الرئيسية بلوق الصفحة 32

يعاني من عجز جنسي خفيف غير مؤكد، فهل يتزوج؟

السؤال:

ما زلت عازبا وأبحث عن الزواج.  لكن عندي مشكلة بسيطة تتمثل في أني أعاني من عجز جنسي طفيف وغير مؤكد وغير منتظم.  والأمر الذي يشغل تفكيري دائما هو أني إذا ما تزوجت, فقد لا تقبل الزوجة بوضعي.  وقد يؤول الأمر في النهاية إلى الطلاق.  فما هي أفضل الأشياء التي يمكنني فعلها؟  وهل أتزوج, أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لابد أن يعلم المسلم أن الزواج هو سنة الأنبياء السابقين، قال الله تبارك وتعالى:{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [ الرعد / 38 ].

وعن  أنس بن مالك -رضي الله تعالى- عنه قال: ” جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  صلى الله عليه وسلم  يسألون عن عبادة النبي  صلى الله عليه وسلم  فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي  صلى الله عليه وسلم  قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني  “. رواه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ).

 

ثانيًا:

إن الشيطان له دور أساسي في تفريق الأزواج ومحاولة منع ارتباط مسلم بمسلمة.

عن جابر قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث    سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرقتُ بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت “. رواه مسلم ( 2813 ).

 

ثالثًا:

أنك ذكرت أن هذا العجز طفيف وغير مؤكد وغير منتظم، وعليه: فلا داعي للخوف من ذلك ولعل هذا من وساوس الشيطان لمنعك من الزواج.

 

رابعًا:

نصَّ الفقهاء في مسألة ” العنِّين ” وهو الذي لا ينتشر ذكَرُه أنه يوقف سنة، ولا يفسخ عقد نكاحه إلا بعد سنة وبشرط طلب الزوجة، فإذا لم تطلب فلا يفسخ عقد نكاحه.

خامسًا:

أرى أن تتوكل على الله وأن تستعين به وأن تقدم على الزواج فهو خير لك إن شاء الله، وإن تبين شيءٌ بعد الزواج: فالعلاج والطب تقدم، وتستطيع بإذن الله أن تتعالج على فرض أن يوجد شيء، ولا داعي لإخبار من تريد أن تتقدم إليهم لأن هذا الأمر أمر فرضي وغير مؤكد، وعدم إخبارهم ليس من الغش لأن الأمر غير مؤكد وطفيف كما ذكر السائل، ولا داعي لأن تُحبط لأنك إذا ذكرت ذلك لهم وبيَّنت كما ذكرتَ أنه طفيف وغير مؤكد: فسيوسوس لهم الشيطان، وستجد نفسك محبَطا، ولا داعي لذلك إلا إذا كان الأمر مؤكَّدً من قِبَل طبيبٍ مسلمٍ ثقةٍ، وأن العجز كبير، ولا يرجى زواله؛ فعند ذلك يجب إخبارهم.

 

سادسًا:

عليك بالاستعانة بالله وأن تتسلح بأعظم سلاح وهو الدعاء إلى الله والابتهال إليه بأن ييسر لك الزواج ليكمل نصف دينك ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافيك وأن يرزقك زوجة صالحة.

 

والله أعلم.

 

كيف لنا أن نحصل على أجر الهجرة في هذه الأيام؟

السؤال:

كيف لنا أن نحصل على أجر الهجرة في أيامنا هذه ومع وجود كل هذه الفتن في سائر أرجاء العالم؟  وهل يوجد مكان محدد؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن نعرف قبل الكلام في المسألة معنى الهجرة:

الهجرة في اللغة: الترك، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره.

وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه.

* وقد وقعت الهجرة في الإسلام على معنيين:

  • الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمان كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
  • الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن قدر عليه باقيا.

انظر: ” فتح الباري ” ( 1 / 23 ) لابن حجر العسقلاني.

ثانيًا:

اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } [ النساء / 97]، ودار الإسلام: هي الدار التي يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه ونفسه وماله ويكون هذا الأمان بأيدي المسلمين لا دخول تحت حماية الكافر كما هو الشأن في من يعيش في بلاد الكفر، والشرط الثاني: أن تكون شرائع الإسلام ظاهرة من جمعة وجماعات وأذان وغير ذلك.

ثالثًا:

إن إشارة السائل إلى وجود الفتن في جميع أنحاء العالم قول صحيح، ولكن مما لاشك فيه أن هذه الفتن تتفاوت، فلا خلاف بين العقلاء مثلا أن من يعيش في أمريكا يتعرض للفتن أكثر ممن يعيش – مثلًا – في الرياض، فلا شك أن من يعيش في بلاد الكفر يتعرض للفتن هو وزوجته وأولاده أكثر ممن يعيش في بلاد المسلمين، فصحيح أنه يوجد في بلاد المسلمين فتن، ولكن يستطيع المسلم أن يتجنبها وأن يجنبها أولاده، وأما في بلاد الكفر فيصعب عليه وعلى أولاده أن يعيش بمنعزل عن المحيط حوله، وإن استطاع هو أن يسيطر على نفسه لا يستطيع السيطرة على أولاده، وهذا معلوم ومشاهد، والبلاد الإسلامية لا تزال بخير ولله الحمد وهذا الخير يتفاوت من بلد إلى آخر ومن شخص إلى آخر، وبالجملة هي أفضل من بلاد الكفر.

