الرئيسية بلوق الصفحة 57

هل يجوز له ترجمة كتاب يحتوي على عقائد كفرية؟

هل يجوز له ترجمة كتاب يحتوي على عقائد كفرية؟

السؤال:

أنا مترجم إنكليزي عربي وبالعكس، جاءني مؤخرًا مشروع ترجمة جزء من كتاب يحمل عنوان ” يسوع في مصادر الأناجيل الكنسية ” بقلم كاتب أجنبي – طبعًا ، ويتحدث هذا الكتاب عن عيسى المسيح، كيف ورد ذِكره في مختلف الأناجيل، وكيف أن الأناجيل مختلفة فيما بينها، ولا يخلو الكتاب من كلام عن المسيح بأنه المنقذ والمخلص، يسوع صُلب، ومن ثم قام… الخ، وأنتم على علم بما تحتويه مثل هذه الكتب التي تتحدث عن المسيحية.

سؤالي هو:

هل يجوز لي ترجمة هذا الكتاب مع أني أقوم فقط بالترجمة وأخذ نقود مقابل ذلك الأمر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في حكم ترجمة الكتب من العربية وإليها: الحل، ويرتفع هذا الحل إذا كانت مادة الكتاب تحتوي على بدع، أو ضلالات، أو فسق، أو كفر، ويكون مترجم تلك الكتب مشاركًا في الإثم لمؤلفها، وطابعها، وناشرها، وأما إن احتوت تلك الكتب على مواد علمية، أو شرعية نقية، أو مادة مباحة: فإنه لا حرج في ترجمتها.

وفي تاريخنا الإسلامي القديم كان لترجمة كتب أهل الديانات الوثنية، وأهل الفلسلفة الملحدة أبلغ الأثر في انحراف طوائف من الناس عن هدي القرآن والسنَّة، وقد ابتدأت تلك الترجمة في عهد الخليفة العباسي ” المأمون “.

* قال المقريزي – رحمه الله -:

وبتعريب المأمون لكتب الفلسفة: انتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت مذاهب الفرق، من: القدرية والجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية، حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فانجرَّ بذلك على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين.

” الخطط المقريزية ” ( 2 / 358 ).

 

ولذلك استحق المأمون أن يكتسب آثام كل بدعة انتشرت بتلك الكتب، وكل ضلالة عمَّت في الناس.

 

 

* قال أبو المعالي الجويني – رحمه الله -:

وقد اتفق للمأمون – وكان من أنجد الخلفاء، وأقصدهم – خُطّةٌ ظهرت هفوته فيها، وعَسُرَ على من بعده تلافيها، فإنه رأى تقريرَ كل ذي مذهب على رأيه، فنبغ النابغون، وزاغ الزائغون، وتفاقم الأمر وتطوق خطبًا هائلًا، وانتهى زلَلُه وخطلُه إلى أن سوَّغ للمعطِّلة أن يظهروا آراءَهم، ورتَّب مترجمين ليردُّوا كتبَ الأوائل إلى لسان العرب، وهلمَّ جرًّا إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها.

ولو قلتُ: إنه مطالَب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول في العَرَصات: لم أكن مجازفًا. ” غياث الأمم ” ( ص 143 ) طبعة دار الدعوة في الإسكندرية.

وعليه:

فلا يجوز لك – أخي السائل – العمل على نشر الكتاب الوارد ذِكره في السؤال  لما في نشره من إقرار عقيدة الكفر، والمساهمة في نشرها، وإن فعلتَ – ولا نظنك تفعله – فإنك تعين على انتشار أعظم الإثم وهو ، وقد نهيت عما هو أقل من ذلك، قال تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2.

 

واعلم أن ما ذكرناه من الحكم هو فيما إذا كنت تترجم ما سيطبع، ويوزع على الناس، وأما إن كانت ترجمتك لذلك الكتاب – بل ولأشد منه كفرًا – لباحث مسلم، أو مركز دراسات، ليطلع هؤلاء على كتب أولئك الكفار ليردوا عليهم، ويبينوا ضلالهم : فإنه لا حرج في ترجمة تلك الكتب، على أن يكون أولئك محل ثقة، وتطمئن أنهم لا يطبعون ما تترجمه لهم.

 

ويمكنك أن تساهم في نشر الإسلام بترجمة الكتب الإسلامية النقية، لنشرها في الآفاق، كما يمكنك ترجمة الكتب التي تحتوي على فوائد علمية، أو طبية، من اللغات الأخرى إلى العربية.

 

والله أعلم.

القيود الشرعية المتعددة للحدِّ من إيقاع الطلاق وبيان سبب كثرة الطلاق

القيود الشرعية المتعددة للحدِّ من إيقاع الطلاق وبيان سبب كثرة الطلاق

السؤال:

الحمد لله أنا مسلم ، ومؤمن أن لله حكمته وإن أشكلت علينا فهو جلَّ وعلا أعلم بما ينفعنا منَّا، أعلم أن الحكمة من تشديد إجراءات عقد النكاح هي البعد عن المفاسد حتى لا تكون من تزني وتقول إني متزوجة، ولكن لماذا التسهيل في الطلاق ، فبكلمة واحدة ينتهي الزواج، وبلا شهود، وإعلام للناس، وأيضا الطلاق محدود بثلاث طلقات، أليس في ذلك تسهيل لتهدم الأسرة؟ كما أنه بعدم وجود شهود على الطلاق أليس في ذلك مفاسد حيث يمكن لمَن طلقها زوجها ولم يشهد أحدًا أن تطالب بالميراث، أو أن تحمل مِن زنى وتنسبه لمن طلقها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ظن الأخ السائل أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتسهيل في الطلاق: ظن خطأ، وليس هذا الذي ظنه موجودًا في الشريعة المطهرة، بل إن شرع الله تعالى فيه من التشديد في الطلاق ما لو التزم به المسلمون لرأيت – من غير مبالغة – نسب الطلاق تقل إلى العشر! ولكنَّ الناس قد تجرأوا على شرع الله تعالى، وخالفوا أحكام الله تعالى في ” الطلاق ” فأوقعت الشريعة طلاقهم، ولم يستفيدوا من التشديدات التي شرعها الله تعالى لتخفيف وقوع الطلاق، ومن هذه الأحكام التي شرعها الله للتخفيف من وقوع الطلاق:

  1. أن الأصل في الطلاق الكراهة:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الأصل في الطلاق: الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أن إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت، أنت ويلتزمه “، وقد قال تعالى في ذم السحر: ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 81 ).

* وقال:

ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق: لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلَّت عليه الآثار والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة لحاجتهم إليه أحيانًا.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 89 ).

 

 

 

  1. أن الله تعالى جعل الطلاق بيد الزوج، لا الزوجة.

ومن المعلوم أن ذلك الحكم في غاية الحكمة، ولو أن الطلاق جُعل بيد المرأة لرأيت حالات الطلاق أضعافًا مضاعفة عما هي عليه الآن؛ لما في المرأة من سهولة الانفعال، وشدة التسرع في اتخاذ قراراتها، وليس عليها تبعات في هذا القرار.

* قال ابن الهمام الحنفي- رحمه الله -:

ومنها جعله بيد الرجال دون النساء لاختصاصهن بنقصان العقل وغلبة الهوى، وعن ذلك ساء اختيارهن وسرع اغترارهن، ونقصان الدين، وعنه كان أكثر شغلهن بالدنيا وترتيب المكايد وإفشاء سر الأزواج وغير ذلك.

– انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.

  1. أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، ولا في طهر جامع الزوج فيه زوجته.

وقد اختلف الفقهاء في هذا طلاق هل يقع أو لا؟ فذهب جمهورهم إلى وقوعه، وذهب جماعة منهم إلى عدم وقوعه، وعليه الفتوى عند كثير من فقهاء العصر، وهو المفتى به في موقعنا.

ولو أنك أحصيت الطلاق الذي يقع في عالم الزوجية لرأيت أكثره يقع في طهر جامع الزوج زوجته فيه، أو وهي حائض، ولو أنه التزم أمر الله تعالى في عدم إيقاعه حتى تطهر زوجته من حيضتها، أو حتى تحيض ثم تطهر إن كان قد جامعها في طهر: لما رأيت الطلاق يقع في غالب القضايا؛ لما في تأخير إيقاع الطلاق من برود الفتنة، ووقوع الصلح، والتأمل في عواقب الطلاق، ولكن الناس لا يلتزمون بذلك الحكم إلا من رحم الله.

  1. عدم إخراج المرأة من بيتها عند وقوع الطلاق، وعدم جواز خروجها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) الطلاق/ 1.

ومن شأن الالتزام بحكم الله تعالى في ذلك – غالبًا -: أن تكون هذه هي الطلقة الأخيرة للزوج، ولا يوقع بعدها غيرها؛ لما في بقائها من الشوق للحياة الزوجية السابقة، ومن عدم تدخل أهل الإفساد بينهما، بخلاف ما لو خرجت من بيتها، أو أخرجها زوجها: فإن ذلك يولِّد العداوة والبغضاء، ويسمح بكثرة الإفساد بينها وبين زوجها، ولذلك حكم الله تعالى على مخالف ذلك الحكم الجليل بقوله ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) وبيَّن في الآية نفسها الحكمة من ذلك الحكم بقوله ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ).

فكم هم الملتزمون بهذا الحكم الرباني الصريح في كتاب الله تعالى في عالَم الأزواج؟ وهل الحكم الشرعي هو الذي يتسبب في الفراق الأبدي بين الزوجين أم مخالفته؟!.

  1. تشريع العدد للطلقات.

وقد شرع الله تعالى عددًا من الطلقات تحرم بانتهائه الزوجة على زوجها، وفي ذلك من الحكمة الجليلة ما يُعطي الزوجين الفرصة لعدم تكرار الطلاق، فلم يشرع الرب تبارك وتعالى فرقة الزوجين بعد وقوع الطلقة الأولى منه، بل أعطاه فرصة أخرى ليوقع بعدها طلقة أخرى، ثم فرصة ثالثة أخيرة، ومن لا يصلح حاله مع زوجته في تلك الفرَص الشرعية فلن يصلح حالها بعدها – غالبًا -، لذا كان لا بدَّ من تشريع عدد من الطلقات تقف عنده الحياة الزوجية عن الاستمرار، مراعاة لكرامة المرأة، وكفًّا للزوج عن العبث بأحكام الله تعالى في الحياة الزوجية التي أمره الله تعالى بصونها، وكان عدد الطلقات الثلاث مناسبًا، فشرعه الله تعالى العالِم بما خلق وشرع.

* قال الشيخ الطاهور بن عاشور – رحمه الله -:

الله تعالى قصد من تعدد الطلاق: التوسعة على الناس؛ لأن المُعاشِر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له الندم وعدم الصبر على مفارقتها، فيختار الرجوع، فلو جعل الطلقة الواحدة مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة: تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق الرجعة.

” التحرير والتنوير ” ( 2 / 418 ).

* وقال – رحمه الله -:

وحكمة هذا التشريع العظيم: ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعباً في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: ( فَكَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا وَالثَّانِيَة شَرْطًا والثَّالثَةُ عَمْدًا، فَلذلك قال له الخضر في الثالث: ( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنك ) الكهف/ 78 – رواه أحمد ( 35 / 56 ) وصححه المحققون -. ” التحرير والتنوير ” ( 2 / 415 ).

  1. تشريع الرجعة.

وقد شرع الله تعالى ” الرجعة “، فشرع للزوجة عدةً بعد الطلقة الأولى والثانية، يملك فيه الزوج إرجاعها لعصمته، وقد تطول هذه العدة فتصل إلى تسعة شهور – كما في عدة الحامل – وقد تقصر إلى ثلاث حيضات – كما في ذوات الحيض-، أو ثلاثة شهور – كما في الصغيرة والآيس من المحيض -.

وفي ذلك التشريع من الحكم الجليلة ما يجعل الزوج يقارن بين حياته مع زوجته وأولاده، وبين أن يعيش مفارقًا لهم؛ مما يجعل الفرصة أمامه كبيرة لإعادة النظر في الاستمرار في الطلاق، فيرجعها إلى عصمته.

* قال ابن الهمام الحنفي – رحمه الله – في بيان حكمة الشرع في عدد الطلقات، وفي الرجعة -:

ومنها: شرعه ثلاثًا؛ لأن النفس كذوبة ربما يظهر عدم الحاجة إليها أو الحاجة إلى تركها وتسوله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر، فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثًا ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت النفس إلى مثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه في حال نفسه، وبعدد الثلاث تبلى الأعذار.

انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465، 466 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.

  1. تشريع الوعظ للزوجة، ثم هجرها في المضجع، ثم ضربها، كما في قوله تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) النساء/ 34.

