الرئيسية بلوق الصفحة 46

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

السؤال:

هل تجوز الصلاة في المسجد الأقصى لو أتيحت الفرصة من خلال الشركات السياحية أم يعتبر حراما لأنه من باب التطبيع مع اليهود؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أ. لا شك أن المسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ). رواه البخاري ( 1132 ) ومسلم ( 1397 ).

ب. والأصح في فضل الصلاة فيه أنها بمائتين وخمسين صلاة، وأما الحديث المشهور أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فضعيف، وينظر في ذلك كتاب ” تمام المنة ” للشيخ الألباني رحمه الله ( ص 292 ).

ج. والمسجد الأقصى ليس حرَما، وإطلاق بعض الناس عليه لفظ ” ثالث الحرمين “: خطأ، وإنما الحرم: مكة والمدينة.

 

ثانيا:

ومن المعلوم أن المسجد الأقصى الآن تحت سيطرة اليهود المغتصبين، ولا يمكن الوصول إليه لمن هو خارج فلسطين إلا من خلالهم، ومن هنا اختلف العلماء المعاصرون في حكم السفر من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، فذهب بعض العلماء إلى تحريم السفر إلى القدس عن طريق اليهود وسفاراتهم، وأجازه آخرون.

* ومن أبرز أوجه المنع عند من مَنع:

  1. قالوا: لما يقتضيه ذلك السفر من أخذ تأشيرة السفر من السفارات اليهودية وهو يعدُّ إقرارا بالاغتصاب وتطبيعا مع اليهود.
  2. وقالوا: إن اليهود هم المستفيدون من هذه الأفواج المسافرة إلى المسجد الأقصى من أوجه كثيرة، من أبرزها:

أ. تحسين صورة اليهود أمام العالَم وأنها لا تمنع المصلين والعابدين من الصلاة في الأقصى.

ب. أن في تحجيما لقضية احتلال فلسطين، وحصر ذلك بالقدس، وها هي تسمح للمسلمين أينما كانوا بالمجيء للصلاة فيه.

ج. الفائدة الاقتصادية، من خلال استيفاء الرسوم في السفارة، والإقامة في فنادقهم، والشراء من بضائعهم.

د. كسر حاجز البغض والعداوة بين المسلمين وبين اليهود المحتلين من خلال زيارة سفاراتهم، والدخول بحمايتهم، ورؤية أعلامهم ترفرف في طريق الذهاب والإياب.

  1. وقالوا: إن المسافر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى معرَّض للوقوع في حبائل فتنتهم، سواء من جهة النساء، أو من جهة المال، ذلك أن الرحلة لن تكون محصورة في زيارة المسجد الأقصى، بل سيتخللها زيارة أماكن أخرى في فلسطين المحتلة، وهو ما قد يسبب فتنة في دين أو خلق من قد ينبهر بما يراه فيها.
  2. وقالوا: إن كان المراد بالسفر إلى الأقصى تحصيل الأجور المضاعفة: فإن البديل هو في الصلاة في مكة والمدينة، وبه يحصِّل أضعافا مضاعفة عما يحصله في الصلاة في المسجد الأقصى.

 

وأما الذين أجازوا الذهاب إلى القدس والصلاة في المسجد الأقصى الآن: فيقولون:

  1. ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المسجد الحرام وطاف وصلى واعتمر فيه بما سمي ” عمرة القضاء ” وذلك ستة سبع للهجرة، وكانت مكة إذ ذاك في قبضة المشركين والذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ذلك من دخولها، فلم يكن وجود مكة في قبضة المشركين مانعا للمسلمين من السفر إليها والصلاة في المسجد الحرام فيها، ولم يكن ذلك واجبا على المسلمين حتى يقال بأنه من باب الضرورة، وليس اليهود بأشد كفرا وطغيانا من المشركين، وهذا دليل شرعي يقضي على الخلاف، ولا ينبغي تقديم العاطفة على الشرع، ولم يكن الذهاب لمكة في ذلك الوقت تطبيعا مع المشركين، ولا مزيلا لحواجز العداء والبغضاء بين المسلمين والمشركين، بل العكس هو الصحيح؛ فإن رؤية الكعبة في قبضة المشركين زاد في العداوة والبغضاء تجاههم، ولم يكن الذهاب لمكة منسيا لجهاد الكفار المحتلين، بدليل ما حصل بعد ذلك من ” فتح مكة ” وتطهيرها من رجس الشرك وأهله، وهكذا يقال في رؤية اليهود وهم يحتلون المسجد الأقصى؛ فإن ذلك يزيد في عداوتهم وبغضهم، ويزيد من الإصرار على تحرير المسجد – بل فلسطين كلها – من قبضتهم.

 

  1. ويقولون: إن السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى فيه توكيد للعالَم بأحقية المسلمين في هذا المسجد، وأنه باقٍ في ذاكرتهم لم ينسوه.

 

  1. ويقولون: إننا بسفرنا هذا نقدم دعما معنويّا للمسلمين هناك، حيث نراهم ونختلط بهم، ونقوي عزائمهم بالكلمة الطيبة والتشجيع على البقاء مرابطين.

 

  1. ويقولون: ونقدم أيضا للمسلمين هناك الدعم المادي، وذلك عن طريق الشراء من بضائعهم، أو إدخال مبالغ للفقراء والمحتاجين هناك.

 

 

 

 

 

والذي يترجح لنا هو جواز السفر إلى القدس من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، لكن بشروط:

  1. أن تكون النية في السفر فقط إلى ” المسجد الأقصى “، دون غيره من أماكن العبادة، أو المساجد.
  2. أن لا يعقب الزيارة ولا يسبقها الذهاب إلى أماكن السياحة؛ لما فيها من مفاسد لا تخفى.
  3. أن لا تكون الإقامة في فنادق يهودية؛ لكونهم مغتصبين لها لا يملكون أرضها.
  4. أن لا يتم الشراء من أيٍّ من بضائعهم؛ لكونهم مغتصبين للأرض أو المحلات، وكل ما بني على فاسد ففاسد.

 

– وقد ذكرنا في جواب سابق تجويز الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للسفر للصلاة في المسجد الأقصى.

 

والله أعلم.

 

حكم أكل ” البالوت ” وهي بيضة تحتوي على فرخ ميت!

حكم أكل ” البالوت ” وهي بيضة تحتوي على فرخ ميت!

السؤال:

( البالوت ) هو عبارة عن بيضة بط أو دجاج مخصبة، تحتوي بداخلها على جنين شبه مكتمل، تُغلى هذه البيضة، وتُؤكل بقشرتها، والاعتقاد السائد هنا في “الفلبين” أنها تحتوي على نسبة كبيرة من البروتين وأنها مفيدة للقلب، وتباع في أسواق الفلبين العامة وشوارعها، فما حكم أكل مثل هذا النوع من البيض؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

جاء في وصف هذا البيض في بعض المواقع:

” عادة ما يستغرق اكتمال الفرخ ( 28 ) يوما، ولكن ” البالوت ” هو بيض تم حضنه مدة ( 18 ) يوما فقط، يحصلون خلاله على جنين حقيقي له هيكل عظمي بدائي … .

عندما يصبح عمر البيضة من ( 16 – 20 ) يوما تصبح جاهزة لتنتقل إلى الأسواق، حيث يتم سلقها لآلاف الزبائن المتذوقين إلى هذه الأكلة، وهذا الأمر يتوقف على حجم البيضة، وتبقي البيضة البالغة ( 18 ) يوما هي الأفضل! حيث يقوم البائعون بغسلها جيِّدا بالإسفنج، وبعد أن تصبح نظيفة شكل كامل توضع في قدر وتسلق “. انتهى.