ثالثًا:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السكنى عند الكفار، بل قد تبرأ ممن يسكن عندهم، وقد بوَّب الإمام الترمذي في ” سننه ” بابًا أسماه: باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، ثم ذكر حديث جرير ابن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعث سرية إلى ” خثعم ” فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم  فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما. رواه الترمذي في “سننه ” ( 1606 ) وأبو داود ( 2645 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” إرواء الغليل ” ( 5 / 29 ).

والحكمة في ذلك أن المسلم مهما كان متمسكا بالالتزام لابد أن يتأثر بهم ويأخذ من عاداتهم أو يتنازل عن شيء من التزامه أو يداهنهم ليستطيع العيش معهم، ناهيك عن عدم الأمان على نفسه أو ماله أو عرضه كما جاء في الحديث.

رابعًا:

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أفضل بلد للسكنى هل مكة أو المدينة أم بلاد الشام؟

فأجاب رحمه الله أن ذلك يتفاوت بحسب الأشخاص، وقال:

ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور.

وقد كتب أبوالدرداء – وكان في بلاد الشام -إلى سلمان  الفارسي – رضي الله عنهما – وكان سلمان في العراق -: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سليمان: إن الأرض لا تقدس  أحدًا، وإنما يقدِّس العبدَ عملُه ” – أخرجه مالك في موطئه ( 2 / 769 ) -.

وكان النبي قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا، وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام:{ سأريكم دار الفاسقين } [ الأعراف / 145 ]، وهى الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 283 ).

فدل ذلك أن الأرض لكل إنسان تتفاوت مع بيان أنه لا يجوز السكنى في بلاد المشركين لغير ضرورة وبالنسبة للبلاد الإسلامية فالأرض التي يعبد فيها المسلم ربه حق العبادة  هي الأفضل في حقه ولا يتعين عليه بلد معين ولا بقعة معينة حتى الحرمين كما قرر ذلك شيخ الإسلام.

 

والله أعلم.

أيهما أفضل للأرملة الزواج أم عدمه؟

السؤال:

هل من المستحسن الزواج بأرملة لديها أطفال؟  أعني، هل من الأفضل لها أن تتزوج, أم تبقى بدون زواج؟ أرجو التوضيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يقال في مثل هذه الحال إن الزواج من أرملة ذات أطفال أفضل من البكر، بل يرجع ذلك إلى حال الزوج، فقد يتناسب حاله والزواج من أرملة، فيكون ذلك أفضل.

وقد تكون الأرملة صاحبة دين وخلق لا يفرط في مثلها، ولا يجد من الأبكار ما هو مثل حالها.

أما من حيث العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب بنكاح الأبكار.

وهذا جابر رضي الله عنه قد مات والده وترك له أخوات فلم يتناسب حاله والزواج من صغيرة في أعمارهن، ورغب رضي الله عنه بنكاح ثيب تقوم على خدمتهن ورعايتهن ، فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا فأتى علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال جابر فقلت نعم قال ما شأنك قلت أبطأ علي جملي وأعيا فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تزوجت قلت نعم قال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس ثم قال أتبيع جملك قلت نعم فاشتراه مني بأوقية ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وقدمت بالغداة فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال أالآن قدمت قلت نعم قال فدع جملك فادخل فصل ركعتين فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن له أوقية فوزن لي بلال فأرجح لي في الميزان فانطلقت حتى وليت فقال ادع لي جابرا قلت الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه قال خذ جملك ولك ثمنه.

رواه البخاري ( 1991 ) ومسلم ( 715 ). وفي رواية عند البخاري ( 2257 ): ” تعلمهن وتؤدبهن “

وفي رواية أخرى عند البخاري ( 2805 ) ومسلم ( 715 ): قال وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته هل تزوجت بكرا أم ثيبا فقلت تزوجت ثيبا فقال هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك قلت يا رسول الله توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن.

 

 

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت امرأة ثيبا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت يا جابر فقلت نعم فقال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك قال فقلت له إن عبد الله هلك وترك بنات وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن فقال بارك الله لك أو قال خيرا. رواه البخاري ( 5052 ).

قال الشيخ مصطفى الرحيباني:

( وسن ) لمن أراد نكاحا ( تخير ذات دين ) … ( البكر ) لقوله عليه الصلاة والسلام لجابر: ” فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك ” متفق عليه، ( إلا أن تكون مصلحته في نكاح ثيب أرجح ) فيقدمها على البكر مراعاة للمصلحة. ” مطالب أولي النهى ” ( 5 / 9 ، 10 ).

 

ثانيًا:

أما الأرملة نفسها فلا شك أن الأفضل لها هو أن تتزوج، فإن في الزواج صيانة لعرضها، ورعاية لأولادها، وهذا ما كان عليه القرون الأولى، فلا تكاد المرأة تنتهي عدتها حتى يأتيها الخُطَّاب، وأحيانًا يكون ذلك برغبة منها، وخاصة إذا كانت شابة صغيرة في السن.