والملاحظ في عالَم الأزواج – إلا ما ندر – أن يسارع الزوج إلى الطلاق، ولا يلتزم بما شرعه له ربه تعالى مما ذكره في الآية، ولذلك كثرت حالات الطلاق بسبب الناس، لا بسبب الأحكام الشرعية.

  1. تشريع التحكيم بين الزوجين عند حدوث ما يعجز الزوجان عن حلِّه من مشكلات بينهما، وفي ذلك يقول تعالى ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35.

وليس هذا التحكيم بعد وقوع الطلاق، بل هو عند الخوف من أن يقع الفراق بينهما بالطلاق، أو الخلع.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله -:

الإسلام لم يضع الطلاق إلا كحل أخير للفصل بين الزوجين، ووضع حلولًا أوليَّة قبل اللجوء إلى الطلاق، فلو تحدثنا يا سماحة الشيخ عن هذه الحلول التي وضعها الإسلام لفض النزاع بين الزوجين قبل اللجوء إلى الطلاق؟.

فأجاب:

قد شرع الله الإصلاح بين الزوجين واتخاذ الوسائل التي تجمع الشمل وتبعد شبح الطلاق، ومن ذلك: الوعظ، والهجر، والضرب اليسير إذا لم ينفع الوعظ والهجر، كما في قوله سبحانه: ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) النساء/ 34، ومن ذلك: بعث الحكمين من أهل الزوج وأهل الزوجة عند وجود الشقاق بينهما للإصلاح بين الزوجين، كما في قوله سبحانه: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35.

فإن لم تنفع هذه الوسائل ولم يتيسر الصلح واستمر الشقاق: شرع للزوج الطلاق إذا كان السبب منه، وشرع للزوجة المفاداة بالمال إذا لم يطلقها بدون ذلك إذا كان الخطأ منها أو البغضاء لقول الله سبحانه: ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) البقرة/ 229؛ ولأن الفراق بإحسان خير من الشقاق والخلاف، وعدم حصول مقاصد النكاح التي شرع من أجلها، ولهذا قال الله سبحانه: ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) النساء/ 130، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنه أمر ثابت بن قيس الأنصاري رضي الله عنهما لما لم تستطع زوجته البقاء معه لعدم محبتها له وسمحت بأن تدفع إليه الحديثة التي أمهرها إياها أن يقبل الحديقة ويطلقها تطليقة ففعل ذلك ” رواه البخاري في الصحيح. ”

فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 494، 495).

 

وقد اشترط بعض العلماء وجود الشاهدين عند إيقاع الطلاق، لكننا نرى هذا القول مرجوحًا، وإنما أوجب الإشهاد على الرجعة؛ لأن الطلاق عادة يكون بين المرأة وزوجها، وأما الرجعة فيشترط لها الإشهاد لئلا يقع نسيان أو نكران لوقوع الطلقة.

ويكفي ما سبق من الضوابط والتشديدات والقيود الشرعية للحد من إيقاع الطلاق، وفسخ العلاقة الزوجية، وبه يتبين خطأ ظنكم في عدم وجود مثل هذه الأحكام في الشرع.

 

والله أعلم.

 

تسيء لزوجها في العشرة وتحرمه حقوقه وتطلب النصح والتوجيه

تسيء لزوجها في العشرة وتحرمه حقوقه وتطلب النصح والتوجيه

السؤال:

تزوجت منذ سنتين، ومنذ ذلك الحين مررت أنا وزوجي ببعض المشاكل والمصاعب، فعلى الرغم من أنني أحاول أن أكون امرأة صالحة إلا أنني أعاني من قلة الصبر، وسوء الأخلاق، وقلة العلم، ونقص في مستوى الإيمان، وازدادت هذه الامور سوءًا بعد أن أنجبت المولود الأول، لم أكن أعلم أن الأمومة ورعاية الأطفال بهذه الصعوبة وأنها مسئولية كبيرة، لذلك بدأت تدريجيًّا وبلا شعور أهمل زوجي، وأضيع حقوقه، ولا أتجمل له، وأتحجج بأن لديَّ طفل، وبأنه بحاجة إلى الرعاية، وأن المسؤوليات كثيرة بالكاد أنوء بحملها، وأنني أتعب من الطبخ والعناية بالوليد ومراعاة شئون المنزل، في البداية أظهر صبرًا على هذه الحال ولكنه من حين لآخر يتندم أنه تزوج بي، ويقول: إنه استعجل في الإنجاب، في الحقيقة إنه رجل طيب، وما زلت في ذمّته إلى الآن، فما رأيكم؟ ما العمل لحل هذه المشكلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. من الجيد أنك كنت منصفة في عرض قضيتك، وإن هذا من شأنه أن يسهِّل علينا الإجابة، فأنت لم تذكري شيئًا سيئًا عن زوجك، وكل ما جاء في سؤالك يدينك، فالمشكلة منك، وحلها عندك.
  2. واعلمي أن حقوق زوجك عليك عظيمة، ولو كان ثمة سجود في شرعنا لأحدٍ من البشر لكان من الزوجة لزوجها؛ لعظم حقه عليها.

عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ( لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أَنْ يسْجُدَ لأَحدٍ لأَمَرْتُ المرْأَة أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ).

رواه الترمذي ( 1159 ) وحسَّنه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

  1. واعلمي أن سوء خلق الزوجة مع زوجها وعدم إعطائه حقوقه يتسبب في أشياء:
  2. تطليقها ، فلا شيء يلزم الزوج في البقاء مع زوجة تسيء إليه، ولا تعطيه حقه في المعاشرة الحسنة.
  3. التزوج عليها، وهذا من أبرز أسباب التعدد، فبعض الأزواج لا يرغب – لظروف – في فك وثاق الزوجية فيلجأ إلى التزوج بامرأة أخرى، وقد يجد الزوج بغيته مع تلك الزوجة الأخرى.
  4. ضربها والإساءة إليها باللفظ، وهذا – أيضًا – مما يحدث كثيرًا، فيقابل الزوجُ إساءة زوجته وتقصيرها في حقه بالإساءة له باللفظ والفعل.

 

 

  1. وبما أنك قد ذكرتِ فيك أشياء ترينها سببًا في مواقفك من زوجك: فإننا نرى أن إصلاحها هو الذي سيكون – بإذن الله – سببًا في إنهاء تلك المشكلات وتبدل الحال إلى أحسن منه، فقد قلت في سؤالك إنك تعانين ” من قلة الصبر، وسوء الأخلاق، وقلة العلم، ونقص في مستوى الإيمان “، ولنقف مع هذه الأمور لنعالجها، ونرجو الله أن يسددنا، ونرجو منك العمل بما ننصحك به، ونوجهك إليه.

أ. أما قلة الصبر: فإن علاجه يكون بأمور:

  1. أن تتفكري جيِّداً بعواقب ذلك على نفسك، وعلى حياتك الزوجية، فلعل وقوفك مع هذا المرض والتأمل في عواقبه السيئة أن يردعك عنه ، فيزداد صبرك ولا يقل.
  2. التأمل في ثواب الصبر والصابرين، وما أعده الله تعالى من الأجور العظيمة للصابرين، ولعل ذلك – أيضًا – أن يدفعك للتحلي بذلك الخلق الجميل، وأن تنضمي لقافلة الصابرين ، لتنعمي بحياة مطمئنة في دنياك ، وتنالين أجورًا جزيلة في أخراك، ولعله أن يكفيك أن تتأملي في قوله تعالى ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/10 لتعلمي أن الثواب جزيل، والأجر عظيم.
  3. واعلمي أنه لا عذر لك في أنه لا صبر عندك أو أنه قليل؛ إذ يمكنك أن تصبِّري نفسك، فكما أن العلم بالتعلم: فإن الصبر بالتصبر، فكلما رأيتِ شيئاً يدعوك للغضب اضبطي نفسك، وصبريها، وانشغلي بذكر الله تعالى، وأشغلي ذهنك بأشياء أُخر، فهكذا تعودين نفسك على الصبر، وهذا هو التصبر الذي نريده منك، وهو من خير عطاء يُعطاه المسلم من ربه تعالى، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ يَتَصبَّر يُصبِّرْه الله، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خيرًا وَأَوْسَع مِن الصَّبْر ) رواه البخاري ( 1400 ) ومسلم ( 1053 ).
  4. وندعوك – أخيرًا – لاتخاذ قدوات صالحات ممن تعرفين من أخواتك النساء، فثمة كثيرات صبرن على حالهم، وعلى أزواجهن، فكتب الله لهن التوفيق، والسعادة، ووهبهن الذرية الصالحة الطيبة، فاجعلي من أولئك قدوات لك، ولا تنظري إلى من فقدت صبرها فتصرفت بقيادة غضبها: فإنها خاسرة، ولن تحصد إلا السوء والنقصان. قال تعالى: ( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) هود/ 49.

ب. وأما سوء الأخلاق: فإن علاجه يكون بأمور:

  1. التأمل بعواقب بسوء الأخلاق، وأنها جالبة لسخط الله، وسخط الناس، وأنك بها تخسرين بيتك وزوجك، وآثار سوء الأخلاق أكثر من أن تُحصى.

وأن تتعرفي على أن عواقب حسن الخلق، وما أعده الله للحسنة أخلاقهم في الآخرة، فضلًا عما يجده أصحابه في الدنيا من ذِكرٍ حسنٍ بين الناس، وكسب لقلوبهم.

عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُم أَخلَاقًا ).

رواه الترمذي ( 2018 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وقد قيل: ” مَن حسُن خلُقُه: طابت معيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في الناس محبته، ومَن ساء خُلُقُه: تكدرت معيشته، ودامت بغضته، ونفر الناس منه “.

  1. الدعاء بأن يهديك الله لأحسن الأخلاق وأن يصرف عنك سيئها، وقد كان هذا الدعاء مما علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقوله في استفتاح صلاتنا، فقد روى مسلم – ( 771 ) – عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ… وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ ).
  2. عليك بمجاهدة نفسك، فالخلق الحسن يحتاج لهداية – كما سبق في حديث علي السابق -، فتحتاج النفس لمجاهدة حتى تستقيم على الخلق الحسن، وقد وعد الله تعالى من جاهد نفسه أن يوفقه ويهديه، فقال: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/ 69.
  3. الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الآخرين، فهو خير وأفضل أسوة، وقد زكَّاه ربه تعالى فقال ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم/ 4، فاستحق أن يكون خير أسوة، قال تعالى ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) الأحزاب/ 21.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

مَن أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها: فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الإتساء به بمنِّه، آمين.

” الأخلاق والسير في مداواة النفوس ” ( ص 24 ).

– ولينظر كتاب ” سوء الخلُق، مظاهره، أسبابه، علاجه ” تأليف: الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.

ج. وأما نقص العلم: فإن علاجه يكون بأمور:

  1. أن تعلمي أن ” نقص العلم ” من علامات الساعة، فيكثر الجهل، ويُقبض العلماء، وبالتأكيد لا تريدين لنفسك أن تكوني في زمرة الجاهلين بأحكام دينهم، والبعيدين عن العلم والعلماء.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ ).

رواه البخاري ( 6652 ) ومسلم ( 157 ).

  1. أن تعلمي الآثار السيئة المترتبة على ” نقص العلم ” وأن منها نقص الخشية من الله، ويترتب على ذلك ما يحدث من معاصي أو تقصير في أداء واجب، أو في حق الزوج .

 

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

كلما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه: كان خوفه من الله أكثر، وخشيته أكمل, وهكذا المؤمنة كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقه: كان خوفها من الله أعظم، وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها, وكلما قلَّ العلم وقلَّت البصيرة: قلَّ الخوف من الله، وقلَّت الخشية له سبحانه، فالناس متفاوتون في هذا.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 364 ).

  1. وعليك أن تعلمي أن طلب العلم فريضة كالصلاة والصيام، وأنه لا يسعك ترك تعلم العلم بما تقيمين به عباداتك الواجبة عليك.

عن أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ). رواه ابن ماجه ( 220 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

  1. ومع كون طلب العلم فريضة فإن الله تعالى جعل أهله في منزلة رفيعة، في دنياهم وأخراهم، ويكفي في ذلك قول تعالى ( يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة/ 11.

وقد يسَّر الله تعالى من طرق طلب العلم الشيء الكثير من الوسائل، فالكتب المحققة في متناول الأيدي بأسعار رخيصة، والقرص الضوئي الواحد فيه ألوف العناوين من الكتب، ويسهل الحصول على مواد سمعية لعلماء ثقات يشرحون فيها صغار العلم وكباره، كما تتيسر القنوات الإسلامية، والدروس في المساجد، ومواقع الإنترنت، والبال توك، وغير ذلك من الوسائل التي أقيمت بها الحجة على كل مسلم، وما كان صعبًا متعذرًا في سالف الزمان أصبح الآن سهلًا يسيرًا.