وهذه صورة البيضة – وهي مقززة ! – لمن رغب مشاهدتها:

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/1_1221_1717_38.jpg

 

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/2_1221_1717_38.jpg

 

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/2_1222_2050_21.jpg

 

ثانيا:

وأما حكم أكل ذلك البيض بما فيه من جنين غير مكتمل: فهو الحرمة؛ لأنه من أكل الميتة، وحرمة أكل الميتة مما لا يُختلف فيه في شرع الله تعالى، بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة.

– وقد سئل علماء اللجنة الدائمة عن حكم أكل البيض تحديداً فأفتوا بالحرمة.

* فقد سئلوا:

لاحظنا عند زيارتنا لـ ” الفلبين ” أن أهل تلك البلاد ينتشر بينهم تناول وجبة غذائية يسمونها ” بالتوت “، وهي عبارة عن: بيض دجاج يوضع في حاضنات البيض حتى تخلق على شكل فرخ صغير بكامل صورته، وقبل أن يفقس البيض بثلاثة أيام يطبخون البيض في الماء حتى ينضج، ثم يكسرون البيض ويأكلون الفرخ الذي بداخله.

أفتونا في حكم أكل هذه الوجبة مأجورين.

فأجابوا:

إن كان الواقع كما ذكر: فإن الفرخ يعتبر ميتة لا يجوز أكله؛ لأنه تخلَّق في البيضة، وتحريم الميتة مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد .  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 305 ).

 

والظاهر أنه ثمة خطأ في اسم البيضة في السؤال، وأن الصواب في اسمها “البالوت”.

 

والله أعلم.

لماذا كان مَن لعن عائشة رضي الله عنها كافرًا ولم يكن كذلك مَن قاتلها يوم ” الجمل”؟

لماذا كان مَن لعن عائشة رضي الله عنها كافرًا ولم يكن كذلك مَن قاتلها يوم ” الجمل”؟

السؤال:

في حرب ” الجمل ” قاتل جيش علي بن أبي طالب عائشة وجيشها قـتالًا بالسيوف، ولم يقل أحد بكفر علي وجيشه لأنهم قاتلوا أم المؤمنين.

السؤال: هل يكون كافرًا مَن لعن عائشة بينما لم يكفر من رفع سيفه عليها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن الأمر يختلف، ولذا كان الحكم مختلفًا؛ فإن عائشة رضي الله عنها لم يصدر منها ما يبيح قذفها وسبَّها، وقد برأها الله تعالى مما اتهمها به المنافقون من فعل الفاحشة، ولذا كان الذي يتهمها بما برأها الله منه: كافرًا مرتدًّا؛ لأنه يكون مكذِّبا لله تعالى، وهذا ما اتفقت عليه كلمة العلماء فيمن قذفها أو سبَّها أو لعنها لأجل ذلك.

* قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النور/ 23 -:

وقد أجمع العلماء – رحمهم الله – قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذُكر في هذه الآية: فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما: أنهن كهي، والله أعلم.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 31 ، 32 ).

وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بوقعة ” الجمل ” حيث كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مشاركة بالفعل، وكانت متأولة في خروجها للبصرة، حيث ظنت أن القضاء على قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه هناك كفيل في الإصلاح بين معاوية ومن معه في الشام، وبين علي ومن معه في المدينة، ثم لما وقعت الحرب بين جيش معاوية وجيش علي رضي الله عنهما لم تشارك فيها رضي الله عنها، بل جاءت على جملها وسط المعركة ظانَّة أنهم سيوقفون الحرب، لكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك واستمروا بالقتال، بل قد نالت سهامهم جملَها حتى سقط في أرض المعركة.

* قال الطبري – رحمه الله -:

وأقبل ” كعب بن سور ” حتى أتى عائشة رضي الله عنها فقال: ” أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بكِ “، فركبت، وألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملَها وكان جملها يدعى ” عسكرًا ” حملها عليه ” يعلى بن أمية “، اشتراه بمائتي دينار. ” تاريخ الطبري ” ( 3 / 40 ).

 

 

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنَّ عائشة لم تقاتِل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن ” يوم الجمل ” لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. ” منهاج السنة ” ( 4 / 316 ).

فكما ترى فإن عائشة رضي الله عنها قد صدر منها مخالفة في خروجها للبصرة، وليست هي بمعصومة حتى لا يقع منها مثل هذا الخطأ بذلك التأويل.

عن قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبلتْ عائشة رضي الله عنها بلغت مياه ” بني عامر ” ليلًا: نبحتْ الكلابُ، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء ” الحوأب ” – ماء قريب من البصرة، على طريق مكة -، قالت: ما أظنني إلا أنَّني راجعة، فقال بعضُ من كان معها: ” بل تَقْدُمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله ذات بينهم “، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يومٍ : ( كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأب؟ ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ليس كلُّ ما يقع مِن الكُمَّل يكون لائقًا بهم، إذ المعصوم من عصمه الله، والسنيُّ لا ينبغي له أنْ يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافِّ الأئمة الشيعة المعصومين عندهم، ولا نشك أنَّ خروجَ أمِّ المؤمنين كان خطأً مِن أصله، ولذلك همّتْ بالرجوع حين علمتْ بتحقُّقِ نبوءةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ” الحوأب “، لكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ” عسى الله أنْ يصلح بك النَّاس “، ولا نشك أنَّه كان مخطئًا في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنَّه لا مناص مِن القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أنَّ عائشةَ رضي الله عنها هي المخطئة لأسبابٍ كثيرةٍ، وأدلةٍ واضحةٍ، ومنها: ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أنَّ خطأها مِن الخطأ المغفور، بل: المأجور. ” السلسلة الصحية ” ( الحديث رقم 474 ).

ولذلك صحَّ عنها أنها ندمت وأنها كانت تبكي على ما صدر منها.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 177 ).

وأما القتال الذي دار بين معاوية ومن معه وبين علي ومن معه: فهو قتال فتنة، وكان سببه أهل الفتنة والفساد، وكان الحق في جانب علي بن أبي طالب، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الطائفتين بأنهم مسلمون فأنَّى لأحدٍ أن يكفرهم؟! ولا فرق في الحكم الشرعي بين من قاتل عائشة وقاتل عليّاً وطلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم، فهو قتال فتنة لم يكن لأجل دينهم، ومن قاتلهم لأجل دينهم فهو كافر ولا كرامة وهذا بخلاف من سبَّ عائشة وقذفها فيما لم تفعله بل فيما برأها الله تعالى منه.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ). رواه مسلم ( 1064 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين – علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه – على حق، وأن عليًّا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه؛ فإن علي بن أبي طالب هو الذي قاتل المارقين وهم ” الخوارج الحرورية ” الذين كانوا من شيعة علي، ثم خرجوا عليه، وكفروه، وكفروا من والاه، ونصبوا له العداوة، وقاتلوه، ومن معه. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 467 ).

 

فالخلاصة:

  1. قذف عائشة رضي الله عنها وسبُّها ولعنها فيما برأها الله تعالى منه: كفر، وردة، بالإجماع.
  2. أخطأت عائشة رضي الله عنها بالخروج لقتل قتلة عثمان رضي الله عنها، وكانت متأولة في فعلها، قاصدة للإصلاح بين معاوية وعلي رضي الله عنهما.
  3. علمت رضي الله عنها خطأَها، فندمت، وبكت، على ما فعلت.
  4. لم تشارك عائشة رضي الله عنها بالقتل يوم ” الجمل ” بل جاءت على جملها لتوقف بذلك الحرب، ولكنَّ أهل الفتنة والخوارج استمروا بالقتال بل صوبوا سهامهم نحوها ونحو جملها.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز له أن يشهد لنصراني ضربه يهودي؟

هل يجوز له أن يشهد لنصراني ضربه يهودي؟

السؤال:

شاهدت يهوديًّا يضرب نصرانيًّا، ودعاني هذا الأخير للشهادة، ماذا أفعل؟

الجواب:

الحمد لله

الأصل في أداء الشهادة أنه فرض كفاية إذا قام به بعض من شاهد الواقعة سقط الإثم عن الباقين، وقد يصير أداء الشهادة واجبا محتما على من شاهد الواقعة في حالين:

الأولى: أن يُدعى للشهادة.

