينا داود وسليمان علماً)، وما يفهم من ذلك أنهما شكرا ما آتاهما إياه وأن سبب التفضيل هو العلم..”[5]، وقال ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)، “هذا مقامٌ ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم الله تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)”[6]، فانظر كيف كان علم آدم عليه السلام من مقومات تكريمه ومن مؤهلات استخلافه.
والله تعالى إنما جعل الإنسان خليفة في هذه الأرض واستعمره فيها لعبادته وحده بإقامة أمره واجتناب نهيه، وذلك يتوجه في جميع شؤون الحياة، ولايملك جواباً صواباً يبين محل فعلٍ من الأمر أو النهي الإلهي إلاّ العلماء. فلا غرو أن يكونوا أهل الريادة وأولي الأمر وأصحاب السيادة، كما فسر بهم غير واحد من السلف قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59]. قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وقد قال الأَئِمَّةُ: إنَّ أُولِي الأَمر صنفان العلماء والأمراء. وهذا يدخل فيه مشايخُ الدِّينِ وملوك المسلمين، كلٌّ منهم يطاع فيما إليه من الأَمر. كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العباداتِ ويُرجع إليهم في معاني القرآنِ والحديثِ، والإِخبارِ عن اللَّه، وكما يُطاع هؤلاءِ في الجهاد وإِقامةِ الحدِّ وغيرِ ذلِك”[7].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذ أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء”[8]، وفي هذا المعنى قول من قال:
إن الملوك ليحكمون على الورى وعلى الملـوك لتحكم العلماءُ
من هم العلماء المعنيون بذلك الفضل وكيف هم في واقع الناس اليوم؟
يحسن أن ينبه هنا إلى أن العلم الذي ينبغي أن يجتمع في العالم علمان وكذلك العمل، أما العلم فعلم بواقعه الذي يعايشه وعلم بحكم الله الواجب فيه، وكذلك العمل ينبغي أن يكون عمل بمقتضى العلمين.
فمن تحصل له العلم لزمه العمل إذ التشريف يطرد معه التكليف، فإذا كان العلماء بتلك المثابة –التي أشير إليها- من التشريف فما أثقل تكليفهم! فإن قاموا بالتكليف سعدوا وسعد الناس وإلاّ لم يكن العلم شرفاً لهم ولا شافعاً.
فالمرضيون من العلماء هم العاملون المخلصون المتبعون للسنة، فذلك هو المقصود بالعلم، فالعمل الصالح –ومنه الدعوة- أجل ثمار العلم، ومن حرمه فقد حرم الثمرة وتعرض للوعيد الذي كان يهابه السلف، روى الترمذي في جامعه أن شفياً الأصبحي دخل مسجد المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة. قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس. فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك بحقي لما حدثتني حديثاً سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته. ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكث قليلاً ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره. ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى فمكث كذلك ثم أفاق فمسح عن وجهه فقال: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره. ثم نشغ نشغة شديدة ثم مال خاراً على وجهه واشتد به طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال فيقول الله تبارك وتعالى للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي صلى الله عليه وسلم؟
قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار.
فيقول الله تبارك وتعالى له: كذبت. وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردت أن يقال : فلان قارئ فقد قيل ذاك” الحديث وفي آخره قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي فقال: “يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة”[9].
وفي هذا المعنى قيل –وينسب إلى علي رضي الله عنه-:
وعالم بعلمه لـم يعـملن مُعذب من قبل عباد الوثن
أما الذي يجتهد فيما يطيق من العمل الصالح عن علم فذاك المحمود وإن لم يكن من المتبحرين في علوم الشريعة أو الخائضين في لجتها العظمى، ولهذا لما ذكر معروفٌ الكرخيُ في مجلس الإمام أحمد “فقال بعض من حضر: هو قصير العلم! فقال له أحمد: أمسك عافاك الله! وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ وقال عبد الله: قلت لأبي هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال لي: يا بني كان معه رأس العلم خشية الله تعالى”[10].
وأهل الخشية هم الذين يصدرون عما أداه إليه اجتهادهم لا ما قادته إليه أهواؤهم، العاملون الباذلون لعلومهم لا القاعدون الكاتمون ما أنزل الله من الهدى والكتاب، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [البقرة: 174-175]، وأمثال هؤلاء قد خسروا الدنيا كما خسروا الآخرة، فهم في ذل دائم للعبيد من أجل قضاء مآربهم، وبلوغ حاجاتهم، فكانت عاقبتهم أن عاملهم الله بنقيض مقصودهم، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: “لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقادت لهم الناس وكانوا لهم تبعاً وعز الإسلام وأهله, ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيديهم, فذلوا وهانوا على الناس”[11]. وهذا المعنى أخذه الفقيه الشافعي القاضي أبو الحسن الجرجاني في قصيدته الفائقة الذائعة:
يقولون لي فيك انقباض وإنـما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظمـوه في النـفوس لعَظَّما
ولكن أهانوه فـهان ودنسـوا محياه بالأطمـاع حتى تـجهما
قال ابن الحاج: “وإنما عز الفقيه بفهم المسائل وشرحها ومعرفتها، ومعرفة السنن والعمل عليها وتعظيمها وترفيعها وتعليم ما حصل من بركتها وخيرها، ومعرفة البدع وتجنبها وتبيين شؤمها ومقتها وظلامها وما يحصل من المقت لفاعلها أو المستهين للقليل منها وتبيين ما يحصل لفاعل هذا كله من الخير والبركة, ومن التواضع لله تعالى والمعرفة به وخشيته ومعرفة أحكامه والعمل بها قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فجعل عز وجل خلعة العلماء الخشية، وجعل بعض هؤلاء خلعة العالم توسيع الثياب والأكمام وكبرها وحسنها وصقالتها”[12]اهـ، وتأمل حال بعض منتسبي العلم اليوم، هل ترى غير العباية أو العمامة أو الجبة والقفطان! فلا عجب إذاً أن صارت حال كثير منهم في كثير من أصقاع الأرض على ما ترى، تشعبت بهم السبل وفرقتهم الأهواء ففشلوا وذهبت ريحهم إلاّ قليلاً.