د. وأما نقص الإيمان: فإن له أسبابًا متعددة.

وعلاج ذلك النقص والضعف في الإيمان: فإنه يوجد في هذا الموقع رسالة بعنوان ” ظاهرة ضعف الإيمان “، وفيها بيان تام لما يعانيه كثير من الناس من ضعف الإيمان، مع بيان الأسباب والعلاج، ولا مزيد عليها إن شاء الله فننصحكِ بقراءتها، وهذا رابطها:

http://www.islam-qa.com/books/dofuleeman/arabic.html

ومن المهم أن تبحثي عن خوات صالحات مستقيمات؛ لتصاحبيهن، ويدللنك على الطريق الصحيح في التعامل مع الزوج، ولتتقوي بهن في طلب العلم، وأداء الطاعات، فالمؤمن قوي بأخيه.

  1. وعدم إعطائك زوجك حقَّه من التجمل والتزين هو مما يوجب الإثم عليك، فاحذري أن تقعي فيما يسخط الله عليك، وليس انشغالك بالمسئوليات وأعمال البيت ورعاية الولد بعذر، ونحن نجزم أن الأمر لو كان عليك صعبًا وشديدًا لكان زوجك معينًا لك، وصابرًا على التقصير في حقه، لكننا لا نرى لك عذرًا في ذلك التقصير، ومهما بلغت الأعذار عند الزوجة فإن مصيرها النوم بجانب زوجها، فما الذي يمنعها من التزين له وإعطائه حقه، بحسن الكلام وجميل الفعال؟.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 271 ):

من حقوق الزوج على زوجته: أن تتزين له بالملبس والطِّيب، وأن تُحسن هيئتها، وغير ذلك مما يرغِّبه فيها، ويدعوه إليها، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلاَ تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ) – رواه النسائي ( 3131 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي ” – فإنْ أَمَر الزوجُ زوجتَه بالتزين فلم تتزين له: كان له حق تأديبها؛ لأن الزينة حقه. انتهى.

  1. وأخيرًا:

إذا كان زوجك طيِّبًا – كما تقولين – فإن صبره عليك قد ينفد، وقد يتخذ من الأفعال ما قد تندمين عليه، ونعني به: الإساءة إليك، أو تطليقك، أو التزوج عليك، فاحذري من عواقب سوء عشرتك له، وبادري إلى التوبة أولًا، ثم إلى إصلاح حالك معه، وإلى الاعتذار منه على ما بدا منك، مع العزم الأكيد على تغيير حياتك للأفضل فيما بينك وبين ربك أولًا بالالتزام بالواجبات والإكثار من الطاعات، وفيما بينك وبينه ثانيًا لتقوم حياتكما على المودة والرحمة، وتساهما في تربية ذرية صالحة.

ونسأل الله أن يوفقك لما فيه مرضاته، وأن يصلح حالك وبالك.

 

والله أعلم.

 

وافقتْ على شرطِه بسكنى قريبته معها وحصل منها إيذاء فهل يسقط شرطُه؟

وافقتْ على شرطِه بسكنى قريبته معها وحصل منها إيذاء فهل يسقط شرطُه؟

السؤال:

أنا امرأة متزوجة منذ سنَة، وقد اشترط زوجي عليَّ قبل الزواج أن ابنة خالة أمه سوف تقيم معنا، وهي امرأه كبيرة في السن، ووافقتُ، وبعد الزواج اكتشفتُ أن أثاث البيت نصفه يعود لها، لا أستطيع أن أحرك شيئًا من مكانه، بالإضافة إلى أنها توجه إليَّ كافة أنواع الشتائم، تسبني، وتسب أهلي، وزوجي لا يرد عليها، وبعد ذلك قالت لي: إن أبي حرامي! وإني أنا قليلة أدب! لأني أوصل زوجي للباب وهو خارج، فاتصلت على أهلي، وأخدوني.

هل يحق لي أن أطلب منه سكنًا مستقلاًا؟ وما حكم إقامة هذه المرأه معنا؟.

وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على الزوج توفير إسكان زوجته بمسكن شرعي، تتوفر فيه المرافق الضرورية لقيام حياتها فيه، ومن أهم شروط هذا السكن: عدم إسكان أحدٍ من أهله معها.

ثانيًا:

ويسقط حق الزوجة في سكن تنفرد به وحدها، وعدم سكن أحدٍ من أهل زوجها معها: بالشرط، فإن اشترط عليها سكنى أحدٍ من أهله معها، ورضيت به: لزمها الشرط، وسقط حقها في الانفراد، ووجب عليها الوفاء بالشرط.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأصل في الشروط: الحل، والصحة، سواءً في النكاح، أو في البيع، أو في الإجارة، أو في الرهن، أو في الوقف، وحكم الشروط المشروطة في العقود إذا كانت صحيحة: أنه يجب الوفاء بها، في النكاح، وغيره؛ لعموم قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) المائدة/ 1، فإن الوفاء بالعقد يتضمن: الوفاء به، وبما تضمنه من شروط، وصفات؛ لأنه كله داخل في العقد.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 164 ).

وعليه:

فالواجب عليكِ – أيتها السائلة – تحقيق الشرط، والرضى بسكنى ابنة خالة أم زوجك؛ لأنك رضيتِ بالشرط قبل العقد.

ويسقط هذا الشرط في حال:

  1. أن يُسقطه المشترط، وهو زوجك، فإذا أسقطه: صار كعدمه.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

شروط الشيء موضوعة من قبل الشرع، فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في الشيء موضوعة من قبل العبد فيجوز لمن هي له أن يسقطها.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 25 ).

وقال – رحمه الله – أيضا -:

شروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها ممن هي له. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 162 ).

  1. أن يتحقق ضرر عليكِ من سكنى من رضيت به، كقريب له يصير بالغًا، أو كسيء الأخلاق يطلع على عورتك، أو كمن يؤذيك بالسب، والشتم، والتحقير، أو يضرك بالضرب، وغيره.

وبما أن زوجك لم يُسقط شرطه: فليس أمامك إلا الأمر الآخر، ولكن يحتاج إثباته لبيِّنة، فإن ثبت: فلك الحق في إخراجها من بيتكم، أو إخراجك لبيت آخر تنفردين به عنها.

ففي ” الموسوعة الفقهية الكويتية ” ( 8 / 236 ، 237 ):

أما سكنى أقارب الزوج، أو زوجاته الأخريات في الدار التي فيها بيت الزوجية، إذا لم ترض بسكناهم معها فيها: فقد قال الحنفية: إنه إذا كان لها بيت منفرد في الدار له غِلقٌ، ومرافق خاصة: كفاها، ومقتضاه: أنه ليس لها الاعتراض حينئذ على سكنى أقاربه في بقية الدار، إن لم يكن أحد منهم يؤذيها.

ومثله في الجملة: مذهب الشافعية. انتهى.

وفيها – أيضا – ( 25 / 109 ):

فالجمع بين الأبوين والزوجة في مسكن واحد: لا يجوز ( وكذا غيرهما من الأقارب ) ولذلك يكون للزوجة الامتناع عن السكنى مع واحد منهما؛ لأن الانفراد بمسكن تأمن فيه على نفسها ومالها حقها، وليس لأحد جبرها على ذلك.

وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.

وإذا اشترط الزوج على زوجته السكنى مع الأبوين فسكنت، ثم طلبت الانفراد بمسكن: فليس لها ذلك عند المالكية، إلا إذا أثبتت الضرر من السكن مع الوالدين.

انتهى.

وهذه فتوى نظرية، وأما تطبيقها في واقعك العملي فيحتاج من زوجك تنفيذ ذلك على الفور في حال عجز عن الإصلاح بينكما، فإن أبى ذلك، أو لم يستطعه: فارفعي أمرك للقضاء الشرعي.

 

والله أعلم.

حكم لبس الباروكة للمرأة الصلعاء، وهل تمسح عليها في الوضوء؟

حكم لبس الباروكة للمرأة الصلعاء، وهل تمسح عليها في الوضوء؟

السؤال:

إنني أعاني من فقد الشعر، وأعاني من صلع في بعض المناطق في رأسي، وقد سبَّب لي هذا الأمر اكتئابًا، ففي بعض الأوقات أرى فتيات بشعر جميل ويشعرون بالأسى تجاهي، وقد حاولت أن أقوم بجراحة زرع الشعر، ولكن الأطباء قالوا إنها لن تجدي معي؛ فبشرة رأسي غير ملائمة، وبالرغم من أنني أغطي رأسي عند الخروج وأرتدي الحجاب عندما أكون في البيت أو في مناسبات العائلة وفي الحفلات التي يكون فيها فصل بين الرجال والنساء ولا أحتاج لارتداء الحجاب، وهنا أصاب بغضب شديد لأنني لا أقدر على خلعه، فهل يجوز لي ارتداء الباروكة – شعر مستعار -؟. وإن كانت الإجابة نعم: فهل لها تأثير على الوضوء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد بينا في جواب سابق حرمة استعمال الباروكة من حيث الأصل، ولو لزينة المرأة أمام زوجها، وأنها من الوصل المحرَّم.

ولكن يجوز اتخاذ الباروكة من أجل إزالة عيب عند المرأة الصلعاء، وأن هذا هو قول الشيخ العثيمين رحمه الله، خلافًا لغالب العلماء المعاصرين والذين عدوه من الوصل المحرَّم، ولينظر كلام الشيخ العثيمين في الجوابين المحال عليهما.

 

ثانيًا:

ومن أبرز ما استدل به من منع من استعمال الباروكة للمرأة المصابة بالصلع حديثان:

  1. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعَرُهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ). رواه البخاري ( 5590 ).

– فتمعط شعرها: تناثر وتساقط.

  1. عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِنْتًا لِي عَرُوسٌ وَإِنَّهَا اشْتَكَتْ فَتَمَزَّقَ شَعْرُهَا فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ وَصَلْتُ لَهَا فِيهِ فَقَالَ: ( لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ).

رواه النسائي ( 5250 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وليُعلم – قبل الجواب عن هذين الحديثين -: أنه ليس ثمة اتفاق بين العلماء على حرمة لبس ” الباروكة ” – كما ذكره بعضهم -، بل قد ذهب المالكية إلى أن المحرَّم هو ” وصل الشعر ” إما بشعر مثله، أو بشعر صناعي، أو خيوط، وغيرها، وأما الباروكة فهي توضع على الرأس وتُلبس به، ولا توصل بالشعر الذي على الرأس، فهي ليست وصلا عندهم.

قال ابن أبي زيد – رحمه الله -:

” وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم “.

وقال النفراوي المالكي – رحمه الله – شارحاً -:

ومفهوم ” وصل ” أنها لو لم تصله بأن وضعته على رأسها من غير وصل لجاز كما نص عليه القاضي عياض؛ لأنه حينئذ بمنزلة الخيوط الملوية كالعقوص الصوف والحرير تفعله المرأة للزينة فلا حرج عليها في فعله فلم يدخل في النهي ويلتحق بأنواع الزينة.

” الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ” ( 2 / 508 ).

وهذا وإن كان مرجوحًا لكنه محتمل، وليس بالضعيف، وأما الشيخ العثيمين رحمه الله فإنه لا يجيز لبس الباروكة من هذه الجهة – كما سبق في الأجوبة المحال عليها – بل من باب الضرورة وإزالة العيب، وهو يقول إن الأحاديث السابقة هي فيمن أرادت أن توصل شعرها بشعر آخر، فهو عنده محرَّم وإن كان بباروكة، وهو يدل على أن تلك النساء كان عندهن شعور! وإلا فكيف يطلب أهاليهن الإذن بوصل شعورهن؟! وهو يدل على أنهن لم يصبن بالصلع، والضرورة التي تجيز لبس الباروكة إنما هي لمن أصيبت بالصلع فسقط شعرها كله، أو أكثره، فلم يبق إلا القليل منه، أو أصيب الرأس بمواضع صلع متفرقة، فصار عيبًا واضحًا.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قال قائل ما تقولون في الباروكة؟ هل هي من الوصل أو لا؟.

قال بعض العلماء:  ليست من الوصل؛ لأن الباروكة لا يوصل الشعر بالشعر، ولكنها بمنزلة الخمار لأنها توضع على الرأس وضعًا، ويكون الشعر تحتها.

وقال بعض العلماء: بل هي من الوصل ولكنَّ الوصل قد يكون بربط أسفل الشعر بهذا الموصول به، وقد يكون بأن يوضع عليه ويطبَّق بشعر يكون أطول من الأصل، والعبرة بالمعنى لا بالصورة.

