الرئيسية بلوق الصفحة 2

أحكام الاشتراك في الأضحية بالثمن والثواب

#من_أجوبة_الواتس
أحكام الاشتراك في الأضحية بالثمن والثواب
السؤال:
ما صحة ما يُنسَب إلى بعض المعاصرين من جواز اشتراك أكثر من شخص في قيمة الأضحية بالشاة، مثل اشتراك الزوج وزوجته في قيمتها لارتفاع الأسعار، وهل لهم سلف في هذا؟

الجواب:
الحمد لله
الإجابة على هذه المسألة وتحرير كلام أهل العلم فيها يتلخص في النقاط الآتية:
أولا:
يجب التفريق بَيْن نوعين من الاشتراك في الأضحية ليتضح الحكم الشرعي المنضبط:
١. الاشتراك في الثواب، وهو أن يشتري شخص الأضحية بماله الخاص، ثم يشرك معه أهل بيته -كالزوجة والأولاد- في الثواب، فهذا جائز ومسنون شَرْعًا، ودليله فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يذبح الشاة ويقول: “اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ” رواه مسلم.
٢. الاشتراك في الملكية والثمن، وهو أن يدفع شخصان أو أكثر مَبْلَغًا مُشْتَرَكًا لشراء شاة واحدة لتكون أضحية مجزئة عنهما مَعًا، والكلام عنها فيما يأتي. ثانيا:
دلت نصوص السنة وإجماع المذاهب الأربعة المتبوعة على أن الشاة من الغنم أو الماعز، لا تجزئ إلا عن شخص واحد وأهل بيته في الثواب، ولا يجوز الاشتراك في ثمنها أو ملكيتها لتكون أضحية مشتركة بَيْن شخصين منفصلين ذمةً ومالا.
أما عن سؤالك: هل له سلف في جواز الاشتراك في قيمة الشاة؟
فالجواب: ليس له سلف من الأئمة الأربعة المتبوعين ولا من علماء السلف الصالح في إجازة الاشتراك في ثمن الشاة الواحدة لتجزئ عن نفسين مستقليْن.
فالشاة الواحدة لا تتبعض في الملكية عند عامة الفقهاء، بخلاف البعير والبقرة، فإنها تجزئ عن سبعة أشخاص، ويجوز الاشتراك في ثمنها بالسبع عُرْفًا وشَرْعًا.
ثالثا:
من المعلوم والمقرر في السنة النبوية أن البقرة والبدنة تجزئ عن (٧) أشخاص؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: “نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ” رواه مسلم.
ولو قلنا بجواز اشتراك أكثر من شخص في الشاة الواحدة، لصار التحديد النبوي للعدد (٧) في البقرة والبدنة لَغْوًا لا معنى له.
فلو افترضنا جواز اشتراك (١٠) أشخاص في الشاة، للزم من ذلك أن يجزئ البعير عن (٧٠) شَخْصًا، وتجزئ البقرة عن (٧٠) شَخْصًا! وهذا قول لم يقل به أحد من أهل العلم أَبَدًا، ولا يُعرف في الشريعة.
رابعا:
لعل فتوى من قال بالجواز من المعاصرين لا تقصد الاشتراك الذي يقتضي تَبَعُّض الشاة بَيْن أضحيتين مستقلتين، وإنما يُحمل كلامهم على “باب المساعدة والهدية”، وهو أن تقوم الزوجة بمساعدة زوجها مَالِيًّا من باب الهبة والهدية، فيشتري الزوج الأضحية باسمه وتكون مِلْكًا له، ثم يُشرك زوجته وأهل بيته في ثوابها.
فهنا المالك الحقيقي واحد، والمال الآخر كان عَوْنًا وهدية، وهذا جائز بلا حرج.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ / ١٩ مايو ٢٠٢٦ م

ما هو أعظم مقاصد الحج على الإطلاق؟

0

ما هو أعظم مقاصد الحج على الإطلاق؟ 🕋
​هل الحج مجرد رحلة بدنية وأعمال تؤدى، أم أن هناك غاية أعظم خلف كل منسك؟
​شاهد هذا المقطع القصير والمركز بعنوان: “تحقيق التوحيد في الحج”، لتعرف كيف تتجلى عقيدة التوحيد الخالص في التلبية، والطواف، ويوم عرفة، ورمي الجمرات، ونحر الهدي.

​https://youtube.com/shorts/_OmCb-xT2K8?si=3zPztkq6IxXdcRNi

​✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ / ١٨ مايو ٢٠٢٦ م

جواز شراء الحيوانات الحية بالوزن، للأضحية وغيرها.

جواز شراء الحيوانات الحية بالوزن، للأضحية وغيرها.