والمقصود هو أن تكريم بني آدم كان بالعلم، واستخلافهم كان للعمل بمقتضاه، والدعوة إليه، ومن لازم ذلك الثبات عليه والصبر على الأذى فيه.
خطر فقدان الأمة للمرجعية الشرعية:
وما مضى يبين أن المسؤولية على أهل العلم عظيمة وواجبهم تجاه الأمة كبير ولاسيما في هذه الأزمان التي قبض فيها كثير من العلم بموت أهله، وتصدر فيها رؤوس جهال ضلوا وأضلوا، وهؤلاء واجب على أولي الأمر من العلماء والأمراء التصدي لهم، قال الإمام ابن القيم: “من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً، قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين!
وكان شيخنا رضي الله عنه، شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء، أجُعلت محتسباً على الفتوى! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب!”[13].
إننا لا ندعو إلى إضفاء هالة من الإلهية على أحد من البشر، (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 79-80].
بل لا ندعي العصمة من الخطأ لأحد من بني آدم فكلهم خطاء، ولعله ليس في أهل الإسلام من يدعي العصمة لأفراد العلماء، حتى الشيعة الإثني عشرية إنما يقولون بعصمة الأئمة ولا إمام لهم مذ غاب منتظرهم في السرداب، وقد يتوجه لديهم قول بعصمة الفقيه صاحب الولاية خاصة على قول من يرى ولاية الفقيه منهم.
وقد أبى الله العصمة إلاّ لكتابه –كما قال الشافعي- لكن لايعني ذلك أن يفتح المجال لكل جاهل ودعي حتى يجادل الربانيين الذين يعلمون الكتاب ويدرسونه، ولو قام في دنيا الناس اليوم صحفي يهدم أركان نظرية فيثاغورث في حساب المثلثات، أو ينتقد آينشتاين في النظرية النسبية، أو يقترح علاجاً لمرض عضال خلاف ما قالت الأطباء، أو يحذر مما نصح به المختصون أفلا ينبغي أن يضرب بيد من حديد على يده المفسدة؟ فكيف يسوغ إذاً أن يقبل تنظير جاهل ورده على المختصين من أهل الشريعة، أليس إفساد أديان الناس أشد خطراً من إفساد دنياهم؟
بلى وربي. دخل مالك –إمام المسلمين- على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك وارتاع لبكائه. فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ قال: لا ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! قال ربيعة: وبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُرَّاق.
إي والله: ظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ابن الصلاح [ت: 643] في أدب المفتي بعد أن نقل هذا الخبر: “رحم الله ربيعة كيف لو أدرك زماننا؟”[14]، وأقول: رحمهم الله كيف لو رأوا صحافتنا وكم المتعالمين الوالغين في الدين.
لقد اجتهد ونظر في الدين طلاب علم مبتدئون فقاد بعضَهم التنظيرُ إلى تفجير في بلاد إسلامية وتكفير للمسلمين، فكان جزاؤهم أن ضربوا على أيديهم بيد من حديد، وكذلك ينبغي أن يضرب هؤلاء المبتدئون الذين شَطُّوا جهة اليسار كما ضرب من شط جهة اليمين فجميعهم مفسدون وإن قالوا: (إنما نحن مصلحون)! أولئك يبعثون أفكاراً خارجية فيقتلون ويدمرون، وهؤلاء يبعثون أفكاراً غربية فيروجون للإفساد بل يفسدون ويحاربون أحكام الله وشريعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وعوداً على ما سلف لقد علمت الدولُ والمجتمعات أهمية وجود مرجعية تعنى بنتاج التخصصات المختلفة، فلا دواء ينـزل الأسواق ما لم يجز من وزارة الصحة، ولابناء ينشأ ما لم تجز خرطه هيئة معمارية مختصة، فكيف يؤذن إذاً لشرذمة من الجهلة بالكتابة في أمور الدين، بل وفي الرد على من يفترض أن يكونوا نظاراً شرعيين حاكمين على أمثالهم من المتغولين على الشريعة.
نعم نحن لانقول بعصمة أحد لا وزارة الصحة ولا الشؤون الهندسية ولا الإسلامية ولا الأعلام والشخصيات العلمية الشرعية، ولكن ليس من يقرر خطأ أولئك هم الجهلة أو غير المختصين في العلوم المعنية، فلو اعترض طبيب متخصص على قرار لوزارة الصحة، أو مهندس استشاري على هيئة هندسية، لكان اعتراضه جديراً بالدراسة والنظر، طالما كانت حيثياته مقبولة عند أهل العلم المقصود، أما أن يجيء صحفي عامي ليس له مؤهل إلاّ القدرة على القراءة والكتابة فيعترض على دواء منعته الوزارة ويدعو الناس لتعاطيه فهذا ما لاينبغي أن يقبل بحال، بل يجب الأخذ على يد مثل هذا المروج حتى لا يجني على نفسه أولاً ومجتمعه ثانياً، ومثل هؤلاء المستطيلون على رأي ونظر العلماء من العامة والدهماء.
ومن نظر اليوم في واقع كثير من بلاد الإسلام لمس أثر غياب أهل العلم –أو تغييبهم- وتصدر الجهال أو تصديرهم، ولتدارك آثار ذلك فلابد من تفعيل دور العلماء وإظهار نجوم السماء لتستدل بهم الأمة في سيرها.
ولابد كذلك من أن يعي قادة السفينة مكان أولئك، فيتوجهون بتوجيههم ويلتزمون إشاراتهم، حتى يصل الناس إلى بر السلامة وشاطئ الأمان.
وهذا يتطلب من أهل العلم مبادرة وبذلاً وعملاً، وكذلك من العقلاء الراغبين في النجاة الحادبين على الأمم والمجتمعات المدركين لمحل أهل العلم من سائر الناس.
