الرئيسية بلوق الصفحة 68

حكم التعلُّم والتعليم في أماكن خاصة بأهل البدع

حكم التعلُّم والتعليم في أماكن خاصة بأهل البدع

السؤال:

ما حُكم من يتعلَّم، أو يُعلِّم، القرآن الكريم، في مكان يوجد فيه البدع والمنكرات، أو ما يُسمَّى بـ ” الأعمال الصوفية “, مع العلم أنّ هذا المكان ليس مسجداَ، وإنما مبنى يتكون من طابقين، ويحتوى على ” فصول “، وهو ما يسمَّى عندنا بـ ” المنارة “، أو ” الزاوية “, ومع العلم أيضًا أن تعليم القرآن يكون في وقت والناس – الصوفية – تأتي، وتعمل البدع في وقت غير الوقت الذي يُدرسُ فيه القرآن؟.

أرجو منكَ – فضيلة الشيخ – أن تأتي لي أيضًا بأقوال العلماء الكبار عن حُكم التدريس في المنارة، أو الزاوية – وهي منشرة بكثرة في بلادنا – لأنّي سوف أُعرض الفتوى على الناس الذين يُعلِّمون القرآن في هذا المكان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوارد في السؤال مسألتان:

الأولى: التعلُّم في أماكن خاصة بأهل البدعة.

والثانية: التعليم فيها.

والذي يظهر لنا أنه لا يجوز لأهل السنَّة غشيان مجالس أهل البدعة، وأماكنهم لتلقي العلم فيها؛ لأسباب:

  1. أن في ذلك تكثيرًا لسوادهم.

وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: ” باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ “، وروى تحته حديثاً برقم: ( 6674 ) عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْىِ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ).

قوله ” سواد الفتن والظلم ” أي: أهلهما، والسواد – بفتح السين المهملة وتخفيف الواو-: الأشخاص، كما في ” عمدة القاري ” للعيني ( 24 / 195 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح …

” فتح الباري ” ( 13 / 38 ).

وسيأتي تتمة كلام الحافظ ابن حجر – إن شاء الله – فيما بعد.

  1. أن ذلك يؤدي إلى اغترار الناس بهم، وأنهم على خير وهدى، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من خاصة أهل السنَّة، وقد ينسبونه إليهم.

* قال الأوزاعي – رحمه الله -:

يُعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بأُلفته، ويُعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه، قال أبو حاتم: وقدِم موسى بن عقبة الصوري ببغداد وذكر لأحمد بن حنبل فقال: انظروا إلى مَن نزل، وإلى من يأوي.

” الإبانة الصغرى ” لابن بطة ( 1 / 160 ).

وهو مما يستفاد من حديث صفية المشهور في الصحيحين، وفيه: أنه خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَا وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَعَالَيَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ) قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا ):

* قال النووي – رحمه الله -:

وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء. ” شرح مسلم ” ( 14/ 156، 157).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: التحرز من التعرض من سوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: ” وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم “.  ” فتح الباري ” ( 4 / 280 ).

  1. احتمال الفتنة بعقيدتهم، والتزام منهجهم، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من عوَّام أهل السنَّة، ممن لا يميز بين السنَّة والبدعة، ولا بين الهدى والضلال.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وظاهر كلام الشيخ – أي: بكر أبو زيد – أننا لا نجلس إليه – أي: صاحب البدعة – لأنه يوجب مفسدتين:

المفسدة الأولى: اغتراره بنفسه فيحسب أنه على حق.

المفسدة الثانية: اغترار الناس به حيث يتوارد عليه الناس، وطلبة العلم، ويتلقون منه، والعامي لا يفرِّق بين علم النحو، وعلم العقيدة، ولهذا نرى أن الإنسان لا يجلس إلى أهل البدع، والأهواء مطلقًا، حتى إن كان لا يجد علم العربية، والبلاغة، والصرف، إلا فيهم، فسيجعل الله له خيرًا منهم؛ لأننا كوننا نأتي هؤلاء، ونتردد عليه: لا شك أنه يوجب غرورهم، واغترار الناس بهم.

” شرح حلية طالب العلم ” ( ص 111 ).

ثانيًا:

وأما المسألة الثانية: وهو الذهاب لتلك المنارات، والزوايا، من أجل التعليم فيها: فهي محط نظر، ومجال اجتهاد، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى جواز ذلك، وعلى القول بالجواز فلا بدَّ من تحقيق شرطين:

الأول: أن يكون المعلِّم صاحب اعتقاد قوي، وحكمة بالغة.

والثاني: أن يجهر بالحق، وينشر الاعتقاد الصحيح بين من يحضر تلك الدروس.

وفي تتمة كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعليقًا على حديث أبي الأسود، قال:       

وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح مِن إنكار عليهم -مثلًا -، أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة. انتهى.

* وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – رحمه الله – وهو ممن لا يرى الجواز -:

لا شكَّ أنَّ هُناك من الأماكن ما يُصانُ عنهُ العلم، مما يُزاول فيه مُحرَّم – مثلًا، نعم، يأتي هنا الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، لكن إلقاء العلم الشَّرعيّ بـ ” قال الله، وقال رسُولُهُ ” في أماكن تُزَاوَل فيها المُحرَّمات: يُصان عنها المساجد، ويُصان عنها العلم الشَّرعي، قد يكون هذا المكان الذي يجتمع فيه النَّاس شيئًا طارئًا على بلدٍ من البلدان، على المُجتمع – مثلًا -، وجيء بِهِ من أُناس قد يكُون عندهم شيء من البدعة، أو شيء من التَّساهل في أمر الاحتياط للدِّين، وللنُّصُوص، وما أشبه ذلك، فمشابهتُهُم من هذهِ الحيثيَّة، بعضُهُم يتوقَّف في الدعوة في مثل هذه الأماكن، وفي إلقاء العلم، وما أشبه ذلك، وعلى كل حال: المسألة اجتهادية، فمَن توقَّف: فلا يُلام، لهُ حظٌّ من النَّظر، ومَن غشى هذه الأماكن حرصًا على الدعوة، وحِرْصًا على تبليغ العلم: نسأل الله جلَّ وعلا ألاَّ يحرمه أجر ما أراد، فاللهُ المُستعان، وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهُ الله تعالى يَغْشَى هذهِ الأماكن، ولهُ هَدِي، ويُلقي فيها محاضرات، وأي مكان يُدْعَى إليهِ: يَسْتَجِيب، رحمهُ الله رحمةً واسِعة، وهناك من شيوخنا من أهل التَّحري منْ لا يَغْشَى هذهِ الأماكن، وكُلٌّ لهُ اجْتِهادُه ، وكون الأمة يُوجدُ فيها أمثال هؤُلاء، وأمثال هؤُلاء: أنا أعتبرُهُ من نِعَم الله جلَّ وعلا، يُوجد أُناس أهل تحرِّي، وتَثَبُّتْ، ولا يَسْتَجِيبُون لكلِّ ما يُدْعَونْ إليهِ؛ بحُجَّة الاحتياط، والحِفاظ على السُّنَّة، هذا خير، وللهِ الحمد، ويُوجد من يُبلِّغ هذا الدِّين على أعلى المُستويات تقوم بهِ الحُجَّة أيضًا، هذا خير.

أيضًا: تبليغ العلم من خلال القنوات – مثلًا -، أو الإذاعات، التِّي فيها خليط من الحلال والحرام! والقنوات التِّي فيها مزيج ممَّا يجوز، ومِمَّا لا يجُوز، هذه أيضًا تتجاذب فيها وُجهات النَّظر.

فبعضُ أهلِ التَّحرِّي يقول: أبداً إنَّ ما عند الله لا يُنال بسخطِهِ، أنا أبحث عمَّا عند الله جلَّ وعلا من ثوابِهِ، وأجرِهِ، من أجلِ تبليغ العلم، وإفادةِ النَّاس، وأُبلِّغ من خلال هذهِ القنوات التِّي فيها ما فيها، وبعضهم يقول: لا، أنا أُبلِّغ هذا العلم لأُناس لا يأتُون إلى المساجد، ولا يسمعون إلى وسائل التَّبليغ المُباحة، ولا يحضُرُون الدُّرُوس، ولا يدرُسُون العلم الشَّرعي، فأنا أُبلِّغُهُم من هذهِ الطَّريقة، هذهِ أيضاً وُجهة نظر، وإنْ كُنت أنا مع وجهة النَّظر الأُولى، أنا لا أغشى هذهِ الأماكن، ولا أُبلِّغ في غير ما كان عليهِ سلفُ هذهِ الأُمَّة، ويُوجد أيضًا من يجتهد اجتهاد آخر، واللهُ جلَّ وعلا يعذرهم على قدر نِيَّاتِهِم، والأُمُور بمقاصدها.