 

السؤال:

شخص يقول إن شراء الدجاج والخرفان بالوزن حرام شرعا لأن أغلب الوزن يذهب بعد الذبح للقمامة -كالصوف والريش والأحشاء-، وينصح المشتري إذا أصر البائع على التوزين أن يدفع ويقول: “اشتريت منك بعدد دجاجتين” لتبرأ ذمته، ويسأل عن توجيهكم في المسألة وتفصيل حكم شراء الأضحية بالوزن في ظل وجود فتاوى يظن بعضهم أنها متعارضة؟

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الكلام المنتشر غير صحيح تَمَامًا، وهو مبني على فهم خطأ لأحكام البيوع في الشريعة الإسلامية، وتكلف لا داعي له.

والرد الفقهي على هذه الشبهة وتفصيل حكم الشراء بالوزن يتلخص في النقاط الآتية:

أولا:

شراء الدجاج أو الغنم الحية بالوزن جائز شَرْعًا ولا حرج فيه إِطْلَاقًا، وهو المُفتى به في المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة، وجارٍ عليه عمل المسلمين شرقا وغربا؛ فالوزن هنا هو الوسيلة الأدق والأعدل لمعرفة حجم الحيوان وتقدير ثمنه، وهو يرفع الجهالة الممنوعة في البيع.

ثانيا:

النقص الافتراضي في الوزن بعد الذبح بسبب إزالة الريش أو الصوف أو الأحشاء هو غرر يسير معفو عنه شَرْعًا؛ لأن هذا الأمر معلوم ومستقر في العرف الجاري بين الناس، والمشتري يعلم ابْتِدَاءً أن الحيوان الحي يحتوي على هذه الأجزاء التي لا تؤكل، والعرف قاضٍ بمسامحة البائع والمشتري في مثل ذلك.

والشريعة إنما حرمت الغرر الفاحش الذي يؤدي للنزاع والخصومة، أما هذا فبيع منضبط.

ثالثا:

نصيحة القائل بأن يقول المشتري عند الدفع: “اشتريت بالعدد” هي حيلة لفظية وتكلف لا أصل له في الدين؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. وبما أن البيع بالوزن حلال أَصْلًا وصحيح، فلا حاجة للمسلم أن يلجأ لمثل هذه العبارات المبتدعة لإبراء ذمته.

رابعا:

قد يقع لبس عند بعضهم بسبب وجود فتويين في مواقع الفتوى -كموقع الشبكة الإسلامية-؛ إحداهما تجيز شراء الأضحية بالوزن والأخرى تمنع، ولا تناقض بَيْنَهُمَا عند التحرير والتفصيل الفقهي لمناط الحكم:

١. الفتوى التي تتحدث عن الجواز: محتواها أن يشتري الأضحية بوزنها قائمة قبل ذبحها، فيكون وزنها قائمة خمسين كيلو على سبيل المثال -بصوفها وقرنها وأحشائها وجلدها-، فيُضرب كل كيلو بقيمته.

وهنا تنتقل ملكية الشاة الحية إلى المضحي وهي حية كاملة الأوصاف، فيذبحها أو تُذبح عنه وهي ملكه قُرْبَةً إلى الله تعالى.

والشراء بالوزن قائمة هو مجرد وسيلة معاصرة عادلة لرفع الجهالة وتحديد الثمن بدقة، وهو أمر تقتضيه المصلحة وتجيزه القواعد الفقهية.

٢. الفتوى التي تتحدث عن عدم الجواز: فلأنها في حكم شراء الأضحية بوزنها لَحْمًا وليس قائمة، فهنا عدم الجواز واضح؛ لأن الأضحية عند ذبحها هنا يكون مالكها الجزار وليس المضحّي، ولا يتملّكها المضحي إلّا بعد أن تُوزن لَحْمًا جَاهِزًا بعد السلخ.

فكيف تصير أُضْحِيَّةً وقد اشتراها لَحْمًا جَاهِزًا؟ فليست أُضْحِيَّةً، وهذا لا يجوز لا في الأضحية ولا في العقيقة ولا في الهدي ولا في النذر إذا نذر أن يذبح شاة؛ لأن الشارع تعبدنا بإراقة الدم من المضحي نفسه أو من ينيبه على ملكه، بخلاف شراء اللحم بعد السلخ الذي يخرج العقد من كونه شعيرة تعبدية إلى كونه بيع لحم عادِيًّا.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ / ١٨ مايو ٢٠٢٦ م

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بين الاتباع والابتداع

#من_أجوبة_الواتس
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بين الاتباع والابتداع
السؤال:
سائل يرسل صورة تحتوي على صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: “اللهم صل وسلم على سيدنا محمد عدد القطر والمطر، وعدد أوراق الشجر…”، ويسأل: هل تجوز الصلاة على النبي بهذه الطريقة؟ وهل يكتب لقائلها أجر بعدد هذه الأشياء؟

