الرئيسية بلوق الصفحة 72

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

السؤال:

رجل أو امرأة يعملان في الدعوة، ويؤلفان الكتب، هل يجوز له أو لها أن يأخذا ربحًا على الكتب الدينية التي يكتبها – أو تكتبها هي – بعد تغطية كلفة الطباعة، أو أجرًا على إلقاء محاضرة، أو تعليم أحدٍ دينَه؟ وهل ينقص من أجره يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما ما ذُكر من أخذ الأجرة على كتابة الكتب الإسلامية، أو إلقاء المحاضرات النافعة، أو تعليم الدين: فكل ذلك جائز، على القول الصحيح، ويقوى الجواز حيث توجد الحاجة لأخذ ذلك الأجر.

ومن أدلة الجواز:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟! حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 5405 ).

– ومعنى ( مرُّوا بماء ) أي: بقوم نازلين على ماء.

  1. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

رواه البخاري ( 4741 ) ومسلم ( 1425 ).

– ومعنى ( فاعتل له ) حزن وتضجر من أجله، أو: تعلل أنه لم يجده.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم، ومنَعَه جماعة، منهم: الزهري، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) يردان قول مَن منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة. ” شرح مسلم ” ( 9 / 214، 215 ).

وقد ردَّ العلماء على قول الحنفية الذين منعوا من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، وواجب شرعي، والأجر فيه على الله، وأباحوا أخذ الأجر على الرقية.

* قال ابن بطَّال رحمه الله:

وأما قول الطحاوي: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض: فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه؟! وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد: ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك: فضيلة، ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضًا الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقَى، وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة.

وقوله عليه السلام: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم. ” شرح صحيح البخاري ” ( 6 / 405، 406).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تأخذ أجرًا على تعليم القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 96 ).

 

ثانيًا:

ولا شك أن لأخذ الأجرة على التعليم، والكتابة، وإلقاء المحاضرات، أثرًا في حصول الأجل الكامل لثواب تلك الأعمال الجليلة، لكن ننبه أنه ليس كل من لم يأخذ أجرًا على تلك الأعمال أنه سيحصل ثوابها كاملًا يوم القيامة – كما كان عمله رياءً وسُمعة -، وفي المقابل ليس كل من أخذ أجرًا دنيويّا أنه ستضيع عليه أجور الآخرة؛ وذلك إذا أتقن عمله، وقصد بتلك الأجور الدنيوية أنها مقابل تفرغه لتلك الأعمال، لا أنها مقابلها.

 

 

 

والحال أنه يمكن تقسيم المعلمين والمؤلفين والدعاة الذين يأخذون الأجور على أعمالهم تلك، من رواتب، أو مال بيعٍ لتلك الكتب، أو مال يُدفع لهم مقابل إلقاء المحاضرات: يمكن تقسيمهم إلى قسميْن:

  1. أن يقصد أولئك بتلك الأجور والأموال الاستعانة بها على طاعة الله، ويكون قصدهم الأصلي نشر العلم، ورفع الجهل عن الناس، ورفع راية الإسلام في كل مكان، وأما ما يحصل من نفع دنيوي: فهو تبع لا أصل، ولا شك أن أجر هؤلاء ليس كمن فعل تلك الطاعات ولم يأخذ من أجور الدنيا شيئًا، فأجرهم ناقص، ويكمل بحسب قوة النية الأصلية، وضعف التبع.
  2. أن يقصد أولئك بنشر تلك الأعمال الكتابية، والقيام بالأعمال الدعوية، والتعليم: أن يقصدوا بذلك ما يترتب عليها من نفع دنيوي، ابتداءً، وانتهاءً، وليس من مقصودهم نفع الناس، ولا رفع الجهل عنهم، فمقصود هؤلاء الأصلي نفع أنفسهم، غير حريصين انتفع الناس أو لم ينتفعوا.

وقد اختلف العلماء في أثر نية هؤلاء، فقال بعض العلماء ببطلان أعمالهم، وطاعاتهم، وقال آخرون: لا يأثم على نيته، ولكن ليس لهم أجور – قطعًا – في الآخرة، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول الأول.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وجماع هذا: أن المستحب: أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلِّم، أو ليجاهد: فحسن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها )، شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية.

وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق: فهذا من أعمال الدنيا، ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص، ليس هذا موضعها. ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 19، 20 ).

* وقول شيخ الإسلام رحمه الله قول قوي، وهو مؤيد بحديثين:

الأول:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ يَعْلَى ابْنَ مُنْيَةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ فَوَجَدْتُ رَجُلًا فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانِ وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَتُهُ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ فَذَكَرْتُ الدَّنَانِيرَ فَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ: ( مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى ).

رواه أبو داود ( 2527 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

أي: لا يُعطى شيئًا من الغنيمة؛ لأنه اتفق معه على هذا المقدار، وكذلك ليس له شيء في الآخرة؛ لأنه ما جاهد من أجل الله، وإنما خرج من أجل الأجرة.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 439 ) ترقيم الشاملة.

الثاني:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ) فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لِلرَّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ ) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ( لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ ).

رواه أبو داود ( 2516 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله -:

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه ( لاَ أَجْرَ لَهُ  ) وهي محمولة على أنه لم يكن له غرضٌ في الجهاد إلا الدنيا.

” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 17 ).

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

لأن الذي يدفعه للجهاد: هو أن يحصل عَرَضًا دنيويًّا، من غنيمة، أو أجرة، ولعل المقصود من ذلك: أن قصده الدنيا وحدها, ولا يريد إعلاء كلمة الله.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 417 ) ترقيم الشاملة.

 

والله أعلم.

 

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

السؤال:

فقد انتشر بين الناس ماركة عالمية ” مون بلان ” – للتصحيح فالماركة اسمها ” مونت بلانك “، تحمل شكلًا مشابهًا لـ ” نجمة إسرائيل “،  فهل يجوز ارتداء حليهم، أو اقتناء أقلامهم، أو كباكتهم؟ وهل لهذه النجمة ارتباط ديني؟ أرجو توضيح ذلك؛ فقد عم بها البلاء.

وهذا موقع الشركة www.montblanc.com.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– ثمة تنبيهات لا بدَّ منها قبل الإجابة على السؤال، وهي تتعلق بالمصطلحات، وضرورة عدم موافقة اليهود فيما يخالف منها الشرع، والواقع، والتاريخ:

  1. من الخطأ أن نقول: ” نجمة داود “، والصواب: أن نقول: ” النجمة السداسية “؛ لأنه لا يُعرف لداود عليه السلام نجمة، ثم هم يريدون نسبة أنفسهم لنبي من الأنبياء، مع أن الواقع أن الكفرة منهم ملعونون على لسانه عليه السلام، قال تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) المائدة/ 78.
  2. من الخطأ أن ننسب اليهود إلى ” إسرائيل “، فلا يقال ” دولة إسرائيل “، ولا ” شعب إسرائيل “؛ لأن ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام، وهؤلاء الكفرة لا يستحقون شرف النسبة لأي نبي، والأليق بهم تسميتهم ” يهود “، أو يقال ” بنو إسرائيل “.

 

ثانيًا:

وثمة اختلاف في حقيقة تاريخ اتخاذ النجمة شعارًا لليهود، والمسألة فيها أقوال كثيرة، وليس ثمة ما يرجح بعضها على بعض، والذي ظهر لنا أنه لم يكن لها ارتباط ديني من حيث الأصل، أما الآن فقد اختلف الأمر، وصارت شعارًا لهذه العصبة الكافرة، وجزء من علَم تلك الدول اليهودية المحتلة لفلسطين.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” نجمة داود “، ” Star of David “:

وتسمَّى أيضًا ” ترس داود “، وهي الرمز العالمي لليهودية، تظهر نجمة داود في علَم ” دولة إسرائيل “! – وقد نبهنا علىعدم جواز إطلاق هذا اللفظ عليهم – والمعابد اليهودية، وفي الأشياء التي تستخدم عند ممارسة الطقوس الدينية، وفي شعارات مختلف المنظمات.

