الرئيسية بلوق الصفحة 60

الجواب عن افتراء على الشيخ ابن باز أنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم قط

الجواب عن افتراء على الشيخ ابن باز أنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم قط

السؤال:

كما هو معلوم عندكم، فإنه عند غياب العلماء الربانيين يكثر الضلال، واتخاذ الرؤوس الجهال، الذين ضلوا، وأضلوا، فهذه هي الحالة التي نعيشها هنا في بلد إفريقية، والله المستعان.

سؤالي بارك الله فيكم:

كيف الرد على من أثار شبهة حول الشيخ ابن باز لتنفير الناس عنه ألا وهي:

أن الشيخ رحمه الله مكث في مكة، أو المدينة عدة سنوات, ولم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون – هؤلاء الطرقيون المبتدعة – أنهم – يعني: الحجازيين – لا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فبم نجيبهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بارك الله فيك أخي السائل، وجزاك الله خيرًا على حرصك على سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وذبك عنها، وعلى دفاعك عن علماء أهل السنَّة والجماعة، ونسأل الله أن يوفقك وإخوانك لنشر الاعتقاد الصحيح، ونوصيكم بالرفق، والحكمة، في دعوة الناس.

 

ثانيًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن أجر الصبر على غربة التمسك بالسنَّة: عظيم، ففي صحيح مسلم – ( 145 ) – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء ).

وفي سنن الترمذي – ( 3058 ) – عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( … إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ).

وفي رواية: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ).

فلا ينبغي أن يجزع المسلم من هذه الغربة، فالعاقبة للمتقين, ولمن تمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: 

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان في المدينة النبوية: مشروعة، كزيارة قبر غيره، فهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني كنتُ نهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ) رواه مسلم ( 977 ) من حديث بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْب، وفي رواية ( فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواها مسلم ( 976 ) من حديث أبي هريرة.

وشدُّ الرحل للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: مشروع، باتفاق المسلمين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وشدُّ الرحل إلى مسجده: مشروع باتفاق المسلمين، كما في الصحيحين عنه أنه قال ( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى ).  رواه البخاري ( 1132 ) ومسلم ( 1397 ).

وفي الصحيحين عنه أنه قال: ( صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ). رواه البخاري ( 1133 ) ومسلم ( 1394 ).

فإذا أتى مسجدَ النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه يسلِّم عليه، وعلى صاحبيه، كما كان الصحابة يفعلون. ” الفتاوى الكبرى ”  ( 5 / 146 ).

ولكن مسألة الزيارة غير مسألة شد الرحل، والسفر لزيارة قبره.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

وزيارة القبور من غير شدِّ رحل إليها مسألة, وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى. ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 193 ).

فالأُولى استحبها العلماء، وندبوا إليها, وأما الثانية – وهي شد الرحل والسفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر غيره -: فهي غير مشروعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون الصلاة في مسجده: فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة ، وأكثر العلماء: أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به؛ لقوله صلى الله عليه و سلم ( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى ).

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 146 ).

 

 

 

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر غيره من الناس، في أصح قولي العلماء ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) متفق عليه.

والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعيد عن المدينة: أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي، فتدخل زيارة القبر الشريف وقبريْ أبي بكر، وعمر، والشهداء، وأهل البقيع، تبعًا لذلك.

وإن نواهما: جاز؛ لأنه يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، أما نية القبر بالزيارة فقط: فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً لا يحتاج إلى شد رحال، ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفرًا: فلا حرج في ذلك؛ لأن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة, وهكذا زيارة قبور الشهداء، وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان، سنَّة، وقُربة، لكن بدون شد الرحال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ) أخرجه مسلم في صحيحه.

وكان صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية ) أخرجه مسلم أيضًا في صحيحه.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 8 / 336 ).

وأما الأحاديث التي فيها الندب للسفر، وشدِّ الرحل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم: فهي غير صحيحة.

 

رابعًا:

أما كلام أولئك القبوريين، والطرقيين عن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وأنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم في فترة مكثه في المدينة: فهو كذب عليه، وشهادة زور باء بها من شهد بها، فالشيخ رحمه الله من أعظم الناس في هذا العصر – نحسبه والله حسيبه – محبة، وتعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم, ولا تخفى عليه مشروعية، بل استحباب زيارة القبور، سواء أكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر غيره, كيف وهو رحمه الله قد قرر ذلك كثيرًا؟! وقد يبق النقل عنه بما يؤيد ذلك، حيث قال ” زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة “، ولكنَّ الشيخ على مذهب أهل السنة في التفريق بين زيارة القبر، وبين السفر، وشد الرَّحل لزيارة القبر, فالثانية هي التي يمنعها الشيخ رحمه الله, وهو القول الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، كما تقدم.

ثمَّ يقال: من الذي راقب الشيخ رحمه الله طيلة مكثه في المدينة النبوية حتى شهد تلك الشهادة الزائفة الباطلة؟!.

وأما إن قصدوا أنه لم يزر قبره صلى الله عليه وسلم في كل دخول على المسجد النبوي: فنعم صحيح؛ لأنه غير مشروع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فلهذا كان العمل الشائع في الصحابة – الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار – أنهم يدخلون مسجده، ويصلون عليه في الصلاة، ويسلمون عليه، كما أمرهم الله ورسوله، ويدعون لأنفسهم في الصلاة مما اختاروا من الدعاء المشروع، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود لمَّا علَّمه التشهد قال: ( ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه )، ولم يكونوا يذهبون إلى القبر، لا من داخل الحجرة، ولا من خارجها، لا لدعاء، ولا صلاة، ولا سلام، ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان، فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم كما يفعله أهل الشرك، والبدع؛ فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة، لا عند قبره، ولا قبر غيره، لا في زمن الصحابة، ولا التابعين ولا تابعيهم .

فهذه الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم: عرف دين الإسلام في هذه الأمور، وفرق بين من يعرف التوحيد، والسنَّة، والإيمان، ومن يجهل ذلك.

وقد تبين أن الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة: كانوا يدخلون المسجد، ويصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة ، وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد، فيصلون فيه، ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية .

وأيضا فقد استحب لكل من دخل المسجد أن يسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ” بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك “، وكذلك إذا خرج يقول : ” بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك “، فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل: يغني عن السلام عليه عند القبر، وهو من خصائصه، ولا مفسدة فيه.

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 413 – 415 ).

 

 

خامسًا:

وأما زعم أولئك الطرقيين – تقليدًا لغيرهم من أهل البدع – في أن الشيخ ابن باز رحمه الله، وعموم أهل السنة السلفيين لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم: فيرد عليها بما يلي:

  1. أنها – والله – شهادة زور، وهم مع وقوعهم في الشرك، والبدعة، لم يكتفوا بهما حتى أضافوا الكذب، والافتراء على عباد الله.

 

  1. وليست المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعمل احتفال سنوي يختلط فيه الرجال بالنساء، وتُضرب الدفوف، وتُقرع فيه الطبول، بل المحبة له صلى الله عليه وسلم تكون باتباع سنَّته، والاقتداء بهديه، والذب عن دينه، قال تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران/ 31، وأين أولئك من كل هذا مع ما عندهم من بدع، وخرافات، وآثام ؟!.

 

  1. وإذا كان عدم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم في كل دخول للمسجد النبوي، وكان عدم الاحتفال بميلاده صلى الله عليه وسلم: أن ذلك يدل على عدم محبته صلى الله وسلم : فأول المتهمين بتلك التهمة الشنيعة هم أصحابه رضي الله عنهم ، الذين لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وحاشاهم رضي الله عنهم، بل كانوا أعظم الناس محبة لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وإنا لنرجو أن يرزقنا الله مثل تلك المحبة كما رزقهم إياها، وذلك بتوفيقنا لأن نلتزم هديه صلى الله عليه وسلم، ونقتفي أثره.

 

  1. عدم محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو كفر، مخرج عن الملة، فكيف تجرأ أولئك- وغيرهم – على مثل هذا التكفير لأهل السنَّة؟! وليعلموا أنهم يحكمون بذلك الكفر على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هم رؤوس أهل السنَّة.

* قال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله -:

يشاع بين المسلمين أن الذين ينكرون بدعة المولد هم أناس يبغضون الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا يحبونه، وهذه جريمة قبيحة كيف تصدر من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ إذ بغض الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو عدم حبه كفر بواح لا يبقى لصاحبه أية نسبة إلى الإسلام والعياذ بالله تعالى.

” الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ” ( ص 5 ).

 

  1. وحتى تعرف مقدار حب الشيخ ابن باز رحمه الله للنبي صلى الله عليه وسلم: استمع لهذا التسجيل الصوتي له, وكيف أنه بكى لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفداه بماله وأهله ونفسه.

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=50193

والله سبحانه نسأله أن يرحمه, وأن يجزل له الأجر، والمثوبة.

 

والله أعلم.

 

مسلمة عمرها 12 عاما والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع؟

مسلمة عمرها 12 عاما والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع؟

السؤال:

إن سؤالي طويل، ولكنه هام بالنسبة لي، وأرجو من الله أن تدركوا هذا.

إنني أبلغ من العمر اثني عشر عامًا، وأعيش مع أب ملحد، وأم مسيحية، وقد اعتنقتُ الإسلام مؤخرًا، إن والداي لم يرحبا باعتناقي الإسلام، والأسوأ من ذلك: أنهما منعاني من قراءة القرآن، ودخول المواقع الإسلامية، وإخبار الناس بإسلامي، ومقابلة المسلمين – سواء على النت، أو في الواقع -، ومنعوني ارتداء ثياب متواضعة، وأشياء اخري كثيرة، والسبب: ” فوبيا الإسلام ” الغبية، وغير العقلانية، لقد حاولت أن أريهم كيف هو الإسلام في الحقيقة، ولكن ما من شيء أقوله، أو أفعله يغيِّر من رأيهم.