والترمل فترة شديدة على المرأة، فهي قد فقدت زوجها الذي كان يعولها، ويعينها على تربية أولادها، والإسلام لا يفرض على الأرملة إلا الاحتداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمى بالعدة التي تنتهي بوضع الحمل أو انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل، وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة في الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج، غير أن بعض الزوجات لا ترغب في الزواج ثانيا وذلك لبعض الأسباب ومنها:

  1. وجود بعض الأعراف في بعض البلدان من نظرة الازدراء إلى من تتزوج بعد موت زوجها، أو بسبب نظرة الابن والبت إذا كانوا كبارًا لأمهم وهي زوجة جديدة، أو لصعوبة أن يروا أحدًا مكان والدهم.
  2. انشغال الأم الأرملة في تربية أيتامها الصغار وخشيتها من ضياعهم إن تزوجت بسبب انشغالها بزوجها الجديد أو قسوة زوجها الجديد عليهم، وخاصة مع كبر سنها.

وقد ذكرت أم سلمة عذرها للنبي صلى الله عليه وسلم في عدم الزواج أنها كبيرة السن وأن عندها أيتامًا.

  1. شدة حبها لزوجها الأول فلا ترضى بغيره بديلًا، سواء في الدنيا أو في الجنة، وقد ذكرنا أن أصح الأقوال أن المرأة لآخر أزواجها.

فأم الدرداء الصغرى – واسمها وهجيمة الأوصابية -، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت لهذا السبب.

ولنا في الصحابيات خير قدوة، فهذه فاطمة بنت قيس: تزوجت أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها، فخطبها عبد الرحمن بن عوف وأبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان، ثم أشار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسامة بن زيد.

وهذه أسماء بنت عميس: تزوجت جعفر بن أبي طالب، ثم أبا بكر الصدِّيق، ثم علي بن أبي طالب.

قال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس فتفاخر ابناها: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر فقال كل منهما:

أبي خير من أبيك، فقال علي: يا أسماء اقضي بينهما، فقالت: ما رأيتُ شابًّا كان خيرًا من جعفر ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر فقال علي: ما تركتِ لنا شيئًا ولو قلتِ غيرَ هذا لمقتكِ, فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار. سير أعلام النبلاء ( 1 / 208 ).

وهذا عمر رضي الله عنه يبحث عن زوج لابنته حفصة بعدما تأيم، فيعرضها على أبي بكر وعلى عثمان، – وكلٌّ منهما كان متزوجًا – ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخطبها لنفسه.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرًا توفي بالمدينة – قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه.

فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها. رواه البخاري ( 3783 )، و ( 4830 ) وبوَّب عليه: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.

– تأيمت: صارت أيِّماً، وهي من مات زوجها.

– أوجد: أشد غضبًا.

وننبه إلى أن بعض الدول الآن تصرف راتبًا للأرامل وتسهل لهم سبل المعاش، مما يدعوهن للاستغناء عن الزواج، والاكتفاء بما تصرفه لهم الدولة، وهو ما سبَّب مفاسد كثيرة بين الأرامل، وبخاصة إذا اجتمعن في سكنٍ واحد، فالواجب الانتباه لهذه المسألة، والمساهمة في طهارة المجتمع في المساعدة على تزوجهن والحض على تزويجهن.

 

والله أعلم.

 

يعيش في بلاد الغرب وعرضت عليه جهة العمل عملًا في بلاد إسلامية، فهل يجب عليه الانتقال؟

السؤال:

أعيش في أمريكا, وهي بلاد كفر ولا شك.  وقد عرضت جهة العمل التي يعمل فيها زوجي له فرصة ليعمل في الشرق الأوسط (وهو أصلا من تلك المنطقة من العالم).  ولا يوجد أي سبب وجيه يمنعنا من الذهاب إلى هناك.

وسؤالي هو:  إذا توفرت للمسلم فرصة العيش في بلد مسلمة بدلا من بلاد الكفر, فهل يجب عليه أن ينتقل ليعيش في تلك البلاد الإسلامية, بدلا عن الاستمرار في العيش في بلاد يغمرها الفساد؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ورد النهي من العيش في بلاد الكفر والشرك ففي حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بعث رسول الله  صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  فأمر لهم بنصف العقل وقال: ” أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا: يا رسول الله لم قال: لا تراءى ناراهما “.

رواه أبو داود ( 2645 ) الترمذي ( 1606 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة  الصحيحة ” ( 636 ).

  1. تجب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، قال ابن حجر رحمه الله: الهجرة معناها الترك والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه.

 وقد وقعت في الإسلام على وجهين:

الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرَتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.

الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي  صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا. ” فتح الباري ” ( 1 / 16 ).

  1. أن الفقهاء اتفقوا على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا } [ النساء / 97].

ودار الإسلام هي:

أ.  الدار التي يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه ونفسه وماله ويكون هذا الأمان بأيدي المسلمين لا ما يكون تحت حماية الكافر كما هو الشأن فيمن يعيش في بلاد الكفر.

ب. وهي التي تكون شرائع الإسلام ظاهرة من جمعة وجماعات وأذان وغير ذلك، ولا شك أن مثل هذه الأمور غير متحققة في بلاد الكفر.

  1. ذكر بعض العلماء أسبابًا لجواز السفر إلى بلاد الكفر، وأوجبوا شروطًا على من يسافر من أهل تلك الأسباب.

