الرئيسية بلوق الصفحة 54

هل يدخل الموقف من أهل البدع في ” الولاء والبراء “؟

هل يدخل الموقف من أهل البدع في ” الولاء والبراء “؟

السؤال:

أدرس حاليًّا في الجامعة، وأنا عضو من أعضاء المجتمع المسلم، ولكنه ليس إسلاميًّا لأنه غير موحد تحت راية عقيدة أهل السنة والجماعة، ويسمح للشيعيين أن يدخلوا فيه وينصهروا بداخله.

هل هذا جائز؟ وهل هذا ضد عقيدة ” الولاء والبراء ” لأن هذا فيه مخالطة شديدة بأهل البدع والضلال؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الولاء والبراء ” هما من أصول الإسلام، ومن شعائره المهمة، ومعناهما: الولاء للمسلمين ومحبتهم ونصرتهم ورحمتهم، والبراءة من الكافرين والمبتدعة، ونعني به: بغضهم وعداوتهم وتجنب مخالطتهم.

وفيهما تفاصيل دقيقة يمكن النظر فيها في الكتب المتخصصة في الحديث عنهما، ككتاب ” عقيدة السلف وأصحاب الحديث ” للإمام أبي عثمان إسماعيل الصابوني من المتقدمين، وكتاب ” الولاء والبراء ” للدكتور محمد سعيد القحطاني من المعاصرين.

ثانيًا:

ولا شك أن للولاء والبراء تعلقًا بالبدعة وأهلها، فإذا تحقيق التوحيد لا يتم إلا بالبراءة من الكفر وأهله: فإن تحقيق السنَّة لا يتم إلا بالبراءة من البدعة وأهلها.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

ومِن أبرز معالم التميز العقدي فيها – يعني: ” قواعد الاعتقاد السلفي ” -، وبالغ الحفاوة بالسنَّة والاعتصام بها، وحفظ بيضة الإسلام عما يدنسها: نصب عامل ” الولاء والبراء ” فيها، ومنه: إنزال العقوبات الشرعية على المبتدعة، إذا ذُكِّروا فلم يتذكروا، ونهوا فلم ينتهوا، إعمالًا لاستصلاحهم وهدايتهم وأوبتهم بعد غربتهم في مهاوي البدع والضياع، وتشييداً للحاجز بين السنَّة والبدعة، وحاجز النفرة بين السنِّي والبدعي، وقمعًا للمبتدعة وبدعهم، وتحجيمًا لهم ولها عن الفساد في الأرض، وتسرب الزيغ في الاعتقاد، ليبقى الظهور للسنن صافية من الكدر، نقية من علائق الأهواء وشوائب البدع، جارية على منهاج النبوة وقفو الأثر، وفي ظهور السنة أعظم دعوة إليها ودلالة عليه، وهذا كله عين النصح للأمة.

كل هذا تحت سلطان القاعدة العقدية الكبرى ” الولاء والبراء ” التي مدارها على الحب والبغض في الله تعالى، الذي هو ” أصل الدين ” وعليه تدور رحى العبودية. ” هجر المبتدع ” ( ص 3 ، 4 ) باختصار.

* وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

فلا يُتصوَّرْ من جهة الحق أن يكون مواليًا للسنَّة وهو ليس مُتَبَرِئاً من أهل البدع إلا إذا كان لم يفهم السنَّة، أو أنَّ عنده هوى تفريق.

فمَن والَى السنَّة: فلا بد عليه أنه يتبرأ من البدعة، ومَن والَى أهل السنَّة: فلا بد أن يتبرأ من أهل البدعة.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( 2 / 1404 ) – طبعة ابن الجوزي، القاهرة -.

ثالثًا:

والرافضة شر من وطئ الحصى، فبغضهم من الدِّين، وعقائدهم الكفرية أوضح من أن يستدل على بطلانها، وقد ترك كثير منهم ” التقية ” فراحوا يجهرون بالقول بتحريف القرآن، وبتكفير الصحابة، وبعصمة أوليائهم، وغير ذلك من أقوال الإلحاد والزندقة، ولذا فإن بغضهم وترك مجالستهم ومخالطتهم: يعدُّ من تحقيق ” البراء “، إلا أن يكون المسلم مستضعفًا لا يملك حولًا ولا قوة في هجرهم، أو يكون داعية يتوصل بتلك المخالطة لجعلهم يتركون ما هم فيه من ضلال، وأما عامة المسلمين فليس لهم حكم العلماء والدعاة، بل عليهم تجنبهم وبغضهم، ولا يحل محبتهم ولا تزكيتهم، فضلاً عن تقديمهم على أهل السنَّة في شئون الإدارة أو الدعوة.

* قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ – رحمه الله -:

فالواجب على من أحب نجاة نفسه وسلامة دينه: أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب؛ فإن الإيمان لا يستقيم إلا بذلك، والقيام به؛ لأنه من أهم المهمات، وآكد الواجبات.

إذا عرفت هذا: فمواكلة الرافضي والانبساط معه وتقديمه في المجالس والسلام عليه: لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين بقوله: ( لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) آل عمران/ 28، وقال تعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) النساء/ 140. والآيات في المعنى كثيرة.

والسلام تحية أهل الإسلام بينهم، فإذا سلَّم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقاهم بالإكرام والبشاشة، وألان لهم الكلام: كان ذلك موالاة منه لهم، فإذا وادَّه، وانبسط لهم، مع ما تقدم: جمع الشرَّ كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: (ألا أدلكم على ما تحابون به؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفشوا السلام بينكم )، فإذا سلَّم على الرافضة، والمبتدعين، وفساق المسلمين: خلصت مودته ومحبته في حق أعداء الله وأعداء رسوله.

          وقال الحسن: لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم؛ فإني أخاف أن ترتد قلوبكم.

فانظر رحمك الله إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم، فكيف بالرافضة الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟! مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم.

ومواكلتهم، والسلام عليهم – والحالة هذه -: من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين.

” الدرر السنية ” ( 8 / 438 – 440 ).

فإذا عرفت ما سبق تبين لك أنه لا يجوز السماح للرافضة بأن يندمجوا في المجتمعات الإسلامية السنيَّة، ولا يجوز التلبيس على العامة بأنهم طائفة من المسلمين، فمن لم يستطع إخراجهم من المؤسسات التي يكونون فيها يمثلون الإسلام: فليخرج المسلمون من تلك المؤسسات ليتميزوا باعتقادهم ومنهجهم، فإن عجزتم عن ذلك فاجعلوا أمر مخالطتهم ومجالستهم للعلماء وطلبة العلم الذين يعرفون عقائدهم ليمنعوهم من تحقيق مآربهم في نشر التشيع ، ولتحذير العامة من شرورهم، ولكشف مخططاتهم، مع دعوة من يرونه أهلًا لأن يترك تشيعه إن تبين له الحق، ويُراعى في كل ذلك المصلحة الشرعية من إظهار التبرؤ من أولئك الرافضة عمليّاً وظاهريًّا.

* وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

لكن إذا حصل هذا التَّبَرُؤُ عقيدةً فهل يلزم منه أن يُظْهَر في كل حال؟.

لا، إظهاره بحسب المصلحة الشرعية، قد يُظْهَرْ ويكون إعلان للبراءة ظاهرًا في التبرؤ من الأشخاص، وقد يُؤَخّر بحسب ظهور السنَّة وخفائها وما يُنْظَرْ في ذلك من المصالح.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( 2 / 1404 ) – طبعة ابن الجوزي، القاهرة -.

والله أعلم.

حكم استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “

حكم استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “

السؤال:

هل ” المنثول ” في الإسلام مباح؟ استنادًا إلى حقيقه قالها لي أستاذي في الكيمياء بأن ” المنثول ” كحولي لأنه يدخل  في تركيبه رابط ” الهيدروكسيل ” OH.

أعاني من صعوبة فى التنفس أثناء الليل، وأستخدم قطرة عن طريق الأنف، ولكنها لا يمكن استخدامها لعدة أيام، لذا نصحني الطبيب بأدوية أخرى والتي تحتوي على ” المنثول “.

الجواب:

الحمد لله

1. ” النعناع ” نبتة طيبة الرائحة، تستعمل في الطعام، والشراب، ويستعمل زيتها في صناعة العطور، والأدوية، وهي أنواع كثيرة.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “:

ينمو النعناع في مختلف أنحاء العالم، وتُستخدم أوراقه وزيته لإضفاء النكهة على الطعام المطبوخ، وفي صنع العطور، كما يستخدم أيضاً في صنع الأدوية.

ويوجد حوالي 5,600 نوع مختلف من أنواع النعناع. انتهى.

2. ويستخلص من ورق النعناع زيته المشتهر بفوائد كثيرة؛ وذلك بسبب ما يحتويه على مركبات متنوعة، ومن أشهرها مركب ” المينثول ” – ويطلق عليه أيضًا ” المينتول -.

* قال الدكتور محيي الدين عمر لبنية – وفقه الله -:

وزيت النعناع لا لون له، أو أصفر مخضر، له رائحة مميزة، ومذاق مر قليلاً، يعطي الشعور بالبرودة، ويحتوي على مركب ” المينثول ” – Menthol -, كما يحتوي على مركب ” ليمونين ” – limonine -، و ” كارفون “، و ” فيلاندرين” – phellanderene -، و ” إسترات ” – esters -.

بحث ” نعناع المدينة “، منشور في مجلة ” مركز بحوث ودراسات المدينة “، العدد ( 11 )، ( ص 179 ).

3. و ” النعناع الفلفلي ” من أشهر أنواع النعناع، ومركب ” المينثول ” المستخرج منه يستعمل في صناعة الأدوية، وخاصة ما يتعلق بالقصبات الهوائية، والجيوب الأنفية.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “:

” النعناع الفلفلي ” نبات عشبي معمر، من فصيلة النعناع ، يزرع لاستخلاص زيت عطري من أوراقه، وزيت النعناع الفلفلي أحد أكثر مطيبات المذاق استخدامًا في مجال صناعة الحلوى، كما يضفي على كثير من الأدوية ومحاليل تطهير الفم ومعاجين الأسنان مذاقًا طيِّبًا، وتحتوي بعض أدوية آلام الأسنان والمغص أيضًا على زيت النعناع، وتصنع منه أيضًا مادة ” المنثول ” التي تدخل في تركيب كثير من أدوية الزكام والسعال، وهي مادة تترك إحساسًا رطبًا بالفم. انتهى.

4. ويصنع من مادة ” المينثول ” مراهم للجلد، وشراب لقطع رياح البطن، ولتهدئة القولون المتهيج.