تفعيل دور العلماء في المواجهة الحضرية ولاسيما عند انكسار الأمة وضعفها:
إن الذي يتأمل عصور الإسلام وما نزل فيها من محن عظام يلحظ تدارك الله تعالى لها بمجددين مصلحين حادبين على الأمة يبادرون فيرجعون الأمة إلى مصدر عزها كتاب ربها سنة نبيها صلى الله عليه وسلم فما تلبث أن تظهر على الأمم، ولعل من أبز سمات الفئة التي تدير عجلة التجديد والإصلاح هي العلم والعمل بشقيهما؛ المتعلق بالشرع، والمتعلق بالواقع.
وتأمل حال شيخ الإسلام ابن تيمية تلمس أثره ظاهراً في التأصيل للمسائل العلمية والعملية، الدقيقة والجلية، وكذلك في تبني مشروعات عملية؛ منها التعبدي الخاص به، ومنها ما يتعلق بإنزال التأصيل العلمي الذي يقرره إلى أرض الواقع، فتراه مثلاً يقرر مسائل الاعتقاد ثم يدعو إليها ويناظر عليها، وتراه كذلك يؤصل للسياسة الشرعية، ثم لا يألُ جهداً في مناصحة الأمراء والولاة والقضاة، وأكثر من ذلك تراه يتولى زمام الدعوة إلى شن الحروب على العدو المتغلب، وينخرط في برامج تدريبية تؤهل الناس إلى ذلك، ثم يحرض الناس على اختلاف طباقتهم للمشاركة في وقعة شقحب، ثم يوجه الدولة نحو خطر أهل النفاق المظاهرين للعدو من رافضة جبل كسروان، مع جهوده وطلابه في إنكار المنكرات، وفي أثناء ذلك كله يبين قراءته للأحداث ويطرح رؤيته لتوقع سيرها، وقد كانت عنده من الوضوح بمكان يجعله يقسم على بعضها، على رغم اضطراب الأوضاع في عصره بما يشبه حال الناس اليوم فما أشبه عصره بعصورنا في كثير من القضايا كشيوع الجهل، وانتشار المنكرات العقدية والعملية والأخلاقية، وضعف الأمة وانكسار شوكتها، وتغلب العدو المغولي المحتل عليها، وتنازع الملك بما يشبه الانقلابات العسكرية المعاصرة، وتغير الأمراء على الأقاليم.
فحري بأهل العلم في هذه الأزمنة التي انكسرت فيها شوكة أهل الحق، حتى أضحى الإسلام الحق المعروف في كثير من أصقاع المعمورة غريباً منكراً، أن يسلكوا سبيل المصلحين فيتولوا زمام المبادرة وينظروا في واقع الأمة، ويدعو الناس إلى سبيل الإصلاح الشرعي بدءاً بالكلمة والتوجيه العام، وانتهاء بوضع أهداف وسياسات ومحددات للمشاريع المختلفة والمؤسسات المتباينة التي تحتاجها الأمة لتنهض، وكذلك النظر فيما وضع منها وقام من أجل تقويمها وفقاً لمنهج مرضي لاشرقي ولا غربي.
وإلاّ فإن تأخر أهل العلم عن الركب وانفصالهم عن قضايا الأمة وانتظارهم من يوجههم أو يصنع لهم المشاريع ويبين لهم ما يفعلون يعني تأخر الأمة وتقهقرها، فإذا تأخر الجديرون بالمهمة وخملوا، فقد يقوم بها من ليس أهلاً لها، وإذا وسد الأمر إلى غير أهله تخبط الناس وضلوا.
ولعل مثل شيخ الإسلام في الزمان عزيز فهو ظاهرة علمية خارقة بحق، ومع ذلك فقد كان له إخوة من العلماء والعباد، وطلاب ومحبون من العامة والأمراء، بتعاضده معهم بعد توفيق الله تعالى أفلح في تحقيق مشاريع كثيرة بعضها متعلق بالدعوة وإظهار الحق، وبعضها متعلق بالجهاد، و أخرى متعلقة بإنكار المنكرات، وكثير منها لم يكن ليتأتى له –على الرغم من القدرات العلمية التي حباه الله- لو سلك نهج العمل الفردي، ولو تأملت حال مجددي الأمة على مر العصور تلمس طابع التفاعل مع المجتمع والتفعيل لقواه المختلفة أمراً مطرداً، وهذا أمر طبعي فكيف يتأتى لأمة خاملة منهكة أن تنهض دون أن تستجمع قواها، ولو كان أحد يستغني عن الآخرين في نشر الإسلام ونصره إذاً لاستغنى الأنبياء عليهم السلام، ولكن هذا لم يكن ومن تأمل سيرة أكثر الأنبياء تبعاً صلى الله عليه وسلم وجد ذلك جلياً.
ولذا فإن عقيدة الرجل الخارق البطل، أو المهدي المنتظر، أو المخلص القادم، أو المنقذ المرتقب، والتي يعتقدها بعضهم في بعض البشر، فيظل خاملاً ينتظر أن يبعث الله ذلك الذي يغير بمفرده وجه البسيطة بكل بساطة، عقيدة خيالية ساذجة فاسدة تخالف سنة الله في نهوض الأمم وتجديد الملل، وحسبك أن تتأمل معناة الأنبياء وأتباعهم مع أممهم.
وإذا تأملت نهوض الأمم في الغابر والحاضر تلحظ بجلاء الطابع الجماعي فحتى تنهض الأمة لابد أن تنهض بمجموعها، ولذا فإن نهضة الأمة الإسلامية مناطة بمجموع الأمة، وهذه قضية لابد أن نعيها ولاسيما في ظل تشعبات وتخصصات الواقع المعاصر، وإذا تبين هذا علم أن أمر الإصلاح أكبر من أن يحصر في عرش أوكرسي بل وخلافة، فضلاً عن رجل، فغاية الخلافة –على مكانتها- أن تكون وسيلة لاستنهاض الأمة من أجل إقامة الواجبات المناطة بدولة الإسلام، فإذا لم تكن المجتمعات مؤهلة لم يتأت لدولة الخلافة تسخيرها للقيام بواجباتها، فإن لم تتوجه نحو استصلاح الأمة وتأهيلها من أجل القيام بما أوجبه الله عليها، فسوف يكون مآلها التبعية أو الانهيار كما انهارت خلافات ودول وممالك، وإن كان بعض ولاتها أخياراً أبراراً.