الثانية: أن يكون في عدم شهادته تضييع لحقوق المظلوم.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 236 ):

للشهادة حالتان: حالة تحمل، وحالة أداء.

فأما التحمل، وهو أن يدعى الشخص ليشهد ويحفظ الشهادة: فإن ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإن تعيَّن بحيث لا يوجد غيره: كان فرضا عليه.

وأما الأداء، وهو أن يدعى الشخص ليشهد بما علمه: فإن ذلك واجب عليه؛ لقوله تعالى ( وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ) البقرة/ 282، وقَوْله تَعَالَى ( وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) البقرة/ 283. انتهى.

 

* وفي ( 2 / 340 ):

وقد يكون أداء الشهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممن يقع به الكفاية، وتوقف الحق على شهادته فإنه يتعين عليه الأداء؛ لأنه لا يحصل المقصود إلا به. انتهى.

 

والآيات المذكورة آنفا تنص على وجوب أداء الشهادة إذا دُعي للشهادة وتعينت عليه، وليس فيها ما يدل على الامتناع عن أدائها إن كان المشهود له أو عليه من غير المسلمين.

 

 

 

 

* قال الشافعي – رحمه الله -:

والذي أحفظ عن كل من سمعتُ منه من أهل العلم في هذه الآيات: أنه في الشاهد وقد لزمته الشهادة، وأن فرضا عليه أن يقوم بها على والديه وولده، والقريب والبعيد، وللبغيض القريب والبعيد، ولا يكتم عن أحدٍ، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحدا. ” الأم ” ( 7 / 92 ).

 

وبحسب السؤال فإننا نرى أنه يلزمك أداء الشهادة على واقعة الضرب بين اليهودي والنصراني بحسب ما رأيت، ولا تأثير لدينهما على شهادتك، على أننا ننبهك إلى أمرين:

  1. أنه لا يجوز لك القسم بغير الله تعالى حين أداء الشهادة.
  2. أنه يجوز لك عدم الإدلاء بشهادتك إن كان سيترتب عليك ضرر – ولو بغلبة الظن – من الطرف المشهود عليه.

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإن عجز عن إقامتها، أو تضرر بها: لم تجب عليه؛ لقول الله تعالى: ( وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) البقرة/ 282 .

” المغني ” ( 12 / 19 ).

 

والله أعلم.

 

من الذين أقيم عليهم حد القتل في عهد النبوة؟

من الذين أقيم عليهم حد القتل في عهد النبوة؟

السؤال:

هل نفَّذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حكمَ الإعدام في أحدٍ من البشر؟ هل أمر بتنفيذ حكم الإعدام في ” أسماء بنت مروان “؟ هل حقيقي ما وقع ليهود بني قريظة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن موجبات القتل في شريعة الإسلام محدودة، وبعضها حدود شرعية، وأخرى تعزيرية يرجع أمر القتل فيها للحاكم.

ومن المستحقين للقتل في الشرع: المرتد، وحدُّه حد كفر، فلا يغسَّل ولا يورَّث ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.

ومنهم: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، والمحارب – قاطع الطريق -، وحدهم: حد تطهير، فيطبَّق عليهم أحكام الإسلام.

ومنهم: الجاسوس، وأمر قتله راجع للحاكم الشرعي.

ثانيًا:

نعم، ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة حد القصاص – وهو سماه السائل ” الإعدام ” – على بعض المستحقين شرعاً لهدا الحد، ومن ذلك:

  1. قتل ” ابن خَطَل ” المرتد.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: ( اقْتُلُوهُ ). رواه البخاري ( 1749 ) ومسلم ( 1357 ).

* قال النووي- رحمه الله -:

قال العلماء: إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ” شرح مسلم ” ( 9 / 131، 132 ).

  1. قتل ثمانية من ” عُكَل ” و ” عرينة “، قدِموا المدينة على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأظهروا أنهم أسلموا، وأصابهم مرض فأمرهم النبي صلى الله بشرب ألبان وأبوال إبل عند راعٍ له صلى الله عليه وسلم، فخرجوا، ثم كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وسرقوا الإبل، فبعث صلى الله عليه وسلم الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، وكان هذا هو فعلهم في راعي النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد روى قصتهم: البخاري ( 3956 ) ومسلم ( 1671 ) من حديث أنس رضي الله عنه.

  1. قتل امرأة زانية محصنة رجمًا بالحجارة.

وقد روى قصتها: رواه البخاري ( 6440 ) ومسلم ( 1697 ) أبى هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهم .

  1. قتل المرأة ” الغامدية ” رجمًا بالحجارة؛ وكانت وقعت في الزنا وهي محصنة.

وقد روى قصتها : مسلم ( 1695 ) من حديث  بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.

  1. قتل ” ماعز الأسلمي ” رجمًا بالحجارة؛ وكان قد زنى بالغامدية وهو محصن.

وقد روى قصته: البخاري ( 6430 ) ومسلم ( 1691 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

  1. قتل اليهودي ” كعب بن الأشرف ” لما عَظُمَ أذاه للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين، فحينها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وذلك في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة. وقد روى قصة قتله: البخاري ( 2375 ) ومسلم ( 1801 ).
  2. قتل يهودي برضخ رأسه بين حجرين؛ كان قد سرق حليّها ورضخ رأسها بين حجرين. وقد روى قصته: البخاري ( 2282 ) ومسلم ( 1672 ) من حديث أنس رضي الله عنه.

 

ثالثًا:

لم نعرف ” أسماء بنت مروان ” الوارد ذِكرها في السؤال، ولعلَّ السائل أراد ” أم مروان ” وهي التي روي أنها ارتدت عن الإسلام وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستتابتها فأبت أن تسلم فقتلها.

فإن كان هو المراد: فالوارد في ذلك ضعيف لا يصح.

عن جابر رضي الله عنه أن امرأة يقال لها ” أم مروان ” ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت.

رواه الدارقطني في ” السنن ” ( 3 / 118 ) والبيهقي في ” السنن ” ( 8 / 203 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

( رواه ) الدارقطني والبيهقي من طريقين، وزاد في أحدهما: ” فأبت أن تسلم فقُتلت”، وإسناداهما ضعيفان.

تنبيه: وقع في الأصل ” أم رومان “، وهو تحريف، والصواب: ” أم مروان “.

” التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ” ( 4 / 136 ).

وضعفه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 177 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص ما حصل مع بني قريظة: فهو صحيح، وملخص ما حصل لهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم في ديارهم لغدرهم, ونقضهم العهد، فرضوا أن يحكم عليهم الصحابي الجليل ” سعد بن معاذ ” رضي الله عنه، فحكم عليهم: أن تُقتل المقاتلة منهم، وأن تُسبى ذريتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِم بِحُكْمِ المَلِك ).  رواه البخاري ( 2878 ) ( 1768 ).

وفي رواية لمسلم ( 1769 ): ( لقد حكم فيهم بحكم الله ).

– ” المقاتِلة : البالغين الذين من شأنهم أن يقاتلوا.