إذًا: إذا قلنا بأن الباروكة وصفٌ: صار استعمالها محرمًا، بل من كبائر الذنوب.

فإن قال قائل: ما تقولون في امرأة صلعاء ليس في رأسها أي شعر، هل يجوز أن تستعمل الباروكة تغطية للعيب لا زيادة في الجمال أو في طول الشعر؟!.

فالجواب – والله أعلم -: أنه جائز، ولكن يرِد عليه قصة المرأة مع ابنتها التي قالت إنها أصيبت بالحصبة فتمزق شعرها، فسألت النبي هل تصل رأسها؟ فمنعها من ذلك، وسبَّها.

فالجواب على هذا: أن الظاهر أن الشعْر لم يُفقد بالكلية، ولهذا هي طلبت الوصْل، وطلبُ الوصْل يدل على أن أصل الشعر موجودٌ، فإذا كان أصل الشعر موجودًا: صارت الزيادة من أجل التكميل والتحسين، أما إذا لم يكن موجودًا وكان عيبًا – وأنا أريد بالصلعاء التي يكون رأسها كخدها ليس فيه شعرة أبدًا، وهذا موجود لا تظن أن هذا أمرٌ فرضي، ليس فرضيًّا، بل هو أمر واقع -: فالظاهر لي أن هذا لا بأس به؛ لاختلاف القصد في الوصل الذي ورد النهي عنه، أو ورد اللعن عليه، وهذا الوصل. ” شرح صحيح البخاري ” ( شريط 10 ، وجه أ ).

 

ثالثًا:

وأما بخصوص حكم المسح على تلك الباروكة: فإنه لا شك أن الأولى والأحوط أن تنزع عند الوضوء، وأن يُمسح الرأس مباشرة، هذا هو الأحوط، وأما من حيث جواز المسح على تلك الباروكة فإنه إن كان جائزًا فليس لأنها تأخذ حكم الشعر الأصلي، بل لأن المسح على الرأس في الوضوء لا يُراد منه الشعر، بل الرأس، ولذا مسح النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه الملبَّد، ومسح على عمامته، ولذا جاز مسح المرأة على خمارها.

وأما في الغسل: فينبغي نزعها؛ لوجوب إيصال الماء إلى جميع البشرة، ولا ينبغي أن يُختلف في هذا.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

واختلف العلماء في جواز مسح المرأة على خمارها.

فقال بعضهم: إِنه لا يجزئ لأن الله تعالى أمر بمسح الرَّأس في قوله: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ ) المائدة/ 6، وإِذا مَسَحَتْ على الخمار: فإِنها لم تمسح على الرَّأس؛ بل مسحت على حائل وهو الخمار فلا يجوز.

وقال آخرون بالجواز، وقاسوا الخِمَار على عِمَامة الرَّجُل، فالخِمَار للمرأة بمنزلة العِمَامة للرَّجُل، والمشقَّة موجودة في كليهما.

وعلى كُلِّ حالٍ إِذا كان هناك مشقَّة إِما لبرودة الجوِّ، أو لمشقَّة النَّزع واللَّفّ مرَّة أخرى، فالتَّسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأوْلى ألاَّ تمسح، ولم ترد نصوصٌ صحيحة في هذا الباب.

ولو كان الرَّأس ملبَّدًا بحنَّاء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك: فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في إحرامه ملبِّدًا رأسَه، فما وُضع على الرَّأس مِنَ التَّلبيد فهو تابع له.

وهذا يدلُّ على أن طهارة الرَّأس فيها شيء من التَّسهيل.

وعلى هذا؛ فلو لبَّدت المرأة رأسها بالحِنَّاء جاز لها المسحُ عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسَها، وتَحُتُّ هذا الحنَّاء، وكذا لو شدَّت على رأسها حُليًّا – وهو ما يُسمّى بالهامة -، جاز لها المسحُ عليه؛ لأننا إِذا جوَّزنا المسح على الخمار فهذا من باب أَوْلَى.

وقد يُقال: إن له أصلا وهو الخاتم، فالرَّسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس الخاتم، ومع ذلك فإِنَّه قد لا يدخل الماءُ بين الخاتم والجلد، فمثل هذه الأشياء قد يُسامِحُ فيها الشَّرع، ولا سيما أن الرَّأس من أصله لا يجب تطهيرُه بالغسل، وإنما يطهرُ بالمسح، فلذلك خُفِّفَتْ طهارتُه بالمسح.

وقوله: ” على خُمر نساء “، يفيد أنَّ ذلك شرطٌ، وهو أن يكون الخمارُ على نساء.

وهل يُشترطُ لها توقيت كتوقيت الخُفِّ؟ فيه خلاف، والمذهب أنَّه يُشترط، وقال بعض العلماء: لا يُشترط؛ لأنه لم يثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه وقَّتها، ولأنَّ طهارة العُضوِ التي هي عليه أخفُّ من طهارة الرِّجْلِ، فلا يمكن إِلحاقُها بالخُفِّ، فإِذا كان عليكَ فامسح عليها، ولا توقيتَ فيها، وممن ذهب إلى هذا القول: الشَّوكاني في ” نيل الأوطار ” ، وجماعة من أهل العلم.

فالعِمامةُ، والخُفُّ، والخِمارُ، إِنما تمسحُ في الحَدَث الأصغر دون الأكبر، والدَّليل على ذلك: حديث صفوان بن عَسَّال قال: ” أمَرنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا كُنَّا سَفْراً ألاَّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم “.

فقوله: ” إلا من جنابة ” يعني به: الحدَثَ الأكبر.

وقوله : ” ولكن من غائط وبول ونوم “، هذا الحدث الأصغر، فلو حصل على الإِنسان جنابة مدَّةَ المسح: فإنه لا يمسح، بل يجب عليه الغُسلُ؛ لأنَّ الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 239 – 242 ) باختصار يسير.

 

والله أعلم.

وقفات مع طاعنٍ في الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

وقفات مع طاعنٍ في الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

السؤال:

قرأت أن معاوية كان السبب في قتل أهل البيت، لذلك أشعر بالكراهية نحوه، كيف يسوّغ لنفسه أن يكون ملكًا دون أهل البيت؟ بالنسبة لي فلا أبالي إن كان له عمل صالح أم لا، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم واضح الدلالة في شأن تلك المرأة التي كانت تعمل الصالحات ولكن نواياها كانت فاسدة فقال: ( إنها في النار )، لذلك أظن أن نفس الأمر يمكن تطبيقه على معاوية ويزيد، وأظن أيضًا أن من يلعنهما مصيب، على أنني شخصيًّا لا ألعنهما؛ لأن ذلك لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم، فهل بالإمكان إخباري ما الذي حدث تمامًا بين معاوية ويزيد وأهل البيت؟.

الجواب:

الحمد لله

لا شك أنك أيها السائل قد أخطأت في مواضع من كلامك أخطاء كثيرة وعظيمة، والذي يظهر أنك لم توفَّق لقراءة كتب أهل السنَّة، أو السماع منهم، بل لعل مقروءاتك ومسموعاتك كانت من الشيعة الرافضة ونحوهم؛ لذا وقعت منك تلك الأخطاء، وسنقف معك وقفات علمية، نرجو أن تتأملها، وأن تستفيد منها، شاكرين لك حسن ظنك بموقعنا هذا:

  1. لقد جمعتَ بين ” معاوية بن أبي سفيان ” وابنه ” يزيد ” بحكم واحد، وهذا خلل عظيم، وحكم جائر، فمعاوية صحابي جليل، يترضى عنه أهل السنَّة، ولم يحصل منه قتل لأهل البيت، ولا قتال لهم، بخلاف ابنه يزيد، فهو ليس صحابيًّا، وهو الذي كان في خلافته قتل الحسين رضي الله ومن معه من أهله، ومن أهل السنَّة من يلعنه، والقول الوسط فيه هو أننا لا نحبه، ولا نسبه.
  2. ومعاوية رضي الله عنه كان صحابيًّا جليلًا، وملِكًا عظيمًا، وهو من كتَّاب الوحي، ومن الفقهاء – كما شهد له ابن عباس -، وقد شهد له كبار علماء أهل السنَّة بالفضل والعدل.

أ. فقد سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلَّى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟.

انظر ” وفيات الأعيان ” لابن خلكان ( 3 / 33 ).

 

 

ب. وعن الجراح الموصلي قال: سمعتُ رجلًا يسأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فرأيته غضب غضبًا شديدًا، وقال: لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحيه عز وجل.

” الشريعة ” للآجري ( 5 / 2466 ، 2467).

ج. وعن الأعمش أنه ذُكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حِلمه؟ قال  لا والله، بل في عدله.

” السنَّة ” للخلاَّل ( 1 / 437 ).

د. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم كما أمَّر غيره، وجاهد معه، وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي، وولاَّه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 472 ).

  1. وما حكمتَ أنت به على معاوية رضي الله ليس هو حكم الشرع، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة التي حصلت بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما، وشهد للطائفتين بالإيمان، والحق، وإن كانت الشهادة لعليّ رضي الله عنه ومن معه أنهم أقرب للحق، لكن لم يشهد لمعاوية ومن معه بالباطل، بل كانوا متأولين في طلبهم للحق، وهو المطالبة بالاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.

أ. عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ).

رواه البخاري ( 3413 ) ومسلم ( 157 ).

ب. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ). رواه مسلم ( 1064 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين – علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه – على حق، وأن عليًّا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه؛ فإن علي بن أبي طالب هو الذي قاتل المارقين وهم ” الخوارج الحرورية ” الذين كانوا من شيعة علي، ثم خرجوا عليه، وكفروه، وكفروا من والاه، ونصبوا له العداوة، وقاتلوه، ومن معه. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 467 ).

 

 

 

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

فهذا الحديث من دلائل النبوة؛ إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه: الحكم بإسلام الطائفتين – أهل الشام، وأهل العراق -، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام، من تكفيرهم أهل الشام، وفيه: أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة: أن عليًّا هو المصيب، وإن كان معاوية مجتهدًا، وهو مأجور إن شاء الله، ولكن علي هو الإمام، فله أجران، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ).

” البداية والنهاية ” ( 7 / 310 ).

  1. ولم يكن قتال معاوية لعلي رضي الله عنهما من أجل الخلافة والملك، بل كان من أجل المطالبة بقتلة عثمان رضي الله عنه للاقتصاص منهم، وكان علي رضي الله عنه يرى أن ذلك لا يكون إلا بعد تثبيت الخلافة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومعاوية لم يدَّع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليًّا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقرُّ بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا عليًّا وأصحابه بالقتال، ولا يعلوا، بل لما رأى علي رضي الله عنه وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة: رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة، وهم قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وإنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين، قالوا: لأن عثمان قُتل مظلومًا باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا: ظلمونا واعتدوا علينا، وعلي لا يمكنه دفعهم، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان، وإنما علينا أن نبايع خليفةً يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف ….

” مجموع الفتاوى ” ( 35 / 72 ، 73 ).

فلم يكن معاوية يناصب أهل البيت العداء، ولا كان يكنُّ لهم البغضاء، وإنما شأنه شأن سائر الصحابة رضي الله عنهم من تقدير أهل البيت، وإنزالهم منزلتهم التي تليق بهم، وقد نقل ابن كثير في ” البداية والنهاية ” ( 8 / 133 ) عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلتَه؟ فقال: ويحكِ إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم.

  1. كان حكم معاوية للمسلمين بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن أحد يخالفه فيها، مع الإقرار بوجود من هو أفضل منه.

 

 

قال ابن حزم – رحمه الله -:

فبويع الحسن، ثم سلَّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما، بلا خلاف، ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية، ورأى إمامته،  وهذا إجماع متيقن، بعد إجماع على جواز إمامة مَن غيره أفضل، بيقين لا شك فيه، إلى أن حدَث من لا وزن له عند الله تعالى، فخرقوا الإجماع بآرائهم الفاسدة بلا دليل، ونعوذ بالله من الخذلان.

” الفِصَل في الملل والأهواء والنَّحَل ” ( 4 / 127 ).

  1. وأما قولك ” كيف يسوّغ لنفسه أن يكون ملكًا دون أهل البيت؟ “: فقد سبق أن ذكرنا أنه لا يشترط للمتولي الخلافة أن يكون أفضل الناس، بل للمفضول أن يتولى مع وجود الفاضل، ثم إنه ليس أهل البيت هم أفضل الناس، ثم إن الأمر مع معاوية رضي الله عنه كان مختلفًا، حيث تنازل الحسن بن علي – وهو من أهل البيت – عن الخلافة لصالح معاوية رضي الله عنه، فتحققت بذلك نبوءة النبي صلى الله عليه في الثناء على الحسن وأن الله يصلح به بين طائفتين من المسلمين.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ( ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ). رواه البخاري ( 3430 )، ورواه مطولا ( 2557 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذه القصة من الفوائد: علَم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي؛ فإنه ترك المُلك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين، ومصلحة الأمة.