إن واقع الأمة يتطلب تفعيلاً لها من قبل المبصرين لما يجب أن تكون عليه وفقاً لمنهج الله الذي ارتضى لعباده، وهذا يحتم على أهل العلم والفضل التقاء واتفاقاً على مشاريع مختلفة باختلاف المتفقين عليها وباختلاف أولويات واقعهم، فضلاً عن نبذ التناحر والتنافر الذي لا يخفى أثره، وينبغي أن نراعي في هذا الحشد من التيارات المتباينة والأطياف الإسلامية المتشابهة أموراً منها:
– مهما أمكن الاجتماع على كلمة حق سواء فذلك مقصد ينبغي أن نسعى إليه كما ينبغي أن نجتهد في نبذ الفرقة والاختلاف، فإن من جملة أسباب ما تعيشه الأمة تفرق الناس شيعاً وأحزاباً متناقضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:”وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها”[15]، وإذا كنا نعتقد أن اختلاف حكام الإسلام وتشرذمهم قد أضعف الأمة، وأغرى أعداءها بها، فكلمة شيخ الإسلام هذه تذكرنا بأن اختلاف المشايخ والعلماء مصيبة لا تقل عن تلك.
– قد لا يتأتى الاتفاق على الفروع وبعض الأصول ومع ذلك فقد يتأتى الاجتماع على مشاريع مشتركة، وهذا الاتفاق على مشروع لا يعني إقرار المتفقين بعضهم بعضاً على التصورات والآراء غير التي يتبناها المجتمعون في مشروعهم. فلا ينبغي أن يحسب هذا على هذا أو يخلط بينهما على سبيل الإطلاق، ولاسيما إذا اقتضى الاجتماع في مشروع ما واقع معين كفتنة داهمة، أو نازلة عامة. ومن نظر إلى الشريعة السمحة وجد كثيراً من الواجبات مناطة بمجموع الأمة، تتطلب اجتماعاً ولو مع مخالف في أصل من الأصول، فالجمعة والجماعة مثلاً مأمور بها ولو مع مخالفين، بل قد تكون واجبة ولو خلف إمام مبتدع في بعض الأحوال، وكذلك الجهاد وكثير من التشريعات ذات الطابع الجماعي، فلا غرو إذاً إذا تعين واجب على مجموع الأمة، أو تكفل اجتماع بواجب كفائي أو عيني حالٍ على الأمة؛ من أن تلزم المشاركة فيه رغم الخلاف مع بعض المشتركين في أصول أو فروع أخرى.
– مما سبق يعلم أن الاجتماع على مشاريع مع مخالفين في بعض الأصول أو الفروع قد يتأتى، بيد أن النصح للمسلم من حقوقه فلا ينبغي أن يغفل، ولاسيما المخالط القريب، ويتأكد ذلك عندما يكون الاختلاف معه على أصل ربما لم يكن المشروع المتفق عليه بأولى من دعوته إلى ذلك الأصل المختلف فيه. بل قد يكون من الغش لأنفسنا ولأخوتنا وللأمة اجتماعنا لعلاج داء يسير مع من يحملون داءاً عضالاً قتالاً كان البدء به أحرى.
– ومما ينبغي أن يراعى كذلك النظر في أهداف المشروع المنشودة ومحلها من حيز الإمكان، فإن بعض المشاريع غير ممكنة ومع ذلك يوجد من يروج لها إما لبرامج عملية (أجندة) خفية أو لضعف في النظر وقصور في الرؤية، ولذا فلابد من النظر في مدى واقعية الأهداف في نفسها، وكذلك في الأدوات والوسائل التي يراد أن يتوصل بها إليها، وتشمل هذه المجتمعين أنفسهم، فقد لا أكون مناسباً للقيام بعمل ما يحسنه غيري، وكذلك العكس، بل قد يكون الاجتماع على بعض المشاريع مع بعض الناس من قبيل العبث وتضيع الجهود والأوقات، بل قد يفضي إلى نقيض الهدف المنشود، وعلى سبيل المثال لا يتوقع أن تكون ثمرة مشروع مشترك يهدف إلى إدخال إصلاحات على المقررات الشرعية مع علمانيين تحرريين (ليبراليين)، لايتوقع أن تكون ثمرته مفيدة، بل لن يزيد ذلك الناسَ من هدف الإصلاح المقصود إلاّ بعداً فإن طلب المقصود من غير طريقه يُبَعِّد من طريق المقصود، وقد لا تشفع النية الحسنة مجردة، وهذا المعنى أشير إليه في مواضع من القرآن، قال الله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، وقال: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)، وقال: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)، فعاد الأمر على جميعهم بعداً عن مقصودهم إذ لم يسلكوا سبيله.
الدور السياسي المطلوب للعلماء:
ولعل إغفال ما سبق من واجب التعاضد أو العمل المشترك أو معرفة سبله والتهيؤ له أو الدخول في مشاريع مشتركة غير مجدية، كان له أثره على دور أهل العلم والفضل في كثير من جوانب الحياة ولا سيما تلك التي سعت أيدي التغريب في كثير من بلاد الله لإقصائهم عنها، ومن تلك الجوانب الجوانب السياسية مع عظيم أثرها على الجوانب الاجتماعية عموماً، فإن النظام السياسي وإن كان جزءاً من النظام الاجتماعي، إلاّ أنه يظل من أكثر الأجزاء تأثيراً في المجتمع، ولهذا كان أثر علماء الإسلام في عصور عز الدولة الإسلامية ظاهراً في النظم السياسية إذ ذاك، فقد كان أهل الحل والعقد وأصحاب الشورى والرأي هم العلماء المرضيون الذين تصدر الأمة عن رأيهم، ولهذا تجد طابع السياسة الداخلي والخارجي للدولة مرتبطاً بقرارات السياسة الشرعية في التعاملات والعلاقات والمعاهدات، بل كانت الحروب تشن بمشورة العلماء ودعمهم، فضلاً عن النظم والتشريعات الداخلية فقد كان القول فيها قولهم، وفقاً لما يقرره فقهاء الشريعة، ويتولى تنفيذه قضاة المذاهب المختلفة. وقد كان هذا هو الحال في بعض بلاد الله إلى عهد قريب ومنها مصر فقد كان شيخ الأزهر يمثل منصب العضو الشرعي في الوزارة المصرية فلا يصدر حكم قبل مصادقته عليه، وقد استمر هذا إلى أن جاء الحكم البريطاني فألغى ذلك عام 1882م، بل أكثر من ذلك حتى المذاهب الاعتقادية التي يقررها العلماء كان الساسة يلتزمونها ويتبنون نشرها فتنتشر بانتشار الدولة وتتوسع بتوسعها، وذلك إلى أيام الخلافة العثمانية والتي كان لها أثرها في نشر المذهب الماتوريدي وتثبيته في بعض أرجاء العالم الإسلامي.