– ” تسبى الذرية “: يؤخذ النساء والصبيان فيُجعلون أرقاء ويوزعون على الغانمين المسلمين . ” ” بحكم الملِك “: أي حكم الله عزَّ وجل.

 

ولمزيد تفصيل في المسألة جميعها: انظر كتاب ” عقوبة الإعدام، دراسة فقهية مقارنة لأحكام العقوبة بالقتل في الفقه الإسلامي ” تأليف: الدكتور محمد بن سعد الغامدي، نشر: مكتبة دار السلام.

 

والله أعلم.

 

حكم اجتماع الذكور والإناث من أجل التعارف بغرض الزواج

حكم اجتماع الذكور والإناث من أجل التعارف بغرض الزواج

السؤال:

هل يجوز الحضور في تجمع يكون فيه 150 فتى ومثلهم عدد من الفتيات الحاضرات برفقة أوليائهم المجتمعين بغرض التعارف من أجل الزواج، ويتقاضى المنظمون للاجتماع 60 جنيها للفرد، فهل هناك أية حرمة في دفع هذا المبلغ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لعلَّ الذي يقرأ السؤال لا يتبين له كيف سيتم التعارف بين الفتيان والفتيات في ذلك الاجتماع، وكيف سيختار كل واحد ما يناسبه منهن، أو تختار هي ما يناسبها!.

وفي ظننا أن معرفة الطريقة كافية للحكم عليها بالمنع والتحريم؛ لما فيها من مخالفة للشرع في جوانب مختلفة كالنظر والاختلاط المحرَّمين، وامتهان كرامة المرأة وإذلالها.

وأما طريقة التعارف ويطلقون عليه ” التعارف السريع “: فإنه يتم أولا دعوة عدد متساو من الرجال والنساء إلى قاعة، ويُعطى كل واحد منهم كشفا يسجلون فيه انطباعاتهم عن الشخص المقابل من حيث المظهر والصفات والأسلوب وغير ذلك، ثم يقوم المنظمون لذلك الاجتماع بالنظر في تلك الكشوف لمعرفة التطابق الذي يصلح معه اقتران طرفين مشاركين في ذلك الاجتماع، ثم يتم الاتصال معهما لترتيب لقاءات أخرى.

ولو سأل سائل: كيف يتم لقاء الرجال بالنساء، ومع كم من النساء يلتقي كل واحد منهم؟ فالجواب: أنه توضع كل امرأة على طاولة وحدها طوال وقت الاجتماع، ويتنقل الرجال بين تلك الطاولات ليجلس كل واحد منهم مع كل واحدة من النساء لمدة خمس دقائق!! وفي أشهر القاعات في ” بريطانيا ” – ولعلها المقصودة في السؤال – يعلن منظِّم الاجتماع نهاية الدقائق الخمس بقرع جرس صغير يكون في يده!!.

ومثل هذا الاجتماع لا نراه جائزا، بل ينبغي أن يُمنع، ولا يُنسب لشرع الله تعالى تجويزه؛ لما ذكرناه من الاختلاط المحرَّم، ونظر الرجال إلى ما لا يحل له من النساء، فمن ذا الذي يجوِّر لرجل رؤية مائة خمسين امرأة من أجل خطبة واحدة منهن – وقد لا يحصل -؟! ومن ذا الذي يجوِّز لامرأة أن تجلس مع مائة وخمسين رجلاً لتختار منهم واحدا – وقد لا يحصل – ؟! بل هذا من الفساد والشر والذي ينبغي منعه والكف عن مناصرته، لا في حضوره، ولا في التسويق له، ولا يجوز إعانة أولئك القائمين عليه بشيء.

 

 

وكل ما أفتى به العلماء في حرمة التعارف بين الجنسين، وحرمة المراسلة، والمحادثة: فإنه ينطبق وزيادة على هذه الحال السيئة التي ورد السؤال عنها؛ لما فيها من مشاهدة حيَّة مع ذلك العدد الكبير من النساء الأجنبيات، فإذا كانت المراسلة عن بُعد محرمة: فإن هذه الصورة والحال أولى بالتحريم.

 

هذا وإنَّ دفع مبلغ ستين جنيها ( استرلينيّا ) مقابل الجلوس مع مائة وخمسين فتاة يعدُّ مكسبا لأهل الشر والفساد، ويمكن بعدها تكوين علاقات محرمة خارج تلك القاعة.

 

كما أن رؤية فتاة لمائة وخمسين رجلا أجنبيّا من شأنه أن يولِّد أثرا سيئا على القلب وفيه تعريضها للفتنة، ومثله يقال في رؤية شاب لمائة وخمسين فتاة، وهذا في حال أن يكونا بالفعل راغبيْن في الزواج فكيف أن لا يكونوا كذلك؟!.

 

وقد بينا في جواب سابق عدم جواز النظر إلى أكثر من امرأة بحجة الزواج، بل ينظر إلى من عزم على نكاحها، فإن لم يرضها فينتقل لغيرها.

 

والله أعلم.

 

 

حكم العمل في شركات ” شراء الديون “

حكم العمل في شركات ” شراء الديون ”

السؤال:

هل يجوز للمسلم العمل بشركة متخصصة في شراء الديون المتأخرة والتربح منها؟ ويمكن أن تكون الديون أي شيء، من بطاقات الائتمان، والقروض، إلى عقود التيلفون – دون فصل بين الاثنين -.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

شراء الديون من أصحابها بثمن معجل أقل من قيمة الدَّين من العقود الربوية المحرَّمة، وقد اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، فهي بيع ديْنٍ بنقدٍ متفاضلًا ونسيئةً، فالفضل في زيادة المبلغ المدفوع عن قيمة الدَّين، والنسيئة في تأخير استلامه لوقت حلوله.

وثمة علة أخرى تجعل العقد محرَّمًا وهي ” الغرر ” فالقدرة على تحصيل قيمة الشيك غير متيقنة، فهي مجهولة، وقد ( نَهَى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ ) كما رواه مسلم ( 1513 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وعلى التحريم اتفقت المذاهب الفقهية، وبه صدرت فتاوى لجان الإفتاء، وقرارت المجامع الفقهية.

  1. * قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز بيع ولا شراء سندات النقود الحالَّة والمؤجلة بأقل مما فيها أو أكثر مما فيها؛ لأن ذلك يعتبر من صريح الربا، وقد اجتمع في هذه المعاملة ربا الفضل وربا النسيئة، وكلاهما محرم بالنص.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 333 ).

  1. ومن ضمن قرارات ” مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السابعة:

– إن حسم ( خصم ) الأوراق التجارية: غير جائز شرعًا؛ لأنه يؤول إلى ” ربا النسيئة ” المحرم.

– الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل ): جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث: لم تجز؛ لأنها تأخذ عندئذ حكم ” حسم الأوراق التجارية “.

– قرار رقم : 66 / 2 / 7، ” مجلة مجمع الفقه الإسلامي “، العدد السابع، 2 / 217.

– والأوراق التجارية هي الشيكات، والكمبيالات، والسندات، وما يشبهها.

  1. ومن ضمن قرارات مجلس ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة:

ثانيًا:

من صور بيع الدَّيْن غير الجائزة:

أ. بيع الدَّين للمدين بثمن مؤجل أكثر من مقدار الدين؛ لأنه صورة من صور الربا، وهو ممنوع شرعا، وهو ما يطلق عليه ” جدولة الدَّين “.

ب. بيع الدَّين لغير المدين بثمن مؤجل من جنسه، أو من غير جنسه؛ لأنها من صور بيع الكالئ بالكالئ ( أي: الدَّين بالدَّين ) الممنوع شرعًا.

