الرئيسية بلوق الصفحة 44

روايات همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار لا تصح لا سندًا ولا متنًا

روايات همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار لا تصح لا سندًا ولا متنًا

السؤال:

أثناء بحثي على المواقع وجدت الرد على أن في ” صحيح البخاري ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاول الانتحار لكني لم أجد النص المذكور في ” صحيح البخاري ” حتى تكتمل لي جميع الأركان لكي أزيل الشبهة، لو تكرمتم باطلاع على النص المذكور في ” صحيح البخاري ” مع الشرح المفصل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي يسأل عنه الأخ السائل موجود في ” صحيح البخاري ” برقم ( 6581 )، في كتاب ” التعبير “، باب ” أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

ولفظه:

قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: … وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ “.

 

ثانيًا:

وهذه الزيادة ليست من كلام عائشة رضي الله عنها، بل هي من كلام الزهري، وهو من التابعين لم يدرك تلك الحادثة، ولا حدَّثه بها أحد الصحابة، ولذا نصَّ على ذلك في الرواية نفسها بقوله ” فيما بلَغنا “.

قال ابن حجر – رحمه الله -:

ثم ان القائل ” فيما بَلَغَنا ” هو الزهري، ومعنى الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر.

” فتح الباري ” ( 12 / 359 ).

 

 

 

وقال أبو شامة المقدسي – رحمه الله -:

هذا من كلام الزهري أو غيره، غير عائشة، والله أعلم؛ لقوله: ” فيما بلغنا “، ولم تقل عائشة في شيء من هذا الحديث ذلك.

” شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى ” ( ص 177 ).

 

ثالثًا:

وبلاغات الزهري وغيره لا تُقبل؛ لأنها مقطوعة الإسناد من أوله، فهي كالمعلَّقات تعريفًا وحكمًا، وما لم يكن الراوي يذكر مَن حدَّثه فإنه يكون ما يرويه مجرد أخبار وحكايات، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء.

 

رابعًا:

وقد جاءت أسانيد أخرى فيها ذِكر حكاية محاولة النبي صلى الله عليه وسلم الانتحار أثناء انقطاع الوحي بعدما جاءه أول مرة، وكلها أسانيد مردودة، ما بين ضعيف وموضوع.

ومنها:

  1. إسناد ابن مردويه:

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ووقع عند ابن مردويه في ” التفسير ” من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله ” فيما بلغنا “، ولفظه: ” … فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزنًا غدا منه ” إلى آخره، فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة والأول هو المعتمد. ” فتح الباري ” ( 12 / 359 ، 360 ).

ومعنى قول الحافظ ” والأول هو المعتمد ” أي: أن رواية الزهري فيها لفظ ” فيما بلغنا ” وليست هي موصولة.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – معلِّقًا على ترجيح الحافظ -:

ويؤيده أمران :

الأول: أن محمد بن كثير هذا ضعيف؛ لسوء حفظه – وهو الصنعاني المصيصي -.

قال الحافظ :” صدوق كثير الغلط “، وليس هو محمد بن كثير العبدي البصري؛ فإنه ثقة.

والآخر: أنه مخالف لرواية عبد الرزاق حدثنا معمر … التي ميزت آخر الحديث عن أوله، فجعلته من بلاغات الزهري … .

فدل هذا كله على وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله لهذه الزيادة، وثبت ضعفها.” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 453 ).

 

  1. إسناد ابن سعد:

قال محمد بن سعد:

أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أيامًا لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ” ثبير ” مرة وإلى ” حراء ” مرة يريد أن يلقي نفسه منه فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم صعقا للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا عليه يقول: ” يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل ” قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرَّ الله عينه وربط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وحمي. ” الطبقات الكبرى ” ( 1 / 196 ).

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وهذا إسناد موضوع؛ آفته: إما محمد بن عمر – وهو الواقدي -؛ فإنه متهم بالوضع، وقال الحافظ في ” التقريب “: ” متروك مع سعة علمه “، وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة.

وإما إبراهيم بن محمد بن أبي موسى – وهو ابن أبي يحيى – واسمه: سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني -، وهو متروك أيضًا مثل الواقدي أو أشد؛ قال فيه الحافظ أيضًا: ” متروك “، وحكى في ” التهذيب ” أقوال الأئمة الطاعنين فيه، وهي تكاد تكون مجمعة على تكذيبه، ومنها قول الحربي :” رغب المحدثون عن حديثه، روى عنه الواقدي ما يشبه الوضع، ولكن الواقدي تالف “.

وقوله في الإسناد: ” ابن أبي موسى ” أظنه محرَّفًا من ” ابن أبي يحيى “، ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه؛ فقد دلس بغير ذلك، قال عبد الغني بن سعيد المصري: ” هو إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج، وهو عبد الوهاب الذي يحدث عنه مروان بن معاوية، وهو أبو الذئب الذي يحدث عنه ابن جريج “. ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 451 ).

  1. إسناد الطبري:

قال ابن جرير الطبري:

حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدِّثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرًا … جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي قال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) إلى قوله ( علَّم الإنسان ما لم يعلم ) قال: فقرأته، قال: ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابًا، قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إليَّ من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال: قلت: إن الأبعد – يعني نفسه! – لَشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدًا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحنَّ نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن، قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل … ). ” تاريخ الطبري ” ( 1 / 532 ، 533 ).

ومتن هذه الرواية منكر مخالف للروايات الصحيحة؛ ففي هذا المتن أن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل كان في المنام لا يقظة! ثم إن فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ماذا أقرأ )! وكلاهما باطل، فاللقاء بين الرسولين كان يقظة، والذي قاله صلى الله عليه وسلم ( ما أنا بقارئ ) نفيًا عن نفسه أن يكون قارئًا والرواية المنكرة تثبت أن ليس أمِّيًّا!.

وأما إسناد الرواية: فققال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات؛ وفيه علل:

الأولى: الإرسال؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابيًّا، وإنما هو من كبار التابعين، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

الثانية: سلمة – وهو ابن الفضل الأبرش -، قال الحافظ :” صدوق كثير الخطأ “.

قلت: ومع ذلك فقد خالفه زياد بن عبد الله البكائي؛ وهو راوي كتاب ” السيرة ” عن ابن إسحاق، ومن طريقه رواه ابن هشام، وقال فيه الحافظ: ” صدوق ثبت في المغازي “.  وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في ” السيرة ” ( 1 / 252 ، 253 ) عنه عن ابن إسحاق به دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين [ ]، وفيها قصة الهمّ المنكرة .

فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي، فتكون منكرة من جهة أخرى؛ وهي مخالفته للبكائي؛ فإنه دونه في ابن إسحاق؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم فيهما .

 

 

 

ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب؛ لنكارة معناها، ومنافاتها لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئًا من ذلك، فقال ( 1 / 4 ): ” … وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر … وأشياء بعضها يشنع الحديث به “.

وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية؛ وهي :

الثالثة: ابن حميد – واسمه محمد الرازي -؛ وهو ضعيف جدًّا، كذَّبه جماعة من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازي .

وجملة القول: أن الحديث ضعيف إسنادًا، منكر متنًا، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم بقتل نفسه بالتردي من الجبل، وهو القائل – فيما صح عنه -: ( من تردى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) متفق عليه – ” الترغيب ” ( 3 / 205 ) – لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفاظ الثقات الذين أرسلوه.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 455 – 457 ).

 

خامسًا:

وقد ثيت بما لا شك فيه ضعف الأسانيد التي رويت في محاولة النبي صلى الله عليه وسلم الانتحار، بل وبطلان بعضها، ولا يخفى أن متنها أيضًا باطل منكر، وذلك من وجوه:

  1. أن فترة انقطاع الوحي كانت لإزالة الخوف الذي جاء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أول ما جاءه الوحي، وأنها للاستعداد لما بعده، فكيف يلتقي هذا مع همِّه صلى الله عليه وسلم بالانتحار؟!.

قال محمد الصالحي – رحمه الله -:

الحكمة في فترة الوحي – والله أعلم -: ليذهب عنه ما كان يجده صلى الله عليه وسلم من الروع وليحصل له التشوق إلى العود.

” سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ” ( 2 / 272 ).