* قال الدكتور محيي الدين عمر لبنية – وفقه الله -:

يستعمل مركب ” المينثول ” – menthol – المكون الرئيس في زيت النعناع العطري المستخلص من أوراق ” النعناع الفلفلي ” في تحضير بعض الأدوية, ويفيد ” المينثول ” في تخفيف شدة أمراض التهاب القصبات الهوائية، والتهاب الجيوب الأنفية, كما يفيد دهن ” المينثول ” على جلد الإنسان في توسيع الأوعية الدموية وإحساسه بالبرودة يليها قلة شعوره بالألم، ويفيد استعماله على شكل مرهم – أو lotion – في تخفيف الشكوى من الحكة في الجلد – pruritus – و ” أرتكاريا ” – urticaria -, ويساعد إعطاء مركب ” المينثول ” عن طريق الفم في قطع ” رياح البطن ” –  carminative -, ويفيد استعماله في علاج تناذر القولون المتهيج ” القولون العصبي ” – irratible colon syndrome – حيث يُحدث ارتخاء عضليًّا في الأمعاء الغليظة، ويخفف شكوى المريض من الألم, ويستعمل أيضًا مركب ” المينثول ” في تحضير عدة أدوية تقليدية لعلاج السعال، ونزلات البرد، وسواهما.

بحث ” نعناع المدينة “، منشور في مجلة ” مركز بحوث ودراسات المدينة “، العدد ( 11 )، ( ص 183، 184 )، الدكتور محيي الدين لبنية.

5. وبما سبق يتبين: أن مادة ” المينثول ” مادة طبيعية، خلقها الله تعالى في زيت النعناع، والمستخرج من أوراق النعناع التي أنبتها الله تعالى في الأرض.

وكون ” المينثول ” يحتوي على رابط ” الهيدروكسيل ” – OH – لا يجعله ممنوعاً وإلا لمنع استعمال أوراق النعناع! ولا قائل به، وهذا الرابط – OH – موجود في أصل مواد طبيعية كثيرة، خلقها الله وامتنَّ بها على عبيده.

6. ولو فرض وجود ” كحول ” في ذلك الدواء – وهو قطرة الأنف -: فإن حكم الكحول يتبع حكم ” الخمر ” في الطهارة والنجاسة، والذي نرجحه أنها طاهرة العين، وكذا يقال في ” الكحول “.

ثم إنه ينظر في تأثير الكحول في الدواء فإن كان الكحول قد استُهلك في الدواء – كما هو الغالب -: فيجوز استعماله، وإلا فلا.

7. ونحن نفرِّق بين استعمال الكحول المسكر كثيره شربًا، وبين استعماله خارجيًّا، فنمنع من شرب القليل منه إن كان يُسكر كثيره، إلا أن يكون هذا القليل مُستهلكًا في الدواء ولا أثر له، ولا نمنع من استعمال الدواء الكحولي استعمالًا خارجيًّا كمرهم، أو قاتل للجراثيم، عند الحاجة، حتى لو الكحول كان ظاهرًا قويًّا.

جاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لـ ” رابطة العالم الإسلامي “:

يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة، تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات، والدهون الخارجية. ” قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ” ( ص 341 ).

– وفي جواب سابق ذكرنا جواز استعمال أدوية تحتوي على كحول لعلاج فروة الرأس.

 

الخلاصة:

جواز استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “؛ لأنه مادة طبيعية، ولو فرض وجود نسبة من الكحول في الدواء معه: فيجوز استعماله أيضًا؛ لطهارة الكحول ابتداء، ولكونه يكون مستهلكًا في الدواء عادة، وإذا كان الاستعمال له خارجيّاً فتقوى الإباحة.

 

والله أعلم.

وقفات مع كتب ” حياة الصحابة ” و ” كنز العمال ” و ” حلية الأولياء “

وقفات مع كتب ” حياة الصحابة ” و ” كنز العمال ” و ” حلية الأولياء ”

السؤال:

الحمد لله الذي هدانا من خلال موقعكم إلى التمسك بطريق الاستقامة والحق، طريق هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، ولقد أجاب موقعكم على كل أسئلتي وشكوكي التي طرحتها عليه، والحمد لله، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على جهدكم، أنت وكل فريق العمل، وسؤالي لكم هو: أحب قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ولقد قرأت كتابين في هذا الموضوع، ولقد بدأت مؤخراً في قراءة كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكندهلوي، لكني عرفت من بعض الناس أنه استند إلى أحاديث ضعيفة في رواياته، وأن معظم روايته استند إليها من كتاب ” كنز العمَّال ” و ” حلية الأولياء ” الذي لم أسمع عنهما من قبل، فهل أوضحت لي حكم هذين الكتابين المشار إليهما؟ وهل يجوز الاستمرار في قراءته على الرغم مما ورد فيه من ضعف في روايات الحديث؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي رحمه الله – وهو ابن الشيخ محمد إلياس مؤسس جماعة التبليغ – قد رتَّبه على الأبواب لا على أسماء الصحابة، فذكر دعوتهم إلى الإسلام، وبيعتهم، وتحملهم للشدائد، وهجرتهم، وغير ذلك من الأبواب، وذكر تحت كل باب ما يناسبه من حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقصصهم ما يناسب ذلك التبويب.

وقد اعتمد في سرده لتلك الأحوال والقصص والأحاديث على كثير من كتب السنَّة النبوية، وكثير من كتب التاريخ، والتراجم، وكان ينقل في كثير من الأحيان حكم الحديث أو الحادث إن كان نقله من كتاب حكم فيه مؤلفه على ما يذكره من روايات، كما فعل فيما نقله عن ” مجمَع الزوائد ” للهيثمي، ومؤلفات الذهبي وابن كثير رحمهما الله، وغيرهم.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في الحكم على الكتاب إلى ثلاثة اتجاهات، طرفان ووسط، أما الطرف الأول فهو الذي قبِلَ الكتاب بكل ما فيه، وراح يجعله حجة على الخلق بما فيه من مرويات وحوادث؛ تعصُّبًا للمصنِّف لأنه شيخ جماعتهم، أو جهلًا بعلم الحديث والتخريج والتصحيح والتضعيف، وأما الطرف الآخر فهو الذي حكم على الكتاب بالإعدام! فقال عنه ” وهو مملوء بالخرافات والقصص المكذوبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة، وهو من كتب الشر والضلال والفتنة “!.

نرى أن كلا الحكمين على صواب، والعدل: الوسط، وهو أن الكتاب كغيره من كتب التراجم والتاريخ فيه الصحيح وفيه الضعيف وفيه المنكر والموضوع، فليس كله مقبولًا ولا كله مردودًا، والكتب التي نقل عنها المصنِّف ليست سواء في قوتها وتحري أصحابها لرواية الصحيح وتدوينه في كتبهم، وليس من العدل أن نجعل الحكم على الكتاب مجموعًا كحكمنا على آحاد الكتب التي نقل عنها المصنِّف – كما يسوق لذلك متعصب للكتاب في مواقع الإنترنت – فلا يجوز – مثلًا – أن يجمع جامع كتاباً فيه شواذ وأخطاء طائفة من كتب التاريخ والتراجم ويزعم أن الحكم على كتابه يلزم منه أن يكون هو الحكم على الكتب الأخرى؛ وذلك أن نسبة الخطأ في كل كتاب – مثلًا – لا تتجاوز ال 10 %، وأما كتابه هو الذي جمعه فإن نسبة الخطأ فيه تبلغ 100 %! فشتان بين الأمرين.

والمؤلف – رحمه الله- ليس من أهل الجهل، ولا من أهل الأهواء حتى ينتقي من المصادر كل ضعيف وموضوع ومنكر، ولكنه اجتهد في جمعه وغالب اجتهاده كان مصيبًا فيه، وقد تجاوز جمهور الأئمة في رواية الضعيف في الأحاديث النبوية إن كانت في فضائل الأعمال وفي الترغيب والترهيب، فكيف إذا كان هذا الضعيف في الرواية عن الصحابة رضي الله عنهم، فلا شك أن معايير التشدد في الحكاية عنهم لن تكون مثل معايير الحكم على الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

والذي نحكم به على الكتاب أن فيه خيرًا كثيرًا، وأنه يمكن الانتفاع منه غاية الانتفاع، على أن يكون هذا الانتفاع من الطبعات المهذَّبة، والمحققة المخرجة، والمشروحة، لا على الكتاب الأصل؛ لأن فيه سقطًا وتصحيفًا وفيه المنكر والموضوع من الأخبار والحكايات، وفيه ما لا يليق ذِكره في الصحابة رضي الله عنهم، وقد وقفنا على بعض طبعات للكتاب قد أعطت الكتاب قيمة علمية يُمكن أن يستفيد منه قارئه، كما أنه يأمن فيه من الزلل والخطأ، ومن هذه الطبعات:

  1. طبعة مؤسسة الرسالة للكتاب، في خمسة أجزاء، بتحقيق بشار عواد معروف.
  2. ” شرح حياة الصحابة ” في أربعة أجزاء، بشرح وتحقيق وتعليق: محمد إلياس الباره بنكوي، وقد طبعته دار ابن كثير.
  3. كتاب ” المنتقى من حياة الصحابة “، للدكتور عبد المنعم بن عطية، والدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي، في مجلد واحد، وقد طبعته ” دار القلم “.

وقد أثنى على الكتاب طائفة من العلماء والمشتغلين بالعلم، ومنهم الشيخ محمد بن إسماعيل حفظه الله، حيث قال:

وهوَ من الكتبِ التي تشحذُ الهِمَمِ، وقد هُذّب واختصرَ, وقد حقِّقَ بطبعَةٍ كاملة

” الدرس الثالث ” من سلسلة ” المنهج العلمي “.

ثالثًا:

أما كتاب ” كنز العمَّال “: فمؤلفه هو علاء الدين علي بن عبد الملك حسام الدين، الشهير بـ ” المتقي الهندي “، وهو فقي ، محدث، أصله من ” جونفور “، ومولده في ” رهانفور ” من بلاد الدكن بالهند، سكن المدينة النبوية، وأقام بمكة المكرمة، وتوفي بها بعد مجاورة طويلة في عام 975هـ .

انظر ” الأعلام ” للزركلي ( 4 / 309 ).