الجواب:
الحمد لله
الإجابة على هذا الاستفسار تتلخص في النقاط الآتية:
أولا:
أفضل صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأكملها وأعظمها أَجْرًا هي الصيغ التي علمها النبي لأصحابه، وعلى رأسها “الصلاة الإبراهيمية” التي تقال في التشهد.
ولو كان هناك ما هو أفضل منها لعلمهم إياه، فهم أحرص الناس على الخير وأشدهم حُبّاً له.
ثانيا:
هذه الصيغ المكتوبة في الصورة هي من الصيغ المحدثة التي انتشرت في العصور المتأخرة.
والمشكلة الكبرى في هذه الصيغ هي اعتقاد بعض العوام -ومعهم خواص- أنه سيكتب لهم أجر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعدد حبات المطر وأوراق الشجر بمجرد التلفظ بها! وهذا جهل عظيم وخلل في الفهم؛ لأن مضاعفة الأجور وتحديد ثواب الأعمال أمر توقيفي لا يُعلم إلا بوحي من الله تعالى، ولا يُنال باختراع مضاعفات لفظية وحيل حسابية من كيس الإنسان.
ثالثا:
الأجر العظيم في العبادة مرتبط بصدق الاتباع لا باختراع الألفاظ.
ولو كان الأجر يُنال بهذه السهولة اللفظية لسبقنا إليها الصحابة رضي الله عنهم.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا صِيَغا محددة فيها تعظيم للأجر، كقوله: “سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته”، فظن بعضهم أنهم ينالون أجرًا بعدد المخلوقات!.
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على أن من قال: “سبحان الله عدد خلقه” لم يسبح إلا مرة واحدة، ولو قالها دبر الصلاة بنية أن تكفيه عن التسبيح (٣٣) مرة لم تجزئه، فالمقصود بالأعداد في الأذكار الواردة هو الإخبار عن عظمة ما يستحقه الله من الثناء، وليس إعطاء القائل حسنات بعدد المخلوقات.

وينظر للتفصيل:

فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكثيرها يكون بكثرة ترديدها باللسان والقلب، لا باختراع أرقام وجموع وهمية.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ / ١٨ مايو ٢٠٢٦ م

تشغيب على فتوى “رقص المعصية ورقص التعبد”

#من_أجوبة_الواتس
تشغيب على فتوى “رقص المعصية ورقص التعبد”
السؤال:
شغب بعضهم على فتواكم في “رقص التعبد ورقص المعصية”، حيث زعم أن إجراء المقارنة بين معصية الشباب في المسجد وبدعة رقص الصوفية هو من التمييع وتبريد غضبة الناس، وقاس ذلك على خذلان المظلومين وتبرير جرائم الصهاينة، وتساءل عن سبب طرح هذه المقارنات وقت الحادثة وليس في بحث مستقل.
فما هو الرد العلمي على هذا؟

