الرئيسية بلوق الصفحة 71

لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟

لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟

السؤال:

مع بالغ احترامي للأئمَّة الفضلاء، إلا أنني أستغرب لماذا قضية ” التمذهب ” الموجودة في هذه الأيام، ألم تكن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، فلماذا الاختلاف إذًا؟ هذا حنفي، وهذا شافعي … الخ، ألم يكن يتبع هؤلاء الأئمة سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم  فمِن أين نشأ الخلاف؟ وهل يجب على المسلم أن يتبع مذهبًا محدَّدًا، أم أنه يكفيه أن يتبع الكتاب، والسنَّة، وكفى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بُعث النبي صلى اله عليه وسلم برسالة الإسلام الخالدة، وقد أُمر المسلمون باتباع ما جاء في كتاب ربهم تعالى، وبما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرتوون من هذين المصدرين، ولم يكونوا بحاجة لعلوم الآلة حتى يفهموا عنه الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم رضي الله عنهم قاموا بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم بمهمة تعليم الناس دينهم، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذا من كان منهم أحفظ كانت فتياه مطابقة للسنَّة، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب، وهكذا كان اختلافهم في الحفظ سببًا في اختلاف الفتيا، ثم إن النص الواحد قد يكون محفوظًا لكلا الصحابيين، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه غير ما فهم الآخر، ويكون النص محتملًا لهذا، وذاك، وكل واحد منهما يجتهد في فهم النص وفق مراد الشرع، والمصيب منهما واحد، وهكذا كان فهم النص من أسباب اختلافهم.

ثم انتشر العلم في الآفاق، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى، ومنهم الأئمة الأربعة، فأضيفت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما سبق، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص، وهو ما اصطلح على تسميته ” أصول الفقه “.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة، منها: أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد يخفى عليه ما علم غيره، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 178 ).

ثانيًا:

وبما سبق يتبين لك – أخي السائل – الحقائق التالية:

  1. أنه ليس في شرع الله ” حنفي “، و ” مالكي “، وغير ذلك من التصنيفات، والتسميات.
  2. أن الأصل في المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن، وما ثبت في السنَّة النبوية.
  3. أن الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب ” رفْع الملام عن الأئمة الأعلام ” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب ” أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك ” للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
  4. أن أئمة الدين ليسوا أربعة فقط، بل هم كُثر، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة الأربعة – وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -.
  5. أولئك الأئمة الأربعة مذهبهم هو اتباع النصوص، وتعظيمها، فمن رضيهم له أئمة: فليرض مذهبهم، وما كان لأحدٍ منهم مذهل البتة، بل كانوا متبعين لنصوص الوحي، ومعظمين لها، ولا عجب إن عرفنا بعد ذلك أنه قد يكون للواحد منهم أكثر من قول في المسألة، وأن من أبرز أسباب ذلك هو وقوفه على دليل لم يكن يعرفه من قبل، أو تبين له بالمناظرة والتدقيق صواب قولٍ لم يكن يتبناه من قبل، أو كان يخطئه.
  6. لم يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، وقد نزههم الله تعالى عن هذا، بل قد ثبت عنهم جميعًا التحذير من هذا الفعل، والوصية بالأخذ من الكتاب والسنَّة.
  7. الناس ليسوا سواء في الاطلاع على نصوص الوحي، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص، لذا رأينا طائفة كبيرة من ” العوام ” قد سلكت مسلك ” التقليد “، وبما أن الشهرة كانت لأولئك الأئمة الأربعة، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم: صرت ترى ذلك المقلد ” حنفيًّا “، أو ” شافعيًّا “، وغالبا ما يكون مذهب أولئك العوام مذهب شيخهم في مدينتهم، أو قريتهم، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله؛ لأنه مأمور بسؤال أهل العلم، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر، وليس له أن يفتي، ولا أن يتعصب لقول شيخه، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به، ولا يسعه غير ذلك.

– هكذا هي أصل المسألة، وهذا هو الحكم الشرعي فيها.

 

والله أعلم.

هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا؟

هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا؟

السؤال:

أرجو توضيح هذه المسألة لي؛ لكثرة ما قرأت فيها لأهل السنَّة، أنا أؤمن – بفضل الله – أن الله لم يكن معطلًا عن الفعل في أي وقت، ولكن الذي اختلط عليَّ عند قراءتي في ” العقيدة الطحاوية ” للشيخ صالح آل الشيخ أنه قال: إنه لا بدَّ من وجود مخلوقات تعبد الله.

ما أريده هو: هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا، أي: أنه يجب وجود أي مخلوق ليثبت الكمال لله، أي أثر الصفة لا بد أن يوجد لنثبت الكمال لله؟.

وأيضًا: للشيخ ابن عثيمين قرأت هذا في ” العقيدة السفارينية ” أنه يلزم وجود المفعول ما دام صفة الفعل أزلية.

الخلاصة: إذا افترضنا أن الله لم يخلق أي شيء، لا عالمنا، ولا أي مخلوقات أخرى، مع قدرته على الخلق، هل هذا يعدُّ نقصًا؟.

مع رجائي توضيح: هل هناك دليل على وجود مخلوقات قبل عالمنا أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 2):

المسألة الأولى:

أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله? بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب? سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:

المذهب الأول:

هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه? لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.

وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله? مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.

فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.

فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمًَا، فلما خَلَقَ سامِعًا لكلامه، خَلَقَ كلاما – عند المعتزلة والجهمية – فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.

كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 3).

 المذهب الثاني:

هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب? كان مُتَّصِفَا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنًا طويلا طَويلا مُعَطَّلًا عن الأفعال?.

له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئًا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.

فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله ? وخَلَقَ ? هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.

فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.

وقالوا هذا فِرارًا من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب?.

المذهب الثالث:

هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب ? أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته ( قديمة، يعني هو أوَّلٌ ( بصفاته.

وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته).

وأنّ صفات الرب? لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.

والرب? له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد (

فما أراده كونًا لابد أن يكون.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعًا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 4).

 

 

فجنس مخلوقات الله? أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله? وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته?.

فإنَّ أسماء الرب? وإنّ صفات الرب? لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.

فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ?فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ?1، فما أراده سبحانه كان.

وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا).

وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب?.

وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.

يعني أنَّ الله? كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب?، وهذا نسبة النقص لله? لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله ( كمالاته بصفاته.

أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضاً فيه وصف الرب? بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.

ومعلوم أَنَّ هذا العالم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريبًا.

فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال? (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)2?.

فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله? لا يَحُدُُّه زمان، فهو أول? ليس قبله شيء.

وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.

إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 5).

وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.

ولهذا نقول إن قول الأشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفًا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئًا إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زمانًا مطلقًا طويلًا طويلًا جدًا ولم يكن الرب? فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.

ولا بد أنَّ الله? له? من يعبده? من خلقه، ولا بد أن يكون له? مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.

بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.

وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله? يعلمها.

وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.

المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ?، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب? بكونه مُعَطَّلًا عن صفاته أو بكونه? مُعَطَّلَا أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.

 

إجابة أخرى:

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عقيدة أهل السنَّة والجماعة: أن الله تعالى له صفات الكمال سبحانه، أو الصفات العليا، أو المثل الأعلى، وكل هذه الألفاظ لأهل السنة، مردُّها أن الله له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.

ثانيًا:

ومن كمال الله المثبت له: أن يكون متصفًا بصفاته أزلًا، وأبدًا, ولتوضيح ذلك نقول:

” صفة الكلام “،  الله تعالى متصف بها, ولم يأت عليه وقت لم يتصف بها، على عكس  المخلوق الذي لم يكن قادرًا على الكلام – مثلًا – منذ ولادته، حتى تعلَّم بعد ذلك، فاستطاع الكلام.

وهذا ينسحب على سائر صفات الله تعالى كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ” وكما كان بصفاته أزليًّا: كذلك لا يزال عليها أبديًّا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق, ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري “. ” شرح الطحاوية ”  ( ص 131 ).

* وقال الإمام أحمد رحمه الله : بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق. انظر ” درء التعارض ” لابن تيمية ( 1 / 275 ).

* قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بـ ” الحُجة على تارك المحجة ” ( 1 / 301 ):

وكذلك قول من قال: ” إن الخالق لا يسمَّى خالقًا، والرازق لا يسمَّى رازقًا، حتى يَخلُق، ويَرزق، ويَحصل منه الخلق، والرزق “!!, وقالوا: ” إنما قلنا هذا لأن العقل، والمشاهدة ينكران أن يتسمَّى أحدٌ بأنه فاعل، أو يتحلى بالفعل، إذا خلا عن الفعل في الحال, وإذا صح هذا: صحَّ أن الله لا يتصف بالخالق، والرازق، ما لم يخلق، ويرزق “!! فيقيسون الخالق بالمخلوق، ويشبهونه به …. انتهى.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومعلومٌ عند مَن يعلم الكتاب، والسنَّة، وأقوال سلف الأمة، وأئمتها: أنه ليس في الكتاب، ولا السنَّة شيءٌ يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكناً له في الأزل، أو لم يكن الفعل، والكلام ممكنًا له في الأزل، أو أنه لم يزل معطلاًّ عن الفعل، أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلًا، ثم إنه صار قادرًا، فاعلًا، متكلمًا بعد أن لم يكن كذلك.

” الصفدية ” ( 2 / 163 ).

ثالثًا:

وقد قال أهل السنة: ” إن مِن صفات الكمال لله: دوام الفاعلية، كما قال الدارمي: ” الحي هو الفعَّال “. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).

ودوام الفاعلية يدل على دوام الفعل لله سبحانه وتعالى، ويلزم من دوام الفعل دوام المفعول.

* قال ابن أبي العز الحنفي: وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فإن كل حيٍّ فعَّال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: ” الحيُّ: الفعال “، وقال عثمان بن سعيد: ” كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله، من الكلام، والإرادة، والفعل.