وقد عرَّف بكتابه فقال:

لمَّا رأيت كتابيْ ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” تأليف شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي عامله الله بلطفه ملخصًا من قسم الأقوال من ” جامعه الكبير “, وهو مرتب على الحروف: جمعتُ بينهما مبوِّبًا ذلك على الأبواب الفقهية، مسمِّيًا الجمع المذكور ” منهج العمال في سنن الأقوال “, ثم عَنَّ لي أن أبوب ما بقي من قسم الأقوال، فنجز بحمد الله وسميته ” الإكمال لمنهج العمال “, ثم مزجتُ بين هذين التأليفين كتاباً بعد كتاب, وبابًا بعد باب, وفصلاً بعد فصل، مميِّزًا أحاديث ” الإكمال”, من ” منهج العمال “, ومقصودي من هذا التمييز: أن المؤلف رحمه الله ذكر أن الأحاديث التي في ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” أصح وأخصر وأبعد من التكرار، كما يعلم من ديباجة ” الجامع الصغير “, فصارا كتابًا سمَّيته ” غاية العمال في سنن الأقوال “.

ثم عَنَّ لي أن أبوِّب قسم الأفعال أيضًا, فبوَّبته على المنهاج المذكور, وجمعت بين أحاديث الأقوال والأفعال, وأذكر أولا أحاديث ” منهج العمال “، ثم أذكر أحاديث ” الإكمال “، ثم أحاديث قسم الأفعال، كتابًا بعد كتاب، فصار ذلك كتابًا واحدًا مميزًا فيه ما سبق, بحيث أن من أراد تحصيل قسم الأقوال أو الأفعال منفردًا أو تحصيلهما مجتمعيْن: أمكنه ذلك، وسمَّيته: ” كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “, فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بـ ” جمع الجوامع “، مبوبًا مع أحاديث كثيرة ليست في ” جمع الجوامع “؛ لأن المؤلف رحمه الله زاد في ” الجامع الصغير ” وذيَّله أحاديث لم تكن في ” جمع الجوامع “. ” كنز العمال ” ( 1 / 3 ، 4 ) طبعة الرسالة.

والحكم على أحاديث الكتاب يتبع الحكم على أصول الكتاب التي مضى ذِكرها وهي – كما رأينا – كتب قصد صاحبها – وهو السيوطي – الجمع لا التحقيق، ولذا كان فيها الصحيح والضعيف والموضوع.

وقد نبَّه السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه ” جمع الجوامع ” أن العزو إلى بعض الكتب يُستغنى به عن الحكم عليه، فهو إما ضعيف أو موضوع، وفي كتابه ذاك جملة وافرة من أحاديث هذه الكتب، وبالقطع ستجدها في كتاب ” كنز العمَّال “.

قال السيوطي – رحمه الله – مبيِّنًا رموز بعض الكتب، ومعه بيان حكم أحاديثها -:

وللعقيلي في الضعفاء ( عق )، ولابن عدي في الكامل ( عد )، وللخطيب ( خط )، فإن كان في تاريخه أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر ( كر )، وكل ماعُزِيَ لهؤلاء الأربعة وللحكيم الترمذي في ” نوادر الأصول ” أو للحاكم في ” تاريخه ” أو لابن الجارود في ” تاريخه ” أو للديلمي في ” مسند الفردوس “: فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه. ” جمع الجوامع ” ( 1 / 10 ).

ولذلك فلا يعجب الباحث عندما يرى تلك الآلاف من الأحاديث غير الصحيحة في تلك الكتب التي حاول أصحابها جمع أكبر قدر ممكن من الأحاديث في كتاب واحد.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في تعقبه على كتاب ” الجامع الصغير ” للسيوطي -:

أنه وقع فيه ألوف من الأحاديث الضعيفة والمنكرة وفيها مئات من الموضوعة والباطلة. ” مقدمة صحيح الجامع ” ( ص 13 ).

وقد حكم السيوطي رحمه الله على كثير من أحاديث كتابه بما رآه مناسبًا لحالها من الحسن أو الصحة، وقد تعقَّبه الشيخُ الألباني رحمه الله في جملة منها، وكان التعقب من جهتين:

الأولى: أنه قد حصل تصحيف في الرمز الذي وضعه السيوطي بجانب الحديث.

الثانية: تساهل السيوطي المعروف في التحسين والتصحيح.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

رموز السيوطي في ” الجامع الصغير ” لا يوثق بها اشتهر أيضا بين كثير من العلماء الاعتماد على رمز السيوطي للحديث بالصحة والحسن أو الضعف، وتبعهم في ذلك الشيخ ” السيد سابق ” ونرى أنه غير سائغ لسببين:

  1. طروء التحريف على رموزه من النسَّاخ، فكثيرًا ما رأيتُ الحديث فيه مرموزًا له بخلاف ما ينقله شارحه المنَّاوي عن السيوطي نفسه، وهو إنما ينقل عن ” الجامع ” بخط مؤلفه كما صرح بذلك في أوائل الشرح وهو نفسه يقول فيه ” وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس ” صاد ” و ” حاء ” و ” ضاد “: فلا ينبغي الوثوق به ؛ لغلبة تحريف النسَّاخ، على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه “.
  2. أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف، فالأحاديث التي صححها أو حسَّنها فيه قسم كبير منها ردَّها عليه الشارح المنَّاوي، وهي تبلغ المئات إن لم نقل أكثر من ذلك، وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة، مع أنه قال في مقدمته: ” وصنتُه عما تفرد به وضاع أو كذاب “.

 

وقد تتبعتها بصورة سريعة وهي تبلغ الألف تزيد قليلًا أو تنقص، كذلك وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها وإخراجها للناس، ومن الغريب أن قسمًا غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب، فهذا كله يجعل الثقة به ضيقة ، نسأل الله العصمة.

ثم يسر الله تبارك وتعالى فجعلتُ ” الجامع الصغير وزيادته ” المسمَّى بـ ” الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير ” قسمين: ” صحيح الجامع … ” و ” ضعيف الجامع … ” وعدد أحاديث هذا ( 6469 ) حديثًا، والموضوع منها ( 980 ) حديثًا على وجه التقريب، وهو مطبوع كالصحيح، والحمد لله تعالى.

” تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة ” ( ص 28، 29 ).

وبكل حال: فالإحالة على ” كنز العمَّال ” لا تعني أن الحديث صحيح أو مقبول عند أحدٍ من أهل العلم، وهو كتاب جمع للأحاديث وتخريج لها، ولم يلتزم بجمع الصحيح منها.

فائدة:

يحلو لكثير من ” الرافضة ” الاستدلال على يوافق أهواءهم ببعض الروايات في ” كنز العمَّال ” وعندما يرد عليهم أهل السنَّة بما ذكرناه سابقًا بأن الرواية التي في الكتاب لا يعني أنها صحيحة فيردون بأننا أهل أهواء نقبل ما نشاء ونرد ما نشاء! ولأنهم ليس عندهم في دينهم قواعد في التصحيح والتضعيف – كما هو الحال عندنا – فإن هذا الجواب غير مستغرب منهم، وأردنا هنا أن نبيِّن أن من ” يفهم ” منهم يعلم أن ما قلناه في أحاديث الكتاب هو الصحيح ليس غيره، وها نحن ننقل موافقة ” مركز الأبحاث العقائدية ” الرافضي لما ذكرناه، فإن لم يقنعوا منَّا فليقنعوا من أسيادهم!.

سئل ” مركز الأبحاث العقائدية “:

ما هو رأيكم في كتاب ” منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “؟ هل كل ما ورد فيه صحيح؟ ما نسبة الصحة فيه؟ هناك مرويات فيه بدون إسناد؟ هل يعتد بها عند أصحابها باعتبار أن عدم إسنادها هو بمثابة إطلاقها اطلاق المسلمات، أم أن أمثال هذه المرويات غير معتد بها؟ وفقكم الله إلى ما يرضاه.

فأجابوا:

الأخ المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صاحب كتاب ” كنز العمال ” هو الشيخ علي ابن سلطان المتقي الهندي، هذا الرجل إنّما الّف كتاب ” كنز العمّال ” لأن يجمع نصوص الأحاديث الواردة في مختلف الكتب والمنسوبة إلى النبي ” صلى الله عليه وآله وسلّم “، وأيضًا ما نقل في مختلف الكتب عن الصحابة والآثار الواردة عنهم، هذه الأحاديث والآثار رتّبها بترتيب خا ، بحسب الحروف وبحسب الأبواب، والأبواب أيضًا عناوينها جعلها بحسب الحروف، في ابتكار خاص، وأسلوب معيّن، ثمّ إنّ هذا الكتاب الكبير لخّصه وجعل العنوان ” منتخب كنز العمّال “.

وعلى كلّ حال: فإنّ قصد هذا المؤلّف من تأليف هذا الكتاب سواء الأصل أو المنتخب: إنّما كان لجمع الأحاديث وترتيبها بهذا الترتيب الخاص، ولم يكن قصده تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها، فلذا كان كتابه جامعاً بين الغثّ والسمين.

وعلى كلّ محقّق يريد أن يأخذ بشيء من أحاديث هذا الكتاب وأمثاله: فعليه أن يراجع السند، ويطمئن بصحة السند، حتّى يتمكّن من الأخذ بذلك الحديث

ودمتم في رعاية الله  ” مركز الأبحاث العقائدية “.

وهو ضربة موجعة على رأس كثير من أهل الأهواء من أهل الرفض، وفي ظننا أنه سيفرح بهذا أهل السنَّة، وعسى أن يبقى الجواب ولا يُزال من موقعهم!.

 

رابعًا:

وأما كتاب ” حلية الأولياء “: فاسمه بالكامل: ” حلية الأولياء وطبقات الأصفياء “، وقد ألَّفه أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن مهران بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، المتوفى عام 430 هـ.