ثالثًا:

بعض التطبيقات المعاصرة في التصرف في الديون:

أ. لا يجوز حسم الأوراق التجارية ( الشيكات، السندات الإذنية، الكمبيالات )؛ لما فيه من بيع الدَّين لغير المدين على وجه يشتمل على الربا.

ب. لا يجوز التعامل بالسندات الربوية إصدارًا، أو تداولًا، أو بيعًا؛ لاشتمالها على الفوائد الربوية.

ج. لا يجوز توريق ( تصكيك ) الديون بحيث تكون قابلة للتداول في سوق ثانوية؛ لأنه في معنى حسم الأوراق التجارية المشار لحكمه في الفقرة ( أ ).

قرار رقم: 89 ( 1 / 16 ).

وبناء على القول بالتحريم فإنه يحرم العمل في تلك الشركات والمؤسسات التي تقوم على شراء ديون الناس، سواء ما معهم من شيكات أو كمبيالات، أو فواتير الهواتف وغيرها من وثائق الديون، وليحذر الذين يخالفون أمر الله تعالى أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

وليعلم ذلك الراغب في العمل في تلك الشركات أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، قال الله تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق / 2، 3.

فليجتهد في السعي عن عمل حلال، ونسأل الله تعالى له التوفيق، وأن يغنيه بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه.

تنبيه:

من العلماء من يكيِّف هذه المعاملة أنها من باب القرض الذي يجر منفعة، وهي معاملة ربوية لا يختلف حكمها النهائي عما ذكرناه في أول الجواب.

 

والله أعلم.

أمثلة في القرآن والسنة لما أُخبر عنه أنها سيقع مستقبلا ووقع، والعلم شرط للدعوة

أمثلة في القرآن والسنة لما أُخبر عنه أنها سيقع مستقبلا ووقع، والعلم شرط للدعوة

السؤال:

أنا طالب مسلم من ” المملكة المتحدة “، وبسبب محيط بيئة الجامعة فأنا دائما ما أشترك في نقاشات ومناظرات خاصة بديننا، وأحد أكثر الأسئلة شيوعا يتعلق بالنبوءات التى جاءت في القرآن والحديث، وما إذا كانت قد وقعت بالفعل أم لا، ولهذا فسيكون اطلاعي عليها هو مصدر عون كبير لي، علاوة على ذلك: هل يجوز لشخص على علم محدود بالإسلام دعوة الناس للدين والاشتراك في النقاشات ذات الصلة؟. وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من أبرز ما يُستدل به على أن القرآن هو كلام الله تعالى لا كلام أحدٍ من البشر: ما ذكره الله تعالى فيه مما يحصل في المستقبل، ومثل هذا الغيب لا قدرة لأحدٍ من الخلق على الاطلاع عليه، فإذا أخبر الله تعالى عن وقوعه في المستقبل ثم وقع لم يبق أمام المخالف إلا التسليم أن هذا القرآن ليس من عند البشر، وينبغي له أن يعتقد أنه كلام الله تعالى الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد كان لهذا الإخبار بالغيب ووقوعه كما أخبر عنه تعالى أعظم الأثر على أناس كثيرين، وكان ذلك سببًا في دخولهم الإسلام، قديمًا وحديثًا.

قال القرطبي – رحمه الله – في سياق بيان أوجه إعجاز القرآن -:

ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي.

” تفسير القرطبي ” ( 1 / 74 ).

ثم قال – رحمه الله – بعد أن ساق بعض الآيات على ذلك – وسنذكر بعضها قريبًا :

فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسولَه لتكون دلالة على صدقه.  ” تفسير القرطبي ” ( 1 / 75 ).

ومن الأمثلة على ذلك في كتاب الله تعالى:

  1. إخباره تعالى عن انتصار الروم بعد هزيمتهم من قبل الفرس.

قال تعالى: ( غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ َ) الروم/ 2 – 4.

و” بضع ” في لغة العرب ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم في السنة السابعة.

وقد روى الترمذي ( 3194 ) – وحسنه الألباني – المراهنة التي جرت بين أبي بكر الصدِّيق وبين المشركين على انتصار الروم فيما بعد عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه، وقد انتصر الروم بالفعل في السنة السابعة، وقال الصحابي الجليل في آخر حديثه: ” وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ “.

  1. إخباره تعالى عن دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابُه مكةَ.

قال تعالى: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) الفتح/ 27.

وقد جزم النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب بهذا المجيء للكعبة والطواف بها، فقال له ( فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ ) – رواه البخاري ( 2581 ) -، وحصل هذا في ” عمرة القضاء ” عام سبع للهجرة.

  1. إخباره تعالى عن اجتماع الكفار ثم هزيمتهم في ” غزوة بدر “.

قال تعالى: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) القمر/ 45.

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

والآية: إخبار بالغيب، فإن المشركين هُزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذٍ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق، ففرُّوا بليل كما مضى في ” سورة الأحزاب “، وقد ثبت في ” الصحيح ” أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا.  ” التحرير والتنوير ” ( 27 / 213 ).

 

ثانيًا:

وأما السنَّة النبوية فإن الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وقد تنوعت في مسائل مختلفة، وكل تلك الأمثلة من الأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما كان له أن يتكلم بهذا من عند نفسه، إنما هو مرسَل من رب العالمين، عالم الغيب والشهادة.

قال القاضي عياض – رحمه الله -:

( ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون ).

والأحاديث في هذا الباب بحرٌ لا يُدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب. انتهى.

 

 

 

 

ثم ذكر بعده حديثًا:

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِى مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِى هَؤُلاَءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّىْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.

رواه البخاري ( 6604 )  ومسلم ( 2891 ).

” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 1 / 335 ، 336 ).

ثم قال:

وقد خرَّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم عليه مما وعدهم به من الظهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستُغزى، وتفتح ” خيبر ” على يدى ” علي ” في غد يومه وما يفتح الله على أمته من الدنيا ومؤمنون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم افتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها فرقة واحدة، … .

وقتالهم الترك والخزر والروم، وذهاب كسرى وفارس حتى لا كسرى ولا فارس بعده وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده … .

وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانًا مفردًا يشتمل على أجزاء وحده، وفيما أشرنا إليه من نكت الأحاديث التى ذكرناها كفاية، وأكثرها في الصحيح وعند الأئمة.

” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 1 / 336 – 346 ) مختصرًا.

وبالإضافة لما ذكره القاضي عياض رحمه الله نذكر أيضًا:

  1. عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( يَأْتِى عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ) فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.

رواه مسلم ( 2542 ).

 

 

 

 

فال النووي – رحمه الله -:

وفي قصة أويس هذه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم.

” شرح مسلم ” ( 16 / 94 ).

  1. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ).

رواه مسلم ( 1064 ).

قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذا الحديث من دلائل النبوة؛ إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام. ” البداية والنهاية ” ( 7 / 310 ).

  1. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَرْحَبًا بِابْنَتِي ) ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ ( إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي ) فَبَكَيْتُ فَقَالَ ( أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ) فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. رواه البخاري ( 3426 ) ومسلم ( 2450 ).

– وقد ماتت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.

– والحديث – ومعه غيره – بوَّب عليه الإمام البخاري ” باب علامات النبوة في الإسلام “.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص مناظراتك ومناقشاتك مع المخالفين: فإننا لا ننصح لك بها الآن، بل نرى أن لا تقدم عليها حتى يشتد عودك في العلم، وتزداد معرفة بدينك، وإن كثيرًا من المتحمسين لدينهم ممن يتصدى لنقاش أهل الكفر والبدع لا يُدرك مآل الأمور عليه لو أنه يصطدم بشبهة يحار في الجواب عليها، وقد ينفذ الشيطان لقلبه من خلال ذلك فيبدأ معه في تشكيكه بثوابت دينه – عياذاً بالله -، ثم إذا رأيتَ المخالف معاندًا لا يستجيب لدلائل الحق كان ذلك سببًا آخر لترك الكلام معه.