في الواقع: إنهما يحاولان الآن أن يرياني كيف يحتقران الإسلام في كل كلمة، وكل فعل، من إلقاء النكات الغبية عن الإرهاب، وحتى سب الله والرسول صلى الله عليه وسلم بأقذع الألفاظ.

إن المشكلة تزداد سوءًا؛ لأنه نظرًا لأنني ما زلت صغيرة: فأنا لا استطيع القيام بأي شيء دون مساعدة والداي، فعلى سبيل المثال: لا تباع هنا الملابس الإسلامية؛ نظرًا لوجود قلة من المسلمين، ومن ثم أضطر إلى شراء الحجاب من الإنترنت، وأحتاج إلى بطاقات الائتمان الخاصة بهما من أجل إتمام عملية الشراء، كما أنني أدرس في مدرسة مسيحية ! وأحتاج إليهما لتغييرها، حيث أنني لا أستطيع القيام بذلك بنفسي، كما أنهما لا يتركاني أغادر البيت بمفردي، لذا فأنا أحتاج إليهما لكي يقوما بتوصيلي إلى المسجد، وهكذا، لذا فإن عدم موافقتهما تعني أيضًا عدم قدرتي على اتباع الدين بالكامل.

كما أنهما يجبرانني على القيام بأشياء تخالف الإسلام، مثل: الذهاب إلى الكنيسة، والرقص، وارتداء ملابس تجعل ذراعاي، وساقاي، وشعري: عارٍ جزئيًّا، أو تمامًا.

إنني قلقة بهذا الشأن، فالقرآن يأمرنا بطاعة الوالدين، واحترامهما، والإحسان إليهما، ولكنه لا يبد أي تهاون عندما يتعلق الأمر بمن يكرهون الإسلام، وأنا لا أعلم ماذا أفعل ، فإذا أطعت والداي: فسأقوم بالكثير من الأشياء التي تخالف الإسلام، وإذا قمت باحترامهما: فإنني بذلك أحترم من لا يحترمونني كمسلمة، وسأدعهما يقولان تلك الأشياء الرهيبة عن الإسلام، ولكني إذا لم أطعهما وأحترمهما فإنني بذلك أسلك مسلكا رهيبًا من وجهة نظر الإسلام، وأنا أعتقد أن كِلا الفعلين خطأ، فما الذي يجب عليَّ فعله؟.

وبارك الله فيكم.

 

 

الجواب:

الحمد لله

  1. نحن في غاية الفرح أن وصلتنا رسالتك، وفيها البشارة بدخولك في الإسلام، ونعتقد أن فرحتك بالانتساب لهذا الإسلام هي فرحة العمر؛ لأنه لا نعمة تسامي هذه النعمة الجليلة، فضلا عن وجود ما هو أعلى وأغلى منها.
  2. وأفرحنا جدًّا حبُّكِ للإسلام، ورغبتك بالتمسك بشرائعه، ونرى أن هذا من فضل الله تعالى عليكِ، حيث أننا نشعر أنك قد تذوقت حلاوة الإيمان، في وقت حُرمها كثيرون ممن ينتسب إلى الإسلام في الاسم والصورة.
  3. وآلمنا جدًّا ما عليه والداك من الكفر بالله تعالى، وآلمنا أكثر: سبُّهم لله تعالى، ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الرب تعالى هو ربُّهم، وخالقهم، ورازقهم، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو نبيهم، ومرسل إليهم، فهل يظن والداك – ومن يفعل فعلهم -أن المسلمين سيتركون دينهم من أجل سبٍّ قبيح، أو تعليق تافه، أو نكات سخيفة، في حق ربنا تعالى، ودينه الخاتم للأديان، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! بل إنهم بذلك يزيدون من بغضنا لهم، ويجعلوننا نتمسك بهذا الدين العظيم، ولا نفرِّط فيه.

فاحذري أن تكوني سببًا في ذلك السب، والاستهزاء، والسخرية، وابذلي ما تستطيعين لئلا يشتموا ويسبوا، واصبري على ما تسمعينه منهما، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم لسنوات كثيرة الأصنام تعلو ظهر الكعبة، ورأى تعظيمها، وعبادتها، فصبر على ما رأى، حتى جاء أمر الله، ففتحت مكة، وأزيل ما على ظهرها من أصنام وأوثان.

  1. أنتِ مأمورة بحسن التعامل مع والديك، والتلطف معهما بالقول والفعل، لكنك لست مأمورة بطاعتهما فيما هو معصية، فانظري ما يأمرانك به، وما يرغبان بوجوده منك: فإن كان أمرًا محرَّمًا، ورغبة مبغوضة للشرع: فلا تطيعينهما في ذلك، ولا تلبي رغبتهما؛ وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، والأمر بصحبتهما في الدنيا بالمعروف لا يتناقض مع عصيان أوامرهما المحرَّمة؛ لأننا نقدِّم طاعة الله تعالى على طاعة كل أحد، كائنًا من كان.
  2. واعلمي – أختنا – أن الله تعالى لا يكلفك فوق طاقتك، ونحن نعلم أن سنَّك الصغير – قانونًا لا شرعًا – يجعلك مقيَّدة في كثير من التصرفات، ويجعلك عاجزة عن كثير من الأفعال، فاعلمي أن الله تعالى قد عذركِ فيما تعجزين عن فعله، وفيما تُكرهين على فعله من قبَل والديك، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ من الآية 286، وقال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) الطلاق/ من الآية 7، وقال تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ من الآية 16، وقال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 )، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه ( 2045 ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
  3. واعلمي أن ما تستطيعين فعله مما أمرك به الإسلام، أو تستطيعين تركه مما نهاك عنه الإسلام: فإن عليك المبادرة والطاعة، دون أن يتسبب لك ذلك بأذية، أو ضرر، ولك اختلاق الأعذار لفعل الأمر، أو ترك النهي، بما ترينه مناسبًا، حسب الحال، والظرف، والمسألة، فترفضين الخروج معهم في مناسباتهم، وترفضين الذهاب الكنيسة بحجة الدراسة – مثلًا -، وهكذا بالنسبة للحفلات، والرقص، وما لا تقدرين على فعله من الأوامر، أو تركه من المعاصي: فلست آثمة في مخالفته.

وما يجبرانك عليه من محرمات فافعلي منها الحد الأدنى، فاجعلي اللباس أستر ما يكون، ولا تسهري في مناسبتهم الحفلة كاملة، وهكذا في سائر المحرمات.

  1. وننصحك بالتواصل مع الأخوات المسلمات، سواء بالمواجهة، أو عن طريق الإنترنت، وكما ننصحك بالتواصل مع المواقع الإسلامية النافعة لك في دينك، والتي تستفيدين منها لتقوية إيمانك، وتزدادين بها علمًا، ولا تلتفتي لمنع أبويهك من هذا، فطاعتهم فيها مضرة لك في دينك، وه ي غير لازمة لك شرعًا.
  2. واعلمي – أختنا – أن من سبقك بالإسلام قد عاش طائفة منهم في ظروف قاسية، حيث تعذيب الأبوين، وضربهم، ومعنهم من حقوقهم الإنسانية، وقد صبروا على ما أوذوا، واحتملوا ما أصابهم في سبيل الله، حتى جاءهم نصر الله، فنجاهم الله مما كانوا، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل، وكانوا من الفائزين، فلا تيأسي مما أصابك، ولا تحزني على حالك، فأنت في رعاية الله، وتحت سمعه وبصره، واثبتي على ما أنتِ عليه من الهدى والحق، كما صبر من قبلك، واعلمي أن هذا اختبار من الله تعالى ليرى صدق إيمانك، فيجازيك عليه خير الجزاء، في الدنيا، والآخرة، وعسى الله أن يجعل نصره وتأييده لك عاجلاً غير آجل.
  3. والداك بحاجة لك لإنقاذهما من نار جهنم، ومن سخط الله، فنوصيك بإظهار خير صورة للمسلمة الحقة، بحسن التصرف معهما، وبرهما، والتلطف في مخاطبتهما، والعناية بطعامهما وشرابهما، والقيام على خدمتهما، فلعلهما أن يراجعا نفسيهما، ويخففا عنك الضغط، أو يتركانه، كما نوصيك بصدق الدعاء والطلب من الله أن يهديهما للإسلام، وأن يميتهما على الإيمان، وما ذلك على الله بعزيز، واسمعي لهذه القصة:

روى مسلم ( 2491 ) عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا.

  1. ولا ننصحك بالهرب من البيت، والخروج منه ؛ فإن مفاسد ذلك أكثر من بقائك فيه، وإن من قد يؤويك فإنه يعرِّض نفسك لأقسى العقوبات في قوانين بلادكم الجائرة، فليس أمامنا من صح لك إلا الصبر، وقطع التفكير في الهروب من البيت.

 

وأخيرًا: ننبهك إلى عدم جواز إطلاق لفظ ” مسيحية ” على أمك، أو غيرها، وقد فصلنا القول في هذا من قبل.

 

ونسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الهدى والرشاد، وأن يعافيك في دينك وبدنك، وأن يهدي أبويك للإسلام، وأن يقر عينيك بهما مؤمنين صالحين، في الدنيا، والآخرة.