وهذه الأسباب هي:

  • العلاج الذي لا يتوفر في بلاد المسلمين.
  • العلم الذي لا يتوفر في بلاد المسلمين.
  • الدعوة إلى الله تعالى.
  • التجارة.

والشروط الواجب توافرها في المسافر المعذور:

  • أن يكون محصنًا بالدِّين خشية الوقوع في الشهوات.
  • أن يكون محصنًا بالعلم خشية الوقوع في الشبهات.
  • أن لا يطيل المكث، ولا ينوي الإقامة، بل يرجع متى انتهت مهمته.

 

قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:

أقسام الهجرة:

الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان.

القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك.

وأعظمه: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه.

وأما إذا كان قادرًا على إظهار دينه، ولا يُعارض إذا أقام شعائر الإسلام: فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب.

وبناءً على ذلك: يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه: وجب عليه مغادرته والهجرة منه.

فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين: فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار …

فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شُبهًا في دينهم وفي رسولهم وفي كتابهم وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكًّا متذبذبًا …

الشرط الثاني: أن يكون عنده دينٌ يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك، مثل أن يكون مريضًا يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء.

أو يكون محتاجًا إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصُّصٌ فيه فيذهب إلى هناك.

أو يكون الإنسان محتاجًا إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع.

المهم أن تكون هناك حاجة، ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط: أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم …

والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك: فإنه جائز؛ لأنه سفر مصلحة .. ” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 15 – 19 ).

  1. وبناء على ما سبق يتبين أن على المسلم أن لا يبقى في بلاد الكفر لغير ضرورة من علاج أو أمر مهم آخر وأما غير ذلك فهو غير معذور منه وهو آثم في بقائه في دار الكفر.
  2. أنصح الأخت السائلة وزوجها أن يسافرا إلى البلاد الإسلامية وأن يلتحق زوجها بفرصة العمل التي أتيحت له في بلاد الإسلام وأن يترك ديار الكفر.
  3. مفاسد البقاء في دار الكفر معروفة لكل مسلم وخصوصا من يعيش في تلك البلاد من التخلق بأخلاقهم وضياع الأولاد والانجراف وراء المادية البحتة إلا من رحم الله وقليل ما هم والله المستعان.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للرجل أن يقترض مالًا ( للمهر ) ليتمكن من الزواج؟.

السؤال:

هل يجوز للرجل أن يقترض مالًا ( للمهر ) ليتمكن من الزواج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا شك أن الزواج كرامة وفضيلة وسنة عن أنبياء الله ورسله:{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [ الرعد / 38 ].

 

  1. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تكفل بإعانة من أراد الزواج ففي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف “. رواه الترمذي ( 1655 )  وحسنه ، والنسائي ( 3120 ) وابن ماجه ( 2518 ).

والحديث: حسَّنه الترمذي، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3050 ).

فعلى من يرغب بالزواج أن يستعين بالله في هذا الأمر وسيجد العون من الله تبارك وتعالى.

 

  1. يجوز للمسلم أن يقترض مالًا لكي يتزوج ويعف نفسه وخاصة إذا وجد في نفسه رغبة ملحة وخشي الوقوع في الفتن أو الحرام، ولكن على المسلم أن لا يتكلف ما لا يستطيع أو يحمل نفسه فوق طاقتها، فيقترض المسلم على قدر الحاجة والضرورة والله سيكتب له العون على سدادها إن علم منه صدق نية السداد ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله “.

رواه البخاري ( 2257 ).

 

– ونسأل الله أن يعينك على الزواج وأن يعين كل راغب به من المسلمين.

 

والله أعلم.

 

حكم قول: ” رحمه الله ” بعد ذكر اسم الموتى، وهل فعله الصحابة؟

السؤال:

سمعت القليل من المسلمين الذين يقولون دائما “رحمه الله” بعد ذكرهم لاسم أحد الموتى من المسلمين،  وخصوصا العلماء السابقين.

هل فعل الصحابة هذا الفعل عند موت أحدهم؟  وهل هذا من البدع؟  وإذا كان الجواب بلا، فلماذا لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

قول ” رحمه الله ” بعد ذكر اسم أحد الموتى: لا حرج فيه، بل وقد تقال هذه الكلمة للأحياء، وهو ليس من باب الجزم واليقين، بل هو من باب الدعاء والرجاء.

وقد ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم هذه العبارة دعاءً لبعض أصحابه الأحياء دلالة على قرب موته، وذكرها دعاءً لبعض من ذكَّره آية أنسيها، وذكرها الصحابة رضي الله عنه دعاءً لبعض أصحابهم الموتى، وتتابع العلماء على هذه الكلمة دعاءً بعد ذكر اسم أحدٍ من العلماء الذين قضوا نحبهم – غالبًا -.

وهذه طائفة من الأحاديث والآثار والأقوال ففي هذه المسألة:

  1. عن سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال رجل منهم: أسمِعنا يا عامر من هنيهاتك فحدا بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من السائق؟ قالوا: عامر، فقال: رحمه الله، فقالوا: يا رسول الله هلا أمتعتنا به؟ فأصيب صبيحة ليلته، فقال القوم: حبط عمله قتل نفسه فلما رجعت وهم يتحدثون أن عامرًا حبط عمله فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، فقال: كذب من قالها، إن له لأجرين اثنين، إنه لجاهد مجاهدٌ، وأي قتل يزيده عليه. رواه البخاري ( 6496 ) .
  2. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا. رواه البخاري ( 2512 ) ومسلم ( 788 ).