تتكون النجمة من مثلثين، يتشابكان لتكوين نجمة سداسية، وشكل هذه النجمة معروف منذ القدم، ولكن لا يعرف الباحثون متى اشتهر بوصفه رمزًا لليهودية، ويعتقد أنه ظهر قبل عام 960 ق.م، أما المصطلح اليهودي ” ماغن ديفيد ” الذي يعني ” ترس داود “: فيعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي. انتهى.

ومن أراد الزيادة في معرفة تاريخ ظهور هذه النجمة السداسية: فلينظر كتاب ” موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية ” تأليف الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله.

 

ثالثًا:

ولكون النجمة السداسية الآن صارت شعارًا لتلك العصابة الإجرامية، وجزء من رايتها: فإن المنع من نقشها، ورسمها على الثياب، والساعات، والجدُر، وغيرها : هو المتعيِّن، وهو الذي أفتى به العلماء.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

عن حكم بيع أو شراء أو عرض: ” نجمة إسرائيل “! أو ” الصليب “، أو ما يمت لليهود والنصارى بشيء من شعائرهم؟.

فأجابوا:

لا يجوز عمل هذه المصوغات بما يحمل شعارات الكفر ورموزه، كالصليب، ونجمة إسرائيل، وغيرهما، ولا يجوز بيعها، ولا شراؤها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / – 70 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص ذات العلامة التجارية الوارد ذِكرهافي السؤال: فالذي علمناه أنه لا يُقصد بذلك الشعار ” النجمة السداسية “، وليست الشركة المنتجة شركة يهودية، وإذا عُرفت حقيقة الأمر تبين حكم المسألة.

فاسم الماركة ” مونت بلانك “montblanc  هو اسم ” جبل ” ثلجي في فرنسا، يقع على الحدود الفرنسية الإيطالية، وهو يعد أعلى الجبال الواقعة في ” أوروبا الغربية “، والشركة المنتجة لهذه المصنوعات هي شركة ألمانية، تأسسيت سنة 1906 م، وكان لها اسم غير هذا، وفي عام 1909 تم تغيير الاسم، وفي عام 1913 تم ابتكار هذا الشعار، وقد قصدوا بالشعار قمة ذلك الجبل، وأن مصنوعاتهم تشبه تلك القمة، في بياضها، وعالميتها، وعلو مكانتها، وهذا كله بحسب موقعهم الذي أحالنا عليه الأخ السائل، ونذكر هذا من باب الإنصاف، وعدم الغلو في النظر للمسائل، وننبه هنا إلى أمور:

  1. أن كثيرًا من الناس يزعم في أشكال كثيرة أنها صليب، ومن ثم يحرم صناعتها، أو رسمها، أو شراءها وبيعها وهذا ليس صحيحًا، بل الصليب المأمور بنقضه، والمحرَّم شراء ما نُقش عليه: هو ما كان صليباً في ذاته.

 

  1. بعض منتجات الشركة الوارد ذكرها في السؤال قد تكون محرَّمة باعتبار آخر، إما لذاتها كساعات ذهبية للرجال، أو لاستعمالها، كزينة محرّم على المرأة إظهارها، أو عطور نسائية تضعها يجد الأجانب ريحها.

 

ويمكن لمن أراد الاطلاع على شعار الشركة أن يراه هنا:

http://www.lacotedesmontres.com/mesIMG/imgStd/21807.jpg

 

والله أعلم.

 

 

 

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

السؤال:

هل ما زال باب الاجتهاد مفتوحًا؟ وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجَهد، وهو المشقة، أو الوسع، أو الطاقة.

وأما الاجتهاد عند علماء الفقه، أو الأصول: فقد عرَّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها، ومعانيها، وإذا كان قد أُورد على بعض هذه التعاريف اعتراضات ترجع إلى الصناعة اللفظية، فكلها تدور حول بذل الجَهد، والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي من دليله.

وأدق ما قيل في تعريفه ما ذهب إليه صاحب ” مسلَّم الثبوت ” – وهو: محب الله بن عبد الشكور البهاري -: ” إن الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي “. ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 18، 19 ).

 

ثانيًا:

وفي أوائل القرن السادس انطلقت دعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا يملك أحد أن يغلق باب الاجتهاد، وليس ذلك من حق أحد حتى يغلقه، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد هي ” اجتهاد ” أصلًا! فهي دعوى متناقضة، إذ كيف لهذا المدَّعي أن يجتهد في إغلاقه، ثم يمنع غيره منه؟!.

 

ثالثًا:

ولا تزال الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون في الأرض لمعرفة حكم الله تعالى فيها، ولا يتم ذلك إلا بالاجتهاد في النظر في الأدلة الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لها.

ومَن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم الحاجة إليه، وأنه ” لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا “: يُرد عليه بوجود نوازل تُلزم أهل العلم بالإفتاء فيها، وبيان حكم الله الذي يرونه منطبقًا عليها، ولا يوجد لها ذِكر في كتب المتقدمين.

ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم وجود مَن هو أهل له، أو وجود من يجتهد إرضاء لحكامه: فيرد عليه بالكثرة الكاثرة من أئمة الدِّين في كل عصر، ومصر، ممن هم أهلٌ للاجتهاد، وممن لا يخافون في الله لومة لائم.

* ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق حتى لا يُفتح المجال لكل أحد أن يفتي في دين الله: فيرد عليه:

أ. أن الحاجة ملحة للحكم على ما يستجد من مسائل.

ب. أن العلماء وضعوا ضوابط وشروطًا ينبغي تحققها في المجتهد، فليست المسألة فوضى حتى يُجعل الاجتهاد بيد كل أحد.

ج. أن الجاهل لو أفتى بغير علم فإن العلماء له بالمرصاد لإسقاطه، والتحذير منه، فهم أمناء الدين، وحراس حدوده.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 42، 43 ) :

والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل، وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.

والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام، ولقد رأينا بعض من يدَّعي الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم بالقول، ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين، فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقا؛ لأن المصلحة – في زعمه – توجب الأخذ به، ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه ” تنظيم الأسرة “، ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ، ومنهم … ومنهم … فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.

ولكنا نقول: إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة وتفصيلًا لا يتفق مع الشريعة نصًّا وروحًا، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث لم تقع في العصور القديمة.  انتهى.

* وسئل علماء اللجنة الدائمة: 

هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحًا لكل إنسان، أو أن هناك شروط لا بد أن تتوفر في المجتهد؟ وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه، دون معرفته بالدليل الواضح؟ وما درجة الحديث القائل ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) أو ما معناه؟.

فأجابوا:

باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحًا لمن كان أهلاً لذلك، بأن يكون عالمًا بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها، من الآيات والأحاديث، قادرًا على فهمهما، والاستدلال بهما على مطلوبه ، وعالمًا بدرجة ما يستدل به من الأحاديث، وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفًا من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص؛ ليتأتَّى له الاستدلال بها، والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يُفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي، ثم بأقوال أهل العلم، ونظرهم في الأدلة، وطريقتهم في الاستدلال بها، والاستنباط، ثم يتكلم، أو يفتي بما اقتنع به، ورضيه لنفسه دينًا.

أما حديث ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ): فقد رواه الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في ” سننه “، عن عبد الله بن أبي جعفر المصري مرسلًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 17 ، 18 ).

 

رابعًا:

وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟! ولعل السائل يريد: الاجتهاد الذي يخالف ما أجمع عليه الصحابة، والجواب عليه: أنه لا يجوز لأحدٍ أن ينقض إجماعًا ثابتًا، ليس من أهل عصرنا فحسب، بل من كل من جاء بعد ثبوت ذلك الإجماع، ولو كان من التابعين، وإنما نرى خلاف العلماء للإجماعات قبلهم لأسباب:

  1. أنه قد لا يكون ثبت لدى ذلك الفقيه ذلك الإجماع، فبذل وسعه، واجتهد، وتوصل لخلاف ما ثبت الإجماع عليه.
  2. أن الإجماع الثابت قد لا يكون إجماعاً متفقًا على حجيته، كالإجماع السكوتي، فيرى الفقيه أن من حقه أن يجتهد، وأن ذلك الجماع ليس ملزمًا له.