ثم قال:

فإنه إذا لم يزل حيّاً قادرًا مريدًا متكلمًا – وذلك من لوازم ذاته -: فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل, ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه؛ فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).

رابعًا:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لم يقل أحد من سلف الأمة ولا أئمتها إن هذه السموات والأرض خلقتا وحدثتا من غير أن يتقدمها مخلوق, وهذا وإن كان يظنه طائفة من أهل الكلام، أو يستدلون عليه: فهذا قول باطل؛ فإن الله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء …. ” بيان تلبيس الجهمية ”  ( 1 / 459 ).

* وقال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:

وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ هَذَا الْعَالَمِ مَا هُوَ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) هود/ 7، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ – ( 3019 ) – وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ [ أَوَّلِ ] هَذَا الْأَمْر، فَقَالَ: ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ )، وَفِي رِوَايَةٍ: ( وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ )، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وَفِي لَفْظٍ: ( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ).

فَقَوْلُهُ: ( كَتَبَ فِي الذِّكْرِ ): يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ،، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) الأنبياء/ 105، يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الذِّكْرِ ذِكْرًا، كَمَا يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الْكِتَابِ كِتَابًا.

وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ دَائِمًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ إِحْدَاثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ، فَجِنْسُهَا وَأَعْيَانُهَا مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، وَأَنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ حَادِثٌ لَا فِي زَمَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الْأَزَلِ إِلَى حِينِ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ ولا كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمُرَادُ إِخْبَارُهُ عَنْ مَبْدَأ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ(2653) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». فَأَخْبَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَّ عَرْشَ الرَّبِّ – تَعَالَى – كَانَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ.

دَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْيَمَنِ”جِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ”، [ هُوَ ] إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مَشْهُودٍ مَوْجُودٍ، وَالْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ، أَيِ الَّذِي كَوَّنَهُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ بَدْءِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْجُودِ، لَا عَنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَالَ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ عَنْ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»، وَقَدْ رُوِيَ (مَعَهُ)، وَرُوِيَ (غَيْرَهُ)، وَالْمَجْلِسُ كَانَ وَاحِدًا، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَالَ أَحَدَ الْأَلْفَاظِ وَالْآخَرَانِ رُوِيَا بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُ الْقَبْلِ ثبتَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَفِي صحيح مُسْلِمٍ (2713)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ»، الْحَدِيثَ. وَاللَّفْظَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ بِلَفْظِ الْقَبْلِ، كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِابْتِدَاءِ الْحَوَادِثِ، وَلَا لِأَوَّلِ مَخْلُوقٍ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالُ: «”كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ”أَوْ”مَعَهُ”أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». فَأَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْوَاوِ، «وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» رُوِيَ بِالْوَاوِ وَبِثُمَّ، فَظَهَرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، لَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِمَا، وَذَكَرَ مَا قَبْلَهُمَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِابْتِدَاءِ خَلْقِهِ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا وَهَذَا، فَلَا يُجْزَمُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِذَا رَجَحَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرِدْ «كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ» مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى السِّيَاقِ الْمَذْكُور، ولَا يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ – تَعَالَى – دَائِمًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «”كَانَ اللَّهُ وَلم يكن شَيْءٌ قَبْلَهُ”، أَوْ”مَعَهُ”، أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لَا مَخْلُوقَ مَعَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» يَرُدُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ وَهِيَ: «كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» إِمَّا حَالِيَّةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ. شرح الطحاوية (56).

خامسا:

ما دام أن استناد هذه الحوادث إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك.

* كما قال الشنقيطي رحمه الله في كتابه “رحلة الحج إلى بيت الله الحرام”  ص51:

أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء؛ فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ؛ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزًا عن الإيجاد سبحانه وتعالى عن ذلك. وإيضاح المقام أنك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات؛ فإنك إن قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا:  ليس هناك أولى البتة، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى؛ فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات, وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء؛ فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعًا من الفعل قبل ابتداء الفعل، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له, وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء؛  فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل سبحانه وتعالى عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه,  وكل فرد منها كائنًا ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له, وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى.

فالملخص:  من لازم اتصاف الله  بالكمال دوام اتصافه بصفاته أزلا وأبدا ودوام الفاعلية له سبحانه والتي يلزم منها دوام الفعل, وما دام استناد حوادث لا أول لها إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك, ولم يقل أحد من أهل السنة أنه لم يتقدم السماوات والأرض خلق.

 

والله أعلم.

” عاشوراء ” في الإسلام والأديان السابقة، ورد على الروافض في زعمهم أنه بدعة أموية

” عاشوراء ” في الإسلام والأديان السابقة، ورد على الروافض في زعمهم أنه بدعة أموية

السؤال:

هل يوم عاشوراء الذي نصومه ليس اليوم الصحيح؟ لأنني قرأت أن اليوم الصحيح هو اليوم العاشر من شهر تشري حسب التقويم العبراني، وأن خلفاء بني أمية هم من غيَّروه إلى اليوم العاشر من شهر محرم – شهر تشري هو الشهر الأول حسب تقويم اليهود -.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. صيام عاشوراء الذي نصومه في العاشر من شهر محرَّم هو اليوم الذي نجَّى الله تعالى فيه موسى عليه السلام، وهو اليوم الذي كان قد صامه طائفة من يهود في المدينة لأجل ذلك، وهو اليوم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصومه أولَ الأمر، ثم نُسخ الوجوب بفرض صيام رمضان، وصار صيام عاشوراء على الاستحباب.

ودعوى أن بعض خلفاء بني أمية هم الذين جعلوه في محرَّم: دعوى رافضية، وهي جزء من سلسلة أكاذيبهم، التي بنوا عليها دينهم، وجزء من عقدتهم في نسبة كل شرٍّ لخلفاء بني أمية، ولعصرهم، ولو أراد الأمويون وضع الأحاديث المكذوبة، ونسبتها للشرع المطهر: لوضعوا أحاديث في أن يكون يوم عاشوراء عيدًا! وليس يوم صيام، يَمنع الإنسان نفسه عن الأكل، والشرب، والجماع، فالصيام عبادة إمساك عن مباحات، والعيد للفرح في تناولها وفعلها.

 

  1. لا شك ولا ريب أن مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرًا كان في ربيع أول، ولم يكن في محرَّم ، وقد رأى طائفة من اليهود يصومون، ولما سألهم عن صيامهم هذا قالوا: إنه يومٌ نجَّى الله فيها موسى ومن معه من الغرق، فنحن نصومه شكرًا لله.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ: ( أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ). رواه البخاري ( 3216 ).

 

 

 

فهل كانت هذه الرؤية لليهود أول قدومه المدينة في ربيع أول أم بعدها في شهر ” محرَّم “؟.

قولان لأهل العلم، والراجح: أن تلك الرؤية، وذلك الحوار، وهذا الأمر بالصيام: كان في شهر الله المحرَّم، أي: في العام الثاني من مقدمه صلى الله عليه وسلم، ويكون اعتماد اليهود – على هذا – على الأشهر القمرية في الحساب.

* قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله -:

وقد استشكل بعضُ الناس هذا، وقال: إنما قَدِمَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ في شهر ربيع الأول، فكيف يقولُ ابن عباس: إنه قدم المدينة، فوجد اليهود صُيَّامًا يومَ عاشوراء؟.

* وقال – رحمه الله -:

أما الإشكالُ الأول: وهو أنَّه لما قَدِمَ المدينة وجدهم يصُومون يومَ عاشوراء: فليس فيه أن يومَ قدومِه وجدَهم يصومُونه، فإنه إنما قَدِمَ يومَ الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حسابُ أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 66 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد استُشكل ظاهر الخبر؛ لاقتضائه أنه صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صيَّامًا يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ” ربيع الأول “، والجواب عن ذلك: أن المراد: أن أول علمه بذلك، وسؤاله عنه: كان بعد أن قدم المدينة، لا أنه قبل أن يقدمها علمَ ذلك، وغايته: أن في الكلام حذفاً تقديره: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صيَّامًا.

” فتح الباري ” ( 4 / 247 ).

 

  1. وهل كان حساب اليهود لصومهم ذاك بالأشهر القمرية، أم بالشمسية؟.

أما إن قلنا كان حسابهم بالقمرية – كما سبق -: فلا إشكال، حيث العاشر من محرَّم لا يتغير كل عام، وأما مع القول بأن الحساب كان بالشمسية: فيكون ثمة إشكال؛ حيث أن هذا اليوم سيتغير كل عام، ولن يكون دائم الثبوت في يوم العاشر من محرَّم.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ذلك الخلاف، وبيَّن أنه على القول بأن حسابهم كان بالأشهر الشمسية: فتكون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لليهود يصومون ذلك اليوم: هو في ربيع أول، أول مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة، ويكون حسابهم بالشمسي موافقًا لذلك المقدم، وأما حقيقة اليوم الذي نجى الله فيه موسى فهو العاشر من محرَّم، لكن ضبطهم لهم بالشمسي جعلهم يخطؤون في تعيينه.

* قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله -:

وإن كان بالشمسية: زال الإشكالُ بالكلية، ويكونُ اليومُ الذى نجَّى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرَّم، فضبطه أهلُ الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مقدَم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة في ربيع الأول، وصومُ أهلِ الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصومُ المسلمين إنما هو بالشَّهر الهلالي، وكذلك حَجُّهم، وجميع ما تُعتبر له الأشهر من واجب، أو مُستحَبٍّ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم )، فظهر حكمُ هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم، وفي تعيينه، وهم أخطؤوا تعيينه؛ لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلِف فيه الأشهر.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 69 ، 70 ).