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك للحظة في كونه نبيًّا، فقد ثبَّت الله تعالى قلبه بالوحي، وما وجده من الرهبة من نزول الوحي أول مرة فيدل على بشريته، وعلى شدة الوحي، وقد كان يعاني صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عند نزول الوحي في بعض صوره.
  2. وليس هو صلى الله عليه وسلم دون أصحابه رضي الله عنه في رباطة الجأش، وقوة القلب، وعظيم اليقين بربِّه تعالى، بل له النصيب الأوفر من كل ذلك، فهذا الصبي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة الجليلة خديجة رضي الله عنها، كلهم يؤمن بنبوته صلى الله عليه وسلم، أفيكون حال هؤلاء أقوى قلبًا ويقينًا من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيُجعل هو الشاك في نبوته، وهو البائس من استمرار حياته؟! حاشاه أن يكون حاله كذلك، بل له أكمل الأحوال صلى الله عليه وسلم وقد اصطفاه ربُّه على خلقه، وهيَّأه لتحمل رسالته إلى العالَمين أجمعين.
  3. ثم إن الانتحار والتخلص من حياة لم يكن معروفًا في الجاهلية، ولا يُعرف حالًا للعقلاء ولا هو من أفعالهم، فكيف ينسب الهم به لسيد العقلاء وخير الناس؟!.

 

والخلاصة:

لم تصح رواية همِّ النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بالانتحار لتأخر الوحي عليه أول أمر الرسالة، والزيادة التي في البخاري ليست على شرطه فلا تنسب للصحيح، وقد أثبتها البخاري رحمه الله أنها من قول الزهري لا غيره، فهي بلاغ مقطوع الإسناد لا يصح، وقد ذكرنا للحديث روايات أخرى كلها يؤكد عدم صحة القصة لا سندًا ولا متنًا.

 

والله أعلم.

الأحكام المترتبة على من أوقف مزرعة ولم يحدد جهة الموقوف عليهم قبل موته

الأحكام المترتبة على من أوقف مزرعة ولم يحدد جهة الموقوف عليهم قبل موته

السؤال:

أوقف جدي رحمه الله مزرعة تزرع ” حبحب ” على نزول الأمطار، هل يحق لي الأكل من الإنتاج والتصدق والإهداء؟ وماذا أفعل بالربح من بيع ” الحبحب “؟ وهل يحق لي أخذ مبلغ مقابل تعبي؟ وكم نسبته إن كان يحق لي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الذي يظهر لنا من السؤال أنك ناظر وقف جدك، فإن لم يكن الأمر كذلك ومات جدك ولم يوكِّل أحدًا للقيام على وقفه: فالقاضي الشرعي ينصِّب ناظرًا للوقف.
  2. والناظر – ويطلَق عليه ” المتولِّي – للوقف هو الذي يتولى حفظ الوقف، ويرعى تنفيذ شرطه، ولذا كان لا بدَّ من أن يكون الناظر قويًّا وأمينًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 100 ):

ولا بد أن يكون المتولِّي أمينًا قادرًا على إدارة شئون الوقف حتى تتحقق مقاصد الوقف وأغراض الواقف على الوجه المشروع. انتهى.

  1. والمتولِّي للوقف والناظر عليه له وظائف لا بدَّ من بيانها.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 102 ، 103 ):

وظائف المتولي غير محصورة عند التولية المطلقة، فله أن يعمل كل ما يراه مصلحة للوقف وذكر بعض الفقهاء في ذلك ضابطاً فقالوا: يتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة؛ لأن الولاية مقيدة به.

وذكر بعض الفقهاء أمثلة لهذه الوظائف، قال الشربيني الخطيب: وظيفته عند الإطلاق أو تفويض جميع الأمور: العمارة والإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله، فإن فوض له بعض هذه الأمور لم يتعده اتباعا للشرط كالوكيل.

ومثله ما ذكره الحنابلة، وأضافوا عليها وظائف أخرى، قال الحجاوي: وظيفة الناظر: حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه، وله وضع يده عليه، والتقرير في وظائفه، وناظر الوقف ينصب من يقوم بوظائفه من إمام ومؤذن وقيم وغيرهم، كما أن للناظر الموقوف عليه نصب من يقوم بمصلحته. انتهى.

  1. ويستحق الناظر على الوقف أجرة مقابل عمله ورعايته للوقف، فما نصَّ عليها الواقف له: يعطى له، وإذا لم يكن الواقف قد نصَّ عليها: فيُرجع أمر تقديرها للقاضي الشرعي بحسب ما يراه من عمل يقوم به ذلك الناظر.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِى دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمُؤْنَةِ عَامِلِى فَهْوَ صَدَقَةٌ ). رواه البخاري (2624) – وبوَّب عليه: باب نفقة القيِّم للوقف – ومسلم ( 1760 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل في هذا الحديث: القيم على الأرض، والأجير، ونحوهما.

” فتح الباري ” ( 5 / 406 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 210 ):

ذهب الفقهاء على أن الناظر على الوقف يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه. انتهى.

وفي ( 44 / 211 ):

أجرة الناظر إما أن تكون مشروطة من قبل الواقف، أو مقدرة من قبل القاضي.

فإن كانت الأجرة مشروطة من قبل الواقف: فإن الناظر يأخذ ما شرطه له الواقف ولو كان أكثر من أجر مثله، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة.

ونص الحنفية على أنه لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضي أن يكمل له أجر مثله بطلبه. انتهى.

وإن كانت الأجرة مقدَّرة من قبل القاضي بأن لم يجعل الواقف للناظر شيئًا: فقد اختلف الفقهاء في ما يقدِّره القاضي للناظر.

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأجر المقدر من القاضي يجب أن لا يزيد عن أجرة المثل، فإن عين له زائدا عن أجرة المثل يمنع عنه الزائد.

وقال المالكية: يترك الأمر لاجتهاد القاضي. انتهى.

  1. ويجوز للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، وذلك بالقدر الذي جرت به العادة، ويجوز له إطعام صديقه وضيفه منها، ولا يجوز له أن يتمول من تلك الغلَّة لا لنفسه ولا لضيفه ولا لصديقه، ومعنى التمول: التجميع والتخزين، أو البيع وكسب المال من الغلة.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

رواه البخاري ( 2620 ) ومسلم ( 1632 ).

 

 

قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقوله ( لا جناح على من ولِيها أن يأكل منها بالمعروف ) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرت عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادر، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادةً وشرعًا.

وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدْر الذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكل بسرفٍ، ولا نَهْمةٍ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة.

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 4 / 602 ، 603 ).

– الحيطان: البساتين.

– الخبنة: ما يُحمل في الحِضن أو تحت الإبط.

وقال النووي – رحمه الله -:

( غير متموِّل فيه ) وفي رواية غير متأثل مالًا … .

وأما قوله ( غير متأثل ) فمعناه: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه ” مجد مؤثَّل ” أي: قديم، واثلة الشيء: أصله.

” شرح مسلم ” ( 11 / 86 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

( غير متمول فيه ) أي مدخر حال من فاعل وليها.

( غير متأثل مالًا ) أي: غير مجمِّع لنفسه منه رأس مال.

” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 521 ).

وقال الصنعاني – رحمه الله -:

ولا يأخذ من غلَّتها ما يشتري بدله ملكًا، بل ليس له إلا ما ينفقه.

” سبل السلام ” ( 3 / 88 ).

  1. وليس للناظر التصرف في الوقف إلا وفق شروط الواقف، وفي حال أن الواقف لم يحدد الجهة التي يُصرف فيها الوقف: فإن وقفه يصح عند جمهور العلماء، خلافًا للشافعية الذين قالوا ببطلانه، وقد اختلف المصححون له في أوجه صرفه:

فأبو يوسف – من الحنفية – يقول: بأنه يُصرف إلى الفقراء.

وعند المالكية: يُصرف الوقف بحسب غالب الوقف في بلاد الواقف، فإن لم يوجد غالب فيُصرف للفقراء.

وعند الحنابلة يُصرف الوقف إلى ورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم، ويكون وقفًا عليهم فلا يملكون نقل الملك في رقبته، فإن عُدموا: فيُصرف للفقراء والمساكين وقفًا عليهم، ونص الإمام أحمد أنه يصرف في مصالح المسلمين فيرجع إلى بيت المال.

وقال علماء اللجنة الدائمة: فإن كان في أقارب الواقف فقراء: فهم أحق به، لا على سبيل الوجوب.

– انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 149 ، 150 )، و ” أبحاث هيئة كبار العلماء ” ( 5 / 95 ).

والأقرب: أن يُرجع في تحديد الجهة إلى القاضي الشرعي؛ خشية من تدخل الهوى في تحديدها من قبَل الناظر، وبه يسلم من التبعات.