 

ونرجو منك أن تبقي على تواصل معنا، ونحن أهلك، وإخوانك، وملايين المسلمين سيتأثرون لرسالتك هذه، وسيدعون لك بصدق وإخلاص، فاثبتي وأحسني الظن بربك تعالى أنه ينصرك، ويؤيدك، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

 

والله الموفق.

 

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها؟

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها؟

السؤال:

قرأت في الحديث أنه إذا كان منزلة الوالدين أعلى من منزلة الأبناء في الجنة فإن الله برحمةٍ منه وفضل يرفع الأبناء إلى درجة الوالدين، والعكس، وأنه أيضًا إذا كانت منزلة الزوجة، أو الزوج أعلى أحدهما من الآخر بما قدم من أعمال أفضل: فإن الله بفضله يرفعه إلى منزلة الآخر، ولكن السؤال هنا:

إذا كان الرجل له زوجتان، وكانت إحداهما في درجة أعلى من الأخرى: فهل تُرفع الزوجة الأقل درجة هي والزوج إلى منزلة الزوجة الأعلى درجة، مع أنها اجتهدت في الدنيا أكثر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما ذكره الأخ السائل في مقدمة سؤاله ليس ثمة دليل عليه من السنَّة صحيح ، فيما نعلم، والصحيح أنها موقوفات على الصحابة، ومقطوعات على التابعين، فمَن بعدهم.

فعن عَمْرُو بنِ مُرَّةَ قال: سَأَلْت سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عن هذه الآيَةِ ( وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ) قال: قال ابن عَبَّاسٍ: الْمُؤْمِنُ تُرْفَعُ له ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ اللَّهُ عز وجل عَيْنَهُ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ في الْعَمَلِ. رواه االطحاوي في ” شرح مشكل الآثار ” ( 3 / 105 )، وصححه المحققون.

وقد ذكر الطحاوي رحمه الله أنه في حكم المرفوع، وكذا قال الشيخ الألباني رحمه الله، ولذلك خرجه في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ).

وقد جاء النص على مثله في كتاب الله تعالى، في قوله ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.

– وقد ذكرنا في جواب سابق أن الإلحاق في الجنة في الدرجات يكون لصغار الذرية، ولمن يكون مع الأسرة في ذات البيت، لا لمن استقل منهم بزواج.

ثانيًا:

والزوجة إن كانت في الجنة في درجة أعلى من زوجها: فإن الله تعالى يجمع بينها وبين زوجها فيها، بأن يلحقه بها في درجتها، دون أن يُنقص من درجتها شيئًا.

وعليه: فإن زوجها، وأولادها منه يلتحقون بتلك المرأة الصالحة – الزوجة لها، والأم لهم – في درجتها في الجنة؛ لتقر عينها، وتسعد تلك الأسرة.

وفي مثل هذه الحال فإنه يصير الزوج في درجة عالية في الجنة، ولنفرض أن له زوجة أخرى، وأولادًا منها، وهم دون تلك المنزلة التي صار فيها: فإنه يُرجى أن يقر الله عيونهم جميعًا بالالتقاء في تلك المنزلة العالية، اجتماعاً لتلك الأسرة، وتحقيقًا للسعادة التي وعدهم الله تعالى بها، ويدل عليه ما ذكرناه من الآية، وما أحلنا عليه من الأجوبة.

فتصير تلك الزوجة الصالحة سببًا في ارتفاع درجة زوجها، وأولادها منه، ثم يكون الزوج سببًا في ارتفاع درجة زوجته الأخرى، وأولادهما.

وفضل الله تعالى عظيم، ورحمته واسعة، وبما قلناه يتحقق دعاء الملائكة حملة العرش في قولهم ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) غافر/ 8 .

ويتحقق وعد الله تعالى لهم في قوله:  ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ) الرعد/ 22 ، 23.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح، أو خلَف صالح، أو زوج صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصلاة: أنه إذا صار إلى الجنَّة: لحِق بصالح أصوله، أو فروعه، أو زوجه، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى، كما قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ ) الطور/ 21.

والآباء يشمل الأمهات، على طريقة التغليب، كما قالوا: الأبوين.

”  التحرير والتنوير ” ( 13 / 131، 132 ).

واجتماع الرجل بزوجاته في الجنة يدل عليه عموم الآيات السابقة، كما تدل عليه مخصوصة على أحد أقوى الأقوال فيها، ومنها:

  1. قوله تعالى ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) الزخرف/ 70.

ومعنى ( تُحبرون ): أي: تُنعَّمون، وتُسرُّون.

  1. وقوله تعالى ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) يـس/ 55، 56.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في تفسير آية الزخرف -:

قوله تعالى في هذه الآية ( وأزواجكم ) فيه لعلماء التفسير وجهان :

أحدهما: أن المراد بأزواجهم: نظراؤهم، وأشباههم، في الطاعة، وتقوى الله، واقتصر على هذا القول: ابن كثير .

والثاني: أن المراد بأزواجهم: نساؤهم في الجنة؛ لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم، والتلذذ، من الأول .

ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة، بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة  .

قال تعالى: ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) يـس/ 55، 56.  ” أضواء البيان ” ( 7 / 142 ).

 

ونسأل الله أن يدخلنا وإياكم الجنة، مع أهالينا، وذرارينا، من غير حساب، ولا عذاب.

 

والله أعلم.

 

 

 

معنى حياة طيبة في القرآن، وهل تتعارض مع البلاء الذي يقع على المؤمن؟

هناك بعض الأمور التي تظهر لي أن فيها تعارضًا, واحتاج منكم أن تنوروني بعلمكم، جزاكم الله خيرًا.

السؤال:

نجد أن الصالحين يُبتلوا في الدنيا، وعلى قدر قوة الإيمان يزيد البلاء، والله يقول في القرآن – من الشاهد -: ( فَلَنُحْيينَّهُم حَيَاةً طَيِّبَةً ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن شريعة الله لا يقع فيها تعارض البتة؛ لأنها وحي منه عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/ 3، 4 ، والوحي يستحيل وقوع الاختلاف والتناقض فيه؛ لقوله تعالى: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82.

 * قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وأن الذي أتيتَهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق: فإن ذلك لو كان من عند غير الله: لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض.

” تفسير الطبري ”  ( 4 / 182 ).

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارَض فيها البتة.

” الموافقات ” ( 5 / 341 ).

وقد كان الإمام ابن خزيمة رحمه الله – وهو ممن اشتهر عنه الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض – يقول: ” لا أعرف حديثين متضادين، ومن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما “.

– انظر ” تدريب الراوي ” ( 2 / 196 ).

 

 

 

 

ثانيًا:

لا شك أن عِظَم الجزاء مِن عِظَم البلاء, وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم, وفي الابتلاء للعبد حكَم وفوائد كثيرة، في الدنيا، والآخرة.

ثالثًا:

وأما معنى ” الحياة الطيبة ” الوارد ذِكرها في قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97: فالأقوال فيها متنوعة، وليس منها أن  الله يفتح للمؤمن العامل للصالحات الدنيا، ويقيه الحزن، والفقر، والسوء، فالواقع يشهد بغير هذا – بل إن أولئك من أكثر الناس ابتلاء بمثل هذا – ولا قائل به من أهل التفسير، وجماع معنى الحياة الطيبة في الآية: حياة القلب، وسعادته، وانشراحه، وإذا رُزق شيئا من متاع الدنيا فيكون حلالًا يقنع به، وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين من أهل التحقيق.

  1. ذَكر الإمام الطبري رحمه الله أقوال العلماء في معنى ” الحياة الطيبة “، وهي:

أ. يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال.

ب. يرزقهم القناعة.

ج. الحياة الطيبة: الحياة مؤمنًا بالله عاملا بطاعته.

د. الحياة الطيبة: السعادة.

هـ. الحياة في الجنة.

واختار رحمه الله من هذه الأقوال – غير المتضادة -: القول الثاني، فقال:

وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رِزق: لم يَكثر للدنيا تعبُه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشُه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.

وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية: لأن الله تعالى ذِكْره أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه: أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى: ” مَا عِِنْدَكُم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق “، فالذي ( أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم ) هذه السيئة بحكمته ( أراد ) أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره.

وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال: فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال، وإن قلّ: فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال؛ وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال: لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 291 ، 292 ).

ب. * وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وأطيب العيش واللذة على الإطلاق: عيش المشتاقين، المستأنسين، فحياتهم: هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب، ولا أنعم، ولا أهنأ منها، فهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، من طيب المأكل، والمشرب، والملبس، والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل مَن عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها، وصارت هي واحدة في مرضات الله، ولم يستشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته، وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، وهو المتولى عليه، وعليه تدور همومه، وإرادته، وتصوره، بل خطرات قلبه ….

” الجواب الكافي ” ( ص 129 ، 130 ).

وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته، ومحبته، وعبادته، فقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

وقد فُسرت الحياة الطيبة: بالقناعة، والرضى، والرزق الحسن، وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب، ونعيمه، وبهجته، وسروره بالإيمان، ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه، إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: ” إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا: إنهم لفي عيش طيب “، وقال غيره: ” إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا “.  ” مدارج السالكين ” ( 3 / 259 ).

والأقوال في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أن الحياة الطيبة هي حياة معنوية، يعيشها قلب المؤمن مطمئنًا بقضاء الله تعالى، ومنشرحًا بما قدره عليه، وسعيدًا بإيمانه بربه تعالى، وليس المراد من الحياة الطيبة – قطعًا – النعيم البدني، وانعدام الأمراض، وعدم تقدير الفقر، وضيق العيش، بل إن هذا لم يقله أحد من المفسرين، والعلماء.