والذي يظهر لنا: أن هذا القول خطأ، وأن حساب اليهود كان على حسب الأشهر القمرية، وأن صيامهم للعاشر من محرَّم: كان متكررًا كل عام في اليوم نفسه، وقد ظلوا على هذا الصيام في ذلك اليوم بعينه حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يهم بمخالفتهم قبل وفاته بعام، وذلك بصيام اليوم التاسع مع العاشر، ولو كانت حساباتهم بالأشهر الشمسية: لكان اليوم متغيرًا من عام لآخر، ولما كان  ثمة وجه لصيام اليوم التاسع مخالفة لهم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن اليوم أي يوم هو، بل سأل عن سبب صيامهم.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا التأويل احتمالًا، وردَّ عليه، وردَّ على ابن القيم ترجيحه له.

* قال – رحمه الله -:

ويُحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين، وأحقيتهم بموسى عليه الصلاة والسلام؛ لإضلالهم اليوم المذكور، وهداية الله للمسلمين له، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.

” فتح الباري ” ( 4 / 247 ).

* وقال – رحمه الله -:

قال بعض المتأخرين: يُحتمل أن يكون صيامهم كان على حساب الأشهر الشمسية، فلا يمتنع أن يقع عاشوراء في ربيع الأول، ويرتفع الاشكال بالكلية، هكذا قرره ابن القيم في ” الهدي “، قال: ” وصيام أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس “، قلت: وما ادَّعاه من رفع الإشكال عجيب؛ لأنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أن يصوموا عاشوراء بالحساب، والمعروف من حال المسلمين في كل عصر في صيام عاشوراء: أنه في ” المحرَّم “، لا في غيره من الشهور، نعم وجدت في ” الطبراني ” بإسناد جيد عن زيد بن ثابت قال: ” ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة – أي : نلعب بالسيوف ونحوها من آلات الحرب -، وكان يدور في السنَة! وكان الناس يأتون فلاناً اليهودي يسألونه فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه “.

فعلى هذا: فطريق الجمع أن تقول: كان الأصل فيه ذلك، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء: ردَّه إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأهلة، فأخذ أهل الإسلام بذلك، لكن في الذي ادعاه أن أهل الكتاب يبنون صومهم على حساب الشمس: نظر؛ فإن اليهود لا يعتبرون في صومهم إلا بالأهلة، هذا الذي شاهدناه منهم، فيحتمل أن يكون فيهم من كان يعتبر الشهور بحساب الشمس، لكن لا وجود له الآن، كما انقرض الذين أخبر الله عنهم أنهم يقولون ” عزير ” ابن الله! تعالى الله عن ذلك. ” فتح الباري ” ( 7 / 276 ).

وما قاله الحافظ ابن حجر هنا صحيح، ولا يمكن أن يكون الأمر عند اليهود على حساب الشمس، وإلا لزم منه انتقال اليوم، وتغيره، في كل عام، وما نقله عن الطبراني من قول زيد بن ثابت فيه كلام من حيث الإسناد، والمتن.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في ” المحرَّم “، بل يُحسب بحساب السنَة الشمسية، كحساب أهل الكتاب، وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديمًا، وحديثًا، وفي ” صحيح مسلم ” عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدُّ من هلال المحرَّم ثم يصبح يوم التاسع صائمًا، وابن أبي الزناد لا يُعتمد على ما ينفرد به،  قد جعل الحديث كلَّه عن زيد بن ثابت، وآخره لا يصلُح أن يكون من قول زيد، فلعله من قول من دونه، والله أعلم. ” لطائف المعارف ” ( ص 53 ).

* وقال علي بن برهان الدين الحلبي – رحمه الله -:

وفي كون إغراق فرعون ، ونجاة موسى، كان يوم قدومه صلى الله عليه وسلم: يَلزم عليه أن ذلك اليوم انتقل من ذلك الشهر إلى اليوم العاشر من المحرم، الذي هو الشهر الهلالي، من السنة الثانية، واستمر كذلك، كما هو ظاهر سياق الأحاديث أن الذي واظب على صيامه إنما هو ذلك اليوم كونه وافق اليهود على صوم ذلك اليوم، ثم خالفهم في السنَة الثانية، وما بعدها: مِن أبعد البعيد.

” السيرة الحلبية ” ( 2 / 362 ).

وهو يؤكد صحة ما قلناه من اعتماد الرأي الأول، وهو في نظرنا هو القاطع، وأن اليهود لم يكونوا يعتمدون الحساب الشمسي، وأن يوم عاشوراء من الشهر القمري هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام، ولم يكن ينتقل عندهم، ولا نبينا ثبته في العاشر من محرم لأجل أنه وافق ذلك اليوم، بل لأنه كذلك، والحساب بالأهلة هو فعل العرب، واليهود، وأما الحساب الشمسي فكان مشتهرًا بين العجم، والنصارى، ويهود المدينة كانوا عربًا، فجمعوا بين سببين للعمل بالأشهر الهلالية\.

* قال القرطبي – رحمه الله – تعليقاً على قوله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } [ التوبة / 36 ] -:

هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. ” تفسير القرطبي ” ( 8 / 133 ).

وكثير من العلماء، والباحثين، يرون أن اليهود يعتمدون في حساب الأشهر بمسير القمر، وفي حساب السنة بمسير الشمس، ومنهم البيروني في كتابه ” الآثار الباقية عن القرون الخالية ” ( ص 475 )، وهو يؤكد ما رجحناه من اعتبارهم بالحساب القمري في أعيادهم، ومناسباتهم الدينية، وهو الذي رآه منهم الحافظ ابن حجر عيانًا.

* وفي فوائد قوله تعالى ( يسئلونك عن الأهلة … ) قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم – وهو الأهلة – فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: ( مواقيت للناس )؛ وأما ما حدث أخيرًا من التوقيت بالأشهر الإفرنجية: فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يومًا، وبعضها ثلاثين يومًا، وبعضها واحدًا وثلاثين يومًا، من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسيَّة يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم، بخلاف الأشهر الهلاليَّة فإن لها علامة حسيَّة يعرفها كل أحدٍ. ” تفسير البقرة ” ( 2 / 371 ).

ومما يدل على كون حساب الأنبياء وأممهم بالحساب القمري ما ثبت عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ) أخرجه أحمد ( 4 / 107 )، والبيهقي في ” السنن ” ( 9 / 188)، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1575 ).

ومن رضي بتحسين الأثر عن زيد بن ثابت: فليس له في تأويله إلا ما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله، من كون الحساب بالشمس عند اليهود أنه كان من جهلتهم، لا منهم جميعا، وأن ذلك قد انتهى وانقرض.

* وفي موضع آخر من ” فتح الباري ” قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على أثر الطبراني:

ظفرتُ بمعناه في كتاب ” الآثار القديمة ” لأبي الريحان البيروني، فذكر ما حاصله: أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم، وأعيادهم، حساب النجوم، فالسنَة عندهم شمسية، لا هلالية، قلت: فمِن ثمَّ احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك. ” فتح الباري ” ( 4 / 247، 248 ).

  1. وثمة فائدة ها هنا تقوي ما سبق: وهو أنه حتى النصارى الذين يعتمدون الحساب الشمسي ليسوا كلهم كذلك، بل وُجد منهم طائفة – كاليهود – تعتمد التقويم الهلالي، وقد اشتركت مع اليهود في صيامها لعاشوراء، وهذا من الدين غير المحرَّف، وقد ثبت مثله كثير، كالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكوجود حكم الرجم، وغير ذلك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ) قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه مسلم ( 1134 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

واستشكل بأن التعليل بنجاة موسى، وغرق فرعون: يختص بموسى، واليهود، وأجيب: باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه، وهو مما لم يُنسخ من شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى؛ لقوله تعالى ( ولأحل لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم )، ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة.

” فتح الباري ” ( 4 / 248 ).

  1. وقد يسأل سائل فيقول: كيف صدَّق النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ في كون يوم عاشوراء هو الذي نجَّى فيه موسى ومن معه؟ وهو ما يسأله الرافضة بخبث ومكر ليتوصلوا به إلى الطعن في أحاديث الترغيب بصيام عاشوراء، ليسلم لهم ادعاؤهم بأن هذا من بدع الأمويين! وقد ردَّ على هذا السؤال أئمة الإسلام ولم يدعوا مجالًا لشياطين الجن أن توسوس به، ولم يبق إلا شياطين الإنس!.

* قال الإمام النووي – رحمه الله -:

ومختصر ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصومه كما تصومه قريش في مكة، ثم قدِم المدينة، فوجد اليهود يصومونه، فصامه أيضًا، بوحي، أو تواتر، أو اجتهاد، لا بمجرد أخبار آحادهم. ” شرح مسلم ” ( 8 / 11 ).

 

 

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقًا لأهل الكتاب: فيكون قوله ( فنحن أحق بموسى منكم ) تأكيدًا لصومه، وبيانًا لليهود أن الذي تفعلونه من موافقة موسى: نحن أيضا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 174 ).

فلو كان ما قالوه زعمًا كاذبًا: لأوحى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بكذبهم، ومن ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يصدقهم في كل يقولونه، ويشرع به الأحكام: فقد ضل ضلالًا بعيدًا.

وننبه هنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، ويدخل في ذلك: صيام عاشوراء.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ. رواه البخاري ( 3728 ).

ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه روى هذا الحديث بعد حديثيْ أبي موسى، وابن عباس رضي الله عنهما في صيام عاشوراء.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وعلى كل حال: فلم يصمْه – صلى الله عليه وسلم – اقتداء بهم – أي: باليهود -؛ فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. ” فتح الباري ” ( 4 / 248 ).

  1. ولا يفوتنا أن نذكر أن يوم ” عاشوراء ” كان معروفًا عند قريش، وعند النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وكانوا يعظمونه، بل كانوا يصومونه، وقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم معهم، وكانوا يكسون فيه الكعبة، فأين الادعاء الباطل أن ” عاشوراء ” بدعة أموية مع كل هذا؟!.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: ( مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ).

رواه البخاري ( 1794 ) ومسلم ( 1125 ) – واللفظ له -.

عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ). روله مسلم ( 1126 ).