وأبو نعيم رحمه الله إمام ثقة، ولكن كتابه فيه الضعيف والباطل، وهذه شهادتان من أمامين ثقتين في المصنِّف والمصنَّف:

  1. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني صاحب كتاب ” حلية الأولياء ” ” وتاريخ أصبهان ” ” والمستخرج على البخاري ومسلم ” و ” كتاب الطب ” ” وعمل اليوم والليلة ” و ” فضائل الصحابة ” و ” دلائل النبوة ” و ” صفة الجنة ” و ” محجة الواثقين “، وغير ذلك من المصنفات: مِن أكبر حفاظ الحديث، ومن أكثرهم تصنيفات، وممن انتفع الناس بتصانيفه، وهو أجلُّ من أن يقال له: ثقة؛ فإن درجته فوق ذلك، وكتابه ” كتاب الحلية ” من أجود الكتب المصنفة في أخبار الزهَّاد، والمنقول فيه أصح من المنقول في ” رسالة القشيري ” ومصنفات أبي عبد الرحمن السلمي شيخه و ” مناقب الأبرار ” لابن خميس، وغير ذلك؛ فإن أبا نعيم أعلم بالحديث وأكثر حديثًا وأثبت رواية ونقلا من هؤلاء، ولكن كتاب ” الزهد ” للإمام أحمد و ” الزهد ” لابن المبارك وأمثالهما: أصح نقلا من ” الحلية “، وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل باطلة، وفي ” الحلية ” من ذلك قِطَع، ولكن الذي في غيرها من هذه الكتب أكثر مما فيها؛ فإن في مصنفات أبي عبد الرحمن السلمي و ” رسالة القشيري ” و ” مناقب الأبرار ” ونحو ذلك من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة: ما لا يوجد مثله في مصنفات أبي نعيم، ولكن ” صفة الصفوة ” لأبي الفرج بن الجوزي نقلها من جنس نقل ” الحلية “، والغالب على الكتابين الصحة، ومع هذا ففيهما أحاديث وحكايات باطلة، وأما ” الزهد ” للإمام أحمد ونحوه: فليس فيه من الأحاديث والحكايات الموضوعة مثل ما في هذه؛ فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف بالوضع بل قد يقع فيها ما هو ضعيف بسوء حفظ ناقله، وكذلك الأحاديث المرفوعة ليس فيها ما يعرف أنه موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في ” مسنده “، لكن فيه ما يعرف أنه غلط غلط فيه رواته، ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم كتاب من الغلط إلا القرآن.

” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 71، 72 ).

  1. وقال ابن كثير – رحمه الله -:

هو الحافظ الكبير، ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها: ” حلية الأولياء ” في مجلدات كثيرة دلَّت على اتساع روايته وكثرة مشايخه، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث وشعب طرقه. ” البداية والنهاية ” ( 15 / 674 ).

وقد اعتنى العلماء قديمًا بكتاب ” حلية الأولياء “، فلخَّصه ابن الجوزي في كتابه ” صفة الصفوة “، ورتب الهيثمي أحاديثه على أبواب الفقه في كتابه ” تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية “.

وقد انتقد ابن الجوزي رحمه الله كتاب ” الحلية ” في مقدمة كتابه ” صفة الصفوة ” من عشرة وجوه! فقال:

أما بعد فانك أيها الطالب الصادق والمريد المحقق لما نظرتَ في كتاب ” حلية الأولياء ” لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار ورأيته دواء لأدواء النفس إلا أنك شكوت من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلام عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر وأنا أكشفه لك فأقول:

اعلم أن كتاب ” الحلية ” قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدر بأشياء وفاتته أشيا ، فالأشياء التي تكدر بها عشرة:

الأول: أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار وإنما يراد من ذكرهم شرح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئًا.

والثاني: أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا.

والثالث: أنه أعاد أخبارًا كثيرة.

والرابع: أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وضع له ذكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه.

والخامس: أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة، فقصد بذكرها تكثير حديثه، وتنفيق رواياته، ولم يبيِّن أنها موضوعة، ومعلوم أن جمهور المائلين إلى التبرر يخفى عليهم الصحيح من غيره فسِتْر ذلك عنهم غِشٌّ من الطبيب لا نصح.

والسادس: السجع البارد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصا في ذكر حدود التصوف.

والسابع: إضافة التصوف إلى كبار السادات، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشريح وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد، وليس عند هؤلاء القوم خبر من التصوف إضافة التصوف الى غير الصحابة.

فإن قال قائل: إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهَّاد: قلنا: التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد، بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه، ولولا أنه أمرٌ زِيد على الزهد ما نُقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمُّه فانه قد روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: ” التصوف مبني على الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق “، وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسعت القول فيه في كتابي المسمى بـ ” تلبيس إبليس “.

والثامن: أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاماً أطال به لا طائل فيه تارة لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهور ما ذكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب وهذا خلل في صناعة التصنيف.

والتاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلُها، فربما سمعها المبتدىء القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها … إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوع منها شرعًا.

والعاشر: أنه خلط في ترتيب القوم فقدَّم من ينبغي أن يؤخَّر، وأخَّر من ينبغي أن يقدم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط ، خصوصاً في أواخر الكتاب، فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه.

ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أُنس بالنقل: انكشف له ما أشرت إليه الأشياء التي فاتت ” الحلية “.

 وأما الأشياء التي فاتته: فأهمها ثلاثة أشياء:

أحدها: أنه لم يذكر سيِّد الزهاد وإمام الكل، وقدوة الخلق، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه المتبع طريقه المقتدى بحاله.

والثاني: أنه ترك ذكر خلْق كثير قد نقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ولا يجوز أن يحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذِّكر دون غيرهم فإنه قد ذكر خلقاً لم يُعرفوا بالزهد، ولم يُنقل عنهم شيء، وربما ذكَرَ الرجلَ فأسند عنه أبيات شعر فحسب، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.

والثالث: أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددًا قليلًا، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثب المقصِّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري ينتفع بـ ” رابعة “، ويتأدب بكلامها. ” صفة الصفوة ” ( 1 / 20 – 31 ) باختصار.

ولوجود هذه الملاحظات على الكتاب، وبالأخص الأحاديث غير الصحيحة فإنه لا ينبغي الاغترار بكل ما جاء في الكتاب من أحاديث، كما لا ينبغي توصية العامَّة بقراءته.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمة أبي نعيم -:

ما أعلم له ذنبا – والله يعفو عنه – أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها.

” سير أعلام النبلاء ” ( 17 / 461 ).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن كتاب ” حلية الأولياء “، ما هو رأيكم فيه وما هو توجيهكم للمهتمين بمثل هذا الكتاب؟.

فأجاب:

كتاب ” حلية الأولياء ” كتابٌ معرو ، لصاحبه الحافظ أبي نعيم، وهو كتاب يجمع الضعيف والصحيح والموضوع، فينبغي أن لا يقرأه إلا أهل العلم الذين يعرفون درجات الحديث، ويميزون بين الغث والسمين، أما هذا الكتاب: فهو لا يصحُّ للعامة وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى حد التمييز بين الضعيف والصحيح.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 867 ).

 

والله أعلم.

 

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

السؤال:

كيف نوجِّه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء عند أبي داود برقم ( 2516 ) و حسَّنه الألباني -: ” أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له ) فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا فقال ( لا أجر له ) فقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة فقال له ( لا أجر له ) “.

فهل يُحمل مثل ابتغاء فضل الله في الحج فيستطيع الرجل الجهاد مع طلبه المغنم أم لا يصح جهاده حتى تعف نفسه عن المغنم؟.

وأيضًا: هل يمكن الاستدلال على طلب عرضٍ من أعراض الدنيا الحلال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء بسند حسن في ” السلسلة الصحيحة ” رقم ( 6 / 1225 ) -: ( يا جدّ هل لك في جِلاد بني الأصفر؟ ) قال جدّ: أو تأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت بنات بني الأصفر أن أُفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو معرض عنه – ( قد أذنتُ لك ) فعند ذلك أنزل الله ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ).

وآخر استفساراتي: هل يثاب المرء على أعمال الخير – الصالحة أعني – وإن كان لا ينوي الآخرة وإنما يعمله من باب عادته مثل: القيام بمساعدة الآخرين، وبر الوالدين لأنه يحبهما ويرفق بهما، وكذلك رعايته بزوجته لأنه يحبها – أقصد من طُبعَ على ذلك مثل حديث ” أشج بن قيس ” – وإن كان الرجل يثاب على فعل الخير بعاداته وإن لم يكن فيه استحضار للآخرة: فكيف نوجه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: ” في بُضع أحدنا صدقة ” و ” إطعام الأهل إذا احتسبه صدقة ” …؟.

جزاكم الله خيرًا

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

للإجابة على الشق الأول من سؤالك نقول:

ما شرعه الله تعالى من الطاعات والعبادات قسمان:

الأول: منه ما لم يَذكر له أجرًا دنيويًّا.

والثاني: ما ذَكر له ذلك؛ لحث المسلم على أدائه والقيام به.

أما القسم الأول: فهذا لا يجوز أن يكون مع العمل نية أخرى، وهذا يصدق على أكثر الطاعات والعبادات، وعلى رأسها الصلاة، فمن صلَّى ومع نية الصلاة نية تمرين للجسم: فلا يؤجر عليها، ومن صام ومع نية الصوم نية تخفيف الوزن: فلا يؤجر على صيامه؛ وذلك أنه لم يُذكر في الشرع أن تلك الطاعات شرعت لتلك الفوائد والمنافع ولم يأت الحث عليها من أجل تحصيلها، فتكون نيتها غير داخلة في دائرة الجواز، نعم، يمكن أن تلحق تلك الفوائد بتلك العبادات لكن لا تُنوى؛ لأنها عبادات وطاعات لا تحتمل غير نية التقرب.

وأما القسم الثاني: فيجوز أن ينوي المسلم النية الأخرى الجائزة مع نية العبادة، ولولا أنه يجوز للمسلم أن ينوي النية الأخرى لما كان لذكرها في الشرع فائدة، ومن أمثلة ذل:

أ. صلة الرحم، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تكون سببًا لبسط الرزق والبركة – أو الزيادة – في العمُر.

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ).

رواه البخاري ( 1961 ) ومسلم ( 2557 ).

ب. الحج، وقد أباح الله تعالى فيه – مع نية العبادة – الابتغاء من فضله بالتجارة.

قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

ج. الجهاد، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مع الجهاد نية الحصول على الغنائم والسراري.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – عام حنين -: ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ).

رواه البخاري ( 2973 ) ومسلم ( 1751 ).

– والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح.

ومنه حديث جدّ بن قيس الذي ذكره السائل – على فرض حُسنه – وفيه قوله صلى الله عليه وسلم له ( يا جدّ – وهو ابن قيس – هل لك في جِلاد بني الأصفر – يعني الروم – تتخذ منهم سراري ووُصفاء؟ ).

وما ذكرناه من تلك الطاعات والعبادات مما يجوز للمسلم أن ينوي مع الطاعة أمرًا دنيويًّا ليس يستوي الناس فيه في الأجور، فكلما قويت نية العبادة زاد أجر فاعلها، وكلما قويت نية الحظ الدنيوي نقص الأجر الأخروي، فإذا نوى الفاعل لها الحظ الدنيوي لا غير: حُرِم من الأجور الأخروية، وبذلك تُفهم النصوص الثابتة مما ذكره الأخ السائل ومما لم يذكره.