وننبه إلى أن القول بأن الحياة الطيبة هو في الجنة: بعيد عن معنى الآية؛ لأن الله تعالى ذكر بعدها نعيم الجنة لمن آمن وعمل صالحًا.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ): صار قوله: ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ): تكرارًا معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا، فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح ، وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن: تؤيِّده السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم … ” أضواء البيان ” ( 2 / 441 ).

رابعًا:

والحياة الطيبة للمؤمن في الدنيا لا تنافي الابتلاء ؛ وذلك لأسباب:

  1. المسلم يعلم أن رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وبلوغ الغايات: لا يمكن أن تنال إلا على جسر من الابتلاءات، والامتحانات, ولذلك كان السلف يفرحون بالابتلاء؛ لما يرجون من الثواب، والجزاء, كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَىَّ فَوْقَ اللِّحَافِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ: ( إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاَءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: ( الأَنْبِيَاءُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يحوِيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ ).

رواه ابن ماجه ( 4024 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وهذا الفرح غير مسألة تمني البلاء, فتمني البلاء لا يجوز، كما جاء في الحديث عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ).

رواه البخاري ( 6810 ) ومسلم ( 1742 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده، وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان … وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء، وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة، ومنَّة عظيمة، تُجنى من قطوف الابتلاء، والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وما آلت إليه محنته، من الاصطفاء، والاجتباء، والتوبة، والهداية، ورفعة المنزلة … وتأمل حال أبينا الثاني نوح صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنته، وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل, وأمَر رسولَه ونبيه محمَّدًا أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر، فقال: ( إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) فوصفه بكمال الصبر، والشكر، ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعمود العالم، وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته، وصبره، وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه، ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه … وضاعف الله له النسل، وبارك فيه، وكثر، حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم ….

فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتأملت سيرتَه مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه، مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة، في وطنه وظعن عنه، وتركه لله، وقتل أحبابه، وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى، من القول، والفعل، والسحر، والكذب، والافتراء عليه، والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله ، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذِكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا، وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات، وهذا حال ورثته من بعده، الأمثل، فالأمثل، كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له.

” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 299 – 301 ).

  1. والمسلم جنته في صدره, ولو كان مكبَّلا بأصناف البلاء, يقول ابن القيم – يصف حال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتنقل في أصناف من البلاء والاختبار -:

قال لي مرة – يعني: شيخ الإسلام – ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبْسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة “. وكان يقول في محبسه في القلعة: ” لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هده النعمة “، أو قال: ” ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير “، ونحو هذا.

وكان يقول في سجوده وهو محبوس: ” اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: ” المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه “، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد/ من الآية 13، وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط ، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوةً، ويقينًا، وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها ، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

” الوابل الصيب ” ( ص 110 ).

فهذه الجنة التي وجدها شيخ الإسلام ، ويجدها أهل الإيمان والتقوى، من انشراح الصدر، والبال ومن الطمأنينة, والعيش بين الشكر والصبر: لهي والله السعادة التي ينشدها العقلاء، ويطلبها الصالحون، ويسعى إليها الساعون.

وهذه والله هي حقيقة الحياة الطيبة التي وعدهم الله إياها في الدنيا.

رزقنا الله وإياكم  إياها, وجعلنا من أهلها.

 

والله أعلم.

طرق الحصول على العناوين البريدية للآخرين لتسويق السلع بمراسلتهم عليها، وحكمها

طرق الحصول على العناوين البريدية للآخرين لتسويق السلع بمراسلتهم عليها، وحكمها

السؤال:

أنا أعمل في مجال التسويق الإلكتروني، ومن مهام عملي: عرض خدمات الشركة على عملاء جدد، أي: الترويج، والإعلان عن خدماتنا، ومنتجاتنا، عن طريق البريد الإلكتروني، فهناك برامج معدة لتجلب الإيميلات المسجلة على أي موقع أحدده.

فهل استخدام مثل هذه البرامج لهذا الغرض به أي شبهة؟.

وهل هناك فرق بين المواقع، والمنتديات، والأدلة في ذلك؛ حيث أن الأدلة تعرض مواقع لشركات، والشركات تعرض إيميلاتها للجميع، فهل ممكن أستخدم هذه البرامج في جمعها لتيسير الأمر عليَّ؟.

علما أن منها برامج مرخصة، وأستطيع أن أشتريها إذا تطلب الأمر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينبغي أن تعلم – أخي الفاضل – أن العمل في التسويق التجاري، العادي، والإلكتروني: جائز من حيث الأصل، ويقف الجواز عندما يكون التسويق لمواقع تحتوي على سلع وبضائع محرمة، كمواقع بيع الأشرطة الغنائية، أو كتب البدعة والفسوق، أو بيع الأدوات الموسيقية، أو اللحوم المحرَّمة، أو المجلات الفاسدة، وما يشبه ذلك من المحرمات في شرعنا.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الحصول على البريد الإلكتروني للآخرين؛ لتسويق البضائع والسلع بمراسلتهم عليه: ففيه تفصيل:

  1. إذا كان الموقع – أو المنتدى – الذي يُعطي البريد الإلكتروني للمنتسب له يخبره في الأصل وقبل الموافقة على الانتساب له أنه من حقه بيع القوائم البريدية لشركات ومواقع التسويق: فلا حرج عليهم من ذلك، ولا حرج عليكم من التعامل مع تلك المواقع والمنتديات، والحصول على القوائم البريدية التي يملكونها.
  2. وإذا كان الموقع – أو المنتدى – لم يخبر المنتسبين له بحقه في بيع قوائمه البريدية: فلا يحل له الاستيلاء عليها لبيعها؛ لأنه مؤتمن عليها، ولا يحل لكم التعامل مع تلك المواقع والمنتديات.
  3. لا يجوز استعمال برامج الاختراق – الهكر – للوصول إلى قوائم بريد موقع، أو منتدى؛ لأن هذا من التعدي على خصوصيات الآخرين ، وهو اختلاس، يحرُم فعله، وليس كل من حصل على بريد غيره فيريد التسويق ومراسلته عليه، بل بعضهم يتعدى على البريد الخاص ، ويخترقه ليرى ما فيه من رسائل، وخصوصيات، وليس الأصل في البريد أنه شيء عام، وإلا لم نر الكثيرين يخفون عناوينهم البريدية في المواقع، ويغضبون من نشرها.
  4. من أظهر بريده في موقع، أو منتدى: فيجوز مراسلته لتسويق السلع المباحة له، ويجوز استعمال برامج معينة تجمع تلك العناوين البريدية؛ لمراسلتهم.
  5. وإذا تمت مراسلة أصحاب تلك العناوين البريدية فيجب أن يوجد في الرسالة إمكانية لكي يبدي المراسَل رغبته بإلغاء الاشتراك في تلك القائمة، وعدم مراسلته مجددا، فإظهاره لبريده لا يعني رغبته بأن يستقبل عليه رسائل تسويقية، فإذا ما أبدى رغبته بعدم ذلك: فيجب احترام تلك الرغبة، ولا يجوز مراسلته مرة أخرى.

 

والله أعلم.

 

المصاهرة بين آل البيت والصحابة، أمثلتها، ودلالاتها

المصاهرة بين آل البيت والصحابة، أمثلتها، ودلالاتها

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أهل السنَّة والجماعة يتولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته, ويتقربون إلى الله تعالى بمحبتهم، والذود عنهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ” أهل بيت رسول الله ” تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 491 ).

ثانيًا:

والعلاقة بين الصحابة، وآل بيت النبوة: كانت تقوم على المحبة، والمودة، وتبادل الاحترام، والتقدير، بل تعدت إلى المصاهرة، والتزويج.

ومن ذلك: أن عليًّا رضي الله عنه زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم .

* قال الذهبي – رحمه الله -:

وروى عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن عمر تزوَّجها فأصدقها أربعين ألفًا.

قال أبو عمر بن عبد البر: قال عمر لعلي: زوجنيها أبا حسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد … ” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 501 )، وانظر ” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 4 / 119 ).

وهذه هي المصاهرة التي تمَّت بين علي رضي الله عنه وبين الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه, وهذا متفق عليه حتى في كتب الشيعة، ولم تحدث بين علي وبين الخلفاء الراشدين إلا هذه المصاهرة, وأما بين أولاده وأولاد الخلفاء الراشدين: فقد تمَّت كثير من المصاهرات: فقد تزوج الحسين بن علي رضي الله عنهما حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.

وأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق هي أم جعفر الصادق, وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بنت أبي بكر الصديق، وزوجها هو محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، فكان جعفر الصادق يفتخر ويقول: ولدني أبو بكر مرتين، فهو ينتسب من جهة الأب والأم إلى أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.

وأما بين علي رضي الله وذريته وبين الصحابة: فهي كثيرة ، فقد تزوج علي من أمامة بنت أبي العاص بن الربيع الأموي, وأمها: زينب بنت رسول الله، وتزوج الحسين بن علي رضي الله عنه من عاتكة بنت زيد، وهي بنت عم عمر بن الخطاب، وتزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب من معاوية بن مروان بن الحكم الأموي، وتزوجت فاطمة بنت علي بن أبي طالب من عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي، وتزوجت سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير, وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب تزوجها الحسن المثنى، ثم عبد الله بن عمرو بن عثمان الأموي، وتزوجت أم القاسم بنت الحسن المثنى من مروان بن أبان بن عثمان الأموي.

ولمزيد من الفائدة انظر كتاب ” الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم” لأبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي.