وذكرنا حديث ابن عمر ها هنا للرد على الرافضة، ومن تبعهم على جهلهم، من ادعائهم تفرد عائشة رضي الله عنها بذكر صيام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء في مكة.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مثل رواية عائشة، رواه عبيد الله بن عمر، وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في صوم عاشوراء ” صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه “.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 7 / 207 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

والحاصل من مجموع الأحاديث: أن يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريش، وغيرهم، واليهود، يصومونه، وجاء الإسلام بصيامه متأكدًا، ثم بقيَ صومه أخف من ذلك التأكد. ” شرح مسلم ” ( 8 / 9، 10 ).

* وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقول عائشة رضي الله عنها: ( كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية ) : يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية، والقدر، ولعلهم كانوا يستندون في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيم، وإسماعيل، صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج، وغيره، إليهما. ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 3 / 190، 191 ).

* وقال – رحمه الله -:

وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم له يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أنْ حجَّ معهم على ما كانوا يحجُّون – أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج-؛ إذ كل ذلك فعل خيرٍ.

ويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومَه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم )؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه، أي: أوجب صيامه، وأكَّد أمره؛ حتى كانوا يُصوِّمون الصغار، فالتزمه صلى الله عليه وسلم، وألزمه أصحابه، إلى أن فُرض شهرُ رمضان، ونُسخ صومُ يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: ( إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم )، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: ( وأنا صائم)، كما جاء في حديث معاوية.

وعلى هذا: فلم يصم النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء اقتداء باليهود؛ فإنه كان يصوم قبل قدومه عليهم، وقبل علمه بحالهم ، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه استئلافًا لليهود، واستدراجًا لهم، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبُّ فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنه عنه. ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 3 / 191، 192 ).

وفي بيان الأسباب التي من أجلها عظَّمت قريش يوم عاشوراء قال الدكتور جواد علي في كتابه ” المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ” ( 11 / 339، 340) ما نصه:

ويذكر أهل الأخبار أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء، وفي هذا اليوم كانوا يحتفلون، ويعيدون، ويكسون الكعبة، وعللوا ذلك: بأن قريشًا أذنبت ذنباً في الجاهلية، فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم، فقرروا صيام يوم عاشوراء، فصاموه شكرًا لله على رفعه الذنب عنهم.

* وقال:

وقد ذكر العلماء أنه يحتمل أن قريشًا اقتدت بصيامه في الجاهلية بشرع سالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه.

وقال :

وعللوا سبب صيام ” قريش ” هذا اليوم: أنه كان أصابهم قحط ، ثم رفع عنهم، فصاموه شكرًا. انتهى

مع التنبيه على أننا لم نرض كلام صاحب كتاب ” المفصَّل ” في صيام عاشوراء، وتوقيت ذلك عند اليهود بالتقويم الشمسي، ولا كلامه في صيام الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش لعاشوراء في مكة، ولعلنا نقف معه بالنقد والنقض في مناسبة أخرى، وليس هو ولا المستشرقون الذين ينقل عنهم، ولا الرافضة الذين ينطقون بالجهل بأولى لأن نقيم لكلامهم شأنًا ووزنًا مع من كان من أهل ذلك الزمان، وهم الأئمة العدول الأثبات.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ.

رواه البخاري ( 1515 ).

فتبين مما سبق: أن يوم عاشوراء كان معروفًا بعينه، وكان معظمًا عند المشركين، وعند اليهود، وقد اختلف في سبب تعظيمه عند المشركين على أقوال، وأما عند اليهود فلم يُختلف في أنه كان معظَّمًا بسبب نجاة موسى عليه السلام ومن معه فيه، ونحن أحق بالفرح هذا والشكر لله تعالى من اليهود ، فكان صومه أولًا واجبًا، ثم نُسخ بصوم رمضان، فبقي على الاستحباب، ولم يتغير اليوم عن مكانه، فعُلم أن العرب في الجاهلية ، واليهود، كانوا يعتمدون في حساباتهم على الأشهر القمرية.

  1. ومن نازع فيما قلناه، وادعى أن اليهود يستعملون التوقيت الشمسي: فيقال له: لست تستطيع تعميم هذا على كل اليهود، وها هم المسلمون الآن وقد انتشر دينهم في الآفاق كثير منهم يعتمد التوقيت الشمسي، مع وجود الآيات، والأحاديث، والأحكام، التي تعلق دينهم بالتوقيت الهلالي، فكيف يقال في دين تطرق إليه التحريف، والتبديل، وشهد على ذلك رب العالَمين؟، وعليه: فيقال: ثبت في السنَّة أن الذي كان يصوم ذلك اليوم – عاشوراء – من اليهود: طائفة منهم، وجاءت النصوص تبين ذلك، ونصوص أخرى تسميهم أنهم من ” أهل خيبر “.

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَإِذَا أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ ). رواه البخاري ( 3726 ). وفي رواية مسلم أنهم ” أهل خيبر “.

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ، وَشَارَتَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَصُومُوهُ أَنْتُمْ ). رواه مسلم ( 1131 ).

ومعنى ( شارتهم ): أي: يلبسونهن لباسهم الجميل الحسن.

  1. ومنذ السنة الثانية للهجرة والمسلمون يصومون عاشوراء على ما أمرهم به صلى الله عليه وسلم، ثم على ما رغبهم به، وجعل له عظيم الأجر والثواب، وهو تكفير سيئات سنَة، كما رواه أبو قتادة قال: وَسُئِلَ النبي صلَّى الله عَلَيْه وسَلَّم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: ( يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ ) رواه مسلم ( 1162 ).

وعاشوراء عند جميع المسلمين هو في شهر ” محرَّم “، وعند عامَّتهم أنه اليوم العاشر، وعن ابن عباس ما يُفهم منه أنه التاسع منه.

قال النووي – رحمه الله – بعد أن ذكر أن مذهب ابن عباس أن عاشوراء هو اليوم التاسع من محرم -:

وذهب جماهير العلماء من السلف، والخلف: إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من ” المحرَّم “، وممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، واسحاق، وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ.

” شرح مسلم ” ( 8 / 12 ).

وأما ابن قيم الجوزية فلم يرض هذا لابن عباس رضي الله عنه ، وذكر أنه إنما أراد أنه يُصام التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود، وليس أنه صار بدلًا عنه.

 

 

* قال – رحمه الله -:

فمَن تأمل مجموع روايات ابن عباس: تبَّين له زوال الإشكال، وسَعة علم ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: ” صم اليوم التاسع “، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: ( صوموا يومًا قبله ويومًا بعده ) – رواه أحمد، وفيه ضعف -، وهو الذي روى: ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر ) – رواه الترمذي وصححه -.

فمراتب صومه ثلاثة: أكملُها: أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومٌ، ويلى ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثرُ الأحاديث، ويلى ذلك إفرادُ العاشر وحده بالصوم.

وأما إفراد التاسع: فمِن نقص فهم الآثار، وعدمِ تتبع ألفاظها، وطرقها، وهو بعيد من اللغة، والشرع، والله الموفق للصواب.

” زاد المعاد ” ( 75، 76 ).

  1. والمفاجأة التي نختم بها جوابنا هذا: هو أن ما ذكرناه من صحيح السنة في فضل عاشوراء، وأن صيامه يكفر سنة، وأنه يوم ثابت في العاشر من محرم: كل ذلك جاء في كتب الرافضة المعتمدة! فكيف يلتقي هذا مع ادعائهم أن ما عندنا هو إسرائيليات، وأخذ عن اليهود، وافتراء أموي!!؟.
  2. يروى عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أن عليّاً عليهما السلام! قال: ” صوموا العاشوراء – هكذا – التاسع، والعاشر؛ فإنه يكفر ذنوب سنة “.

رواه الطوسي في ” تهذيب الأحكام ” ( 4 / 299 )، و ” الاستبصار ” ( 2 / 134)،  والفيض الكاشاني في ” الوافي ” ( 7 / 13 )، والحر العاملي في ” وسائل الشيعة ” ( 7 / 337 )، والبروجردي في ” جامع أحاديث الشيعة ” ( 9 /474 ، 475 ).

 

  1. وروي عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: ” صام رسول الله صلى عليه وآله يوم عاشوراء “.

” تهذيب الأحكام ” ( 4 / 29 )، و ” الاستبصار ” ( 2 / 134 )، و ” الوافي ” ( 7 / 13  )، و ” وسائل الشيعة ” ( 7 / 337 )، وهو في ” جامع أحاديث الشيعة ” ( 9 / 475 ).

 

 

  1. وروي عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنه قال: ” صيام يوم عاشوراء كفارة سنة”.

“تهذيب الأحكام ” ( 4 / 300 )، و ” الاستبصار ” ( 2 / 134 )، و ” جامع أحاديث الشيعة ” ( 9 / 475 )، وهو في ” الحدائق الناضرة ” ( 13 / 371 )، و ” الوافي ” للكاشاني ( 7 / 13 )، والحر العاملي في ” وسائل الشيعة ” ( 7 / 337 ).

  1. وعن علي رضي الله عنه قال: ” صوموا يوم عاشوراء التاسع والعاشر احتياطًا؛ فإنه كفارة السنة التي قبله، وإن لم يعلم به أحدكم حتى يأكل فليتم صومه “.

أخرج هذه الرواية: المحدث الشيعي حسين النوري الطبرسي في ” مستدرك الوسائل ” ( 1 / 594 )، والبروجردي في ” جامع أحاديث الشيعة ” ( 9 / 475 ).

 

  1. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” إذا رأيت هلال المحرم: فاعدد، فإذا أصبحت من تاسعه: فأصبِح صائماً قلت – أي: الراوي: كذلك كان يصوم محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم ” .

أخرج هذه الرواية: الشيعي رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس في كتابه ” إقبال الأعمال ” ( ص 554 )، والحر العاملي في ” وسائل الشيعة ” ( 7 / 347  )، والنوري الطبرسي في ” مستدرك الوسائل ” ( 1 / 594)، و ” جامع أحاديث الشيعة ” ( 9 / 475 ).