 

 

وبيان ذلك في مثال واحد – وهو باب الجهاد مما استشكله السائل -:

  1. فمن جاهد في سبيل الله تعالى فقتُل: فقد تمَّ له الأجر كاملًا، وكذا لو لم يقتل لكنه لم يصب من الغنيمة شيئًا.
  2. وإذا غنِم المجاهد في سبيل الله شيئًا فإن ما حصَّله من غنائم يكون جزءً من أجوره، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقي لهم من أجورهم الثلث ليوم القيامة.

وتجد هذين الأمرين في حديث واحد صحيح:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ). رواه مسلم ( 1906 ).

وفي رواية: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ ).

وقد عقل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر وبيَّنوا أن منهم من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنهم من حصَّل منه شيئًا وهي الغنائم.

عن خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا “.

رواه البخاري ( 1217 ) ومسلم ( 940 ).

وما ذكرناه لا يتعارض مع حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ). رواه البخاري ( 2955 ) ومسلم ( 1876 ).

فإنه مطلَق والسابق مقيَّد، ففي هذا الحديث ذِكر أنهم يحصلون أجورًا لكن لم يتعرض الحديث لنقصها مع الغنيمة، وقد بيَّنته الروايات السابقة الصحيحة.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلَم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم: فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله ” منَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي: يجتنيها.

فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا.

وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته فى تفسيره أقوالًا فاسدة منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولايجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه فى الصحيحين وهذا في ” مسلم ” خاصة.

وهذا القول باطل من أوجه:

فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل إن الغنيمة تُنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه.

وأما قولهم: أبو هانئ مجهول: فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه.

وأما قولهم: إنه ليس فى الصحيحين: فليس لازمًا فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين، ولا فى أحدهما.

وأما قولهم في غنيمة ” بدر “: فليس في غنيمة ” بدر ” نصٌّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم ومِن أهل الجنة لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.

ومن الأقوال الباطلة: ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال: لعل الذى تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها! وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر.

وزعم بعضهم أن المراد: أن التى أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب فى ماله وأهله! وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث.

وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معًا فنقص ثوابه، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب ما قدمناه، والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 13 / 52 ، 53 ).

  1. ومن خرج للغزو لا نية له إلا الغنيمة: لم يحصِّل من أجور المجاهد شيئًا.

وعليه يُحمل الحديث الذي ذكره السائل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له )، وقد جاء في سؤال السائل أن ذلك المجاهد ” يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا “.

 

ومنه أيضًا:

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى ).

رواه النسائي ( 3138 ) وحسنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ففرْقٌ بين مَن يكون الدِّين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها . ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 20 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّةٌ غير الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة: نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة، وفي ” صحيح مسلم ” عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً تمَّ لهُم أجرُهم ).

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا.

وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.

وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم: فلا بأس أنْ يأخذَ، كأنّه خرجَ لدينِهِ، فإنْ أُعطي شيئًا أخذه.

وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ فعوَّضَه الله رزقًا: فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا وإنْ مُنع درهمًا مكث: فلا خيرَ في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو: فلا أرى بأسًا.

وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 17 ).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الأعمال المباحة واكتساب الأجور منها: فإن هذا ممكن في الشرع إذا احتسب المسلم تلك الأفعال لله تعالى، فينوي مع الاستمتاع بكونها مباحة أن تكون قربة له عند ربه عز وجل، كأن يحتسب نومته ليتقوى بها على طاعة ربه، وما لم ينوِ من ذلك شيئًا: لم يُؤجر.

قالَ مُعَاذُ بنُ جبَل رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري لمّا سأله عن قيام الليل: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. رواه البخاري ( 4086 ).

وما سبق فهو في المباح يصير طاعة وقربة، وفي السنَّة الصحيحة أنه يمكن أن يصير أداء الواجب فيه أجر وثواب إذا احتسب المسلم عند فعله الطاعة أنه يمتثل لربه تعالى، وأنه يريد الأجر منه تعالى، فتصير نفقته الواجبة عليه صدقة له.

وبذلك تُفهم الأحاديث الثابتة في الباب، والتي منها ما أشار إليها الأخ السائل، وهما حديثان:

الأول:

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ).

رواه البخاري ( 56 ) ومسلم ( 1628 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه: استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه: أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى: صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها: فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى: حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك: أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى: يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي بُضع أحدكم صدقة ). ” شرح مسلم ” ( 11 / 77 ، 78 ).

والثاني:

عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ).

رواه البخاري ( 5036 ) ومسلم ( 1002 ).

والفرق:

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

معنى ( يحتسبها ): ينوي بها طاعة الله، ويرجو ثوابها منه، فبذلك تجري نفقته مجرى الصدقة. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 434 ).

قال النووي – رحمه الله – :

ومعناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب: أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأطفال أولاده والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنية أداء ما أُمر به، وقد أمر بالإحسان اليهم.

” شرح مسلم ” ( 7 / 88 ، 89 ).

 

ونأمل أن نكون قد أجبنا عن الاستفسارات وأزحنا الإشكالات، ونسأل الله تعالى لنا ولك العلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

 

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

السؤال:

أرجو أن تساعدوني بهذا الاستشكال الشرعي وذلك بالتفصيل الوافي.

فأنا في مشكلة غريبة من نوعها، فقد قدر لي الله أن تكون أمي من الأمهات الغريبات الأطوار، فمنذ صغري وأنا ألاحظ أنها تنزعج من أي منظر رجولي يظهر عليَّ أو على أحد إخوتي، ومع تقدمي في السن بدأت المشكلة تتضح لي أكثر، فهي في الحقيقة لا تريد منَّا أي ميول للجنس الآخر، والآن أصبحنا رجالا نبحث عن شريكة الحياة، وهنا وصلت المشكلة إلى ذروتها، فمجرد أن أفتح معها الموضوع تبدأ بالصراخ والبكاء تارة أخرى، وتهدد أن لن يجمعنا سقف واحد إذا تزوجتُ.

أخي:

أنا شاب أعزب أنعم الله عليَّ بحسن المظهر، نسيب في قومي، أحمل الشهادة، وأهم من كل هذا أنا أخشى على ديني، فالفتن من حولي أمواج تتقلب، والحرام أقرب إليَّ من شراك نعالي، ولكن أخاف من سخط هذه الوالدة التي أجزم دون أي شك أنه لا يرضيها إلا أن أبقى عازبا طوال حياتي.

ما هو الحل الشرعي لمثل هذه المسالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. قرأنا رسالتك – أيها الأخ السائل – وتألمنا للحال التي عليها والدتك، ونحن نقدِّر شعورك تجاهه والدتك وتألمك لحالها، فنسأل الله تعالى لك الأجر والثواب على صبرك وتحملك.

 

  1. واعلم أخي السائل أن الحل لمشكلتك هو بعرض والدتك على أطباء الاختصاص للقيام بمعالجتها؛ فهي – ولا شك – مريضة وتحتاج للعلاج، ونوصيك بها خيرا بالدعاء لها، ومراعاة حالها، والبر بها، والإحسان إليها بالقول والعمل.

 

  1. ولست معذورا بتأخير زواجك بسبب رفض والدتك؛ فهي مريضة، ولا قيمة لاعتراضها على تزوجك، ولن تكون عاصيا لربك ولا عاقّا لها إن أنت خالفت قولها وتزوجت.

 

 

 

 

  1. وفي الوقت نفسه ندعوك للتريث قليلا إذا بدأت بعلاجها وأخبرك الأطباء بأنه يمكن أن تبرأ من مرضها قريبا؛ لتجمع بين تحقيق رغبتك بالتزوج، وبين رضاها عن زواجك ومشاركتك فرحتك وسعادتك، فتُدخل على قلبها السعادة والبهجة.

 

  1. وإن أخبرك الأطباء بتأخر شفائها وكنت لا تستطيع تحمل تأخير الزواج: فبادر، ولا تتأخر، وليكن ذلك بعيدا عن عين والدتك، ولا تمكنها من مشاهدة عرسك.

 

  1. واحذر أن تجمع بينها وبين زوجتك قبل أن تبرأ من مرضها؛ فقد تتسبب بإيذائها أو الضرر بها بسبب غيرتها وعدم تحمل رؤية ابنها زوجا.

 

ونسأل الله تعالى أن يشفيها ويعافيها، وأن ييسر لك أمرك، ويجزيك خير الجزاء على برك بأمك وإحسانك إليها.

 

والله أعلم.

 

حكم معرفة طبائع الناس وصفاتهم من خلال أبراجهم!

حكم معرفة طبائع الناس وصفاتهم من خلال أبراجهم!

السؤال:

يتعلق بأبراج الميلاد كالميزان والجوزاء وما إلى ذلك، وأنا أعلم أنه من الشرك قراءة الطالع كما أعلم أن تصديق المنجمين ينطبق عليه ذات الحكم، لكن ما حكم معرفة برج الشخص وقراءة خصائص شخصيته؟ فأنا على سبيل المثال من مواليد برج الميزان وخصالي الشخصية تتطابق تماما مع الخصال الشخصية لبرج الميزان، وهناك معلومة تقول بأن مولود برج الميزان يتناغم مع مولود برج الثور، وفي رأيي فإن هذا ليس من قراءة الطالع أو المستقبل بل إنها ببساطة مناقشة خصال الشخصية وخصائصها، وعندما تواجهني مشكلة مع صديقتي التي هي من مواليد الجوزاء وأقرأ على الإنترنت كيف أتعامل مع قلق أو غضب مواليد برج الجوزاء وأطبق ما قرأته: فإن المشكلة تحل، فهل هذا أيضا حرام أو شرك؟ وأنا لا أرفض تكوين صداقات أو عروض زواج مستقبلية بناء على معلومات ملائمة هذه الأبراج معي، فهل يكون هذا حراماً أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القارئ لـ ” أبراج الحظ ” في الجرائد والمجلات، والطالع لها في القنوات: إن اعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخلق وأفعالهم: فهو مشرك، وإن قرأها وطالعها للتسلية: فهو عاصٍ، آثم، ولا يقبل الله منه أجر صلاة أربعين يومًا.