ثالثًا:

وهذه المصاهرات تدل  قطعا على روابط الصلة، والمحبة، والتواد، والتراحم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبين الصحابة الأجلاء, ولا التفات إلى ما تزعمه الرافضة من محاولة إبراز شقاق، وخلاف بينهم, وتقطع لأواصر الأخوَّة بينهم، وهم على ما وصفهم به ربهم تعالى: ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح/ من الآية 29.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول:  وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. رواه البخاري ( 3508 ).

وكذلك كان الحال مع علي رضي الله عنه ، وذريته, رضي الله عنهم أجمعين، وجمعنا بهم في جنات النعيم.

 

والله أعلم.

 

 

التفصيل في امتناع عمر ومن معه من إحضار كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه

التفصيل في امتناع عمر ومن معه من إحضار كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه

السؤال:

يقول أحد أصدقائي الشيعة إن عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق رضي الله عنهما قد عصيا النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان في فراش موته، طلب النبي صلى الله عليه وسلم وقتها من الصحابة أن يحضروا ورقة، وقلَمًا، ولكنهم رفضوا أن يحضروهما، ووفقًا لما يقوله الشيعة فإن الصحابة قد ضلوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بأن يكون عليّاً رضي الله عنه خليفة من بعده، وقد أثبتوا لي هذه الأمور بالحديث الذي يقول بأن عمر بن الخطاب عصى محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأنك كنت لترى الغضب على وجهه، وأريد أن أقول بأن صديقي هذا قد أثَّر في أحد أصدقائي الذين ليس لديهم أية معلومات عن الإسلام.

هل يمكنكم أن تشرحوا لي لماذا عصى عمر رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يمكنكم أيضا أن تخبروني كيف التعامل مع أمثال هؤلاء؟.

أرجو أن تقدموا لي المصادر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز لك مصادقة أحد أفراد تلك الطائفة التي تطعن في دين الإسلام، وتدعي النسبة إليه، وهي تعتقد تحريف القرآن، والعصمة للبشر، وتحكم على الصحابة بالردة إلا قليلًا منهم.

والواجب عليك تجاه مثل هؤلاء:

  1. هجرهم، وتحذير الناس منهم، ونفي نسبة الإسلام عنهم.
  2. عدم اتخاذهم أصدقاء وخلانًا.
  3. عدم قراءة كتبهم، أو السماع لشبهاتهم.
  4. ترك مناقشتهم، ومحاورتهم، ودع ذلك للمتخصصين، فهم يكفونك المؤنة.

ثانيًا:

وما ذكره لك ذلك الرافضي عن الخليفتين الراشدين هو حلقة من سلسلة افتراءاتهم على الصحابة الكرام، وإظهار أنفسهم مظهر المحب والمدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويظنون أنهم بذلك يسوقون بضاعتهم تلك على المسلمين! ومن يتهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالردة، ويتهم زوجته بارتكاب الفاحشة: كيف يكون محبًّا، ومعظماً لهذا النبي وهو قد جاء بغاية الإساءة والطعن به؟!.

ثالثاً:

وأما الرد على افتراء ذلك الرافضي: فيكون بذِكر الحديث، ثم بإتباعه بنقاط توضحه، وتجليه.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: ( هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( قُومُوا عَنِّي ).

قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.

رواه البخاري ( 6932 ) ومسلم ( 1637 ).

  1. أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين حضروه في مرضه بإحضار ورقة وقلم ليملي عليهم شيئًا لم يكن أمرًا ربانيًّا، ولم يكن شيئاً يتعلق بالشرع المطهر، ويدل على ذلك أمور، منها:

أ. أن هذه الحادثة كانت يوم الخميس، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، أي: بعده بأربعة أيام، وكان بإمكانه الطلب من آخرين كتابة ذلك الكتاب، فلما لم يفعل صلى الله عليه وسلم: علمنا أنه لم يكن وحياً فيكتمه.

ب. وقد أثنى الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد بلَّغ ما أوحي إليه، وقد امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بإكمال الدين، وإتمام النعمة، والقول بأن ما لم يكتبه النبي صلى الله عليه وسلم هو من الدِّين فيه اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم تبليغ الرسالة، وفيه تكذيب للرب تعالى بأنه أكمل الإسلام، وأتم نعمته.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه، أو يبلغه في ذلك الوقت؛ إذ لو كان كذلك: لمَا ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به.

” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 315، 316 ).

 

 

* وقال – رحمه الله -:

ولا يجوز له ترك الكتاب لشك مَن شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته: لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّنه، ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ؛ فإنه أطوع الخلق له، فعُلم أنه لما ترك الكتاب: لم يكن الكتاب واجبًا، ولا كان فيه من الدِّين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب: لفعله. ” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 12 ).

ج. اختلاف الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهم أمره، والوقوف على حقيقة معناه: مما يؤيد أنه لم يكن أمرًا شرعيًّا، وإلا لسارع الجميع إلى تنفيذه، وقد ثبت عنهم أنهم خلعوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم يخلع نعله فيها، ودون أن يأمرهم بذلك، فهل مثل هؤلاء يخالفون أمرًا يعتقدونه من الوحي؟! حاشاهم، ولذلك قال بعضهم بإحضار ورقة وقلم، كما طلب منهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، وامتنع آخرون، ظانين أنه صلى الله عليه وسلم قد يكون غلبه الوجع، أو يكون أمره إرشاد.

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -: وقوله: ( ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده ): لا شك في أن ( ائتوني ) أمرٌ، وطلبٌ، توجَّه لكل مَن حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله: ( لا تضلُّون بعده )، لكن ظهر لعمر رضي الله عنه، ولطائفة معه: أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء )، مع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه، فظهر لهم: أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى: أن يكتب؛ متمسِّكة بظاهر الأمر، واغتنامًا لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال.

فيا ليتَ ذلك لو وقع، وحصلَ! ولكن قدَّر الله، وما شاءَ فعل، ومع ذلك: فلا عتب، ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: ( دعوني فالذي أنا فيه خير ).

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 15 / 18 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك: لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لِما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه و سلم قال ذلك عن غير قصد جازم.

” فتح الباري ” ( 8 / 133، 134 ).

  1. ولو فُرض أن الأمر كان شرعيًّا: فإما يكون عزمه صلى الله عليه وسلم على الكتابة بالوحي، أو باجتهاده، وكذا يقال في الترك منه صلى الله عليه وسلم أنه يكون كذلك.

* قال النووي – رحمه الله -:

وكان النبي صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.

” شرح مسلم ” ( 11 / 90 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال المازري: وعزمه صلى الله عليه وسلم كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي: فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا.

” فتح الباري ” ( 8 / 134 ).

  1. امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب في تلك الأيام التي عاشها بعد تلك الحادثة يؤيد فهم عمر رضي الله عنه، وفقهه، وأنه هو المصيب، ولو كان رأيه خطأ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الكتاب في الفسحة التي عاشها بعد تلك الحادثة.

* قال السيوطي – رحمه الله -:

وكان صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.

” الديباج على مسلم ” ( 4 / 231 ).

  1. الرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالخلافة بعده لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فما لهم ولهذه الحادثة، وما حاجتهم للافتراء بأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب وصية لعلي رضي الله عنه بعده؟! وأما أهل السنَّة فمن الأقوال عندهم فيما أراد أن يكتبه صلى الله عليه وسلم هو الوصية لأبي بكر الصدِّيق بعده بالخلافة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي: فهو ضال، باتفاق عامة الناس، من علماء السنَّة، والشيعة، أما أهل السنَّة: فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليّاً كان هو المستحق للإمامة: فيقولون: إنه قد نُصَّ على إمامته قبل ذلك نصًّا جليًّا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب.

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 6 / 11 ).

  1. وقد ثبت بأصح إسناد أن النبي صلى الله عليه أراد أن يوصي لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعده، ثم ترك الأمر، وقال بأن المؤمنين لن يرضوا بغيره خليفة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ( لَقَدْ هَمَمْتُ – أَوْ أَرَدْتُ – أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ، أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ – أَوْ: يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ – ) رواه البخاري ( 5342 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2387 ) بلفظ: ( وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ).

ولسنا بالذي يهتم لهذا لأنه قد أبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر أن يكون خليفةً في الواقع، وحياته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجهاده، وبذله لنفسه وماله، وفضله في الإسلام، ومنزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم: هي نصوص عملية، وقطعية، قادت الصحابة الأجلاء – بمن فيهم علي بن أبي طالب – لاختياره خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأميرًا عليهم.

ولو كان ذلك الكتاب قد كُتب لاتهم الصحابة من قبَل الرافضة بتزويره، وافترائه! ولذا فعلى الرافضة أن يفرحوا بعدم إحضار الصحابة للورقة والقلم ليكتب النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنهم يحزنون! وينبغي لهم الثناء على عمر رضي الله، لا الطعن فيه.

  1. وما يحصل من مراجعة بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في بعض المسائل لا يعكر على صفة الاستجابة، والمتابعة للشرع؛ لأنهم يراجعونه صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الوحي بالجزم بما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فيسارعون بعدها لتنفيذ الأمر، كما حصل في صلح الحديبية، ومراجعتهم له بعدم الحلق، والذبح، رجاء أن يشرع الله تعالى ما يوافق رغبتهم، فلما حلق النبي صلى الله عليه وسلم وذبح هديه: سارعوا في الذبح والحلق، وقد رواه البخاري في صحيحه، وهكذا في مراجعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، كما في الصحيحين، وفي كل أحوالهم رضي الله عنهم لا يمكن لباحث أن يجد من الصحابة الأجلاء إلا التعظيم لنبيهم صلى الله عليه وسلم، والاستجابة لأمره، بل إن بعضهم أطاعه في مسألة دنيوية؛ ظانًّا أنه من الشرع، وهي مسألة ” تلقيح النخل “، فقد روى مسلم ( 2363 ) أنه صلى الله عليه وسلم ” مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: ( لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ) قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: ( مَا لِنَخْلِكُمْ ) قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: ( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ).