” ضوابط تبليغ العلم “، من موقع الشيخ حفظه الله:

http://khudheir.org/ref/1588

 

والله أعلم.

 

تبنَّته أسرة بسبب فساد أهله، ونسبوه لهم، فماذا يترتب على ذلك التصرف؟

تبنَّته أسرة بسبب فساد أهله، ونسبوه لهم، فماذا يترتب على ذلك التصرف؟

السؤال:

عمري 15 سنة، وقد تبنتني عائلة أفغانية عندما كان عمري ستة أشهر، وذلك بسبب أن والداي كانا فاسدين، ولم يكونا يصلحان لتربيتي، وتم تغيير اسمي، ولكنني لم أرضع من والدتي التي تبنَّتني، فهل يعني هذا أنها ليست محرَمًا لي، وأنه يجب أن لا تظهر عليّ؟ وما هي الأحكام المتعلقة بحالتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان التبني أول أمر الإسلام جائزًا، وكان يُنسب المتبنَّى إلى من تبنَّاه، ثم حرَّمه الله تعالى، وأمر بأن يُنسب كل أحدٍ لأبيه، ومن لم يُعلم له أب: فيُنسب بالولاية، والأخوَّة.

قال الله تعالى: ( … وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا ) الأحزاب/ 4، 5.

ولا يُعرف خلاف بين العلماء في هذا الحكم.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 121 ، 122 ):

حرَّم الإسلام التبنِّي، وأبطل كل آثاره، وذلك بقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ )، وقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ).

وقد كان التبنِّي معروفًا عند العرب في الجاهلية، وبعد الإسلام، فكان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلَدَه، وظَرْفَه ضمَّه إلى نفسه، وجعل له نصيب ابنٍ مِن أولاده في الميراث، وكان يُنسب إليه فيقال: فلان بن فلان، وقد تبنَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة قبل أن يشرِّفه الله بالرسالة، وكان يُدْعى ” زيد بن محمد “، واستمر الأمر على ذلك إلى أن نزل قول الله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) إلى قوله: ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وبذلك أبطلَ الله نظام التبنِّي، وأمرَ مَن تبنَّى أحدًا ألا يَنسبه إلى نفسه، وإنما يَنسبه إلى أبيه إن كان له أب معروف، فإن جُهل أبوه: دُعيَ ” مولى “، ” وأخا في الدين “، وبذلك مُنع الناس من تغيير الحقائق، وصِينت حقوق الورثة من الضياع، أو الانتقاص. انتهى.

وعليه: فيجب على تلك الأسرة المبادرة لإصلاح ما أفسدوه، وعليهم إبطال نسبك إليهم في الأوراق، والوثائق الرسمية، وعليهم إرجاع الأمور لنصابها الشرعي، وذلك بالشهادة على نسبك الحقيقي، وتثبيت ذلك في الوثائق، وفساد الأسرة ليس عذرًا في نفي النسبة إليهم، ومن نسب ذلك للشرع: فقد افترى إثمًا مبينًا.

 

ثانيًا:

وبما سبق يُعلم الجواب عن أصل السؤال، وهو أن الأسرة التي تتبنى ذكرًا، أو أنثى: فإنه ليس بينهم علاقة نسب بذلك التبني، وعليه: فهم أجانب، لا يحل معاملتهم كما تُعامل الأسرة في الأحكام، فالمرأة التي تبنتْك: أجنبية عنك، ولا يحل لك رؤيتها، فضلًا عن مسِّها، وتقبيلها، ولا تكون محرَمًا لها، ولا لبناتها.

والنبي صلى الله عليه وسلم تزوج بزوجة ابنه المتبنَّى ” زيد ” – وهي زينب بنت جحش – بعد تطليق زوجها له، وهذا تطبيق عملي لتحريم التبني، فليست هي زوجة ابنه على الحقيقة، وإلا لكان تزوجه بها محرَّمًا، وفي ذلك إبطال لآثار التبني جميعها.

نعم ، لو أن تلك المرأة المتبنية قد أرضعت الطفل المتبنى وهو دون السنتين، خمس رضعات: لصار ابناً لها في الرضاعة، ولصار زوجها – صاحب اللبن – أباً له في الرضاعة، ولصار أولادهم جميعاً إخوة له وأخوات في الرضاعة، وبما أن ذلك لم يكن -بحسب قولك -: فتكون تلك المرأة أجنبية، وعليها الاحتجاب عنك، ولا يحل معاملتها المرأة من أرحامك، بل تعامل كما تعامل الأجنبية في الأحكام، ولها أن تبرَّ تلك الأسرة، وتعتني بأحوالهم، وتتفقد أمورهم؛ لما لهم من يدٍ عليك – مع وقوعهم في إثم التبني إن كانوا يعلمونه -، وأما أن يكونوا أسرة لك: فلا، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.

 

والله أعلم.

 

 

هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

السؤال:

هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مصطلح ” أهل السنَّة والجماعة ” يعدُّ تزكية للمنتسب إليه، ويكفي المسلم شرفًا بعد إسلامه أن يكون على اعتقاد خير القرون، ومنهجهم، يلتزم الكتاب والسنَّة في الاستدلال على اعتقاده، وينضم للجماعة التي اجتمعت على ذلك، من الصحابة إلى من يبقى على ذلك إلى آخر الزمان.

ثانيًا:

وأهل السنة والجماعة هم طائفة واحدة، سارت على طريق الصحابة الكرام في الاعتقاد، والمنهج، لم يتخذوا غير الكتاب والسنَّة أدلة على ما يعتقدون، فاستحقوا بذلك لقب ” أهل السنَّة “، ولم يأتوا بما يفرِّق المسلمين من الأقوال والآراء، فاستحقوا لقب ” الجماعة “، فكانوا أحق بذلك اللقب من غيرهم ممن اتخذ العقل أو الذوق أو المنامات أدلة له في اعتقاده، ومنهجه.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نصٌّ في الكتاب، ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم رضي الله عنهم أئمَّة، وقد أُمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يُحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسنَّة، واعتقادها، مما لا مرية في وجوبه.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

ومما لا شك فيه أن ” الأشعرية ” من الفرق التي تنكبت طريق الهداية، فخالفت مجمل اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، حتى إنك لو جمعت مدارس الأشعرية ومذاهبهم: لما رأيتهم يشتركون مع أهل السنَّة إلا في ” عدالة الصحابة ” مع بعض الاختلاف في التفاصيل.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله -:

من خلال استعراضي لأكثر أمهات كتب الأشاعرة: وجدت أن موضوع ” الصحابة ” هو الموضوع الوحيد الذي يتفقون فيه مع أهل السنة والجماعة، وقريب منه موضوع ” الإمامة “، ولا يعني هذا الاتفاق التام، بل هم مخالفون في تفصيلات كثيرة، لكنها ليست داخلة في بحثنا هنا؛ لأن غرضنا – كما في سائر الفقرات – إنما هو المنهج والأصول. ” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ).

* وكتاب الشيخ هذا قد زكاه طائفة من أهل العلم، منهم الشيخ العثيمين رحمه الله، حيث قال:

لكن الأشاعرة، مِن خير ما رأيت فيما كتب عنهم رسالة صغيرة للشيخ سفر الحوالي، تكلم فيها بكلام جيد، وبين فيها مخالفتهم لـ ” أهل السنة والجماعة ” في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي الوعيد، وفي أشياء كثيرة، مَن أحب أن يطلع عليها: فإنه يستفيد. ” لقاء الباب المفتوح ” (10 / السؤال رقم 14 ).

 

ثالثًا:

وما قاله الشيخ سفر حفظه الله، وأيده عليه الشيخ العثيمين رحمه: يؤكِّد أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنَّة والجماعة؛ لمخالفتهم للكتاب والسنَّة وإجماع السلف في مسائل كثيرة في الاعتقاد، ومن ذلك:

  1. المخالفة في القرآن:

أهل السنة يعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة، تكلم الله عز وجل فيه بحرف، وصوت، سمعه جبريل، فبلَّغه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

والأشاعرة يعتقدون أن هذا القرآن ليس هو كلام الله تعالى، بل هو ” عبارة عن كلام الله “، وقال بعضه : ” حكاية عن كلام الله تعالى “، أما كلام الله تعالى عندهم فهو الكلام النفسي، لذا فعندهم: لم يسمع جبريل عليه السلام القرآن من الله تعالى، وليس هو حروف، ولا أصوات.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن قال ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد، وورق، أو حكاية، وعبارة: فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمَّد صلى الله عليه وسلم هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف – على الوجه الذي يعرفه الناس – له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء، وكذلك مَن زاد على السنَّة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة: فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف، ولا بصوت: فإنه أيضا مبتدع، منكرٌ للسنَّة.  ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 403 ).