 

استفدنا هذه الروايات بتخريجاتها من كتاب  ” من قتل الحسين رضي الله عنه؟ ” تأليف: عبد الله بن عبد العزيز.

 

والله أعلم.

 

 

حقيقة قصة ” هاروت وماروت “

حقيقة قصة ” هاروت وماروت “

السؤال:

من هما هاروت وماروت? هل هما بشر أم ملكان؟ وإن كانا ملكين هل هما معصومان بالرغم من تعليم السحر للناس?.

 

الجواب:

الحمد لله

ورد ذِكر اسمي ” هاروت وماروت ” في القرآن الكريم في موضع واحد فقط، وبتأمل هذا الموضع يعرف المرء الحقائق التالية:

  1. أنهما من الملائكة، لا من البشر.
  2. أنهما مرسَلان من الله؛ تعليمًا لأناس شيئًا يقيهم من الشر، لا أنها معاقبان على ذنب.

وعليه: فمن ادَّعى أنهما من البشر، أو أنهما ملائكة وقعوا في معصية فمسخهما الله تعالى: فقد خالف نصوص الوحي، واعتقد بما في كتب بني إسرائيل، بغير حجة بيِّنة.

قال تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 102.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وكذلك اتبع اليهودُ السحرَ الذي أُنزل على الملَكين، الكائنين بأرض ” بابل “، من أرض العراق، أنزل عليهما السحر؛ امتحانًا، وابتلاءً من الله لعباده، فيعلمانهم السحر.

( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى ) ينصحاه، و ( يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس، والإضلال، ونسبته، وترويجه، إلى مَن برَّأه الله منه، وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانًا مع نصحهما: لئلا يكون لهم حجة.

فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلِّمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين، وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه.

ثم ذكر مفاسد السحر فقال: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )، وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدَري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي، كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ( فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ).

وفي هذه الآية وما أشبهها: أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير: فإنها تابعة للقضاء، والقدر، ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل مِن فِرَق الأمَّة غير ” القدرية ” في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله، وسنَّة رسوله، وإجماع الصحابة، والتابعين.

ثم ذكر أن علم السحر: مضرة محضة، ليس فيه منفعة، لا دينية، ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة، أو خيرها أكثر من شرها.

( وَلَقَدْ عَلِمُوا ) أي: اليهود، (  لَمَنِ اشْتَرَاهُ ) أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة: ( مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلًا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) علمًا يثمر العمل: ما فعلوه.

” تفسير السعدي ” ( ص 61 ) .

وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملَكين : فهو من الإسرائيليات ، المخالفة لشرع الله تعالى ، والذي ثبت فيه عصمة الملائكة ، وعدم وجود شهوة فيهم ، فهم خلق من نور ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يُؤمرون .

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد روي في قصة ” هاروت وماروت ” عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين، والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن: إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 360 ).

والله أعلم.

الرد على من قسَّم البدعة إلى أقسام التكليف الخمسة، وفوائد في معنى ” البدعة “

الرد على من قسَّم البدعة إلى أقسام التكليف الخمسة، وفوائد في معنى ” البدعة ”

السؤال:

أرجو النظر في الآتي، وهو على شكل جدل بين من يقولون إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، ومن يقولون إنه ليس بدعة، فمن يقولون إنه بدعة يستدلون على ذلك بأنه  لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن على عهد الصحابة، أو أحد من التابعين، والطرف الآخر يرد ويقول: من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين، فعلى سبيل المثال نحن لدينا اليوم ما يسمَّى بـ ” علم الرجال ” و ” الجرح والتعديل “، وغيرها، ولم يُنكر ذلك أحد إذ أن الأصل في الإنكار أن تكون البدعة المحدثة ما خالفت أصلًا، أما الاحتفال بالمولد أين الأصل الذي خولف، والكثير من الخلافات التي تدور حول هذا الموضوع؟ كما أنهم يحتجون بأن ابن كثير رحمه الله أقرّ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فما الحكم الراجح في هذه المسألة مدعما بالدليل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليُعلم أولًا أن العلماء مختلفون في تحديد تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، فابن عبد البر رحمه الله يرى أنه صلى الله عليه وسلم وُلد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وابن حزم رحمه الله يرجح أنه لثمانٍ خلون منه، وقيل: لعشرٍ خلون منه، كما يقوله أبو جعفر الباقر، وقيل: لثنتي عشر منه، كما يقوله ابن إسحاق، وقيل: وُلد في شهر رمضان، كما نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكَّار.

انظر ” السيرة النبوية ” لابن كثير ( ص 199 ، 200 ).

ويكفي هذا الخلاف بين العلماء لنعلم أنه لم يكن المحبُّون للنبي صلى الله عليه وسلم من سلف هذه الأمة يجزمون بيوم ولادته، فضلًا عن احتفالهم فيه، وجماهير المحتفلين بميلاده يحتفلون بيوم الثاني عشر من ربيع الأول على أنه يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والذي لا شك فيه: أنه كان يوم وفاته! على الجزم، وأن يوم ميلاده مختلف فيه، كما سبق، فمن احتفل بميلاده فإنما هو متبع للباطنية من ” العبيدية ” – الذين سموا أنفسهم ” الفاطمية ” -، ومخالف لأهل خير القرون، المتبعين لسنته صلى الله عليه وسلم.

 

 

* قال الشيخ علي محفوظ – رحمه الله -:

أول من أحدثها بالقاهرة: الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي رضي الله عنه، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت الموالد على رسومها، إلى أن أبطلها ” الأفضل أمير الجيوش “، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة ” إربل “: الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه شياطين الإنس والجن. ” الإبداع في مضار الابتداع ” ( ص 251 ).

 

ثانيًا:

وأما ما جاء في السؤال من قولٍ لبعض من يرى الاحتفال بالمولد النبوي من قوله: ” من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين “: فهو يدل على جهل عظيم بالسنَّة، وخلل كبير في فهم ” البدعة “؛ فما ذكره ذلك القائل هو الضابط فيما يُفعل مما يُتقرب فيه إلى الله تعالى من طاعات، وعبادات، سواء وُجد أصلها في الشرع فاخترع لها سبب، أو زمان، أو مكان، أو كم، أو كيف، أو جنس، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الإضافية “، أو لم يوجد لها أصل، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الأصلية “، ومثال الاحتفال بالمولد النبوي مثال صالح على هذا القسم.

وذلك القائل قد خلط بين ” البدعة الشرعية ” و ” البدعة اللغوية “، فلا يُشترط في أمور الدنيا أن لا نفعله إلا إن فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل هو مما امتن الله علينا به، خلقًا، وإيجادًا، وإباحة لفعله، والتمتع به، بخلاف ما هو متعلق بالدِّين من أفعال، فليس لنا أن نفعله إن لم يكن له مثال سابق، وهذه البدعة هي المنصوص على ذمها، بخلاف تلك الأخرى.

* قال ابن حجر العسقلاني – رحمه الله -:

فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدثة، والأمر المحدث. ” فتح الباري ” ( 13 / 253 ).

 

 

* وقال – أيضًا -:

وأما ” البِدَع “: فهو جمع بدعة، وهي كل شيء ليس له مثال تقدّم، فيشمل لغةً ما يُحْمد، ويذمّ, ويختص في عُرفِ أهل الشرع بما يُذمّ، وإن وردت في المحمود: فعلى معناها اللغوي. ” فتح الباري ” ( 13 / 340 ).

وبه يُعلم: أن من قسَّم البدعة إلى واجبة، ومكروهة، ومحرمة، ومندوبة، ومباحة: فإنما قسَّمها على معناها اللغوي، وإلا فكيف يستقيم الوجوب مع البدعة؟! وأول من يُعلم أنه قسَّمها إلى الأحكام التكليفية الخمسة هو العز بن عبد السلام، وقد انتُقد هذا التقسيم؛ لما فيه من مخالفة للسنَّة من جعل البدعة مذمومة كلها، وذاك التقسيم يجعل منها ما هو مأمور بها، أو مندوب لفعلها، ولما في التقسيم من إحداث خلل عند الناس في فهم البدعة، وها هو مثال صالح لهذا، وهو ما نقله الأخ السائل عن ذلك القائل، والذي أدخل البدعة اللغوية في الشرعية.

* وقد ردَّ الشاطبي رحمه الله على القرافي الذي نقل تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة عن العز بن عبد السلام، وتبنى ذلك، فقال:

والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترَع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة: أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندب، أو إباحة: لمَا كان ثمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بين عدِّ تلك الأشياء بدَعًا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها: جمعٌ بين متنافيين  .

أما المكروه منها، والمحرم: فمسلَّم من جهة كونها بدعًا، لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر، أو كراهته: لم يُثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم، حسبما يذكر في بابه.

فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع: صحيح، وما قسَّمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف، ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخَه – أي: ابن عبد السلام – من غير تأمل.

 

 

– ثم ذكر عذر العز بن عبد السلام رحمه الله في ذلك التقسيم، وأنه سمى ” المصالح المرسلة ” بدَعًا، ثم قال -:

أما القرافي: فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس؛ لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم، فصار مخالفًا للإجماع. ” الاعتصام ” ( ص 152 ، 153 ) وننصح بالرجوع للكتاب ، فقد أبلغ في الرد، وأجاد ، رحمه الله.

وما ذكره القائل مما جاء في السؤال: قد عدَّه العز بن عبد السلام رحمه الله من ” البدع الواجبة “! وهو ما يعني أنه جاء الأمر به في النصَّ الشرعي، أو في قواعده، وهو ما لا ينطبق على تعريف البدعة في الشرع، بل ينطبق على تعريفها في اللغة.

* قال العز بن عبد السلام – رحمه الله -:

وللبدع الواجبة أمثلة:

أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب، والسنَّة من اللغة.

المثال الثالث: تدوين أصول الفقه.

المثال الرابع: الكلام في الجرح، والتعديل، لتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على القدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه

” قواعد الأحكام في مصالح الأنام ” ( 2 / 173 ).