وفيها: رد على الخوارج الذين كانوا يكفِّرون عليًّا ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي صلى الله عليه و سلم للطائفتين بأنهم من المسلمين … .

وفيه: ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل؛ لأن الحسن ومعاوية وليَ كلٌّ منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بدريان، قاله بن التين.

وفيه: جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين.

” فتح الباري ” ( 13 / 66 ، 67 ).

فعليك أخي السائل أن تعيد النظر في حكمك على معاوية رضي الله عنه، وأن تعلم أن ما قلتَه في حقه هو الظلم بعينه، وإن لمعاوية من المنزلة والفضل ما قد وقفت عليه وعلمته مما نقلناه عن علماء هذه الأمة، ولا تظنن أن أحدًا من أهل السنَّة يوافقك على ما ذكرته في حق ذلك الصحابي الجليل، فلم يبق إلا أن تتوب من قولك، وأن تنزل هذا الصحابي الجليل منزلته اللائقة به، فهو خير ملوك المسلمين، وقد فتح الله تعالى على يديه وفي زمانه بلدانًا، ودخل بسبب ذلك في دين الله أفواج من الناس.

ونسأل الله تعالى أن يهديك للحق والصواب، وأن يجعلك هاديًا مهديًّا.

وننصحك أن تقرأ الكتب التالية:

  1. شبهات وأباطيل حول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما “.

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=12255

  1. ” سل السِّنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه “.

http://vb.islam2all.com/showthread.php?t=11502

  1. ” من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه “.

http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=32&book=2249

  1. ” الأحاديث النبوية في فضائل معاوية بن أبي سفيان “.

http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=12&book=2157

كما ننصحك بقراءة كتاب ابن العربي المالكي ” العواصم من القواصم “، وكتاب ” منهاج السنة النوية ” لشيخ الإسلام ابن تيمية.

 

والله أعلم.

 

 

الموقف من اختلاف ألفاظ الحديث الواردة المتقاربة والمتغايرة وذِكر أمثلة منهما

الموقف من اختلاف ألفاظ الحديث الواردة المتقاربة والمتغايرة وذِكر أمثلة منهما

السؤال:

هناك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ترد روايات ألفاظها مختلفة ولا أعلم ما الأصح بينها:

الحديث الأول: ( اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي ).

* قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ).

الحديث الثاني: عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قَالَت: قلتُ يَا رَسُول الله، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا؟ قَالَ: ( قولي اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عني ). ( اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ كَرِيمٌ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي ) صحيح الترمذي.

الحديث الثالث: عند الاستيقاظ من النوم ليلا ًوالدعاء بالمأثور في ذلك وهو قوله: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ).

هناك روايات أخرى له.

الحديث الرابع: عن عائشة: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه في شيء يخفيه من عائشة، وعائشة تصلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ – أَوْ: كَلِمَةً أُخْرَى – فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا: ( قُولِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا ).

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ( عَلَيْكِ بِالْجَوَامِعِ الْكَوَامِلِ، قُولِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ).

* عَنْ أبي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) صحيح مسلم.

* ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَاي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ) البخاري مع ” الفتح”.

* عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) سنن أبي داود، والترمذي، وصححه الألباني.

* رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ ) صحيح الترمذي وصحيح ابن ماجه.

* فما هي الرواية الأصح من بين الروايات لهذه الأحاديث لأني أريد العمل بها؟. وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تختلف ألفاظ الروايات في الأمر الواحد، ويكون بين تلك الألفاظ أحيانًا مغايرة في الألفاظ، ومن أشهر تلك الأسباب التي ينبغي معرفتها: تعدد الرواة النقَلة لألفاظ ذلك الحدث الواحد المتكرر.

* وأما الاختلاف الحاصل في ألفاظ رواياتهم فهو لا يخرج عن حالين:

أ. أن يكون اختلافًا يسيرًا في حروف يسيرة، وسبب ذلك الاختلاف في الألفاظ المنقولة يكون تبعًا لحفظهم، ولضبطهم.

وفي هذه الحال يتساهل في العمل بأي رواية من تلك الروايات، إلا أن البحث عن أصح الروايات، وأضبط الرواة، والعمل برواية من يروي باللفظ لا بالمعنى: هو الذي ينبغي على العامل عند الترجيح بين تلك الروايات.

ب. أن تكون الألفاظ متغايرة فيما ينقلونه بعضهم عن بعض، وسبب ذلك أن يكون ذلك الأمر، أو تلك العبادة لها ألفاظ متعددة في أدعيتها، وأذكارها، كألفاظ الأذان، والإقامة، وأدعية الاستفتاح، وأذكار النوم، فالحدث في كل ذلك واحد، ولكنه لما كان متكررًا تعددت الألفاظ فيه، ونتج من ذلك تعدد الروايات والنقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني – رحمه الله – :

فهذا القسم أمره هيِّن، وإشكاله سهل؛ لأنه قد علم أنه صلى الله عليه وآله وسلم في الأفعال المتكررة مثل أذكار الصلاة – التي ذكرنا – كان يعلمهم، فمن روى رواية وصحت أو حسنت طرقها كتشهد ابن عباس – مثلًا -، وتشهد ابن مسعود: فهما حديثان صحيحان اختلفت ألفاظهما والكل مرفوع، فمثل هذا ومثل ألفاظ الأذان وغير ذلك محمول على تعداد التعليم منه صلى الله عليه وآله، وعلِم كل ما رآه صلى الله عليه وآله وسلم توسعة على العباد، فهم مخيرون بأي رواية عملوا أجروا واقتدوا وامتثلوا، فمن ربَّع في التكبير ورجَّع: فليس عليه نكير، ومن ترك التربيع: فكذلك، إذ الكل مروي بأحاديث معمول بها دالة على التخيير للعباد، وكذلك ألفاظ التشهد والتوحيد من أتى بأيها ممن روى بطرق معمول بها: فهو بالخيار في ذلك.

انتهى من ” رسالة في اختلاف ألفاظ الحديث النبوي “.

وهي رسالة علمية قيمة، قليلة الصفحات، عظيمة النفع.

 

ثانيًا:

ولاختلاف الألفاظ في العبادة والشعيرة الواحدة حِكَمٌ متعددة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

العبادات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع لا يكره منها شيء، وذلك مثل أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاح، ومثل الوتر أول الليل وآخره، ومثل الجهر بالقراءة في قيام الليل والمخافتة، وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها، والتكبير في العيد، ومثل الترجيع في الأذان وتركه، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 335 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والعلماءُ رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه؛ وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل: أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ وتركت الآخر: مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة وبهذا مرَّة: صار قلبُه حاضرًا عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهَد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: ” سبحانك اللهمَّ وبحمدك ” دائمًا: تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع بـ ” سبحانك اللهم وبحمدك ” مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة، والثاني مرَّة صار منتبهًا، ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:

1 . اتِّباعُ السُّنَّة.

  1. إحياءُ السُّنَّة.
  2. حضورُ القلب.

وربما يكون هناك فائدة رابعة: إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى – كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ – فإن الإِنسان أحيانًا يحبُّ أن يُسرع في الانصراف؛ فيقتصر على ” سبحان الله ” عشر مرات، و ” الحمد لله ” عشر مرات، و ” الله أكبر ” عشر مرات، فيكون هنا فاعلًا للسُّنَّة قاضيًا لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: ( {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) البقرة/ 198.  ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 8 ).

 

ثالثًا:

وأما اختلاف الرواة في ألفاظهم للحدث الواحد غير المتكرر، وللقصة الواحدة غير المتعددة: فهنا لا يمكن لطالب العلم والعامل إلا أن يرجح بين الروايات، فيأخذ أقواها، ويعمل بأصحها إسنادًا.

* قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني – رحمه الله – بعد أن فصَّل في السبب الأول -:

الثاني من الوجوه: أن تتحد القصة وتختلف الألفاظ فيها:

وهذا هو المشكل، وذلك واقع كثيرًا، كقضية بيع جمَل جابر وشرائه صلى الله عليه وسلم له منه، فإنه اختلف لفظه في القيمة، وفي اشتراطه ركوبه إلى المدينة، وكاختلافهم في ركوعات صلاة الكسوف مع أنه لم يصلها إلا مرة واحدة، بخلاف صلاة الخوف فإنه صلاها مرارًا على وجوه مختلفة فهي من القسم الأول، وكاختلافهم في حجه، وكل منهم روى أنه حج صلى الله عليه وآله وسلم حجًّا مفردًا، وآخرون رووا أنه تمتع، وآخرون أنه قارن، وهي في واقعة واحدة، وحجة واحدة، ونحو هذه الصور، وهو كثير: فهذا لا بد فيه من النظر في الروايات وطرقها، والصحيح منها والراجح من المرجوح، وهو شيء عسير إلا على من سهله الله.

انتهى من ” رسالة في اختلاف ألفاظ الحديث النبوي “.

 

 

 

رابعًا:

وأما بخصوص الأحاديث التي ذكرها الأخ السائل:

  1. فاللفظ الأول في الحديث الأول: رواه النسائي ( 1305 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي ” من حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه.

واللفظ الثاني: رواه البخاري ( 5990 ) ومسلم ( 2680 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وكلا الحديثين مختلفين في المخرج، وليس أحدهما بأولى بالعمل من الآخر، بل يُعكل بكليهما، لكن لا يقال هذا الدعاء إلا عند وقوع الضرر وخشية الفتنة على الدين.

 

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

قوله ( أحيني ) إلى قوله ( خيرًا لي ) ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ ( اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور. ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 8 / 278 ).

  1. واللفظ الأول في الحديث الثاني: رواه الترمذيّ ( 3513 ) وصححه، والنَّسائيّ في ” الكبرى ” ( 6 / 218 ) وابن ماجه ( 3850 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وأما اللفظ الثاني وهو ( اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْوٌّ كَرِيمٌ تحب الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي ): فإن الزيادة الواردة في الحديث وهي ” كريم “: زيادة لا أصل لها، ونسبتها للترمذي خطأ – وهي موجودة في كثير من نسخ سنن الترمذي -، ولم يروها الترمذي – في الواقع – ولا غيره.

 

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وقع في “سنن الترمذي ” بعد قوله: ( عفو ) زيادة: ” كريم “! ولا أصل لها في شيء من المصادر المتقدمة، ولا في غيرها ممن نقل عنها، فالظاهر أنها مدرجة من بعض الناسخين، أو الطابعين؛ فإنها لم ترِد في الطبعة الهندية من ” سنن الترمذي ” التي عليها شرح ” تحفة الأحوذي ” للمباركفوري ( 4 / 264 )، ولا في غيرها، وإن مما يؤكد ذلك: أن النسائي في بعض رواياته أخرجه من الطريق التي أخرجها الترمذي، كلاهما عن شيخهما ” قتيبة بن سعيد ” بإسناده دون الزيادة.

وكذلك وقعت هذه الزيادة في رسالة أخينا الفاضل علي الحلبي: ” مهذب عمل اليوم والليلة لابن السني ” ( 95 / 202 )، وليست عند ابن السني؛ لأنه رواه عن شيخه النسائي – كما تقدم – عن قتيبة، ثم عزاه للترمذي، وغيره! ولقد كان اللائق بفن التخريج أن توضع الزيادة بين معكوفتين كما هو المعروف اليوم [ ]، وينبَّه أنها من أفراد الترمذي، وأما التحقيق: فيقتضي عدم ذكرها مطلقًا؛ إلا لبيان أنه لا أصل لها، فاقتضى التنبيه. ” السلسلة الصحيحة ” ( 13 / 140 ).

 

فالرواية الثانية فيها كلام، فعليك بالأولى؛ فإنها أصح.

  1. وأما الحديث الثالث: فقد رواه البخاري ( 1103 ) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

وقولك ” هناك روايات أخرى له “: فالجواب عليه: أن الحديث ليس فيه روايات مختلفة، ولو وُجد: فعليك برواية الإمام البخاري، وتكفيك.

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث الرابع: فقد رواه الحاكم ( 1 / 702 )، وباختلاف يسير في أوله – فقط – رواه أحمد ( 42 / 67 ) وصححه محققوه.

ورواه ابن ماجه ( 3846 ) بنحو تلك الألفاظ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وأما اللفظ الثاني: فهو الحديث السابق نفسه لكن من غير زيادة ( بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ )، وقد نسبها الحافظ العراقي في ” تخريج إحياء علوم الدين ” لابن ماجه، والحاكم، وليس فيهما تلك الجملة.