ومن هذا الباب:

عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفُنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف, فلمَّا أصبح غدا على النبي  صلى الله عليه وسلم فقال: قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة.

رواه مسلم ( 2054 ).

  1. عن أبي جمرة قال: قال لنا ابن عباس ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غِفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي … فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس قال فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله.

رواه البخاري ( 3328 ).

  1. عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فيأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رحمه الله. رواه البخاري ( 2599 ).
  2. عن عبدة وعاصم بن أبي النجود سمعا زر بن حبيش يقولا: سألت أبيَّ بن كعب رضي الله عنه فقلت: إنَّ أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين فقلت بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. رواه مسلم ( 762 ).
  3. قال الإمام النووي:

يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار فيقال: رضي الله عنه أو رحمة الله عليه أو رحمه الله ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء: إن قول رضي الله عنه عنه مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم: رحمه الله فقط فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه، ودلائله أكثر من أن تحصر، فإن كان المذكور صحابيا ابن صحابي قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: وكذا ابن عباس، وكذا ابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم ليشمله وأباه جميعا. ” المجموع ” ( 6 / 149 ).

  1. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله:

الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأما بعد:

فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه ” مغفور له ” أو ” مرحوم ” أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله وأن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنَّة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب أو شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، ولذا ينبغي أن يقال بدلا منها: غفر الله له أو رحمه الله أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت.

وأسأل الله سبحانه أن يهدينا جميعا سواء السبيل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 2 / 57 ).

  1. وقال علماء اللجنة الدائمة:

المشروع: أن يقال في حق الميت المسلم رحمه الله، لا ” المرحوم “.

وقالوا:

لا يجوز قول ” المرحوم ” للميت، وإنما يقال رحمه الله؛ لأن الجملة الأولى إخبار من القائل، وهو لا يعلم الحقيقة، بل الله سبحانه الذي يعلمها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 141 ).

 

 

والله أعلم.

زوجها لا ينفق عليها ولا على أطفالها، فكيف تنفصل عنه؟

السؤال:

أعيش في إنجلترا، وعندي طفلتين تذهب الصغرى منهما لمدرسة لذوي الحاجات الخاصة.  والد الطفلتين يعمل في الخارج.  إنه لا يعطيني مالا، وعندما أسافر لزيارته فأنا أقوم بدفع قيمة تذاكر سفري وسفر الطفلتين أيضا.  إنه لا يعطيني مالا للمصروفات، ولذلك فقد أجبرت على العمل.  لقد طلبت منه حتى مهري لكنه رفض أن يعطيني مهري بشكل قاطع.  وفي آخر مرة ذهبت فيها لزيارته، اتهمني بأني أتسبب في صرف ماله عندما أكون معه.  لقد وقع العديد من المشاجرات مع عائلته في الماضي، وقد وصل به (أو بهم) الأمر لدرجة أنه (أو أنهم) كان (أو كانوا) يضربني (أو يضربونني).  أنا لا يُسمح لي بالبقاء في بيت والديه بينما تعيش زوجات اخوته في بيت والدي أزواجهن.  إنه يذهب أيضا للزيارة دون أن يبالي بمشاعري.  وفي مثل هذه الحالات، حيث لا يقوم الزوج بأي من مسؤولياته تجاه زوجته وأبنائه، وليكن ذلك في صورة توفير المال والمسكن، أو متابعة تعليم الأطفال والاهتمام بذلك، أو الاهتمام بصحتهم، فهل يجوز لي أن أبطل الزواج، أم يجب على طلب الخلع؟  أرجو أن تجيب على سؤالي فالوضع أصبح يزيد من كآبتي كما أني لا أعرف أين أقف مع شخص مثله.  ونقطة أخرى، فهو لا يتصل بي هاتفيا ولا يبعث لي برسائل.  أرجو أن تساعدني.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته وأن يفعل ما أوجب الله عليه، ومما أوجب الله عليه المعاشرة بالمعروف، ومنه: النفقة عليها وعلى أولاده.

قال ابن قدامة:

نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب فقول الله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }، ومعنى: { قدر عليه } أي: ضيق عليه، ومنه قوله سبحانه: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر }، أي: يوسع لمن يشاء، ويضيق على من يشاء …

وأما السنة: فما روى جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: ” اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، رواه مسلم، وأبو داود، ورواه الترمذي، بإسناده عن عمرو بن الأحوص، وقال: { ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا; فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن }، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، متفق عليه.

وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.

وأما الإجماع: فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر، وغيره. ” المغني ” ( 8 / 157 ).

وقد أباح الشرع للمرأة أن تأخذ من مال زوجها دون علمه إن كان قد قصَّر في النفقة عليها وعلى أولاده.

عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف.

رواه البخاري ( 5049 ) ومسلم ( 1714 ).

 

ثانيًا:

وأوجب الشرع على الزوج دفع المهر لزوجته كاملًا غير منقوص، وحرَّم عليه أخذ شيءٍ منه إلا بطيب نفسٍ منها.