  1. علو الله تعالى واستواؤه على عرشه:

وأهل السنَّة والجماعة يعتقدون بعلو الله تعالى على خلقه، وباستوائه على عرشه، استواء يليق بجلاله تعالى.

أما الأشاعرة: فيعتقدون إنكار العلو، وأن الله تعالى ليس في جهة العلو! ويقولون: ليس بداخل، ولا خارج، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال!، وعند التأمل: يتبين أنه ليس لله عندهم وجود حقيقي؛ لأن هذا الوصف الذي يعتقدونه لا يصدق إلا على المعدوم

  1. الصفات الذاتية، والفعلية.

واعتقاد أهل السنَّة والجماعة أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه ما نفاه الله تعالى عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يفرقون في هذا بين العزة والرحمة والعلم، وبين الاستواء والغضب، وبين اليد والوجه.

وأما الأشاعرة: فينفون الصفات الفعلية – وهي المتعلقة بالإرادة والمشيئة، كالاستواء، والغضب -، وينفون الصفات الخبرية – كاليد والوجه -، ولم يكتفوا بالنفي حتى أضافوا إليه تحريف معناها بما أطلقوا عليه اسم ” التأويل “، ولا يثبتون من الصفات الذاتية إلا سبع صفات! – وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع ، والبصر، والكلام النفسي – وهم غير موافقين لأهل السنَّة حتى في هذا الإثبات؛ لأنهم أثبتوها لله تعالى بدليل العقل، لا بدليل الكتاب والسنَّة.

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

وأما الإجماع: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرناه عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع، أو منسوب إلى بدعة.

والإجماع حجة قاطعة؛ فإن الله لا يُجمع أمة محمد عليه السلام على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير، والتأويل، وأمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب به السمع؛ لعدم العلم بما سواه، وتحريم القول على الله تعالى بغير علم، بدليل قول الله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

ومن وجه آخر هو: أن اللفظة إذا احتملت معاني فحملها على أحدها من غير تعيين: احتُمل أن يُحمل على غير مراد الله تعالى منها، فيصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، ويسلب عنه صفة وصف الله بها قدسه ورضيها لنفسه، فيجمع بين الخطأ من هذين الوجهين، وبين كونه قال على الله ما لم يعلم، وتكلف ما لا حاجة إليه، ورغبته عن طريق رسول الله، وصحابته، وسلفه الصالح، وركوبه طريق جهنم، وأصحابه، من الزنادقة الضلال. ” ذم التأويل ” ( ص 38 – 40 ).

 

 

 

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

وينبغي أن يتأمل قول الكُلاَّبية، والأشعرية، في الصفات، ليُعلم أنهم غير مثبتين لها في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها، ويخالفونه. ” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 35 ) الشاملة.

  1. تقديم العقل على النقل.

وأهل السنة والجماعة – كما سبق – لا يقدمون شيئا على الكتاب والسنَّة، وإنما استعمال العقول لفهم نصوص الوحي.

ومن معتقد الأشاعرة: أنهم يقدمون العقل على النقل إذا ما ظهر لهم تعارض بينهما، ويعتقدون أنهم بذلك ينصرون الدين وخاصة في ردهم على المعتزلة.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

ولا خلاف أيضاً في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين، ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يسمَّى محدِثاً ، بل يسمَّى سنيًّا، متبعًا، وأن مَن قال في نفسه قولًا، وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يُلتفت إليه لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم: يستحق أن يسمَّى محدِثًا، مبتدعًا، مخالفًا، ومَن كان له أدنى تحصيل: أمكنه أن يفرِّق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ، 10 ) الشاملة.

ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا يسمى محدثا بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علماً وعقله موجب للعلم، يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا أ.هـ

انتهى.

  1. الإيمان.

والإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول، وعمل، قول القلب، واللسان، وعمل القلب ، واللسان، والجوارح، وهو يزيد وينقص.

وأما الإيمان عند الأشاعرة: فتصديق القلب، وإقرار اللسان، وهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وهم بذلك يوافقون المرجئة.

 

 

 

  1. القدر .

والأشاعرة غالبهم جبرية في القدَر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والأشعرية الأغلب عليهم: أنهم مرجئة في باب ” الأسماء، والأحكام ” – أي: الإيمان -، جبرية في ” باب القدر “، وأما في ” الصفات “: فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 55 ).

 

رابعًا:

وبعد ما سبق ذِكره لا يبقى أدنى تردد في الحكم على فرقة الأشاعرة بأنها من الفرق الضالة، وأنهم لا يمكن أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله – بعد ذِكر طائفة من مخالفاتهم في العقيدة:

بعد هذه المخالفات المنهجية في أبواب العقيدة كلها، وبعد هذا التميز الفكري الواضح لمذهب الأشاعرة، إضافة إلى التميز التاريخي: هل بقي شك في خروجهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السلف الصالح؟! لا أظن أي عارف بالمذهبين – ولو من خلال ما سبق هنا – يتصور ذلك.

” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ) الشاملة.

وننبه إلى أن الأشاعرة لا يحل لهم حتى الانتساب لأبي الحسن الأشعري، فهو قد تبرأ من مذهب الاعتزال الذي كان، وانتقل إلى مذهب ابن كُلاَّب، والأشاعرة إنما يتبعونه في مرحلته الثانية هذه، وبعض المحققين يرى أنه رحمه الله قد انتقل إلى مذهب السلف انتسابًا، وحقيقة، ومنهم من قال إنه رجع إلى مذهب السلف انتسابا بلا شك كما في كتابه ” الإبانة ” لكن لم يكن على قولهم في كل شيء، وهذا أقرب، فيقال هو على مذهب السلف في الجملة.

* قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله -:

فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافعة، والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.

قيل له:  قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون، ولما خالف قولَه مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.

” الإبانة ” ( ص 20، 21 ) وهو من أواخر كتبه رحمه الله.

خامسًا:

أما علاقة الأشعرية بالتصوف: فله سبب عام، وآخر خاص، أما العام: فإن ما يهم الأشاعرة هو موافقتهم فيما يقولون به من المسائل السابقة، وغيرها، ومن كان منهم له اتجاه آخر مع تلك العقائد: فيستطيع نشرها، وهذه عادة تلك الفرق قديمًا، والأحزاب حديثًا، فالمهم عند الجميع: موافقتهم في أصولهم، وليكن عندك بعدها أي اعتقاد، أو توجه، فهو أمر لا يهمهم.

وأما الأمر الخاص: فهو تطبيق ما سبق ذِكره عمليًّا، وهو دخول أساطين التصوف في الأشاعرة، بموافقتهم فيما يقولون، مع إدخال التصوف الذي يعتقدونه على هذه العقيدة التي تتيح المجال لكل من أراد إدخال تصوراته فيها، ونذكر هنا شخصيات من الأشاعرة، تبنت العقيدة الأشعرية، وهي تعتقد التصوف، وتتخذه منهجًا لها، ومن هؤلاء: أبو القاسم القشيري، وأبو حامد الغزالي.

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله -:

أما دور القشيري في المذهب الأشعري وتطويره فتمثل في جانبين:

أحدهما: دفاعه عن الأشاعرة وقت المحنة التي مرُّوا بها، وقد فاق في دفاعه عنهم أقطاب الأشاعرة في زمنه، وكتب رسالته ” الشكاية ” يبث فيها أشجانه، ويدافع عن الأشعري، وعن الأشاعرة، ويرد على التهم الموجهة إليهم، ويصوِّر الأمر وكأنه ليس في الأمَّة الإسلامية إلا الأشاعرة، والمعتزلة، وأن قول الأشاعرة إذا بطل لا يبقى إلا قول المعتزلة فهل يكون هو المعتمد؟!…..

وبهذا الدفاع الذي جاء بأسلوب بث الشكوى: برز القشيري كعلَم من أعلام الأشاعرة، وكان لذلك دوره في تبني ما كان عنده من تصوف.

الجانب الآخر: إدخال التصوف في المذهب الأشعري، وربطه به، وذلك حين ألف القشيري رسالته المشهورة في التصوف، وأحواله، وتراجم رجاله المشهورين، فذكر في أحد فصول الرسالة، وفي ثناياها أن عقيدة أعلام التصوف هي عقيدة الأشاعرة فنسب إليهم أنهم يقولون: ” إنه أحدي الذات، ليس يشبه شيئًا من المصنوعات، ولا يشبه شيء من المخلوقات ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرَض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة، ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، … “.