ولم نجد سببًا يجعلنا نقول بصحة هذه الزيادة، فيُكتفى بالرواية السابقة دونها.

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث الخامس: فليس هو في ” مسلم ” وحده، بل هو في الصحيحين: البخاري ( 6035 ) ومسلم ( 2719 ).

وأما اللفظ الثاني: فرواه البخاري ( 6036 ) وهو ذات الحديث السابق لكنه أخصر منه.

 

وقد علَّق الحافظ ابن حجر رحمه الله على لفظة ( خَطَاياي ) فقال:

قوله ( اغفر لي خطاياي وعمدي ) وقع في رواية ” الكشميهني ” في طريق إسرائيل ( خطئي )، وكذا أخرجه البخاري في ” الأدب المفرد ” بالسند الذي في الصحيح، وهو المناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول.

والخطايا جمع خطيئة، وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام؛ فإن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ وعن عمد، أو هو من عطف أحد العامين على الآخر. ” فتح الباري ” ( 11 / 198 ).

فلا تعارض بين الروايتين، وليس ثمة صحيح وأصح، فاذكر ربك تعالى بأي الصيغتين شئت، ولا يخفى أن الرواية الأولى أوسع.

 

 

  1. وأما اللفظ الأول في الحديث السادس: فرواه أبو داود ( 1516 ) وابن ماجه (3814 ) والنسائي في ” الكبرى ” ( 6 / 119 )، ولم يروه الترمذي بهذا اللفظ.

وأما اللفظ الثاني: رواه الترمذي ( 3434 ) والنسائي في ” الكبرى ” ( 6 / 119 ).

 

وكلا الروايتين صحيحة، وليس مخرجهما واحدًا، وهو من اختلاف التنوع، وبأي الصيغتين استغفرت ربَّك تعالى أُجرت إن شاء الله .

 

والله أعلم.

تعترض على أصل خِلقة الله تعالى للنساء! مع بيان لبعض أحكام النساء

تعترض على أصل خِلقة الله تعالى للنساء! مع بيان لبعض أحكام النساء

السؤال:

سألقي عليكم هواجسي التي لا أعرف كيف أصفها ، أهي وساوس من الشيطان، أم محاكمة عقلية فاشلة مني، وأتمنى أن أجد لديكم إجابات تتجاوز الخطب النظرية التي مللت منها، مشكلتي تتمثل في أسئلة عن وضع المرأة، لم أقتنع بإجاباتها من سنين، وقتها وجدت التجاهل أنسب حل لها، لكنه يظهر لي الآن غير مجد، إذ أنها تتفاقم، وقد تصل بي إلى حد الكفر، لا أقصد وضع المرأة في الإسلام تحديدًا، بل على مر العصور، لدي قناعة بأن المرأة مظلومة من أصل خلقتها! ثم هي تحمل نتائج هذا الظلم.

* تُخلق المرأة عورة، فتنة، ثم تطالب بستر نفسها، وإلا فإنها تعتبر من جنود إبليس.

* تُخلق ضعيفة، محط طمع الرجال، فلا تستطيع العمل، ثم تلزم بطاعة، وخدمة من ينفق عليها.

* تُخلق بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل.

* تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين.

* تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته.

* تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها.

وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال.

ولا أعرف ماذا تبقى مما يحق للمرأة فيه أن تكون إنسانًا كالرجل، سوى أنها تُعاقب، وتثاب مثله، بل حتى في هذه أجدها تعاقب أكثر منه، فتلعنها الملائكة تارة، ولا تقبل عبادتها تارة أخرى, وتهدَّد بأنها أكثر أهل النار، بينما هو يثاب أكثر منها، فتنتظره حور في الجنة، ولا ينتظرها إلا الزوج الذي ملَّت من مشاركة غيرها فيه في الدنيا ، ولم ينقصها إلا أن تأتيها الحور في الآخرة، بل إن فكرة الحور هذه مما يؤكد تدني وظيفة المرأة! فهي ليست إلا مكافأة للرجل، نوع من الإغراء الذي يرغَّب من خلاله في العمل من أجل الجنة، ومن قبيل هذا ما يدرج على الألسنة من الدعاء بالقول ” جزاك الله خيرًا، وزوَّجك بِكرًا “، و كأنها شيء يدعو أن يُهدى له.

أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له.

قرأت كثيرًا عن التبريرات التي قُدمت لذلك، لكنها لم تفدني بشيء، ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل مني لمجرد أنه ذكر وأنني أنثى، وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده.

ربما لو قيل منذ الصغر لي إن المرأة ليست إنسانًا بل هي نوع من المخلوقات فوق الحيوانات ودون البشر: لكان أهون عليَّ، ولكنت اعتدت على الفكرة، وتقبلتها، أما أن نولد، وننمو معتقِدات أننا من بني البشر ثم نكتشف أننا – في أحسن الأحوال – بشر من الدرجة الثانية: فهذا ما يصعب عليَّ تقبله.

كلما بحثت عن الموضوع لا أجد إلا حديثًا مكرورًا عن تكريم الإسلام للمرأة بعد ما لاقته من اضطهاد في اليهودية، والنصرانية، ولدى الصينيين، والهنود، والفراعنة، وفي الجاهلية، وفي كل العصور والأماكن، وهذا ما أراه يؤكد وجهة نظري، ولا ينفيها، من كون المرأة مظلومة بفطرتها، وإلا لما أجمعت كل الأقوام والديانات على احتقارها والانتقاص منها، بل إننا في المدرسة كنا ندرس مظاهر الحياة لدى الحضارات القديمة، فيقال – مثلًا – الزراعة لدى الآشوريين، التجارة والصناعة لديهم، ثم وضع المرأة في عهدهم، فكأن كلمة آشوريين تصرف إلى الرجال لا النساء، وكأن المرأة شأنها شأن الزراعة، والصناعة، وحتى في الإسلام يقال مثلًا: وضع المرأة في الإسلام، ولا يقال وضع الرجل، ثم إن التوصية المتكررة من النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام المرأة توحي بأنها معرضة للظلم، و أن احتقارها وارد فاقتضى التنبيه منه.

ولن أتحدث هنا عن ما تلاقيه المرأة على أرض الواقع من جور وقهر؛ دفعا بعضهن للانسلاخ عن الإسلام، والالتحاق بالنموذج الغربي، وأنا لا أدافع عن هذا النموذج لأنني لا أريد للمرأة أن تكون سلعة، لا بالمجان، ولا بمقابل ثمن يُدفع لها تحت مسمَّى المهر، فيمتلكها بعدها الرجل، وكأنها جارية بيعت في سوق النخاسة، إنما أطلب أن تكون إنسانة حرة لا كائنًا مشكوكًا في إدراك ، متهما بالعاطفة، وقلة الحيلة.

أقر بأن غالبية النساء اليوم هن فعلًا على هذه الصورة، لكن هذا ليس إلا نتاج إرث بعيد العهد من التربية على الخضوع، والانقياد، والاقتصار على الاهتمام بالتوافه من الأمور، فكيف نطالب امرأة بأن تكون حكيمة، عاقلة، وقد ربيت على أن أقصى أمانيها أن تفوز بزوج يقبل أن يعطيها شرف أن تكون تابعة له، وزرع في تفكيرها أن أسلحتها هي الجمال، والدموع، وشيء من الدهاء الأنثوي الذي لا يعبر إلا عن العجز عن المواجهة، فلا يكون الحل إلا في المراوغة.

لن أتحدث عن الفتاوى العجيبة التي أقرؤها، والتي تزيد في حقدي على هذا الوضع، وحسبي أن أذكر جملة قرأتها في فتوى جاءت ردًّ على فتاة تسأل الزواج أم الدراسة؟ فكان الجواب: تزوجي؛ لأن المرأة كالوردة تذبل سريعًا!!.

أخبروني بالله عليكم: هل أصدق أنني وردة قيمتها في جمالها، وشذاها، ومتى ذهبا انتهت صلاحيتي، أم أظل أكافح لأكون إنسانًا كامل الإنسانية، ولو لم يكن اسمي زوجة فلان، وأم فلان؟.

بقي أن أشير إلى أنني لم أتعرض يومًا لأي موقف يبرر لي هذا التفكير – الذي أظنه جريمة برأيكم! – بل أخذت حقوقي كاملة كإنسان، فليس ما بي ردة فعل، لكنه تفاعل مني مع ألم النساء الذي عايشته حولي.

أخيرًا: فإنني قد توجهت إليكم لما لمسته عندكم من قدرة على الإقناع، وتفهم للسؤال، وبسط في الرد عليه دون نسخ ردود جاهزة، فرجاء أن تكونوا كما عهدتكم، فلا تبدؤوا الرد بالحديث الذي مللته عن وأد البنات في الجاهلية، وكيف منعه الإسلام؛ لأن الوأد النفسي لا يقل أذى عن الوأد المادي.  والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإنه مع شكرنا لكِ على ثقتك بموقعنا إلا أن هذا لن يمنعنا من مصارحتك بأنه ثمة مغالطات كثيرة حوتها رسالتك أيتها السائلة، ومن خلال تأملنا فيما كتبتِه: تبيَّن لنا سعة اطلاعك، وكثرة قراءتك، لكن أكثر ما في رسالتك كان ينقصه العلم بالشرع، ويفتقد للتسليم لأمر الله تعالى، والإيمان المطلق بعظيم حكمته، ولا يمنع أن هذا الفقدان قد يكون سبب بعضه: عدم الوقوف على حكم الشرع، ولذا بُنيت أخطاء بسبب ذلك الجهل بالحكم الشرعي.

 

ثانيًا:

ولنأخذ أمثلة على بعض الخلل في فهم الحكم الشرعي في رسالتك المطولة:

  1. قلتِ: ” تُخلق – أي: الأنثى – بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “.

قلنا: وهذا خطأ في الحكم الشرعي، وفي أسلوب النقد.

أما الخطأ في الحكم الشرعي: فلأن المرأة تُقبل شهادتها وحدها في مسائل كثيرة، كالإرضاع، ووجود البكارة، وعامة ما يتعلق بالنساء من أحكام تخصهن، وفهم الكثيرين للآية القرآنية في سورة البقرة هو الذي جعلهم يقولون بغير ما في الشرع من حكم جلي واضح، فالمرأة لا تكفي وحدها في ” تحمُّل ” الشهادة، وليس في أدائها! وإنما سياق الآية في ” الاستشهاد ” وليس في ” أداء الشهادة “، وما المانع أن يُطلب في شهادة على معاملة مالية أن تشهد عليها امرأتان مراعاة لظرف المرأة في تحمل هذا النوع من الشهادة؟ وهل تظن المرأة أنه سيُقبل شهادة أي رجل؟ بل لا بد من توفر شروط فيه، ولو كان ذلك الحكم من حيث كونها أنثى: لما قُبلت شهادتها في مسائل كثيرة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى): فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلَّت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل )، فبيَّن أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة: لم تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيها شهادتهن منفردات: إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب؛ فإن مثل هذا لا يُنسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالديْن وغيره؛ فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة.

” الطرق الحكمية ” ( ص 128 ، 129 ).

وأما الخطأ في الأسلوب: فقولكِ ” ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “، وهو أسلوب غير لائق، فهل الشريعة تعيِّر النساء؟! وهل الشريعة تُنقص قدرهن؟! وكونها ” ناقصة عقل ” هو وصف، لا تعيير، وهو خاص بمسألة واحدة، وليس وصفًا عامًّا.

  1. قلتِ: ” تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين “.

قلنا: ويقال في الأسلوب هذا ما قيل في أخيه قبل قليل.

وأما الخطأ في فهم الشرع: فهو أن ما شرعه الله تعالى هو لرحمة المرأة، ومراعاة ضعفها وحالها حين الحيض، وبعد الولادة، فهو تشريع في غاية الحكمة، والمرأة لم تمنع من غير الصلاة والصيام، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – في الحج – لما حاضت: ( افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) رواه البخاري ( 299 ) ومسلم ( 1112 ).

فالقول بأنها في تلك الحال ” ناقصة دين “: هو وصف لأمر خاص، كما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في أنها تترك الصلاة والصيام في ذينك الحاليْن، وهو ترك واجب عليها، كما أن الصلاة واجبة عليها حال الطهارة، وهذا مقتضى العبودية، أن يفعل المسلم الأمر حيث يؤمر به، وأن ينتهي عنه حيث نُهي.

  1. قلتِ: ” تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته “.