وأما مع كون الإجماع قطعيًّا: فإنه لا يحل لأحدٍ أن يجتهد في المسألة أصلًا، فضلًا أن يخالفها، والإجماع مستنده النص، والمخالف له: مخالف للقرآن والسنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما أجمعوا عليه فلا بدَّ أن يكون فيه نصٌّ عن الرسول، فكل مسألة يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، وأما إذا كان يظن الإجماع، ولا يقطع به: فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع، وما لا يكفر.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 39 ).

* وقال السرخسي – رحمه الله -:

الإجماع موجب للعلم قطعًا بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الاجماع بدليله. ” أصول السرخسي ” ( 1 / 308 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح؛ لقوة مأخذه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 64 ).

 

والله أعلم.

 

 

ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام

ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام

السؤال:

لو أن زوجة الابن كانت تُجبر على أن تضاجع أبا زوجها لمدة خمسة وعشرين سنَة! فهل هذا يفسد الزواج بزوجها الأصلي الذي هو الابن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما في السؤال هو محض خيال! فكيف لإجبارٍ على الزنا أن يستمرَّ ربع قرن؟! يمكن أن يحدث أن تُجبر المرأة على الزنا من والد زوجها، أو من غيره، لكن استمرار ذلك الإجبار خمسًا وعشرين سنة هو أمر غير متخيَّل، وهل عجزت عن إخبار زوجها طيلة هذه المدة؟ وكيف لم تخبر أهلها؟ وهل لم تنجب أولادًا فيصيروا رجالًا يخشى منهم ذلك الجد! أسئلة كثيرة ترد في الذهن على مثل ذلك الادعاء الغريب تجعلنا نرفض حتى مجرد التفكير فيه.

وعليه: فإن تبين أن المرأة تكذب بهذا الادعاء على والد زوجها – ولو أنه فعل ذلك بها مرة واحدة – : فتعدُّ قاذفة، وعليه العقوبة الشرعية المقدَّرة للقذف، وهي الجلد ثمانين جلدة، كما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/ 4 ، فإذا لم يعترف والد زوجها بتلك الفعلة المنكرة : فيقام عليها حدُّ القذف.

ثانيا:

ومن المعلوم في الشرع المطهَّر: أن زوجة الابن محرَّمة على والد زوجها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ … وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما ) النساء/ 23، ومن كانت من النساء محرَّمة النكاح: كان الزنا بها أشد إثمًا، وأعظم جرمًا من الزنا بغيرها ممن يجوز له نكاحها، ولذا كانت عقوبة الزنا بالمحارم: القتل على كل حال، محصنًا كان الزناة أو غير محصنِين، على الصحيح من أقوال العلماء.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الصحيح: أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال؛ لحديث صحيح ورد في ذلك – وهو حديث ( مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ ) رواه الترمذي وغيره، واختلف في رفعه ووقفه -، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب ” الجواب الكافي ” أن الذي يزني بذات محرم منه: فإنه يُقتل بكل حال، مثل: ما لو زنا بأخته – والعياذ بالله -، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد، ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 246، 247 ).

* وقال ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:

وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرمًا مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ. ” زاد المعاد ” ( 5 / 36 ).

ومن نازع في الحديث فضعفه، ونازع في الحكم فقال: إنه لا يُقتل: فيقال له: لكن هذا لا ينطبق على حالتنا هذه؛ لأن والد الزوج محصن! فإن ثبت أنه زنا بزوجة ابنه: قتل رجمًا؛ لأنه زانٍ محصن، وحد الزاني المحصن: الرجم بالحجارة حتى الموت، وهو الذي ينبغي أن يقال في مثل هذه المسألة وشبيهاتها، وهو أن من وقع على ذات محرم وهو محصن: فإنه يطبَّق عليه الحكم المتفق عليه في حالته، وهو الرجم بالحجارة حتى الموت، وأما إن كان غير محصن: ففيه خلاف هل هو كالزنا أم يقتل على كل حال، والراجح: أنه يُقتل.

ولا يختلف حكم الزوجة عن حكم والد زوجها إن ثبت أنها مطاوعة له في الزنا؛ لأنها محصنة، فحدها: الرجم بالحجارة حتى الموت، ولا يمكن لقاضٍ أن يصدِّق أنه ثمة من تُكره على الزنا ربع قرن، ولا تستطيع دفع ذلك عن نفسها.

وبكل حال: فما ذكرناه هو حكم الله تعالى، والواجب على من تلبس بتلك القاذورة أن يتوب إلى الله قبل أن يلقاه على هذه الكبيرة، وأن يصلح حاله وشأنه، وأن يبتعد عن مكان تلك المعصية دون تأخير، أو تردد.

ثالثًا:

ولو ثبت زنا الأب بزوجة ابنه: لم يكن ذلك مفسداً للنكاح على الراجح من أقوال العلماء، وقد وقع في المسألة خلاف، فالحنفية والحنابلة يرون أن الزنا موجب لفسخ النكاح، وهو قول عند المالكية، وذهب الشافعية إلى أنه زنا الأب بزوجة ابنه: لا يحرم الزوجة على الابن، ولا يوجب فسخ النكاح، وهو القول الآخر عند المالكية، وهو الأشهر والمعتمد عندهم.

 

 

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فإن زنى بامرأة أبيه، أو ابنه، أو أم امرأته: فقد عصى الله تعالى، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه، امرأته، لو زنى بواحدة منهما .

” الأم ” ( 5 / 153 ).

* وقد بيَّن ابن رشد القرطبي رحمه الله سبب الخلاف بين العلماء فقال:

وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم ” النكاح “، أعني: في دلالته على المعنى الشرعي، واللغوي، فمن راعى الدلالة اللغوية في قوله تعالى ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) قال: يحرِّم الزنا، ومن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحرِّم الزنا، ومن علل هذا الحكم بالحرمة التي بين الأم والبنت، وبين الأب والابن قال: يحرِّم الزنا أيضا، ومن شبهه بالنسب قال: لا يحرِّم لإجماع الأكثر على أن النسب لا يلحق بالزنا.

” بداية المجتهد ” ( 2 / 26 ).

والراجح: هو مذهب الشافعي رحمه الله، وأن النكاح في الآية ليس هو الوطء، بل العقد، وأن الحرام لا يحرِّم الحلال؛ وللفروقات الكثيرة بين العقد، والوطء الحرام، من جهة النسب، والعدة، والميراث، وغيرها.

وهو الذي رجحه طائفة من المحققين المعاصرين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

نقول: هذا الواطئ وطئ مَن ليست زوجةً له، لا شرعًا، ولا اعتقادًا، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا: من أضعف ما يكون.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 13 / 332 ).

* وقال – رحمه الله -:

لو أن رجلًا زنى بامرأة فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في قول: ( وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ )، وقوله: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ )، وقوله: ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ )، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها من ليست من حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذًا: فتكون حلالًا؛ لدخولها في قوله تعالى: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)، وفي قراءة و ” أَحلَّ لكم ما وراء ذلك “.

والمذهب: أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ: حرُم عليه أصولها، وفروعها، وحرم عليها أصوله، وفروعه ، تحريمًا مؤبَّدًا، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح،  وهو من أضعف الأقوال. ” الشرح الممتع ” ( 12 / 119 ، 120 ).

 

ولعل مثل هذه الحوادث أن تبين للناس مدى الظلمة التي يعيش فيها من ابتعد عن دين الله تعالى، وسواء ثبتت تلك الواقعة أو لم تثبت: فقد ثبت غيرها كثير، فالواجب على المسلمين أن ينتبهوا قبل أن يصبحوا عبرة لغيرهم، وليراعوا فروقات الأعمار بين آبائهم وزوجاتهم، وبين نسائهم وأمهات نسائهم، فالأب الفتي الشاب ليس كالشيخ الكبير، وأم الزوجة الكبيرة ليست كالشابة الفتية، ومن لم يراعِ مثل هذا، وسمح لنفسه بالتساهل في اللمس، والتقبيل، والخلوة: فقد يسقط على أم رأسه، وفي الحوادث الكثيرة عبر لمن اعتبر.