وحيث أنه لم يُذكر في السؤال الجهة التي أوقفت غلة مزرعة الوقف عليها: فيكون إخراج الغلة عامًّا في وجوه الخير والبر، ويكون منها التصدق على الفقراء والمحتاجين، وليس الإهداء؛ لأن الإهداء فرع الملك، وأنت لا تملك من غلتها شيئًا، وإذا أجاز القاضي بيع كمية من ” الحبحب ” فيرجع كسب ذلك لإصلاح المزرعة وتعميرها وتنمية زرعها وبنائها.

والخلاصة:

في حال كنت أنت الناظر على وقف جدك لمزرعة ” الحبحب ” – وهو البطيخ -:

  1. يحق لك الأكل منها على ما جرت به العادة، من غير ادِّخار ولا بيع يرجع ماله لك.
  2. يجوز لك التصدق من غلتها؛ لأن الوقف مسكوت عن جهته، فتكون الجهة التي أوقفت عليها المزرعة جهات بر عامة، بعد الرجوع في الأمر للقاضي الشرعي.
  3. ولك أن تُطعم ضيفك وصديقك من غلتها بالمعروف، ومَن كان مِن هؤلاء فقيرًا أو مسكينًا فلك أن تعطيهم حاجتهم وحاجة أهليهم منها، وليس لك أن تُهدي أحدًا منها.
  4. يحق لك أخذ مبلغ مقابل تعبك، ولك أجرة المثل، وتحديد ذلك راجع للقاضي الشرعي.

 

والله أعلم.

 

الجواب عن نص في ” إنجيل متَّى ” يقف حائلًا بينه وبين أن يُسلم!

الجواب عن نص في ” إنجيل متَّى ” يقف حائلًا بينه وبين أن يُسلم!

سؤال:

تحدث المسيح عن التثليث وقال: إنه ابن الرب، فهل بوسعكم – رجاء – تفسير هذه الآية من ” إنجيل ماثيو ” الموجود فى السورة 28 الآيات 16 – 20؟ وهل يثبت ذلك أن المسيح عيسى هو ابن الرب؟ وقد كنت أفكر فى اعتناق الإسلام لكن أمور كهذه كانت تسبب لي مشكلات.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد يتفهم المرء وجود قناعة عند غيره تجعله مقتنعًا بما هو عليه، لكن الباحث لا يتفهم استمرار المرء نفسه على تلك القناعة إن تبين أنها خطأ، وأنها غير علمية؛ وذلك أن البحث عن الحق هو ما يفعله كل عاقل، وخاصة فيما يتعلق بالمصير الأخروي فإنه إما جنة خالدًا فيها أو نار جهنم خالدًا فيها.

ثانيًا:

ولقد أعجبنا أن يراسلنا فتى في الثامنة عشر من عمره يدين بالنصرانية، ونعتقد أنه باحث عن الحق وراغب في سلوك طريقه، كما نعتقد أن له اطلاعًا جيِّدًا على المواقع الإسلامية وأن اختياره لموقعنا لكي يراسله ليس عبثًا إنما كان عن وعي وإدراك واطلاع، فنسأل الله تعالى أن يهديه لما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، وأن يشرح صدره للحق.

ثالثًا:

واعلم أيها الفتى العاقل أن الربَّ تعالى ليس يشبهه أحدٌ من خلقه، وأن الذي يكون له ولد وزوجة فهو ناقص، وحاشا الرب تعالى أن يكون كذلك، فهو تعالى الغني عن خلقه، القائم عليهم، وكل الخلائق محتاجة إليه، وما المسيح عيسى بن مريم إلا رسول من عنده تعالى، جاء بني إسرائيل بشيرًا ونذيرًا، وقد جعله الله تعالى آية للناس حيث أنجبته أمه من غير زوج، وهذه الآية لا تجعله ابنًا للرب تعالى، فثمة ” آدم ” عليه السلام ليس له أب ولا أم باتفاق جميع الأديان، وهو أولى بأن يكون ابنًا لله تعالى، ولم يقل بذلك عاقل، وحقَّ لهم أن لا يقولوا، كما أن خلق ” حواء “عليها السلام أعظم من خلق عيسى بن مريم عليه السلام، ولم يقل عاقل إنها ابنة الله، وكيف يرضى الأب – عندك – أن يرى ابنه الوحيد! يُصلب ويُعذَّب ويُهان ويُقتل وهو يرى ذلك ولا يخسف الأرض بمن يفعل ذلك بابنه الوحيد؟! إنَّ هذا الأمر لو فعله والدك معك لكرهته وأبغضته وحُقَّ لك ذلك، فكيف يرضى والدك أن يقف متفرجًا على من يهينك ويسومك سوء العذاب وهو يملك من القوة ما ينقذك به ويعاقب من أساء إليك؟! ومثل هذا الأمر هو الذي دعا الملايين من أهل دينك لأن يرفضوا اعتقاد وجود ابن لله تعالى، فتركوا هذا الاعتقاد وأعلنوا اعتقادهم الصحيح وهو أن الله تعالى واحد لا شريك له، ليس له زوجة ولا ولد، وأعلنوا أن عيسى عبدُ لله ورسول، وهؤلاء ليسوا عامة ولا دهماء، بل هم علماء وأطباء وأدباء ومخترعون ومهندسون ومثقفون، وانظر حولك تجد أسماء لامعة في كل فنٍّ من الفنون تركوا ذلك الاعتقاد الخطأ واعتقدوا الاعتقاد الصحيح الذي به سعادتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

رابعًا:

ونرجو أن يخيب ظننا بك في أنك باحث عن الحق لتسلك طريقه، وأنك لم تختر موقعنا هذا ونحن مخالفون لك في الدين إلا وأنت تثق بنا أننا لن نكذب عليك وأننا سندلك على الصواب.

وبخصوص تلك الآيات من إنجيل ” متَّى ” التي سألتَ عنها وكانت عقبة أمامك لتكون مسلماً: فاعلم أنها آيات محرَّفة، وأنها أُدخلت في إنجليل ” متى ” كذبًا على المسيح عليه السلام، ولن نذكر لك اسم مسلم واحدٍ يدَّعي ذلك، بل سنذكر لك أسماء علماء من أهل دينك هم من يقول ذلك، وسنحيلك على صور وثائق تلك المراجع؛ لتعلم أن ما ظننته عقبة أمام إعلان إسلامك ما هو إلا وهم وخيال، فلا تتردد بعد أن تقرأ ما يبين بطلان تلك الآيات من أن تعلن دخولك في دين الله تعالى الإسلام والذي رضيه الله تعالى للخلائق جميعًا وجعله خاتم الأديان، وثقتنا بأنك باحث عن الحق راغب في الوصول إليه تجعلنا مطمئنين لقرارك أنه في الخير لك في دنياك وأخراك.

خامسًا:

والنص الذي سأل عنه السائل هو:

” وأما الأحد عشر تلميذًا فانطلقوا إلى ” الجليل ” إلى الجبل حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له ولكن بعضهم شكّوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلًا: ” دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر “.

إنجيل ” متى ” ( 28 / 16 – 20 ).

والآن إلى نقد تلك الآيات وأنها مقحمة لا أصل لها.

قال الدكتور منقذ السقَّار – وفقه الله -:

وأول نقد يتوجه لهذه الفقرة: أنها رغم أهميتها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح ” أورشليم ” راكبًا على جحش، فهل كان ركوبه على جحش أهم من ذكر التثليث فلم يذكره سوى ” متى “؟.

بل إن خاتمة إنجيل ” مرقس ” نقلت ذات الوصية التي أوصاها للتلاميذ فلم تذكر صيغة التثليث التي انفرد بذكرها ” متى “، حيث يقول ” مرقس “: ” وقال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن ” ( مرقس 16 / 15 )، وهذا دال على إلحاقية نص التثليث وعدم أصالتها.

وهذه الفقرة دخيلة بدليل قول علماء الغرب أيضًا:

  1. يقول ” ويلز “: ” ليس دليلًا على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث “.
  2. ويقول ” أدولف هرنك ” في كتابه ” تاريخ العقيدة “: ” صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس: غريب ذِكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل … كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن ” بولس ” لا يعلم شيئًا عن هذا “، إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه إلى المسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم.
  3. ويؤكد عدم أصالة هذه الفقرة مفسرو الكتاب المقدس ومؤرخو المسيحية كما نقل ذلك المطران كيرلس سليم بسترس – رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك – بقوله:

” يرجّح مفسرو الكتاب المقدس أنّ هذه الوصية التي وضعها الإنجيل على لسان يسوع ليست من يسوع نفسه، بل هي موجز الكرازة التي كانت تُعِدُّ الموعوظين للمعمودية في الأوساط اليونانية، فالمعمودية في السنوات الأولى للمسيحية كانت تعطى ” باسم يسوع المسيح ” ( أع 2 / 38 ، 10 / 48 ) أو ” باسم الرب يسوع ” ( أع 8 / 16 ، 19 / 5 )، من هنا يرجّح المؤرخون أن صيغة المعمودية الثالوثية هي موجز للكرازة التي كانت تُعِدُّ للمعمودية، وهكذا توسّع استدعاء اسم يسوع ليشمل أبّوة الله وموهبة الروح القدس “.

” اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ” المطران كيرلس سليم بسترس ( 2 / 48).

 

 

  1. وحين نقل المؤرخ ” يوسابيوس القيصري ” هذه الفقرة من إنجيل ” متَّى ” لم يذكر فيها الآب ولا الروح القدس، بل قال: ” فقد ذهبوا إلى كل الأمم ليكرزوا بالإنجيل معتمدين على قوة المسيح الذي قال لهم: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي ” “. ” تاريخ الكنيسة ” يوسابيوس القيصري، ( ص 100 ).
  2. ومما يؤكد هذا: أن المخطوطات العبرية المكتشفة حديثًا لإنجيل ” متى ” – الذي كتب أصلًا بالعبرانية – ليس فيها هذا النص، وهذا الأمر اعتبره الدكتور ج ريكارت – أستاذ اللاهوت في الكلية الإرسالية الإنجيلية (Kaufman, Texas) في كوفمان في ولاية تكساس – دليلًا قاطعًا على إلحاقية هذا النص بإنجيل متى، وقال: ” إن الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى أرثوذكس المشرق قد كذبوا على العالم فيما يخص هذا النص من ” متى “؛ وذلك لأن كل من عمِّد بهذه الطريقة قد عُمد كذبًا ومات من غير خلاص “.

www.jesus-messiah.com/apologetics/catholic/matthew-proof.html

ويذكرنا الدكتور ريكارت بالعديد من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن التعميد بيسوع المسيح فقط، كما في قول بطرس في خطبته الشهيرة: ” توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس ” ( أعمال 2 / 38 )، والسامريون اعتمدوا بمعمودية يوحنا المعمدان، فلما سمعوا بطرس ” اعتمدوا باسم الرب يسوع ” ( أعمال 19 / 5 )، فلم يطالبهم بطرس بالتعميد باسم الآب والروح القدس، واكتفى بالتعميد باسم يسوع.

  1. ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح في هذا النص المزعوم، بل إنه أمرهم باجتناب دعوة غير اليهود:

أ. ” هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ” ( متى 10 / 5 – 6 ).

ب. ويتطابق هذا مع شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني تناقض الأمر المزعوم بدعوة الأمم وتعميدها باسم الثالوث، إذ يقول المؤرخ الكنسي ” أبولونيوس “: ” إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لا يبتعدوا كثيرًا عن أورشليم لمدة اثنتي عشرة سنة “.

” الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة ” الأنبا ايسذورس ( 1 / 39 ).

ج. وقد التزم التلاميذ بأمر المسيح عليه السلام، ولم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج، ” وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحدًا بالكلمة إلا اليهود فقط ” ( أعمال 11 / 19 )، ولو كانوا سمعوا المسيح يأمرهم بدعوة الأمم باسم الآب والابن والروح القدس: لخرجوا امتثالاً لقوله، من غير إكراه، ولبشروا الأمم بدعوته.

د. ولما حدث أن ” بطرس ” استدعي من قبل ” كرنيليوس ” الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه لما حصل ذلك: لامَه التلاميذ فقال لهم: ” أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس ” ( أعمال 10 / 28 )، لكنه لم يذكر أن المسيح أمرهم بذلك، بل قال: ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب ” ( أعمال 10 / 42 )، أي: لليهود فقط، ولما رجع إلى ” أورشليم ” تعرض لمزيد من اللوم فقد ” خاصمه الذين من أهل الختان ، قائلين : إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم! ” ( أعمال 11 / 2 – 3 )، فبدأ ” بطرس ” يحكي لهم عن رؤيا منامية رآها سوغت له الأكل مع الأمميين (أعمال 11 / 4 – 10 )، ثم حكى لهم كيف جاءه الروح القدس، وأمره بالذهاب، ” قال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء، وذهب معي أيضًا ” ( أعمال 11 / 12 ).

وبعد هذا العرض الإقناعي المسهب من بطرس رضي التلاميذ عن ذهابه إلى الغلف، ” فلما سمعوا ذلك سكتوا، وكانوا يمجدون الله قائلين: إذا أعطى الله الأمم أيضًا التوبة للحياة ” ( أعمال 11 / 18 ).

وعليه فهؤلاء جميعًا بما فيهم بطرس لا يعلمون شيئًا عن نص ” متَّى ” الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لماذا؟ لأن المسيح لم يقله، وهم لم يسمعوه، ولو كان المسيح قاله لما احتاج الأمر إلى عتاب وملامة.

  1. وأيضًا اتفق التلاميذ مع ” بولس ” على أن يدعو الأمميين، وهم يدعون الختان – أي: اليهود، يقول بولس: ” رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة ( الأمم ) كما بطرس على إنجيل الختان … أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان ” ( غلاطية 2 / 7 – 9 )، فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح – لو كان صحيحًا نص ” متى ” – ويقعدوا عن دعوة الأمم، ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط؟.

فكل هذه الشواهد تكذب نص ” متى “، وتؤكد أنه نص مختلق لا تصح نسبته إلى المسيح.

ثم عند غض الطرف عن ذلك كله: فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، والمعنى الصحيح لخاتمة ” متى “: ” اذهبوا باسم الله ورسوله عيسى والوحي المنزل عليه بتعاليم الله عز وجل “، ولهذه الصيغة الواردة في ” متى ” مثل لا يصرفه النصارى للتثليث، فقد جاء في بعض رسالة ” بولس ” إلى ” تيموثاوس “: ” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين … ” ( تيموثاوس ( 1 ) 5 / 21 ) فإن أحدًا لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص ” متى ” ما يقال في نص ” بولس “.

ويشبهه ما جاء ” سفر الخروج ” من دعوة بني إسرائيل للإيمان بالله وبموسى من غير أن يفهم تساوي المعطوفين في قوله: ” فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى ” ( الخروج 14 / 31 ).

وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات والكتب، وقد نزل في القرآن مثله ( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) النساء/ 136 ، وغير ذلك من الآيات القرآنية.

” الله جل جلاله واحد أم ثلاثة ” ( ص 122 – 125 ).

ويمكنك الاطلاع على مزيد من الأقوال لعلماء نصارى وقساوسة مع توثيق أكثرها بصور من الكتاب المنقول نفسه تحت هذا الرابط:

http://www.aljame3.net/ib/index.php?showtopic=6105&mode=threaded&pid=35588

وستجد أيضًا مراجع وشروحات مصنفة للنصارى كلها تنفي هذا النص أن يكون في ” لإنجيل متى “، ومن هذه الشخصيات والمراجع:

1. ” دبليو بيترسون “.

2. ” قاموس انكور للكتاب المقدس “.

3. ” قاموس بيك “.

4. كتاب ” History of Dogma “.

5. ” من أجل المسيح ” توم هاربر.

6. ” دائرة المعارف البريطانية ” طبعة 1911 م.

7. ” موسوعة شاف هيرزوج للعلوم الدينية “.

8. ” الموسوعة الكاثوليكية “.

9. ” دراسات في العهد الجديد ” الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن، 1923م.

وأخيرًا:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للحق، وأن يكتب لك الخير، وأن يوفقك لما يحب ويرضى من الاعتقاد والأقوال والأفعال، ونحسن الظن بك أن تفعل ما هو صواب، وننتظر منك ن تفرحنا بعد اتخاذ ذلك القرار الصائب.

وأي استفسار آخر فنحن على أتم الاستعداد له، ولن تجد إجاباتنا إلا علميَّة موثقة، ننصح لك ولا نغشك، ونرضى لك ما نرضاه لأنفسنا.

والله الموفق.