ويركِّز على نفي أن الله في جهة العلو، ثم يقول في أواخر الرسالة: ” فإذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول، ومشايخهم أكبر الناس، وعلماؤهم أعلم الناس: فالمريد الذي له إيمان بهم: إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم: فهو يساهمهم فيما خُصوا به من مكاشفات الغيب!، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة، وإن كان مريدًا طريقة الأتباع وليس بمستقل بحاله، ويريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه وليجر على طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى به من غيرهم “.

فهو يرى أن من أراد دخول طريقة التصوف: كوشف مع شيوخه، ومن لم يرد دخول طريقة التصوف: فعليه بتقليدهم في العقائد؛ لأنهم أولى من غيرهم.

ودعوى القشيري أن هذه عقائد شيوخ الصوفية ليست مسلَّمة، وليس هذا موضع مناقشة ذلك، ولكن الذي حدث هو تبني أعلام الأشاعرة للتصوف، وتمثل ذلك بشكل واضح في ” الغزالي “، ومن جاء بعده.

على أنه يجب أن لا يغيب عن البال هنا أن هناك من الأشاعرة من سبق ” القشيري ” إلى نوع من الارتباط بالتصوف، فـ ” المحاسبي الكلابي ” تصوفه مشهور، وكذلك كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الأشعري ” بندار ” خادمه، و ” عبد الله بن خفيف ” وكانا من المتصوفة المشهورين.

وعبد القاهر البغدادي ذكر أنه: ” قد اشتمل كتاب ” تاريخ الصوفية ” لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية، ما فيهم واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنَّة! سوى ثلاثة “، والبغدادي يقصد بأهل السنَّة: الأشاعرة، ولكن الذي تميز به القشيري أنه ذكر قواعد التصوف وأصوله، وأحوال المريدين، وآداب الصوفية، ودعا إلى سلوك طريقتهم، وفي أثناء ذلك نسب إليهم العقائد الأشعرية، وأنهم يخالفون المعتزلة، والمشبَّهة.

وقد يظن البعض أن تصوف القشيري كان تصوفًا سنيًا، بعيدًا عن شطحات وبدع الصوفية، ولكن المتمعن في كتبه يجد غير ذلك ….

” موقف ابن تيمية من الأشاعرة ” ( 2 / 593 – 596 ).

 

سادسًا:

فالصحيح في انتساب الأشاعرة أن يكون: ” كُلاَّبية “، وليس ” أشعرية “، فضلًا أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “، وأنهم لو استقاموا على ما جهر به إمامهم في آخر حياته، وما التزم الاعتقاد به: لما وُجدت هذه الفرقة، والحكم عليهم بأنهم أهل بدع وأهواء هو حكم أئمة الإسلام الذي لا ينبغي قول غيره.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وقال – أي: ابن خويزمنداد المالكي – في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: ” لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء”: قال:

أهل الأهواء عند مالك، وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم: فهو مِن أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان، أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها: استتيب منها.

* قال أبو عمر – أي: ابن عبد البر -: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله، أو نحوه: يُسلَّم له، ولا يناظر فيه. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 195 ).

وبه يتبين أن أهل السنَّة والجماعة هم طائفة واحدة، وهي أسعد الناس بشرف هذا الانتساب؛ لما تعْلمه من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تعتقد ما يعتقده الصحابة الكرام.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله، وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها، وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعا لهًا، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 347 ).

– ونسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى سواء السبيل.

 

والله أعلم.

 

 

هل للزوج أن يمنع زوجته من الإنترنت مع توفير كافة وسائل طلب العلم؟

السؤال:

هل للزوج أن يمنع زوجته من الإنترنت مع توفير كافة وسائل طلب العلم؟

 

الجواب:

الحمد لله

 

لا شك فيه أن ” الإنترنت ” يحتوي على مفاسد جمَّة، ولا يمكن لعاقل أن يقارن بين موجودات الشر التي فيه، مع الخير؛ فإنه وعاء حوى الشر كلَّه: الكفر، والفسق، والبدعة، وفيه ما يُقرأ، وما يُسمع، وما يُشاهد، ويسهل جدا الوصول إلى الشر، كما يسهل على أهل الشر الوصول لمن دخل هذا العالَم، وفي ذلك الوعاء من البهرجة، والفتنة، ما يسحر أولي الدين، والعقول، فيوقعهم في معاصٍ متعددة، موبقات متنوعة.

 

ومما لا شك فيه أن هذه الشبكة العنكبوتية أشد خطراً من ” الفضائيات “؛ فإذا أمكن حصر عدد القنوات الفضائية: فما في الشبكة يصعب حصره، وإذا كانت الفضائيات يُتلقى منها دون محاورة: فما في الشبكة يمكنك التحاور والتخاطب مع الطرف الآخر، كما يمكنك تخزين المواد الفاسدة للاطلاع عليها خارج الشبكة، وهي متجددة في وقت، وحين.

 

وهذا كله يجعلنا نجزم أنه من سلم من هذه الشبكة فقد سلم من شرٍّ كبير وعظيم، ولا يعني هذا أنه ليس فيها فائدة، ولا نفع، فما نحن فيه الآن هو من النفع الذي لا يُنكر، فنحن جزء من ذلك العالَم، والمقصود أن من حرص على النفع الذي في الشبكة من غير الحاجة لولوجها: فقد أحسن صنعًا، وخاصة إذا كان المنع للشباب المراهق، أو لعموم الإناث، والنساء.

 

ونحن نشكر الأخ السائل على ” غيرته “، وعلى ” حرصه “، فهو يغار على زوجته، وهذا يدل على خير ودين، كما أننا نرى أنه حرص على أمرين، وكلاهما خير، فالأول: أنه حرص على حفظ أهله، ووقايتها من الفتنة، والثاني: أنه حرص على تعليم زوجته، وتيسير سبل طلبها للعلم، بمواد مقروءة، ومسموعة، متنوعة، لذا فنحن نرى أنه قد فعل ما هو حق له، بل ما هو واجب عليه، تجاه أهله، وعموم أسرته، ونرجو أن يكتب الله الأجر، والنجاح في مسعاه، وقد فعل ما أمره الله تعالى به، وأدى النصح لرعيته خير أداء.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ ).رواه البخاري ( 4892 ) ومسلم ( 1829 ).

 

ونرجو من الزوجة الفاضلة أن تشكر لزوجها غيرته، وحرصه، وأن تعينه على أداء رسالته تجاه أسرته، ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

 

أسلما حديثًا وتهدده إن أتلف صورها أن تغادر البيت مع أولادها، فكيف يتصرف؟

أسلما حديثًا وتهدده إن أتلف صورها أن تغادر البيت مع أولادها، فكيف يتصرف؟

السؤال:

تزوجت من ملحدة بينما كنت أنا في ضلال، وهداني الله أنا وزوجتي للإسلام منذ أعوام، لكن حين تزوجنا: التقطنا صورًا كثيرة، وزوجتي كانت لا ترتدي حجابًا، ثم احتفظنا بهذه الصور في ” المستودع “، وحاولت أن أتخلص من هذه الصور، وقامت بيني وبين زوجتي مشادات عنيفة، كادت تصل للطلاق، وهددتني بأخذ الأولاد، وأنا أخشى أن يشبوا على الكفر – لا قدر الله – فهل وجود صورة كبيرة، أو صغيرة في المنزل يمنع دخول الملائكة؟ وهل إذا نسختها على الجهاز بدلًا من تعليقها جائز؟ وهل أنا آثم؟ وماذا لو احتفظنا بهذه الصور في بيت أسرتها الكفار؟.

أرجو بيان الحكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله – بدايةً – أن هداك وزوجتك للإسلام، وتلك نعمة عظيمة منَّ بها رب العالمين عليكما، ومن حقه عليكما شكره، وذِكره، وحسن عبادته، فنسأل الله أن يوفقكما لذلك.

 

ثانيًا:

من الخطأ البيِّن أن تتسبب في فراق زوجتك من أجل صوركما، وخاصة أنها هددتك بأخذ الأولاد، وهي بذلك ستذهب لأهلها الكفار، وستكون الصور معها – سواء تلك التي عندها، أو ما تحصل عليه من صديقاتها -، فماذا استفدتَ؟ هي خسارات ولا شك، خسارة الزوجة، والأولاد، والاحتفاظ بالصور وتعليقها!.

لذا عليك – أخي السائل – لزوم الحكمة في تصرفك معها، وعدم التعجل في أمر لك فيه سعة، ولن تندم إن شاء الله على الحكمة والتمهل، بل الندم – غالبًا – على التعجل، والتهور.

مما لا شك فيه أن تلك الصور التي لزوجتك وهي متبرجة أنها منكر، ويجب إتلافها، وسنعمل معك على ذلك بالتي هي أحسن، من غير خسائر، فإن نجحنا فبتوفيق الله، وإن لم ننجح فتكون بذلت جهدك، وسييسر الله لك ما لا يخطر لك ببال من وسائل إتلافها.