 

والله أعلم.

 

كيف يتصرف مع أخته التي اكتشف أن لها علاقة محرَّمة مع أجنبي؟

كيف يتصرف مع أخته التي اكتشف أن لها علاقة محرَّمة مع أجنبي؟

السؤال:

أنا شاب، اكتشفت علاقة محرَّمة لأختي الكبيرة بشاب أجنبي عنها عن طريق الإنترنت، وأظن أن السبب الأول هو: الفراغ العاطفي الذي تعاني منه أختي من جهة أمي، وأبي، ومن جهتي أنا، والثاني: هو أنها خائفة من تأخر زواجها، أو عدمه – حسب ظني -.

كما أني قد اكتشفت لها علاقة محرمة من قبلُ، وحذرتها من الوقوع في هذا مرة ثانية، وعاهدتني على أن لا تعود لهذا ، علماً أن أختي تعمل في مكان مختلط، وتكلم الأجانب كأنهم إخوة لها.

الرجاء منكم نصحنا لما هو خير، وما الواجب عليَّ فعله لمواجهة هذا البلاء العظيم؟. جزاكم الله عنَّا كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن هذا أمر محزن، ومؤلم، والمسلم لا يرضى الفحش في أهل بيته، ولا يقبل به، وإذا كان هذا الفحش صادرًا من أنثى في الأسرة: كان أشد إيلامًا على النفوس الشريفة من أهل بيتها.

وكثيرا ما نسمع ونرى من تصرفات حمقاء، خرقاء، من بعض من يظن نفسه مصيباً في فعله، فيسارع إلى قتل أخته، أو ابنته، إن علم بوجود علاقة بينها وبين رجل أجنبي، وقد لا تكون تتعدى المراسلات والمكالمات، نعم فعلها محرَّم، ونعم غيرته حسنة، طيبة، في أصلها، لكن تصرفه كان مخالفًا للشرع، وليس حكم من كلمت أجنبيًّا، أو راسلته أنها تُقتل.

ولذا فنحن نشكر لك غيرتك المحمودة، ونشكر لك توجهك بالسؤال لنا، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تصيب الحق والصواب في تصرفك معها، ونسأله تعالى أن يهديها، وأن يصلح حالها.

وملخص ما نذكره هنا هو قطع الأسباب التي أدَّت بها في أن تقع بذلك المنكر، والعمل على تقوية دينها، وإيمانها، بما يجعلها تنفر من فعل الحرام، وتبتعد عنه.

وعليك أن تحاول أنت وأهلك بكل ما أوتيتم من قوة وحكمة أن توقفوا أختك عن العمل إما مطلقًا، وهذا أفضل، أو أن تعمل في بيئة ليس فيها رجال؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تعمل في مكان مختلط؛ لما يترتب على الاختلاط من مفاسد، ومحاذير.

 

والله الموفق.

هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق؟

هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق؟

السؤال:

هل تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام؟ لأن الإنسان يرى أمواتاً من أقاربه، ويتحدث إليهم في منامه، أو يطلبون صدقة، أو يرى الميتَ في نعيم، وبساتين، هل هذه منازله؟ وهل هذه روحه التقت مع روح الميت لأن النوم هو الموتة الصغرى؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثبت في الشرع، والواقع، ما يدل على التقاء أرواح الأحياء والأموات، وذلك في قول طائفة من أهل السنَّة.

  1. أما ثبوت اللقاء في الشرع: ففي قوله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الزمر/ 42.

* وفي هذه الآية قولان مشهوران:

الأول: ” وهو أن المُمْسَكة: مَن توفيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة: مَن توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه يتوفى نفس الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسده إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاة الأخرى “.

وهذا كلام ابن القيم في كتابه ” الروح ” ( ص 20، 21 ) وترجيحه.

والقول الثاني – وعليه الأكثرون -: ” أن كلا من النفْسين: الممسَكة، والمرسَلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت : فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدَّمها بقوله: ( الله يتوفى الأنفس حين موتها)، وعلى هذا يدل الكتاب، والسنَّة …

فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة، وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم، أو قبل ذلك؛ ويرسل من لم تمت. وقوله: ( يتوفَّى الأنفس حين موتها ) يتناول ما ماتت في اليقظة، وما ماتت في النوم؛ فلما ذكر التوفيتين: ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين، ويرسلها في الأخرى؛ وهذا ظاهر اللفظ، ومدلوله، بلا تكلف “.

وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمة في ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 452، 453 ) وترجيحه.

والآية على كلا القولين تصلح دليلا لالتقاء أرواح الأحياء بالأموات، فقد ذكر ابن القيم المسألة، وانتصر لها بقوة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – بعد ترجيحه القول الثاني -:

وما ذُكر من التقاء أرواح النيام والموتى: لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 453 ).

كما أن طائفة كبيرة من السلف رحمهم الله رأت في الآية دليلا على ذلك اللقاء بين أرواح الأحياء في منامهم، مع أرواح الأموات في برزخهم.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد: أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.

وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى ) أي: يعيدها.  ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 260 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة، والإمساك، والإرسال، وأن أرواح الأحياء، والأموات، تتلاقى في البرزخ ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات.

” تفسير السعدي ” ( ص 725 ).

وثمة قول آخر في الآية: وهو أن الروح الممسَكة، والمرسَلة: هي روح الميت، وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ثانيًا:

  1. وأما ثبوت اللقاء في الواقع: فقد قال ابن القيم رحمه الله:

شواهد هذه المسألة، وأدلتها: أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى، والحس، والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء، والأموات، كما تلاقي أرواح الأحياء. ” الروح ” ( ص 20 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقد دلَّ التقاء أرواح الأحياء والأموات: أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيُّ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي، والمستقبل، وربما أخبره بمالٍ دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، وذَكَر له شواهده، وأدلته.

وأبلغ من هذا: أنه يخبر بما عملَه من عملٍ لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمورٍ يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره. ” الروح ” ( ص 21 ).

وما يوجد من الحكايات والأخبار الحقيقية في هذا الباب أشهر من أن تُنكر، وأكثر من أن تُذكر، ومن هنا قال ابن القيم رحمه الله:

وهذا باب طويل جدًّا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلتَ: هذه منامات، وهي غير معصومة: فتأمَّل مَن رأى صاحباً له، أو قريبًا، أو غيره، فأخبره بأمرٍ لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا، أو أخبره بمالٍ دفنه، أو حذَّره من أمر يقع، أو بشَّره بأمرٍ يوجد، فوقع كما قال، أو أخبره بأنه يموت هو، أو بعض أهله إلى كذا وكذا، فيقع كما أخبر، أو أَخبره بخصبٍ، أو جدبٍ، أو عدوٍّ، أو نازلة، أو مرض، أو بغرضٍ له، فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذاك عجائب.

وأبطل من قال: إن هذه كلها علوم، وعقائد، في النفس، تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم، وهذا عين الباطل، والمحال؛ فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور التي يُخبِر بها الميتُ، ولا خطرت ببالها، ولا عندها علامة عليها، ولا أمارة بوجه ما، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك.

” الروح ” ( ص 29 ).

ثالثًا:

وما قاله الإمام ابن القيم، ونقلناه عن السلف، هو الذي يقول به أئمتنا المعاصرون، وينفون ما يُزعم من لقاء الأحياء بالأموات عن طريق ” التنويم المغناطيسي “، أو ما يسمَّى ” تحضير الأرواح “، أو اللقاء في المقابر في أيام معينة، وإنما يحصرون هذا اللقاء في المنام فقط.

  1. * قال الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله -:

قال ابن القيم رحمه الله: ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر “، فهذا هو الذي عليه السلف، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله، وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدَّعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات، ويكلمونها، ويسألونها، فهذه ادعاءات باطلة، ليس لها ما يؤيدها من النقل، ولا من العقل، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح، والمتصرف فيها، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه، وخلافه لا ينازعه منازع، أما مَن يدعي غير ذلك: فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311، 312 ).