الجواب:
الحمد لله
فإن هذا التعليق الذي ذكرته يمثل نَمُوذَجًا للخطاب العاطفي الذي يتزيا بلباس الغيرة، ولكنه يفتقر إلى التأصيل العلمي الدقيق، ويقع في مغالطات منهجية مكشوفة لمن رزقه الله فَهْمًا في دين الله.
وتفنيد ما جاء فيه من شبهات يتضح في الأوجه الآتية:
أولا:
لم يكن مقالنا تَبْرِيرًا ولا تَهْوِينًا لجريمة الشباب، بل نصصنا صَرَاحَةً على أنه “منكر عظيم وجرم كبير واستنكار الناس له صحيح”.
ولكن من وظيفة العالم وطالب العلم تصحيح “موازين الغضب” عند العامة. فالعامة يغضبون للمعصية الظاهرة التي تستفز عاداتهم وفطرتهم، وهذا محمود، ولكنهم يغفلون عن الغضب للبدعة التي هي أشد خطرا على الدين. وتنبيه الناس إلى أن هناك مُنْكَرًا أَعْظَمَ يقع في نفس المكان -المسجد- ويُسكت عنه، هو من صميم النصح للأمة، وليس تَمْيِيعًا، بل هو ارتقاء بوعي المسلم ليكون غضبه مَوْزُونًا بميزان الشريعة لا بمجرد العاطفة.
ثانيا:
لجوء الكاتب إلى استدعاء جرائم الصهاينة، والتلبيس بأن المقارنة كمن يلوم الضحية في فلسطين، هو من أبشع أنواع “القياس مع الفارق”، وهو استجداء رَخِيصٌ للعواطف.
نحن لا نقارن بين ظالم ومظلوم، ولا بين جلاد وضحية لنقف مع الجلاد! بل نقارن بين جنايتين وقعتا على حق الله وحرمة مسجده؛ إحداهما جناية عصيان وطيش، والأخرى جناية ابتداع وتشريع في الدين.
فكيف يستقيم هذا القياس الفاسد في عقل رجل بَصِيرٍ؟!
ثالثا:
أما قوله: لماذا لا تطرح هذه المقارنات إلا بعد وقوع الحادثة؟ ولماذا لا يفرد الكلام في البدع ببحث مستقل؟: فهذا يدل على جهل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم؛ فالأحداث والنوازل هي أفضل الأوقات لتقرير القواعد الكبرى، لأن النفوس تكون متطلعة ومنتبهة.
والنبي صلى الله عليه وسلم استثمر رؤية الناس لامرأة تبحث عن ولدها في السبي ليعلمهم سَعَةَ رحمة الله قَائِلًا: “اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا”، ولم يقل أحد: لماذا لم يفرد رحمة الله بدرس مستقل قبل الحادثة! بل إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز شَرْعًا.
وأيضا:
قد لا تتوفر فرصة مثلى مثل هذه للحديث عن تلك البدع المنكرة المتكررة! في المساجد، فالذكي هو من يستثمر هذا الحدث لذلك الحديث، ومن عدم التوفيق تفويته.
وهذا الحدث طار الناس به يوما وطوته الوزارة المعنية، وصار من التاريخ، وقد يأتي زمان نرى هؤلاء الشباب من رواد المساجد.
والعلماء لم يسكتوا عن محاربة البدع قَبْلًا، ومصنفاتهم تملأ الآفاق، ولكن العوام لا يلتفتون إلا عند وقوع “التريند” أو الحدث المستفز، فكان لِزَامًا تذكيرهم في هذه اللحظة بالذات.
وأيضا:
من أوضح الأدلة على تهافت الكلام والمكابرة للواقع: إيهام القراء أننا نستدعي ملفات البدع فَجْأَةً لتخفيف المنكر، وهذا كَذِبٌ صَرِيحٌ وتَدْلِيسٌ مَفْضُوحٌ؛ لأن إرفاقنا لمقطع الفيديو الذي يوثق رقص الصوفية في المسجد مع تعليق العلامة الألباني رحمه الله، هو إِثْبَاتٌ عَمَلِيٌّ ومُوَثَّقٌ لجهودنا في بيان هذه البدعة بِعَيْنِهَا وتفنيدها بكلام كبار العلماء.
وصاحب الهوى يَغْفُلُ أو يَتَغَافَلُ عن أن إنكارنا للبدع هو مَنْهَجٌ أَصِيلٌ ودَعْوَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وليس مُجَرَّدَ رَدَّةِ فِعْلٍ طَارِئَةٍ.
رابعا:
يقلل المعترض من شأن قاعدة “البدعة أشد من المعصية” معتبرا إياها قاعدة نظرية مجردة لا محل لها هنا! وهذا هو العمى عن مقاصد الشريعة، فالمعصية -كرقص الشباب- تهدم سُلُوكًا ينتهي بتوبة أصحابه أو استنكار المجتمع له فَوْرًا، أما البدعة -كرقص التعبد- فتهدم دِينًا، وتُشرع عِبَادَةً فَاسِدَةً، وتُورث للأجيال على أنها قُرْبَةٌ إلى الله.
وسكوت الناس عن رقص المتصوفة في المساجد لعقود، ثم ثورتهم على رقص الشباب، يدل على خَلَلٍ في ميزان الولاء والبراء وتعظيم السنة، وجب تقويمه بِحَزْمٍ.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٩ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٦ / ٥ / ٢٠٢٦ م

ما صحة تفضيل أيام عشر ذي الحجة على أيام رمضان وليلة القدر؟

#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
يتكرر كل عام انتشار مقاطع تحث على العمل في العشر الأوائل من ذي الحجة، وفي بعضها تفضيل العشر تلك على رمضان! بل وعلى ليلة القدر! يخرجون الحديث في فضلها على أنه رواه البخاري، ورأيت لك تنبيهات على ذلك كله، فهل من جواب واحد عن تلك المسائل كلها؟

الجواب:
الحمد لله
أولا:
الحديث المشتهر في فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، لم يروه البخاري بتلك الصيغة المنتشرة، بل هو في السنن وفي مسند أحمد.
حديث السنن:
“ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ ، قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : “ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ”.
حديث البخاري:
“ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفضَلَ منها في هذه”، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قال: “ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفسِه ومالِه، فلَم يَرجِعْ بشَيءٍ”.وبوب عليه” فضل العمل في أيام التشريق”.
وهذا تبويب عَظِيمٌ يوسع دائرة الفضل لتشمل أيام التشريق أيضا، ويفتح بَابًا مُهِمًّا في فهم سعة فضل الله في هذه الأيام المباركات.