كيف يمكن للوالدين تأمين مستقبل أولادهم المعيشي بما لا يخالف الشرع؟

كيف يمكن للوالدين تأمين مستقبل أولادهم المعيشي بما لا يخالف الشرع؟

السؤال:

كيف يمكنني عمل  ” وديعة معيشية ” مستقرة وفقا لأحكام الميراث الإسلامية، حتى يتسنَّى لي ضمان رعاية أطفالي إذا حدث شيء لي ولزوجي؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

من الجيِّد أن يكون للوالدين تفكير في حالة أولادهم المعيشية كيف ستكون بعد وفاتهم، ولكنَّ الأجود من ذلك: أن يكون تفكير واهتمام بحالتهم الدينية، وحالهم مع الله في اعتقادهم ومنهجهم وسلوكهم، والمسلم لم يُخلق للطعام والشراب، ولا رُغِّب الأزواج بالإنجاب للاهتمام – فقط – بطعام أولادهم ولباسهم، بل هذا من القصور، وليعلموا أنهم مسئولون عن رعيتهم تلك نصحوا لهم أو فرَّطوا فيهم، ولذا نود أن يكون منكما اهتمام بهذا الجانب في حياتكم وبعد مماتكم من التربية للأولاد على القرآن والعبادة، ومن الوصية لهما وبهما للاستمرار على ذلك بعد الوفاة، وأن يوصى بمبالغ دون الثلث لأناس أو جمعيات تقوم على مثل تلك العناية والرعاية والاهتمام بتلك الذرية.

ثانيا:

وإذا كان المقصود بـ ” الوديعة المعيشية ” ما يُطلق عليه: ” وثيقة التأمين على الحياة “: فإن هذا الفعل محرَّم، وليُعلم أن التأمين التجاري محرَّم بجميع أنواعه؛ لأن عقوده تتضمن: الربا، والميسر، والغبن، والجهالة، وقد سبق بيان حكم هذا النوع من التأمين في أجوبة متعددة.

ثالثا:

وثمة بدائل عن ذلك المحرَّم وهو:

1. العطية بالعدل لجميع الأولاد، فتفتح حسابات لجميع الأولاد – ذكورا وإناثا – في بنك إسلامي، ويوضع فيها مبالغ بالتساوي لكل واحد منهم – شهريّا أو سنويّا – وعندما يكبر أولئك الأولاد في حياة والديهم أو بعد وفاتهم يكون في حساباتهم مبالغ يستعينون بها على مشاق الحياة وصعوباتها.

2. والأمر الآخر البديل عن ذلك المحرَّم: أن يوقف عقارٌ، باسم الأولاد جميعا ليُسكن من قبَلهم، أو يكون عقارا يدرُّ دخلا يستفيدوا من ريعه، بشرط أن يكون الوقف بصيغة ناجزة، ولا يبقى تحت تصرف الوالدين، بل يكون تحت تصرف الأولاد أنفسهم، أو تحت تصرف ناظر الوقف، فإن بقي تحت تصرف الوالدين وجعلوه وقفا بعد وفاتهم: بطل الوقف وصار حينذاك وصية، والوصية للوارث لا تصح.

– كما ننبه أنه لا يجوز أن يكون الوقف مالا نقديّا؛ لأنه لا يصح وقف المال.

– كما لن يكون بمقدور الأولاد بيع ذلك العقار؛ لأنه صارت عينه وقفا لله تعالى.

ويمكن جعل مثل ذلك العقار وقفا على الأولاد جميعا ثم أولادهم وهكذا، أو يقف الأمر عند الأولاد أو الأحفاد ثم تجعلونه وقفا خيريّا على جهة معينة.

ونحن نرى أن البديل الأول هو الأنسب، دون الثاني، ونسأل الله تعالى أن ييسر أمركم ويوفقكم لما فيه رضاه.

والله أعلم.

حكم مشاركة المسلمين في العيد الهندوسي ” الهولي “!

حكم مشاركة المسلمين في العيد الهندوسي ” الهولي “!

السؤال:

هل ينبغي على المسلمين اللعب بالألوان في ” عيد الهولي ” الهندي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

العيد الوارد ذِكره في السؤال هو عيد الهندوسيين الكفرة، وتبعهم عليه كفرة آخرون كالسيخ والبوذيين وغيرهم، ويطلق عليه ” عيد الهولي “، كما يُطلق عليه ” عيد الألوان ” لما يكون فيه من تلوين أنفسهم وغيرهم بألوان مختلفة حتى تصير أشكالهم غاية في البشاعة، وتُلقى تلك الملابس الملونة بعدها لصعوبة رجوعها كما كانت، كما ويطلق عليه ” مهرجان الربيع ” بسبب توقيته عندهم حيث يكون في بداية فصل الربيع، وتحديدًا عند اكتمال القمر، وقبل اكتماله يقومون بإشعال النيران لاعتقادهم أنهم بذلك يقضون على الأرواح الشريرة! ومنهم من يحرق بجمر تلك النار أجزاء من بيوتهم لطرد الشرِّ عنها! كما ويحتفظون برماد ذلك النار لدفع الأسقام عن أجسادهم!.

وهو عيد ديني في الأصل ويعتقد أهله – الهندوس – أنه تمَّ في أيامه القضاء على آلهة الشرِّ من قبَل آلهة الخير! وهذا جزء من دينهم القائم على الخرافات وعبادة الأصنام، ومع اللعب بالألوان والرقص والغناء يكون توزيع الحلويات، ويهنئون بعضهم بعضًا بلفظ ” عيد هولي سعيد “!.

وكلمة ” الهولي ” تعني باللغة الإنجليزية تعني: ” المقدَّس ” ومن الباحثين من يرى أن معناها عند الهندوس ” الحرق ” لأنهم يعتقدون أن النيران قد قضت على الشر وأهله، وبكل حال فهو العيد المقصود في السؤال.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية ” – في سياق ذِكر الأعياد في الأديان-:

في الهِندوسيَّة:

يقيم الهندوس احتفالاتهم لتكريم مئات الآلهة الهندوسية! ومعظم الاحتفالات مراسم محلية أمام المعابد وتحتفل بقدسيات محددة.

هناك عدد قليل من الاحتفالات يراعيها جميع الهندوس خصوصًا في بيوتهم وقراهم، تجمع هذه الاحتفالات التي تضم ” هُولي ” و ” ديفالي ” بين الاحتفالات الدينية، والولائم، والألعاب النارية، والاستعراضات، وأنواع التسلية التقليدية الأخرى.

وهناك احتفال ” هُولي “، وهو احتفال ” الربيع “، وهو احتفال صاخب، ينثر الناس فيه الماء الملون على بعضهم أثناء الاحتفال.  انتهى.

* وهذه صور للألوان المستعملة في ذلك العيد، وصور لهندوس ملوَّنين بها!:

http://www.s-oman.net/avb/attachment.php?attachmentid=360723&stc=1&d=1267427040

http://www.acaciabahrain.com/aboelezz/images/13-03-2009/03bahrai.jpg

 

ثانيًا:

وإذا عرفنا أن ذلك العيد هو عيد لكفَّار وفي الوقت نفسه هم معادون حاقدون على الإسلام وأهله، وفي تاريخهم وحاضرهم جرائم بشعة في حق المسلمين، إذا عرفنا هذا: لم يكن ثمة توقف في القول بتحريم المشاركة في ذلك العيد الباطل، وأقل أحوال المشاركة أنها كبيرة من الكبائر، وأعلاها أنه كفر بالله تعالى.

وقد دلَّت الأدلة الصحيحة الصريحة على تحريم المشاركة في مثل تلك الأعياد الدينية، وعليه اتفقت أقوال المذاهب الأربعة وغيرهم، ومما يدل على التحريم:

  1. أن الله تعالى ذَكر أنه من صفات المؤمنين أنهم لا يشهدون الزور، وفي قول طائفة من المفسرين أن الأعياد الباطلة هي الزور، أو أنها منها.

قال تعالى ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) الفرقان/ 72.

* قال ابن كثير – رحمه الله – :

وقال أبو العالية وطاووس ومحمد بن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 130 ).

وهذه الجملة ليست خبرًا مجرَّدًا بل هو خبر يراد منه الإنشاء، وهو تحريم شهود ذلك الباطل والزور.

  1. والمشاركة في مثل تلك الأعياد تنبع من ود ومحبة لأولئك الكفار، أو أنها تورِّث ودًّا ومحبة لهم، وكلاهما خطر على اعتقاد المسلم الموحد، وهو منهي عن ذلك أشدَّ النهي.

قال تعالى: ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) المجادلة/ 22.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن وادَّ الكفار: فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 222 ).

 

 

  1. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المتشبه بالكفار فهو منهم، وهو يقتضي تحريم المشابهة لهم قطعًا في أقل أحوالها.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ). رواه أبو داود ( 4031 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُم منْكُم فَإِنَّه مِنْهُمْ ).

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 83 ).