  1. * قال علماء اللجنة الدائمة:

دنو أرواح الأموات من قبورهم يوم الجمعة، أو ليلتها، ومعرفتهم مَن زارهم، أو مرَّ بهم، وسلَّم عليهم، أكثر من معرفتهم بهم في غير يوم الجمعة، أو ليلتها، والتقاء الأحياء والأموات ذلك اليوم: كل هذا من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، فلا تُعلم إلا بوحي من الله لنبيٍّ من أنبيائه، ولم يثبت في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، ولا يكفي في معرفة ذلك الأحلام؛ فإنها تخطئ، وتصيب، فالقول بها، والاعتماد عليها: رجم بالغيب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 646 فما بعدها )، وقد نقدوا الروايات الواردة في لقاء الأحياء بالأموات في المقابر، وكذا ما جاء في ذلك من منامات، وهو أضعف من أن يُحتج به على أمر غيبي.

  1. * قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد تكون الرؤيا صحيحة، فإن الإنسان قد يرى الميت في المنام، ويحدثه بأحاديث، ومن ذلك ما حدث لثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه حين استشهد في اليمامة، وكان عليه دِرع فمرَّ به رجل من الجند، وأخذ درعه، ووضعه في رحله تحت برمة – والبُرمة شيء يشبه القِدر لكنه يكون من الطين، أو الحجارة – المهم: أنه وضع هذا الدرع تحت هذه البرمة، وكان حوله فرس يستن، فرأى رجل من أصحاب ثابت بن قيس – رآه في المنام – وأخبره بالخبر، وقال: إنه مرَّ بي رجل، وأخذ الدرع، ووضعه تحت برمة في جانب العسكر، وحوله فرس تستن، فلما أصبح ذهب إلى المكان، ووجد الأمر كما قال ثابت بن قيس، وهناك قضايا تُذكر لنا، تتلاقى فيها أرواح الأحياء والأموات، ويتحدث الأموات بشيء يكون حقيقة، ولكن لو تحدث الميت إلى الشخص بأمرٍ لا يحلُّ شرعًا، أو بأمر لا يمكن أن يكون، أو بأمرٍ من أمور الغيب المستقبلة ، مثل أن يقول: سيحدث كذا، وسيحدث كذا: فإن هذا ليس بشيءٍ، ولا يُركن إليه، ولا يُقبل. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 206، وجه: أ ).

رابعًا:

وما يراه النائم من حال الميت، أو منزلته في الجنة: فإنه إن كانت رؤيا صحيحة: فما يراه هو الواقع، وقد ثبت عن كثير من السلف أنهم رأوا أمواتاً في المنام، فسألوهم عن أحوالهم، فأخبروهم بها، ثم نقلوا ذلك لنا، وهم أئمة أعلام، ولولا أن ذلك مما يؤخذ به: لما كان لهم ذِكر ذلك للناس، على أننا نقول: قد يكون ما رأوه هو حال ذلك الميت في تلك اللحظة، أما الخير والنعيم: فإما أن يثبت، أو يزيد، وأما حال الشر والسوء: فقد يتغير للأحسن بفضل الله ورحمته، ومما ورد في ذلك من نقل العلماء الثقات الأثبات، ونبدأ بما يقطع بصحة الأمر شرعًا، وذلك بالنقل عن صحابي رأى آخر في منامه، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم:

  1. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.

فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ. رواه مسلم ( 116 ).

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 1 / 324 ).

  1. * قال أبو داود – صاحب ” السنن ” -:

محمَّد بن محمد بن خلاَّد – وهو من شيوخه – قتله الزِّنج صبرًا، فقال بيده هكذا – ومدَّ أبو داود يده، وجعل بطون كفيه إلى الأرض -، قال: ورأيتُه في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة.

أبو داود بعد الحديث رقم ( 3281 ).

  1. * وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

رئي عمرو بن مرَّة الجملي – وهو من خيار أهل الكوفة، شيخ الثوري وغيره – بعد موته ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحبِّ علي بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها.

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 6 / 201 ).

  1. * وقال الذهبي – رحمه الله -:

قال حبيش بن مبشر – أحد الثقات -: رأيتُ ” يحيى بن معين ” في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أعطاني، وحبَاني، وزوَّجني ثلاث مائة حوراء، ومهَّد لي بين البابين. ” تذكرة الحفَّاظ ” ( 2 / 15 ).

والله أعلم.

حكم المواقع التي تفرد أقسامًا للكتابة في تفاصيل العلاقة الزوجية الخاصَّة

حكم المواقع التي تفرد أقسامًا للكتابة في تفاصيل العلاقة الزوجية الخاصَّة

السؤال:

ما حكم الكتب، ومواقع الإنترنت، والدورات التدريبية المتخصصة بمواضيع الثقافة الجنسية؟ علمًا بأن المواقع التي أتحدث عنها – وقد شاهدتها بنفسي – عربية، ويرتادها نساء مسلمات، وهي مخصصة للنساء فقط، ولا يسمح بمشاركة الرجال فيها إطلاقًا، وتتحدث عن أنواع المداعبات الزوجية، وأوضاع الجماع، ولكن دون صور إباحية، أو ما شابه، كما أنها تنبذ الممارسات الشاذة، والمحرمة بالدين الإسلامي، والدورات التي أتحدث عنها أيضًا مخصصة للنساء المتزوجات فقط، وتُلقيها أستاذة – امرأة -، وتتحدث عن مواضيع مختلفة، منها: زيادة الحب، والود بين الزوجين، وطرق إغراء الزوج، والتفاهم بين الزوجين.

أنا أعترف بأنني أشعر بانتعاش، وتحسن شديد بعلاقتي الزوجية بعد قراءتي لهذه المواضيع. ما حكم هذه الأمور؟. جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أمر الله تعالى الأزواج أن يعاشر كل منهما صاحبه بالمعروف، والمعاشرة الجنسية بين الأزواج تدخل في هذا الأمر، ومما لا شك فيه أن كلا الزوجين بحاجة لـ ” ثقافة جنسية ” تسهل عليهما الحياة الزوجية، وتقوي ما بينهما من رباط.

– وإنه لمن المحزن أننا نجد في هذا الأمر إفراطًا، وتفريطًا:

أما الإفراط: فهو ما ينتشر في الآفاق من نشر لهذه الثقافة الجنسية بقوة، من غير حياء، ولا حشمة، فتتناولها المناهج الدراسية بالتعليم النظري، ويتناولها دعاة الفحش، والعهر، بالتطبيق العملي، وذلك من خلال تسهيل عملية اللقاء بين الجنسين بكل ما هو محرَّم، ومثل هذا العلم والعمل يكون قبل الزواج بسنوات، بل إنه ليبعِّد كثيرين عن الزواج؛ لما يراه من متعة! من غير تحمل مسئولية، ومن غير ارتباط بشريك واحد.

وأما التفريط: فهو منع تعلم تلك الأمور المتعلقة بالجنس، فتتزوج الفتاة وهي لا تعرف ما يثير زوجها، ولا تعرف كيف تعينه على قضاء شهوته، ولا تعرف ما يحل لها في تلك العلاقة، وما يحرم عليها.

ومن ظنَّ أن الإسلام جاء ليحارب هذه ” الثقافة ” بالكلية: فهو مخطئ، وهو جاهل بأحكام الإسلام، وثمة أبواب في كتب الإسلام المشهورة صنفت لهذا الغرض، كما أفرد بعضهم ذلك بالتصنيف المستقل، قديمًا، وحديثًا.