ثانيا:
المبالغة في تفضيل عشر ذي الحجة على رمضان بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ هي مُجَازَفَةٌ عِلْمِيَّةٌ؛ فشهر رمضان خصه الله تعالى بركن مفروض وهو الصيام، والصيام في العشر لغير الحاج نَافِلَةٌ، ولا يمكن لِعَمَلٍ نَافِلَةٍ أن يفضل عَمَلًا مَفْرُوضًا.
كما أن تفضيل أيام العشر على ليلة القدر مصادم للنص القرآني القاطع: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر/ ٣.
فشهر رمضان يبقى سيد الشهور بِلَا مُنَازِعٍ.
ثالثا:
الذي يُفهم من سياق الأحاديث النبوية بِجَلَاءٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رغّب في العمل الصالح في هذه العشر، كان يقصد “العبادات القولية اللسانية” وتَحْدِيدًا ذكر الله تعالى، ولم ينص على الصيام أو الصدقة.
ويدل على ذلك رواية الإمام أحمد في مسنده حيث فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل بقوله: “فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ”.
رابعا:
مِمَّا يؤكد أن المقصود هو “العمل القولي اللساني” أن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا تفضيل هذا العمل، أرادوا الاستدراك واستعظام الأمر، فقارنوه بأشق العبادات البدنية قَاطِبَةً وهو الجهاد، فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”.
فهم أدركوا أن النبي يفضل عملا يَسِيرًا كالذكر اللساني على الجهاد، فأقرهم النبي على ذلك مستثنيا حالة واحدة فقط من الجهاد.
ولمزيد من التفصيل والتأصيل حول هذه المسائل، أحيلكم إلى هذه المقاطع المرئية التي تم فيها تحرير القول بِشَكْلٍ كَافٍ وَوَافٍ:
المقطع الأول ( حول تخريج حديث فضل العشر الأوائل من ذي الحجة)

المقطع الثاني (حول المفاضلة بين العشر ورمضان):

المقطع الثالث (حول تخصيص العمل الصالح بالعبادات اللسانية):

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٤ / ٥ / ٢٠٢٦ م

قاعدة “العبادات المتعدية النفع أفضل من القاصرة” ليست على إطلاقها!

#من_أجوبة_الواتس
قاعدة “العبادات المتعدية النفع أفضل من القاصرة” ليست على إطلاقها!
السؤال:
في المقارنة بين النفع المتعدي والقاصر، هل ثبت الكلام الآتي عن ابن تيمية؟ وما معناه؟:
“النفع المتعدي ليس أفضل مطلقا، بل ينبغي للإنسان أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها…”؟

الجواب:
الحمد لله
نعم، هذه المقولة ثَابِتَةٌ وَصَحِيحَةٌ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي من درر كلامه ونفائس توجيهاته.
وقد أوردها في كتابه الماتع “شرح العمدة” في “كتاب الصيام” عند حديثه عن أحكام الاعتكاف، حيث كان يفاضل بين العبادة اللازمة التي يقتصر نفعها على العبد كالاعتكاف والصلاة، وبين العبادة المتعدية التي يتعدى نفعها للآخرين كتدريس العلم ونفع الناس.
وهذه المقولة تمثل قَاعِدَةً عَظِيمَةً لأهل الدعوة والمصلحين ومن انشغلوا بقضاء حوائج الناس، وتتضح معانيها الجليلة في الآتي:
أولا:
القاعدة المشهورة عند الفقهاء أن “النفع المتعدي أفضل من القاصر”، ولكن شيخ الإسلام نبه هنا إلى أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في كل الأوقات والأحوال.
فلو أخذناها على إطلاقها لترك الداعية قيام الليل، وتلاوة القرآن، ومحاسبة النفس بحجة انشغاله الدائم بمخالطة الناس ونفعهم، وهذا مسلك خطير يورث قسوة في القلب وجَفَافًا في الروح.
ثانيا:
العبادات اللازمة، كالخلوة بالله، والدعاء، والمناجاة، والذكر، هي “الوقود الروحي” الذي يمد الداعية والمصلح بالإخلاص، والطمأنينة، والصبر على أذى الناس.
فمن ضيع حظه من الخلوة بربه، ضعف أثره وفقد نوره وبركته في مخالطته للناس.
والخلوة بالله هي زاد الطريق للمصلحين.
ثالثا:
لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الأكمل تَمَامًا؛ فكان نهاره حَافِلًا بالنفع المتعدي من تعليم ودعوة وجهاد وقضاء لحوائج المسلمين، ولكن ليله كان عَامِرًا بالخلوة والمناجاة والبكاء بين يدي الله حتى تتورم قدماه الشريفتان.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٣ / ٥ / ٢٠٢٦ م

حوار مع عالم جليل في مسألة خروج المعتدة من وفاة زوجها للحج.