وقد كان منصب (شيخ الإسلام) في الدولة العثمانية أعظم مناصب الدولة، فهو مرجع الصدر الأعظم وعامة الوزراء، لاتجاز القوانين إلاّ بإجازته، ولاتنفذ القضايا الجنائية الكبرى إلاّ بعد مراجعته، بل لم يكن من حق السلطان أن يقدم على دخول حرب دون أن يستصدر فتوى من شيخ الإسلام، وقد بلغ من شأن شيخ الإسلام تخويله النظر في عزل السلطان، فله عزله إذا بدا منه انحراف عن تطبيق أحكام الشريعة، أو نزل به ما يقعده عن أداء أعباء الخلافة كمرض لا يرجى برؤه. ويذكر أن من السلاطين العثمانيين الذين صدرت فتاوى من شيخ الإسلام بعزلهم: إبراهيم خان الأول، وسليم الثالث، وعبد العزيز خان، ومراد الخامس، فتأمل.
ولاشك أن استعادة ما دون هذا الوضع كفيل بحل كثير من إشكالات الأمة.
أما واقع الناس فللناس في إنزال مشاريعهم السياسية إلى أرض الواقع مذاهب في العصر الحديث ولعله بالسبر يمكننا أن نقسم أبرز الاتجاهات المسلوكة في التغيير السياسي إلى ثلاثة اتجاهات عريضة: الاتجاه التحريري، والقسري التغييري، وأخيراً الاتجاه الإصلاحي.
أما الاتجاه التحريري فيأخذ في الغالب الطابع الثوري على المحتل الخارجي سواء كان جهاداً شرعياً إسلامياً، أو مقاومة قومية أو ذات صبغة أخرى مناهضة للعدو المتغلب. وهذا المسلك مقبول إجمالاً بين الأمم لايستنكر فإن للشعوب حقها الظاهر في مقاومة المحتل. وقد كانت لأهل العلم جهودهم في هذا الاتجاه قديماً وحديثاً، وتأمل حال شيخ الإسلام والعز ابن السلام من قبله وجهودهما في صد التتار المنتسبين إلى الإسلام، وكذلك المنذر بن سعيد البلوطي وإخوانه من علماء الأندلس في حرب الصليبيين، ولما أخذت الفرنجة بيت المقدس قام العلماء بالتحريض على الجهاد فكان ممن خرج إلى الأمصار ابن عقيل رحمه الله وغير واحد من أعيان الفقهاء، وفي العصر الحديث لمعت أسماء في سماء ميادين الجهاد من أبرزها الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمهما الله- في أرض الجزيرة، ومن بعده علماء الدعوة في الديار النجدية، وفي أفريقيا ظهر اسم عبدالحميد بن باديس بالجزائر مؤسس جمعية علماء المسلمين التي كان لها أثرها في الوقوف في وجه المستعمر الفرنسي، والشيخ عز الدين القسام في الأرض المباركة، وغيرهم من منتسبي العلم في السودان ونيجريا وأقصى أفريقيا، فاستحق صنيع أولئك أن يخلد ذكرهم، وقد قيل:
إن الزعامة والطريق مخوفة غير الزعامة والطريق أمان
وأما اتجاه التغيير القسري فقد يكون بواسطة الانقلابات وهذا تتبناه بعض القوى على الأنظمة المستبدة الحاكمة من أبناء شعبها، وقد يقود هذا لفرض أنواع شتى من النظم، المتباينة تبايناً عريضاً، وقد كان هذا النمط من التغيير السياسي جالباً للديمقراطية الفرنسية إثر ثورتها المشهورة في الغرب مثلاً، وللشيوعية الماركسية في الشرق مثلاً، وربما جاء بحكومات إسلامية.
وقد يكون كذلك عن طريق إعانة عدو خارجي موالي والحرب معه أو عنه بالوكالة من أجل تغيير النظم القائمة، ولعل من أقرب الأمثلة في ذلك ما حصل في العراق وأفغانستان.
وهذا المسلك في التغيير داخل الدول الإسلامية مرفوض في الجملة، فقد استقر قول أهل السنة على منع الخروج على الحاكم المسلم بالقوة إن لم يمكن خلعه بواسطة أهل الحل والعقد نظراً لما يترتب عليه من مفاسد تغلب على مصالحه في الغالب بشهادة الواقع والتاريخ، والعجيب أن ما يسمى بالشرعية الدولية ترفض هذا المسلك كمسلك للتغيير، إلاّ أن الولايات المتحدة –وغيرها- تطبقه بأبشع صوره، كما يرى الناس في الواقع اليوم وسط إغضاء عالمي بل تواطؤ في كثير من الأحيان.
وكما أن النظام العالمي لايرفض المتحكم بالقوة بل قد يرى الانقلاب العسكري شأن داخلي وذلك إذا أصلح المتغلب شأنه مع شعبه ولو في الظاهر والتزم ما يرونه من قوانين، فإن من يقول بأن هذا المسلك مرفوض في الإسلام مالم يبدر من الحاكم كفر ظاهر عند الناس فيه من الله دليل واضح؛ لا يرفض نتيجة هذا التغيير إن استقر الأمر به لحاكم مسلم مصلح، بل يرون الطاعة للمتغلب ويعدون نظامه نظاماً شرعياً، فهم إنما رفضوا المسلك لمفاسده الظاهرة، فإن ارتفعت تلك المفاسد وجيء بالأصلح انتفى سبب المنع.