 

وفي القرآن والسنَّة تصريحات بأدق تلك الأمور التي تكون بين الزوج وزوجته، في التقبيل، والمداعبة، والجماع، لكن جاء ذلك بعبارات غاية في الأدب، والحشمة، كما في قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ ) البقرة/ 187، وقوله تعالى: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) البقرة/ من الآية 223، وقوله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله لما علِم بتزوجه من ثيب:  ( فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا ) رواه البخاري ( 5052 ) ومسلم ( 715 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص المواقع التي تعلِّم النساء تلك الثقافة الجنسية: فإننا لا نرى مانعًا من الاشتراك بها، وقراءة موادها، لكن ليس الأمر على إطلاقه، بل لا بدَّ من شروط وضوابط، حتى لا تقع مخالفات شرعية، ومن ذلك:

  1. أن تُضبط أمور الاشتراك بحزم، فلا يمكَّن كل من أراد الاشتراك والقراءة، بل يُقتصر في ذلك على النساء المتزوجات، أو اللاتي عقدن النكاح، وهنَّ على أبواب الدخول في الحياة الزوجية العملية، وهذا الحزم هو ما تسلكه الأخوات اللاتي يلتقين في ” البال توك ” للتحدث بأصواتهن في مسائل العلم، ولو فُتح الباب لكل أحدٍ: لفتح باب شر كبير، ولا شك أن لقراءة تفاصيل العلاقة الحميمية بين الزوج وزوجته يهيج الشهوة، وإذا كانت الأمور غير منضبطة بما ذكرناه: أمكن مشاركة الشباب والشابات، وصارت تلك المواقع مواقع نشر فساد، وتهييج شهوات.
  2. أن تخلو تلك المواقع، والمقالات من الصور المحرَّمة، كصور النساء عمومًا، أو الصور اليدوية، وخاصّه تلك التي تُرسم فيها الأعضاء الجنسية.
  3. تجنب الألفاظ النابية، والتخلق بأخلاق الإسلام في الاكتفاء بما يوصل الرسالة، دون التعرض للألفاظ الصريحة المؤذية، إلا أن تكون حاجة لذلك.
  4. تجنب عرض تلك المواضيع بالصوت – كما تعقدها بعض النساء في دورات! -، ومن باب أولى بالصوت والصورة؛ لما في ذلك من تعريض المتكلمات أنفسهن للسوء، من خلال انتشار أشرطة تلك المحاضرات بين أيدي السفهاء، وتعريض المتكلمات أنفسهن لتعليقات ساخرة، ومهينة، من أهل الفساد.
  5. عدم الاكتفاء في التعليم والتوجيه لمسائل الحب، والعشق، وممارسة الجنس، وتعليق الزوج بالفراش، فالعلاقة الزوجية أسمى من أن تكون موجهة لذلك الاتجاه دون غيره، بل تعلَّم المرأة أخلاق الإسلام في التعامل مع زوجها، وأهل زوجها، وتعلَّم أصول تربية أولادها، وضبط علاقاتها بجيرانها، وأقرباء زوجها، وأمور تنظيف البيت، وترتيبه، والطهي، واستغلال الوقت في التزود بالعلم الشرعي، والإتيان بالأذكار، وتعليمهن مسائل الشرع الخاصة بالنساء، كأحكام الحيض، والغسل، وغير ذلك، وبذلك تكون هذه المواقع قد أدت رسالتها على أكمل وجه، وإننا لنرى أنه من المهانة للمرأة حصر تعليمها وتوجيهها في الأمور الجنسية، وأمور الفراش، وهذه الأمور وإن كانت لها أهمية بالغة، لكنها جزء من الحياة الزوجية، لا كلها.

والمرجو من أصحاب المواقع الالتزام بهذه الشروط، والضوابط، وعدم التسبب في نشر الفساد، والفواحش، ولو التزموا بما ذكرناه كان لهم عظيم الأجر في الدلالة على ما فيه سعادة الأسرة، وتماسكها، وتوثيق العلاقة بين أفرادها.

 

والله أعلم.

 

 

 

نصائح وتوجيهات مهمة لأخت تحب شيختها أكثر من والديها!

نصائح وتوجيهات مهمة لأخت تحب شيختها أكثر من والديها!

السؤال:

هل شعور طالبة العلم تجاه شيختها بالحب، والاحترام، أكثر من حب الوالدين هو من العقوق؟ وماذا تنصحون بخصوص هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن شعور الطالبة بالحب والتقدير لشيختها أمر طيب، وإن بذل الاحترام لها من الأخلاق الجليلة في شرع الله تعالى، ولكن لا نرى مجالًا للمقارنة بين حبِّ الطالبة لشيختها مع حبها لوالديها؛ ذلك أن حب الوالدين فطري، ومنبعه ليس كمنبع حب الشيخة المتولد من سبب دفعها لذلك الحب.

* ولكننا نلمح في السؤال أمرًا خطيرًا، ويتمثل ذلك في أمرين:

الأول: أننا نخشى على ذلك ” الحب ” بين الطالبة وشيختها أن يتطور إلى ” إعجاب “، وهو داء عظيم ابتليت به فئام من الناس، فتعلق الطالب بأستاذه، والعكس ، وتعلقت الفتاة بمدرستها، والعكس، ونتج عن ذلك مفاسد لا حصر لها.

والثاني : أننا نخشى أن يتطور ذلك ” الحب ” بين الطالبة وشيختها إلى ” التعظيم “، و ” التقديس “، وهو ما يحصل في الجماعات الصوفية، وخاصة ما يطلق عليه جماعة ” القبيسيات ” – نسبة لمنيرة القبيسي في دمشق – ، أو ” الطبَّاعيات ” – نسبة لفادية الطبَّاع في الأردن، وهنَّ أصحاب مدرسة ” الدر المنثور ” في العاصمة عمَّان -، أو ” السَّحَريات ” – نسبة لسحَر الحلبي في لبنان -، أو ” بيادر السلام ” – اسم الجمعية النسائية في الكويت -، وكلها أسماء لمسمى واحد، وهي جماعة صوفية نسائية، تتبنى الطريقة النقشبندية، وتجتمع على تعظيم الشيخة! وتقديسها، وتتربى الفتيات والنساء المنتسبات لهذه الجماعة على تقديم شيختهن على الوالدين، وعلى الأزواج، وهو ما سبَّب فتنًا كثيرة في بيوت تلك المنتسبات، وأدى لطلاقهن.

* وقد صدرت فتوى مطولة بخصوص تلك الجماعة من علماء اللجنة الدائمة، نقتطف منها:

  1. الطرق الصوفية، ومنها النقشبندية: كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة.
  2. الطرق الصوفية لم تقتصر على كونها بدعة – مع ما في البدعة من الضلال -، ولكن داخلها كثير من الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في مشائخ الطرق والاستغاثة بهم من دون الله.
  3. ومن ذلك ما ورد في السؤال من قولهم: ” مَن لا شيخ له: فشيخه الشيطان “، و ” مَن لم ينفعه أدب المربي: لم ينفعه كتاب ولا سنَّة “، و ” مَن قال لشيخه: لمَ؟: لمْ يفلح أبدًا “، وهذه كلها أقوال باطلة، مخالفة للكتاب والسنَّة؛ لأن الذي يقبل قوله مطلقا بدون مناقشة، ولا معارضة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  4. فالواجب: الحذر من الصوفية، ومَن يتبعها، رجالًا، ونساءً، ومِن توليهم التدريس، والتربية، ودخولهم في الجمعيات النسائية وغيرها؛ لئلا يفسدوا عقائد الناس، والواجب على الرجل: منع موليته من الدخول في تلك الجمعيات، أو المدارس التي يتولاها الصوفية، أو يدرسون فيها ؛ حفاظًا على عقائدهن، وحفاظًا على الأسَر من التفكك، وإفساد الزوجات على أزواجهن.
  5. والمرأة التي تأثرت بالتصوف، ولم تصل إلى حدِّ الاعتقاد المذكور: لا ينبغي التزوج بها ابتداء، ولا إمساكها ممن تزوجها إلا بعد مناصحتها، وتوبتها إلى الله.
  6. والذي ننصح به للنسوة المذكورات هو التوبة إلى الله، والرجوع إلى الحق، وترك هذا المذهب الباطل، والحذر من دعاة السوء، والتمسك بمذهب أهل السنَّة والجماعة، وقراءة الكتب النافعة المشتملة على العقيدة الصحيحة، والاستماع للدروس والمحاضرات والبرامج المفيدة التي يقوم بإعدادها العلماء المستقيمون على المنهج الصحيح، كما ننصح لهن بطاعة أزواجهن وأولياء أمورهن في المعروف.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 74 – 79 ).