حوار مع عالم جليل في مسألة خروج المعتدة من وفاة زوجها للحج.

الحمد لله
بعث لي أخ فاضل سؤالا هذا نصه :

امرأة من تونس قدمت للحج ودفعت التكاليف، وصدر اسمها هذا العام لأداء حجة الإسلام، وقدر الله أن يتوفى زوجها قبل موعد سفرها بثلاثة أيام. فهل يجوز لها السفر للحج، خَاصَّةً أنها تخشى إن لم تذهب هذا العام ألا تحج أَبَدًا؟.
فأجبته المنع، تلخيصا لهذا التقرير:
المرأة التي يُتوفى عنها زوجها يجب عليها شَرْعًا أن تعتد في بيت الزوجية أربعة أشهر وعشرا، ولا يجوز لها السفر أو الخروج من بيتها في هذه المدة لا للحج ولا لغيره. وهذا مذهب جماهير العلماء من المذاهب الأربعة، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ لحديث فريعة بنت مالك رضي الله عنها حين توفي زوجها وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها، فقال لها: “امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ” رواه أبو داود والترمذي.
وبما أن الزوج توفي قبل موعد السفر وهي لا تزال في بلدها ولم تشرع في الطريق، فيجب عليها البقاء والمكوث في بيتها لقضاء العدة بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، ولا يجوز لها الخروج للحج، بل إن تقديم حق العدة هنا مُقَدَّمٌ ومُتَعَيِّنٌ.
والحج فريضة مشروطة بالاستطاعة، ومن الاستطاعة للمرأة أن تكون خالية من الموانع الشرعية، وعدة الوفاة مانع شرعي.
فلو قدر الله ألا تحج بعد ذلك أَبَدًا، فهي معذورة أمام الله تعالى، وقد كُتب لها أجر حجة تامة بنيتها الصادقة، وتسقط عنها الإثم لعدم استطاعتها.
أما بخصوص التكاليف المالية -الخمسة آلاف دولارا- وحقها في القافلة؛ ففي الغالب الأعم، تسمح وزارات الأوقاف والجهات الرسمية في تونس وغيرها باسترداد المبالغ أو حفظ الدور للعام القادم في حالات الظروف القاهرة، كوفاة الزوج.
فعليها أن توكل أحد أقاربها لمراجعة الجهات المسؤولة وإبلاغهم بِحَالِهَا لترتيب تأجيل سفرها أو استرداد مالها.
انتهى
فرد علي بفتوى لأحد العلماء الأفاضل، وهذا نص ما قال:

هذه تعتبر ضرورة؛ لانها لن تستطيع أن تحج بسهولة، وربما طال الزمن حتى تجد فرصة للحج.
ثانيا: قد تكون تحملت مبالغ في سبيل الوصول إلى مكة المكرمة هذه السنة، وستفوت عليها أو ستخسر تلك المبالغ.
وعند الضرورات تباح المحظورات.
الان هذا ولو أنه سيؤدي إلى أن تترك العدة بضعة أيام ، لكن هي معذورة، وارى أنها تحج، والله أعلم.
انتهى قول الشيخ حفظه الله.
فرددته عليه بقولي :