قال الشافعي:

وقال عز وجل { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } فبين الله عز وجل في كتابه أن مال المرأة ممنوع من زوجها الواجب الحق عليها إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها لأنها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله عز وجل في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به محرم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحا بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد. ” الأم ” ( 2 / 269 ).

 

ثالثًا:

وإذا كان هذا الزوج – أو غيره من الأزواج – يرغب بامرأته زوجةً له فإن عليه أن يسرحها بإحسان, ولا يحل له أن يخترع أسبابًا وحكايات فيها اتهامات، أو يسيء معاشرة امرأته، وهو كاره لها، وقد جعل الله له سبيلًا وهو الطلاق، وهذا من الأوامر التي أمر بها الأزواج، قال تعالى { فإمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان }.

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل.

” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

رابعًا:

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال { فلا  تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل.

” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

 

خامسًا:

ولا يحل للزوج أن يضيِّق على الزوجة لتخالع نفسها وتفتديها، ولا ينجيه ذلك عند الله عز وجل، لأن حق   المرأة لا يضيع إذا تنازلت مكرهة فخالعت نفسها.

وهذا ما لم تأتِ الزوجة بفاحشة الزنا، أو أن رفضت طاعته بالمعروف، فترفض أن تخالع، فهنا يجوز له أن يضيِّق عليها.

قال الله تعالى { ولا تعضلوهن  لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }

فهي وإن كانت مخالعة لتفتدي نفسها منه بعد أن كرهها فضيِّق عليها : فإنه لا يذهب حقها.

والحال: أن البغض إن كان من الزوجة: فتخالع وتفتدي نفسها، ولا يحل لها أن تجبره على الطلاق، فتجمع بين أخذ حقها وكرهها المقام عند زوجها.

وإذا كان البغض من الزوج: فلا يحل له أن يضيِّق عليها، لتفتدي نفسها فتخالع، فيجمع بين أخذ مهرها وكرهه لها.

قال ابن كثير:

وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي: تضاروهن في العشرة لتترك ما أصدقتَها أو بعضَه أو حقًّا مِن حقِّها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ولا تعضلوهن } يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحدٍ واختاره ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 466 ).

 

سادسًا:

فإذا أرادت الزوجة أن تخالع زوجها فلتفعل، ولتؤد إليه مهرها، وطالما أنه لم يدفعه لها فلتحلله منه، وإلا فإن الأصل أن ترفع عليه قضية طلاق ليطلقها وليدفع لها مهرها كاملًا.

وإذا استطاعت الزوجة أن تصبر على أذى زوجها فلتفعل، ولتستعن بربها بدعائه والتضرع إليه، ونسأل الله أن يفرج كربها ويُذهب حزنَها.

 

والله أعلم.

كان تاركًا للصلاة عند عقد النكاح، فهل عقده باطل؟

السؤال:

أنا مسلم, ووالداي كذلك, وقد وُلدت في مجتمع مسلم، بل إن جميع الناس أو سكان دولتي هم من المسلمين 100%. لكن, ولسوء الحظ, فقد كنت ممن لا يصلي أبدا وأنا صغير, وأصعب شيء هو أني عندما تزوجت, لم أكن أصلي وقتها. وقد اتفق بعض العلماء على أن الذي لا يصلي فإنه لا يعتبر مسلما أبدا. وإذا كان الشخص الذي لا يصل هو غير مسلم, فإن عقد نكاحه يكون باطلا, حتى وإن كان الشخص يقوم بأمور الزواج وفقا للشريعة.  وقد تبت الآن إلى الله مما عملته سابقا.  فكيف يكون الوضع إذا كان زواجي ليس صحيحا, بسبب أني لم أكن أصلي عندما تزوجت؟ هذا الأمر يشوش تفكيري. لذلك, هل علي أن أعيد عقد النكاح؟(بالمناسبة, فقد رُزقنا بطفلين, ولله الحمد).

 

الجواب:

الحمد لله

العقد الذي يقع بين الزوجين قبل إسلامهما عقد صحيح، وعقود الكفار في النكاح عقود صحيحة ملزمة، إلا من تزوج منهم امرأة أبيه أو أحد محارمه.

فإن أسلم الرجل بعد كفره لا يقال له جدد عقدك مع امرأتك بل عقده صحيح ماض لا ضرر فيه.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

بل لو أسلم الزوجان الكافران أُقرا على نكاحهما بالإجماع، وإن كانا لا يقران على وطء شبهة وقد احتج الناس بهذا الحديث على أن نكاح الجاهلية نكاح صحيح، واحتجوا بقوله: { وامرأته حمالة الحطب } [ المسد / 4 ]، وقوله: { وامرأة فرعون } [ التحريم / 11 ]، وقالوا: قد سماها الله امرأة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 175 ).

* قال ابن القيم:

قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم فلم يفرق النبي بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك  النكاح.

قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 651، 652 ).

* وقال:

ويعلم علمًا ضروريا أنه لم يفسخ عقد نكاح أحد سبق امرأته بالإسلام أو سبقته ثم أسلم الثاني لا في العدة ولا بعدها.

وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته بالإسلام أو سبقها ثم أسلم الثاني لا في العدة ولا بعدها.

وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته أو سبقها بالإسلام بحيث أحضر الولي والشهود وجدد العقد والمهر وتجويز وقوع مثل هذا ولا ينقله بشر على وجه الأرض يفتح باب تجويز المحالات وأنه كان لنا صلاة سادسة ولم ينقلها أحد وأذان زائد ولم ينقله أحد ومن هذا النمط وذلك من أبطل الباطل وأبين المحال فهذه سيرة رسول الله  وأحواله وأحوال أصحابه بين أظهر الأمة تشهد ببطلان ما ذكره وأن إضافته إليه محض الكذب والقول عليه بلا علم.

فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد “، رواه الترمذي فكيف تقولون إنه لم يجدد لأحد ممن تقدم إسلام امرأته نكاحا؟

قيل: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله قاله أئمة الحديث، قال الترمذي: في إسناده مقال،

وقال الإمام أحمد: هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرها على النكاح الأول، هذا لفظه.

وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب: حديث ابن عباس ” أن النبي ردها بالنكاح الأول”. وقال الترمذي – في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ” أنه ردها بالنكاح الأول فكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين ولم يحدث نكاحا ” -: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 665 – 667 ).

* وقال رحمه الله تعالى:

وتضمن أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل  الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه فرقت الهجرة أو لم تفرق، فإنه لا يعرف أن رسول الله جدد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر قط، ولم يزل الصحابة يسلم الرجل قبل امرأته وامرأته قبله ولم يعرف عن أحد البتة أنه تلفظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفًا بحرف، هذا مما يعلم أنه لم يقع البتة، وقد رد النبي ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع وهو إنما أسلم الحديبية وهي أسلمت من أول البعثة فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة.

وأما قوله في الحديث ” كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين ” فوهم إنما أراد ” بين هجرتها وإسلامه “. ” زاد المعاد ” ( 5 / 136 ).

 

والله أعلم.

 

نصراني يبحث عن الحقيقة ويسأل عن الفروقات بين القرآن والإنجيل؟

السؤال:

قرأت في الصحيفة أن 15% من القرآن يتحدث عن المسيح؛  وكذلك فقد قرأت في النسخة الإنجليزية (لمعاني) القرآن أن محمدًا كان يؤمن بالمسيح وإبراهيم وبجميع الأنبياء وبكتبهم التي سبقت القرآن.  إذا كان الأمر كذلك, فلماذا يقبل القرآن ببعض التعاليم الواردة في الكتاب المقدس, مثل معجزات المسيح, وعدم وقوعه في المعصية, وأنه نبي, … إلى غير ذلك, ويتناقض مع العديد من التعاليم الواردة فيه مثل إلهية المسيح كما ورد في “إيسا” 9:6 و”جان” 1:1, و3:16, وتألم المسيح وموته تكفيرا عن خطايا البشر كما ورد في العهدين القديم والجديد؟

إذا كان القرآن خاليا من الخطأ, فلماذا توجد كل هذه الطوائف في الإسلام مثل “شوهيت(؟)” و”الشيعة” على التوالي؟

لماذا يسمح القرآن بتعدد الزوجات, بينما يمنع الكتاب المقدس من ذلك كما ورد في “جن.” 2:24 و”مات.” 19:5؟

إن روحي تبحث عن الحقيقة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن الله تبارك وتعالى قد أكثر من ذكر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في كتابه لأسباب عديدة منها:

  1. أنه نبيٌّ من أنبيائه، بل ومن أولي العزم من رسله إلى خلقه وعباده، والإيمان به واجب كباقي الأنبياء كما أمر الله سبحانه بقوله { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }.
  2. إن أولى الناس بالعناية الدعوية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وذلك أنهم أقرب الأمم ممن جاءتهم الرسل من آخر الأمم التي بعث فيها آخر الرسل، وقد علم كلٌّ من اليهود والنصارى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصافه مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، والواجب أن لا ينكروها وأن يسارعوا إلى الإيمان به؛ لأنهم يؤمنون من قبل بالرسل خلافًا لغيرهم من عبدة الأوثان، فلما لم يكن منهم ما أُمروا به من الإيمان بآخر الرسل عليه الصلاة والسلام: كان لابد من الرد عليهم وتبين ما آلو إليه من تحريف التوحيد والأحكام فكثر ذكرهم لذلك.
  3. وهو أصل الأصول، وعليه قوام الدين والدنيا، وبه تكون النجاة من النار، والدخول إلى الجنان، وهو تقرير التوحيد لله الواحد الأحد، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام فقالت اليهود: هو دجَّال أفاك كذاب مفتر على الله وجب قتله! والنصارى كان خلافهم أشد فمنهم من قال: إنه الله! ومنهم من قال: إنه ابن الله متحد مع الله في الأقانيم في الظاهر ابن الله وفي الحقيقة الله! ومنهم من قال: هو ثالث الأقانيم التي هي مرجع أصل التوحيد ومدار التثليث! وآخرون قالوا: بل هو رسول من عند الله وبشر كسائر الخلق لكن الله خصه بمعجزات ليقيم الحجة على العباد، والآخِرون هم المصيبون فكان لابد من تفصيل الحال وبيان حقيقة الأمر وإظهار عيسى بما يليق به ولا ينقصه كسائر الأنبياء والمرسلين أنه بشر مخلوق من طين اختاره الله عن سائر البشر ليكون من غير أب إظهارًا لقدرة الله على إيجاد الخلق مع زوال الأسباب، وإن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  كما قال الحق سبحانه { إن مَثَل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } فهذا الفيصل في خلق نبي الله عيسى مع إعجازه أمام أعين البشر فالأكثر إعجازا منه وهو آدم عليه السلام.