وهذه ” المصالح المرسلة ” التي سمَّاها العز بن عبد السلام بدَعًا: ليس شرطًا أن يفعلها السلف حتى يفعلها مَن بعدهم، ومَن سمَّى مثل هذا بدعة: فهو إما على معناها اللغوي، أو أنه لا يدري ما البدعة.

* قال الشاطبي – رحمه الله – تعليقاً على ” البدع الواجبة ” تلك -:

وأما ما قاله عز الدين: فالكلام فيه على ما تقدم، فأمثلة الواجب منها مِن قبيل ما لا يتم الواجب إلا به – كما قال -: فلا يشترط أن يكون معمولًا به في السلف، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص؛ لأنه من باب ” المصالح المرسلة “، لا البدع

أما هذا الثاني: فقد تقدم، وأما الأول: لو كان ثمَّ من يسير إلى فريضة الحج طيرانًا في الهواء، أو مشيًا على الماء: لم يعد مبتدعاً بمشيه كذلك؛ لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض، وقد حصل على الكمال، فكذلك هذا .

على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنِّفين في طريقة التصوف، وعدَّها من جملة ما ابتَدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع الناس قبله على خلاف ما قال ….

وهذه كلها لا دليل فيها على الذم؛ لأنه لم يُذمَّ النحو من حيث هو بدعة، بل من حيث ما يُكتسب به أمر زائد، كما يذم سائر علماء السوء لا لأجل علومهم، بل لأجل ما يحدث لهم بالعرَض من الكبْر به، والعُجب، وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة، فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدَعًا: إما على المجاز المحض من حيث لم يحتج إليها أولًا ثم احتيج بعد، أو مِن عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ مِن العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبْر، والزهو، وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذم

” الاعتصام ” ( ص 157، 158 ).

وفي تعليقه على حديث رقم ( 7277 )، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 2، من ” صحيح البخاري ”  قال الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

هذا التقسيم يصح باعتبار البدعة اللغوية، وأما البدعة في الشرع: فكلها ضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة )، ومع هذا العموم لا يجوز أن يقال: من البدع ما هو واجب، أو مستحب، أو مباح، بل البدعة في الدِّين إما محرمة، أو مكروهة، ومن المكروه مما قال عنها إنها بدعة مباحة: تخصيص الصبح، والعصر بالمصافحة بعدهما. انتهى.

 

ثالثًا:

ومما ينبغي فهمه والوقوف عليه: أنه ينبغي النظر في توفر الأسباب، وعدم الموانع، في فعل الشيء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، فمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته من قبَل أصحابه: سببان توفرا زمن الصحابة الكرام لاتخاذ يوم مولده عيداً يحتفلون به فيه، وليس ثمة ما يمنع ذلك من كتاب أو سنَّة، فلما لم يفعلوه: عُلِم أنه لن يكون جائزًا، وهذا مما يستعمل في الرد على مقولة ذلك القائل التي وردت في السؤال.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ما يُحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له – والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع – من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا – مع اختلاف الناس في مولده -: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا: لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منَّا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منَّا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه: في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنَّته، باطنًا، وظاهرًا، ونشر ما بُعث به، والجهاد على ذلك، بالقلب، واليد، واللسان؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.

” اقتضاء الصراط ” ( ص 294، 295 ).

 

ولا نعلم أن ابن كثير رحمه الله قد أجاز الاحتفال بالمولد النبوي، ونحن ننزه عن هذا، وما نقلناه أخيرًا هو قول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولو قال بالجواز: فيرد عليه بما ردَّ به الأئمة على من أجازه.

 

والله أعلم.

 

 

ورثة الغاصبين هل عليهم إرجاع أموال الغصب إلى ورثة أصحاب الحقوق؟

ورثة الغاصبين هل عليهم إرجاع أموال الغصب إلى ورثة أصحاب الحقوق؟

السؤال:

نحن في بلد في ” فلسطين ” المحتلة عام 1967، قبل نحو 150 عامًا- أيام الحكم العثماني – كان بلدنا يقسَّم إلى 3 حارات ، وفي كل حارة حَمولة, حمولة في الشرق، وحمولة في الغرب، وأخرى في الجنوب، وكانت الحمولة الجنوبية قليلة العدد، واستضعفها أهل الحمولة الغربية بحيث إنهم كانوا يَلقوْن منهم أذىً كثيرًا، وكان في المنطقة أناس أغراب من الرحَّل, فذهب إليهم أهل الحمولة الجنوبية، واستعدوهم على أهل الحمولة الغربية، فلبوهم إلى طلبهم، ودارت بين الأغراب الغزاة وأهل الحمولة الغربية معركة طاحنة، نجم عنها هلاك أنفس كثيرة وانتهت المعركة بهزيمة الحمولة الغربية أمام الأغراب الغزاة، واستولى الغزاة الأغراب على أملاك الحمولة الغربية, أراضيهم، وبيوتهم، وكل مالهم، وتملّكوها، وتوارثها الأبناء عن الآباء، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وعند احتلال الإنكليز لأرض فلسطين: تم تسجيل الأرض لملاَّكها الجدد ” أبناء الغزاة “، وصارت إلى ورثتهم من بعدهم، حتى يومنا هذا، وتم خروج أهل الحمولة الغربية من بلدهم، وأقاموا في العراء، على بعد نحو 4 أميال غربي بلدهم، حيث أقاموا لهم بلدًا جديدًا، بقي حتى عام 1948، وعندما احتل اليهود فلسطين: نزح أحفاد الحمولة الغربية عن بلدهم الجديد إلى المنطقة التي أُخرجوا منها في العهد العثماني – حيث دارت المعركة مع الأغراب – وأقاموا في البلد الذي أُخرج منه آباؤهم قبل عشرات السنوات.

السؤال: ما هو وصف يد أحفاد أبناء الغزاة الأغراب على أرض الحمولة الغربية في هذا البلد؟ وماذا عليهم أن يفعلوا في سبيل براء ذمتهم إذا كان يلحقهم إثم بسبب ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما حصل من فتن أدت إلى سفك دماء، واستيلاء على أملاك، هو من الإفساد في الأرض، وأول من يبوء بإثم ذلك كله هو من تسبب في تلك العداوات، وذلك الظلم والقتال، ثم يبوء المشاركون بالآثام التي ترتبت على أفعالهم السيئة، والمعاصي المنكرة، وخاصة إزهاق الأنفس البريئة، وهو من كبائر الذنوب.

 

 

 

 

ثانيًا:

وما حصل من ” الأغراب ” من الاستيلاء على ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” هو من الغصب المحرَّم، والغصب هو: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق، وهو محرَّم بالكتاب، والسنَّة، وإجماع المسلمين.

ثالثًا:

* ومن الأحكام المترتبة على غصب تلك الأراضي والممتلكات:

  1. التوبة الصادقة فيما حصل من الغاصب من تعديه على غيره، واستيلائه على ممتلكاته، وهذا لمن هو على قيد الحياة منهم، ولمن علم بغصب أهله لمال غيرهم، ورضاهم بانتقالها إليهم، وتسجيل الأرض بأسمائهم لا يجعل باطل أهلهم حقًّا.
  2. رد عين المال المغصوب لصاحبه، فإن كان المغصوب باقيًا: رده بحاله, وإن كان تالفًا: رد بدله.

ولذلك: فإن يد الغاصب هي يد ضمان، ومعناه: أن الغاصب يضمن المغصوب إذا تلف.

وعليه: فينظر في ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” عند ورثة ” الأغراب “، فما كان منها باقيًا على ما هو عليه – كأرضٍ، أو عقار -: فيرد لورثة ” الحمولة الجنوبية “، وما كان متلفًا من الغاصبين: فهو على حالين:

أ. أن يكون أتلف من الغاصبين وتركوا وراءهم أموالًا، فيجب على الورثة إخراج قيمة الغصب من ذلك الميراث، ودفعه لورثة ” الحمولة الجنوبية “.

ب. وما كان متلَفاً من الغاصبين، ولم يورثوا وراءهم أموالًا: فلا يلزم ورثتهم دفع قيمة الغصب لورثة من اغتُصب منهم؛ لأن ذمتهم بريئة، وذمة المغتصبين هي المشغولة.

  1. ما يحصل من ورثة الغاصبين من رد الحقوق إلى أهلها لا يعفي أهلهم من إثم الغصب، لكنه يبرؤهم هم من تملك ما ليس لهم تملكه، فالغاصبون ماتوا دون توبة، ودون إرجاع الحقوق إلى أهلها، بل لو ردَّ الغاصب ما غصبه لورثة المغصوب منه: ما كان هذا مسقطًا عنه إثم الغصب؛ لموت صاحب الحق دون مسامحته، والعفو عنه، فأولى أن يكون الإثم لازماً له إن كان ورثته هم من أدَّى الحق لورثة المغتَصب منهم.

* قال البهوتي – رحمه الله -:

ولو ندم غاصبٌ على فعله، وقد مات المغصوب منه، وردَّ ما غصبه على الورثة: برئ من إثمه، أي: المغصوب؛ لوصوله لمستحقه، ولا يبرأ من إثم الغصب؛ لِمَا أدخل على قلب مالكه من أَلَمِ الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو ردَّه – أي: المغصوبَ – ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته: فلمغصوبٍ منه مطالبته، أي: الغاصب بما غصبه منه في الآخرة؛ لأن المظالم لو انتقلت: لما استقر لمظلوم حق في الآخرة؛ ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها بردٍّ، ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم   ”  شرح منتهى الإرادات ” ( 2 / 321 ).

  1. ما ترتب على ممتلكات المغصوب منهم من أرباح – كتأجير عقار، أو زراعة أرض -: فليس هذا الناتج من حق الغاصب، ولا من حق ورثته، وقد اختلف العلماء فيما يكون له فيها من حق، وما يكون للمغصوب منه، وأعدل الأقوال: أن يتقاسما الأرباح بينهما نصفين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إن كان جميع ما بيده أخذه من الناس بغير حق: … ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم …: فهذه الأموال مستحقة لأصحابها، ومن اكتسب بهذه الأموال – بتجارة ونحوها – فقيل: الربح لأرباب الأموال، وقيل: له، إذا اشترى في ذمته، وقيل: بل يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث، وقيل: بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبو موسى الأشعري لابنيه دون العسكر،  وهذا أعدل الأقوال.

” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 328 ، 329 ).

  1. طول مدة الغصب، وتسجيل الممتلكات بأسماء الغاصبين، أو بأسماء ورثتهم: كل ذلك لا يجعل مال الغصب حلالًا لا للغاصبين، ولا لورثتهم، بل يجب إرجاع الحقوق لأهلها، ولو طالت المدة، ولو سجلوا الممتلكات بأسمائهم.

عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا ) .

رواه البخاري ( 2326 ) ومسلم ( 1713 ) .

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: وأما قوله عليه السلام: ( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ): فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به : لا يحل في الباطن حرامًا قد علمه الذي قضى له به وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يُحل لهم ما حرَّم الله عليهم، مثال ذلك: رجل ادَّعى على رجلٍ بدعوى، وأقام عليه بيِّنة زور كاذبة، فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده، وألزم المدَّعى عليه ما شهدوا به: فإنه لا يحل ذلك للمدَّعي إذا علم أنه لا شيء له عنده، وأن بينته كاذبة، إما من جهة تعمد الكذب، أو من جهة الغلط.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 22 / 220 ).

 

والله أعلم.

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

السؤال:

أهلًا، آسفة على الإزعاج، لكني قلقة، زوجي مسلم، وبعد أن تزوجنا: تحولتُ للإسلام؛ لأني أحبه بجنون! وعلى استعداد أن أفديه، ولكني لم أكن أعلم معنى التحول من دين لآخر، وكيف أمارس شعائر دين مختلف، وبعد عدة سنوات: حاولت أن أتكيف مع دينه، لكن لم أكن أشعر بارتياح، فتحولت لديني السابق، وهو المسيحية، أنا أعلم أنني ارتكبت خطأً  كبيرًا، وما كان ينبغي أن أغيِّر ديني بسبب الحب، ولكنني كنت أحب زوجي بشدة ، والآن لي ولد عمره عامان، وزوجي  يريد أن يطلقني؛ لأنني تلاعبت بالأديان، والدين ليس لعبة، كما أن الإسلام لا يقبل المتحولين عنه؟ فأرجو المساعدة هل هذا صحيح؟.

ثانيًا: هل ينبغي أن أطلَّق بسبب ذلك؟ هو يقول: إنه مازال يحبني، وإذا أقر الدين على بقائه معي: فلن يفارقني، لكن هناك بعض الأئمة الذين تحدث معهم وقال: إنه ينبغي أن يطلقني، وأنا أحبه، وهو يحبني، ولدينا ابن – وأنا أعتقد أن أهم شيء في الإسلام هو الأسرة – وأنا لم أقتل، أو أؤذي أحدًا، لكني فعلت خطأً ما كان ينبغي أن أفعله. أرجو المساعدة، فأنا أحبُّه، وشكرًا على مساعدتك.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وأن يهديك لما في صلاح آخرتك، والفرصة التي تيسرت لك للدخول في الإسلام لم تتيسر لكثيرات غيرك، وكان يمكنك اقتناصها لتكوني على الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى دخول الجنة، وهذا الدين الذي ندين به هو دين الأنبياء والرسل جميعًا، ومنهم عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم، فقد كانا موحَّدَيْن لربِّ العالمين، وكانا ملتزمين بما شرعه الله من أحكام، وليس أشرف للمرء من أن يكون عبدًا لرب العالَمين، يلتزم شرعه، ويرجو رحمته وثوابه يوم القيامة.

 

ثانيًا:

واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة، أو ثانيها: لا يُقبل منك إلا أن تكوني صادقة، مخلصة، غير شاكة، ولا مرتابة، بل دخول فيه بقناعة، واعتقاد، راسخيْن أنه الدين الحق، وإلا لم يُقبل منك.

 

 

* واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة من أجل حبك لزوجك: لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، مع الاقتناع التام بهذا الدين، وأنه حق لا ريب فيه.

الثانية: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، من غير اقتناع به، ولا إخلاص، ولا صدق، وإنما فقط لإرضائه، والتقرب منه.

 

وإذا كان الأمر على الحالة الأولى: فدخولك في الإسلام صحيح، وما حصل منك بعد ذلك: فهو ردَّة، وكفر، ويوجب فسخ النكاح بينه وبينك، من غير حاجة لطلاق، وإنما الطلاق لأجل الوثائق والأوراق؛ لعدم اعتراف غالب المحاكم في العالم بالفرق بسبب اختلاف الدين.

وإذا أراد زوجك إرجاعك لعصمته: فلا يستطيع؛ لأنك مرتدة، ولم تعودي كتابية، والطريقة الوحيدة لرجوعك إليه: هي بدخولك الإسلام، بصدق، وافتناع بكونه الدين الحق الذي رضيه الله لخلقه أجمعين.

 

وإن كان الأمر على الحالة الثانية: فاعلمي أنك لم تكوني مسلمة في الأصل؛ لأن دخولك في الإسلام لم تتحقق شروطه، وعليه: فلا يكون ما حصل منك بعد ذلك ردَّة؛ لأنه لم يسبق ذلك إسلام أصلًا.

وعليه – أيضًا -: يكون عقد الزوجية بينكما قائم على ما كان عليه، ولم يتغير؛ لأنه يجوز للمسلم التزوج بكتابية – يهودية، ونصرانية -.

 

وبخصوص تحديد أي الحالين السابقين هو حالك: نرجو من زوجك أن يكون حكمًا على هذا الأمر، وأن يستعين بأهل العلم حوله، مع عرض ما كتبناه هنا عليهم؛ لأن من حكم عليك بالردة لعله لم يتبه لما ذكرناه من احتمال أن يُحكم ببطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وبعده يكون الحكم: هل تبقين زوجة له على اعتبار بطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وأنك لا زلت كتابية، يجوز له إبقاءك زوجة له، أو يكون فسخ للنكاح؛ باعتبار وقوعك في الردة، وهنا: لا يستطيع التزوج بك حتى لو رجعتِ للنصرانية؛ لأن برجوعك عن الإسلام تكونين مرتدة، والمرتد ليس حكمه حكم الكافر الأصلي، بل يختلفان.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وسواء كان الأمر على الحالة الأولى، أو الثانية: فإننا ندعوك بقوة وشفقة إلى الدخول في دين الله تعالى الإسلام، وندعوك للتأمل بشيء غاية في الأهمية، وهو أنك إن رضيت لنفسك أن لا تكوني مسلمة: فلن يكون بينك وبين زوجك لقاء في الآخرة، ولا مع ابنك كذلك؛ لأن اختلاف الدِّين سيفرق بينكم، وبينما يكونا في جنة الله تعالى: تكوني أنت في نار جهنم، وهذه الخسارة، وذلك الشقاء يدعوانك لإعادة النظر في الحال التي أنت عليها، فاجتماعك مع أسرتك في الدنيا سيكون محدودًا بسنين معدودة، وأما النعيم الأخروي فهو أبدي، لا ينقطع.

 

وما أجملها من أوقات، وما أحلاها من سعادة، يوم تكون الأسرة المسلمة مجتمعة في جنة الله تعالى في الآخرة، تتقلب في النعيم، وتسعد بثواب الله الجزيل، فأعيدي النظر في حالك، ولا ترضي لنفسك شقاء الدنيا والآخرة، واجعلي حبَّك لزوجك، وابنك أسبابًا للتأمل في الإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وإننا لنظن فيك خيرًا أنك لن تختاري لنفسك إلا ما هو صواب، وهو إعلان إسلامك، مخلصة من قلبك، صادقة، غير شاكَّة، ولا مرتابة.

 

ونرجو من زوجك أن يعينك على هذا الخير، وأن يأخذ بيدك إلى ما فيه سعادتك، وإننا لنشكر له موقفه مما حصل منك، وتوقفه في إرجاعك، حتى يتضح له الحكم الشرعي، ونوصيه بنفسه، وبابنه، وبك، خيرًا، ونحن ننتظر منكم أخبارًا سارَّة، ونحن على استعداد للإجابة على تساؤلاتكم الشرعية، والاجتماعية.

 

والله أعلم.

 

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

السؤال:

عندما ذهبتْ والدتي إلى الحج: ذهبت لرمي الجمرات، فأخذتْ بعض الحصوات في جيبها، فرمتها، ثم عادت إلى الفندق، وخلعت العباءة التي كانت ترتديها، عندما عادت إلى ” هولندا “: وجدت أنه بقي بعض الحصى في جيب العباءة، فهل عليها من شيء في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا خلاف بين العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمار بسبع حصيات، وأن هذا هو هديه، ولا ريب.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمَى الجمرة بسبع حصيات، من رواية عبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر، وشكُّ الشاكِّ لا يؤثر في جزم الجازم.  ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 5 / 312 ).

وقد اختلف أهل العلم في حكم من أنقص من حصيات الرمي في الحج اختلافًا كثيرًا، وليس في المسألة نص يُرجع إليه ليحسم الخلاف، فأما جمهورهم فقد ذهبوا إلى وجوب استيفاء العدد الثابت في السنَّة، وتساهل آخرون مطلقًا، فقالوا: يكفي التكبير!، وقال آخرون: لو أنقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، وليس عليه شيء، وقال آخرون: إن ذلك في حال لم يكن متعمدًا، واختلفوا فيما يجب عليه مقابل ترك الحصاة، والحصاتين.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 80، 81 ):

مذهب الشافعية والحنابلة أنه يجب الدم على من ترك الرمي كلَّه، أو ترك رمي يوم، أو يومين، أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة.

– وعند الشافعية في الحصاة: يجب مدٌّ واحد، وفي الحصاتين: ضعف ذلك.

– وعند الحنابلة في الحصاة، أو الحصاتين: روايات.

– قال في ” المغني “: الظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه في حصاة، ولا حصاتين.

– وذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك رمي أكثر حصيات يوم أيضا؛ لأن للأكثر حكم الكل، فيلزم فيه الدم، أما إن ترك الأقل من حصيات يوم: فعليه صدقة، لكل حصاة نصف صاع من بُرٍّ، أو صاع من تمر، أو شعير.

– ومذهب المالكية: يلزمه دم في ترك حصاة، أو في ترك الجميع. انتهى.

هذه أقوال العلماء في المسألة، وبخصوص فعل والدتك: فالمرجو أن لا يكون عليها إثم؛ لكونها غير متعمدة لإنقاص الحصيات، ولأحوط لها: مذهب الجمهور، وهو فدية مقابل ذلك الترك لتلك الحصيات ، والأحوط في الفدية : أن تكون ذبح شاةٍ في مكة، ويوزع لحمها على فقرائها، ودليل ذلك: أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” مَن ترك نسكًا، أو نسيه: فليُهرق دمًا ” رواه مالك في ” الموطأ ” ( 905 ) بإسنادٍ صحيح.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فهذا الأثر هو عمدة من أوجب الدم في سائر واجبات الحج، وهو أثر صحيح، وقد روي مرفوعِا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الموقوف أصح، والأقرب: أنه في حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم يبعد أن يقوله ابن عباس من جهة رأيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ( 17 / 397 ).

* وقال – رحمه الله -:

فعلى كل مَن ترك واجبًا، عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، كرمي الجمار، أو المبيت ليالي ” مِنى “، وطواف الوداع، ونحو ذلك: دم، يُذبح في مكة المكرمة، ويقسم على الفقراء، والمجزئ في ذلك هو المجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 16 / 153 ).

 

والله أعلم.

 

 

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

السؤال:

هل يمكن للأحياء سماع أصوات الموتى في قبورهم، سواء كانوا معذّبين، أو منعّمين؟ لأنّه سمع أنّ هذه القدرة هي المرحلة الأولى لكي يصبح الإنسان من الأولياء الصالحين.  والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينتقل الميت بموته إلى عالم ” البرزخ “، وهو عالَم آخر غير الذي قضى عمره فيه، وهذا العالَم الغيبي ليس لأحدٍ أن يثبت فيه شيئًا، أو ينفيه، إلا بدليل من الكتاب والسنَّة .

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تثبت تكلم ” الميت ” وهو محمول على الأكتاف لدفنه، وأيضًا وهو في قبره، وثبت في تلك الأحاديث وغيرها أن الأحياء لا يسعمون ذلك الكلام الذي قاله الميت، أما الموضع الأول فقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم ” الإنس ” من السماع، وأما الموضع الثاني: فقد استثنى “الإنس والجن”.

أ. الموضع الأول:

عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ ). رواه البخاري ( 1314 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله في آخر الحديث ( يسمع صوتها كل شيء ): دال على أن ذلك بلسان القال، لا بلسان الحال. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* وقال العيني – رحمه الله -:

واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان غير الإنسان.

” عمدة القاري ” ( 8 / 114 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني ) تقول ذلك بصوت مسموع، يسمعه كل شيء إلا الإنسان، لا يسمعه، نعمة من الله عز وجل؛ لأننا لو سمعنا ما يقوله الأموات على نعوشهم: لانزعجنا، لكن الله أخفاه عنَّا، لكن تسمعه الدواب، يسمعه كل شيء تقول ” قدموني قدموني “. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 549، 550 ).

ب. الموضع الثاني:

* وهو حديث البراء بن عازب المشهور، وفيه:

فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ مَنْ رَبُّكَ مَا دِينُكَ مَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَوْتَ وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ فَيَقُولُ وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ. رواه أحمد ( 30 / 578 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3 / 219 ).

وفي الفرق بين الموضعين، وعدم الإنس في الأول دون غيرهم، وعدم سماع الإنس والجن في الموضع الثاني غيرهم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – تعليقًا على الحديث الأول -:

وقد استُشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر ( فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعه كل شيء إلا الثقلين ) والجامع بينهما الميت، والصعق، والأول استثنى فيه الإنس فقط، والثاني استثنى فيه الجن، والإنس؛ والجواب: أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق – وهو الفزع – إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب: فإنها غير مألوفة للإنس، والجن، جميعًا؛ لكون سببها عذاب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلف، فاشترك فيه الجن، والإنس. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* ويستُثنى من الإنس في سماع عذاب القبر: النبي صلى الله عليه وسلم.

أ. عن زَيْد بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: ( مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ ) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ ) قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ ، فَقَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ). رواه مسلم ( 2868 ).

ب. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ( يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا ). رواه البخاري ( 1309 ) ومسلم ( 2769 ).

– وجبت الشمس: غربت.

والحديث رواه ابن حبان ( 7 / 394 ) وبوَّب عليه بقوله: ” ذِكر الإخبار بأن المصطفى صلى الله عليه و سلم أسمع أصوات الكفرة حيث عذبت في قبورها “.

وفي عدم سماع الإنسان في كلا الموضعين حكَم جليلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

– قوله: ( إلا الإنسان ): يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحِكَم عظيمة؛ منها:

أولًا: ما أشار إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: ( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن  يسمعكم من عذاب القبر ).

ثانيًا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت

ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذَّب، ويصيح: لم يستقر لهم قرار .

رابعًا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك.

خامسًا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه .

سادسًا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين: لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعًا؛ لكن إذا كان غائباً عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر: صار من باب الإيمان بالغيب .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 482، 483 ).

ثالثاً:

والاتصال الوحيد بين الأحياء والأموات ، والذي يمكن للحي فيه سماع الميت : هو عندما يصير الحي في عالم الأموات ! وذلك بالنوم ، فتتصل روحه بروح الأموات ، ويمكن رؤيتهم وسماع كلامهم .

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

قال ابن القيم رحمه الله : ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه ، فيستخبره ، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر ” ، فهذا هو الذي عليه السلف ، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله ، وتسمع ، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311 ، 312 ).

رابعا:

وأما من يزعم أنه يستطيع سماع الأموات في قبورهم، وأنه يراهم، ويتحدث معهم: فهو يكذب في ذلك، وإنما يرى الشياطين تتمثل له بصورة الأموات، أو تخاطبه بأصواتها، وتلبس عليه، وهو يلبس على الناس.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطابٍ يسمعه، وشخصٍ يراه، وتصرفٍ عجيب، ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن، والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق، وخرج منه الميت، وكلمه، وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء، وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس، ويدَّعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان، ويكون كاذبا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدّا، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر، وعانقه، أو كلمه: هو المقبور، أو النبي، أو الصالح، وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان، ويتبين ذلك بأمور:

أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها: تغيب ذلك الشخص، أو ساخ في الأرض، أو احتجب، ولو كان رجلا صالحا، أو ملَكا، أو جنيّا مؤمنا: لم تضرَّه آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح مِن حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْك مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ ) – رواه البخاري (2311) – معلَّقاً بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533) .

ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.

ومنها: أن يستعيذ بالعوَذ الشرعية؛ فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم، وتريد أن تؤذيهم، وتفسد عبادتهم، كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخا كبيرا قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: تَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَرَعَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ قَالَ مَا أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَنُ قَالَ فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

ومنها: أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.

والمقصود هنا: أنَّ مِن أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة، ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق، وخرج منه شيخ بهيٌّ: عانقه، أو كلَّمه: ظنَّ أن ذلك هو النبي المقبور، أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق؛ وإنما الشيطان مثَّل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق، وأنه خرج منه صورة إنسان، ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان، وأراه أنه خرج من الحائط.

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 168 – 178 ) باختصار.

 

والله أعلم.

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

السؤال:

هناك ورد يسمَّى بـ ” ورد مريم “، تعتقد العائلة أنه عندما تُغمر في الماء، وتوضع بجانب المرأة التي على وشك الولادة: فإنها بمجرد أن تتفتح حتى تساعد المرأة في تسهيل ولادتها! فأنا أظن أن هذه خرافة، وأنها تصرف الشخص عن التوكل على الله، مع أن أختي قالت: إنها جربتْها فنجحت معها، فما هي نصيحتكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

من الواضح أن ما جاء في السؤال هو محض ” خرافة “؛ إذ لا تعلق لتفتح وردة بجانب امرأة حامل على وشك الوضع بتسهيل عملية الولادة.

ولعله حصل لبس عند الأخت السائلة، أو من نقلت عنهم، وأنهم خلطوا بين ” ورد مريم “, و ” كف مريم “، فالأول لا نعلم له وجودًا، والطريقة الواردة في السؤال محض خرافة كما سبق، وأما نبتة ” كف مريم ” فهي التي لها تعلق بالولادة، حيث ثبت أنها تساعد المرأة في ولادتها.

ويعرف نبات ” كف مريم ” علميًّا باسم: ” Anastatica hierochuntica “، وهي تستعمل في علاج ” نزلات البرد ” عند الأطفال عن طريق التبخير، ويُشرب منقوعها لتسهيل عملية الولادة في حال تعسرها.

* قال الدكتور جابر بن سالم القحطاني – وهو من المختصين في الأعشاب -:

” كف مريم ” هو نبات يشبه في شكله الكف المقبوض، ويستعمل عند الشعور بالطلْق، حيث تسحق نصف حبة واحدة، وتنقع في ملء كوب ماء بارد، لمدة 4 ساعات، ثم يصفَّى، ويشرب الماء مرة واحدة فقط، أما اللهوم بشكل عام: فلا أنصح باستخدامه.

جريدة الرياض، الإثنين 28 ربيع الأول 1428هـ، 16 إبريل 2007 م، العدد (14175).

ويُعتقد أن التسمية جاءت من أسطورة تدعي أن مريم عليها السلام كانت تقبض بيدها عليها أثناء ولادتها!.

وهذه صورة النبتة:

http://www.khayma.com/hawaj/HERBPIC2/KFMRYM.JPG

 

والله أعلم.