 

ثانيًا:

وأما من اعتقد أن مواليد كل برج لهم صفات معينة، وأنه لا يعتقد تأثير تلك الأبراج في صفات الخلق: فقد اعتقد باطلًا لا أصل له، وهو مرفوض شرعًا وعقلًا، وكل عاقل في الدنيا يعلم أنه يولد في الساعة الواحدة مئات الألوف من الناس، وأن أولئك المولودين في اللحظة الواحدة لا يحملون الصفات نفسها، فضلًا عن مواليد اليوم نفسه، فضلًا عن مواليد الشهر الواحد.

ومما يدل على بطلان ذلك الاعتقاد: اختلاف المنجمين أنفسهم في عدد البروج، وفي أسمائها، وفي مدتها، وفي دلالتها على طباع الخلق وصفاتهم.

* قال الدكتور عبد المجيد بن سالم المشعبي – وفقه الله -:

الوجه السابع: اختلاف أصحابها في الأصول التي يبنون عليها أمرهم، ويفرغون عنها أحكامهم فمن ذلك:

أولًا: اختلافهم في البروج التي نؤثر في هذا العالم – بزعمهم -، والتي تبنى عليها أحكامهم، والاختلاف فيها في ثلاثة أمور:

الأمر الأول:

في أسمائها: تختلف أسماء البروج بين أمم المنجمين اختلافًا بيِّنًا، فالبروج عند اليونانيين والمصريين والعرب اثنا عشر برجًا، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسركان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.

أما الصينيون فالبروج عندهم كما يلي: برج الفأر، والقط، والحصان، والديك، والجاموس، والتنين، والماعز، والكلب، والنمر، والثعبان، والقرد، والخنزير.

الأمر الثاني: اختلاف أحكامهم في دلالة هذه البروج على طباع الناس بناء على اختلافهم في أسمائهم، إذا أنهم جعلوا طبائع المولود تابعة لطبيعة الحيوان الذي سمِّي باسمه البرج الذي ولد فيه هذا المولود، ولنأخذ مثالًا على ذلك قول أبي معشر في مواليد برج الحمل باعتباره أول البروج عند اليونانيين ومن تابعهم قال: ” المولود بهذا البرج يكون رجلًا أسمر اللون، طويل القامة، كبير الرأس، صعب المراس، سريع الغضب، قريب الرضا، سريع الانتقال من مكان إلى مكان، يقول الحق ويكره الباطل، لا يعمل إلا برأيه، ويكون استقلاله بمشورته فيه بعض فساد تارة، وتارة يستغني، حاله حسن، صبورًا على الأهوال “.

فقد استمدوا بعض صفات الحمَل وجعلوها صفات لمواليد هذا البرج كما مضى من قول أبي معشر: ” سريع الغضب، قريب الرضا، وثابًا، سريع الانتقال من مكان إلى مكان … ” وهذه صفات الحمَل.

وكذلك فعل الصينيون ، إلا أنهم بحكم اختلافهم في البروج جعلوا للمولود صفات تختلف عن الصفات التي جعلها اليونانيون، فأول البروج عند الصينيين – كما سبق – برج الفأر، وقالوا في صفات من ولد فيه، ” ولد الفأر في برج الفتنة، والعدوان، وهو يبدو للوهلة الأولى هادئًا متزنًا، فرحًا، ولكن حذار، فإن تحت هذا المظهر الوديع يكمن مزيج من العدوان والقلق المتواصل، والفأر خلاق للمواقف الحرجة، مهتم بتوافه الأمور، مختل الأعصاب أحيانًا، بادئ بالتذمر دائمًا، ويميل الفأر أن يكون ضمن مجموعة “، وهذه صفات الفأر، طبقوها على من ولد في هذا البرج.

الأمر الثالث: اختلافهم في المدة التي تجعل لكل برج: لا شك أن اليوم الواحد بل الساعة الواحدة لها أثر في اختلاف حكم النجوم المزعوم، فكيف لو امتدت المدة أشهرًا؟! بلا ريب سيكون الاختلاف واضحًا بين الحكمين – على حد زعمهم – إلا أننا نجد أن مدة كل برج عند اليونانيين وأتباعهم ما يقارب الشهر، فيكون أثر هذا البرج خلال هذه المدة، أما الصينيون فقد جعلوا لكل برج من بروجهم سنة كاملة، وهذا يجعل جميع مواليد أبراج اليونانيين تحت حكم واحد، وهذا البون الشاسع دلالة واضحة على كذب هؤلاء.

” التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام ” ( ص  215، 217 ).

 

ولذا: فإنه لا يجوز لك الاعتماد على تحديد صفات الناس من خلال معرفة تاريخ ميلادهم وبرجهم الذين ينتسبون إليه، فكل ذلك من الباطل، والكذب، وهو من تضييع الأوقات في غير فائدة، ومن البناء على أسس مهترئة، ويُخشى على فاعل ذلك أن يعتقد تأثير تلك الأبراج في أهلها، فيقع في الشرك الأكبر، وعليه: فيحرم عليك ما تسألين عنه، وننصحك بالاشتغال بحفظ القرآن، وقراءة كتب أهل العلم الثقات، كما يمكنك قراءة الكتب المصنفة في الدعوة وطريقة التعامل مع المدعوين، ففيها الغنية والكفاية إن شاء الله.

 

والله أعلم.

 

 

 

التعليق على ما انتشر من قصة خلق حواء من آدم وهو نائم!

التعليق على ما انتشر من قصة خلق حواء من آدم وهو نائم!

السؤال:

انتشرت مؤخرًا بعض المعلومات التي تخبر عن كيفية خلق الله لحواء، أريد تعليقكم حول الموضوع، والأدلة على صحته من الكتاب والسنَّة – هذا إذا كان صحيحًا -.

أنقل لكم الموضوع كما وجدته في المنتديات:

حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد، كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش، فحين نام خلق الله حواء من ضلعه.

يا تُرى ما السبب؟.

لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبّاً! فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها، بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها.

لنعدْ إلى آدم وحواء، خُلقت حواء من ضلعٍ أعوج، من ذاك الضلع الذي يحمي القلب،  أتعلمون السبب؟ لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب، فخُلقت من المكان الذي ستتعامل معه، بينما آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض،  سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا، لكن المرأة ستتعامل مع العاطفة، مع القلب، ستكون أمًّا حنونًا، وأختًا رحيمًا، وبنتًا عطوفًا، وزوجةً وفية.

خرجنا عن سياق قصتنا.

لنعدْ الضلع الذي خُلقت منه حواء أعوج!.

يُثبت الطب الحديث أنه لولا ذاك الضلع لكانت أخف ضربة على القلب سببت نزيفًا، فخلق الله ذاك الضلع ليحمي القلب، ثم جعله أعوجًا ليحمي القلب من الجهة الثانية، فلو لم يكن أعوجاً لكانت أهون ضربة سببت نزيفًا يؤدي – حتمًا – إلى الموت، لذا على حواء أن تفتخر بأنها خُلقت من ضلعٍ أعوج!.

وعلى آدم أن لا يُحاول إصلاح ذاك الاعوجاج؛ لأنه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إن حاول الرجل إصلاح ذاك الاعوجاج كسرها، ويقصد بالاعوجاج هي العاطفة عند المرأة التي تغلب عاطفة الرجل، فيا آدم لا تسخر من عاطفة حواء فهي خُلقت هكذا، وهي جميلةٌ هكذا وأنتَ تحتاج إليها هكذا، فروعتها في عاطفتها فلا تتلاعب بمشاعرها.

ويا حواء لا تتضايقي إن نعتوكِ بناقصة عقل فهي عاطفتكِ الرائعة التي تحتاجها الدنيا كلها، فلا تحزني أيتها الغالية فأنتِ تكادِ تكونين المجتمع كله فأنتِ نصف المجتمع الذي يبني النصف الآخر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذه المعلومات بذاك التفصيل لم ترد في القرآن ولا في السنَّة، وأصلها مأخوذ من حكايات إسرائيلية، والزيادات والإضافات لا أصل لها حتى في كتب بني إسرائيل.

وقد روى الطبري – وغيره – عن محمد بن إسحاق ما يبين أن أصل القصة مأخوذ من بني إسرائيل.

فقد روى الطبري في ” تفسيره ” ( 1 / 514 ) عن ابن إسحاق قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) إلى قوله: ( إنك أنت العليم الحكيم )، قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم – فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن عباس وغيره – ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال – فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله تبارك وتعالى وَجعل له سكنًا من نفسه قال له قبيلًا ( يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين ). انتهى.

– ومعنى ” قبِيلًا ” أي: عِيانًا.

 

ثانيًا:

وثمة أشياء في تلك التفاصيل تحتاج لتعليق وبيان، وبعضها مؤيَّد عندنا بأدلة ثابتة في الشرع المطهر، وبعضها فيه خلاف، وقسم ثالث فيه مخالفة للشرع.

  1. قولهم ” حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد “: صحيح متفق عليه، فآدم عليه السلام هو أول مخلوق من البشر، وهو أبو البشرية كلها عليه السلام.
  2. قولهم ” كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش ” ثم ذكروا أنه خُلقت له حواء لتزول وحشته: هذا ليس متفقًا عليه، بل فيه خلاف، فثمة من أهل العلم من يقول إن حواء خُلقت بعد دخول آدم الجنة – كما ها هنا -، وثمة من يقول إنها خُلقت قبل دخوله الجنة، وهذا ظاهر القرآن.

قال ابن كثير – رحمه الله – في شرح قوله تعالى ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) -:

وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة، وقد صرَّح بذلك ” محمد بن إسحاق “، … .

ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة، كما قال السدي في تفسيره، ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة … .  ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ، 234 ).

وهو ما رجحه أبو الحسن الماوردي في كتابه ” أعلام النبوة ” ( ص 54 ).

  1. قولهم ” فحين نام خلق الله حواء من ضلعه “: ليس على كون حواء خلقت أثناء نوم آدم دليل من الكتاب والسنَّة، وإنما هو مأخوذ من التوراة وغيرها من كتب بني إسرائيل.

ففي ” سِفر التكوين ” ( 2 / 18 – 23 ): ” لا يَحسن أن يبقى آدم وحده، بل نخلق له زوجاً مثله، فألقى الله عليه النوم، فنام فنَزَع ضلعًا من أضلاعه، وأخلف له عوضه لحمًا، فخلق الله من ذلك الضلع حواء زوجته “.

وسبق تصريح محمد بن إسحاق أن القصة مأخوذة عن بني إسرائيل.

وقال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

جاءت هذه الزيادة عن جمع من الصحابة موقوفًا من طريق أسباط بن نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ شُرَاحَبِيلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُو :” أُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلُعِنَ ، وَأُسْكِنَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ لَهُ: ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )، فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشِيّاً لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ … ” الحديث .