وهذا الذي نخشاه مما ذكرناه آنفًا ليس هو محض خيال، ولا توهم لما ليس موجودًا، بل نحن على اطلاع كافٍ لنحكم على علاقات الناس بما يناسب واقعها، ولنحذرهم من مغبة الوقوع في مفاسد قد لا ينتبه أحدهم إلى احتمال حدوثها، أو أنه يستبعد وقوعها؛ لجهله بحقيقة ما ومن ينتسب إليه، من جماعة، أو شخص.

فننصح الأخت السائلة أن تقتصد بحب شيختها، وأن تربط حبها لها باستقامة تلك الشيخة على طاعة الله تعالى، فلا تربط تلك المحبة بشكلها، ولا تحبها لهيئتها، ولا لباسها، ولا لمالها، بل تكون محبتها لها مبنية على الشرع، فتحبها لاستقامتها، ويكون ذلك بقدَر، من غير غلو ولا إفراط، وإذا رأت أن محبتها بدأت تنحرف عن مسارها الشرعي الصحيح إلى ما ذكرناه من ” إعجاب “، أو ” تعظيم “: فلتسارع لعلاج نفسها، ولتقوِّم تلك المحبة ، فإن لم تستطع : فلتتركها، ولن تكون آثمة، بل الإثم – حينئذٍ – في الاستمرار بتلك العلاقة.

 

والله أعلم.

 

 

الأسباب الواردة في هبة سودة ليلتها لعائشة وبيان الراجح منها

الأسباب الواردة في هبة سودة ليلتها لعائشة وبيان الراجح منها

السؤال:

ذُكر أن النبي صلى الله عليه عرض على ” سودة بنت زمعة ” الطلاق عندما كبرت في العمر، ولكنها رفضت، ومن ثَمَّ أعطت يومها لعائشة رضي الله عنها.

يبدو لي أن هذا الفعل على إطلاقه هكذا لا يمكن أن يكون صدر من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنه لا بد من أن يكون هناك خلفية لهذه القصة، وهو الأمر الذي أريد أن تشرحوه لي. وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

ثبت في الصحيحين أن أم المؤمنين ” سودة بنت زمعة ” رضي الله عنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله، وهذا المقدار لا شك فيه من حيث الثبوت, ولكن ما هو سبب هذا الفعل من أم المؤمنين سودة رضي الله؟ جاء ذلك على وجوه متعددة:

  1. قيل: إن ذلك كان بعد تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لها.
  2. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم همَّ بتطليقها.
  3. وقيل: إنها ظنَّت أنه سيطلقها، ولذا تنازلت عن ليلتها لعائشة؛ لتبقى في عصمته صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وتكون زوجة له في الآخرة، فقبل منها ذلك صلى الله عليه وسلم.
  4. وقيل: إنها أرادات بتلك الهبة رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كانت تعلم محبته لعائشة رضي الله عنها، وهذان السببان هما أصح ما ورد من الأسباب لذلك الفعل منها رضي الله عنها.

أ. أما ما ورد أنها رضي الله عنها وهبت ليلتها لعائشة بعد أن طلقها النبي صلى الله عليه وسلم : فهي رواية ضعيفة.

* قال ابن الملقِّن – رحمه الله -:

وَهَذِه رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه: ” أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طلَّق سودةَ، فلمَّا خرج إِلَى الصَّلَاة أمسكتْهُ بِثَوْبِهِ، فقالتْ: مَا لي فِي الرِّجال حَاجَة، وَلَكِنِّي أُرِيد أَن أُحْشَرَ فِي أَزوَاجك، قَالَ: فراجَعَهَا، وَجعل يَوْمهَا لعَائِشَة، فَكَانَ يِقَسْم لَهَا بيومها، وَيَوْم سَوْدَة “.

وَهَذَا مَعَ إرْسَاله: فِيهِ أَحْمد العطاردي، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا بَأْس بِهِ ، وَقَالَ ابْن عدي: رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ عَلَى ضعفه، وَقَالَ مُطيَّن: كَانَ يكذب.

” البدر المنير ” ( 8 / 48 ).

وكذبه رحمه الله ليس في الحديث، وإلا كان حديثه موضوعًا، وقد بيَّنه الإمام الذهبي رحمه الله فقال إنه كذب في لهجته، لا في روايته.

* قال رحمه الله:

قُلْت: يَعنِي فِي لَهْجَتِهِ، لاَ أَنَّه يَكْذِبُ في الحَديثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَد مِنهُ، وَلاَ تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ، وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُ صَدوقٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ: أَنَّه رَوَى أَوْرَاقاً مِنَ ” المَغَازِي ” بِنُزُولٍ، عَن أَبِيهِ، عَن يُونُسَ بنِ بُكَيْرٍ، وَقَد أَثنَى عَلَيهِ الخَطِيبُ، وَقَوَّاهُ، وَاحتَجَّ بِهِ البَيْهَقِيُّ فِي تَصَانِيْفِهِ. ” سير أعلام النبلاء ” ( 25 / 55 ).

وثمة رواية أخرى نحوها قال عنها الحافظ ابن كثير في ”  التفسير ” ( 2 / 427): غريب، مرسل.

 

ب. وأما القول بأن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنهما: فلم نره في حديث، بل كان فهمًا من بعض المفسرين، والعلماء، ومن ذلك:

* قال الماوردي – رحمه الله – في بيان سبب نزول قوله تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا ) –:

أحدهما: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همَّ بطلاق سودة بنت زمعة، فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها، وهذا قول السدِّي.

” تفسير الماوردي ” ( 1 / 533 ).

 

ج. وأما ما ورد أنها رضي الله عنها خشيت من تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لها: فهو أصح ما ورد في المسألة:

عَنْ عروة بن الزبير قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ، وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، قَالَتْ: نَقُولُ: فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا – أُرَاهُ قَالَ -: ( وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ).

رواه أبو داود ( 2135 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ” لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَة، فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ: ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ).

رواه الترمذي ( 3040 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

د. وأما ما ورد أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها ساعية لرضا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد ثبت ذلك في صحيح البخاري، قال عائشة رضي الله عنها: ” غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” رواه البخاري ( 2453 ).

 

فهذه الآثار واضحة من كلام عائشة رضي الله عنها أن ” سودة ” إنما خافت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم بسبب كبر سنِّها، وليس أنه باشر طلاقها فعلًا، وما ورد أنه فعل ذلك: مرسل ضعيف لا يصح، ولم يرد أنه همَّ بطلاقها لأجل كبر سنِّها.

 

وأمر آخر: أن النبي صلى الله عليه لم يتزوجها أصلًا من أجل صغر سنِّها، ولا من أجل الشهوة، فقد كانت كبيرةً في السنِّ حين تزوجها، فلم يكن ليطلقها عندما ازدادت حاجتها له صلى الله عليه وسلم، وكل نسائه لمَّا تزوجهن كنَّ ثيبات، وذوات أولاد، إلا عائشة رضي الله عنها، فلم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم صاحب شهوة يبحث عن أبكار وصغيرات ليتزوجهن، ثم إن كبرن طلَّقهن، فهذا ليس من خلقه صلى الله عليه وسلم، وإن كان ذلك جائزًا من حيث الحكم الشرعي.

 

وأمر أخير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هاجرًا لسودة رضي الله عنها بالكلية، بل كانت هبتها لعائشة إنما هو ليلتها فقط، ولذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدور على نسائه عصرًا كل يوم، فيقبِّل، ويمس، دون جماع.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ “. رواه مسلم ( 1474 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

ومن ثَمَّ كان يعتني بهن، ويهتم بتفقد أحوالهن، فكان إذ صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل انقلب إلى صاحبه النوبة.

” فيض القدير ” ( 3 / 662 ).