فإن كان عيسى عليه السلام وُلد من غير أب: فإن آدم خلقه الله من غير أب وأم وهذا أدعى لإظهار قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق والإبداع وأعظم إعجازا من خلق عيسى عليه السلام  فلكل ذلك وغيره كان لابد من التفصيل في أمر عيسى عليه السلام  ووضع الأمور في نصابها وبيانها على حقيقتها.

والخلاصة: أن المعجزات التي وهبها الله تبارك وتعالى لعيسى عليه السلام إنما هي كسائر معجزات الأنبياء للتدليل على صدقه وأنه رسول الله حقًّا فخلط المحرِّفون هذه المعجزات على بسطاء الناس، وجعلوا من معجزاته وسلية للقول بأنه ابن الله أو الله، وهذا كله تحريف لتعاليم المسيح ورسالة المسيح عليه السلام.

ومن ثم لو أن كل من اتبع نبيًّا جعل من معجزاته التي وهبه الله إياها أنَّه إلهٌ لكان كل الأنبياء آلهة  فما من نبي إلا وتميز عن غيره بمعجزاته فالجبال سبَّحت مع داود عليه السلام وما سبحت مع عيسى، والبحر شُق لموسى وكلَّم ربَّه وكلمه ربُّه فكان كليم الله وما كان هذا لعيسى عليهما السلام، ونوح أغرق الله الأرض بدعائه وما كان هذا لعيسى ومحمد صلى الله خصه الله بكلامه وحفظ له معجزته من الزوال والتحريف وبعث للناس كافة وكان له من المعجزات ما لم يكن لعيسى فهل يجوز أن يكونوا آلهة؟!.

 

ثانيًا:

أما القول أنه إذا لم يكن القرآن محرَّفًا فلمَ توجد هذه الفرق الكثيرة من شيعة وغيرها من الفرق؟.

والجواب على هذا السؤال: أنه لا دخل للقرآن بصواب النَّاس وخطئهم؛ لأن القرآن الكريم هو سبيل الهداية للنَّاس وهذه الفرق قد حذَّر الله تبارك وتعالى منها، ونهى أن نتشبه بالأمم  التي فرَّقت دينها كما قال الله تبارك وتعالى  { ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون }، وقال الله تعالى { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } وأمرهم الله سبحانه  بالاعتصام بكتابه واتباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم فقال { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون }، وقال سبحانه { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم } أي: لا تقولوا قولًا ولا تفعلوا فعلًا خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالمراد: بيان أن الله تبارك وتعالى نهى الناس عن الفرقة وأمرهم بالاجتماع فاتَّبعوا أهواءهم وتترسوا خلف شهواتهم وشبهاتهم ونبذوا كتاب الله خلف ظهورهم وإن حملوا آية من كتاب الله لم يرجعوا في فهمها إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يكون الرأي عندهم هو الحكم وعقلوهم الفاسدة هي المرجع وكل ذلك ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا:

أما السؤال عن تعدد الزوجات في الإسلام ومنعها في العهد الجديد: فاعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لكل رسول شرعةً ومنهاجًا فما مِن نبيٍّ أرسله الله إلا وأمره بالتوحيد، وأما الشرائع فكانت مختلفة ناسخة لبعضها البعض، فما كان جائزًا في زمن آدم عليه السلام من الأحكام والشرائع نُسخ بعضُه في زمن نوح عليه السلام، وما كان جائزًا في زمن نوح كان بعضه منسوخًا في زمن إدريس على القول الصحيح أنه بعد نوح عليهما السلام …. وما كان في زمن موسى نسخ بعضه في زمن عيسى عليه السلام وهذا كما قال الحق سبحانه وتعالى  { لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا }، فإذا فهمت هذا فاعلم أن تعدد الزوجات لم يكن في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وحسب بل كان التعدد في شرائع الأنبياء السابقين ومثاله أن يعقوب عليه السلام قد تزوج من امرأتين وجمع بين أختين على ما ذكر في العهد القديم من سفر التكوين في الباب التاسع والعشرين ( 15 – 35  ).

وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام كان قد تزوج من امرأتين وهما هاجر وسارة  وذكر العهد القديم أن نبي الله داود تزوج من سبعين امرأة أو تسع وتسعون على حد قول العهد القديم،  وسليمان قد تزوج من مائة امرأة، وغير ذلك مما يبين لك أن كلَّ نبيٍّ من الأنبياء يطبق ما شرع الله له من الأحكام، وأن تعدد الزوجات ليس خاصًّا بهذه الأمة، وأما منع النصارى من هذا التعدد فيمكن أن يكون لسببين:

الأول: أنه من شرع الله، وهذا واجب التطبيق قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنَّهم ابتدعوه من عند أنفسهم تشديدًا عليها كما فعلوا في الرهبانية التي ابتدعوها ولم تكن قد كتبت عليهم لكن أرادوا منها أن يرضوا الله عز وجل بها.

 

والله اسأل لك الهداية والتوفيق لبلوغ دين الحق وهو الإسلام وعلى سنة نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام بفهم أصحابه الغر الميامين الكرام.

 

والله الهادي.