* قال النووي – رحمه الله -:

قال الخطَّابي: وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة: فلا يراجعه فيه أحد منهم.

” شرح مسلم ” ( 11 / 91 ).

 

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور، ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم: امتثلوا. ” فتح الباري ” ( 1 / 209 ).

  1. قول عمر رضي الله عنه ” حسبنا كتاب الله “: لم يكن خطابًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أجلُّ من أن يفعل ذلك، وإنما كان مخاطبًا من اعترض عليه بالامتناع عن إحضار كتاب.

* قال النووي – رحمه الله -:

وقول عمر رضي الله عنه ” حسبنا كتاب الله “: ردٌّ على من نازعه، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ” شرح مسلم ” ( 11 / 93 ).

  1. وقد وجَّه العلماء رحمهم الله امتناع عمر رضي الله عنه عن إحضار كتاب ليكتبه النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهات عديدة، منها:

أ. إشفاقه على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: ” إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع “.

ب. خشيته من طعن المنافقين، ومن في قلبه مرض، من ذلك الكتاب، والتشكيك بناقليه، والطعن فيهم، وفي عدالتهم.

ج. خشيته ” أن يكتب أمورًا يعجزون عنها، فيحصلون في الحرج بالمخالفة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطئ مأجورًا “.

– انظر: ” دلائل النبوة ” ( 7 / 184 )، ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” للقاضي عياض (2 / 194 )، ” شرح مسلم ” للنووي ( 11 / 91 )، ” فتح الباري ” ( 1 / 209).

ولا يمنع اجتماع هذه الأوجه كلها في ذهن عمر رضي الله عنها، ولذلك وافقه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أفقه ممن اعترض عليه.

  1. وأما معنى كلام ابن عباس رضي الله عنهما: فليس فيه طعن بالصحابة رضي الله عنهم، وهو ممن بايع الصدِّيق، والفاروق بعده، وإنما أراد أن الحائل نفسه كان مصيبة؛ لظهور الفتنة بعد ذلك، والطعن في أولئك الأعلام.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقول ابن عباس ” إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب “: يقتضي أن هذا الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصدِّيق، أو اشتبه عليه الأمر؛ فإنه لو كان هناك كتاب: لزال هذا الشك، فأما مَن علم أن خلافته حق: فلا رزية في حقه، ولله الحمد.

” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 11 ).

  1. وقول ابن عباس رضي الله عنه هذا إنما هو اجتهاد منه، وقصدنا هنا أن نوضح للناس أن كلامه ليس طعنًا في الصحابة، إنما هو في وصف الحائل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكتابة، وهو منطبق على من شكَّ في أحقية الصدِّيق بالخلافة، وإلا فإن مَن منع الكتابة كان أفقه من ابن عباس رضي الله عنه، ولذا وافقه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتب بعد ذلك، ومن يشكك في النصوص القطعية، ويردها: فهل سيقبل هذا كتابًا كُتب في بيت عائشة رضي الله عنها فيه الوصية لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولو أن ابن عباس رضي الله عنهما أدرك الرافضة، ورأى فجورها، وضلالها، وزندقتها: لما قال ما قال، في ظننا، وتوقعنا؛ لأن ما قاله فيه إحسان ظنٍّ بهم، وهم قد افتروا على الإسلام بأن فيه النص بالخلافة لعلي رضي الله عنه، فأنَّى لهم قبول مثل ذلك الكتاب؟!.

* قال النووي – رحمه الله -:

فكان عمر أفقه من ابن عباس، وموافقيه.

” شرح مسلم ” ( 11 / 90 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر: إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله ” حسبنا كتاب الله ” إلى قوله تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ )، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القبيل: لم يتركه صلى الله عليه وسلم لأجل اختلافهم.

ولا يعارض ذلك قول بن عباس ” إنَّ الرزيَّةَ ” الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا.

” فتح الباري ” ( 8 / 134 ).

وبه يتبين لك بطلان ادعاء الرافضة، في طعنهم في الصحابة رضي الله عنهم، وخصوصًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويتبين صدق السلف في أنهم أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام، فاحذرهم على دينك أخي السائل، ونسأل الله لك الثبات على الإسلام والسنَّة.

 

والله أعلم.

هل يجوز أخذ أجرة على تعليم العلم الشرعي؟ وكيف كان يكتسب النبي في معيشته؟

هل يجوز أخذ أجرة على تعليم العلم الشرعي؟ وكيف كان يكتسب النبي في معيشته؟

السؤال:

ينتقد صديقي الشيوخ، والأئمة؛ لأنهم يتلقون أجورًا، كما أنه يدّعى أنه ليس هناك دليل من القرآن والسنَّة على أن الصحابة كانوا يُعطُون أجورًا للأئمة، والشيوخ، لقيامهم بالدعوة، وعندما قلت له: إنه لزامًا على الأمَّة بأسرها أن تدعم من يقومون بالدعوة؛ لما يقضونه من وقت في القيام بهذا الفعل: قال: إنه ليس هناك دليل من القرآن والسنَّة على أن الصحابة قاموا بذلك, وهو يستخدم هذه الآيات لإثبات أن كسب الرزق من القرآن حرام: ( وءامنوا بما أنزلتُ مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ) البقرة/ 41, ( اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون ) يس/ 21، فهل يجوز اكتساب الأموال عن تدريس القرآن والحديث؟ برجاء تقديم بعض الأدلة كما أني أرغب في معرفة كيفية اكتساب النبي صلى الله عليه وسلم قُوته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في العبادات أن لا يأخذ المسلم أجرًا في مقابل القيام بها؛ فشرط قبول الأعمال عند الله: الإخلاص، والمتابعة, ومن أراد بطاعته الدنيا: فليس له من أجر عند الله، كما قال تعالى: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) هود/ 15، 16.

وعَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: ( مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 2655 ) ومسلم ( 1904 ).

ثانيًا: 

وإذا تعدَّت العبادات إلى غير القائم بها، قاصدًا الرقية بالقرآن، أو تعليم الحديث، أو قيامًا بالأذان، والإمامة: فإنه يجوز له أخذ الأجرة على تفرغه للقيام بتلك العبادات، فهو أجرٌ لا قيامه بها بينه وبين ربه تعالى، بل على قيامه بها نفعًا لغيره، وإنما الأجر على بذله الوقت مقابل ذلك، لا على ذات العبادات، وهو قول جمهور أهل العلم، خلافًا لمتقدمي الحنفية، وقد جاء في السنَّة النبوية ما يؤيد قول الجمهور:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلاً لَدِيغًا؟ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِه، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 5405 ).

وأخرجه البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ) من حديث أبي سعيد الخدري.  وقد بوب عليه الإمام النووي في شرحه لمسلم بقوله: ” باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار “.

* وقال النووي – رحمه الله – في شرحه للحديث -:

هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية، بالفاتحة، والذِّكر, وأنها حلال لا كراهة فيها, وكذا الأجرة على تعليم القرآن, وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد ، واسحاق، وأبي ثور، وآخرين من السلف, ومَن بعدهم.

” شرح النووي ” ( 14 / 188 ) .

واختلاف  العلماء في هذه المسألة – وهي مسألة الأجرة على العبادات – قديم, وقد فصل أهل العلم فيها، والذي يظهر لنا: إنه إذا كان الأخذ لحاجة القائم بها, أو على سبيل الجُعالة وتشجيع عمل الخير، أو كان الأخذ من بيت مال المسلمين: فلا بأس بأخذه.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن حكم أخذ المال على فعل الطاعات؟.

فأجاب:

العِوض الذي يُعطاه من قام بطاعةٍ مِن الطاعات: ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

أن يكون ذلك بعقد أجرة، مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجارة ملزمة، يكون فيها كل من العوَضين مقصودًا، فالصحيح: أن ذلك لا يصح، كما لو قام أحدٌ بالإمامة، والأذان، بأجرة؛ وذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة للدنيا؛ لأن عمل الآخرة أشرف، وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى، قال تعالى: ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) الأعلى/ 16 – 19.

القسم الثاني:

أن يأخذ عوَضًا على هذا العمل على سبيل الجعالة، مثل أن يقول قائل: من قام بالأذان في هذا المسجد: فله كذا، وكذا، أو من قام بالإمامة في هذا المسجد: فله كذا وكذا، فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة: أن ذلك جائز؛ لأن هذا العمل ليس أجرة، وليس ملزمًا.

 

القسم الثالث:

أن يكون العوَض من بيت المال، تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل: فهذا جائز ، ولا شك فيه؛ لأنه من المصارف الشرعية لبيت المال، وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل، فإذا أخذته: فلا حرج عليك.

ولكن ينبغي أن يُعلم أن هذه الأموال التي تباح لمن قام بهذه الوظائف: لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد، فإنه إذا كانت مقصودة: حُرِم الأجر، وأما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله، وعلى القيام بهذا العمل: فإنها لا تضره.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ”  ( 12 / 135، 136 ).

 

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تأخذ أجرًا على تعليم القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 96 ).