ويبقى النهج الإصلاحي من أوسع أبواب التغيير السياسي المتاحة إلاّ أن للناس فيه كذلك اتجاهات متباينة دخل كثير منها دخن.
وإجمالاً فإن الحركات والجماعات والمؤسسات والأفراد منهم من يتبنى العمل الحزبي السياسي، والحزب السياسي يهدف للتغيير السياسي عن طريق تشكيل كيان منظم يسعى للوصول إلى السلطة إما عن طريق وضع ممثليها في موضع الحكم، أو الهيئات التشريعية، أو المناصب الانتخابية المؤثرة.
ومنهم من يعمد للتغيير عن طريق جماعات الضغط، واتجاه جماعات الضغط أو ما يسمى بالمصلحة يرمي إلى التأثير على السلطة دون المشاركة فيها أو حيازتها.
ولعل من أبرز اتجاهات الإصلاح المعاصرة –وهو مسلك قديم عند المسلمين- اتجاه يرمي إلى تحقيق الإصلاحات السياسية –وغير السياسية- من خلال العمل الشعبي المتوجه إلى المجتمع أو الجمهور، كعمل مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، ولا يعني ذلك بالضرورة إقصاء الحكومة أو أجهزتها المعنية بالإصلاح –والتي قد تكون مجمدة أو غير مفعلة كما ينبغي- من برنامج الإصلاح ولكنها لا تتجاوز كونها بعض الجمهور، ويعتمد أصحاب هذا المسلك على المؤسسات المختلفة التربوية والاحتسابية والدعوية المباشرة أو التي تزرع رؤيتها في المجتمعات وإن أخذت الطابع الخدمي أو التجاري المدعوم في الغالب. ومن يسلك هذا السبيل قد لا يعتني بالعمل النخبوي الذي يخدم أهدافاً حزبية سياسية ويؤهل أفراداً لمراكز قيادية في مراكز الدولة المؤثرة.
وربما لم ير بعضهم تعارضاً بين العمل الشعبي الجماهيري والعمل النخبوي الصفوي.
وبالجملة قد تسلك فئات ما أكثر من مسلك في التغيير السياسي، ولا يتأتى إجمال حكم على أصحاب هذه المسالك لاختلاف الواقع بل ينبغي أن ينظر في كل قضية بمفردها.
ولعل العرض السابق قد أشعر بأثر تنوع الظروف المتعلقة بالبيئة والمجتمع الذي يزمع فيه شأن الإصلاح، أو المتعلقة بالمصلحين أنفسهم، وبعبارة أعم أشعر بأثر اختلاف الواقع المكون من خصوصية البيئة وخصوصية المصلح.
فإذا علم أن كل أهل بلد لهم وضعهم الخاص بهم، ولهم ظروفهم المحيطة بهم، فلا مناص من أن تتباين الأولويات وتتنوع الوسائل باختلاف البلدان، وهذا الاختلاف من جملة اختلاف التنوع الذي لاينبغي أن يخرج بالمختلفين إلى حيز النقد السلبي أو التغليط ومن باب أولى التعارض أو التعارك، فالاستجابة لأمر الله في كل واقع تكون بحسب ذلك الواقع، وربما كانت الاستجابة الواجبة في مكان ما محرمة ممنوعة في مكان آخر لاختلاف الظروف واختلال الشروط، كمن يسلك المسلك الثوري أو الجهادي للتغير في بلد يحكم فيه بشرع الله تعالى، فبينما هو جهاد مشروع في واقع معين إذا به بغي وافتئات على أولي الأمر في محل آخر.
وكذلك اختلاف التكوين النفسي أو العلمي أو الخلقي وما حباه الله للقائمين على العمل من قدرات قد يحتم مناسبة طريق دون غيره في حقهم، وإن كانت البيئة واحدة والمجتمع واحداً. والمرجع في ذلك العلم بالشريعة، وفقه الواقع بمكوناته المختلفة والتي منها شخص المصلح نفسه.
ومن مجمل العرض الآنف يجد أهل العلم أمامهم مسالك مختلفة للتغيير السياسي ربما كان لكثير منهم دوراً فيها، ويبقى التعويل في زيادة فاعلية أثرهم السياسي على ما مضت الإشارة إليه من اتفاق أصحاب المسالك المختلفة على مشاريع مشتركة تتضافر عليها جموعهم.
فعلى سبيل المثال قد تجد بعض حركات المقاومة أو الجهاد الإسلامي لها أثر ملموس في انهاك المحتل، ولكن كثيراً منها ربما افتقر إلى رؤية سياسية واضحة، أو برنامج سياسي مصاحب لعمل المقاومة، وهذا الخلل قد يستغله غيرهم فيقطف ثمرتهم، كما قطف الشيوعيون ثمار الثورة على القيصرية في روسيا. ولعل مما يكفل نوعاً من الأمان لحركات المقاومة وجود رؤية سياسية واضحة لها، أو على الأقل وجود تعاون مشترك واتفاق على مشاريع سياسية مع القوى التي ارتضت مسالك أخرى في التغيير. وإلاّ فإنه لن تقوم دولة على وزارة دفاع فقط مالم تتكامل أجهزتها الوزارية الأخرى.