أخرجه ابن منده في ” التوحيد ” ( 1 / 213 ، 214 )، وقال :” أَخْرَجَ مُسْلِمُ عَنْ مُرَّةَ، وَعَنْ السُّدِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ، وَأَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ فِي ” كِتَابِهِ “، وَهَذَا إِسْنَادٌ ثَابِتٌ! “.

كذا قال! وأسباط مختلف فيه، وقال الحافظ في ” التقريب “:

” صدوق كثير الخطأ، يُغرب “.

فهو إسناد ضعيف، مع كونه موقوفًا فكأنه من الإسرائيليات.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1138 ، 1139 ).

 

 

 

 

  1. وقولهم ” خلق الله حواء من ضلعه ” – أي: من ضلع آدم -: فيه خلاف بين علماء الإسلام، فمنهم من يرى هذا، وأنه حقيقة هي مخلوقة من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، يرى آخرون أنه لم يثبت نص في الشرع في خلق حواء من ضلع آدم، وإنما الوارد في السنة الصحيحة أنها ( خُلِقَت مِنْ ضِلَع )، وأن قوله تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) هو مثل قوله تعالى ( خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل )، وإلى الأول ذهب طائفة من العلماء ورجحه علماء اللجنة الدائمة، وإلى الثاني ذهب طائفة ورجحه الشيخ الألباني.

وعمدة من قال بأن حواء مخلوقة من آدم: آية وحديث:

  1. أما الآية فقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) النساء/ 1.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ثم لما خلقه من طين: خلق منه زوجَه حواء، كما قال في أول النساء ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وقال في ” الأعراف ” ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وقال في ” الزمر ” ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمَر/ 6 ، ثم لما خلق الرجل والمرأة: كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة الخ.

” أضواء البيان ” ( 5 / 322 ).

وقال – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها.

” أضواء البيان ” ( 2 / 46 ).

  1. وأما الحديث: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ).

رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وفيه دليل لما يقوله الفقهاء – أو بعضهم -: أن حواء خلقت من ضلَع آدم، قال الله تعالى ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها )، وبيَّن النبي صلى الله عليه و سلم أنها خلقت من ضلع. ” شرح مسلم ” ( 10 / 57 ).

وأما أصحاب القول الآخر فقد ذكروا أن قوله تعالى ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ليس المراد بالنفس الواحدة العين الواحدة وهو آدم عليه السلام، بل المراد بالنفس: الجنس، وقد جعل الله تعالى من هذا الجنس زوجَه، ولم يجعل زوجَه من جنس آخر، فقال تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا )، وإطلاق النفس وإرادة الجنس ثابت في كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) آل عمران/ 164، أي: من جنسهم.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وقد روى ابن سعد ( 1 / 39 ) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: ( وخلق منها زوجها )، قال :” خَلق ” حواء ” من قُصَيْرى آدم ” – وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما ” قٌصَيْريان ” -.

وذكر ابن كثير في ” البداية ” ( 1 / 74 ) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحمًا، وقال :” ومصداق هذا في قوله تعالى … ” فذكر الآية، مع الآية الأخرى: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا … ) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر – أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( استوصوا بالنساء خيرًا فان المرأة خلقت من ضِلَع … )، فقال ( 6 / 368 ):

قيل: فيه إشارة إلى أن ” حواء ” خلقت من ضلع آدم الأيسر “.

وقال الشيخ القاري في ” شرح المشكاة ” ( 3 / 460 ): ” أي : خُلقن خلقًا فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: ( خُلق الإنسَانُ مِنْ عَجَل ) “.

قلت: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين :

الأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم – كما تقدم – .

والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: ( إن المرأة كالضِلَع ” أخرجه البخاري ( 5184 )، ومسلم ( 4 / 178 )، وأحمد ( 2 / 428 و 449 و 530 ) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان ( 6 / 189/4168 – ” الإحسان “. وأحمد أيضًا ( 5 / 164 و 6 / 279 ) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنهم.” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1139 ، 1140).

والأقرب للصواب – والله أعلم – هو القول الأول، وهو ما رجحه علماء اللجنة الدائمة، وهو قول الأكثر من العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع ) متفق عليه.

يقول الشيخ ” شعيب الأرناؤوط ” في تحقيقه وتعليقه على كتاب ” رياض الصالحين ” للإمام النووي تحت هذا الحديث معلِّقًا على هذا الحديث بقوله: ” الكلام هنا على التمثيل والتشبيه كما هو مصرح به في الرواية الثانية: ( المرأة كالضلع )، لا أن المرأة خلقت من ضلع آدم كما توهمه بعضهم، وليس في السنة الصحيحة شيء من ذلك “.

فضيلة الشيخ:

هذا ما قاله الشيخ الأرناؤوط بالحرف الواحد، مع أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول بالحرف الواحد وبكل وضوح: ( إن المرأة خلقت من ضلع ) ومصداق هذا – أظن – في قوله تعالى: ( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وفي قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وفي قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) الروم/ 21، وفي قوله: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72، وقد قال أهل التفسير: يعنى: النساء، فإن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام.

فضيلة الشيخ:

هل ما قاله الشيخ الأرناؤوط صحيح أم خطأ؟ وما توجيهكم للحديث الذي احتج به: ( المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج ) – متفق عليه -؟ أجيبونا مأجورين.

فأجابوا:

ظاهر الحديث أن المرأة – والمراد بها: حواء – عليها السلام – خلقت من ضلع آدم، وهذا لا يخالف الحديث الآخر الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه، وأنها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه. والمعنى: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فلا ينكر اعوجاجها، فإن أراد الزوج إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها: أدى إلى الشقاق والفراق وهو كسرها، وإن صبر على سوء حالها وضعف عقلها ونحو ذلك من عوجها: دام الأمر واستمرت العشرة، كما أوضح ذلك شراح الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر في ” الفتح ” ( 6 / 368 ) رحم الله الجميع.

وبهذا يتبين أن إنكار خلق حواء من ضلع آدم: غير صحيح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 8 – 11 ).

وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكان خلْق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خُلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلْق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء.  ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 4 / 55 ).

– وانظر ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 27 )، وانظر ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 242 ) لابن القيم.

  1. وأما قولهم ” لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره “: فلم نرَ هذا في الكتاب ولا في السنَّة، ومثل هذا – أي: خلق حواء من آدم وهو نائم وتعليل ذلك – يحتاج لوحي لإثباته لأنه من عالم الغيب، وغاية ما وقفنا عليه أنه من كلام بعض العلماء دون نسبته للشرع.

قال الحافظ بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنَّة فخلقت حواء من قصيراه من شقه الأيمن، من غير أن يتألم، ولو تألم لم يعطف رجل على امرأة أبدًا.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 23 / 134 ).

  1. قالوا ” إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبًّا”.

وقلنا: هذا لا دليل عليه من الشرع، ولا من الواقع.

  1. قالوا ” فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها “.

قلنا: وهذا كسابقه، والحب والبغض بيد الله تعالى، وقد جعل له أسبابًا، وليس منه ما يقال هنا، والله تعالى قادر أن يحبِّب حواء لو خلقت من آدم وهو مستيقظ ومتألم من ذلك، وقادر أن يبغضها له ولو خلقت منه وهو نائم من غير ألم.

ثم من الذي شهد نوم آدم وخلق حواء منه؟ ومن الذي أخبر به الناس؟ إن مثل هذا الغيب لا يُقبل إلا بوحي.

  1. قالوا ” بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها “.

قلنا: الولادة ليست خَلْقًا! والأم تتعلق بولدها حتى لو أجريت لها الولادة وهي غائبة عن الوعي، أو وهي مخدرة لا تشعر بألم الولادة، وليس تعلق الأم بولدها سببه ما تعانيه من مشقة ولادة، بل ما فطرها الله عليه من حبها له.

  1. قالوا ” لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب “.

قلنا: ليست هذه مهنة المرأة، ولا لأجل ذلك خُلقت، بل خلقها الله تعالى وخلق الإنس والجن كلهم لإقامة التوحيد، ولإفراد الله تعالى بالعبادة.

ثم أي قلب ستحينه هذه المرأة الضعيفة؟ قلب أبيها أم أمها أم زوجها أو أولاها أم إخوتها؟.

  1. قالوا ” آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض، سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا “.

قلنا: ليست هذه وظائف الرجال في الأرض ليس ثمة غيرها، فأين العمل في التجارة؟ وأين العمل في الحاسوب؟ وأين العمل في الطيران؟.

وقد تظهر أشياء أخرى عند مزيد تأمل، أو تظهر لغيرنا ملاحظات غير التي ذكرنا، وبكل حال فقد ذكرنا ما في شرعنا مما يغنينا عن غيره، وذكرنا ملاحظاتنا على ما ليس في الشرع مما يحتاج لتنبيه، والخير في اتباع الشرع المطهر من الكتاب والسنة.

 

والله أعلم.

 

 

 

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

السؤال:

يعاني أخي من مرض عقلي ( انفصام الشخصية )، فلو مات دون أن يقر بالإسلام دينًا وهو نوعا ما ناتج عن مرضه الذهني هذا، فهل يكون مصيره النار!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله تعالى دين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأديان، وأرسل نبيه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم للعالَمين جميعًا، فمن دخل في هذا الدين نجا وسعد، ومن أبى الدخول فيه كان كافرًا وفي جهنم خالدًا، ومهما كان متبعًا لدينه ورسوله فإنه لا ينفعه حتى يكون من المسلمين، قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85, ولهذا خاطب الله تعالى الناس عمومًا بالدخول في الإسلام، وخاطب أهل الكتاب بذلك حتى لا يتصور أحدهم أنه ناجٍ باتباعه لنبيه، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) النساء/ 47.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحكم في صريح القول كما جاء في صحيح الحديث، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ). رواه مسلم ( 153 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه نسخ الملل كلها برسالة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جار على ما تقدم في الأصول: أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، والله أعلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ) أي: من هو موجود فى زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على مَن سواهما؛ وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى.

” شرح مسلم ” ( 2 / 188 ).