قلنا: وهذا من النقص في العقل! فالمرأة العاقلة تعرف أن الرجل أقوى وأكثر منها شهوة، وهي تعتريها حالات من مرض، وحيض، ونفاس، وعدم رغبة بالجماع، فكيف يصرِّف الزوج شهوته؟! وقولك هذا إنما هو تأثر بالحال المزري للغرب الضائع، وإلا فعقلاء العالم من أهل الاجتماع يعلمون بضرورة التعدد في حياة كثيرين، وهم إنما يعددون في العاشقات، وبنات الليل، والشرع الإسلامي أسمى من ذلك، وأحكام الله أجلّ من ذاك الانحراف.

ولو أننا سألنا الأخت السائلة: ماذا لو حصلت وفاة لامرأة بلغت الخمسين – مثلًا -؟ وماذا لو حصل لها طلاق، وماذا لو كانت امرأة عمياء، أو عرجاء، أو بها عاهة، فمن سيتزوج أولئك النساء عادة؟! أليسوا من كان عنده زوجة، أو أكثر؟! فلم المكابرة في نقد التعدد؟! ثم ما ذنب الرجل إن كانت النساء توافقن على التزوج من متزوج؟! وما دخلكن أنتن اللاتي تحببن الاستئثار بأزواجكن؟! هي أعلم بحالها ونفسها، وقد رضيت بمتزوج، وهذا يوافق ما فطر الله النساء عليه من الميل للرجال، ويوافق التشريع الحكيم في التعدد.

  1. قلتِ: ” تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها “.

قلنا: هذا من أوهامك، وخيالاتك، والواقع يكذبه، أو يكذب تلك المبالغة، وقد رأينا من تأثير النساء على الرجال ما غيَّر به الرجال دينهم! أو اعتقادهم! أو أخلاقهم! فمنهم من ارتد عن دينه بسبب زوجته، ومنهم صار رأسًا في فِرَقٍ ضالة بعد أن كان رأسًا في أهل السنَّة، ومنهم من تغيرت أخلاقه وسلوكه، وصار تبعًا لزوجته في سلوكها وأخلاقها، والأمثلة أكثر من أن تُحصر، وواقعة واحدة تكفي لبيان خطأ مقولتك، فكيف وهي بالمئات، أو بالآلاف؟!.

  1. قلتِ: ” وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال “.

نعم، المرأة شقيقة الرجل، في العبودية، والثواب والعقاب الأخرويين، ولا يعني أنها شقيقة الرجل أنها تتساوى معه من كل وجه، بل هذا معنى باطل، وثمة فروق لا بدَّ منها، تقتضيها طبيعة الخلقة، وتقتضيها الحكمة الجليلة، وها هو المسلم يؤمر ببر والديه، وتحريم عقوقهما، فهل والدته في البرِّ كوالده؟! لا شك أنها برَّها أعظم، وها هي امرأة ولها من الحقوق أضعاف ما للرجل.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – عن الذكر والأنثى -:

يشتركان في عِمارة الكون كلٌّ فيما يخصه، ويشتركان في عمارته بالعبودية لله تعالى، بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين: في التوحيد، والاعتقاد، وحقائق الإيمان، وإسلام الوجه لله تعالى، وفي الثواب والعقاب، وفي عموم الترغيب والترهيب، والفضائل.

وبلا فرق أيضًا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات كافة: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/ 56، وقال سبحانه: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل/ 97.

لكن لما قَدَّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى في صِفة الخِلقة والهيئة والتكوين، ففي الذكورة كمال خَلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة، وجِبِلَّة، وطبيعةً؛ لما يعتريها من الحيض، والحمل، والمخاض، والإرضاع، وشؤون الرضيع، وتربية جيل الأمة المقبل، ولهذا خلقت الأنثى من ضِلع آدم عليه السلام، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له، والرجل مؤتمن على القيام بشؤونها، وحفظها، والإنفاق عليها، وعلى نتاجهما من الذرية:

كان من آثار هذا الاختلاف في الخلقة: الاختلاف بينهما في القوى، والقُدرات الجسدية، والعقلية، والفكرية، والعاطفية، والإرادية، وفي العمل والأداء، والكفاية في ذلك، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الطب الحديث من عجائب الآثار من تفاوت الخلق بين الجنسين.

وهذان النوعان من الاختلاف أنيطت بهما جملة كبيرة من أحكام التشريع، فقد أوجبا – ببالغ حكمة الله العليم الخبير – الاختلاف، والتفاوت، والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع، في المهمات والوظائف التي تُلائم كلَّ واحد منهما في خِلقته وتكوينه، وفي قدراته وأدائه، واختصاص كل منهما في مجاله من الحياة الإنسانية، لتتكامل الحياة، وليقوم كل منهما بمهمته فيها.

فخصَّ سبحانه الرجال ببعض الأحكام، التي تلائم خلقتهم وتكوينهم، وتركيب بُنيتهم، وخصائص تركيبها، وأهليتهم، وكفايتهم في الأداء، وصبرهم، وَجَلدهم، ورزانتهم، وجملة وظيفتهم خارج البيت، والسعي والإنفاق على من في البيت.

وخص سبحانه النساء ببعض الأحكام التي تلائم خلقتهن، وتكوينهن، وتركيب بُنيتهن، وخصائصهن، وأهليتهن، وأداءهن، وضعف تحملهن، وجملة وظيفتهن، ومهمتهن في البيت، والقيام بشؤون البيت، وتربية من فيه من جيل الأمة المقبل.

فتلك إرادة الله الكونية القدرية في الخلق، والتكوين، والمواهب، وهذه إرادة الله الدينية الشرعية في الأمر، والحُكم، والتشريع، فالتقت الإرادتان على مصالح العباد، وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد، والبيت، والجماعة، والمجتمع الإنساني.

” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 – 17 ).

وهو كلام متين، لو تأملته السائلة – وغيرها – حق التأمل: لاستغنت عن تفاصيل الجواب.

  1. قلتِ: ” أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له “.

قلنا: وهذا من نقص الدِّين! وقد يؤدي بقائله إلى الكفر المخرج من الملَّة؛ لأن فيه طعنًا في الله تعالى، وسخرية من عدله عز وجل، وهل الإله العادل هو من يخلق ما تشائين؟! وهل الإله العادل هو الذي الكون كله رجالًا؟! أو كله نساءً؟! وهل الإله العادل من يحرِّم تعدد الزوجات؟! إننا لفي غاية العجب من كلامك ذاك، وهو أسوأ وأخطر ما قرأناه فيه، وواضح أنك لا تؤمنين بإله يعلم من خلق! ولا بإله له الحكمة البالغة فيما يفعل! ولعلك ذهلت عن أن الرب تعالى هو الذي وهبك عقلًا تفكرين فيه، وهو الذي وهبك يدًا بها تكتبين، وهو الذي أعطاك حياة بها تعيشين، فهل هكذا يُشكر الرب عز وجل؟!.

إن الذي لاحظناه بعد تأمل في رسالتك أنك تفتقدين معنى ” العبودية “، ولا تؤمنين بحكمة الرب عز وجل! ووالله إنكِ لفي خطر عظيم إن بقيتِ على ما أنت عليه، فالبدار البدار لتوبة صادقة، وإنابة خالصة، وإلى إعادة النظر في حقيقة عبوديتك للرب عز وجل، وإلى مزيد من الاطلاع على أسمائه تعالى وصفاته، فهذا هو ما تفتقدينه – وللأسف الشديد -.

واعلمي أن الخلق كلهم لا شيء في مخلوقات الله تعالى، وأن الأرض ليست إلا نقطة يسيرة جدًّا في مخلوقاته، فماذا يمثِّل اعتراضك على أصل خلقة النساء؟! وماذا يمثِّل اعتراضك على تشريعات الإسلام؟! نرجو أن تعي جيِّدًا حقيقة العبودية، وأنك ما خلقتِ – أصلًا – إلا من أجل تحقيقها، وأن حكمة الله تعالى اقتضت بإعمار هذا الكون، ولا تكون عمارته إلا بخلق النساء، ولذا خلقت حواء أولًا، ثم النساء من ذريتها، وبه وُجدتِ أنت على وجه الأرض لتبعثي برسالتك تلك لنا!.

وخلق الله تعالى للذكر والأنثى على اختلاف هيئاتهم، وصفاتهم من نطفة واحدة: من عظيم قدرة الله تعالى، فما يستدل به أهل العلم على كمال قدرة الله تعالى، وحكمته: هو عندكِ لا شيء! بل هو محل انتقاد!! فهلاَّ فكرتِ بالنشأة الأخرى، ولقاء الله تعالى، بدلًا من اعتراضاتك التي لا قيمة لها في واقع الحال؟!.

قال ابن قتيبة – رحمه الله -:

ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده؛  ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه، فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر؛ لقول الله تبارك وتعالى ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) والأزواج: الأضداد، والأصناف، كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى ( وأنه خلق الزوجين. الذكر والأنثى ). ” تأويل مختلف الحديث ” ( ص 15 ، 16 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى. وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) -.

( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ) فسَّر الزوجين بقوله: ( الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) وهذا اسم جنس شامل لجميع الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد بخلقها.

( مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته، وانفراده بالعزة العظيمة، حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها، من نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم نمَّاها، وكمَّلها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين.

ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة، فقال: ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات.

” تفسير السعدي ” ( ص 822 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالله تعالى خلق الزوجين من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته – جل وعلا -؛ إذ إنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال: في القوة البدنية، والعقلية، والفكرية، والتنظيمية، يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يُلحقوا المرأة بالرجل في أعمال تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلاَّل الأديان، فكيف يمكن أن نسوِّي بين صنفين فرَّق الله بينهما خِلقة، وشرْعًا، فهناك أحكام يطالَب بها الرجل، ولا تطالب بها المرأة، وأحكام تطالب بها المرأة ولا يطالب بها الرجل.

وأما قدرًا وخِلقة: فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا، وسلَب الله عقولهم، وأضعف أديانهم: يحاولون الآن أن يُلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة، مخالفة للفطرة، ومخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.

” تفسير القرآن ” – من الحجرات إلى الحديد – ( ص 249 )، و ” الباب المفتوح ” (اللقاء رقم 179 ).

وقد أطلنا الكلام والنقول في هذا الموضع لما رأيناه من العقدة الأخرى عند السائلة، وهو اعتراضها على أصل خلقة النساء!.

  1. قلتِ: ” ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل منِّي لمجرد أنه ذكر، وأنني أنثى ” .

قلنا: وهذا – بلا ريب – خطأ، وليس ميزان التفاضل عند الله تعالى الذكورة والأنوثة، بل هو التقوى، قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) الحجرات/ 13، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) رواه مسلم ( 2564 ).

والأدلة على ما قلناه كثيرة، ونكتفي بآية وحديث لتعلمي أن الذكر ليس أفضل عند الله لأنه ذكر، بل لما يأتي به من عمل صالح يرفع به درجاته، وليست الأنثى أقل منه، بل من الإناث من هي صدِّيقة، وشهيدة، ولا أعظم من هذه المنازل للمسلمين في الجنة، وربَّ امرأة تعدل ألوف الرجال من المسلمين، وهي – بلا شك – خير من كل الرجال الكفار.

  1. وقلتِ: ” وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده “.

قلنا: وهذا خطأ، بل عمارة الكون لا تكون من الرجال وحدهم، بل هي بمشاركة النساء، ولا يمكن للكون أن يعمر بالرجال وحدهم، ولا بالنساء وحدهم، بل لم يعمر الكون إلا بآدم ومعه حواء، وهكذا الأمر كان في ذريتهم.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني: ذكرًا، وأنثى ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) النجم/ 45، يشتركان في عِمارة الكون، كلٌّ فيما يخصه.

” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 ).

وهذا نصٌّ من عالِم يرد به على عين كلامك، ولا يخالف في هذا أحد من أهل العلم.

وأخيراً – وقد تركنا التعقيب على بعض كلامك -:

إذا كان الكفر الحاقد على الإسلام لم يجد مجالًا للطعن في تشريعات الإسلام لقوة أحكامه، وإتقان تشريعاته، وما تحتويه على الحكَم الجليلة، أفتظنين أنه بتلك الإيرادت الواردة في السؤال يمكن للمسلم أن يتأثر بها ويشك في دينه وحكمة تشريعاته؟!.

إننا ندعوك – وقد وثقتِ بنا – للتوبة الصادقة، ولا ندعوك لتكوني تبعًا إلا للحق، وقد أوردنا لك ما فيه كفاية لتراجعي نفسك، وتعيدي النظر في الحكمة من خلقك، وتعيدي النظر في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلنا ثقة أنك لو فعلتِ ذلك فإنك ستحققين العبودية لله تعالى ربك، وستكونين على ثغر من ثغور الإسلام تدافعين عن تشريعاته، وتنافحين عن أحكامه.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز لصاحب محل مسلم أن يوظف كافرا يبيع فيه وقت نداء الجمعة الثاني؟!