 

 

 

* والذي ننصحك به لتسلكه مع زوجته أن تتبع الخطوات التالية:

  1. أن تحرص على عدم تعليق صوركما على جدر المنزل، وتحرص على عدم وصول الأيدي لها، من أهلها، وأقربائكما، أو صديقاتها؛ خشية من أخذ بعضها، ونشره.
  2. أن تقوِّي جانب الإيمان فيها، فتخوفها بالله تعالى، وتصبغ على حياتكما معالم الاتباع للكتاب والسنَّة، وأن تحرص لها على الصحبة الصالحة من الأخوات المستقيمات على الدين، وأن توقفها بين الحين والآخر على حكم الصوَر، والتصوير، وبالأخص حكم صور المرأة وهي كاشفة عن زينتها، وأن بقاء الصور يمنع من دخول ملائكة الرحمة والاستغفار لبيتكما، وينبغي أن تولي ذلك اهتماماً بالغًا، وعناية كبيرة؛ لأن من شأن ذلك كله أن يجعلها هي التي تبادر بتمزيق تلك الصور وحرقها، بل ستطلب من كل من يحتفظ بصورة لها أن يأتي بها لها لتفعل بها كما فعلت بصورها التي تملكها، والمهم في ذلك أن يقوى جانب الإيمان، والخوف من المعصية، والرجاء للثواب، ويكون ذلك بالقراءة في كتاب الله، وفهم مراد الله من الآيات، وبالاطلاع على أمور الحياة الأخروية، والنهايات الحسنة والسيئة للناس، كما أن قناعتها -دون ضغط – بحكم تلك الصور، وأنه لا يحل لها الاحتفاظ بها: من شأنه أيضًا أن يتسبب في مبادرتها بتمزيق الصور، وحرقها.
  3. ولو فرضنا عدم نجاحك في الأمر السابق، أو تأخر ذلك: فإنه يمكنك إقناعها بنسخ تلك الصور على جهاز ” الحاسوب ” خاصتكم، والتخلص من الصور الأصلية، ولا شك أن هذا أفضل؛ لما نريد أن نصل به للمرحلة بعدها.
  4. وبقاء تلك الصور في جهازكم الخاص يجعل الأمر محصورًا بينكما، ولعلك تتذرع بعد فترة من الزمان بتلف كل ما جهازك بسبب ” فيروس “، أو ” فرمتة “، على أن يكون الأمر حقيقيًّا، لا تمثيلًا، بمعنى أن تظهر ” حزنك ” على ضياع ” ملفات ” لك خاصة، وتكون محتفظًا بنسخة عنها أصلًا! وعلى أن يكون ذلك بعد فترة من الزمان؛ حتى لا يتطرق لقلبها شك في تعمد ذلك منك.
  5. ولو فرضنا عدم نجاح أيٍّ مما سبق ذِكره: فالذي نرى فعله: هو أن تبدأ بالتخلص من تلك الصور شيئًا فشيئًا، ولتكن البداية بالصور الأكثر سوءً، فتأخذها لتتلفها أولًا بأول، ودون إشعار أحد بذلك، مع الاستمرار بتربية زوجتك على الالتزام بشرع الله.

 

 

 

 

 

 

ثالثًا:

واعلم أن الحكم الشرعي في مسألتك أنك تمزق تلك الصور التي تظهر فيها زوجتك، ولا يبقى منها شيء، وأن الملائكة لا تدخل بيتك.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز التصوير، لا بالآلة الفوتوغرافية، ولا بغيرها من غير ضرورة؛ لعموم النهي عن التصوير، والوعيد الشديد عليه، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها، وإتلافها، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة، كالصور التي في حفائظ النفوس، وجوازات السفر، والبطاقات الشخصية، ورخص القيادة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284، 285 ).

 

لكننا مع هذا: نراعي في تطبيق الحكم بالنظر في المصالح والمفاسد، ولم نقل إننا نستثنى زوجتك من الحكم، فيكون الجواز هو حكم احتفاظها بصورها، بل نقول: إننا نريد سلوك طريق آمنٍ للوصول إلى تلك الغاية، ونحن نعلم أن القوامة للرجل، لكن قد وصلنا منك أنك لو فعلتَ ذلك مباشرة لترتبت مفاسد كثيرة غالبًا، أو شبه يقين؛ لذا نصحناك بما فيه تحقيق لتلك الغاية، ولو طال أمد الفترة التي تتوصل بها لمقصودك، وقد شجعَنا على ذلك: عدم تعليق الصور أما الناس، بل حفظها في “مستودع “.

 

وإننا لنعتقد أن الله تعالى لن يخيب مسعاك، بل سييسر لك تحقيق مبتغاك، وإن لم يكن فيما ذكرناه لك آنفًا: فسيكون بسبب لم يخطر لك ببال، فجنود الله تعالى لا تُحصى، وتقديراته لا يحيط بها أحد علمًا، فما عليك إلا الصبر، والتأني، وعدم التعجل، وأدم الدعاء لها، ولأولادك بالهداية، والتوفيق، والرشاد، واختر من الأوقات أفضلها له، وهو الثلث الأخير من الليل، ومن الحالات أقربها للاستجابة، وهو حال الجود في الصلاة.

 

– ونسأل الله لك التوفيق، والصلاح، لك، ولأسرتك.

 

والله أعلم.

عمُر أختها إحدى عشرة سنة وأمها لا تأمرها بالصلاة فهل عليها مسئولية؟

عمُر أختها إحدى عشرة سنة وأمها لا تأمرها بالصلاة فهل عليها مسئولية؟

السؤال:

يا شيخ أنا أختي لا تصلي, عمرها 11 سنة، وأنا أكرر الكلام على أمي لكي تحثها على الصلاة, لكن أمي تقول: ” ما عليكِ منها, فيه رب فوقها يحاسبها “، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( علموهم لسبع واضربوهم لعشر )، سؤالي الآن هو يا شيخ: هل عليَّ أمر أعمل به لهذا الأمر؟ شكرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

نسأل الله أن يكتب لك أجر اهتمامك بأختك، وحرصك على قيامها بالصلاة، ونسأله تعالى أن يهدي والدتك لأن تقوم بواجب دعوة ابنتها لأن تصلي، فإن أبت: فتضربها ضربًا تأديبيًّا؛ لتنقذها مما هي فيه من اتباعها هواها، ولأجل أن تربَّى على طاعة الله تعالى، كما نسأله تعالى أن يهدي أختك، وأن ييسر لك الاستقامة على أمره عز وجل.

 

ثانيًا:

ونص الحديث المذكور في السؤال هو:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ). رواه أبو داود ( 495 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

والمخاطَب بالأمر بالتعليم للصغير، وضربه: ليس هو الأب فقط، ولا الأم، بل هو كل من كان مسئولًا عن هذا الصغير، من الأولياء، والأوصياء، والأسياد، ومن غير شك أن الأب هو أول من يكون معنيّاً بهذا الخطاب؛ لأنه هو الراعي في البيت، والمسئول عن رعيته، وتشاركه الأم في المسئولية في حال غيابه، أو موته، أو تطليقه لها، وبقاء الصغير معها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويجب على كلِّ مطاعٍ أن يأمر مَن يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم يبلغوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ).

ومَن كان عنده صغير مملوك، أو يتيم، أو ولد: فلم يأمره بالصلاة: فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرًا بليغًا؛ لأنه عصى الله ورسوله، وكذلك من عنده مماليك كبار، أو غلمان الخيل، والجمال، والبزاة، أو فراشون، أو بابية يغسلون الأبدان والثياب، أو خدم، أو زوجة، أو سرِّيَّة، أو إماء: فعليه أن يأمر جميع هؤلاء بالصلاة، فإن لم يفعل: كان عاصيًا لله ورسوله.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 50، 51 ).

* وقال – رحمه الله -:

بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر. ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 360 ).

وعليه: فبوجود والدك، أو والدتك: فإن عليهما مسئولية تعليم أختك، وضربها إذا أكملت السنة العاشرة، وإن لم يكن والدك موجودًا، وكان لك أخ أكبر: فتنتقل المسئولية له، ولوالدته.

وعلى والدتك أن تنتبه لنفسها من أن تبوء بإثم كلمتها تلك؛ فإن الله تعالى لا يحاسب أختكِ على عدم صلاتها إن لم تبلغ، لكنه سيحاسبها على عدم دعوتها ابنتها، وعدم حثها على الصلاة، وضربها عليها، فالخطاب موجَّه للبالغين من الأولياء، والأوصياء، وأما مَن كان صغيرًا من الأولاد – ذكورًا وإناثًا – فهم ليسوا مكلَّفين، وإنما الحساب، واستحقاق العقاب على الوالدين، وعلى من كان مسئولًا عن أولئك الأولاد.