 

 

 

 

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.

وقد ينهى عنها إذا كان المناظر معاندا يظهر له الحق فلا يقبله.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 374 ).

 

لذا فإنه قد كفاك أهل العلم وطلبته مؤنة النقاش مع المخالفين، فادخر جهدك في طلب العلم، ونسأل الله تعالى أن يكتب لك عظيم الأجور، وأن يسهل لك الأمور.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل ثمة تعارض بين كراهية النبي صلى الله عليه وسلم للقيام له وبين رضاه بتقبيل يده؟

هل ثمة تعارض بين كراهية النبي صلى الله عليه وسلم للقيام له وبين رضاه بتقبيل يده؟

السؤال:

سؤالي هو: كيف نوفق بين روايتين عن النبي صلي الله عليه وسلم: من ناحية كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يقف الصحابة له، ومن ناحية أخرى كان يتركهم يقبلون يده وقدمه.

وكما عرفت من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يُحل مثل ذلك أم أنني مخطئ؟ ولأنني أعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتكب يومًا خطأ، وكان يقطع كل طرق الشرك، ولكننا اليوم نرى الصوفية يقبِّلون يد وقدم شيوخهم، فكيف نقيم الحجة عليهم من الحديث على مثل هذا؟ وهل ما يفعله الصوفية صحيح أم خطأ؟ أم أنه لا خطأ في ذلك لأنني قرأت هنا على هذا الموقع أن هذا قد تم في عدد من المناسبات، فهل من خطأ في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يزول الإشكال عند الأخ السائل إذا علم الفرق بين ما كان عادة متكررة، وما كان أحيانًا لسبب.

فرؤية الصحابة لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم كانت متكررة في كل يوم، ولم يكونوا يقومون له عند رؤيته لما كانوا يعلمونه من كراهيته لذلك.

عن أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ.

رواه الترمذي ( 2754 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وكان أصحابه رضي الله عنهم يصافحونه في كثير من المناسبات واللقاءات، ولم يكونوا يقبلون يده صلى الله عليه وسلم ولا رجله، وهذا هو هدي أصحابه الذين يرونه ويلتقون به عادة وغالبًا، ولا يتعارض هذا مع تقبيل بعض الصحابة يده رجله – مع ترددنا في إثبات تقبيل صحابي لرِجله الشريفة – لسبب اقتضى ذلك، كأن يكونوا حديثي إسلام، أو قدموا من ديارهم ورأوه لأول مرة، وغير ذلك من الأسباب التي تدفع لتقبيل يده ورجله الشريفتين.

وأما سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك منهم فلأن ما فعلوه ليس حرامًا، والذي يظهر لنا أنه كان من باب تأليف قلوبهم، وكانوا هم المبادرين بتقبيل يده الشريفة لا أنهم يمدها لهم، وكراهيته صلى الله عليه وسلم لقيام أصحابه له عند رؤيته ليس فيه استثناء، وهو فعل الأعاجم والأباطرة، بخلاف تقبيل اليد فإنه علامة تقدير ومحبة، ولذا لم يختلف أهل العلم في جواز تقبيل الأولاد أيدي والديهم، ووضعوا شروطًا لتقبيل غيرهما، وهو يدل على أنه ثمة فروقات بين القيام عند الرؤية – ولا استثناء له – وبين تقبيل اليد.

ومما يدل على ما ذكرناه من التفريق:

أ. عن أُمّ أَبَانَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِعٍ – وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ – قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرِجْلَهُ. رواه أبو داود ( 5227 )، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده في ” فتح الباري “( 11/ 57 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” وقال: ” حسنٌ، دون ذِكر الرِّجْلين “.

والحديث بوَّب عليه أبو داود بقوله: ” بَاب فِي قُبْلَةِ الرِّجْلِ “.

ب. وعن هود بن عبد الله بن سعد قال: سمعت مزيدة العبدي يقول: وفدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنزلتُ إليه فقبلتُ يده.

رواه البخاري في ” الأدب المفرد ” ( 587 )، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده في ” فتح الباري ” ( 11 / 57 ) وضعفه الألباني في ” ضعيف الأدب المفرد “.

فهؤلاء ليسوا ممن يرى النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم، بل هم قدموا من سفر، ولم يتكرر منهم هذا الفعل بعدها كلما رأوه صلى الله عليه وسلم.

وهذا أحسن ما جاء في السنَّة من تقبيل الصحابة رضي الله عنهم ليد النبي صلى الله عليه ورجله، وهما كما رأيت: كلاهما في قدوم أقوام إلى المدينة وفرحهم بإسلامهم ورؤيتهم لأول مرة لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وذِكر ” الرِّجل ” في الحديث الأول في ثبوتها تردد، والحديث الثاني في ثبوته كله تردد، وبه تعلم حال الصحابة مع نبيهم صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يكونوا كلما رأوه قاموا له، ولا كلما صافحوه قبلوا يده، والاستثناء في تقبيل اليد قد علمت حال ثبوته، وممن كان فِعله.

 

ثانيًا:

وأما شيوخ الصوفية: فأمرهم مختلف، حيث يبادرون إلى مدِّ أيديهم لمريدهم لتقبيلها، وتراهم يرضون عمن يقبلها، ويغضبون عمن يترك تقبيلها، وهذا ممنوع بالاتفاق، وحاشا هذا أن يكون هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس هذا – أيضًا – هدي العلماء الربانيين المهتدين بهديه.

وبمثل هذا التفريق والفقه في المسألة قال أئمة الإسلام:

  1. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم يكن من عادة الصحابة رضي الله عنهم أن يقوموا للنبي صلى الله عليه وسلم لما كانوا يعلمون من كراهته لذلك، ولا كان يقوم بعضهم لبعض ….

والذي ينبغي للناس أن يعتادوا السنَّة في ترك القيام المتكرر للقاء ….

فأما تقبيل اليد: فلم يكونوا يعتادونه إلا قليلًا …

وأما ابتداء مدِّ اليد للناس ليقلبوها وقصده لذلك: فيُنهى عن ذلك بلا نزاع، كائناً مَن كان، بخلاف ما إذا كان المقبِّل المبتدئ بذلك.

” مختصر الفتاوي المصرية ” ( 2 / 26، 27 ).

 

  1. * وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقوه – صلى الله عليه وسلم – يصافحونه، ولا يقبلون يده، وربما قبَّل يدَه بعضُ الصحابة بعض الأحيان، ولكنها أحوال قليلة، والمشهور عنهم – رضي الله عنهم-: المصافحة، وهذا هو الأكثر، وتقبيل يده أو قدمه: إنما هو شيء قليل، جاء في بعض الأحاديث لأسباب، فعله بعض الصحابة عند قدومه من السفر، فالحاصل: أن السنَّة الغالبة هي المصافحة عند السلام واللقاء، أما تقبيل اليد: إذا فُعل بعض الأحيان: فلا حرج فيه لمصلحة شرعية، أما اتخاذه عادة: فهو خلاف السنَّة. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 488 ).

 

  1. * وقال الشيخ الألباني – رحمه الله -: 

فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن قُبِّلت يدُه فإنما كان على الندرة، وما كان كذلك: فلا يجوز أن يُجعل سنَّةً مستمرة، كما هو معلوم من القواعد الفقهية.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 252 ).

 

ثالثًا:

ومثل هؤلاء شيوخ الصوفية لا يشك أحد أن ما يفعلونه من مد يدهم لمريديهم ليس شرعيًّا، وأن فيه ذلاًّ لأولئك المقبِّلين.