ومما يحسن التنبيه إليه أنه في بعض الأحوال نظراً لملابسات واقع ما، ليس بالضرورة أن يكون دور العلماء أكثر من التوجيه والإرشاد والتقويم وفقاً لأحكام الشريعة وقواعدها مع السعي إلى جمع الكلمة مهما أمكن من أجل تكامل الجهود. بيد أنه لابد لجمهورهم من مباشرة العمل وإلاّ سيكون ثمَّ نوع قصور في التصور فضلاً عن الإصلاح وقد قيل:
لا يعرف الشوقَ إلاّ من يكابدُه ولا الصـبابَةَ إلاّ من يُعانِيـها
أدوار مهمة أخرى:
ويظل المطلوب من أولي الأمر من العلماء كثيراً، والمهمة الملقاة على عاتقهم عظيمة، سواء تجاه جماهير ما يعرف بالصحوة أو دعاتها ورجالاتها، فقد يرغب كثير من الناس في عمل الخير والبذل، لكن تشتبه عليهم السبل، فيخطئون الصواب، أو يقدمون ما من شأنه التأخير، إما جهلاً منهم بمقاصد الشريعة وغايتها الكبرى، أو أحكامها، أو لرأي قاصر وفقاً لما يسر لهم من وسائل الملاحظة والإدراك، فتتكرر الجهود وتتبعثر الاجتهادات، وربما سلكت بعضها مسالك آثمة جهلاً، فيأتي توجيه أهل العلم وأصحاب النظر مقوماً لما اعوج منها، ململماً ما تبعثر منها، موجهاً إلى حيث تعظم الحاجة. كما كان شأن أهل العلم والنظر قديماً.
ومع أن المطلوب من الشباب والدعاة عدم إغفال رأي أهل العلم، والحرص على استنباط الصواب بمشورتهم، إما عن طريق ضم نخبة منهم في مجالس استشارية، وإن تعذر فلا مناص لهم من وصولهم. مع ذلك فإن الواقع يقتضي كذلك نزول جماعات من أهل العلم إلى حيز العمل الدعوي فيتبنون المشاريع التي توجه الشباب، وترشد سير الدعوة.
ويتأكد هذا عند حلول النوازل التي أمر الله تعالى بالرد إلى أهل العلم فيها، كما قال سبحانه: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، فالأمة أحوج ما تكون عند النازلة إلى أهل العلم الراسخين والعلماء الربانيين، ولعل مما يتوجب على أهل العلم أن يكون دورهم حال النوازل أكثر من مجرد إصدار بيان –مهما وسعهم ذلك- على أهمية البيان للأمة.
ومما يسعهم غير بيان الحكم الشرعي والواجب تجاهه:
– اقتراح المشاريع والبرامج العملية التي يرونها كفيلة بمعالجة النازلة أو احتواء آثارها.
– المشاركة في تلك البرامج والمشاريع ولاسيما إذا وجهت لهم الدعوات بالمشاركة.
– مراقبة خط سير الأمة على المنهج الأقوم، حتى لاتدفع النوازل الطارئة إلى خروج عن الصراط المستقيم بردود فعل غير محسوبة، تدفع إليها الحماسة المجردة والعاطفة غير المنضبطة بعقال العقل الشرعي.
– الاستعداد لكل منافق قد يطل بقرنه أثناء النازلة، فكثير من المرجفين والمنافقين يغتنمون النوازل فيروجون لفكر منحرف يحاولون استبدال منهج الله به، فإن كان المصلحون لهم بالمرصاد أمكنهم الاستفادة من إفرازات أهل النفاق الضارة ومخالفاتهم في تأجيج الحق وإظهاره.
– رؤية ما تنطوي عليه النوازل من خير، ثم تبصير الناس به، والعمل على الاستفادة منه حتى لا يدب في نفوس الناس اليأس أو يستحكم القنوط.
– وأخيراً تثبيت الأمة وتصبيرها حتى لاتنقلب على عقبها أو تجزع مما ألم بها.
وقد مضى ذكر بعض ما يفعل به دور أهل العلم فلا حاجة إلى إعادته، وأهمية الحرص على وسائل تفعيل أهل العلم حال النوازل ظاهرة، ولعل من ذلك تفعيل المؤسسات ذات الطابع العلمي والدعوي الرسمية في الدول دون حصر المسؤولية فيها فقد أناطها الله بعموم العلماء.
استقلال العلماء:
من شرط كل عمل ليكون صالحاً الإخلاص والمتابعة وإلاّ فهو مردود منزوع البركة.
والإخلاص كما يقتضي أن لا يتفوه العبد بحكم شرعي يبتغي به وجه غير الله تعالى، يقتضي منه أيضاً أن يتحدث في الأنفع والأجدى الذي يحب الله الدعوة إليه.
وقد يحقق بعضهم الإخلاص ولكن يحول دونه ودون وجه الصواب كلياً أو جزئياً حائل فيقصر العالم نفسه بسببه في عمل محدود لا يتوافق مع ما حباه الله له، وربما باشر عملاً باجتهاد يظنه مشروعاً أو مندوباً وليس الأمر كذلك، ويكون حينها قد أُتي المُخلص من جهة تحقيق المتابعة.
ولذا فإن من حقق الإخلاص والمتابعة حقق الاستقلال الذي نريد ونعني.
فالاستقلال الذي ندعو إليه ليس محصوراً في الاستقلال عن مؤسسات الدول الرسمية، بل لعل هذا ليس استقلالاً مراداً على إطلاقه ولو كانت الدولة كافرة فكيف إذا كانت مسلمة، بل الاستقلال الذي نعني استقلال عن كافة الأهواء البشرية والتجرد لرب البرية سبحانه وتعالى، والقيام له بالقسط ولو على حساب النفس وحظوظها أو الوالدين أو الأقربين.
ولئن كان بعض محسوبي العلم تبعاً لأهواء الدولة والسلاطين، فإن بعضهم تبع لأهواء العامة والجماهير، ومع ذلك ربما تحذلق أحد أذناب الجماهير بذم أحد أذناب السلاطين!
والمطلوب أن لاتكون الرؤوس أذناباً لا للجماهير ولا للسلاطين.
ولاشك أن واقع بعض الدول الإسلامية هو الذي أضطر بعض الدعاة للدعوة إلى الاستقلال والانفصال التام عن الدولة، وقد يكون لهذا وجهه على نطاق ضيق لظروف تتعلق بمكونات الواقع المختلفة ابتداء من نفس العالم وانتهاء بالبيئة، وإلاّ فالأصل أن من واجبات الدولة المسلمة ومهامها ما يفتقر إلى وجود العلماء، فلا يجب أن تخلى تلك الأعباء، وليس من الحكمة الدعوة إلى انزواء كافة العلماء عنها، بل الواجب أن لايترك المجال لعلماء السوء فيسدوا ذلك المسد وفقاً لأهوائهم فيفسدوا.