* قال الماوردي – رحمه الله -:

ولأن في تعليمهم ذلك قبل بلوغِهم إلفًا لها، واعتيادًا لفعلها، وفي إهمالهم وترك تعليمهم: ما ليس يخفى ضرره، من التكاسل عنها عند وجوبها، والاستيحاش من فعلها وقت لزومها، فأما تعليمهم ذلك لدون سبع سنين: فلا يجب عليهم، في الغالب لا يضبطون تعليم ما يُعلَّمون، ولا يقدرون على فعل ما يُؤمرون، فإذا بلغوا سبعًا ميزوا، وضبطوا ما علموا، وتوجه فرض التعليم على آبائهم، لكن لا يجب ضربهم على تركها، وإذا بلغوا عشرًا: وجب ضربهم على تركها ضربًا غير مبرِّح، ولا مُمْرِض، في المواضع التي يؤمَن عليهم التلف من ضربها، فإذا بلغوا الحلُم: صاروا من أهل التكليف، وتوجه نحوهم الخطاب، ووجب عليهم فعل الطهارة، والصلاة، وجميع العادات . ” الحاوي الكبير ” ( 2 / 314 ).

ولا يعني هذا إعفاءك من التوجيه، والنصح، والتذكير، لأختك، بل يجب عليك الاهتمام بذلك، وبذل المزيد من جرعاته، وتنويع أساليب دعوتها، وخاصة الترغيب، مع مداومة الدعاء لها بالهداية.

 

والله أعلم.

تخفي إسلامها عن أهلها في الصين فهل تزورهم مع نزع الحجاب ولبس البنطال؟

تخفي إسلامها عن أهلها في الصين فهل تزورهم مع نزع الحجاب ولبس البنطال؟

السؤال:

زوجتي صينية، وقد اعتنقت الإسلام منذ ثلاث سنوات – والحمد لله -، عندما نذهب لزيارة أسرتها – أربع مرات في السنة تقريبًا- لا تلبس الحجاب في بيت أسرتها، وإنما ترتدي قبعة لتغطية شعرها إذا أرادت أن تخرج، كما أنها تلبس البنطال، والغرض من هذا كله: أنها لا تريد لأسرتها أن تعرف أنها مسلمة، فتسوء علاقتها بهم.

أريد أن أعرف الحكم الشرعي هنا، وهل اعتبر ديوثاً في هذه الحالة؟ وهل أنا مشترك في الإثم؟ وما العمل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى أن منَّ على زوجتك بالهداية، واختيارها لتكون من المسلمين، وتلك نعمة غالية، ينبغي الحفاظ عليها، وتنميتها، واحرص على أن تقف بجانبها في تعليمها أحكام الشرع، وتقوية إيمانها بفعل الطاعات، والابتعاد عن المعاصي، ونسأل الله أن يوفقكما لكل خير.

 

ثانيًا:

ولسنا نرى لها العذر في كشفها عن رأسها، ولا لبسها البنطال في بلدها – الصين -، وإن حالها يختلف عمن تكون مسلمة تخفي إسلامها وهي بين أهلها، تخشى على نفسها، فتلك التي تكون معذورةً فيما لا تستطيع عليه من أحكام الشرع، حتى تجد لنفسها سبيلًا في الخروج من بيت أهلها، أو في الهجرة من بلدها بالكلية إلى بلدٍ مسلم، تستطيع فيه إظهار شعائر دينها.

وفي مثل الحال الأولى نزل قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/ 97.

وفي مثل الحال الثانية نزل قوله تعالى:  ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) النساء/ 98.

 

 

وبما أن زوجتك خارجة عن أهلها، بل عن بلدها بالكلية: فليست معذورة بترك ما شرع الله تعالى من أحكام بعذر زيارة أهلها.

* قال الآلوسي – رحمه الله -:

والمراد: أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام، وإدخالهم الخلل فيه، بالاستضعاف، والعجز عن القيام بواجب الدِّين بين أهل مكة، فلذا قعدوا، وناموا، أو تعللوا عن الخروج معهم؛ والانتظام في ذلك الجمع المكسر بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم، وأنهم فعلوا ذلك كارهين، وعلى التقديرين لم تقبل الملائكة ذلك منهم.

( فَأُوْلَئِكَ ) الذي شرحتُ حالهم الفظيعة، ( مَأْوَاهُمُ ) أي: مسكنهم في الآخرة، (جَهَنَّمَ ) لتركهم الفريضة المحتومة ، فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام .

” تفسير الآلوسي ” ( 4 / 196 ) باختصار.

* وقال – رحمه الله -:

كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يُظهر دينه لتعرض المخالفين : وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلًا أن يبقى هناك ويخفي دينه، ويتشبث بعذر الاستضعاف؛ فإن أرض الله تعالى واسعة، نعم، إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة، كالصبيان، والنساء، والعميان، والمحبوسين، والذين يخوفهم المخالفون بالقتل، أو قتل الأولاد، أو الآباء، أو الأمهات، تخويفًا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبًا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك: فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج، والفرار بدينه . ” تفسير الآلوسي ” (2 / 479).

 

ولعله من أعظم فوائد ما قلناه لكم إن استجابت زوجتك له: أن تحرص على دعوة أهلها للإسلام، وأن تبدأ بالبحث عن الطرق المناسبة لذلك، من المراسلة، والمحادثة، وإرسال المواد السمعية، والمرئية عن الإسلام، ولعل الله تعالى أن يهديهم للدخول في الإسلام، فيكون ذلك في ميزان أعمالكم ، وماذا يستفيد أهلها من إخفاء إسلامها وهي بعيدة عنهم كل ذل البُعد؟! وهنا لا تكون لزوجة قد ارتكبت تلك المحذورات، ولا نالك شيء من الحرج والإثم، وتكون قد أقامت الحجة على أهلها، وبرئت من مسئولية ذلك أمام الله؛ فإنه لا يسعها أن تبقى متنعمة بنعمة الإسلام، وتحرم أهلها منها.

 

 

* وأما بخصوص لقائها بأهلها: فيمكن أن يتم ذلك بإحدى هذه الصور:

  1. أن يلتزم أهلها بأمانها، وعدم التضييق عليها في حال زارتهم وهي مسلمة، وعليك الاستيثاق من ذلك بالطرق المناسبة بما يكون يقينًا.

 

  1. أن يتم اللقاء بينها وبين خاصة أهلها في بلد ثالث؛ لتأمن على نفسها منهم، ولتكون دعوتها لهم للإسلام مواجهة، وهو أبلغ من المراسلة، والمحادثة.

 

  1. أو يتم دعوة خاصة أهلها لبلدكم.

 

وبخصوص النفقات: فإنها بدلًا من زيارتكم لهم في بلدهم أربع مرات في السنة: تكون دعوتهم لبلدكم مرة، أو مرتين، ولعل في ذلك توفيرًا عليكم في النفقات، فإذا عُلم ما في ذلك من فوائد جمَّة، وما فيه من التخلص من ارتكاب آثام: كان ذلك دافعًا قويًّا للعمل بما نصحناكم به، سواء بدفع تكاليف رحلتهم لبلد ثالث، أو لمجيئهم لبلدكم.

 

والله أعلم.

 

 

والده يرغب بالزواج بعد وفاة أمه فهل يؤيده مع أنه شاب يريد الزواج أيضا؟

والده يرغب بالزواج بعد وفاة أمه فهل يؤيده مع أنه شاب يريد الزواج أيضا؟

السؤال:

توفيت أمي منذ شهر، ولقد جاء إلى مسامعي أخبار – وهو ما لم يكن جيِّدًا من ناحيتي، لكنه حدث – عن عزم والدي على الزواج، رغم أنه تجاوز الستين عامًا، رغم أنني ما زلت أنا – ولده – عزبًا، في بادئ الأمر تأثرت من داخلي جدًّا بتلك الأخبار، لكني قرأت مؤخرًا عدة مقالات، وتوصلت إلى أنه ليس هناك خطأ في فعل ذلك؛ حيث أن في الإسلام سعة لزواجه لأسباب عديدة، ومشكلتي هي أن والدي يريد رأيي في ذلك الأمر، فكيف يكون ردة فعلي وإخباري له برأي الحقيقي؟ وهل يمكن أن لا أشارك في هذا الأمر؟ حيث أفهم أن التعدد مباح في الإسلام إلا أني أشعر بالحزن نحو أمي، وفضلًا على ذلك أجد من الصعوبة المشاركة في قرار زواجه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب على الآباء الالتفات لحاجة أولادهم – ذكورًا وإناثًا – للزواج، وعدم التفريط في تمكينهم منه، والإعانة عليه، وإنه لمن المؤسف أن نرى اهتمام الآباء منصبّاً على توفير الطعام، والشراب، واللباس، والدراسة، ويغفلون عن حاجتهم للزواج وهي لا تقل ضرورة عن الطعام والشراب، لذا نوصي الآباء بأن يتنبهوا لهذا الأمر، وأن يولوه عنايتهم، ولا يستهينوا بحاجات أولادهم لهذا الأمر، ولا ينبغي للآباء انتظار طلب الزواج من أولادهم؛ فإن هذا قد يكون محرجًا لهم، وخاصة الإناث، بل عليهم أن يبادروا هم بعرض الأمر عليهم، بل وحثهم عليه، على أن تتولى الأم ذلك مع بناتها.