  1. * سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله-:

ما حكم تقبيل اليد خاصة: ولد لوالده، أو تلميذ لشيخه؟.

فأجاب:

تقبيل اليد احترامًا لمن هو أهل للاحترام كالأب والشيخ الكبير والمعلم: لا بأس به، إلا إذا خيف من الضرر: وهو أن الذي قُبِّلت يدُه يعجب بنفسه ويرى أنه في مقامٍ عالٍ، فهنا نمنعها لأجل هذه المفسدة.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 177 / السؤال رقم 14 ).

 

 

 

 

  1. * وقال الشيخ الألباني – رحمه الله -: 

فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط الآتية:

  1. ألا يُتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته ويتطبع على التبرك بذلك ….
  2. ألا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره، ورؤيته لنفسه كما هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم. ” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 252، 253 ).

 

والله أعلم.

 

معاني مصطلحات “الحلول” و “الاتحاد” و “وحدة الوجود” و “تسلسل الحوادث” و “واجب الوجود”

معاني مصطلحات “الحلول” و “الاتحاد” و “وحدة الوجود” و “تسلسل الحوادث” و “واجب الوجود”

السؤال:

فضيلة الشيخ وفقه الله:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد:

كثيرًا ما أقرأ في كتب العقيدة الألفاظ التالية فهل من شرح موسع لها حتى أفهمها: ” تسلسل الحوادث “، ” الحلول “، ” الاتحاد “، ” وحدة الوجود “، ” الله عز وجل واجب الوجود “.

 

الجواب:

الحمد لله

” الحلول ” و ” الاتحاد ” – و يدخل فيه مصطلح ” وحدة الوجود ” -:

هاتان اللفظتان تردان كثيرًا في كتب العقائد، وهما من المصطلحات الصوفية، والباطنية، كما أنهما تردان في كتب الأديان الباطلة، كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما.

  1. ” الحلول “:

أ. معناه في الاصطلاح العام: أن يحل أحد الشيئين في الآخر.

ب. وهو ” حلول سَرَياني “، و ” حلول جواري “.

يقول الجرجاني رحمه الله:

الحلول السرَياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيُسمَّى الساري حالًا، والمسري فيه محلًا.

الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز. ” التعريفات ” ( ص 92 ).

هذا هو الحلول: إثبات لوجودين، وحلول أحدهما في الآخر.

ويراد منه باصطلاح القائلين به من الصوفية وغيرهم: حلول الله – عز وجل – في مخلوقاته، أو بعض مخلوقاته.

ج. ” أقسام الحلول “:

ينقسم الحلول إلى قسمين:

  1. حلول عام: هو اعتقاد أن الله تعالى قد حلَّ في كل شيء.

ولكن ذلك الحلول من قبيل حلول اللاهوت – أي: الإله الخالق – بالناسوت – أي: المخلوق – مع وجود التباين، بمعنى: أنه ليس متحدًّا بمن حلَّ فيه، بل هو في كل مكان مع الانفصال، فهو إثبات لوجودين.

وهذا قول الجهمية ومن شاكلهم.

  1. حلول خاص: وهو اعتقاد أن الله – جل وعلا – قد حلَّ في بعض مخلوقاته.

مع اعتقاد وجود خالق ومخلوق.

وذلك كاعتقاد بعض فرق النصارى: أن اللاهوت – الله جل وعلا – حلَّ بالناسوت – عيسى عليه السلام -، وأن عيسى عليه السلام كان له طبيعتان: لاهوتية لما كان يتكلم بالوحي، وناسوتية عندما صلب.

وكذلك اعتقاد بعض غلاة الرافضة – كالنصيرية – أن الله – عز وجل – حلَّ في علي بن أبي طالب، وأنه هو الإله؛ حيث حلت فيه الألوهية، وذلك من عقائدهم الأساسية.

  1. ” الاتحاد “:

أ. معناه: كون الشيئين شيئًا واحدًا.

قال الجرجاني رحمه الله:

الاتحاد: امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا.

” التعريفات ” ( ص 9 ).

ب. ومعناه باصطلاح القائلين به: اتحاد الله – عز وجل – بمخلوقاته، أو ببعض مخلوقاته.

أي: اعتقاد أن وجود الكائنات أو بعضها هو عين وجود الله تعالى.

ج. ” أقسام الاتحاد “:

” الاتحاد ” ينقسم إلى قسمين:

  1. الاتحاد العام – وهو ما يطلق عليه أيضًا: ” وحدة الوجود ” -: وهو اعتقاد كون الوجود هو عين الله عز وجل.

بمعنى: أن الخالق متحد بالمخلوقات جميعها، وهذا هو معنى ” وحدة الوجود “، والقائلون به يسمون ” الاتحادية “، أو ” أهل وحدة الوجود “، كابن الفارض، وابن عربي، وغيرهما.

  1. الاتحاد الخاص: هو اعتقاد أن الله عز وجل اتحد ببعض المخلوقات دون بعض.

فالقائلون بذلك نزهوه من الاتحاد بالأشياء القذرة القبيحة، فقالوا: إنه اتحد بالأنبياء، أو الصالحين، أو الفلاسفة، أو غيرهم، فصاروا هم عين وجود الله جل وعلا.

كقول بعض فرق النصارى: إن اللاهوت اتحد بالناسوت، فصارا شيئًا واحدًا، وهذا بخلاف القائلين بالحلول، فهم يرون أن له طبيعتين: لاهوتيةً وناسوتيةً.

فالاتحادية قالوا بواحد، والحلولية قالوا باثنين.

 

 

 

د. ” الفرق بين الحلول والاتحاد “:

الفرق بينهما يتلخص فيما يلي:

  1. أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد.
  2. أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال.

ولهذا فإن القائلين بالحلول غير القائلين بالاتحاد.

هـ. ” أمثلة يتبين بها الفرق بين الحلول والاتحاد “:

هناك أمثلة كثيرة منها:

أ. السُّكَّر إذا وضعته في الماء دون تحريك: فهو حلول؛ لأنه ثَمَّ ذاتان، أما إذا حركته فذاب في الماء: صار اتحادًا؛ لأنه لا يقبل أن ينفصل مرة أخرى.

أما لو وضعت شيئًا آخر في الماء كأن تضع حصاة: فهذا يسمَّى حلولًا، لا اتحادًا؛ لأنها أصبحت هي والماء شيئين قابلين للانفصال.

ب. مثال آخر يجتمع فيه الأمران:

ورق الشاي التي توضع في الماء المغلي، فبمجرد وضعها وتحريكها يتغير لون الماء ويصبح شايًا، لا ماءًا.

فهو بهذا الاعتبار اتحاد؛ لأن الماء والشاي لا يمكن أن ينفصلا.

وورقة الشاي يمكنك رفعها وفصلها، فالحالة – بهذا الاعتبار – حلول، لا اتحاد.

و. ” حكم هذه الاعتقادات وأيهما أشد “:

لا ريب أن القول بالحلول أو الاتحاد أعظم الكفر والإلحاد – عياذًا بالله -.

ولكن الاتحاد أشد من الحلول؛ لأنه اعتقاد ذات واحدة، بخلاف الحلول، ثم إن القول بأنه اتحد في كل شيء أعظم من القول بأنه اتحد في بعض مخلوقاته.

وبالجملة: فإن اعتقاد ” الحلول والاتحاد ” اعتقاد ظاهر البطلان، وقد جاء الإسلام بمحوه من عقول الناس؛ لأنه اعتقاد مأخوذ من مذاهب وفلسفات ووثنيات هندية ويونانية ويهودية ونصرانية وغيرها، تقوم على الدجل، والخرافة.