ونكتفي بهذا القدر من الأدلة والأقوال على تحريم مشاركة المسلم في أعياد أولئك الهندوس الكفرة وغيرهم، ولا ينبغي للمسلم تمكين أهله وأولاده من اللعب بالألوان في تلك الأيام؛ لما ذكرناه من الأدلة المحرِّمة لأدنى مشاركة في احتفالات الكفار وأعيادهم الدينية، مع ما فيها من اختلاط وموسيقى ورقص تحتم القول بالتحريم وتوكده، ولو كان ذلك العيد عند مسلمين لما كانت مشاركتهم فيه جائزة؛ لكونه مبتدعًا ويشتمل على محرمات، فكيف يكون جائزًا وهو عيد ديني لكفار محاربين للإسلام؟!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة.

” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 329 ).

 

– وتجدون هنا طائفة من تلك الأجوبة وغيرها حول أعياد الكفار والمسائل المتعلقة بها:

http://www.islam-qa.com/ar/cat/2021#379

 

 

والله أعلم.

 

ما ورد في السنَّة من أحاديث في غزو ” الهند ” رواية ودراية

ما ورد في السنَّة من أحاديث في غزو ” الهند ” رواية ودراية

السؤال:

لدى سؤال يتعلق بـ ” غزوة الهند “، والتي يدَّعي البعض بأنها ستحدث، ويقولون: بأنه مَن سيقتل في هذه الغزوة سيدخل الجنة، ويقتبسون هذا الحديث:

روى النسائي – الحديث ( 3124 )عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَام ).

وفي ” سنن النسائي – الحديث ( 3123 ): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا أُنْفِقْ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي، فَإِنْ أُقْتَلْ كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ أَرْجِعْ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ.

بداية: هل هذه الأحاديث صحيحة؟ وإذا كانت كذلك فهل هي تشير حقًّا إلى حرب في شبه القارة قرب نهاية العالم؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما الحديث الأول وهو حديث ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فهو حديث صحيح. وقد رواه النسائي في ” سننه ” ( 3175 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “، ورواه أحمد في ” مسنده ” ( 37 / 81 ) وحسَّنه المحققون.

وأما الحديث الثاني وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ : فهو حديث ضعيف. وقد رواه النسائي ( 3173 )، وضعفه الألباني في ” ضعيف النسائي “، ورواه أحمد في ” مسنده ” ( 12 / 28 ) وضعفه المحققون.

وثمة طرق أخرى لحديث أبي هريرة كلها ضعيفة، وثمة أحاديث أخرى في الباب لا تخلو من مقال، والذي ثبت وصحَّ هو حديث ثوبان.

ثانيًا:

وقد حصل غزو الهند، وافتتحها المسلمون، وحطموا أصنامها، مرارًا، وقد ابتدأ ذلك في عهد الوليد بن عبد الملك بقيادة القاسم بن محمد الثقفي، وغزيت وافتتحت أيضًا في زمان العباسيين، وذلك بقيادة القائد المظفر ” محمود بن سُبُكتِكين” رحمه الله، وقد فرض على نفسه غزو الهند مرة في كل عام.

* قال الشيخ صدِّيق حسن خان – رحمه الله – توفي عام 1307 هـ -:

وأما الهند: ففتح في عهد ” الوليد بن عبد الملك ” على يد ” محمد بن قاسم الثقفي ” سنة اثنتين وتسعين الهجرية، وبلغت راياته المظلة على الفوج من حدود ” السند ” إلى أقصى ” قنوج ” سنة خمس وتسعين.

وبعد ما عاد عاد ولاة الهند إلى أمكنتهم وبقي الحكام من الخلفاء المروانية والعباسية ببلاد ” السند ” ….

* قال صاحب ” المغني “: … وقصد السلطان محمود الغزنوي أواخر المائة الرابعة غزو ” الهند ” وأتى مرارًا، وغلب، وأخذ الغنائم، وانتزع ” السند ” من الحكام الذين كانوا من قبل ” القادر بالله بن المقتدر العباسي “، ولكن السلطان ” محمود ” لم يقم بالهند وكان أولاده متصرفين من ” غزنين ” إلى ” لاهور ” حتى استولى السلطان ” معز الدين سام الغوري ” على ” غزنين ” وأتى ” لاهور ” وقبض على ” خسروملك ” ختْم الملوك الغزنوية ، وضبط ” الهند ” وجعل ” دهلي ” دار الملك سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومن هذا التاريخ إلى آخر المائة الثانية عشر كانت ممالك الهند في يد السلاطين الإسلامية.

 ” أبجد العلوم ” ( 1 / 344، 345 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله – في حوادث سنة أربع وتسعين -:

وفيها: افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند، وغنم أموالًا لا تعد ولا توصف. ” البداية والنهاية ” ( 9 / 113 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله – في حوادث سنة ست وتسعين وثلاث مئة -:

وفيها : غزا يمين الدولة ” محمود بن سُبُكْتِكين ” بلاد الهند، فافتتح مدنًا كبارًا، وأخذ أموالًا جزيلة، وأسر بعض ملوكهم – وهو ملك ” كراشي ” – حين هرب لما افتتحها، وكسر أصنامها. ” البداية والنهاية ” ( 11 / 358 ).

* وقال أيضًا – رحمه الله – في حوادث سنة تسع وأربع مئة -:

وفيها غزا ” محمود بن سبكتكين ” بلاد الهند، وتواقع هو وملك الهند، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا، ثم انجلت عن هزيمة عظيمة على الهند، وأخذ المسلمون يقتلون فيهم كيف شاءوا، وأخذوا منهم أموالًا عظيمة من الجواهر والذهب والفضة، وأخذوا منهم مائتي فيل، واقتصوا أثار المنهزمين منهم، وهدموا معامل كثيرة.

” البداية والنهاية ” ( 12 / 8 ).

وهذا الذي حصل من غزو الهند من دلائل النبوة، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوعه وهو من علْم الغيب الذي أوحاه الله إليه.

* قال الأستاذ محمد عبد الوهاب بحيري – رحمه الله -:

فائدة : الحديث المذكور – أي: حديث ثوبان – من أعلام النبوة فقد غزا المسلمون الهند والسند في عهد بني أمية – ثم شرع في ذِكر أحداث غزو الهند وفتحها-. ” بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ” ( 22 / 411 ).

وليس هذا الغزو للهند مما يكون آخر الزمان قرب القيامة أو في أيام عيسى عليه السلام كما ذهب إليه بعض أهل العلم، بل الأمر قد وقع، وحديث ثوبان ليس فيه الربط بين العصابتين، بل كل عصابة لها وقتها، وكلاهما قد اشتركا في فضل واحد.

والله أعلم.

هل من حق الزوجة سؤال زوجها أين يخرج؟ وهل يحرم عليها ذلك السؤال؟

هل من حق الزوجة سؤال زوجها أين يخرج؟ وهل يحرم عليها ذلك السؤال؟

السؤال:

هل الشرع يمنع الزوجة من سؤال زوجها عن مكان ذهابه؟ هل الشرع يحرِّم على الزوجة مثل هذه الأسئلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الشرع على الزوجين عشرة كل واحد منها للطرف الآخر بالمعروف.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ) النساء/ 19 أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم، وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ ) البقرة/ 228.

” تفسير ابن كثير ” (2 / 242).

 

ولا شك أنه ثمة فروقات بين حقوق الزوج وحقوق الزوجة، وبين طبيعة الزوج وطبيعة الزوجة، فالزوجة لا تخرج – مثلا – من بيت الزوجية إلا بإذن زوجها، وليس الأمر كذلك بخصوص الزوج، والمرأة لا تأذن لأحدٍ في بيت الزوجية ممن لا يرغب بهم الزوج، وليس الأمر كذلك بخصوص الزوج، وهكذا في كثير مما يعرفه الأزواج في عالَم الحياة الزوجية مما نصت عليه الشريعة المطهَّرة، أو مما عُرف بالعادة والعُرف.

 

ولا يُعرف في شرع الله تعالى، ولا في عادة غالب الأعراف الزوجية أن من حق الزوجة أن تعلم أين يخرج زوجها ولا أين يذهب؛ ذلك أن الأصل في الزوج أنه يبرز من بيته ويخرج منه لمصالح كثيرة تتعلق: بالعمل والعبادة وصلة الرحم، مما يجعل الأمر يشبه المستحيل أن يكون من حق الزوجة أن يُخبرها زوجها أين يذهب وإلى أين يخرج في كل مرة! وليس الأمر كذلك – بالطبع – بخصوص الزوجة؛ لندرة خروجها، ولتعلق أعمالها الكثيرة والعظيمة ببيتها.