 

ثالثًا:

وأما استدل مناقشك بما ذكره من الآيات: فلا يسلم له؛ لأن معنى الآيات يختلف عما استدل به من منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والحديث، وغيرهما من العلوم الشرعية، ونحن لا ننكر أنه قد قال بعض أهل العلم بالمنع من أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية بمقتضى هذه الآية ومثيلاتها، لكننا لا نسلم لهم بذلك الاستدلال، وبيان ذلك:

  1. أما قوله تعالى: ( وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) البقرة/ 41: فإن الثمن هنا هو إرضاء العامة، وفعل المذمومين هنا هو تحريف آيات الله لتتوافق مع أهواء العامة، لا تلاوة الآيات ، ولا تعليمها.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وقوله: ( ليشتروا به ثمنًا قليلًا ) البقرة/ من الآية 79: هو كقوله: ( ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ) البقرة/ من الآية 41، والثمن المقصود هنا هو: إرضاء العامة بأن غيّروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم، أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون، فوضعوا كتبًا تافهة من القصص، والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع؛ لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح، وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة: لفقوا نتفاً سطحية، وجمعوا موضوعات، وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ، ثم أشاعوها، ونسبوها إلى الله، ودينه، وهذه شنشنة الجهلة، المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية، ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة، ومن لا يميز بين الشحم والورَم  .” التحرير والتنوير ” ( 1 / 577 ).

* وقال القرطبي – رحمه الله -:

وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم؛ لهذه الآية ، وما كان في معناها، فمنع ذلك الزهري، وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة، كالصلاة، والصيام، وقد قال تعالى ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ). وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء؛ لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس حديث الرقية ” إِنَّ أحقَّ مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله ) أخرجه البخاري، وهو نص يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوَّل عليه

وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة، والصيام: ففاسد؛ لأنه في مقابلة النص، ثم إن بينهما فرقانًا، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل، كتعليم كتابة القرآن.

وأما الجواب عن الآية: فالمراد بها: بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟، فيه خلاف، وهو لا يقول به.

جواب ثان: وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجرًا، فأما إذا لم يتعين: فيجوز له أخذ الأجرة، بدليل السنَّة في ذلك، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عياله، فلا يجب عليه التعليم، وله أن يُقبل على صنعته، وحرفته، ويجب على الإمام أن يعيِّن لإقامة الدين إعانته، وإلا فعلى المسلمين؛ لأن الصدِّيق رضي الله عنه لمَّا ولي الخلافة وعُيِّن لها: لم يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثيابًا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي؟ فردوه، وفرضوا له كفايته.

وأما الأحاديث: فليس شيء منها يقوم على ساق، ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل، – وشرع في نقدها -.

وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل.

” تفسير القرطبي ” ( 1 / 335 ، 336 ) باختصار.

  1. وأما قوله تعالى: ( اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ) يس/ 21 ومثيلاتها من الآيات: فقد استدل بها بعض العلماء على المنع من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم الشرعي، وأن هذا هو صفة المرسلين، وأتباعهم، ولكن المنازعة في هذا الاستدلال حاصلة لا تُنكر، وذلك بحمل الآية على من تعيَّن عليه تبليغ الدعوة، وتعليم العلم، دون من لم يتعين عليه ، كما يمكن حمل الآية وأخواتها على كراهة أخذ الأجرة على ذلك التعليم لمن كان غير محتاج، وهو ما ذهب إليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، فإنه ساق عدداً من الآيات التي تحمل معنى هذه الآية، ثم قال:

ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء، وغيرهم : أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا، من غير أخذ عوَض على ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد، والحلال والحرام.

” أضواء البيان ” ( 2 / 179 ).

وفي نهاية المطاف قال:

قال مقيِّده عفا الله عنه: الذي يظهر لي – والله تعالى أعلم -: أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية: فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن ، والعقائد، والحلال والحرام؛ للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة: أخذ بقدر الضرورة، من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأجرة  .

والأولى لمن أغناه الله: أن يتعفف عن أخذ شيءٍ في مقابل التعليم للقرآن، والعقائد، والحلال والحرام. ” أضواء البيان ” ( 2 / 182 ).

وبعد عرض ما استدل به مناقشك يمكن القول بطمأنينة: أنه ليس ثمة دليل من الكتاب والسنَّة ينص على تحريم أخذ الأجرة على العبادة المتعدية لغير فاعلها، فأما الآيات: فكما رأينا فإنها ليست نصًّا في الموضوع، ولا تعدو عن كونها تحمل إشارة، وأما الأحاديث: فهي ضعيفة السند، ويمكن التحقق من ذلك بالنظر فيما أحلنا عليه من تفسير القرطبي، ثم أخيرًا نقول: إن النصوص التي ساقها جمهور العلماء لتدل صراحة على جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن، والأجرة على تعليمه، وهو المتعيَّن في الترجيح، مع التنبيه على أن الأفضل لمن أغناه الله تعالى أن يتنزه على أخذ شيء من متاع الدنيا في مقابل بذل ما أنعم الله تعالى به عليه.

 

ربعًا:

وأما كسبُ النبي صلى الله عليه وسلم: فقد كان يأكل من عمل يده، فقد اشتغل برعي الأغنام في أول عمره.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ). رواه البخاري ( 2143 ).

– والقراريط: جزء من الدينار، أو الدرهم.

وكذلك عمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة مع عمِّه أبي طالب, وكذلك عمل لخديجة رضي الله عنها، كما هو مشهور في السيرة.

ثم كفاه الله بعد ذلك بما أحل له من الفيء، والغنيمة، وهو أشرف المكاسب.

– والفيء: ما أُخذ من الكفار بدون قتال.

والغنيمة: ما غُنم من الكفار بعد قتال.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ).

رواه البخاري في ” صحيحه ” ( 3 / 1066 ) تعليقاً ، بصيغة التمريض. رواه أحمد ( 9 / 126 ).

والحديث صححه العراقي في ” تخريج إحياء علوم الدين ” ( 2 / 352 )، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 5142 ).

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث إشارة إلى فضل الرمح وإلى حل الغنائم لهذه الأمة وإلى أن رزق النبي صلى الله عليه و سلم جعل فيها لا في غيرها من المكاسب ولهذا قال بعض العلماء أنها أفضل المكاسب.

” فتح الباري ” ( 6 / 98 ).

 

والله أعلم.

 

زوجها غيور جدًّا يمنعها من الخروج من المنزل، ومن زيارة أهلها، فماذا تصنع؟

زوجها غيور جدًّا يمنعها من الخروج من المنزل، ومن زيارة أهلها، فماذا تصنع؟

السؤال:

أنا متزوجة من سنة ونصف تقريبًا، وعندي بنت عمرها 6 شهور، مشكلتي مع زوجي هو أنه غيور جدّا جدّا,  في أول زواجنا ألبسني النقاب, والحمد لله التزمت به, ومع ذلك يغار عليَّ لدرجة أني لم أعد قادرة على الاحتمال؛ فمثلًا: لا يوافق أبدًا أن أخرج خارج البيت حتى عند أمي، إلا نادرًا, وكنت قبل الولادة أخرج أشترى طلبات البيت، والآن لا يسمح لي أبداً أن أخرج أشتري أي حاجة للبيت، حتى ولو كانت ضرورية, وقد سبب لي مشاكل كثيرة جدّا بسبب غيرته هذه, وأحياناً لسبب تافه جدّا, يعمل عليه مشكلة كبيرة جدّا ، فأتمنى من حضرتك أن تخبرني ما العمل؟ فأنا متعبة جدّا, وقد حاولت مناقشته، لكن بدون أي فائدة, وإضافة لذلك هو عصبي جدًّا, ولم أستطع إقناعه بأي حاجة؛ فهل أطلب الطلاق منه، أم ماذا أصنع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

طاعة الزوج حسنة تثاب عليها الزوجة, وطاعته في المباح هو استجابة لأمر الله، ومن سؤالك – أختنا السائلة – يظهر أنك مطيعة لزوجك، ويظهر ذلك في طاعتك له في لبس النقاب، وغيره؛ فنسأل الله أن يثيبك, وأن يجزيك خير الجزاء.

 

ثانيًا:

لا شك أن للزوجة على زوجها حقوقا وواجبات, ومنها: حسن العشرة، والمعاملة الحسَنة، كما قال تعالى: ( وَعَاشرُوهُنَّ بالمَعْرُوف ) النساء/ 19.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي : طيِّبوا أقوالَكم لهنَّ، وحسِّنوا أفعالَكم وهيئاتكم حسب قدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) البقرة/ من الآية 228، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) – رواه الترمذي وصححه -.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 477 ).

وكذلك للزوج على زوجته حقوق وواجبات, وللوقوف على بعض من هذه الحقوق المتبادلة ينظر في أجوبتنا الأخرى.

 

 

 

ثالثًا:

غيْرة الرجل على أهله، ومحارمه: مطلب غريزي، وفطري، لا خيار للإنسان فيه، ولذلك كانت الغيرة من مقاصد الشّريعة، وقد أكدها الإسلام، وحث عليها, وقد تعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من شدة غيْرة سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! لَأَنَا َغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ) رواه البخاري ( 6846 ) مسلم ( 1499 ).

والمطلوب من الزوج: أن يعتدل في هذه الغيرة، فلا يبالغ بها حتى يصل إلى إساءة الظن بزوجه, أو يسرف في تقصي كل حركاتها، وسكناتها، وتتبع أقوالها، ويغوص في معانيها؛ فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويكون مدخلاً للشيطان لإفساد الود، والمحبة بينهما.