باختصار وتصرف يسيرين من كتاب ” مصطلحات في كتب العقائد ” للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ( ص 42 – 47 ).

 

ثانيًا:

” تسلسل الحوادث “:

هو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون.

ولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة، ومدلولها، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها: إليك هذا العرض الموجز.

 

 

أ. ” تعريف التسلسل “:

قال الجرجاني رحمه الله: التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية “.

” التعريفات ” ( ص 57 ).

ب. ” سبب تسميته بذلك “:

سمِّي بذلك أخذًا من السلسلة؛ فهي قابلة لزيادة الحِلَق إلى ما لا نهاية؛ فالمناسبة بينهما: عدم التناهي بين طرفيهما، ففي السلسلة: مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل: فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل.

ج. ” مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة “: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين، فقد يكون مرادهم: نفي قِدَمِ اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم: نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم: نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك.

د. ” هل وردت هذه اللفظة في الكتاب أو السنَّة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف “؟ الجواب: لا.

هـ. ” ما طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ؟ “.

طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة؛ حيث إنهم يتوقفون في لفظ ” التسلسل ” فلا يثبتونه، ولا ينفونه؛ لأنه لفظ مبتدع، مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا، وصوابًا وخطًا.

هذا بالنسبة للفظ.

أما بالنسبة للمعنى: فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق: قبلوه، وإن أريد به باطل: رَدُّوه.

وبناءًا على ذلك: فإنه يُنْظَرُ في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ:

  1. إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب أزلًا – الأزل: هو القِدَم الذي لا بداية له – وأبدًا – الأبد: هو المستقبل الذي لا نهاية له -: فذلك معنى صحيح دل عليه العقل والشرع، فإثباته واجب ، ونفيه ممتنع، قال الله تعالى: ( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) هود/ 107.

والفعَّال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعَّالًا؛ فوجب دوام الفعل أزلًا وأبدًا.

ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع.

ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله تعالى حيٌّ فهو فعال، وحياته لا تنفك عنه أبدًا وأزلًا.

 

 

ولأن الفرق بين الحيِّ والميتِ الفعلُ، والله حيٌّ فلا بد أن يكون فاعلاً ، وخُلُوُّه من الفعل في أحد الزمانين الماضي والمستقبل: ممتنع، فوجب دوام فعله أزلًا وأبدًا.

فخلاصة هذه المسألة: أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب: فذلك معنى صحيح، واجب في حق الله، ونفيه ممتنع.

  1. وإذا أريد بالتسلًا: أنه تعالى كان معطَّلًا عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفًا بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن: فذلك معنى باطل لا يجوز.

فالله عز وجل لم يزل متَّصفًا بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يُعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفَقْدُها صفة نقص، فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده.

قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ” ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًّا كذلك لا يزال عليها أبديًّا”. ” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 124 ).

مثال ذلك: صفة الكلام؛ فالله عز وجل لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطَّلًا عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلًا وأبدًا.

وكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطَّلًا عنها.

  1. وإذا كان المقصود بالتسلسل: التسلسل في مفعولات الله عز وجل، وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلْقًا بعد خلق إلى ما لا نهاية: فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل.

قال الله تعالى: ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) ق/ 15.

ثم إنه – عزَّ وجل – ما زال يخلق خلقًا، ويرتب الثاني على الأول، وهكذا، فما زال الإنسان والحيوان منذ خلَقَهُ الله يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه.

  1. وإن أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثِّرين، أي: بأن يؤثِّر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية، وأن يكون مؤثرون، كلُّ واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية: فذلك تسلسل ممتنع شرعًا وعقلًا؛ لاستحالة وقوعه؛ فالله عز وجل خالق كل شيء، وإليه المنتهى، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.

والقول بالتسلسل في المؤثرين: يؤدي إلى خُلُوِّ المُحدَث والمخلوق من مُحْدِثٍ وخالقٍ، وينتهي بإنكار الخالق جل وعلا.

 

 

 

* خلاصة القول في مسألة التسلسل عمومًا:

أ. أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية، وأنه سمِّيَ بذلك أخذًا من ” السلسلة “.

ب. وأن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لا بد فيها من الاستفصال – كما مر -.

ج. وأنه إن أريد بالتسلسل: دوام أفعال الرب ومفعولاته، وأنه متصف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا: فذلك حق صحيح، يدل عليه الشرع والعقل.

د. وأنه إن أريد بالتسلسل: أنه عز وجل كان معطلًا عن أفعاله وصفاته، ثم فعل، واتصف فحصل له الكمال بعد أن لم يكن متصفًا به، أو أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثِّرين: فذلك معنى باطل، مردود بالشرع والعقل.

انتهى من كتاب: ” مصطلحات في كتب العقائد ” للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد (ص 72 – 76 ).

– وانظر – لمزيد فائدة لما سبق – كتاب: ” الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية ” ، تأليف: الدكتورة آمال بنت عبد العزيز العمرو.

 

ثالثًا:

” واجب الوجود ”

أ. تعريفه:

قال الرازي: ” … فسرنا واجب الوجود بذاته بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة “.

” المطالب العالية ” (1 / 134 ).

وعرَّفه الرازي أيضاً بأنه ” الذي يكون غنيّاً في وجوده عن السبب “.

” المرجع السابق ” ( 1 / 134 ).

ب. ” موقف أهل السنَّة من لفظ واجب الوجود “:

لفظ واجب الوجود غير وارد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون.

يقول شيخ الإسلام: ” وأما الكلام بلفظ ” الواجب الوجود “، و ” ممكن الوجود “: فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول “.

” الصفدية ” ( 2 / 180 ) ، وانظر: ” منهاج السنة النبوية ” ( 2 / 132 ).

فالفلاسفة المتأخرون غالب ما يسمُّون الرب تعالى بـ ” واجب الوجود “، وقلدهم في ذلك متأخرو الأشاعرة، وهذا غير صحيح؛ لعدم ورود هذا اللفظ، فضلًا عن أن يكون من الأسماء الحسنى.

 

 

وأهل السنة قد يطلقون ” واجب الوجود ” على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات والمناقشات مع من يستخدم هذا اللفظ، كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده سبحانه بنفسه، واستغناؤه عن موجد، بينما يضيف الفلاسفة إلى هذا اللفظ معاني أخرى غير صحيحة.

يقول شيخ الإسلام عن ابن سينا: ” فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث “، وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل؛ لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل إنما هو وجوده بنفسه، واستغناؤه عن موجد، فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه، مثل عدم الصفات، وأشياء غير هذه، وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم، فلما أثبتوا قديمًا، وأخذوا يجعلون القدم مستلزمًا لما يدعونه من نفي الصفات: جعلوا الوجوب الذي ادعاه كالقدم الذي ادعوه، وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين “.

” الصفدية ” ( 2 / 181 )، وانظر: ” منهاج السنة النبوية ” ( 2 / 131 ، 132 ).

ج. ولفظ ” واجب الوجود ” فيه إجمال: فقد يراد به الموجود بنفسه الذي لا فاعل له ولا علة فاعلة له، وذات الرب عز وجل وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار.

ويراد به مع ذلك: المستغني عن محل يقوم به، والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات.

ويراد به: ما لا تعلق له بغيره، أو ما لا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له، وهذا باطل.

– ولذلك لابد من الاستفصال عن المراد بهذا اللفظ.

باختصار يسير من كتاب ” الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية “، تأليف: الدكتورة آمال بنت عبد العزيز العمرو.

 

والله أعلم.