ثم إن تحقيق الاستقلال يكون بتقدم العالم الرباني والكفء الذي يلتزم منهج الله ولا يميل مع الهوى حيث مال، فلزم أن يدعى إلى تحقيق ذلك من جهة، ومن جهة أخرى إلى استقلال الأجهزة الشرعية، ورفع يد الساسة عنها، فإن المؤسسات الدينية الرسمية في كثير من بلاد الله فقدت مصداقيتها عند العامة يوم غدت أداة لتأييد خطوات الساسة، ولساناً للثناء على مواقفهم.
وقد يرى بعض الحادبين على العمل الإسلامي أن هذه الدعوة ما هي إلاّ صيحة في واد أو نفخة في رماد، لأن واقع بعض الحكام يأبى ترك تسييس الفتاوى والتدخل فيها، ولن يأذن في تنصيب أهل الشأن الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاّ الله.
والحق أن هذه الرؤية قد يكون لها وجه بيد أن نفس الإشكال يتوجه تجاه المؤسسات الشعبية والمستقلة التي ينادون بها، ولا ينبغي أن يتصور منع حاكم استصلاح مؤسسة رسمية قائمة، ثم إذنه في إنشاء مؤسسات مستقلة مؤثرة تنازع تلك المؤسسات الرسمية ما خُوِّلته أو ما لايُرضى، فإن قيل ليس هذا بالمستحيل يقال فكذلك الاستصلاح القائمة في الجملة.
وإن قيل قيام المؤسسات الشعبية واستقلال العلماء مطلب لابد منه فلا بد من المدافعة والاجتهاد في تحصيله قيل هذا حق، ويتوجه كذلك في المؤسسات الرسمية.
بيد أن بعض المصلحين قد يتحتم عليه سلوك أحد المسلكين فيختار العمل من خلال مؤسسات شعبية لاتربطها بالدولة كبير علاقة، أو يختار سلوك المسلك الآخر فيحاول أن يكون مستقلاً ضمن مؤسسة رسمية، ويكون اختياره ذلك ناجما عما تأتى له وفقاً لحاله وملابساتها الخاصة، أو لأن ما ارتضاه من منهج في الإصلاح يحتم عليه ذلك، وقد مضت الإشارة إلى الاتجاهات الناس في ذلك.
ولعله من الجدير بالتنبيه هنا هو أن العالم أو المؤسسة الشرعية: دعوية كانت أو علمية أو غيرهما؛ المستقلة عن أهواء الدول والجماهير، ينبغي أن تكون محل ثقة من الدولة والجمهور وإلاّ فسوف تواجه معوقات أو صدوداً. ولئن كان الهدف هو الإصلاح فينبغي أن يكون موجهاً للجميع، وهذا يقتضي أن تكون محل ثقة الجميع؛ الجماهير والخاصة ومنهم الحكومات، وليس من لازم ذلك أن يشتغل جميع المعنيين بالشأنين بل لابد من تسلك فئة مسلك الإصلاح عن طريق الدولة، وفئة أخرى مسلك الإصلاح عن طريق المؤسسات الشعبية المختلفة، ولكن الذي يلزم هو التسليم بعدم تناقض المسلكين في الجملة ما دام السالكون لهما من أهل العلم المخلصين المتبعين. وهذا لاينفي أن يكون لكل مسلك شروط لابد أن تتوافر في سالكه، ينبغي لمن لم تتحقق فيه أن يحجم عنه ومثل هذا ينبغي أن لايخفى.
والخلاصة هي أن المسلمين بحاجة إلى علماء ربانيين مستقلين سواء كانوا في مؤسسات رسمية أو في غيرها من المؤسسات الشعبية المكملة لها أو السادة لما لم يسعه جهد المؤسسات الرسمية.
هذا ولايزال الحديث عن دور العلماء ذو شجون، وقد مضت من ذلك جُمَلٌ اللهَ أسألُ أن يجعل فيها نفعاً، كما أسأله أن يجعلنا من زمرة العلماء العاملين، وأن يستعملنا في نصر الملة والدين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
———————————
[1] كما في البدع لابن وضاح، ص32، ولم يثبت.
[2] رواه الإمام أحمد في المسند 5/323، والحاكم في المستدرك 1/211 (421)، وابن أبي الدنيا في العيال 1/347 (185)، وهو حديث حسن، رجاله ثقات غير أبي قبيل والأقرب أنه صدوق حسن الحديث وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وفيه أيضاً مالك ابن الخير الزيادي والأقرب أنه ثقة، وله طريق آخر من حديث ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبادة أخرجها الشاشي في مسنده والطبراني في مكارم الأخلاق، وقد جود إسناد أحمد الإمام محمد بن عبدالوهاب، وحسنه العلامة ابن مفلح وغيرهما.
[3] وسوف يأتي بيان أن العلم المحمود هو ما أثمر عملاً صالحاً، فلا يعارض هذا ما تقرر في كتاب الله تعالى من قوله سبحانه: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
[4] يريد حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: “إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوماً”، وفي بعض طرقه عند مسلم: “فصم صوم داود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أعبد الناس”، رواه مسلم 2/812 (1159).
[5] فتاوى السبكي 1/73.
[6] تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير 1/109.
[7] ينظر مجموع الفتاوى 3/250، وينظر كلام الإمام في الفتاوى الكبرى 1/90-91.
[8] إعلام الموقعين 1/10.
[9] ينظر جامع الترمذي 4/591 (2382)، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه 4/115 (2482)، وكذا ابن حبان 2/135 (408)، والحاكم في مستدركه 1/579 (1527)، وغيرهم.
[10] الآدب الشرعية لابن مفلح 2/235-236.
[11] المدخل لابن الحاج 1/138-139.
[12] السابق 1/139.
[13] إعلام الموقعين 4/217.
[14] ينظر أدب المفتي ص20.
[15] ينظر مجموع الفتاوى