حفظ الله الشيخ وبارك في علمه.
واجتهاده مبني على محاولة رفع الحرج والمشقة عن السائلة، ولكننا إذا عرضنا هذه المسألة على قواعد الأصول والنصوص المحكمة، نجد أن الراجح والأبرأ للذمة هو قول الجمهور بمنع المعتدة من السفر للحج.
ويُناقش اجتهاد الشيخ وتوجيهه من الوجوه الآتية:
أولا:
الضرورة في الفقه الإسلامي لها ضوابط صارمة، وهي ما يُخشى معه هلاك النفس أو تلفها أو وقوع ضرر فادح لا يُحتمل.
أما “تفويت فرصة الحج” لعذر شرعي فلا يرقى أبداً لدرجة “الضرورة” التي تبيح ترك أصل قطعي كالعدة.
الحج فريضة مشروطة بالاستطاعة، والعدة مانع شرعي يجعل المرأة “غير مستطيعة”، فلا تأثم بتأخيره، بل تؤجر على نيتها.
ثانيا:
العدة واجب “فوري” ومحكم، يبدأ فور وفاة الزوج ولا يقبل التأجيل أو الإسقاط.
بينما الحج واجب مشروط بانتفاء الموانع.
والقاعدة تقتضي تقديم الواجب الفوري على الواجب المشروط، ولا يجوز إبطال المحكم المؤكد لشيء محتمل.
ثالثا:
بناء الفتوى على احتمال خسارة المبالغ غير دقيق واقعيّا. في جميع الدول -بما فيها تونس-، تعد وفاة الزوج “ظرفًا قهريّا” تستطيع المرأة بموجب شهادة الوفاة استرداد مالها كاملا أو ترحيل مقعدها للعام القادم من قِبَل وزارات الأوقاف ولجان الحج، فانتفت حجة الخسارة المالية.
رابعا:
لقد ثبت أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يردان النساء المعتدات من طُرُق الحج ليقضين العدة في بيوتهن، ولم يلتفتا لما أنفقته المرأة من زاد وما تكبدته من عناء السفر -والسفر قديما كان أشق وأعظم تكلفة بكثير من عصرنا-، ومع ذلك كان تعظيم النص النبوي مقدما على أي مصلحة دنيوية أو عاطفية.
فالقول بمنعها هو الأقوى دليلا، والأحوط دينا، والموافق لفعل الصحابة.
والمسلمة الممتثلة تؤجر على بقائها في بيتها طاعة لله، ولا يضيع أجر نيتها في الحج بإذن الله.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ١٠ مايو ٢٠٢٦ م

تهافت القياس في تسويغ الغش الأكاديمي

#من_أجوبة_الواتس
تهافت القياس في تسويغ الغش الأكاديمي
السؤال:
ما تعليقك -شيخنا على الكلام في الصورة؟
وهل المثال الذي ذكره المبيح للغش متصور أَصْلًا؟
الجواب:
هذا المثال المضروب هو محض خيال كرتوني باطل، ولا يمكن تصوره عَقْلًا ولا وَاقِعًا، فما حاجة رجل لمنع طفل وامرأة وشيخ كبير ومجنون من موارد القرية حتى يدرسوا مناهج معينة ويختبروا فيها؟!
وفساد المثال يظهر من وجوه:
أولا:
سخافة الافتراض وتناقضه، فالظالم الذي يستولي على ثروات قرية ومواردها يبحث عن المال والسلطة وتسخير الناس لخدمته، ولا يبحث عن تحويل نفسه إلى “ناظر مدرسة” يفرض على الشيوخ والعجائز والأطفال والمجانين قراءة كتبه واجتياز اختباراته ليسمح لهم بالأكل! هذا الطرح الصبياني المضحك لا يصلح أَبَدًا أن يكون مَنَاطًا لحكم شرعي أو قِيَاسًا فِقْهِيًّا.
ثانيا:
ثمة فارق شاسع بين المثال والواقع، فالكاتب يحاول تصوير الأنظمة التعليمية المعاصرة على أنها “وحش” يحتكر الهواء والماء والطعام، وأن من لا ينجح سيموت جُوعًا! وهذا خيال وتدليس على الواقع.
فمن لم يدرس أو لم يجتز الاختبارات لا تقطع عنه موارد الحياة، بل تفتح له أبواب أخرى في التجارة والزراعة والحرف والمهن اليدوية.
والشهادة الأكاديمية ليست تصريحا بالبقاء على قيد الحياة، بل هي تصريح بمزاولة مهنة دقيقة، كالطب أو الهندسة أو الإدارة، وذلك حِمَايَةً لأرواح الناس وأموالهم من عبث الجهال.
ثالثا:
القياس على المستحيل باطل، وهذا مُقَرَّرٌ في علم أصول الفقه وعلم المنطق، وهو أن القياس الذي يُبنى على افتراض مستحيل الوقوع أو متناقض في ذاته هو “قياس مع الفارق” و “فاسد الاعتبار”.
وبما أن هذا الخيال الاستبدادي لا وجود له إلا في ذهن الكاتب ليبرر جَرِيمَةً أخلاقية، فإن كل ما بني عليه ساقط تَمَامًا.
رابعا:
هذا المثال تبرير رخيص للغش، وتلاعب بالدين والعاطفة، ولا يخرج من مشكاة علم شرعي راسخ.
والواجب تربية الأجيال على الأمانة ومراقبة الله في السر والعلن، والسعي في إصلاح الخلل بالطرق المشروعة والجد والاجتهاد، لا بتخريج جيل من اللصوص والمحتالين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٢ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ٩ مايو ٢٠٢٦ م