هل يجوز لصاحب محل مسلم أن يوظف كافرا يبيع فيه وقت نداء الجمعة الثاني؟!

السؤال:

أنا مسلم، ولديَّ محل تجاري أغلقه أثناء صلاة الجمعة، مما أثار استياء بعض الزبائن غير المسلمين، فهل يجوز أن أبقيه مفتوحًا في هذا الوقت ليعمل فيه عمّال غير مسلمين؟ لأنني أخشى أن أخسر هؤلاء الزبائن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المسلم هو من استسلم لأمر الله تعالى، والظن بك – أخي السائل – أنك تبحث عن الحكم الشرعي بسبب حبِّك لدينك، وبقصد التمسك بالحكم الشرعي المؤيد بالكتاب والسنَّة.

ولتعلم – أخي السائل – أن الله تعالى أمر بنص كتابه الكريم بترك البيع بعد نداء الجمعة، وهو النداء الذي يكون بعد صعود الخطيب للمنبر، والاشتغال بالبيع والشراء بعد النداء مخالف للأمر بالسعي لذِكر الله، وهو خطبة وصلاة الجمعة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الجمعة/ 9.

ولم يختلف الفقهاء في المنع من البيع بعد نداء الجمعة الثاني، وجمهورهم على التحريم، وذهب الحنفية إلى أن أقل أحوال حكمه: الكراهة، مع الاتفاق على وجوب ترك البيع.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 9 / 225 ):

جمهور الفقهاء على أن النهي عن البيع بعد أذان الجمعة الثاني هو للتحريم، صرح به المالكية والشافعية والحنابلة.

أما الحنفية فقد ذكروا أن أقل أحوال النهي: الكراهة، وأن ترك البيع: واجب، فيكره تحريمًا من الطرفين – البائع والمشتري – على المذهب، ويصح إطلاق الحرام عليه، كما عبر ” المرغيناني “، ويفترض تركه، كما عبَّر ” الشرنبلالي “. انتهى.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وعلى هذا نقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني: حرام، وباطل أيضًا، وعليه: فلا يترتب عليه آثار البيع، فلا يجوز للمشتري التصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني، ثم يأخذونه على أنه ملك لهم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 8 / 190 ، 191 ).

ثانيًا:

ويُستثنى من الحكم السابق: من لا يلزمهم السعي لصلاة الجمعة، وهم: المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض، والصبي الذي لم يبلغ، فهؤلاء يصح بيع بعضهم لبعض، على أن يكون البائع والمشتري منهما، ولا يصح البيع إن كانوا هم طرفًا وكان الطرف الآخر ممن يلزمهم السعي لصلاة، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطَبين بالجمعة، فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين: فلا يثبت في حقه ذلك، وذَكر ابن أبي موسى في غير المخاطَبين روايتين، والصحيح: ما ذكرنا؛ فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع مَن أمَرَه بالسعي، فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولأن تحريم البيع معلَّل بما يحصل له من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدوم في حقهم.

وإن كان أحد المتبايعيْن مخاطَبًا، والآخر غير مخاطَب: حرُم في حق المخاطَب، وكره في حق غيره؛ لما فيه من الإعانة على الإثم، ويحتمل أن يحرُم أيضًا؛ لقوله تعالى: ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ).

” المغني ” ( 2 / 145 ) باختصار يسير.

وما ذكره الإمام ابن قدامة من كونه محتملًا هو الصواب الراجح؛ لأن النهي في الآية عن التعاون على الإثم والعدوان ظاهر في التحريم، وهو قول مالك والشافعي، وهو مذهب  أحمد.

 

ثالثًا:

وهل يأخذ ” الكافر ” حكم المكلفين من الرجال بصلاة الجمعة، أم لهم حكم النساء وغيرهم ممن لا تلزمهم صلاة الجمعة؟ هذا الحكم مبني على مسألة ” هل الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة أم لا؟ ” فمن قال إنهم مخاطَبون: قال: لا يحل البيع لكافر ولا الشراء منه، – والمقصود بالكافر هنا: غير المرأة، والصبي، والمسافر -، ومن قال إنهم غير مخاطَبين: قال بجواز البيع لهم والشراء منهم إن كانوا هم طرفًا، وكان الطرف الآخر امرأة، أو صبيًّا، أو مسافرًا، من المسلمين.

والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم: أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة.

قال النووي – رحمه الله -:

والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ” شرح مسلم ” ( 14 / 39 ).

 

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار، لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله “، ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )، وقوله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: ( أما علمتَ يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله )، وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 31 ).

 

وعليه: فلو اشترى كافرٌ من كافرٍ مثله لمَا كان له تأثير على أحدٍ من المسلمين في الأصل، أما إن كان المحل الذي يتم فيه البيع والشراء لمسلمٍ: فيختلف الأمر حينئذٍ، ويكون حرامًا عليه أن يمكِّن لهذا البيع أن يتم على بضاعة يملكها، أو في محل ترجع ملكية ما فيه له، وهو الأمر الذي ينطبق على حالك، فوضعك لموظف كافرٍ ليبيع لكافرٍ مثله: لا يجوز؛ لأن جميعهم مخاطبٌ بفروع الشريعة، والحكم هنا هو: تحريم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، وبما أن المحل تعود ملكية بضاعته لك: فيحرم عليك هذا الفعل، ولا يحل لك ذلك الكسب.

 

وأما قولك بوجود استياء من الزبائن لإغلاقك لمحلك، وأنك تخسر بذلك الإغلاق زبائنك: فلا يُقبل مثل هذا العذر منك، ولا من غيرك، والله تعالى أمرك بتقواه، وحرَّم عليك البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، فوجب عليك الالتزام بهذا الحكم، واعلم أنه من يتق ربه فإنه يرزقه من حيث لا يحتسب، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، ولعل التزامك بشرع الله تعالى بإغلاق محلك بعد نداء الجمعة الثاني أن يكون سببًا لثقة الناس بك، وتوكيد أمانتك، كما أن في إغلاقك لمحلك دعوة للإسلام، فوضعك للافتة كُتب عليها ” مغلق لفترة صلاة الجمعة “: قد يفتح أبوابًا من الأسئلة عن هذا الفعل، وقد يكون سببًا في إسلام كثيرين، ممن يقودهم ذلك الإغلاق للسؤال عن الإسلام، والقراءة في تشريعاته وأحكامه.

 

 

 

 

 

 

فاستقم كما أمرك الله تعالى، ولا تشتري آخرتك الباقية بدنياك الفانية، والعم أن الأرزاق بيد الله تعالى، يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، ولن تموت حتى تستوفي رزقك كما تستوفي أجلك، فأوقف البيع والشراء في محلك قبل النداء الثاني للجمعة، ثم إذا قضيت الصلاة فافتح محلك، وبع من المباح ما تشاء، كما قال تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الجمعة/ 10.

 

واعلم أنه قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

 

والله أعلم.

 

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

السؤال:

من المعلوم أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لكن أولم يكن آدم في الجنة؟ أولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا سؤال دقيق، ويدل على فهم عند صاحبه، ونسأل الله أن يوفقه لكل خير، ونحن نذكر الحديث بنصِّه، ثم نعقبه بما يزيل الإشكال من أصله – إن شاء الله -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه البخاري ( 3072 ) ومسلم ( 2824 ) وعنده : ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ).

 

ثانيًا:

وأما كون آدم عليه السلام كان في جنة الخلد: فهو الراجح من قولي العلماء، وهو قول جمهور أهل السنَّة؛ لأدلة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها؛ إذ ليس السؤال عنها.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد اختُلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ).

ومن أراد التوسع في المسألة: فلينظر ما كتبه ابن القيم رحمه الله فيها في أوائل كتابه ” مفتاح دار السعادة “، وأيضًا في كتابه ” حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح “.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وأما رؤية النبي صلى الله عليه عليه وسلم للجنة ودخوله فيها: فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، وقد بوَّب الإمام الآجري في كتابه ” الشريعة ” على بعض تلك الأحاديث بقوله: ” باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة “، وروى تحته أحاديث، منها:

  1. عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ).

رواه البخاري ( 3069 ). ورواه مسلم ( 2737 ) من حديث ابن عباس.

  1. عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ – أَوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أَذْفَرُ ). رواه البخاري ( 6201 ).

وفي رواية ( لمَّا عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلَّم إلى السماء أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ … ).

– ( أذفر ): شديد الرائحة الذكية.

وفي لفظ صحيح في ” مسند أحمد ” ( 19 / 66 ): ( دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. رواه البخاري ( 715 ).

– ( تكعكعت ): تأخرت إلى الوراء.

وللفائدة:

فقد ثبت أن جبريل عليه السلام ممن رأى الجنة، ولا يبعد أن يكون ثمة ملائكة قد رأوها أيضًا، والجواب عن رؤيته هو الجواب عن رؤية آدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، … قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا …. رواه الترمذي ( 2560 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود ( 4744 )، والنسائي ( 3763 ).

 

 

 

 

رابعًا:

وأما توجيه تلك الأحاديث والتي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وأخيه آدم عليه السلام للجنة مع الحديث الذي ذكرناه أولًا من إعداد الله تعالى لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: فأقوى ما يقال في توجيهه:

أن هذا المعَدّ في الجنة لعباد الله تعالى الصالحين مما لم يرَه أحدٌ، ويكون اطلاع آدم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام إنما هو على بعض ما في الجنة لا على ما أعدَّه الله للصالحين مما أخفاه عن خلقه، ومن تأمل الحديث تبيَّن له قوة هذا التوجيه، فهو نص قول الله تعالى، وذلك في قوله ( بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) أو ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ )، وهو يعني أن ذلك النعيم المعد هو غير الذي أطلعنا الله عليه مما ذكره لنا، أو مما رآه النبيان عليهما السلام.

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قلت: وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ( ولا خطر على قلب بشر ذخراً من بله ما أطلعتم ) إنها بمعنى ” غير “؛ وذلك بيِّن لمن تأمله، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 8 / 517 ).

وحتى لو كان معنى ( بَلْهَ ) ” دع “، أو ” اترك “: فإنه لا يخرج عن المعنى السابق.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

فأما ( بَلْه ) فبفتح الباء الموحدة واسكان اللام، ومعناها: دع عنك ما أطلعكم عليه فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، وكأنَّه أضربَ عنه استقلالًا له فى جنب ما لم يطلع عليه، وقيل: معناها غير، وقيل: معناها كيف.

” شرح النووي على مسلم ” ( 17 / 166 ).

 

ويؤيِّد هذا حديثان:

أ. عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: ( فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه مسلم ( 2825 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( فيها ) يدل على أنه هو المراد بالإخفاء، ويدل على أنه ثمة غيره مما ليس مخفيًّا عن الأعين.

ب. عن الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ). رواه مسلم ( 189 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا ) يدل على ما ذكرناه من كون ذلك النعيم الخاص لأولئك العباد الصالحين مما ليس مشَاهَداً من قبَل أحد.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

أما ( أردتُ ) فبضم التاء، ومعناه: اخترت واصطفيت.

وأما ( غرستُ كرامتهم بيدي ) إلى آخره فمعناه: اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام حذف اختُصر للعلم به تقديره: ” ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به، وأعددته لهم “.

” شرح النووي ” ( 3 / 46 ).

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

النصوص الشرعية منها عام يدخله التخصيص، فيقال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا ما رآه النبي صلى عليه الصلا والسلام.

الشيء الثاني: هل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الجنة والنار: هل رأى كل شيء في الجنة والنار أو رأى شيئًا منهما ؟!.

” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 5 ، وجه ب ).

والتوجيه الثاني الذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الأقوى، دون الأول.

 

 

 

 

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل هناك تعارض بين الحديث الذي جاء في وصف الجنة: أنها ( لا عين رأت ولا أُذُن سمعت )، وحديث الباب الذي يدل على أن جبريل رأى الجنة وما فيها من النعيم، وأن آدم كان يسكن في الجنة، فإنه رأى نعيمها، فكيف يقال: ( ما لا عين رأت) ؟.

فأجاب:

كون جبريل وكون آدم رأيَا الجنَّة: لا ندري هل رأوا كلَّ ما فيها؟ نعم، رأوا الجنة، لكن هل رأوا كل ما فيها؟! لا ندري، بحيث كل ما فيها قد حصل، وكل ما فيها قد شوهد؟! ما نعلم ذلك، والمقصود: أن فيها من النعيم ما لا يعرفه الناس، وما لا يدركه الناس، وفيها شيء يعرفون أسماءه وأنواعه ….

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 340 ).

 

والله أعلم.