 

وفي الوقت نفسه لا نقول بأنه يَحرم على الزوجة أن تسأل زوجها إلى يخرج من بيته، إلا أن يمنعها زوجها من هذا السؤال وأمثاله، فيجب عليها حينئذٍ أن تكف عنها، ولا يحل لها إيذاءها بسؤاله عنها.

 

 

إلا أننا ننبّه الأزواج أن من الأفضل لهم إخبار زوجاتهم بالمكان الذي يقصدونه إذا كان سيستغرق غيابه وقتا طويلا، أو إن كان خروجه لمكانٍ فيه خطر عليه؛ وفي ذلك فوائد كثيرة، منها:

  1. رفع قيمة زوجته وإعطاؤها الأهمية التي تستحقها كشريكة حياة.
  2. دفع القلق الذي يمكن تسببه نتيجة طول غيابه عن البيت.
  3. سرعة البحث عنه في حال طول غيابه المقلق إن كان قصد مكاناً فيه خطر عليه، كمراجعة دائرة أمنية، أو لقاء مع خصم يُخشى عليه منه، أو قصد مكانا فيه فوضى وفتن.

ومبادرة الزوج في إخبار زوجته بخروجه لبعض الأماكن خير من أن تبادر هي بسؤاله، ونرى أن مثل هذا الإخبار منه يقوي العلاقة الزوجية بينهما، ويزيد في محبتها له، وتعلقها به.

 

ونحذِّر الزوجة أن تسأل زوجها في كل مرة أين يذهب وإلى أين يخرج؛ فإن هذه الأسئلة مما يكرهه عامة الأزواج، ولذا فإن الأمهات العاقلات المجربات يحذِّرن بناتهن من هذه الأسئلة قبل زواجها.

 

كما ننبه الأخوات الفاضلات أن يوصين أزواجهن – أحيانا ولو كثرت – أن يتقوا الله تعالى في خروجهم للكسب أو للسهر أو لغير ذلك؛ فلعلَّ هذه الوصية أن تمنع أحدهم أن يفعل محرَّما أو يترك واجبا.

 

– ولينظر بيان حقوق الزوجين، ولماذا تطيع المرأة زوجها، وحكم خروجها من البيت دون إذنه في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

هل يُجمع للموظف بين راتب ونسبة من الأرباح؟ وهل تحل المكافأة مقابل عمله؟

هل يُجمع للموظف بين راتب ونسبة من الأرباح؟ وهل تحل المكافأة مقابل عمله؟

السؤال:

أعمل مع إحدى الشركات التي تعطيني راتبا شهريّا ثابتا، وفي بعض الأحيان أساعدهم في إتمام بعض الصفقات والأعمال، فيقومون بإعطائي نسبة ثمانية بالمائة لكل عملية أنجزها، ولست متأكدا ما إذا كان يجوز لي أن آخذ هذه العمولة أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عقود التوظيف هي عقود إجارة، وهو أجير خاص، وما يقبضه الموظف من مستحقاته آخر الشهر – عادة – هو أجرته مقابل ما قام به من أعمال متفق عليها، ولا خلاف بين العلماء في جواز تحديد مبلغ ثابت لذلك الموظف يكون مستحقّا له، لكنهم اختلفوا في صورتين:

الأولى: أن يكون راتبه نسبة من أرباح الشركة، والجمهور على تحريم هذا؛ لأنه عقد غرر، والمنع من هذا واضح، فقد يعمل ولا تربح الشركة فلا يحصِّل شيئا، فيضيع تعبه، وليس هو مضاربا، بل هو أجير، فالمنع من هذا هو المتعين.

الثانية: أن يُجمع للموظف بين راتب ثابت ونسبة مئوية من الأرباح، والجمهور على المنع؛ لوجود جهالة في جزء من مستحقاته.

والصواب الذي نراه: أنه لا حرج في هذا الجمع بين الراتب والنسبة بشرط أن يكون الراتب هو راتب طبيعي بقدر ما هو متعارف عليه في تلك الوظيفة، وتكون النسبة تشجيعية لزيادة الاهتمام بعمله، لا أن يُخفَّض الراتب لأجل تلك النسبة.

وأما ما يُعطى للموظف – أو للموظفين – أحيانا من نسبة أرباح الشركة ولا يكون له تعلق بالراتب الشهري: فلا يظهر لنا أي حرج من أخذ تلك المكافأة التي تبذلها له شركته مقابل مساعدتهم في إتمام بعض الصفقات والأعمال، أو يُعطى للموظف من إدارة شركته مكافأة له على حسن خلقه، أو انتظامه في دوامه، أو إعانتهم وإرشادهم ونصحهم، فكل ذلك مما لا ينبغي التوقف في جوازه؛ فهو مال مبذول ممن يملكه، ويُبذل عن طيب نفْس، وهذا ما يجعله حلالا طيِّبا.

فإن قصَّر الموظف في أداء الواجب الوظيفي إلا أن يُعطى نسبة من الأرباح أو مكافأة: كان ذلك المبلغ المدفوع له محرَّما؛ لأنه يصير بذلك رشوة، وهو قد استوفى أجره المبذول له مقابل عمله فليس له أكثر من ذلك إلا ما يُعطاه من طيب نفس أصحاب العمل.

 

 

 

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل المكافأة التي يعطيها الرئيس في العمل نظير الجهد المخلص للعامل تعتبر رشوة لأنها فوق الراتب الأصلي؟.

فأجاب:

لا، هذه ليست رشوة ما دام المقصود منها التشجيع على العمل إلا إذا كان هذا العامل لا يقوم بما يجب عليه إلا بهذه المكافأة، فإنه في هذه الحال يكون رشوة ويكون حراماً عليه؛ لأن هذه المكافأة التي بُذلت له في مقابل قيامه بواجب عليه، والقيام بالواجب لا يجوز لأحد أن يأخذ عليه مكافأة؛ لأن ذلك في صميم عمله، فهناك فرق بين أن يعطي الإنسان المكافأة تشجيعًا له على القيام بالواجب وبين أن يعطي المكافأة ليقوم بالواجب؛ لأن القيام بالواجب أمر واجب عليه سواء كوفئ أو لم يكافأ، وأما التشجيع على القيام بالواجب بعد فعله: فلا يدخل في الرشوة فهو مباح إلا أن يفضى إلى محذور في المستقبل بحيث يكون العامل متشوفًا له، فإن لم يحصل قصر في عمله ففي هذه الحال لا يُعطى شيئا لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 314 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز لمسلم أن يحضر ” التعميد المسيحي ” في الكنائس كمراقب؟.

هل يجوز لمسلم أن يحضر ” التعميد المسيحي ” في الكنائس كمراقب؟.

السؤال:

هل يجوز لمسلم أن يحضر ” التعميد المسيحي ” في الكنائس كمراقب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

” التعميد ” طقس ديني شركي تعتمده أغلب الكنائس النصرانية، وينسبون ذلك – زورا وبهتانا – لعيسى بن مريم عليه السلام وهو بريء منهم ومن شركهم، وهو يرمز – عندهم – للتطهر من الذنوب وبدء حياة جديدة، وهو أول طريق دخول الشخص في النصرانية، وسواء كان برش الماء عليه أم بتغميره فيها فإنه في أغلب الأحوال ينطق القس اسم الشخص قائلا: ” أنا أعمدك باسم الأب والابن والروح القدس “، ومن كنائسهم ما يتم تعميد الأطفال فيها ومنها ما تكتفي بالبالغين.

 

ثانيا:

وقد اختلف العلماء – ابتداء – في حكم دخول الكنيسة ذات الصور والتماثيل إلى ثلاثة أقوال، أوسطها: القول بالكراهة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما في ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 327 )، لكنهم لم يختلفوا في تحريم دخولها إن كان لسماع شرك وكذب على الله تعالى ، وهذا ” التعميد ” طقس من طقوس الشرك لا يحل لمسلم حضوره، إلا أن يكون عالِما أو طالب علم لضرورة البحث العلمي والرد وفق تصور واضح، وقد أغنت الأشرطة المصورة هؤلاء عن الحضور، فحتى هذا لم يعُد عذراً مقبولاً لمشاهدة التعميد.

ولا يُعذر المسلم بكونه يعمل في دائرة معينة تتبعها الكنيسة ليشاهد ذلك التعميد ويراقبه ، وهذا العمل لا يليق بمسلم ، وهو متعلق بدين محرَّف فليقم أهله بذلك العمل .