عن جابر بن عتيك الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنّ َمِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ). رواه أبو داود ( 2659 ) والنسائي ( 2558 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وعن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام لابنه:  يا بُني! لا تكثر الغيرة على أهلك ولم تر منها سوءً، فترمي بالشر من أهلك، وإن كانت بريئة. ” شُعَب الإيمان ” للبيهقي ( 1 / 499 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله, وغيرة مذمومة يكرهها الله، فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الرِّيبة, والتي يكرهها: أن يغار من غيْرِ رِيبة، بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه. ” روضة المحبين ” ( ص 296 ).

ومن الغيرة المحمودة: غيرة الزوج على امرأته من اختلاطها بالرجال الأجانب، أو من رؤيتهم لها.

* قال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:

والمحمود من الغيْرة: صون المرأة عن اختلاطها بالرجال.

وقد ذكر الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه ” آداب النساء ” عن سعيد بن المسيب: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لفاطمة رضي الله عنها: ما خير النساء؟ قالت: أن لا يرين الرجال، ولا يرونهن، فقال عليٌّ: فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ).

 

 

* قال ابن الجوزي:

قلت: قد يُشكل هذا على مَن لا يعرفه، فيقول: الرجل إذا رأى المرأة: خيف عليه أن يفتتن، فما بال المرأة؟ والجواب: أن ( النساء شقائق الرجال ) فكما أن المرأة تُعجِب الرجلَ, فكذلك الرجلُ يُعجبُ المرأةَ, وتشتهيه، كما يشتهيها, ولهذا تنفر من الشيخ – أي: الكبير في السنِّ -، كما ينفر الرجلُ من العجوز.

” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 2 / 313، 314 ).

 

رابعًا:

والأصل في المرأة: القرار في البيت؛ لقوله تعالى: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) الأحزاب/ 33.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: الزمنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 409 ).

ويشترط في خروج المرأة من بيتها: إذن الزوج, والمرأة ملزمةٌ كلما أرادت الخروج أن  تستأذن زوجها إلا ما يُتعارف عليه من رضى الزوج بذلك.

وللزوج حق في منعها من الخروج حتى لو أمرها أهلها بزيارتهم، فحق الزوج مقدَّم على حقِّ أهلها .

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها، باتفاق الأئمة ”  ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 148 ).

 

خامسًا:

وخروج المرأة لشراء أغراض بيتها: خلاف الأولى، وخاصَّة إذا كان هناك من يكفيها هذا الأمر، من زوج، أو ابن، أو أخ, وللزوج أن يمنعها من ذلك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:  اللقاء الشهري – (24 / 15)

تمنع النساء من الخروج من البيوت؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما نهى عن منعهن من الذهاب إلى المساجد، وأما إلى الأسواق: فالرجل حرٌّ، له أن يمنعها، تُمنع من الخروج من البيت إلا لحاجة لا يمكن أن يقضيها أحد سواها، وهذا الاستثناء أقوله من باب الاحتراز، وإلا فلا أظن أن حاجة لا يمكن أن يقضيها إلا النساء، لأن بإمكان كل امرأة أن تقول لأخيها: ” يا أخي اشتر لي الحاجة الفلانية “، لكننا ذكرنا هذا الاستثناء احتياطًا، وأن يكون الرجل كما جعله الله عز وجل قوَّاما على المرأة، لا أن تكون المرأة هي التي تديره؛ لأن الله يقول: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء/ 34، فليكن قائمًا حقيقة، وليمنعها، ولكن لا بعنف، بل بهدوء، وشرح للمفاسد، وبيان للثواب والأجر إذا لزمن البيوت؛ لأن الله تعالى قال: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ  ) الأحزاب/ 33، أي: نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهنَّ أكمل النساء عفة، وأقومهن في دين الله، ومع ذلك: قال الله لهن: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الأحزاب/ 33.

” اللقاء الشهري ” ( 24 / السؤال رقم 10 ).

 

سادسًا:

ويحرم كذلك على المرأة أن تخرج من بيتها لزيارة أهلها بغير إذن زوجها.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم خروج المرأة من بيت زوجها من غير إذنه، والمكث في بيت أبيها من غير إذن زوجها، وإيثار طاعة والدها على طاعة زوجها؟.

فأجابوا :

لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، لا لوالديها، ولا لغيرهم؛ لأن ذلك من حقوقه عليها، إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي يضطرها للخروج.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 19 / 165 ).

مع التنبيه على أن الأولى للزوج أن يسمح لزوجته من وقت لآخر بالزيارة، والتواصل بين زوجته وأهلها؛ لما في زيارة والديها من تطييبٍ لخاطرها، وإدخالٍ السرور عليها، وعلى أولادها، وهذا مطلب شرعي.

فالنصيحة للأخت السائلة: أن تصبر على طاعة زوجها، وأن تكون لبيبة حكيمة في تعاملها معه، فالإنسان تأسره الكلمة الطيبة، وتقيِّده المعاملة الحسنة، وخصوصا ممن يحب ويود، فكل شخص لا بد أن يكون له مفتاح يلج الإنسان من خلاله إلى قلبه, ويكون ذلك من الأمر الذي يحب ويرغب، مع بيان أن الزوج الصالح والمستقيم نعمة عظيمة، تُغبط عليه المرأة.

والنصيحة للزوج: أن يتقي الله في أهله, وأن يحسن صحبتهم ومعاملتهم؛ وأن يرفق بها، ويطيب خاطرها, ولا يؤذها، وأن يهذِّب غيرته بما يتوافق مع الشرع.

 

والله أعلم.

موقف الأولاد من الخلافات بين والديهم، وكيف يتصرفون معها؟

موقف الأولاد من الخلافات بين والديهم، وكيف يتصرفون معها؟

السؤال:

مَن الذي يجب عليَّ مؤازرته في حالة وجود خلاف عائلي، أبي أم أمي؟ أم هل ينبغي البحث عن الحقائق ومعرفة من المخطئ ومن المصيب؟ هل لأبي عليَّ حقوق أكثر من أمي أم العكس؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

طاعة الوالدين، وبرهما، والإحسان إليهما: فريضة أمر الله بها, قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) الإسراء/ 23، وهي من أعظم الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله.

عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا )، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ )، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 504 ) ومسلم ( 85 ).

ومن البر بالوالديْن: أن تسعى في تقليل الخلاف الواقع بينهما، وذلك بالنصح، والتذكير قدر الاستطاعة، والاعتذار للمظلوم منهما، وتطييب خاطره, وترضيته بالقول، والفعل.

 

ثانيًا:

الخلاف بين الوالدين: لا يكاد يخلو منه بيت من البيوت, وهذا بيت أكرم الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يخلُ منه , فقد طلَّق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، ثم راجعها, و آلى من نسائه شهرًا –  أي: حلف أن لا يقربهن شهرًا -واعتزلهن خارج بيوتهن, وعلى المسلم في علاج مثل هذه الخلافات: أن يحكِّم الشرع، لا العاطفة، ليصل في نهاية المطاف إلى الظالم فيذكره بالتوبة، وإرجاع الحق، وليصل إلى المظلوم فيعطيه حقه، وينصفه ممن ظلمه، وهذا ما يجب أن يفعله كل حكَم بين متخاصميْن، فإذا كانت الخصومة بين والديه: كان أدعى لأن يسارع برأب الصدع، وتذكير الظالم، ونصحه، حتى لا يتصدع بناء الأسرة بتلك الخلافات، مع ضرورة التأدب في الخطاب، واللين في الكلام مع والديه، فلا يعنِّف، ولا يجرح ، ولا يواجه بغلظ الكلام.

 

 

ومن المهم أن يُقضى على أسباب الخلاف بين والديك، حتى لا تتكرر الخلافات مرة أخرى، ولا تلتفت إلى الصلح الشكلي الظاهري إلا إن كان طريقاً للوصول إلى أسباب الخلاف، ومعرفة المخطئ، حتى لا يعيد المخطئ خطأه مرَّة أخرى، وحتى يذهب ما في قلب المظلوم من حزن، وأسى.

ولتعلم – أخي السائل – أن نجاحك في الإصلاح بين والديك: يعني بقاء الأسرة متماسكة، متلاحمة، قوية، مع ما يشيع فيها من المودة، والرحمة بين أطرافها جميعهم، وقد جعل الله تعالى الإصلاحَ بين الناس عمومًا من أهم أسباب حصول الرحمة بينهم، فكيف بالإصلاح بين الوالدين؟! قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ) الحجرات/ 10.

وفي الإصلاح بين والديك: قطع الطريق على الشيطان في تحقيق أعظم إنجازاته! وهو التفريق بين الزوجين.

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ – وَيَلْتَزِمُهُ – وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ).

رواه مسلم ( 2813 ).

 

ثالثًا:

ومما لا شك أن حق الأم أعظم من حق الأب، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أَبُوكَ ).

رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وفيه الحث على برِّ الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب. ” شرح النووي ” ( 16 / 103 ).

لكن لا يعني هذا أن تقف مع والدتك إذا كان الخطأ والتقصير منها، بل الواجب عليك حين التحكيم بينهما: أن تعدل، وتنص, وتقول الحق، ولو على أمك صاحبة الحق الأعظم عليك، كما قال تعالى: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) الأنعام/ من الآية 152، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) النساء/ من الآية 135.

فالذي عليك فعله: أن تبحث عن أسباب الخلاف بين والديك, وأن تحاول الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيلًا, بالرفق، واللين، والكلمة الطيبة, وتطييب خاطر المظلوم, وترضيته بالقول، والفعل, والنصح للمخطئ, وإرشاده بالرفق, والدعاء له بالهداية.

 

والله نسأله أن يوفِّق بين والديك، ويؤلف بينهم, وأن يعينك على برِّهما, والقيام بحقهما.

 

والله أعلم.