 

ثانيًا:

وكما أن الحاجة للزواج – أو الضرورة – تكون من الشباب: فإنها تكون كذلك للكبار، فليس ثمة ما يمنع الآباء ولو كانوا كبارًا في السن من التزوج، ولا يشترط أن تكون الحاجة للزواج من أجل الجنس فقط، بل قد يحتاج الكبير للرعاية، والعناية، والخدمة، ما لا يقوم به إلا زوجة.

فتنبه لذلك أخي السائل، واعلم أنه ليس ثمة ما يعيب والدك إن طلب التزوج من امرأة فاضلة عاقلة، بل إن هذا مما يُمدح عليه، ولولا حاجته للتزوج لم يطلبه، وغالب الآباء ينفض عنه أولاده بعد حين، وكل واحد منهم يعيش حياته مع أسرته، ويبقى ذلك المسكين وحده يتجرع مرارة الوحدة، ويذوق مرَّ العزلة، وقد أباح الله ما يرفع ذلك عنه، ويبقي له كرامته التي تضيع في كثير من الأحيان، بتركه من غير طعام، ولا عناية، ولا أنس.

وكما أننا قلنا إنه على الآباء تزويج أولادهم، وعدم انتظار طلبهم ذلك: فكذلك نقول ها هنا، وإنه على الأولاد تزويج والديهم، وعدم انتظار طلب ذلك، وقد يكون الإحراج من الوالدين أعظم منه من الأبناء، فليكن الأبناء على دراية بهذا، وليحسبوا حسابه، وموت أحد الوالدين من مدة قريبة لا ينبغي أن يكون – عند عاقل – سبباً للمنع من التزوج، أو التهوين من شأنه، فعجلة الحياة دائرة، ولن توقفها موت أحد.

 

ثالثًا:

والذي عليك فعله مع والدك:

  1. الثناء عليه لنيته ذلك التزوج.
  2. الوصية له باختيار ذات الدين، والعقل؛ لتتناسب مع سنِّه، وحاله.
  3. أن تجزم بقرارك ورأيك في أن زواج والدك هو الصواب، وما تجده من صعوبة في اتخاذ هذا القرار، والمشاركة مع والدك بسبب كبره، أو بسبب وفاة أمك: لا ينبغي التعويل عليه، ولا الالتفات له؛ فإنه من الشيطان، ليصده عن خيرٍ يراد بوالده.
  4. أن تعينَه بما تستطيع ماديًّا، ومعنويًّا.
  5. أن تُخبره حاجتك للتزوج دون تردد، ولا خوف، وهذه المصارحة محمودة، وقد يرى هو بعدها تقديمك عليه، لذا ننصحك بالمبادرة، وعدم التردد، وليكن ذلك بألطف كلام، وأرق أسلوب.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يشترط في المحرم للسفر أن يكون زوجًا؟ وهل للزوجة رفضها له محرمًا لها؟

هل يشترط في المحرم للسفر أن يكون زوجًا؟ وهل للزوجة رفضها له محرمًا لها؟

السؤال:

من فضلك أجب على سؤالي الآتي:

هل يجوز أن أرفض أن أذهب لأداء فريضة الحج في صحبة زوجي، ويرجع السبب من سؤالي هذا في أني لا أريد أن أذهب معه للحج: هو أنه منذ 8 سنوات – هي عمر زواجنا – وهو يؤذيني في مشاعري كزوجة، ولقد آذاني كثيرًا، وأرى أن الذهاب لأداء الحج يعد فريضة خاصة، وعظيمة، واجب عليَّ أدائها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يحل للمرأة أن تسافر للحج، ولا لغيره، إلا مع ذي محرم، ولا تخرج للحج، ولا لغيره، إلا بإذن زوجها.

ثانيًا:

لا يُلزم الزوج بأن يحج مع امرأته، كما لا تلزمه نفقة حجها، إلا أن يكون اشتُرط عليه ذلك في عقد الزواج، وإنما لها نفقة قدر الحضر في حال حجها الواجب.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجب على الرجل أن يحج بزوجته فيكون محرمًا لها؟ وهل هو مطالب بنفقة زوجته أيام الحج؟.

فأجاب:

لا يجب على الزوج أن يحج بزوجته، إلا أن يكون مشروطًا عليه حال عقد الزواج، فيجب عليه الوفاء به، وليس مطالبًا بنفقة زوجته، إلا أن يكون الحج فريضة، ويأذن لها فيه، فإنه يلزمه الإنفاق عليها بقدر نفقة الحضر فقط.

” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 21 / 208 ).

ثالثًا:

لا يشترط في محرم المرأة أن يكون زوجًا، وليس كل النساء متزوجات، فلا يمكن أن يقصر المحرم على الزوج دون غيره، ولذا جاءت النصوص النبوية ببيان اشتراط ” المحرم ” في سفر المرأة، وليس هذا مقتصرًا على الزوج.

وتعريف المحرم عند العلماء: هو من حرُم عليه نكاحها على التأبيد، بسبب مباح؛ لحرمتها، أي: بسبب نسب، أو رضاع، أو مصاهرة.

انظر: ” مغني المحتاج ” ( 1 / 681 ) ، و ” المغني ” لابن قدامة ( 5 / 32 ).

– وينبغي أن يكون مأمونًا، عاقلًا، وقد اشترط الجمهور أن يكون بالغًا.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 36، 37 ):

المحرم الأمين المشروط في استطاعة المرأة للحج هو كل رجل مأمون، عاقل، بالغ، يحرم عليه بالتأبيد التزوج منها، سواء كان التحريم بالقرابة، أو الرضاعة، أو الصهرية. انتهى.

رابعًا:

ولأن المحرَم لا يشترط أن يكون الزوج: فليس تلزم المرأة بالسفر معه للحج، ويمكنها اختيار غيره ليحج معها.

وعليه: فما ذكرته الأخت السائلة من طبيعة علاقة زوجها به: يعد عذرًا لها – إن شاء الله – لأن تترك الحج مع زوجها، على أن تجد محرمًا آخر يقوم بهذه المهمة، وتكون نفقته عليها، إلا أن يتبرع هو فلا يطالبها.

وللزوج أن يمنع من يرى أنه لا يصلح محرمًا لزوجته، بسبب فسقه – مثلًا -، أو ضعفه، أو مرضه، والمهم أن يكون له عذره في منع زوجته من السفر معه، حتى لا يتسبب في الإثم لنفسه بسبب منعه زوجته من أداء فريضة الحج.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 37، 38 ):

إذا وجدتْ محرَمًا: لم يكن للزوج منعها من الذهاب معه لحج الفرض، ويجوز أن يمنعها من النفل، عند الحنفية، والمالكية، والحنابلة.

وقال الشافعية: ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج، فرضًا كان، أو غيره ” لأن في ذهابها تفويت حق الزوج، وحق العبد مقدَّم؛ لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، ” فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين: لم يشترط إذن الزوج “.

واستدل الجمهور بأن حق الزوج لا يقدَّم على فرائض العين، كصوم رمضان، فليس للزوج منع زوجته منه، لأنه فرض عين عليها. انتهى.

وإذا أصرَّ الزوج على منع سفر أحدٍ من محارمك إلا أن يكون هو ذلك المحرم لك: فإنه يجوز لك الخروج عن رأيه، والسفر مع أحد من محارمك، ممن يوثق بدينه، رغمًا عن زوجك؛ وهذا – فقط – في حجة الإسلام، دون حج النفل، لأنّ الحج واجب على الفور، لا على التراخي، إلا أننا ننصحك بقبول ذلك منه، وأن يكون هو محرمك في حجكِ؛ لما يترتب على مخالفته من آثار سيئة، ولما يمكن أن يكون حجه سببًا في هدايته، فعسى الله أن يغيِّر من حاله، وأخلاقه، ولا يدري الإنسان أين الخير المقدَّر له، ولا سببه.