* وقال الصنعاني – رحمه الله -:

” ثم يدنو منهن ” أي: دنو لمس، وتقبيل، من دون وقاع.

” سبل السلام ” ( 3 / 164 ).

 

والله أعلم.

زوَّج أخته لأخي صاحبه المصلي ثم طلقها ففقد الثقة في المصلين جميعًا! نصائح وتوجيهات

زوَّج أخته لأخي صاحبه المصلي ثم طلقها ففقد الثقة في المصلين جميعًا! نصائح وتوجيهات

السؤال:

أختي تزوجت منذ سنتين، وبعد شهرين طلقها زوجها بدعوى أنها غير صالحة للزواج، وقال: إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه، وذهبنا بها إلى طبيبة نسائية، وقالت: إنها امرأة طبيعية ليس بها شيء، لكن زوجها أصرَّ على طلاقها، وقال: أنا منذ اليوم الأول أردت إرجاعها لأني رأيت ضمورًا في صدرها، فهل هذا عيب خَلْقي يبيح له الطلاق؟ وأنا لم أزوجه إلا لأني أعرف أخاه يصلي معي في المسجد، حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفاً من تكرار ما مضى معي.

هذا جانب، الجانب الآخر: أختي هذه كانت دائمًا تفتعل المشاكل في البيت، خصوصاً مع أمي، وزوجة أخي الكبير، وكانت تسبها، وتسخر منها، وتقلل من شأنها، وكانت تدعو علينا بأن لا يوفقنا، فهل هذا عقوبة دنيوية لها بأن سخر لها شخصًا دمَّر حياتها بطلاقها، مع العلم أني وإخوتي بسببها لا يمكننا الزواج داخل البيت، وليس لنا إمكانية نتزوج خارج البيت، لذا قررنا ترك الزواج نهائيًّا، فما رأي فضيلتكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قولك ” حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفًا من تكرار ما مضى معي “!: مرفوض شرعًا، وعقلًا؛ لما يلي:

  1. يجوز للزوج أن يطلِّق حتى من غير إبداء أسباب لذلك، فكيف وقد أبدى عذره في طلاقه لأختك، فليس انتقادك له في محله.
  2. إن كنتَ زوَّجته أختك لمجرد أن أخاه يصلي معك: فأنت مخطئ منذ بداية، فأنت لا تعرف الزوج بل تعرف أخاه! فعليك أن تلوم نفسك، لا أن تلوم المصلين.
  3. وما دخل المصلين في الموضوع حتى تفقد الثقة فيهم، وهل يستوي المصلون جميعاً في سلوكهم، وأخلاقهم؟ وهل يصج شرعًا وعقلًا مثل هذا الحكم الجائر على من ليس له علاقة بموضوعك أصلًا؟!.
  4. وإذا كنتَ فقدت الثقة في المصلين، ولن تعيد الكرة مرة أخرى معهم: فهل يعني هذا أنك ستزوج أختك لرجل ليس له أخ يصلي؟! أم ستزوجها لغير مصلٍّ أصلا؟!.
  5. ولم لا تعكس الصورة؟ فبحسب منطقك: لن يتزوج أحد أخت أو ابنة أحد المصلين! لأن الزوج يعتبر نفسه قد خُدع، وسيحمِّل اللوم لأخيه المصلي! وهذا – منك ومنه – منطق مرفوض، وعلى كل واحد منكما أن يحمِّل نفسه المسئولية، ولذا شُرع النظر في الخطبة، وشرع السؤال والتحري قبل عقد النكاح.
  6. وها أنتَ تريد تحميل اللوم للزوج، ولأخيه، وللمصلين، وترفض الاعتراف بالحق، وهو أن تحمِّل اللوم لأختك، وها أنت تعترف بما تفعله أختك مع أمها، ومعك، ومع زوجة أخيك، فكيف تلوم – إذن – الزوج على تطليقها؟!.

 

ثانيًا:

وأنتَ لم تكن منصفًا مع نفسك حينما تحريتَ عن سببٍ واحد للطلاق، وسألتَ عنه، ولم تتحرَّ ولم تسأل عن السبب الثاني، فزوج أختك قال ” إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه ” وأنت ذهبت لطبيبة لتتكشف عن صدرها وترى هل هو طبيعي أم لا، وسألتنا عن حكم الطلاق من أجل هذا العيب، لكنك لم تلتفت إلى ما نراه السبب الأهم، وهو أنها لا تمكِّن نفسها لزوجها؛ حيث إنه أخبرك أنه رأى ضمور الصدر أول يوم في النكاح، لكنه تجاوز أن يجعله السبب الرئيس في الطلاق، فلما حصل منها نشوز عن حقه في الجماع: لم يكن بدٌّ من الطلاق، فجمع السببين لك، والظاهر بحسب نقلك عنه أن السبب الثاني هو الدافع الأقوى للطلاق.

 

ثالثًا:

وسؤالك إن كان ضمور الصدر يبيح الطلاق: ليس له وجه؛ لأننا ذكرنا أن الطلاق يجوز للزوج – مع القول بكراهته -حتى لو لم يكن له سبب، وهو إن كان غير متصور، لكن هذا هو الحكم النظري للمسألة، وأما عمليًّا: فلا يتصور طلاق إلا بسبب، ولا يهم أن يكون مقنعًا للزوجة، أو لأوليائها، أو لا يكون، والمهم أنه لم يتزوجها ليطلقها – بنية الطلاق – وإلا كان آثمًا، وها هو يخبرك بالأسباب التي دفعته للطلاق، فليس عليه حرج.

وإنما يرد مثل هذا السؤال من الزوج، لا منك، لو اعتبره هو من العيوب التي يرد بها النكاح – ولعلك تسأل هو كذلك أو لا، وهو ما قصدنا بقولنا لك ” ليس له وجه ” -، والصحيح: أن العيوب التي يرد بها النكاح هو ما كان مؤثِّرًا في مقاصد النكاح: الخدمة، والولد، والمتعة، وقد بينا هذا في جواب السؤال رقم ( 121794 )، وبما أن الزوج لم يتهمكم بالخداع، ولم يطالب بما دفعه لكم من مال: فلا نتعرض لهذه المسألة الآن.

 

 

 

 

رابعًا:

والظاهر لنا أن ما حصل مع أختك مع زوجها: هو من باب العقوبة؛ لأنك ذكرت أنها تفتعل المشاكل مع أمها، وعقوق الوالدين، والإساءة إليهما – وخاصة الأم – من كبائر الذنوب التي تستوجب على فاعلها عقوبة في الدنيا قبل عقوبة الآخرة.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بَابَانِ مُعَجَّلانِ عُقُوبتُهُما في الدُّنْيا: البَغْيُ وَالعُقُوقُ ). رواه الحاكم ( 4 / 196 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1120 ).

* قال المنَّاوي – رحمه الله -:

( بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا ) أي: قبل موت فاعليها.

( البغي ) أي: مجاوزة الحدِّ، والظلم.

( والعقوق ) للوالدين، وإن علَيا، أو أحدهما، أي: إيذاؤهما، ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع. ” فيض القدير ” ( 3 / 251 ).

فعليك واجب النصيحة لأختك، ولا تسمح لها بالإساءة لأحد ظلمًا وبغيًا، وخاصة والدتك، ولعلها أن تعقل، وتتوب، ونسأل الله ييسر الله لها زوجًا يستر عليها عاجلاً غير آجل.

 

خامسًا:

ولا ننصحك أنت وإخوتك بترك الزواج، أو حتى تأخيره؛ لأن الله تعالى ركَّب في الرجل غريزة وشهوة، ولا بدَّ له من تحصيل هذه الشهوة وتصريفها، فإن لم يفعل بالحلال: فقد لا يسلم من الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليه، فاحذروا من التأخير في الزواج، واسعوا لهداية أختكم، فإن لم يُجد معها: فخذوا على يديها بالقوة، ولا تحرموا أنفسكم من التمتع بما شرع الله لكم، ورغبكم به، واحرصوا على الزوجات الصالحات، ونسأل الله تعالى أن ييسر لكم ذلك عاجلًا غير آجل.

 

والله أعلم.