 

 

 

ولم يُجمع المسلمون على كفر من لم يدخل الإسلام ممن بلغته الرسالة وهو من المكلفين فحسب: بل قد أجمعوا على كفر من لم يكفِّر ذلك الكافر، بل كفر من شكَّ في كفره.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم أخيك فإنه يختلف تبعًا لطبيعة مرضه: فإن كان مرض ” انفصام الشخصية ” – الشِيزُوفْرِينيا Schizophrenia وهو مرض عقلي لكن أهله يتفاوتون في درجاتهم فيه- لا يؤثر في العقل بما لا يرفع عنه التكليف: فإنه يجب عليه الدخول في الإسلام، وإن لم يدخل فيه كان حكمه حكم سائر الكفار في الدنيا والآخرة.

وأما إن كان مرض ” انفصام الشخصية ” يؤثر في العقل بما لا يجعله مكلَّفًا: فهو على حالين:

الأول: أن يكون ذلك المرض طارئًا عليه بعد أن كان بالغًا عاقلًا، فهنا لا يكون معذورًا بذلك المرض؛ لأنه كان مخاطبًا ومكلَّفًا قبل مرضه.

الثاني: أن يكون ذلك المرض مصاحِبًا له من أول حياته قبل البلوغ واستمر معه، فهنا يقال: إن مات وهو مصاب به قبل أن يشفى: لم يكن مخاطَبًا ولا مكلَّفًا، وحكمه: أنه يُختبر يوم القيامة؛ لأن له حجة عند الله تعالى، وما كان ليعذِّب أحداً غير مخاطب بالتكليف، قال تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/  15.

وعن الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلامًا )

– وفي رواية: ( فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا ).

رواه الإمام أحمد ( 26 / 228 ) وابن حبان ( 16 / 356 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع : ( 883 ).

 

والله أعلم.

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

السؤال:

يا شيخنا العزيز رأينا مؤخرا أناسا يدخلون في مناظرات حيث يرفع بعض الناس أناسا آخرين فوق الأئمة الأربعة، فهناك على سبيل المثال من يرفع ابن تيمية فوق الإمام الشافعي ومالك وأحمد، وهناك الآن من يقول بأن هناك أئمة الآن أفضل من ابن تيمية، كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحا؟ أرجو أن تجيبوا بشيء من التفصيل.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا شك ولا ريب في وجود تفاوت بين الناس، والعلماء من الناس الذين تتفاوت درجتهم ومنزلتهم، كما يتفاوت علمهم، وإذا علمنا أن الأنبياء عليهم السلام يتفاوتون لم يكن مستغربا وجود تفاوت بين العلماء، قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) البقرة/ 253.

 

  1. أما التفاوت في الفضل والمنزلة عند الله تعالى: فلا يحل لأحدٍ أن يتجرأ على القول به؛ لأن ذلك من الغيب الذي لم يُطلعه الله تعالى على ذلك المفضِّل، فليوكل أمر ذلك إلى العالم بخلقه عز وجل فهو المطلع على إخلاص الخلق وصدقهم، وهو العالم بالأقرب منهم إليه سبحانه وتعالى.

 

  1. وأما التفاوت بين العلماء في العلم: فإن الحكم عليه ليس للعوام، ولا للجهلة، ولا للمقلدين، ولا للمتعصبين، وإن حكم هؤلاء لا قيمة له ولا وزن ولا اعتبار، وإنما الحكم لأهل العلم الذين صدقوا مع أنفسهم في حكمهم، ولم نرهم اشتغلوا بتصنيف الناس أيهم أكثر علما إلا لمناسبة اقتضت ذلك، ولم يكن ذلك منهم على سبيل التنقص من الآخر.

* قال تاج الدين السبكي – رحمه الله -:

الدخول بين أئمة الدين والتفضيل بينهم لمن لم يبلغ رتبتهم: لا يحسن،  ويخشى من غائلته في الدنيا والآخرة،  وقلَّ من استعمله فأفلح … وربما كان سببا إلى الوقيعة في العلماء الموجبة لخراب الديار. ” الأشباه والنظائر ” ( 2 / 328 ).

 

 

 

 

  1. وقد كان العقلاء من العلماء يعرفون للعلماء – وخاصة من السلف المتقدمين – فضلهم وعلمهم، فلم يكونوا يدخلون العوام في متاهات التفضيل، وكانوا يحطون من قدر أنفسهم ويعلون من قدر من سبقهم من أهل العلم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وأهل العلم النافع على ضد هذا، يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: واللَه ما نحن بأهلٍ أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم.

* وكان ابن المبارك إذا ذكَر أخلاق من سلف ينشد:

لا تُعرِض بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم … لَيسَ الصَحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ

” فضل علم السلف على الخلف ” ابن رجب ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. وبعض الجهلة المعاصرين ظنَّ من أكثر من تسويد الصفحات وأكثر من التصنيف أنه قد فاق من قبله في العلم ! وأنه قد سبقهم في المعرفة والاطلاع، وهذا لا ريب أنه باطل، وإن شيخه الذي حكم له بذلك لا يرضى بحكمه الجائر، وظننا أنه يوبخه ويعزره لو علم أنه يفضله في العلم – فضلا عن المنزلة – على سلف هذه الأمة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض مَن توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين! وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولاً ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله: كان أعلم ممن كان أقل منهم قولاً بطريق الأولى، كالثوري، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا.

فإن هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم، وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمَّة قلوبا، وأعمقها علوما، وأقلها تكلفا، وروي نحوه عن ابن عمر أيضا، وفي هذا إشارة إلى أن مَن بعدهم أقل علوما وأكثر تكلفا.

وقال ابن مسعود أيضا: ” إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه وقلَّ قوله فهو الممدوح ومن كان بالعكس فهو مذموم “، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه وأهل اليمن أقل الناس كلاما وتوسعا في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام: ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.

” فضل علم السلف على الخلف ” ( ص 5 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. ولما سبق – جميعه -: لا يجوز للمسلم أن يشتغل بتصنيف العلماء أيهم أكثر علما، وليدع ذلك لأهل الاختصاص، وما رأينا تفضيلاً من العامة وأشباههم إلا ومعه تنقيص لآخرين من أهل العلم والفضل، وفي ذلك اشتغال بما يضر صاحبه، مع ما فيه من تضييع للأوقات، فأولئك العلماء وصلوا إلى ما وصلوا إليه بتوفيق الله لهم بإخلاصهم، واجتهادهم، وتعبهم على أنفسهم ببذل الأوقات في التعلم، وبذل الأجساد في الرحلة، وبذل الأموال في شراء الكتب، فليشتغل هؤلاء المفضلون بما اشتغل به أولئك الأعلام، وليكن منهم الثناء والتبجيل لكل من خدم دين الله تعالى، وعلَّم الناس العلم النافع، فالعلماء ورثة الأنبياء، ولا ينتظر أولئك الورثة إلا ما يستحقونه الاعتراف بفضلهم وعلمهم وأثرهم الحسن على الناس.

 

والله أعلم.

 

 

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

السؤال:

ما حكم لبس أكاليل الورد في المناسبات مثل الزواج أو العقيقة؟ لأن هذا الفعل شائع جدّا هنا في الهند وباكستان، وهل هذا الفعل بدعة؟.

الإكليل هو ” حبل طويل عليه بعض الورود والأزهار يلبس على الرقبة “.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

تلقى المسلمون عن الكفار إهداء الورود للمرضى، ووضع أكاليل الزهور على قبور موتاهم، وكلا الأمرين منكر، من جهة تلقي تلك العادة السيئة من الكفار، ومن جهة أخرى أنه تضييع للأموال، فما فائدة ورود وزهور تبذل لها الأموال لتذبل بعد فترة وجيزة، ولا يستفيد منها حي ولا ميت؟!.

 

ثانيا:

والذي نعلمه أن وضع أكاليل الزهور في بلادكم – الهند – هو عادة تميز بها الهندوس الكفار، ولا تُعلم عند المسلمين، وهم يشتركون في ذلك مع النصارى الذين يضعون هذا الإكليل حول العريس وعروسته في الكنيسة بعد عقد الزواج، فصار وضع الإكليل على العريس متحققا فيه ما ذكرناه سابقا من التشبه وتضييع الأموال.

ولسنا نحرم زينة الله التي أخرج لعباده، فقد خلق الله تعالى الزهور والورود زينة وبهجة للنفوس، برؤيتها وشمها، لكن حديثنا هنا عن عادات خاصة في استعمالها متلقاة من الكفار تناسب عقولهم وفراغهم الروحي ومجاملاتهم الفارغة، وحديثنا عن بذل الأموال الطائلة في شرائها أو صنع إكليل منها وسرعان ما تجف وتذبل، وأما من اشترى الورود والزهور ووضعها في إناء في بيته فهذا لا يمنع منه أحد على أن لا تبذل فيه أموال طائلة، ومثل هذا يقال حتى في إهداء العريس بعد زواجه ورودا ليضعها في بيته، لا ورودا لا يعتنى بها، بل إننا لا نعلم أحدا منع من بيع وشراء الورود والزهور الصناعية وهي ليست ذات رائحة، بل لها – فقط – منظر بهيج، فكيف إذا جمعت الأمرين؟!.

نرجو من المسلمين أن يعوا ما نقوله، فقد رأينا من يسخر من فتاوى علمائنا في منع إهداء الزهور للمرضى – كما في الإحالة الأولى، وكما أفتى به علماء اللجنة الدائمة ( 13 / 66 ) – فإن نظر العلماء أبعد وأعمق من العامة الذين يستدركون عليهم بعاطفتهم أو جهلهم.

ومما وقفنا عليه تحديدا في هذه المسألة ما ذكرته الدكتورة فاطمة بنت محمد آل جار الله في كتابها ” تأملات ووقفات مع بعض مظاهر العرس ” في منكرات الأعراس وبدعها، ومما قالته:

” التاج و الزهور “: لبس التاج أو إكليل الزهور، وأصله: ما كانت تفعله الكنيسة، جاء في كتبهم: بعد المباركة، وبعد أن يستعد الزوجان لمغادرة الكنيسة: كان من المعتاد إلباسهما تاجان أو إكليل من الزهور، كرمز للنصر، وكشعار لبراءتهما (عفتهما).  انتهى.

وأحالت في الهامش على كتاب ” الزواج في الغرب: فصل الكنيسة النصرانية المبكرة ” ( ص 49 ، وص 89 ).

وكتاب الدكتور الفاضلة قرأه وقدَّم له الشيخان عبد الله بن جبرين رحمه الله، وعبد الرحمن المحمود حفظه الله، والكتاب متوفر في ” الشبكة العنكبوتية “.

ولا يختلف ما ذكرناه من حكم لبس إكليل الزهور في الزواج عنه في العقيقة وغيرها من المناسبات.

 

والله أعلم.