 

ونسأل الله أن يهديه لأحسن الأخلاق، والأفعال، والأقوال، وأن يجمع بينكما على خير.

 

والله أعلم.

أجوبة لأسئلة متنوعة من طالبة مدرسة تتعلق بتلبيس الألعاب والرسوم المتحركة…

أجوبة لأسئلة متنوعة من طالبة مدرسة

أسئلة

1- أنا أحب العاب التلبيس جدّا جدًّا؛ لأنها تعلمني كيفية اختيار أزيائي، وألوانها، فهل عليَّ ذنب، وما حكمها؟.

2- أنا أحب الرسم، وخاصة رسم الأنمي، لكن أنا أفصل الرأس، فهل هذا حرام؟.

3- أنا آخذ من الإنترنت حلا لأسئلة الكتب الدراسية، فهل هذا محرَّم، مع أن المعلِّمة تعلَم بهذا؟.

4- ماحكم متابعة الرسوم المتحركة بدون موسيقى، ولكن فتيات يلبسن ملابس الرياضة، وهذا في قناة المجد للأطفال؟.

5- ما حكم لبس البرقع مع تغطيته – أي: لا يرى أحد عيني -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا مانع من اتخاذ العرائس، والدمى في بيوت المسلمين، لكنَّ ذلك مقيد بشروط:

  1. أن يكون المتخذ لها من الأطفال من الإناث، ودون سن التمييز.
  2. أن لا تكون على هيئة الحيوان الحقيقي.
  3. أن يكون اتخاذها بقصد اللهو بها، أو التمرن على العناية بالأولاد فيما بعد، ولا يكون اتخاذها بقصد الزينة.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – وقد جمع الشروط السابقة كلها -:

أما بالنسبة للعب الأطفال: فقد رخَّص أهل العلم بترك الصور التي على هيئة لعب للأطفال خاصة، وورد الدليل بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى مع عائشة وهي صغيرة طفلة، رأى عندها شيئًا من هذه الصور وتركه، فلعب الأطفال يسمح، أو يتسامح بها إذا كانت للأطفال خاصة.

على أن الصور التي وردت في الحديث: لا يتبين، أو يتحقق أنها مثل الصور الموجودة الآن، إنما قد تكون صور مركبة من أعواد، أو ما أشبه ذلك، مما كان معروفًا في ذلك الوقت، وإلى وقت قريب، معروفة لعب الأطفال، فقد كانوا يركبون أعوادًا، أو عظامًا، ويجعلون عليها شيئًا من الخِرَق على شكل، أو يقارب مثلًا: شكل اللباس؛ ليتمرن عليها الأطفال، وللهو، والتسلية، وليس فيها محظور، أما هذه الصورة الموجودة الآن التي كأنها تحاكي الأجسام بألوانها، وأشكالها: فهذه التي ينبغي أن تُتلف، وأن لا تبقى حتى ولا مع الأطفال، وإنما يَتخذ الأطفال صورًا مما ذكرنا، الصور التي يركبونها هم من الأعواد، أو ما أشبه ذلك.

” مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 2 / 604 ).

* وسئل – حفظه الله -:

إنَّما هناك من يبيح تناول مثل هذه الأشياء، أو اللهو بها، خاصة بالأطفال؟.

فأجاب:

نعم، مِن العلماء مَن يرى أن إبقاء الصور مع الأطفال لأجل للعب بها: أنه لا بأس به، رُخص فيه، أما أن تقتنى في البيوت، وتجعل في البيوت للزينة، والتذكار، أو ما أشبه ذلك: فهذا حرام بإجماع المسلمين، خصوصًا الصور التي على شكل تماثيل.

” مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 2 / 604، 605 ).

هذا ما يتعلق بالعرائس المصنعة من البلاستيك، أو القماش، والتي تعوِّد الفتاة الصغيرة على أفعال مستقبلها كأم، فتسرح شعر لعبتها، وتكسوها ملابس محتشمة، وغير ذلك مما هو معروف في عالم الأطفال.

وأما ألعاب التلبيس الوارد ذكرها في السؤال: فلها شأن آخر، ولها حكم غير ما ذكرنا، فقد اطلعنا على المواقع التي تقصدها السائلة فوجدنا منكرات بيِّنة، ومعاص ظاهرة، وهذا كفيل بأن يكون محرِّماً للدخول إلى تلك المواقع، واللعب بلعبة التلبيس لتلك العرائس، ومن أسباب قولنا بالمنع والتحريم:

  1. أن هذه الألعاب للبنات ليست تلك الألعاب المستثناة بالشريعة من عموم تحريم الأصنام، بل هي صور لذوات أرواح، سواء كانت مرسومة باليد، أم بالكمبيوتر، والمهم في ذلك أنها من صور ذوات الأرواح المحرم رسمها.
  2. أن تلك الصور فيها فتن عظيمة؛ حيث تظهر صور لفتيات شبه عاريات! ليتم اختيار ملابس مناسبة لهنَّ! ومثل هذه الصور الفاتنة لا يُشك في تحريمها؛ لما فيها من نشر الفساد والمنكر في الأرض، وقد تُعجب البنت بتلك الأجساد، وذلك اللباس الداخلي، فتحاول تقليدهنَّ، مما يسبب مفاسد كثيرة، وليست هي كاللعبة التي تكون تلبسها بيديها، بل هي صورة شائعة، ذائعة، يراها كل من دخل الموقع، وهو منكر يجب إنكاره، وتغييره، لا إقراره، والرضى به.
  3. أن في تلك اللعب والصور تشجيع على الفاحشة، والعلاقات المحرمة؛ حيث يُطلب من اللاعبات اختيار ملابس مناسبة لشباب وفتيات لخروجهم سويّاً للتعارف! أو للتزويج!! وهذا منكر لا يحل تجويزه لما فيه من مفاسد، ففي هذا الفعل إقرار بالعلاقات المحرَّمة بين الشباب والفتيات، وتشجيع لهن على تطبيق مثل الفعل على الواقع العملي، وفيه نزع لحياء البنات اليافعات، وتربيتهن على السوء.

وكل هذا يجعلنا لا نتردد في القول بحرمة الاطلاع على تلك المواقع، وحرمة المشاركة في تلك الألعاب.

 

ثانيًا:

           ” الإنيميلفظة أجنبية ” Anime ” وهي اختصار ” Animation “، وتعني: أفلام الكرتون، والمقصود بالسؤال حكم رسم صور أبطال تلك الرسوم، مثل ” توم ” – وهو القط -، و ” جيري ” – وهو الفأر -، من غير إظهار الرأس، والجواب على ذلك:

رسم الأشياء لا يخلو من أن يكون لذوات الأرواح، كالإنسان، والحيوان، أو لغير ذوات الأرواح، كالأشجار، والأنهار، فإن كان الرسم للثاني: فلا حرج في ذلك، ولو كانت الصورة مكتملة، وأما إن كان الرسم لذوات الأرواح – ويدخل فيه أبطال الرسوم المتحركة – فإن الأصل فيه التحريم، وأما إن كان الرسم لها خاليًا من وجود الرأس: فالظاهر جواز ذلك، لكن ينبغي مراعاة بعض الشروط، وهي:

  1. أن لا يكون ذلك الرسم لأنثى، فلا يجوز رسم أنثى تلبس لباسًا قصيرًا – مثلًا – ثم تكون مقطوعة الرأس! والصواب منع رسم ذوات الأرواح من الإناث، ووجوب طمسها بالكلية.
  2. أن لا يكون الرسم لبدن ” كلب “، أو ” فأر “، أو ” خنزير “؛ لما في ذلك من تعظيمٍ لتلك الحيوانات المحرَّمة، أو النجسة.

 

ثالثًا:

ولا نرى حرجًا عليكِ – وعلى عموم الطلبة والطالبات – من الأخذ من الإنترنت حلول أسئلة الكتب الدراسية، وإن كنَّا نرى أن قيام الطلبة بحل الأسئلة هم بأنفسهم أفضل؛ ليختبروا أنفسهم في فهمهم للمادة، وحتى لا يتكلوا على الحلول الجاهزة التي تقضي على الهمة.

 

رابعًا:

ولا مانع من متابعة الرسوم المتحركة، بشرط أن تكون منضبطة بضوابط الشرع، وقد بينَّا تلك الشروط بتفصيل وافٍ في جواب آخر في الموقع فليراجع.

 

خامسًا:

والنقاب – أو البرقع -مشروع في ديننا بلا شك، وقد تساهلت النساء في الالتزام بشروط لبسه، حتى إن بعض علمائنا المعاصرين منع من لبسه، ولكننا نرى جواز لبسه، لكن بشروط، وقد بينَّاها في جوابين متقدمين فليُراجعا.

 

والله أعلم.