حكم عهد الشفاعة والنجاة بين الناس يوم القيامة

#من_أجوبة_الواتس
حكم عهد الشفاعة والنجاة بين الناس يوم القيامة
السؤال:
ما التوجيه الشرعي لما ورد في مقطع فيديو للشيخ أيمن سويد، والذي يعقد فيه “عهدا” مع المشاهدين والعلماء أن “الناجي يأخذ بيد أخيه يوم القيامة”، ويستدل بآية المبايعة؟
الجواب:
لقد استمعت إلى المقطع الذي تفضلت بإرساله، وفي هذا المقطع يتحدث الدكتور أيمن سويد عن عادة له بأخذ “عهد” من العلماء والصالحين، بل وتجاوز ذلك ليعقده مع المشاهدين عبر الشاشات من المغرب إلى إندونيسيا، بأن (الناجي منا يأخذ بيد أخيه يوم القيامة).
وهذا الفعل محفوف بعدة مخالفات وملاحظات شرعية منهجية، أبرزها:
أَوَّلًا:
الشفاعة في عقيدة أهل السنة والجماعة ليست حَقًّا مُكْتَسَبًا يَهبُهُ النَّاسُ لِبَعْضِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا عَهْدًا يُبْرَمُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، بَلْ هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شريك له، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} الزمر/ ٤٤.
وَلَا تَقَعُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَبَدًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ عَظِيمَيْنِ، نَسَفَهُمَا هَذَا الْعَهْدُ الْمُبْتَدَعُ:
١. إِذْنُ اللهِ لِلشَّافِعِ أَنْ يَشْفَعَ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} البقرة/ ٢٥٥، فَحَتَّى سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشْفَعُ ابْتِدَاءً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ يَخِرُّ سَاجِدًا تَحْتَ الْعَرْشِ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: “يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَكَيْفَ يَجْرُؤُ أَحَدٌ دُونَهُ أَنْ يَقْطَعَ عَهْدًا بِمُبَادَرَتِهِ لِلشَّفَاعَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ؟
٢. رِضَا اللهِ عَنِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} الأنبياء/ ٢٨.
فَلَا يَكْفِي أَنْ تَكُونَ أَنْتَ نَاجِيًا لِتَأْخُذَ بِيَدِ أَخِيكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْ أَخِيكَ لِيَقْبَلَ شَفَاعَتَكَ فِيهِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَعَاهُدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ النَّاجِي بِيَدِ أَخِيهِ، فِيهِ (تَأَلٍّ عَلَى اللهِ)، وَادِّعَاءٌ لِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ مِنَ النَّاجِينَ، وَأَنَّهَا سَتَنَالُ إِذْنَ اللهِ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ تُحِبُّ، وَهَذَا كُلُّهُ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ وَمُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِأُصُولِ الِاعْتِقَادِ.
ثانيًا:
إحداث هيئة وعهد لا أصل له، ويصنف من “البدعة الإضافية”، فالشفاعة بين المؤمنين يوم القيامة حق وثابت بالنصوص الصحيحة، كحديث الشفاعة الطويل وفيه: “يَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا…”. ولكن، صياغة هذا المعنى في “عهد وميثاق” لفظي يُؤخذ باليد، ويتم التعاهد عليه صَرَاحَةً، هو من البدع الإضافية.
فالصحابة رضوان الله عليهم هم أشد الناس حُبًّا لبعضهم، وأحرصهم على النجاة، ولم يُنقل عن أبي بكر وعمر أو غيرهم من السلف أنهم عقدوا مثل هذا العهد بينهم، والخير كل الخير في اتباع من سلف.
ثَالثًا:
ومن أشد ما في المقطع غرابة، هو ختمه بقراءة الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ…} الفتح/ ١٠.
وهذه الآية خاصة ببيعة الرضوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزيلها على “عهد بدعي” بين الناس بحجة “التبرك” هو سوء أدب مع كتاب الله، وتوظيف للنصوص في غير سياقها الشرعي لتمرير هذه الأفعال العاطفية.
رابعًا:
ذكر الشيخ أنه أخذ هذا العهد من بعضهم “في جوف الكعبة” وأنه أمسك بأيديهم في الملتزم من الداخل.
وهذا مسلك خطير؛ حيث يُستغل شرف المكان -الكعبة- لإضفاء الشرعية والمشروعية على عمل لم يشرعه الله ولا رسوله، وكأن الفعل يصبح سُنَّةً إذا فُعل في جوف الكعبة!
خامسًا:
إن فتح هذا الباب للعامة والمشاهدين عبر التلفاز لأخذ “عهد بالنجاة”، يورث في قلوب العوام اتِّكَالًا فاسدًا، وتَعَلُّقًا بالأماني والأشخاص بَدَلًا من التعلق بالعمل الصالح وإخلاص التوحيد الذي هو المنجي الحقيقي يوم القيامة.
نسأل الله أن يرزقنا النجاة برحمته ثم باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ٨ مايو ٢٠٢٦ م