وعليه : فليعلم المسلم أنه لا يحل له العمل في الكنائس، ولا بأي وظيفة فيها، كما لا يحل له العمل في وظيفة طبيعتها مشاهدة الكفر والفساد الديني والأخلاقي الذي يكون داخل تلك الكنائس، بل على المسلم الذي يرى الكفر ويسمع الافتراء على الله تعالى أن يُنكر ذلك، فإن عجز أو لم يتوقف ذلك الكفر والافتراء فلا يحل له البقاء في ذلك المجلس، بل يجب عليه مفارقته، قال تعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) النساء/ 140.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك: فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ( إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) أي: في المأثم.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 435 ).

 

وهذا المنزَّل في الكتاب هو قوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأنعام/ 68.

– وانظر في تحريم تشييع الكافر في كنيسة وما يكون فيه من كلام كفري باطل في أجوبتنا السابقة.

والعمل الدنيوي ليس عذرا للمسلم ليرى ويسمع الكفر ثم لا يكون منه إلا السكوت عنه.

وقد حذَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الدخول على أولئك المشركين في أعيادهم خشية أن يصيب المسلم سخط الرب تعالى الذي ينزل عليهم فكيف بحضور طقوس الكفر والشرك؟! فقد روى البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 9 / 234 ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: ” لا تعلَّموا رطانةَ الأعاجمِ , ولا تدخلوا على المشركينَ فِي كنائسهم يومَ عيدهم؛ فإنَّ السُّخطَةَ تَنْزِلُ عليهم “. وصحَّح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 199 )، وابن القيم في ” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1246 ).

 

والله أعلم.

 

مدرِّسة تربية فنية فهل لها عذر في تعليم الطلاب رسم ذوات الأرواح ؟ وتوجيهات نافعة

مدرِّسة تربية فنية فهل لها عذر في تعليم الطلاب رسم ذوات الأرواح ؟ وتوجيهات نافعة

السؤال:

أنا طالبة أتلقى تكوينا لأصبح أستاذة لمادة ” التربية التشكيلية ” علما أن التصوير يدرس فيها أي رسم الشريط المرسوم والكاريكاتور، إذ إنني أعرف أنه من الكبائر، ولا أريد تدريسه، لكن المشكلة أني محتاجة إلى هذا العمل، وأيضا والديَّ ليسا بمتدينيْن فلن يقتنعوا بحجة التصوير، ولهذا أقترح أن يرسم التلاميذ هذه الصور لكن لن أضع تقويما على أعمالهم، وسألقي بها في المزبلة، فهل هذا جائز؟ إذ إنني سأحاول أن أغيَّر دروس المقرر في المستقبل لجهل المسؤولين لحكم المحتوى، وأيضا لا أريد أن يتلقن أطفال المسلمين ما هو ملعون، وإذا ابتعدت فسأكون – ربما – مساهمة في نشر التصوير بدلا من محوه، فما هو الجائز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر لكِ حرصك على الاستقامة على شرع الله تعالى، ورغبتك في عدم الوقوع في مخالفة للشرع، ونسأل الله أن يسددك ويوفقك لما فيه رضاه.

وما تعْلمينه من حرمة تصوير ورسم ذوات الأرواح – ومنه الرسوم الكاريكاتورية – هو ما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة في تحريم هذا الفعل.

 

ثانيا:

وليس ثمة استثناء في الشرع للطلاب ولا للمعلمين لكي يرسموا ذوات الأرواح، بل الحكم عام ويشملهم.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

أنا كنت أعمل مدرِّسة ” تربية فنية “، فهل هذه المهنة حرام أم حلال؟ علما أنني لا أرسم أشخاصا ولا تماثيل، ولكن أعلم التلميذات على الرسم وعمل الأشغال الفنية.

فأجابوا:

إذا كانت الأعمال الفنية وأنواع التربية التي تقومين بها ليس فيها ما يخالف الشرع المطهر: فلا حرج فيها، أما الرسم ففيه تفصيل: فإن كان رسما لذوات الأرواح: لم يجز؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الوعيد في ذلك، ولعن المصورين، أما رسم ما لا روح فيه كالحجر والشجر ونحوهما: فلا بأس به. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 182 ، 183 ).

 

ثالثا:

والذي نراه لمدرسي التربية الفنية – أو التشكيلية – من المستقيمين على طاعة الله تعالى أن تكون حصصهم خالية من التعليم المحرَّم والأفعال المنكرة كرسم ذوات الأرواح، وأن تكون حصصهم تشتمل على إبداعات للطلاب في مجالات كثيرة تسمح بها تلك المادة، ومن ذلك:

  1. تعليم الطلاب ” كتابة الخط “، فأنواع الخطوط كثيرة، ومجالات الإبداع فيها واسعة، وهي تنفعهم في مستقبلهم لكسب لقمة العيش من ورائها.
  2. رسم الطبيعة المتنوعة من الأشجار والأنهار والجبال والسماء والأرض، وأنواع المباح من هذه المواد كثير جدّا.
  3. نحت الخشب بأشكال جميلة، كالذي يصنع في خزائن غرف النوم وغيرها من الخشبيات في البيوت والمحلات والشركات والمصانع.
  4. تعليم صنع أشكال جميلة في ” الجبص “، لاستعمالها في تزيين البيوت وغيرها.
  5. تعليم الطلاب والطالبات صنع الزهور واستثمار المواد المحلية لصنع أشياء مفيدة للبيوت والمدرسة كصنع إناء من ورق، ومقلمة من كرتون، وغير ذلك.
  6. تعليم الطالبات صنع الدُّمى التي أجازت الشريعة اقتناءها، وكذا تعليمهن قص الثياب لتلك الدمى وتسريح شعورهن.
  7. تعليم الطالبات نقش الحنَّاء على اليدين، ومن المعلوم جواز التزين بالحناء للإناث دون الذكور.

وغير ذلك كثير مما لو تتبعناه لطال معنا الجواب.

هذا وكل الذي ذكرناه ينتفع فيه الطالب والطالبة في دنياهم إذا رغب أحدهم بتنمية مهاراته وأبدع فيها.

ولا نرى أن تلك المادة الدراسية منحصرة في رسم ذوات الأرواح، بل هو شيء تافه وليس فيه منفعة لفاعله ولا لمجتمعه، عدا عن كونه محرَّما.

فنرى أن يقوم المدرِّسون والمدرِّسات من أهل الخير من مدرسي تلك المادة بعمل منهاج يقوم على تأصيل تعليم تلك المواد – وغيرها مما يكون مثلها وأفضل – ليتم نشره في العالَم، حتى يتخلص المدرسون والمدرسات من ضغط الوقوع في حرمة تعليم الرسم المحرَّم.

 

 

 

رابعا:

وإذا كان لا بدَّ من رسم ما فيه روح، ولم يكن ثمة مجال للتخلص من هذا الأمر: فنرى أن تُرسم صور غير كاملة الملامح كأن تكون ليس فيها أنف ولا عيون – مثلا -، وقد سبق جواز رسم هذه الصور، ولم نذكر هذا في الجائزات مما سبق بيانه خشية أن لا يوقف عند حد الجائز فيه، فسدًّا للذريعة لم نذكر هذا فيما سبق.

أو يكون رسم ذات الروح غير ظاهر المعالم، كرسم مصلٍّ وهو ساجد، أو رسم ساحة معركة فيها قتيل لا ترى معالمه، وغير ذلك مما يمكن الاحتيال فيه وعدم الوقوع في الرسم المحرَّم.

وفي أصعب الظروف، وبعد استنفاذ كافة الوسائل للمنع من أن يرسم الطلاب شيئا محرَّما، ولم تستطيعي منع ذلك: فنرى أنه يجوز ذلك بشروط:

  1. أن لا تباشري أنتِ الرسم.
  2. أن لا تقيِّمي الرسومات بعلامات.
  3. أن يرسم كل طالب بني جنسه ، فلا ترسم الإناث ذكورا، ولا العكس.
  4. أن تتلفي تلك الرسومات بعد انتهائهم منها.
  5. أن تكون تلك الرسومات في حدِّها الأدنى مساحة وعددا، أما مساحة: فتكون جزءً من رسمة فيها أشياء كثيرة مباحة، وأما عددا: فتكون في حدِّها الأدنى الممكن عددا.
  6. أن يكون منك سعي للتخلص من هذا الرسم كليّا، إما بإقناع الإدارة بحكم الفعل وأنه محرَّم، أو بإقناعهم بإشغال الطلاب في صنع ما هو نافع ومفيد مما ذكرناه وغيره.

 

ونسأل الله تعالى أن يوفق مسعاكِ للخير، وأن ييسر أمرك في نصح الناس ودلالتهم على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

 

والله أعلم.